← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

الباب السادس والسبعون في سرية جرير بن عبد الله البجلي ﵁ إلى ذي الخلصة . روى الشيخان عن جرير رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال له: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» وكان بيتا لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد، تسمى الكعبة اليمانية. قال جرير: فنفرت في مائة وخمسين راكبا من أحمس وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري وقال: «اللهم ثبّته على الخيل واجعله هاديا مهديا» . قال: فأتيناه فكسرناه وحرّقناه وقتلنا من وجدنا عنده. وبعثت إلى رسول الله ﷺ رجلا يبشّره يكنى أبا أرطاة. فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ [والذي بعثك بالحق] ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب. قال: «فبرّك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات» . قال جرير: فأتيت رسول الله ﷺ فدعا لنا ولأحمس، فما وقعت عن فرس بعد [ (١) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: ذو الخلصة: محرّكة وبضمتين بيت كان يدعى الكعبة اليمانية لخثعم كان فيه صنم اسمه الخلصة. ألا: بمعنى هلا. تريحني: أي تدخلني في الراحة وهي الرحمة. خثعم: بفتح الخاء المعجمة وسكون الثاء المثلثة وفتح العين المهملة فميم. بجيلة: [كسفينة حيّ باليمن من معد] . نصب: بضمتين كل ما عبد من دون الله. تعبد: بضم الفوقية وسكون العين المهملة وفتح الموحدة. الكعبة: كل بيت مربع. اليمانية: منسوبة إلى اليمن، محرّكة. نفرت: بنون ففاء فراء: ذهبت.

стр. 2627

أحمس: تقدم تفسيره. لا أثبت على الخيل: [لا أتماسك عليها] . أبو أرطاة: [الأرطاة واحدة الأرطى وهو ضرب من الشجر يدبغ به] . كأنها جمل أجرب: أبي معبد. والجرباء الأرض المقحوطة. برّك: دعا بالبركة وهي النّماء والزيادة والسعادة.

стр. 2628

الباب السابع والسبعون في بعثة ﷺ علي بن أبي طالب وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن ﵄ . روى محمد بن رمضان بن شاكر في مناقب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: «وجه رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن وقال: «إذا اجتمعنا فعليّ الأمير وإن افترقتما فكل واحد منكما أمير» [ (١) ] . فاجتمعا. وبلغ عمرو بن معد يكرب. فابتدره عليّ مكانهما. فأقبل على جماعة من قومه. فلما دنا منهما قال: دعوني حتى آتي هؤلاء القوم فإني لم أسمّ لأحد قط إلا هابني. فلما دنا منهما نادى: أنا أبو ثور وأنا عمرو بن معد يكرب. فابتدره عليّ وخالد وكلاهما يقول لصاحبه: خلّني وإيّاه ويفديه بأمّه وأبيه. فقال عمرو إذ سمع قولهما: الغرب تفزع بي وأراني لهؤلاء جزرا. فانصرف عنهما. وكان عمرو فارس العرب مشهورا بالشجاعة وكان شاعرا محسنا» . وروى محمد بن عثمان بن أبي شيبة من طرق قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن وقال له: «إن مررت بقرية فلم تسمع أذانا فاسبهم» [ (٢) ] فمرّ ببني زبيد فلم يسمع أذانا فسباهم. فأتاه عمرو بن معد يكرب فكلّمه فيهم فوهبهم له، فوهب له عمرو سيفه الصّمصامة فتسلمه خالد ومدح عمرو خالدا في أبيات له.

стр. 2629

الباب الثامن ومن السبعون في بعثة ﷺ خالد بن الوليد ﵁ إلى خثعم . روى الطبراني برجال ثقات عن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ . بعثه إلى أناس من خثعم، فاعتصموا بالسجود فقتلهم فوداهم رسول الله ﷺ نصف الدية ثم قال: «أنا بريء من كل مسلم أقام مع المشركين لا تراءى ناراهما» [ (١) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: خثعم: تقدم الكلام عليها غير مرة. لا تراءى ناراهما: [لا تتراءى ناراهما] . الباب التاسع والسبعون في بعثة ﷺ عمرو بن مرة الجهني ﵁ إلى أبي سفيان بن الحارث قبل إسلامه . عن عمرو بن عمرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ بعث جهينة ومزينة إلى أبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب وكان منابذا للنبي ﷺ ، فلما ولّوا غير بعيد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله بأبي أنت وأمي علام تبعث [هؤلاء] قد كادا يتفانيان في الجاهلية أدركهم الإسلام وهم على بقية منها. فأمر رسول الله ﷺ بردّهم حتى وقفوا بين يديه. فعقد لعمرو بن مرّة على الجيشين على جهينة ومزينة وقال: «سيروا على بركة الله» . فساروا إلى أبي سفيان بن الحارث. فهزمه الله تعالى وكثر القتل في أصحابه. فلذلك يقول أبو سفيان بن الحارث: [ ... ] [ (٢) ] .

стр. 2630

الباب الثمانون في سرية أسامة بن زيد بن حارثة ﵃ إلى أبني وهي بأرض الشرّاة بناحية البلقاء . وذلك أن رسول الله ﷺ أقام بعد حجته بالمدينة بقية ذي الحجة، والمحرّم، وما زال يذكر مقتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، ووجد عليهم وجدا شديدا. فلما كان يوم الإثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة أمر رسول الله ﷺ بالتّهيّؤ لغزو الروم وأمرهم بالجدّ، ثم دعا من الغد يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر أسامة بن زيد فقال: «يا أسامة سر على اسم الله وبركته حتى تنتهي إلى [موضع] مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد ولّيتك هذا الجيش فأغر صباحا على أهل أبنى وحرّق عليهم وأسرع السّير تسبق الأخبار فإن أظفرك الله فأقلل اللّبث فيهم وخذ معك الأدلّاء وقدّم العيون والطلائع أمامك» . فلما كان يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر بدئ برسول الله ﷺ وجعه فحمّ وصدّع. فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده. ثم قال: «اغز بسم الله في سبيل الله فقاتل من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا تتمنّوا لقاء العدوّ فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم ولكن قولوا اللهم أكفناهم بما شئت واكفف بأسهم عنّا، فإن لقوكم قد جلبوا وضجّوا فعليكم بالسّكينة والصّمت ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وقولوا اللهم إنا نحن عبيدك وهم عبادك، نواصينا ونواصيهم بيدك وإنما تغنيهم أنت واعلموا أن الجنة تحت البارقة» . فخرج أسامة رضي الله تعالى عنه بلوائه [معقودا] ، فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، وعسكر بالجرف فلم يبق أحد من [وجوه] المهاجرين الأوّلين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله تعالى عنهم في رجال آخرين من الأنصار، عدّة مثل قتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش. فاشتكى رسول الله ﷺ وهو على ذلك، ثم وجد من نفسه راحة فخرج عاصبا رأسه فقال: «أيها الناس أنفذوا بعث أسامة» ثم دخل رسول الله ﷺ . فقال رجل من المهاجرين- كان أشدهم في ذلك قولا- عياش بن أبي ربيعة [المخزومي] رضي الله تعالى عنه: «يستعمل هذا الغلام على المهاجرين» . فكثرت المقالة، وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بعض ذلك فردّه على من تكلم به، وأخبر رسول الله ﷺ فغضب غضباً شديداً. وخرج يوم السبت عاشر المحرّم سنة إحدى عشرة وقد

стр. 2631

عصّب رأسه بعصابة وعليه قطيفة ثم صعد المنبر فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد أيها الناس فما مقالة «قد بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ولئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله وأيم الله كان للإمارة لخليقا وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحبّ الناس إليّ وإنهما لمخيلان لكل خير فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم» [ (١) ] . ثم نزل فدخل بيته، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودّعون رسول الله ﷺ فيهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ويمضون إلى العسكر بالجرف، ودخلت أم أيمن رضي الله تعالى عنها فقالت: «يا رسول الله لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل فإن أسامة إن خرج على حالته هذه لم ينتفع بنفسه» . فقال: «أنفذوا بعث أسامة» . فمضى الناس إلى المعسكر فباتوا ليلة الأحد. ونزل أسامة يوم الأحد ورسول الله ﷺ ثقيل مغمور، وهو اليوم الذي لدّوه فيه، فدخل عليه وعيناه تهملان، وعنده الناس والنساء حوله فطأطأ عليه أسامة فقبّله والنبي ﷺ لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة كأنه يدعو له. ورجع أسامة إلى معسكره. ثم دخل يوم الإثنين وأصبح رسول الله ﷺ مفيقا وجاءه أسامة فقال له: «اغد على بركة الله» . فودّعه أسامة وخرج إلى معسكره لما رأى رسول الله ﷺ مفيقا. ودخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال: «يا رسول الله أصبحت مفيقا بحمد الله واليوم يوم ابنة خارجة فأذن لي» . فأذن له فذهب إلى السّنح. وركب أسامة إلى العسكر وصاح في أصحابه باللحوق بالعسكر، فانتهى إلى معسكره وأمر الناس بالرحيل وقد متع النهار. فبينا هو يريد أن يركب أتاه رسول أمه أم أيمن يخبره أن رسول الله ﷺ يموت فأقبل إلى المدينة وأقبل معه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فانتهوا إلى رسول الله ﷺ وهو يجود بنفسه فتوفي رسول الله ﷺ ذلك اليوم. ودخل المسلمون الذي عسكروا بالجرف إلى المدينة ودخل بريدة بن الحصيب باللواء معقودا فغرزه عند باب رسول الله ﷺ . فلما بويع لأبي بكر أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضي لوجهه وألا يحله حتى يغزوهم وقال لأسامة: «أنفذ في وجهك الذي وجّهك فيه رسول الله ﷺ » . وأمر الناس بالخروج، فعسكروا في موضعهم الأول وخرج بريدة باللواء. فلما ارتدت العرب كلّم أبو بكر في حبس أسامة فأبي.

