← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

الباب التاسع والعشرون في وفود جعدة إليه ﷺ [قال أخبرنا هشام بن محمد عن رجل من بني عقيل قال: وفد إلى رسول الله ﷺ الرّقاد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة بن كعب. وأعطاه رسول الله ﷺ بالفلج ضيعة وكتب لهم كتابا وهو عندهم] . الباب الثلاثون [في وفود جعفيّ إليه ﷺ ] قال ابن سعد [ (١) ] رحمه الله تعالى: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه، وعن أبي بكر بن قيس الجعفيّ قالا: كانت جعفيّ يحرّمون القلب في الجاهلية فوفد إلى رسول الله ﷺ رجلان منهم: قيس بن سلمة بن شراحيل من بني مرّان بن جعفي، وسلمة بن يزيد بن مشجعة بن المجمّع، وهما أخوان لأمّ، وأمّهما مليكة بنت الحلو بن مالك من بني حريم بن جعفريّ. فأسلما. فقال لهما رسول الله ﷺ : «بلغني أنكم لا تأكلون القلب» . قالا: نعم. قال: «فإنه لا يكمل إسلامكما إلا بأكله» ودعا لهما بقلب، فشوي، ثم ناوله سلمة بن يزيد، فلما أخذه أرعدت يده فقال له رسول الله ﷺ : «كله» فأكله. وكتب رسول الله ﷺ لقيس بن سلمة كتابا نسخته: «كتاب من محمد رسول الله لقيس بن سلمة بن شراحيل أنّي استعملتك على مرّان ومواليها، وحريم ومواليها، والكلاب ومواليها، [من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصدّق ماله وصفّاه» . قال الكلاب أود، وزبيد] وجزء ابن سعد العشيرة، وزيد الله بن سعد، وعائذ الله بن سعد، وبنو صلاة من بني الحارث بن كعب.. ثم قالا: يا رسول الله إن أمّنا ملكية بنت الحلو كانت تفكّ العافي وتطعم البائس، وترحم المسكين، وإنها ماتت وقد وأدت بنيّة لها صغيرة فما حالها؟ فقال رسول الله ﷺ : «الوائدة والموؤدة في النار» . فقاما مغضبين. فقال: «إلي فارّجعا» . فقال: «وأمّي مع أمّكما» . فأبيا ومضيا وهما يقولان: والله إن رجلا أطعمنا القلب وزعم أنّ أمّنا في النار لأهل ألّا يتّبع. وذهبا. فلما كانا ببعض الطريق لقيا رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ معه إبل من إبل الصدقة فأوثقاه وطردا الإبل.

стр. 2697

فبلغ ذلك النبي ﷺ فلعنهما فيمن كان يلعن في قوله: «لعن اللَّه رعلا وذكوان وعصيّة ولحيان وابني مليكة بن حريم ومرّان» . وروى ابن سعد [ (١) ] عن أشياخ قالوا: وفد أبو سبرة وهو يزيد بن مالك بن عبد اللَّه الجعفي على النبي ﷺ ومعه ابناه سبرة وعزيز. فقال رسول اللَّه ﷺ لعزيز: «ما اسمك؟» قال عزيز. قال: «لا عزيز إلا اللَّه أنت عبد الرحمن» . فأسلموا. وقال أبو سبرة: يا رسول اللَّه إن بظهر كفي سلعة قد منعتني من خطام راحلتي. فدعا له رسول اللَّه ﷺ [بقدح، فجعل يضرب به على السّلعة ويمسحها فذهبت فدعا له رسول اللَّه ﷺ ] ولابنيه، وقال له: يا رسول اللَّه أقطعني وادي قومي باليمن، وكان يقال له حردان. ففعل. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . قوله في هذا الخبر: «وأمّي مع أمّكما» ، سبق الكلام عليه في باب وفاة آمنة أم رسول اللَّه ﷺ ، والإسناد واه بمرّة.

стр. 2698

الباب الحادي والثلاثون في وفود جهينة إليه ﷺ روى ابن سعد [ (١) ] عن أبي عبد الرحمن المدنيّ قال: لمّا قدم النبي ﷺ المدينة وفد إليه عبد العزى بن بدر بن زيد بن معاوية الجهنيّ من بني الرّبعة بن زيدان بن قيس بن جهينة، ومعه أخوه لأمه أبو روعة، وهو ابن عم له. فقال رسول اللَّه ﷺ لعبد العزّى: «أنت عبد اللَّه» . ولأبي روعة: «أنت رعت العدوّ إن شاء اللَّه» . وقال: «من أنتم؟» قالوا: بنو غيّان. قال: «أنتم بنو رشدان» . وكان اسم واديهم غوى، فسمّاه رسول اللَّه ﷺ : - رشدا- وقال لجبلي جهينة: «الأشعر والأجرد: هما من جبال الجنّة لا تطؤهما فتنة» . وأعطى اللواء يوم الفتح عبد اللَّه بن بدر وخطّ لهم مسجدهم، وهو أول مسجد خطّ بالمدينة. وروى ابن سعد عن رجل من جهينة من بني دهمان عن أبيه وقد صحب النبي ﷺ قال: قال عمرو بن مرّة الجهنيّ: كان لنا صنم وكنا نعظّمه وكنت سادنه، فلما سمعت برسول اللَّه ﷺ كسرته وخرجت حتى أقدم المدينة على النبي ﷺ فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وآمنت بما جاء به من حلال وحرام، فذلك حين أقول: شهدت بأنّ اللَّه حقّ وأنّني ... لآلهة الأحجار أوّل تارك وشمّرت عن ساقي الإزار مهاجرا ... إليك أجوب الوعث بعد الدّكادك لأصحب خير النّاس نفساً ووالداً ... رسول مليّك الناس فوق الحبائك قال: ثم بعثه رسول اللَّه ﷺ إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام فأجابوه إلا رجلاً واحداً، ردّ عليه قوله فدعا عليه عمرو بن مرة فسقط فوه فما كان يقدر على الكلام وعمي واحتاج. وعن عمران بن حصين رضي اللَّه تعالى عنهما قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «جهينة منّي وأنا منهم، غضبوا لغضبي ورضوا لرضائي، أغضب لغضبهم. من أغضبهم فقد أغضبني، ومن أغضبني فقد أغضب اللَّه» . رواه الطبراني برجال ثقات غير الحارث بن معبد فيحرّر حاله [ (٢) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . بنو الرّبعة: [بالتحريك حيّ من الأزد] .