стр. 2632

ومشى أبو بكر إلى أسامة في بيته فكلّمه في أن يترك عمر وأن يأذن له في التخلف ففعل. وخرج ونادى مناديه عزمت لا يتخلّف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول الله ﷺ ، فإني لن أوتي بأحد أبطأ عن الخروج معه إلا ألحقته به ماشيا. فلم يتخلّف عن البعث أحد. وخرج أبو بكر يشيّع أسامة فركب من الجرف لهلال ربيع الآخر في ثلاثة آلاف فيهم ألف فارس، وسار أبو بكر إلى جنبه ساعة وقال: «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، إني سمعت رسول الله ﷺ يوصيك، فانفذ لأمر رسول الله ﷺ فإني لست آمرك ولا أنهاك عنه إنما أنا منفّذ لأمر أمر به «رسول الله ﷺ » - فخرج سريعا فوطئ بلادا هادية لم يرجعوا عن الإسلام جهينة وغيرها من قضاعة. حتى نزل وادي القرى، فسار إلى أبنى في عشرين ليلة. فقدم له عين له من بني عذرة يدعى حريثا، فانتهى إلى ابني، ثم عاد فلقي أسامة على ليلتين من أبنى فأخبره أن الناس غارون ولا جموع لهم وحثّهم على السّير قبل اجتماعهم. فسار إلى أبني وعبأ أصحابه ثم شنّ عليهم الغارة فقتل من أشرف له وسبى من قدر عليهم وحرّق بالنار منازلهم وحرثهم ونخلعهم فصارت أعاصير من الدواخين وأجال الخيل في عرصاتهم وأقاموا يومهم ذلك في تعبئة ما أصابوا من الغنائم. وكان أسامة على فرس أبيه سبحة وقتل قاتل أبيه في الغارة، وأسهم للفرس سهمين وللفارس سهما وأخذ لنفسه مثل ذلك. فلما أمسى أمر الناس بالرحيل ثم أغذّ السّير فورد وادي القرى في تسع ليال ثم بعث بشيرا إلى المدينة بسلامتهم ثم قصد بعد في السير فسار إلى المدينة ستّا حتى رجع إلى المدينة ولم يصب أحد من المسلمين. وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقّونهم سرورا بسلامتهم ودخل على فرس أبيه سبحة واللواء أمامه يحمله بريدة بن الحصيب حتى انتهى إلى باب المسجد فدخل فصلى ركعتين ثم انصرف إلى بيته. وبلغ هرقل وهو بحمص ما صنع أسامة فبعث رابطة يكونون بالبلقاء فلم تزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر ﵄. تنبيهان الأول: ذكر محمد بن عمر، وابن سعد أن أبا بكر ﵁ كان ممّن أمره رسول الله ﷺ بالخروج مع أسامة إلى أبنى، وجرى عليه في المورد وجزم به في العيون، والإشارة، والفتح في مناقب زيد بن حارثة. وأنكر ذلك الحافظ أبو العباس بن تيمية فقال في كتابه الذي ردّ فيه على ابن المطهّر الرافضي: «لم ينقل أحد من أهل العلم أن النبي ﷺ أرسل أبا بكر وعثمان في جيش أسامة، فقد استخلفه يصلّي بالمسلمين مدة مرضه إلى أن مات وكيف يتصوّر أن يأمره بالخروج في الغزاة وهو يأمره بالصلاة بالناس؟» وبسط الكلام على

стр. 2633

ذلك. فقلت: وفيما ذكره نظر من وجهين أولهما قوله: لم ينقل أحد من أهل العلم إلخ فقد ذكره محمد بن عمر، وابن سعد وهما من أئمة المغازي: ثانيهما قوله: وكيف يرسل أبا بكر في جيش أسامة؟ إلخ ليس بلازم، فإن إرادة النبي ﷺ بعث جيش أسامة كان قبل ابتداء مرض رسول الله ﷺ فلما اشتد به المرض استثنى أبا بكر وأمره بالصلاة بالناس. وقال ابن سعد: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي قال حدثنا المعمري عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بعث سريّة فيها أبو بكر وعمرو استعمل عليهم أسامة بن زيد، وكان الناس طعنوا فيه أي في صغره، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ إلخ فذكر الحديث. الثاني: في بيان غريب ما سبق: أبنى: بضم الهمزة وسكون الموحدة وفتح النون فألف مقصورة. الشّراة: بفتح الشين المعجمة والراء المخففة: جبل. البلقاء: بفتح الموحدة وسكون اللام وبالقاف والمدّ. أغر: بقطع الهمزة وكسر الغين المعجمة وبالراء: فعل أمر. تسبق: بالجزم جواب شرط محذوف وحرّك بالكسر طلبا للخفّة. اللّبث: بفتح اللام وسكون الموحدة الإقامة. العيون: جمع عين وهو الجاسوس. الأربعاء: بتثليث الموحدة والأفصح الكسر. بدئ: بالبناء للمفعول وهمز آخره أي ابتدئ. حمّ: بتشديد الميم والبناء للمفعول. صدّع: بضم الصاد وكسر الدال المشددة وبالعين المهملات أي حصل له صداع في رأسه أي وجع ما. فلما أصبح يوم الخميس: يجوز في «يوم» النّصب على الظرفية والرفع على أنه فاعل أصبح. عسكر: جمع عسكره أي جيشه. الجرف: بضم الجميم والراء وبالفاء موضع على ثلاثة أميال من المدينة. انتدب: أسرع الخروج. بريدة: بضم الموحدة وفتح الراء.

стр. 2634

الحصيب: بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وبالموحدة. حريش: بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وسكون التحتية وبالشين المعجمة. عصّب: بتشديد الصاد المهملة. المقالة: بتخفيف اللام. القطيفة: كساء له خمل. وأيم الله: من ألفاظ القسم كقولك لعمرو الله، وفيها لغات كثيرة وتفتح همزتها وتكسر، وهمزتها همزة وصل وقد تقطع. الخليق: بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وسكون التحتية وبالقاف أي حقيق وجدير. لمخيلان: بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وسكون التحتية أي لمظنة كل خير. أنفذوا: بقطع الهمزة. وكسر الفاء. المعسكر: بفتح الكاف: الموضع الذي فيه العسكر. لدّوه: بفتح اللام- الدّواء- الذي يصبّ من أحد جانبي الفم وهما لديداه ولددته فعلت به ذلك. طأطأ: بهمزة ساكنة بعد الطاء الأولى وهمزة مفتوحة بعد الطاء الثانية. وأمر النّاس بالرحيل: الناس منصوب مفعول أمر وفاعله عائد على أسامة. كلم أبو بكر: بالبناء للمفعول. شنّ عليهم الغارة: فرّق عليهم الرجال من كل وجه. حرّق: بتشديد الراء. أعاصير: جمع إعصار وهو ريح يثير الغبار ويرتفع إلى السماء كأنه عمود. التّعبئة: بفتح الفوقية وسكون العين المهملة وكسر الموحدة وفتح الهمزة فتاء تأنيث. سبحة: بفتح السين المهملة وسكون الموحدة. أغذّ السّير: بفتح الهمزة والغين والذال المعجمتين: أسرع. وادي القرى: بضم القاف وفتح الراء والقصر. حمص: مدينة معروفة من مشارق الشام لا تنصرف للعجمية والتأنيث والعلمية. الرابطة: براء فألف فموحدة فطاء مهملة فتاء تأنيث: الجماعة الذين يحفظون من وراءهم من العدو.

стр. 2635

الباب الحادي والثمانون في ذكر بعض ما فتحه- ﷺ من البلاد البحرين: روى عبد الرزاق عن جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: إن أبا أسد جاء إلى النبي- ﷺ بسبي من البحرين، فنظر النبي- ﷺ إلى امرأة منهن تبكي، قال: «ما شأنك؟» قالت: باع ابني، فقال النبي- ﷺ : «أبعت ابنها؟» قال: نعم، قال: فيمن؟ قال: في بني عبس، فقال النبي- ﷺ : «اركب أنت بنفسك، فأت به [ (١) ] والله أعلم والحمد لله رب العالمين حمدا طيبا كثيرا» .

стр. 2636

جماع أبواب بعض الوفود إليه- ﷺ وبارك عليه الباب الأول في بعض فوائد سورة النّصر قال ابن إسحاق: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف، وبايعت ضربت إليه وفود العرب من كل وجه قال ابن هشام رحمه الله تعالى: حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع وأنها كانت تسمّى سنة الوفود. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وإنما كانت العرب تربّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش وأمر رسول الله ﷺ ، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت والحرم [وضريح ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉] وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله ﷺ وخلافه، فما افتتحت مكة، ودانت له قريش، ودوّخها الإسلام، عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين الله كما قال الله أفواجا يضربون إليه من كل وجه. وفي صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة ﵁ قال: «وكانت العرب تلوّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبيّ صادق. فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم» . وذكر الحديث. وقد أفرد الحافظ العلّامة الشيخ برهان الدين البقاعي رحمه الله تعالى الكلام على تفسير سورة النّصر إعلاما بتمام الدّين اللازم عن مدلول اسمها، اللازم عن موت النبي- ﷺ اللازم عنه العلم بأنه ما برز إلى عالم الكون والفساد إلا لإعلاء كلمة الله تعالى وإدحاض كلمة الشيطان، اللازم عنه أنه- ﷺ خلاصة الوجود وأعظم عبد للمولى الودود وعلى ذلك دلّ أيضا اسمها على التوديع وحال نزولها وهو أيام التشريق من سنة حجّة الوداع. بِسْمِ اللَّهِ الذي له الأمر كله فهو العليم الحكيم، الرَّحْمنِ الذي أرسلك رحمة للعالمين، فعمّهم بعد نعمة الإيجاد بأن بيّن لهم إقامة معاشهم ومعادهم بك طريق النّجاة وغاية البيان بما أنزل عليك من معجز القرآن الذي من سمعه فكأنما سمعه من الله الرَّحِيمِ الذي خصّ من أراده بالإقبال به إلى حزبه وجعله من أهل قربة [بلزوم الصراط المستقيم] لما دلّت التي قبلها على أن الكفار قد صاروا إلى حال لا عبرة لهم فيه ولا التفات إليهم، ولا خوف