стр. 2699

زيدان: بلفظ تثنية زيد. أبو روعة: [بفتح الراء وسكون الواو، وبالعين المهملة فتاء تأنيث] . بنو غيّان: بغيم معجمة فمثناة تحتية مشددة فألف فنون. أجوب: بألف فجيم مضمومة فواو موحدة: أكشف. الوعث: [بفتح الواو وسكون العين المهملة وبالثاء المثلثة] . الدّكادك: [ما تلبّد من الرّمل بالأرض] . الحبائك: بحاء مهملة فموحدة مفتوحتين فألف فمثناة تحتية فكاف: الطرق واحدها حبيكة والمراد بها السماء لأن فيها طرق النجوم.

стр. 2700

الباب الثاني والثلاثون في وفود جيشان إليه ﷺ نقل ابن سعد [ (١) ] عن عمرو بن شعيب قال: قدم أبو وهب الجيشاني على رسول اللَّه ﷺ في نفر من قومه، فسألوه عن أشربة تكون باليمن. قال: فسمّوا له البتع من العسل والمرز من الشعير. فقال رسول اللَّه ﷺ : «هل تسكرون منها؟» قالوا: إن أكثرنا سكرنا. قال: «فحرام قليل ما أسكر كثيرة» وسألوه عن الرجل يتّخذ الشّراب فيسقيه عمّاله، فقال رسول اللَّه ﷺ : «كلّ مسكر حرام» . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: جيشان: [بفتح الجيم وسكون المثناة التحتية فألف فنون: مخلاف باليمن] . البتع: بموحدة فمثناة فوقية ساكنة وقد تحرّك فعين مهملة: نبيذ التمر وهو خمر أهل اليمن. الباب الثالث والثلاثون في وفود الحارث بن حسان إليه ﷺ روى الإمام أحمد، والترمذي والنسائي وابن ماجة عن الحارث بن حسان البكري قال: خرجت أشكو العلاء الحضرمي إلى رسول اللَّه ﷺ فمررت بالرّبذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت: يا عبد اللَّه إنّ لي إلى رسول اللَّه حاجة فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله وإذا راية سوداء تخفق وبلال متقلّد السيف بين يدي رسول اللَّه ﷺ فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها. قال: فجلست فدخل منزله فاستأذنت عليه فأذن لي. فدخلت فسلّمت فقال: «هل كان بينكم وبين تميم شيء؟» قلت: نعم، وكانت الدائرة عليهم ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب. فأذن لها فدخلت. فقلت: يا رسول اللَّه إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدّهناء. فحميت العجوز واستوفزت وقالت: يا رسول اللَّه أين يضطر مضرك؟ قال: قلت: إنّ مثلي ما قال الأول معزى حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ باللَّه ورسوله أن أكون كوافد عاد. قالت هي: وما وافد عاد؟ وهي

стр. 2701

أعلم بالحديث منه ولكن تستطعمه. قلت: إنّ عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم. فمرّ بمعاوية بن بكر. فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان. فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال: اللهم إنك تعلم لم أجيء إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه. فمرّت به سحابات سود، فنودي منها: اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها: خذها رمادا ورمددا، لا تبق من عاد أحدا. قال: فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا بقدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا. قال أبو وائل: وكانت المرأة أو الرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا يكن كوافد عاد.

стр. 2702

الباب الرابع والثلاثون في وفود بني الحارث بن كعب إليه ﷺ قال ابن إسحاق رحمه اللَّه تعالى إن خالد بن الوليد رضي اللَّه تعالى عنه لما انقاد له بنو الحارث بن كعب بنجران كتب بذلك كتابا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فكتب إليه رسول اللَّه ﷺ أن يقبل ويقبل معه وفدهم، فأقبل وأقبل معه قيس بن الحصين ذي الغصّة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجّل، وعبد اللَّه بن قراد الزيادي، وشدّاد بن عبد اللَّه القناني، وعمرو بن عبد الله الضّبابي. وقال لهم رسول اللَّه ﷺ : «بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟» قالوا: لم نكن نغلب أحدا. قال: «بلى [قد كنتم تغلبون من قاتلكم] » قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرّق، ولا نبدأ أحدا بظلم. قال: «صدقتم» . وأمّر عليهم قيس بن الحصين فرجعوا إلى قومهم في بقية من شوّال أو في صدر ذي القعدة فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول اللَّه ﷺ [ (١) ] . وكان بعث خالدا إليهم في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا فليقبل منهم وإلا فليقاتلهم فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الرّكبان في كل وجه يدعون إلى الإسلام ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا» . فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه وأقام خالد فيهم يعلّمهم الإسلام. وكتب النبي ﷺ [كتابا نسخته: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول اللَّه إلى خالد بن الوليد، سلام عليك فإني أحمد إليك اللَّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن كتابك جاءني مع رسولك تخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام وشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبد اللَّه ورسوله وأن قد هداهم اللَّه بهداه فبشّرهم وأنذرهم وأقبل وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته] » .

стр. 2703

الباب الخامس والثلاثون في وفود الحجّاج بن علاط السّلمي وما وقع فيه من الآيات . روى ابن أبي الدنيا في الهواتف وابن عساكر عن واثلة بن الأسقع رضي اللَّه تعالى عنه قال: سبب إسلام الحجّاج بن علاط أنه خرج في ركب من قومه إلى مكة، فلما جنّ عليه الليل وهو في واد موحش مخوف فقال له أصحابه: قم يا أبا كلاب فخذ لنفسك ولأصحابك أمانا. فقام الحجّاج بن علاط يطوف حولهم يكلؤهم ويقول: أعيذ نفسي وأعيذ صحبي من كل جنّيّ بهذا النّقب حتى أؤوب سالما وركبي. فسمع قائلاً يقول: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ [الرحمن ٣٣] . فلما قدم مكة أخبر بذلك قريشا فقالوا: [صبأت واللَّه يا أبا كلاب] إن هذا فيما يزعم محمد أنه أنزل عليه [فقال: واللَّه لقد سمعته وسمعه هؤلاء معي] . فسأل عن النبي ﷺ فقيل له بالمدينة، فأتاه فأسلم. الباب السادس والثلاثون في وفود حضرموت إليه ﷺ قال ابن سعد [ (١) ] : قالوا: وقدم وفد حضر موت مع وفد كندة على رسول اللَّه ﷺ وهم بنو وليعة ملوك حضر موت: جمد، ومخوس، ومشرح، وأبضعة فأسلموا. وقال مخوس: يا رسول اللَّه ادع اللَّه، أن يذهب عني هذه الرّتّة من لساني. فدعا له وأطعمه طعمة من صدقة حضر موت. وروى ابن سعد عن أبي عبيدة من ولد عمار بن ياسر قال: وفد مخوس بن معدي كرب بن وليعة فيمن معه على النبي ﷺ ، ثم خرجوا من عنده فأصابت مخوس اللقوة، فرجع منهم نفر فقالوا: يا رسول اللَّه سيد العرب ضربته اللقوة فادللنا على دوائه. فقال: «خذوا مخيطا فاحموه في النار ثم اقلبوا شفر عينه ففيها شفاؤه وإليها مصيره فاللَّه أعلم ما قلتم حين خرجتم من عندي» . فصنعوا به فبرأ. وروى ابن سعد عن عمرو بن مهاجر الكندي قال: كانت امرأة من حضرموت ثم من تنعة يقال لها: تهناة بنت كليب صنعت لرسول اللَّه ﷺ كسوة ثم دعت ابنها كليب بن أسد

стр. 2704

ابن كليب. فقالت: انطلق بهذه الكسوة إلى النبي ﷺ ، فأتاه بها وأسلم، فدعا له وقال كليب حين أتى رسول اللَّه ﷺ . من وشز برهوت يهوي بي عذافرة ... إليك يا خير من يحفى وينتعل تجوب بي صفصفا غبرا مناهله ... تزداد عفوا إذا ما كلّت الإبل شهرين أعملها نصّا على وجل ... أرجو بذاك ثواب اللَّه يا رجل أنت النبيّ الذي كنّا نخبّره ... وبشّرتنا به التّوراة والرّسل الباب السابع والثلاثون في وفود الحكم بن حزن الكلفي إليه ﷺ روى الإمام أحمد، وأبو داود، والبيهقي، وأبو نعيم، واللفظ له عن الحكم بن حزن رضي اللَّه تعالى عنه قال: قدمنا على رسول اللَّه ﷺ سابع سبعة أو تاسع تسعة، فإذن لنا فدخلنا، فقلنا: يا رسول اللَّه أتيناك لتدعو لنا بخير، فدعا لنا بخير، وأمر بنا فأنزلنا وأمر لنا بشيء من تمر، والشّأن إذ ذاك دون، فلبثنا أيّاما فشهدنا بها الجمعة مع رسول اللَّه ﷺ ، فقام متوكّئا على قوس أو عصا، فحمد اللَّه وأثنى عليه كلمات خفيفات طيّبات مباركات، ثم قال: «يا أيّها الناس إنكم لن تطيقوا أن تفعلوا كلّ ما أمرتم به ولكن سدّدوا وأبشروا» [ (١) ] .