стр. 2637

بوجه منهم ما دام الحال على المتاركة كأنه قيل فهل يحصل نصر عليهم وظفر بهم [بالمعاركة] فأجاب بهذه الصورة بشارة للمؤمنين ونذارة للكافرين. ولكنه لما لم يكن ذلك بالفعل إلا عام حجّة الوداع يعني بعد فتح مكة بسنتين كان كأنه لم يستقرّ الفتح إلا حينئذ، فلم ينزل سبحانه هذه السورة إلا في ذلك الوقت وقبل منصرفه من غزوة حنين قبل ذلك. فقال تعالى: جاءَ] ولما كانت المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعيّنة لها، يسوقها إليها سائق القدرة فتقرب منها شيئا فشيئا كانت كأنها آتية إليها فلذلك حصل التّجوّز بالمجيء عن الحصول فقال] : جاءَ أي استقرّ وثبت في المستقبل لمجيء وقته المضروب له في الأزل، [وزاد في تعظيمه بالإضافة ثم بكونها إلى اسم الذات فقال] : نَصْرُ اللَّهِ أي الملك الأعظم الذي لا مثل له ولا أمر لأحد معه على جميع النّاس في كل أمر تريده، ولما كان النصر درجات وكان قد أشار سبحانه بمطلق الإضافة إليه ثم بكونها إلى الإسم الأعظم إلى أن المراد أعلاها صرّح به فقال: وَالْفَتْحُ أي الذي نزلت سورته بالحديبية مبشّرة بغلبة حزبه الذي أنت قائدهم وهاديهم ومرشدهم [لا سيما] على مكة التي بها بيته ومنها ظهر دينه، وبها كان أصله وفيها مستقرّ عموده وعزّ جنوده، فذلّ بذلك جميع العرب، [وقالوا: لا طاقة لنا بمن أظفره الله بأهل الحرم] ففرّوا بهذا الذّلّ حتى كان ببعضهم هذا الفتح، ويكون بهم كلهم فتح جميع البلاد، وللإشارة إلى الغلبة على جميع الأمم ساقه تعالى في أسلوب الشرط ولتحققها عبّر عنه ب إِذا. وَرَأَيْتَ النَّاسَ أي العرب كانوا حقيرين عند جميع الأمم فصاروا بك هم الناس وصار سائر أهل الأرض لهم أتباعا. يَدْخُلُونَ شيئا فشيئا محددا دخولهم مستمرا فِي دِينِ اللَّهِ أي شرع من لم تزل كلمته هي العليا في حال الخلق بقهره لهم على الكفر [الذي لا يرضاه لنفسه عاقل ترك الحظوظ] وفي حال طواعيتهم بقسره لهم على الطّاعة وعبّر عنه بالدّين الذي معناه الجزاء لأن العرب كانوا لا يعتقدون القيامة التي لا يتمّ الجزاء إلا بها. أَفْواجاً أي قبائل وزمرا، زمرا وجماعات كثيفة كالقبيلة بأسرها، أمّة بعد أمة، في خفّة وسرعة ومفاجأة ولين، واحدا واحدا أو نحو ذلك، لأنهم قالوا: أما أذا ظفر بأهل الحرم، وقد كان الله تعالى أجارهم من أصحاب الفيل [الذين لم يقدر أحد على ردّهم] فليس لنا به يدان [فتبيّن من هذا القياس المنتج هذه النتيجة البديهية بقصّة أصحاب الفيل ما رتّبه الله إلا إرهاصا لنبوّته وتأسيسا لدعوته فألقوا بأيديهم وأسلموا قيادهم حاضرهم وباديهم] . ولما كان التقدير: فقد سبّح الله تعالى نفسه بالحمد بإبعاد نجس الشّرك عن جزيرة العرب بالفعل قال: فَسَبِّحْ أي نزّه أنت بقولك وفعلك [بالصلاة وغيرها] موافقة لمولاك لما فعل تسبيحا ملبّسا بِحَمْدِ

стр. 2638

أي بكمال رَبِّكَ [الذي أنجز لك الوعد بإكمال الدّين وقمع المعتدين] المحسن إليك بجميع ذلك لأن كلّه لكرامتك وإلا فهو عزيز حميد على كل حال تعجّبا [لتيسر الله على هذا الفتح ما لم يخطر بالبال] وشكرا لما أنعم به سبحانه عليه من أنه أراه تمام ما أرسل لأجله ولأن كل حسنة يعملها أتباعه له مثلها. «ولما أمره ﷺ بتنزيهه عن كل نقص ووصفه بكل كمال مضافا إلى الرّبّ، أمره بما يفهم منه العجز عن الوفاء بحقّه لما له من العظمة المشار إليها بذكره مرّتين بالإسام الأعظم الذي له من الدلالة على العظيم والعلوّ إلى محلّ الغيب الذي لا مطمع في دركه مما تتقطّع الأعناق دونه فقال: وَاسْتَغْفِرْهُ أي اطلب غفرانه إنه كان غفّارا، إيذانا بأنه لا يقدر أحد أن يقدّره حقّ قدره لتقتدي بك أمّتك في المواظبة على الأمان الثاني لهم، فإن الأمان الأول الذي هو وجودك بين أظهرهم قد دنا رجوعه إلى معدنه في الرفيق الأعلى والمحلّ الأقدس، وكذا فعل ﷺ يوم دخل مكة مطأطئا رأسه حتى أنه ليكاد يمسّ واسطة الرّحل تواضعا للَّه تعالى وإعلاما لأصحابه أن ما وقع إنما هو بحول اللَّه تعالى، لا بكثرة من معه من الجمع وإنما جعلهم سببا لطفا منه بهم، ولذلك نبّه من ظنّ منهم أو هجس في خاطره أن للجمع مدخلا فيما وقع من الهزيمة في حنين أولا وما وقع بعد من النّصرة بمن ثبت مع النبي ﷺ وهم لا يبلغون ثلاثين نفسا. ولما أمر بذلك فأرشد السّياق إلى أن التقدير: وتب إليه، علّله مؤكدا لأجل استبعاد من يستبعد مضمون ذلك من رجوع الناس في الرّدّة ومن غيره بقوله: إِنَّهُ أي المحسن إليك بخلافته لك في أمّتك، ويجوز أن يكون التأكيد دلالة ما تقدم من ذكر الجلالة مرّتين على غاية العظمة والفوت على الإدراك بالاحتجاب بأردية الكبرياء والعزّة والتّجبّر والقهر، مع أن المألوف أن من كان على شيء من ذلك بحيث لا يقبل عذرا ولا يقيل نادما. كانَ أي لم يزل تَوَّاباً أي رجّاعا لمن ذهب به الشيطان من أهل رحمته. فهو الذي رجع بأنصارك عمّا كانوا عليه من الاجتماع على الكفر والاختلاف بالعداوات، فأيّدك بدخولهم في الدّين شيئا فشيئا حتى أسرع بهم بعد سورة الفتح إلى أن دخلت مكة في عشرة آلاف، وهو أيضا يرجع بك إلى الحال التي يزداد بها ظهور رفعتك في الرفيق الأعلى، ويرجع بمن تخلخل من أمّتك في دينه بردّة أو معصية دون ذلك [إلى ما كان عليه من الخير ويسير بهم أحسن سير] . «فقد رجع آخر السورة إلى أوّلها بأنه لولا تحقق وصفه بالتوبة لما وجد الناصر الذي وجد به الفتح، والتحم مقطعها أيّ التحام بمطلعها، وعلم أن كل جملة منها مسبّبة عما قبلها، فتوبة اللَّه تعالى على عبيدة نتيجة توبة العبد باستغفاره الذي هو طلب المغفرة بشروطه، وذلك ثمرة اعتقاده الكمال في ربه ﵎، وذلك ما دلّ عليه إعلاؤه لدينه وفسّره للداخلين فيه

стр. 2639

على الدخول مع أنهم أشدّ الناس شكائم وأعلاهم همما وعزائم وقد كانوا في غاية الإباء له والمغالبة للقائم به، وذلك هو فائدة الفتح الذي هو آية النصر وقد علم أن بالآية الأخيرة من الاحتباك ما دلّ بالأمر بالاستغفار [على الأمر] بالتوبة وبتعليل الأمر بالتوبة على تعليل الأمر بالاستغفار» . انتهى ما أوردته من كلام الشيخ برهان الدين البقاعي، وتأتي بقيّته في الوفاة النبوية إن شاء اللَّه تعالى. تنبيهات الأول: هذه السورة مدنية بلا خلاف، والمراد بالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو بمكة على المعتمد. وروى البزار، وأبو يعلى، والبيهقي في الدلائل عن أبي عمر ﵄ قال: نزلت هذه السورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ على رسول اللَّه ﷺ أوسط أيام التشريق فعرف أنه الوداع، فأمر بناقته القصواء فرحلت، ثم فخطب خطبته المشهورة. الثاني: روى مسلم والنسائي عن ابن عباس ﵄ قال: آخر سورة نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وروى الترمذي والحاكم عن ابن عمر ﵄ قال: آخر سورة نزلت سورة المائدة والفتح. قال الشيخ في الإتقان: يعني: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. قال الحافظ: والجمع بينهما أن آخر آية النصر نزولها كاملة بخلاف براءة. قلت: ولفظ حديث ابن عمر، وعند الطبراني: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. الثالث: سئل عن قول الكشّاف أن سورة النصر نزلت في حجة الوداع أيام التشريق فكيف صدرت ب إِذا الدّالّة على الاستقبال؟ وأجاب الحافظ بضعف ما نقله، وعلى تقدير صحته فالشرط لم يكتمل بالفتح لأن مجيء الناس أفواجا لم يكن كمل، فبقيّة الشرط مستقبل. وقد أورد الطّيبي السؤال وأجاب بجوابين أحدهما أن إِذا قد ترد بمعنى إذ كما في قوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً [الجمعة ١١] الآية. ثانيهما أن كلام اللَّه تعالى قديم. قال الحافظ: وفي كل من الجوابين نظر لا يخفى. الرابع: قال الحافظ ابن كثير: «والمراد بالفتح ههنا فتح مكة قولا واحدا فإن أحياء العرب كانت تتلوّم بإسلامها فتح مكة يقولون [دعوه وقومه] فإن ظهر عليهم فهو نبيّ. فلما فتح اللَّه عليه مكة دخلوا في دين اللَّه أفواجا فلم تمض سنتان حتى استوثقت جزيرة العرب إيمانا ولم يبق من سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام» . قلت: قد حكى غير واحد الخلاف في أن المراد فتح مكة أو فتح سائر البلاد.