стр. 2705

الباب الثامن والثلاثون في وفود حمير ورسولهم على رسول اللَّه ﷺ قال الإمام الهمداني في الأنساب: كتب رسول اللَّه ﷺ إلى الحارث بن عبد كلال بن غرب وأخيه نعيم، وأمر رسوله أن يقرأ عليهما لم يكن. ووفد عليه الحارث فأسلم فاعتنقه وأفرشه رداءه، وقال قبل أن يدخل عليه: «يدخل عليكم من هذا الفجّ رجل كريم الجدّين صبيح الخدّين فكأنه» انتهى. قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: «والذي تضافرت به الروايات أنه أرسل بإسلامه وأقام باليمن» . وروى ابن سعد رحمه اللَّه تعالى عن رجل من حمير أدرك رسول اللَّه ﷺ ووفد عليه قال: قدم على رسول اللَّه ﷺ مالك بن مرارة الرّهاوي رسول ملوك حمير بكتابهم [وإسلامهم] وهم الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال والنّعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان، وذلك في شهر رمضان سنة تسع. وقال ابن إسحاق: مقدم رسول اللَّه ﷺ من تبوك. فأمر رسول اللَّه ﷺ بلالا أن ينزله ويكرمه ويضيّفه. وكتب إليهم رسول اللَّه ﷺ : «أما بعد فإني أحمد إليكم اللَّه الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم، فبلّغ ما أرسلتم به، وخبّر عمّا قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، فإن اللَّه ﵎ قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم اللَّه ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغنم خمس اللَّه وخمس نبيّه وصفيّه، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر. إن في الإبل الأربعين ابنة لبون، وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفي كل خمس من الإبل شاة، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة،: وإنها فريضة اللَّه التي فرض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، ومن أدّى ذلك وأشهد على إسلامه، وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين: له ما لهم وعليه ما عليهم، وله ذمّة اللَّه وذمّة رسوله، وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يردّ عنها، وعليه الجزية على كل حالم- ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد- دينار واف من قيمة المعافر أو عوضه ثيابا، فمن أدّى ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ فإن له ذمّة اللَّه وذمّة رسوله، ومن منعه فإنه عدوّ للَّه ولرسوله. أما بعد فإن رسول اللَّه محمدا أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم

стр. 2706

بهم خيرا: معاذ بن جبل: وعبد اللَّه بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة بن نمر، ومالك بن مرارة، وأصحابهم وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم، وأبلغوها رسلي، وإن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبنّ إلا راضيا. أما بعد فإن محمدا يشهد ألا إله إلا اللَّه وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرارة الرّهاويّ قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيرا، ولا تخونوا، ولا تخاذلوا، فإن رسول اللَّه ﷺ هو مولى غنيّكم وفقيركم، وإن الصّدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته إنما هي زكاة يزكّى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وإن مالكا قد بلّغ الخبر وحفظ الغيب وآمركم به خيرا وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم وآمركم بهم خيرا فإنهم منظور إليهم والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته» . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . حمير: بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وفتح التحتية وبالراء: أبو قبيلة من اليمن. وإن أردت القبيلة لم تصرفه، وهو حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ومنهم الملوك في الدهر الأول، واسم حمير العرنجج. كلال: بضم الكاف وتخفيف اللام. غريب: بغين معجمة وراء مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فموحدة. أفرشه رداءه: بسطه له. الفجّ: تقدم الكلام عليه. تضافرت به الروايات: [تظاهرت] . مرارة: بضم الميم وراءين مهملتين بينهما ألف، ووقع عند أبي عمر. مرّة وصوّبوا الأول. الرّهاوي: بفتح الراء نسبة إلى قبيلة، وبالضم الرّها بلد بالجزيرة وليس مرادا هنا. القيل: بفتح القاف وسكون التحتية وباللام وهو أحد ملوك اليمن دون الملك الأعظم، وفلان لا «ذو» له، وتقدّم الكلام عليها في الأسماء النبوية، وقيل ذو رعين أي ملكها، وهي قبيلة من اليمن تنسب إلى ذي رعين، وهو من «ذي» اليمن وملوكها قال في الصحاح: [وذو رعين ملك من ملوك حمير] ورعين حصن كان له، وهو من ولد الحارث بن عمرو بن حمير بن سبأ [وهم آل ذي رعين وشعب ذي رعين] ورعين تصغير رعن: أنف الجبل. معافر: بفتح الميم وتخفيف العين المهملة وكسر الفاء وبالراء: حيّ من اليمن. همدان: بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة.

стр. 2707

زرعة: بضم الزاي وسكون الراء وفتح العين المهملة. ذو يزن: [يزن محرّكة واد، وبطن من حمير، وذو يزن ملك لحمير لأنه حمى ذلك الوادي] ووقع عند أبي عمر زرعة بن ذي يزن، وصوّب ابن الأمين إسقاط «ابن» . منقلبنا: بفتح اللام. فلقينا: بفتح التحتية، والضمير في محل نصب مفعول. قبلكم: بكسر القاف وفتح الموحدة. الصّفيّ: يأتي الكلام عليه في الخصائص. الغرب: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وبالموحدة: الدّلو. ابنة لبون: بلام مفتوحة فموحدة مضمومة فواو فنون: من الإبل ما أتى عليه سنتان ودخل في الثالثة فصارت أمه لبونا، أي ذات لبن. التّبيع: بفتح الفوقية وكسر الموحدة فمثناة تحتية فعين مهملة: ولد البقرة أوّل سنة. الجذع: بالجيم والذال المعجمة المفتوحتين وعين مهملة: من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والغنم ما دخل في السنة الثانية، وقيل البقر في الثالثة. سائمة وحدها: راعية وحدها. ظاهر: عاون. الذّمّة: الأمان والعهد. لا يردّ: بالبناء للمفعول. على كل حالم ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد: هذا لم يذكر له إسناد، ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه أن لا جزية على امرأة ولا من رقّ. رسلي: فاعل أتاكم. معاذ: ومن بعده بالرفع بدل من رسلي، أو بالجرّ بدل من بهم. عبادة والد مالك: بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة. مرارة: بضم الميم وتخفيف الراء. المخالف: بميم فخاء معجمة فألف فلام فتحتية ففاء: جمع مخلاف، وهو في اليمن كالرّستاق في العراق. أبشر بخير: بفتح الهمزة وكسر الشين المعجمة. آمرك: بمدّ الهمزة. لا تخاذلوا: بضم الفوقية وبالخاء والذال المكسورة المعجمتين أو بفتحهما.

стр. 2708

الباب التاسع والثلاثون في وفود بني حنيفة ومسيلمة الكذاب معهم إلى رسول الله ﷺ قال في زاد المعاد: [قال ابن إسحاق: قدم على رسول الله ﷺ وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة بن حبيب الكذّاب] وكان منزلهم في دار امرأة من الأنصار من بني النجار، فأتوا بمسيلمة إلى رسول الله ﷺ يستر بالثياب ورسول الله ﷺ جالس مع أصحابه في يده عسيب من سعف النّخل، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وهم يسترونه بالثياب كلّمه وسأله، فقال له رسول الله ﷺ : «لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتكه» [ (١) ] . قال ابن إسحاق: فقال لي شيخ من أهل اليمامة من بني حنيفة إن حديثه كان على غير هذا، زعم أنّ وفد بني حنيفة أتوا رسول الله ﷺ وخلّفوا مسيلمة في رحالهم فلما أسلموا ذكروا له مكانه فقالوا: يا رسول الله إنا قد خلّفنا صاحبا لنا في رحالنا وركابنا، يحفظها لنا. فأمر له رسول الله ﷺ بمثل ما أمر للقوم، وقال: «أما إنه ليس بشرّكم مكانا» [ (٢) ] . يعني حفظه ضيعة أصحابه. [وذلك الذي يريد رسول الله ﷺ ] . قال: ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ وجاءوا بالذي أعطاه. فلما قدموا اليمامة ارتدّ عدوّ الله وتنبّأ وقال: إنّي قد أشركت في الأمر معه، ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: «أما إنه ليس بشرّكم مكانا» ؟ وما ذاك إلا لما كان يعلم أنّي قد أشركت في الأمر معه. ثم جعل يسجع السّجعان فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا. ووضع عنهم الصلاة وأحلّ لهم الخمر والزّنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله ﷺ أنه نبيّ فأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك. قال ابن إسحاق: وقد كان كتب لرسول الله ﷺ : «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله: أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأمر، وليس قريش قوما يعدلون» . فقدم عليه رسوله بهذا الكتاب. فكتب إليه رسول الله ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين» [ (٣) ] . وكان ذلك في آخر سنة عشر.

стр. 2709

قال ابن إسحاق: حدثني سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ حين جاءه رسولا مسيلمة الكذّاب بكتابه يقول لهما: «وأنتما تقولان بمثل ما يقول؟» قال: نعم فقال: «أما والله لولا أنّ الرّسل لا تقتل لضربت أعناقكما [ (١) ] . وروى أبو داود والطياليسي في مسنده [عن عاصم] عن أبي وائل عن عبد الله [بن مسعود] قال: جاء ابن النّوّاحة، وابن أثال رسولين لمسيلمة إلى رسول الله ﷺ فقال لهما: «تشهدان أني رسول الله؟» فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : «آمنت بالله ورسله، ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما» [ (٢) ] . قال عبد الله [بن مسعود: فمضت السنّة بأن] الرّسل لا تقتل» . وفي البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: لما بعث النبي ﷺ فسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذّاب بالنار، وكنّا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه ألقينا ذلك وأخذناه، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به، وكنّا إذا دخل رجب قلنا: جاء منصّل الأسنّة فلا ندع سهما فيه حديدة ولا حديدة في رمح إلا نزعناها وألقيناها [ (٣) ] قلت: وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قدم مسيلمة الكذّاب على عهد رسول الله ﷺ ، فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله ﷺ ، ومعه ثابت بن قيس بن شمّاس، وفي يد النبي ﷺ قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدوا أمر الله فيك ولئن أدبرت ليعقرنّك الله وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني [ (٤) ] . ثم انصرف عنه. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فسألت عن قول النبي ﷺ : «إنك أرى الذي أريت فيه ما رأيت» ، فأخبرني أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيت في يديّ سوارين من ذهب فأهمّني شأنهما فأوحي إليّ في المنام أن أنفخهما فطارا، فأوّلتهما كذّابين يخرجان من بعدي أحدهما العنسي صاحب صنعاء والآخر مسيلمة صاحب اليمامة» [ (٥) ] . وهذا أصحّ من حديث ابن إسحاق المتقدم.