стр. 2640

الخامس: في بيان غريب ما سبق: تربّص: بمثناة فوقية فراء فموحدة مشددة مفتوحات فصاد مهملة مضمومة: تنتظر. القادة: بقاف فألف فدال مهملة فهاء: الأشراف الذين يقودون الناس بتبعهم لهم. نصبت الحرب: بنون فصاد مهملة فموحدة فمثناة فوقية: جدّت فيه. دوّخها الإسلام: بدال مهملة فواو فخاء معجمة استولى عليها. بدر: بموحدة فدال مهملة مفتوحات: عاجل. تلوّم: بفوقية فلام فميم مفتوحات: تنتظر. برز: بموحدة فراء فزاى مفتوحات: ظهر بعد خفاء. الكون: بكاف مفتوحة فواو ساكنة فنون: الوجود والاستقرار. أدحضه: بهمزة فدال فحاء مهملتين فضاد معجمة: أبطله. فسره: بقاف فسين مهملة فراء مفتوحات: قهره وغلبه. اليدان: القوّة. المعدن: بميم مفتوحة فعين مهملة ساكنة فدال مهملة مكسورة فنون: مركز كل شيء والموضع الذي يستخرج منه جواهر الأرض كالذهب والفضة والنحاس. الرفيق الأعلى: جماعة الأنبياء يسكنون أعلى علّيّين. واسطة الرّحل: وسطه. هجس: بهاء فجيم فسين مهملة: خطر بباله. التحم: بفوقية فحاء مهملة فميم مفتوحات: اشتبك فلم يوجد له مخلص. المقطع: بميم مفتوحة فقاف ساكنة فطاء مهملة مفتوحة فعين مهملة مصدر قطع إذا أبان. الشكائم: بشين معجمة جمع شكيمة، يقال فلان شديد الشكيمة إذا كان عزيز النفس أبيّا قويا، وأصله من شكيمة اللّجام فإن قوّتها تدل على قوة الفرس. الإباء: بهمزة مكسورة فموحدة: شدة الامتناع. الاحتباك: [الشّدّ والإحكام] . المطالع: بميم فطاء مهملة فألف فلام فعين مهملة: جمع مطلع بفتح اللام وكسرها مصدر طلع إذا ظهر. واسم لموضع الطلوع. النتيجة: بنون مفتوحة ففوقية مكسورة فتحتية ساكنة فجيم. العزائم: بعين مهملة فزاي مفتوحتين فألف فهمزة مكسورة فميم: الأمور الواجبة.

стр. 2641

الباب الثاني في تحمله ﷺ للوفود وإجازتهم ومعنى الوفد وفيه أنواع الأول: في تحمله ﷺ للوفود: عن جندب بن مكيث ﵁ قال: «كان رسول اللَّه ﷺ إذا قدم عليه الوفد لبس أحسن ثيابه وأمر أصحابه بذلك، فرأيته وقد قدّم عليه وفد كندة وعليه حلّة يمانية، وعلى أبي بكر وعمر مثله» رواه محمد بن عمر الأسلمي، وأبو نعيم في المعرفة، وأبو الحسن بن الضّحّاك. وعن عروة بن الزبير رحمه اللَّه تعالى أن «ثوب رسول اللَّه ﷺ الذي كان يخرج فيه للوفود حضرميّ طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خلق فطووه بثوب يلبسونه يوم الأضحى والفطر» . رواه ابن سعد. الثاني: في إجازتهم: الثالث: في معنى الوفد: قال في الصحاح: «وفد فلان على الأمير، أي ورد رسولا فهو وافد والجمع وفد مثل صاحب وصحب، وجمع الوفد أوفاد ووفود، والإسم الوفادة، وأوفدته أنا إلى الأمير أي أرسلته» وقال في المصباح: «وفد على القوم وفدا من باب وعد ووفودا فهو وافد وقد يجمع على وفّاد ووفد وعلى وفد مثل صاحب وصحب، وجمع الوفد أوفاد ووفود» . وقال في النهاية: «الوفد القوم يجتمعون ويردون البلاد واحدهم وافد، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة واسترفاد وانتجاع وغير ذلك تقول وفد يفد فهو وافد وأوفدته فوفد، وأوفد على الشيء فهو موفد «إذا أشرف» . وقال في المورد: الوفد الجماعة المختارة من القوم ينتقونهم للقاء العظماء. الرابع: قال الحافظ: «عقد ابن سعد في الترجمة النبوية من الطبقات بابا للوفود وكاد يستوعب ذلك بتخلّص حسن، وكلامه أجمع ما يكون في ذلك. ولم يقع له قصة نافع بن زيد الحميري مع أن ابن سعد ذكر وفد حمير» انتهى كلام الحافظ. قلت: قد ذكرت ما ذكره ابن سعد مع زيادة وفود كثيرة لم تقع له، ورتّبت جميع ذلك على الحروف ليسهل الكشف على من أراد شيئا من ذلك. ولمحمد بن عمر الأسلمي شيخ ابن سعد كتاب الوفود وفيه فوائد لم يلمّ بها ابن سعد. الخامس: وفد جماعة قبل سنة تسع. قال في البداية: «فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممّن يعدّ وفوده هجرة، وبين اللّاحق لهم بعد الفتح [ممّن وعد اللَّه خيرا وحسنى] قال اللَّه : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ

стр. 2642

أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [الحديد ١٠] . تنبيهان الأول: اختلف في ابتداء الوفود عليه ﷺ فقيل بعد رجوعه من الجعرانة في آخر سنة ثمان وما بعدها، وقال ابن إسحاق: بعد غزوة تبوك، وقال ابن هشام: كانت سنة تسع تسمى سنة الوفود. الثاني: في بيان غريب ما سبق: جندب: بجيم مضمومة فنون ساكنة فدال مهملة مضمومة وتفتح. مكيث: بفتح الميم وكسر الكاف وسكون التحتية وبالثاء المثلثة. كندة: تقدم تفسيره. الحلّة: بضم الحاء المهملة، يأتي الكلام عليها. حضرمي: بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة فراء فميم: نسبة إلى حضر موت. خلق: بخاء معجمة فلام فقاف مفتوحات: بلي.

стр. 2643

الباب الثالث في وفد أحمس على رسول اللَّه ﷺ قال ابن سعد رحمه اللَّه تعالى: قدم قيس بن غربة [ (١) ] الأحمسيّ في مائتين وخمسين رجلا من أحمس فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : «من أنتم؟» فقالوا: نحن أحمس اللَّه، وكان يقال لهم ذلك في الجاهلية. فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : «وأنتم اليوم للَّه» . وقال رسول اللَّه ﷺ ، لبلال: «أعط ركب بجيلة وابدأ، بالأحمسيين» . ففعل . وعن طارق بن شهاب رضي اللَّه تعالى عنه قال: قدم وفد بجيلة على رسول اللَّه ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ : «اكتبوا البجليّين وابدأوا بالأحمسيين» . فتخلّف رجل من قيس، قال: حتى انظر ما يقول لهم رسول اللَّه ﷺ . قال فدعا لهم رسول اللَّه ﷺ فسمّى مرات: «اللهمّ جد عليهم، اللهمّ بارك فيهم» . وفي رواية: قدم وفد أحمس ووفد قيس فقال رسول اللَّه ﷺ : «أبدأوا بالأحمسيّين قبل القيسيين» . ثم دعا لأحمس فقال: «اللهم بارك في أحمس وخيلها ورجالها» سبع مرات [ (٢) ] ، رواه الإمام أحمد. تنبيه: في بيان غريب ما سبق . أحمس: بألف فمهملة فميم فسين مهملة، تقدم في بجيلة.

стр. 2644

الباب الرابع في وفد أزد شنوءة على رسول اللَّه ﷺ روى ابن سعد رحمه اللَّه تعالى عن منير بن عبد اللَّه الأزدي قال: قدم على رسول اللَّه ﷺ صرد بن عبد اللَّه الأزدي في وفد من الأزد بضعة عشر رجلا، فنزلوا على فروة بن عمرو فحباهم وأكرمهم وأقاموا عنده عشرة أيام فأسلموا، وكان صرد أفضلهم، فأمّره رسول اللَّه ﷺ على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بهم من يليه من أهل الشّرك من قبائل اليمن. فخرج صرد يسير بأمر رسول اللَّه ﷺ ، حتى نزل بجرش وهي يومئذ مدينة حصينة مغلقة، وبها قبائل من اليمن قد تحصّنوا بها، وقد ضوت إليهم خثعم فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم. فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا، فحاصرهم شهرا أو قريبا منه، وكان يغير على مواشيهم فيأخذها. ثم تنحّى عنهم إلى جبل يقال له شكر فظنّوا أنه قد انهزم، فخرجوا في طلبه حتى أدركوه. فصفّ صفوفه فحمل عليهم هو والمسلمون فوضعوا سيوفهم فيهم حيث شاءوا وأخذوا من خيلهم عشرين فرسا. فقاتلوهم عليها نهارا طويلا. وقد كان أهل جرش بعثوا إلى رسول اللَّه ﷺ رجلين منهم يرتادان وينظران. فبينما هما عند رسول اللَّه ﷺ عشيّة بعد العصر إذ قال رسول اللَّه ﷺ : «بأي بلاد اللَّه شكر» ؟ فقال الجرشيّان: يا رسول اللَّه ببلادنا جبل يقال له كشر بذلم يسمّيه أهل جرش. فقال رسول اللَّه ﷺ : «ليس بكشر ولكنه شكر» . قالا: فما شأنه يا رسول اللَّه؟ قال: «إنّ بدن اللَّه لتنحر عنده الآن» . وأخبرهما رسول اللَّه ﷺ بملتقاهم وظفر صرد بهم. فجلس الرجلان إلى أبي بكر وعثمان ﵄ فقالا لهما: ويحكما أن رسول اللَّه ﷺ لينعي لكما قومكما فقوما إلى رسول اللَّه ﷺ فسلاه أن يدعو اللَّه أن يرفع عن قومكما. فقاما إليه فسألاه أن يدعو اللَّه أن يرفع عنهم، فقال: «اللهم ارفع عنهم» . فخرجا من عند رسول اللَّه ﷺ راجعين إلى قومهما فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أصابهم صرد بن عبد اللَّه في اليوم الذي قال فيه رسول اللَّه ﷺ ما قال وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر. قال ابن سعد: فقصّا على قومهما [القصّة] فخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول اللَّه ﷺ فأسلموا فقال رسول اللَّه ﷺ : «مرحبا بكم أحسن النّاس وجوها وأصدقه لقاء وأطيبه كلاما وأعظمه أمانة، أنتم مني وأنا منكم» . وجعل شعارهم مبرورا وأحمى لهم حمى حول قريتهم على أعلام معلومة للفرس والراحلة [وللمثيرة] بقرة الحرث، فمن رعاه من الناس فماله سحت [ (١) ] .