стр. 2710

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم أتيت بخزائن الأرض فوضع في كفّي سواران من ذهب فكبرا عليّ فأوحي إليّ أن أنفخهما فنفختهما فذهبا، فأوّلتهما الكذّابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة» . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . حنيفة: أبو حيّ من اليمن. وهو حنيفة بن لجيم بن صعب بن بكر علي بن بكر بن وائل. منزلهم: بفتح الزاي والمراد هنا نزولهم. في درا امرأة من الأنصار من بني النجار: هي رملة بنت الحدث كان بيتها في بني قريظة. العسيب: بفتح العين وكسر السين المهملتين: الجريدة. أما: بفتح الهمزة وتخفيف الميم بمعنى «ألا» الاستفتاحية. إنه: بكسر الهمزة. الضيعة: بفتح الضاد المعجمة وسكون التحتية وبالعين المهملة والمراد بها هنا ظهرهم وحوائجهم. أشركت: بضم الهمزة وسكون الشين المعجمة وكسر الراء بالبناء للمفعول والتاء فيه مضمومة لأنها للمتكلم.

стр. 2711

الباب الأربعون في وفود خفاف بن نضلة إليه ﷺ روى أبو سعيد النيسابوري في شرف المصطفى والبيهقي في دلائل النبوة عن ذابل بن الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قعد في مسجده منصرفه من الأباطح فقدم عليه خفاف بن نضلة بن عمرو بن بهدلة الثّقفي فأنشد رسول الله ﷺ : كم قد تحطّمت القلوص بي الدّجى ... في مهمة قفر من الفلوات فلّ من التّوريس ليس بقاعة ... نبت من الإسنات والأزمات إنّي أتاني في المنام مساعد ... من جنّ وجرة كان لي وموات يدعو إليك لياليا ... ثم احزألّ وقال لست بآت فركبت ناجية أضرّ بنيّها ... جمز تجب به على الأكمات حتّى وردت إلى المدينة جاهدا ... كيما أراك مفرّج الكربات قال: فاستحسنه رسول الله ﷺ وقال: «إن من البيان كالسّحر وإن من الشعر كالحكم» [ (١) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . خفاف: بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفائين. نضلة: بالنون والضاد المعجمة. ذابل: بذال معجمة فألف فموحدة فلام. الدّوسي: بدال مهملة مفتوحة فواو فسين مهملة فياء نسب. بهدلة: بموحدة مفتوحة فهاء ساكنة فدال مهملة فلام. تحطّمت: تكسّرت. القلوص: من النّوق الشّابّة وهي بمنزلة الجارية من النساء. الدّجى: بدال مهملة مضمومة فجيم من دجا اللّيل إذا تمّت ظلمته، والدّياجي الليالي المظلمة والدّجنة الظلمة. المهمه: بميمين مفتوحتين بينهما هاء ساكنة: المفازة والبرّيّة. القفر: بقاف مفتوحة ففاء ساكنة فراء.

стр. 2712

الفلوات: [جمع فلاة وهي أرض لا ماء فيها] . الفلّ: بفاء مكسورة فلام: القوم المنهزمون من الفلّ الكسر وهو مصدر سمّي به يقع على الواحد والاثنين والثلاثة. من التّوريس: [من ورّس الثوب بالورس صبغه به] . بقاعه: [القاع المستوي من الأرض] . الإسنات: [من أسنتوا أي أجدبوا] . الأزمات: جمع أزمة وهي الشدّة. وجرة: [بواو مفتوحة فجيم ساكنة فراء مفتوحة فتاء تأنيث] . المواتي: [الموافق المطاوع] . احزألّ: بهمزة وصل مكسورة فحاء مهملة ساكنة فهمزة مفتوحة فلام مشددة: انفرد والاحزئلال الانفراد. النّاجية: [الناقة السريعة التي تنجو بصاحبها] . أضرّ نبيّها: [التي بفتح النون وتشديد المثناة التحتية الشحم وبكسر النون السّمن] . الجمز: بجيم فميم مفتوحتين فزاي: ضرب من السّير سريع فوق العنق. تجبّ: بمثناة فوقية فجيم موحدة: تقطع. الأكمات: جمع أكمة وهي الرابية. مفرّج: بميم مضمومة ففاء مفتوحة فراء مشددة فجيم. الكربات: بكاف وراء مضمومتين فموحدة فألف فتاء تأنيث.