стр. 2645

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الأزد: بألف مفتوحة فزاي فدال مهملة، ويقال بالسين بدل الزاي وفي القاموس هي أفصح. شنوءة: بشين معجمة مفتوحة فنون فهمزة بعد مدّ الواو، وقد تشدّد الواو قبيلة سميت بذلك لشنآن بينهم. منير: [بضم الميم فنون مكسورة فتحتية فراء] . صرد: وزن عمر لكنه ليس معدولا فهو مصروف. حباهم: بحاء مهملة فموحدة فألف: أعطاهم. جرش: بضم الجيم وفتح الراء وبالشين المعجمة: مخلاف من مخاليف اليمن. وبفتحها بلدة بالشام. مغلقة: بالغين المعجمة. ضوى: بفتح الضاد المعجمة والواو: أوى. يرتادان: يطلبان الأخبار. شكر: بتقديم الشين المعجمة على الكاف المفتوحتين. كشر: بكاف فشين معجمة مفتوحتين. ويحه: بواو مفتوحة فتحتية ساكنة فحاء مهملة: كلمة ترحّم منصوبة بإضمار فعل. النّعي: بنون مفتوحة فعين ساكنة فتحتية: إذاعة الموت. راجعين: بفتح العين على التثنية لأنهما اثنان. وأصدقه كلاما: تقدم الكلام على مثل هذا.

стр. 2646

الباب الخامس في وفد أزد عمان على رسول الله ﷺ قال ابن سعد رحمه الله تعالى: أسلم أهل عمان فبعث إليهم رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمي يعلّمهم شرائع الإسلام ويصدّق أموالهم. فخرج وفدهم إلى رسول الله ﷺ فيهم أسد بن بيرح الطّاحي. فلقوا رسول الله ﷺ فسألوه أن يبعث معهم رجلا يقيم أمرهم. فقال مخربة العبدي- واسمه مدرك بن خوط- ابعثني إليهم فإن لهم عليّ منّة، أسروني يوم جنوب فمنّوا عليّ. فوجّهه معهم إلى عمان، وقدم سلمة بن عياذ الأزدي في أناس من قومه، فسأل رسول الله ﷺ ، عمّا يعبد وما يدعو إليه فأخبره رسول الله ﷺ . فقال: «أدع الله لي أن يجمع كلمتنا وألفتنا» . فدعا لهم وأسلم سلمة ومن معه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «نعم الوفد الأزد، طيّبة أفواههم، برّة أيمانهم، تقيّة قلوبهم» . رواه الإمام أحمد بسند حسن. وعن طلحة بن داود قال: قال رسول الله ﷺ : «نعم المرضعون أهل عمان» [ (١) ] . يعني الأزد. رواه الطبراني برجال ثقات. وعن بشر بن عصمة [الليثي] رضي الله تعالى عنه أنه رسول الله ﷺ قال: «الأزد منّي وأنا منهم،. غضب لهم إذا غضبوا [ويغضبون إذا غضبت] وأرضى لهم إذا رضوا [ويرضون إذا رضيت] » [ (٢) ] رواه الطبراني. وعن أبي لبيد قال: خرج رجل من أهل عمان يقال له بيرح بن أسد مهاجرا إلى النبي ﷺ فقدم المدينة فوجده قد توفي. فبينا هو في بعض طرق المدينة فرآه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال له من أنت؟ فقال: من أهل عمان. قال: من أهل عمان؟ قال: نعم فأخذ بيده فأدخله على أبي بكر، وقال: هذا من أهل الأرض التي سمعت رسول الله ﷺ يذكر أهلها من ... [ (٣) ] فقال أبو بكر سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لأعلم أرضا يقال لها عمان ينضح بناحيتها البحر [بها حي من العرب] لو أتاهم رسولي لم يرموه بسهم ولا حجر» [ (٤) ] . رواه الإمام أحمد وأبو يعلى برجال الصحيح.

стр. 2647

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عمان: بعين مهملة مضمومة فميم مخففة. بيرح: بموحدة مفتوحة فتحتية ساكنة فراء فحاء مهملة. الطّاحي: بالطاء والحاء المهملتين نسبة إلى بني طاحية. مخربة: بميم مضمومة فخاء معجمة مشددة. خوط: بخاء معجمة مضمومة وطاء مهملة [بينهما واو] . يوم جنوب: بجيم مفتوحة فنون فواو فموحدة: من أيام العرب. منّوا عليّ: أعتقوني. عياذ: بعين مهملة مكسورة فتحتية فألف فذال معجمة.

стр. 2648

الباب السادس في وفد بني أسد إلى رسول الله ﷺ روى ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قالا: قدم عشرة رهط من بني أسد بن خزيمة على رسول الله ﷺ في أول سنة تسع، فيهم حضرمي بن عامر، وضرار بن الأزور، ووابصة بن معبد، وقتادة بن القائف، وسلمة بن حبيش، وطليحة بن خويلد، ونقادة ابن عبد الله بن خلف ورسول الله ﷺ في المسجد مع أصحابه، فسلّموا وقال متكلمهم: يا رسول الله، إنّا شهدنا ألّا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله. وقال حضرمي بن عامر: «أتيناك نتدرّع الليل البهيم في سنة شهباء، ولم تبعث إلينا بعثا» ، فنزلت فيهم: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا [الحجرات ١٧] . وروى النسائي والبزار وابن مردويه عن ابن عباس، وسعيد بن منصور وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن سعيد بن جبير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه بسند حسن عن عبد الله بن أوفى، قال الأوّلان: جاءت بنو أسد إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك العرب، وفي رواية بنو فلان. فأنزل الله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا. قال ابن سعد: وكان معهم قوم من بني الزّنية وهم بنو مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد. فقال لهم رسول الله ﷺ : «أنتم بنو الرّشدة» . فقالوا: لا نكون مثل بني محوّلة، يعنون بني عبد الله بن غطفان. ومما سألوا عنه رسول الله ﷺ يومئذ العيافة والكهانة وضرب الحصى فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك كله. فقالوا يا رسول الله إن هذه الأمور كنا نفعلها في الجاهلية، أرأيت خصلة بقيت؟ قال: «وما هي؟» قال [ ﷺ ] : «الخطّ، علمه نبي من الأنبياء فمن صادف مثل علمه علم» [ (١) ] . وروى ابن سعد عن رجال من بني أسد ثم من بني مالك بن مالك بن أسد أن رسول الله ﷺ قال لنقادة بن عبد الله بن خلف بن عميرة بن مريّ بن سعد بن مالك الأسدي: «يا نقادة ابغ لي ناقة حلبانة ركبانة ولا تولّهها على ولد» . فطلبها في نعمه فلم يقدر عليها. فوجدها عند ابن عم له يقال له سنان بن ظفير، فأطلبه إيّاها، فساقها نقادة إلى رسول الله ﷺ ، فمسح ضرعها ودعا نقادة فحلبها حتى إذا أبقى فيها بقيّة من لبنها قال رسول الله ﷺ : أي نقادة أترك دواعي اللّبن» . فشرب رسول الله ﷺ وسقى أصحابه من

стр. 2649

لبن تلك الناقة، وسقى نقادة سؤره وقال: «اللهم بارك فيها من ناقة وفيمن منحها» . قال نقادة: قلت: وفيمن جاء بها يا رسول الله ﷺ . قال: وفيمن جاء بها» [ (١) ] . تنبيهات الأول: قوله- ﷺ في الخطّ: «علمه نبي من الأنبياء إلخ» الخط بفتح الخاء المعجمة وبالطاء المهملة. قال في المطالع والتقريب: «فسروه بخطّ الرّمل ومعرفة ما يدل عليه» . وقال في النهاية: [قال ابن عباس: الخطّ] «هو الذي يخطّه الحازي، وهو علم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلوانا فيقول له اقعد حتى أخطّ لك، وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط فيها خطوطا كثيرة بالعجلة لئلّا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطّين خطّين، وغلامه يقول للتفاؤل: «ابني عيان أسرعا البيان» . فإن بقي خطّان فهما علامة النجح، وإن بقي خطّ واحد فهو علامة الخيبة. وقال الحربي: الخط هو أن يخط ثلاثة خطوط ثم يضرب عليهن بشعير أو نوى، ويقول يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكهانة» . قال ابن الأثير: الخطّ المشار إليه علم معروف، وللناس فيه تصانيف كثيرة وهو معمول به إلى الآن ولهم فيه أوضاع واصطلاح وأسام وعمل كثير ويستخرجون به الضمير وغيره وكثيرا ما يصيبون فيه. الثاني: ضرب الرّمل حرام صرّح به غير واحد من الشافعية والحنابلة وغيرهم. وقال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم في كتاب الصلاة: باب تحريم الكلام في الصلاة: [فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النّهي عنه الآن] . الثالث: قوله- ﷺ : «علمه نبي من الأنبياء» في حفظي أنه سيدنا إدريس ﵇ ولا أعلم من ذكره فيحرّر. الرابع: قوله: «فمن صادف مثل علمه فقد علم» وفي صحيح مسلم: «فمن وافق خطّه فذاك» أي فهو مباح له ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح [والمقصود أنه حرام لأنه لا يباح] إلا بيقين الموافقة وليس لنا يقين بها وإنما قال النبي- ﷺ : «فمن وافق خطّه فذاك» . ولم يقل هو حرام بغير تعليق على الموافقة لئلا يتوهّم متوهم أن هذا النّهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخطّ، فحافظ النبي- ﷺ علي حرمة ذاك النبي مع بيان الحاكم في حقنا، فالمعنى أن ذاك النبي لا منع في حقه، وكذا لو علمتم موافقته ولكن لا علم لكم بها» .