стр. 2713

الباب الحادي والأربعون في وفود خثعم إليه ﷺ وعن غيرهم من أهل العلم يزيد بعضهم على بعض، قالوا: وفد عثعث بن زحر، وأنس بن مدرك في رجال من خثعم إلى رسول الله ﷺ بعد ما هدم جرير بن عبد الله البجلي ذا الخلصة، وقتل من قتل من خثعم، فقالوا: آمنّا بالله ورسوله وما جاء [به] من عند الله فاكتب لنا كتابا نتّبع ما فيه. قالوا: وكتب رسول الله ﷺ لخثعم: «هذا كتاب من محمد رسول الله ﷺ لخثعم من حاضر بيشة وباديتها أن كلّ دم أصبتموه في الجاهلية فهو عنكم موضوع، ومن أسلم منكم طوعاً أو كرهاً في يده حرث من خبار أو عزاز تسقيه السّماء أو يرويه اللّثى فزكا عمارة في غير أزمة ولا حطمة، فله نشره وأكله، وعليهم في كلّ سيح العشر وفي كلّ غرب نصف العشر، شهد جرير بن عبد الله ومن حضر» . الباب الثاني والأربعون في وفود خولان إليه ﷺ قالوا: قدم وفد خولان وهم عشرة نفر في شعبان سنة عشر، فقالوا: يا رسول الله نحن مؤمنون بالله ومصدّقون برسوله، ونحن على من وراءنا من قومنا، وقد ضربنا إليك آباط الإبل، وركبنا حزون الأرض وسهولها، والمنّة لله ولرسوله علينا، وقدمنا زائرين لك. فقال رسول الله ﷺ : «إما ما ذكرتم من مسيركم إليّ فإنّ لكم بكلّ خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، وأمّا قولكم زائرين لك فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة» . فقالوا: يا رسول الله هذا السّفر الذي لا توى عليه. ثم قال رسول الله ﷺ : «ما فعل عمّ أنس؟» وهو صنم خولان الذي كانوا يعبدونه. قالوا: بشرّ وعرّ، أبدلنا الله به ما جئت به، ولو قد رجعنا إليه لهدمناه، وبقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به ولو قد قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله تعالى فقد كنا منه في غرور وفتنة. فقال لهم رسول الله ﷺ : «وما أعظم ما رأيتم من فتنته؟» قالوا: لقد رأيتنا وأسنتنا حتى أكلنا الرّمّة، فجمعنا ما قدرنا عليه وابتعنا مائة ثور ونحرناها لعمّ أنس قربانا في غداة واحدة، وتركناها تردها السّباع ونحن أحوج إليها من السّباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، ولقد رأينا العشب يواري الرجل، فيقول قائلنا: أنعم علينا عمّ أنس.

стр. 2714

وذكروا لرسول الله ﷺ ما كانوا يقسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءا له وجزءا لله بزعمهم. قالوا: كنا نزرع الزّرع فنجعل له وسطه، فنسمّيه له، ونسمّي زرعا أخر حجرة لله، فإذا مالت الريح فالذي سميناه لله جعلناه لعمّ أنس، وإذا مالت الريح فالذي سميناه لعم أنس جعلناه لله. فذكر لهم رسول الله ﷺ إن الله قد أنزل عليه في ذلك: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [الأنعام ١٣٦] . قالوا: وكنّا نتحاكم إليه فنكلّم. فقال رسول الله ﷺ : «تلك الشياطين تكلّمكم» . قالوا: إنا أصبحنا يا رسول الله وقلوبنا تعرف أنه كان لا يضرّ ولا ينفع، ولا يدري من عبده ممّن لم يعبده. فقال رسول الله ﷺ : «الحمد لله الذي هداكم وأكرمكم بمحمد ﷺ » . وسألوا رسول الله ﷺ عن أشياء من أمر دينهم، فجعل يخبرهم بها وأمر من يعلّمهم القرآن والسّنن، وأمرهم بالوفاء بالعهد وأداء الأمانة وحسن الجوار وألّا يظلموا أحدا. قال: قال رسول الله ﷺ : «الظّلم ظلمات يوم القيامة [ (١) ] » . وأنزلوا دار رملة بنت الحدث، وأمر بضيافة، فأجريت عليهم، ثم جاءوا بعد أيّام يودّعونه، فأمر لهم بجوائز باثنتي عشرة أوقية ونشّا، ورجعوا إلى قومهم فلم يحلّوا عقدة حتى هدموا عمّ أنس وحرّموا ما حرّم عليهم رسول الله ﷺ وأحلّوا ما أحلّ لهم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . خولان: بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو. من وراءنا: بفتح الميم. آباط الإبل: بهمزة مفتوحة فألف فموحدة فألف فطاء مهملة: جمع إبط. الحزون: بضم الحاء المهملة والزاي جمع حزن بفتح الحاء وسكون الزاي: ما غلظ من الأرض. الخطوة: بضم الخاء المعجمة وفتحها، فبالأول ما بين القدمين- وجمع القلّة خطوات والكثرة خطاء- وبالثاني المرّة الواحدة. الجواز: بكسر الجيم وضمها: الذّمام والعهد والتأمين.

стр. 2715

التّوى: بفوقية فواو مفتوحتين فألف مقصورة: هلاك المال، يقال توي المال بالكسر يتوى بالفتح توى وأتوا، غيره. رأيتنا: بضم الفوقية. أسنتنا: بهمزة قطع مفتوحة فسين مهملة ساكنة فنون مفتوحة ففوقية فنون: أجد بنا بإصابة السّنة يقال أسنت فهو مسنت إذا أجدب. الرّمة: بكسر الراء وتشديد الميم المفتوحة فتاء التأنيث: العظام البالية. الزّعم: بتثليث الزاي. وسطه: بفتح السين المهملة وسكونها. الحجرة: بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم: الناحية. فنكلّم: بضم النون وفتح اللام المشدّدة مبني للمفعول أي يكلّمنا.