стр. 2650

الخامس: في بيان غريب ما سبق: القرظي: بقاف مضمومة فراء مفتوحة فظاء معجمة. السائب: بسين مهملة فألف فهمزة فموحدة. الحضرمي: تقدم قريبا. ضرار: بضاد معجمة مكسورة فراءين بينهما ألف. الأزور: بهمز فزاي فواو فراء، من الزّور وهو الميل. وابصة: بواو فألف فموحدة فصاد مهملة. معبد: بميم مفتوحة فعين مهملة ساكنة فموحدة مفتوحة فدال مهملة. قتادة: بقاف فمثناة فوقية مفتوحتين فألف فدال مهملة. القايف: بقاف فألف فتحتية ففاء. سلمة: بسين مهملة فلام فميم مفتوحات. حبيش: بحاء مهملة مضمومة فموحدة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فشين معجمة. طليحة: بطاء مهملة مضمومة فلام مفتوحة فتحتية ساكنة فحاء مهملة فتاء تأنيث. خويلد: بخاء معجمة مضمومة فواو مفتوحة فتحتية ساكنة فلام مكسورة فدال مهملة. نتدرّع: بنون فمثناة فوقية فدال مهملة مفتوحات فراء مشددة مفتوحة فعين مهملة: أي نجعله درعا لنا. البهيم: بموحدة مفتوحة فهاء مكسورة فمثناة تحتية فميم: أي شديد الظلمة، وهو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه. السنة الشهباء: بشين معجمة مفتوحة فهاء ساكنة فموحدة أي ذات قحط وجدب، والشهباء الأرض البيضاء التي لا خضرة فيها لقلة المطر من الشّبهة وهي البياض [فسمّيت سنة الجدب بها] . بنو الزّنية: بزاي تفتح وتكسر فنون ساكنة فتحتية مفتوحة، وهي آخر ولد المرأة والرجل، ولذلك سمّي بنو مالك به. دودان: بدالين مهملتين أولاهما مضمومة فألف فنون. الرّشدة: بفتح الراء وكسرها والفتح أفصح وسكون الشين المعجمة وفتح الدال المهملة.

стр. 2651

بنو محوّلة: [بضم الميم وفتح الحاء المهملة والواو المفتوحة المشددة فلام فتاء تأنيث] . العيافة: بعين مهملة مكسورة فتحتية فألف ففاء: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرّها. الكاهنة: بكاف فهاء فألف فنون: تعاطي خبر الكائنات في مستقبل الزمان. حلبانة: بحاء مهملة مفتوحة فلام ساكنة فموحدة فألف فنون: غزيرة تحلب. ركبانة: براء مفتوحة فكاف ساكنة فموحدة وألف فنون: ذلولة تركب. لا تولّهها: [بمثناة فوقية مضمومة فواو مفتوحة فلام مشددة مكسورة فهاءين أولاهما ساكنة أي لا تجعل ناقتك والهة بذبحك ولدها] . ظفير: [بظاء معجمة مضمومة ففاء مفتوحة فتحتية ساكنة فراء] . دواعي اللّبن: بدال مهملة فواو مفتوحتين فعين مهملة مكسورة: لبن قليل يبقى في الضّرع، يدع ما وراءه فينزله، وإذا استقضى كل ما في الضّرع أبطأ درّه على حالبه. السّؤر: بسين مهملة مضمومة فهمزة ساكنة فراء: بقية الطعام والشراب وغيرهما. منحها: بميم فنون فحاء مهملة فهاء مفتوحات: أعطى الناقة أو الشاة لينتفع بلبنها أو وبرها أو صوفها مدّة ثم يردّها.

стр. 2652

الباب السابع في وفد أسلم على رسول الله ﷺ قال ابن سعد رحمه الله تعالى: قدم عمير بن أفصى في عصابة من أسلم فقالوا: «قد آمنّا بالله ورسوله واتّبعنا منهاجك فاجعل لنا عندك منزلة تعرف العرب فضيلتها فإنا إخوة الأنصار، ولك علينا الوفاء والنصر في الشّدّة والرخاء» . فقال رسول الله ﷺ : «أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها» . وكتب رسول الله ﷺ كتابا لأسلم ومن أسلم من قبائل العرب ممّن يسكن السّيف والسّهل وفيه ذكر الصدقة والفرائض في المواشي. وكتب الصحيفة ثابت بن قيس بن شمّاس وشهد أبو عبيدة بن الجراح وعمر بن الخطاب. [ (١) ] تنبيه: في بيان غريب ما سبق: أفصى: [بهمزة مفتوحة ففاء ساكنة فصاد مهملة مفتوحة فألف مقصورة] . العصابة: بكسر العين المهملة: هنا الجماعة من الناس. المنهاج: بميم مكسورة فنون ساكنة فهاء فألف فجيم: الطريق. السّيف: بكسر السين المهملة وسكون التحتية وبالفاء: الجانب.

стр. 2653

الباب الثامن في قدوم أسيد بن أبي أناس . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أهدر رسول الله ﷺ دمه لما بلغه أنه هجاه، فأتى أسيد الطائف فأقام بها. فلما فتح رسول الله ﷺ مكة خرج سارية بن زنيم إلى الطائف، فقال له أسيد: ما وراءك؟ قال: «قد أظهر الله تعالى نبيه ونصره على عدوّه، فاخرج يا ابن أخي إليه فإنه لا يقتل من أتاه» . فحمل أسيد امرأته وخرج وهي حامل تنتظر، وأقبل فألقت غلاما عند قرن الثعالب، وأتى أسيد أهله فلبس قميصا واعتمّ، ثم أتى رسول الله ﷺ ، وسارية بن زنيم قائم بالسيف عند رأسه يحرسه، فأقبل أسيد حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ وقال: يا محمد أهدرت دم أسيد؟ قال: «نعم» . قال: تقبل منه إن جاءك مؤمنا؟ قال: «نعم» . فوضع يده في يد رسول الله ﷺ فقال: «هذه يدي في يدك، أشهد أنك رسول الله ﷺ ، وأشهد ألا إله إلا الله. فأمر رسول الله ﷺ رجلا يصرخ أن أسيد بن أبي أناس قد آمن وقد آمنة رسول الله. ومسح رسول الله ﷺ وجهه وألقى يده على صدره، فيقال إن أسيدا كان يدخل البيت المظلم فيضيء. وقال أسيد رضي الله تعالى عنه: أأنت الفتى تهدي معدّا لربّها ... بل الله يهديها وقال لك اشهد فما حملت من ناقةٍ فوق كورها ... أبر وأوفى ذمة من محمّد وأكسى لبرد الحال قبل ابتذاله ... وأعطى لرأس السّابق المتجرّد تعلّم رسول الله إنك قادر ... على كل حيّ متهمين ومنجد تعلّم بأنّ الرّكب ركب عويمر ... هم الكاذبون المخلفو كلّ موعد أنبوا رسول الله أن قد هجوته ... فلا رفعت سوطي إليّ إذا يدي سوى أنني قد قلت يا ويح فتية ... أصيبوا بنحس لا يطاق وأسعد أصابهم من لم يكن لدمائهم ... كفيئا فعزّت حسرتي وتنكّدي دويبا وكلثوما وسلما وساعدا ... جميعا بأن لا تدمع العين تكمد فلما أنشده: «أأنت الذي تهدي معدّا لدينها» ، قال رسول الله ﷺ : «بل الله يهديها» ، فقال الشاعر: «بل الله يهديها وقال لك اشهد» . رواه ابن شاهين عن المدائني عن رجاله من عدة طرق. تنبيهات الأول: هذه القصة والأبيات ذكرها الواقدي والطبراني لأنس بن زنيم قال الحافظ في

стр. 2654

الإصابة: «وقد رويت نظير قصّته لأنس بن زنيم كما سيأتي في ترجمته ويحتمل وقوع ذلك لهما» . الثاني: قال دعبل بن علي في طبقات الشعراء قوله: فما حملت ناقة فوق كورها أعفّ وأوفى ذمة من محمد» . هذا أصدق بيت قالته العرب. الثالث: في بيان غريب ما سبق: أسيد: بفتح الهمزة كما ذكره العسكري والدّارقطني، وضمّها المرزبان، وردّه ابن ماكولا. أناس: بضم الهمزة وبالنون. زنيم: بزاي مفتوحة فنون فمثناة تحتية فميم: الدّعيّ في النسب الملحق بالقوم وليس منهم تشبيها له بالزّنمة وهو شيء يقطع من أذن الشاة ويترك معلّقا بها. قرن الثعالب: قرن بقاف مفتوحة فراء ساكنة فنون. والثعالب بمثلثة فعين مهملة مفتوحتين فألف فلام فموحدة: موضع يحرم منه أهل نجد.

стр. 2655

الباب التاسع في وفد أشجع إليه ﷺ قال ابن سعد رحمه الله تعالى: قدمت أشجع على رسول الله ﷺ عام الخندق وهم مائة ورأسهم مسعود بن رخيلة، فنزلوا شعب سلع. فخرج إليهم رسول الله ﷺ وأمر لهم بأحمال التمر. فقالوا: «يا محمد لا نعلم أحدا من قومنا أقرب دارا منك منّا ولا أقلّ عددا، وقد ضقنا بحربك وبحرب قومك فجئنا نوادعك» . فوادعهم. ويقال بل قدمت أشجع بعد ما فرغ رسول الله ﷺ من بني قريظة، وهم سبعمائة، فوادعهم ثم أسلموا بعد ذلك. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . أشجع: بهمزة فشين معجمة ساكنة فجيم فعين مهملة. رخيلة: براء مضمومة فخاء معجمة مفتوحة فمثناة تحتية فلام. الباب العاشر في قدوم وفد الأشعريين إليه ﷺ وذكر إعلامه ﷺ بقدومهم قبل وصولهم ودعائه لهم لما أشرفوا في البحر على الغرق . قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر قال بلغني أن رسول الله ﷺ كان جالسا في أصحابه يوما فقال: «اللهم انج أصحاب السفينة» . ثم مكث ساعة فقال: «استمدّت» . فلما دنوا من المدينة قال: «قد جاءوا يقودهم رجل صالح» قال: «والذين كانوا معه في السفينة الأشعريون والذين قادهم عمرو بن الحمق الخزاعي» فقال رسول الله ﷺ : «أين جئتم؟» قالوا من زبيد. قال: «بارك الله في زبيد» . قالوا: وفي زمع. قال: «وبارك الله في زبيد» . قالوا وفي زمع. قال: في الثالثة: «وفي زمع» [ (١) ] . وروى ابن سعد والبيهقي وأحمد بن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوبا» . فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى الأشعري فلما دنوا من المدينة جعلوا يرتجزون يقولون: غدا نلقى الأحبّة ... محمّدا وحزبه

стр. 2656

وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتاكم أهل اليمن هم أرقّ أفئدة وألين قلوبا الإيمان يمان، والحكمة يمانية السكينة في أهل الغنم والفخر والخيلاء في الفدّادين من أهل الوبر» [ (١) ] . وعن جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ فقال: «أتاكم أهل اليمن كأنهم السّحاب وهم خيار من في الأرض» . فقال رجل من الأنصار: إلّا نحن يا رسول الله؟ فسكت ثم قال: ألا نحن يا رسول الله؟ فقال: «إلا أنتم كلمة ضعيفة» [ (٢) ] . رواه في زاد المعاد عن يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه. قال: ولما لقوا رسول الله ﷺ أسلموا وبايعوا. فقال رسول الله ﷺ : «الأشعريون في الناس كصرّة فيها مسك» [ (٣) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . الأشعريون: بهمزة مفتوحة فشين معجمة ساكنة فعين مهملة مفتوحة فراء فتحتية فواو فنون. الحمق: بحاء مهملة مفتوحة فميم مكسورة فقاف. الخزاعي: بخاء معجمة مضمومة فزاى فألف فعين مهملة نسبة إلى خزاعة قبيلة سمّيت بذلك لتفرقهم بمكة. زمع: [بفتح الزاي وسكون الميم وبالعين المهملة من منازل حمير باليمن] . الفخر: بفاء مفتوحة فخاء معجمة ساكنة فراء: ادّعاء العظم والكبر والشرف. الخيلاء: والخيلاء بضم الخاء المعجمة وكسرها: الكبر والعجب. الفدّادون: بفاء مفتوحة فذال مهملة مفتوحة مشددة فألف فدال مهملة أخرى: الذين تعلوا أصواتهم في حروثهم ومواشيهم [واحدهم فدّاد يقال فدّ الرجل يفدّ فديدا إذا اشتدّ صوته] . وقيل هم المكثرون من الإبل وقيل هم الجمّالون والبقّارون والحمّارون والرّعيان. وقيل بتخفيف الدال جمع فدان وهي البقرة التي يحرث بها وأهلها أهل جفاء وغلظة. الوبر: بواو فموحدة مفتوحتين فراء، للإبل بمنزلة الشعر لغيره.

стр. 2657

الباب الحادي عشر في قدوم أعشى بني مازن على النبي ﷺ روى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند، والشيرازي في الألقاب عن نضلة بن طريف، أن رجلا منهم يقال له الأعشى واسمه عبد الله بن الأعور كانت عنده امرأة يقال لها معاذة وخرج في رجب [يمير أهله من هجر فهربت امرأته بعده ناشزا عليه فعاذت برجل منهم يقال له مطرّف بن بهصل المازني فجعلها خلف ظهره فلما قدم لم يجدها في بيته وأخبر أنها نشزت عليه وأنها عاذت بمطرّف بن بهصل فأتاه فقال: يا ابن عمّ أعندك امرأتي معاذة فادفعها إليّ. قال: ليست عندي ولو كانت عندي لم أدفعها إليك. قال وكان مطرّف أعزّ منه. قال فخرج الأعشى حتى أتى النبي ﷺ فعاذ به وأنشأ يقول] : وروى عبد الله بن الإمام أحمد، وابن أبي خيثمة والحسن بن سفيان، وابن شاهين، وأبو نعيم عن الأعشى المازني أنه قال: أتيت نبي الله ﷺ فأنشدته: يا مالك النّاس وديّان العرب ... إنّي لقيت ذربة من الذّرب غدوت أبغيها الطّعام في رجب ... فخلّفتني في نزاع وهرب أخلفت العهد ولظّت بالذّنب ... وهنّ شرّ غالبا لمن غلب [فكتب النبي ﷺ إلى مطرّف: «انظر امرأة هذا معاذة فادفعها إليه» . فأتاه كتاب النبي ﷺ فقرئ عليه فقال: «يا معاذة هذا كتاب النبي ﷺ فيك وأنا دافعك إليه. قالت: خذلي العهد والميثاق وذمة النبي ﷺ إلا يعاقبني فيما صنعت. فأخذ لها ذلك ودفعها إليه فأنشأ يقول: لعمرك ما حبّي معاذة بالّذي ... يغيّره الواشي ولا قدم العهد ولا سوء ما جاءت به إذ أذلّها ... غواة رجال إذ يناجونها بعدي [ (١) ] تنبيه: في بيان غريب ما سبق: ديّان: بدال مهملة فمثناة تحتية مشددة فألف فنون. القهّار من دان النّاس إذا قهرهم، وقيل الحاكم والقاضي. ذربة: بذال معجمة مكسورة فراء ساكنة فموحدة مفتوحة: فاسدة من ذرب المعدة وهو فسادها. غدوت: بغين معجمة فدال مهملة فواو فتاء، من الغدوّ وهو السّير أول النهار. أبغيها [الطعام] : بهمزة قطع فموحدة ساكنة فغين معجمة فمثناة تحتية أي أطلب لها. لظّت: بلام فظاء معجمة مشالة مفتوحتين [مع تشديد الظاء] فتاء: أكثرت وألحّت.

стр. 2658

الباب الثاني عشر في قدوم الأشعث بن قيس عليه، زاده الله فضلا وشرفا لديه . قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله ﷺ الأشعث بن قيس في وفد كندة في ثمانين راكبا من كندة. فدخلوا على رسول الله ﷺ مسجده وقد رجّلوا جممهم وتكحّلوا عليهم جبب الحبرة، وقد كفّفوها بالحرير. فلما دخلوا على رسول الله ﷺ قال: «ألم تسلموا؟» قالوا: بلى. قال: «فما بال هذا الحرير في أعناقكم؟» قال: فشقّوه منها، فألقوه. ثم قال له الأشعث بن قيس: يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار [وأنت ابن آكل المرار] . فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «ناسبوا بهذا النّسب العباس بن عبد المطّلب، وربيعة بن الحارث» . وكان العباس وربيعة تاجرين، وكانا إذا شاعا في بعض العرب فسئلا ممّن هما، قالا: نحن بنو آكل المرار يتعزّزان بذلك. وذلك أن كندة كانوا ملوكا ثم قال لهم: «لا، بل نحن بنو النضر بن كنانة [لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا] [فقال الأشعث بن قيس الكندي: «هل فرغتم يا معشر كندة؟] والله لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين» [ (١) ] . قال ابن هشام: الأشعث بن قيس من ولد آكل المرار من قبل أمه، وآكل المرار: الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارك بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كنديّ، ويقال كندة. وإنما سمّي آكل المرار لأن عمرو بن الهبولة الغسّاني أغار عليهم. فأكل هو وأصحابه في تلك الغزوة شجرا يقال له المرار. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . رجّلوا: براء فجيم مشددة مفتوحتين فلام. جممهم: بجيم مضمومة فميمين مفتوحتين فهاء جمع جمّة وقد تقدم تفسيرها في أبواب صفة جسده الشريف. جبب: بجيم مضمومة فموحدة مفتوحة فأخرى جمع جبّة، تقدم تفسيرها وكذلك الحبرة مرارا. فكفّفوهما: بكاف ففاء مفتوحتين فأخرى مضمومة فواو [خاطوا حاشيتهما الخياطة الثانية بعد الشّل] . آكل: بهمزة مفتوحة فألف فكاف مكسورة فلام. المرار: بميم فراءين بينهما ألف. شاعا: بشين معجمة فألف فعين مهملة فألف [انتشرا] . الهبولة: [بهاء مفتوحة فموحدة مضمومة فواو فلام فتاء تأنيث] .

стр. 2659

الباب الثالث عشر في وفود بارق إليه ﷺ . قال ابن سعد رحمه الله تعالى: قدم وفد بارق على رسول الله ﷺ ، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا وبايعوا، وكتب لهم رسول الله ﷺ : «هذا كتاب من محمد رسول الله لبارق لا تجذّ ثمارهم ولا ترعى بلادهم في مربع ولا مصيف إلّا بمسألة من بارق ومن مرّ بهم من المسلمين في عرك أو جدب فله ضيافة ثلاثة أيام وإذا أينعت ثمارهم فلابن السبيل اللّقاط يوسع بطنه من غير أن يقتثم» شهد أبو عبيدة بن الجراح، وحذيفة بن اليمان وكتب أبي بن كعب [ (١) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: بارق: بموحدة فألف فراء فقاف. مربع: بميم مفتوحة فراء ساكنة فموحدة فعين مهملة: الموضع الذي ينزل فيه أيام الربيع، واسم جبل قرب مكة. وأما مربع بكسر الميم فمال بالمدينة في بني حارثة. مصيف: بميم مفتوحة فصاد مهملة مكسورة فمثناة تحتية ففاء: مكان ينزل فيه أيام الصّيف. عرك: [تجريد الأرض من المرعى] . أينعت: بهمزة مفتوحة فتحتية ساكنة فنون فعين مهملة: أدركت ونضجت. يقتثم: [يجتثّ ولم يبق له أصلا] .

стр. 2660

الباب الرابع عشر في وفود باهلة إليه ﷺ روى ابن شاهين عن ابن إسحاق عن شيوخه، وابن سعد عن شيوخه قالوا: قد مطرّف بن الكاهن الباهلي على رسول الله ﷺ بعد الفتح وافدا لقومه. فقال يا رسول الله أسلمنا للإسلام وشهدنا دين الله في سماواته وأنه لا إله غيره، وصدّقناك وآمنّا بكل ما قلت فاكتب لنا كتابا فكتب له:. «من محمد رسول الله لمطرّف بن الكاهن ولمن سكن بيشة من باهلة. إنّ من أحيا أرضا مواتا فيها مراح الأنعام فهي له، وعليه في كل ثلاثين من البقر فارض، وفي كل أربعين من الغنم عتود، وفي كل خمسين من الإبل مسنّة [وليس للمصدّق أن يصدّقها إلا في مراعيها وهم آمنون بأمان الله] [ (١) ] » الحديث ... وفيه فانصرف مطرّف وهو يقول: حلفت بربّ الرّاقصات عشيّة ... على كلّ حرف من سديس وبازل قال ابن سعد: ثم قدم نهشل بن مالك الوائلي من باهلة على رسول الله ﷺ وافدا لقومه فأسلم وكتب له رسول الله ﷺ ولمن أسلم من قومه كتابا فيه شرائع الإسلام وكتبه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . باهلة: بباء موحدة وهاء مكسورة ولام مفتوحة. مراح: [بضم الميم وفتح الراء فألف فحاء مهملة من أراح الإبل ردّها إلى المراح أي المأوى والماء] . فارض: بالفاء والراء بينهما ألف فضاد معجمة: المسنّة من الإبل وقيل من البقر وهو المراد هنا. عتود: بعين مهملة مفتوحة ففوقية مضمومة فواو ساكنة فدال مهملة: من أولاد المعز الصغير إذا قوي وأتى عليه حول. مسنّة: بميم مضمومة فسين مهملة مكسورة فنون مشددة: من البقر والغنم ما دخل في السنة الثانية.

стр. 2661

الراقصات: قال في الإملاء أي الإبل ترقص في سيرها أي تتحرك والرّقصان ضرب من المشي. سديس: بسينين بعد الأولى دال مهملات فتحتية: ما دخل في السنة الثامنة من الإبل. بازل: بموحدة فألف فزاي فلام: هو من الإبل الذي تمّ ثماني سنين ودخل في التاسعة.

стр. 2662

الباب الخامس عشر في وفود بني البكّائي إليه ﷺ . روى ابن سعد عن عبد الله بن عامر البكائي وعن الجعد بن عبد الله بن عامر البكائي عن أبيه، وابن شاهين عن يزيد بن رومان، وعن الحسن وعن السدي عن أبي مالك وعن رجال المدائني وابن منده، وأبو نعيم من طريق أخرى، وابن شاهين من وجه آخر عن بشر بن معاوية بن ثور، وابن شاهين، وثابت في الدلائل. قالوا: وفد من بني البكاء على رسول الله ﷺ سنة تسع ثلاثة نفر: معاوية بن ثور بن عبادة البكّائي وهو يومئذ ابن مائة سنة ومعه ابن له يقال له بشر، والفجيع بن عبد الله بن جندح بن البكاء، ومعهم عبد عمرو، وهو الأصمّ. فأمر لهم رسول الله ﷺ بمنزل وضيافة، وأجازهم، ورجعوا إلى قومهم. وقال معاوية للنبي ﷺ : «إني أتبرّك بمسّك وقد كبرت وابني هذا برّبي فامسح وجهه» . فمسح رسول الله ﷺ وجه بشر بن معاوية وأعطاه أعنزا عفرا وبرّك عليهن. قال الجعد: فالسنة ربما أصابت بني البكاء ولا تصيب آل معاوية. وقال محمد بن بشر بن معاوية بن ثور بن عبادة بن البكّاء رضي الله تعالى عنه: وأبي الذي مسح الرسول برأسه ... ودعا له بالخير والبركات أعطاه أحمد إذ أناه أعنزا ... عفرا نواجل لسن باللجنات يملأن رفد الحي كل عشية ... ويعود ذاك الملء بالغدوات بوركن من منح وبورك مانحا ... وعليه مني ما حييت صلاتي وسمّى رسول الله ﷺ عبد عمرو الأصم عبد الرحمن وكتب له بمائة الذي أسلم عليه بذي القصّة. وكان عبد الرحمن من أصحاب الظّلّة يعني الصّفّة صفّة المسجد. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . الفجيع: بجيم مصغّر. جندح: بضم الجيم والدال المهملة وسكون النون بينهما وآخره [حاء] مهملة. العفر: بعين مهملة مضمومة ففاء ساكنة فراء: بياض ليس بالناصع. اللّجنات: القليلات اللّبن. ذو القصّة: بقاف فصاد مهملة مفتوحتين فتاء تأنيث موضع قريب من المدينة.

стр. 2663

الباب السادس عشر في وفود بني بكر بن وائل إليه ﷺ قال ابن سعد: قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله ﷺ ، فقال له رجل منهم: هل تعرف قسّ بن ساعدة؟ فقال رسول الله ﷺ : «ليس هو منكم، هذا رجل من إياد تحنّف في الجاهلية فوافى عكاظا والناس مجتمعون فكلّمهم بكلامه الذي حفظ عنه» [ (١) ] . وقد تقدم ذكره في أوائل الكتاب. وكان في الوفد بشير بن الخصاصيّة، وعبد الله بن مرثد، وحسّان بن حوط [ (٢) ] وقال رجل من ولد حسّان. أنا ابن حسّان بن حوط وأبي ... رسول بكر كلّها إلى النّبي وقد معهم عبد الله بن أسود بن شهاب بن عوف بن عمرو بن الحارث بن سدوس وكان ينزل اليمامة فباع ما كان له من مال باليمامة، وهاجر وقدم على رسول الله ﷺ بجراب من تمر، فدعا له رسول الله ﷺ بالبركة. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: قسّ بن ساعدة وإياد وعكاظ: تقدم الكلام عليها أول الباب. الحصاصية: بحاء فصادين مهملات بينهما ألف فمثناة تحتية. حسّان: بفتح الحاء المهملة. حوط: [بفتح الحاء المهملة وسكون الواو فطاء مهملة] . سدوس: بسينين بعد الأولى دال مهملات فواو.

стр. 2664

الباب السابع عشر في وفود بليّ إليه ﷺ روى ابن سعد [ (١) ] عن رويفع بن ثابت البلويّ [ (٢) ] رضي الله تعالى عنه قال: قدم وفد من قومي في شهر ربيع الأول سنة تسع فأنزلتهم في منزلي ببني جديلة، ثم خرجت بهم حتى انتهينا إلى رسول الله ﷺ وهو جالس مع أصحابه في بيته في الغداة. فسلّمت. فقال: «رويفع» . فقلت: لبّيك. قال: «من هؤلاء القوم» . قلت: قومي. قال: «مرحبا بك وبقومك» . قلت: يا رسول الله قدموا وافدين عليك مقرّين بالإسلام وهم على من وراءهم من قومهم. فقال رسول الله ﷺ : «من يرد الله به خيرا يهده للإسلام» . قال: فتقدّم شيخ الوفد أبو الضّبيب [ (٣) ] فقال: «يا رسول الله إنّا قدمنا عليك لنصدّقك ونشهد أن ما جئت به حق، ونخلع ما كنا نعبد ويعبد آباؤنا» . فقال رسول الله ﷺ : «الحمد لله الذي هداكم للإسلام فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار» . وقال له أبو الضّبيب: يا رسول الله إني رجل لي رغبة في الضيافة فهل لي في ذلك أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم وكل معروف صنعته إلى غنيّ أو فقير فهو صدقة» . قال: يا رسول الله ما وقت الضيافة؟ قال: «ثلاثة أيام فما بعد ذلك فصدقة ولا يحلّ للضيف أن يقيم عندك فيحرجك» . قال: يا رسول الله أرأيت الضّالّة من الغنم أجدها في الفلاة من الأرض. قال: «لك ولأخيك أو للذئب» . قال: فالبعير. قال: «مالك وله، دعه حتى يجده صاحبه» . [قال رويفع] : وسألوا عن أشياء من أمر دينهم فأجابهم. ثم رجعت بهم إلى منزلي فإذا رسول الله ﷺ يأتي بحمل تمر يقول: «استعن بهذا التمر» . قال: فكانوا يأكلون منه ومن غيره. فأقاموا ثلاثا، ثم جاءوا رسول الله ﷺ يودّعونه فأمر لهم بجوائز كما كان يجيز من كان قبلهم ثم رجعوا إلى بلادهم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . بليّ: بفتح الموحدة وكسر اللام وتشديد الياء حيّ من قضاعة.

стр. 2665

رويفع: براء مضمومة فواو فتحتية ففاء فعين مهملة. أبو الضّبيب: بضم الضاد المعجمة الساقطة وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالموحدة. ويقال فيه أبو الضّبيس. فيحرجك: من الحرج أي يضيق صدرك وقيل يؤثّمك والحرج الإثم أي يعرّضك للإثم [حتى تتكلم فيه بما لا يجوز فتأثم] .
следующие страницы →