стр. 2716

الباب الثالث والأربعون في وفود خشين إليه ﷺ روى ابن سعد عن محمد بن عمر قال أخبرنا عبد الرحمن بن صالح عن محجن بن وهب قال: قدم أبو ثعلبة الخشني على رسول اللَّه ﷺ وهو يتجهز إلى خيبر فأسلم وخرج معه فشهد خيبر، ثم قدم بعد ذلك سبعة نفر من خشين فنزلوا على أبي ثعلبة فأسلموا وبايعوا ورجعوا إلى قومهم. الباب الرابع والأربعون في وفود الداريين إليه ﷺ قالوا: قدم وفد الداريين على رسول اللَّه ﷺ منصرفه من تبوك وهم عشرة نفر منهم تميم ونعيم ابنا أوس بن خارجة بن سواد بن جذيمة بن دارع بن عدي بن الدّار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم، ويزيد بن قيس بن خارجة، والفاكه بن النّعمان بن جبلة وأبو هند، والطّيب ابنا ذرّ، وهو عبد اللَّه بن رزين، وهانئ بن حبيب، وعزيز، ومرّة ابنا مالك بن سواد بن جذيمة. فأسلموا، وسمّى رسول اللَّه ﷺ الطّيّب: عبد اللَّه، وسمّى عزيزا: عبد الرحمن. وأهدى هانئ بن حبيب لرسول اللَّه ﷺ أفراسا وقباء مخوّصا بالذهب، فقبل الأفراس والقباء [وأعطاه العباس بن عبد المطلب] فقال: «ما أصنع به؟» قال: انتزع الذّهب فتحلّيه نساءك أو تستنفقه ثم تبيع الديباج فتّأخذ ثمنه. فباعه العباس من رجل من يهود بثمانية آلاف درهم. وقال تميم: لنا جيرة من الرّوم لهم قريتان يقال لإحداهما حبرى والأخرى بيت عينون، فإن فتح اللَّه عليك الشّام فهبهما لي. قال: «فهما لك» . فلما قام أبو بكر أعطاه ذلك وكتب له به كتابا [ (١) ] . وأقام وفد الداريّين حتى توفي رسول اللَّه ﷺ ، وأوصى لهم بجادّ مائة وسق أي من خيبر. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . الدّاريّين: بدال مهملة فألف فراء فمثناتين تحتيتين فنون.

стр. 2717

أوس: بهمزة مفتوحة فواو ساكنة فسين مهملة. خارجة: بخاء معجمة فألف فراء فجيم. سواد: بسين مهملة مفتوحة فواو فألف فدال مهملة. جذيمة: بجيم مفتوحة فذال معجمة فمثناة تحتية فميم. دارع: بدال مهملة فألف فراء فعين مهملة. عديّ: بعين مفتوحة فدال مكسورة مهملتين فمثناة تحتية. حبيب: بحاء مهملة مفتوحة فموحدة فمثناة فموحدة. نمارة: بنون مضمومة فميم فألف فراء فتاء تأنيث. لخم: بلام مفتوحة فخاء معجمة ساكنة فميم. الفاكه: بفاء فألف فكاف فهاء. جبلة: بجيم فموحدة فلام مفتوحات. مرّة: بميم مضمومة فراء فتاء تأنيث. مخوّصا بالذهب: بميم مضمومة فخاء معجمة مفتوحة فواو مشدّدة فصاد مهملة أي منسوجا به كخوص النخل. الديباج: بدال مهملة مكسورة فمثناة تحتية فموحدة فألف فجيم، وهو الثياب المتخذة من الإبريسم، فارسي معرّب. حبري: بكسر الحاء المهملة وإسكان الموحدة وفتح الراء. بيت عينون: بعين مهملة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فنونين بينهما واو. جاد مائة وسق: بجيم فألف مهملة بمعنى المجدود أي نخل يجد منه ما يبلغ مائة وسق.

стр. 2718

الباب الخامس والأربعون في وفود دوس إليه ﷺ قال: قدم على رسول اللَّه ﷺ أربعمائة من دوس فقال رسول اللَّه ﷺ : «مرحبا أحسن الناس وجوها وأطيبهم أفواها وأعظمهم أمانة [ (١) ] » رواه الطبراني بسند ضعيف. قال في زاد المعاد: قال ابن إسحاق: كان الطفيل بن عمرو والدوسي [ (٢) ] يحدّث أنه قدم مكة ورسول اللَّه ﷺ بها. فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا فقالوا له: يا طفيل إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرّق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسّحر يفرّق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه وبين الرجل وزوجه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا فلا تكلّمه ولا تسمع منه. قال: فو اللَّه ما زالوا بي حتى أجمعت ألّا أسمع منه شيئا ولا أكلّمه حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شيء من قوله. قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول اللَّه ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى اللَّه إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا فقلت في نفسي وا ثكل أمياه، واللَّه إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان ما يقول حسنا قبلت وإن كان قبيحا تركت. قال: فمكثت حتى انصرف رسول اللَّه ﷺ إلى بيته فتبعته حتى إذا دخل بيته، دخلت عليه فقلت: يا محمد إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فو اللَّه ما برحوا يخوّفوني أمرك حتى سددت أذنيّ بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبي اللَّه إلا أن يسمعنيه فسمعت قولا حسنا فاعرض عليّ أمرك. فعرض على رسول اللَّه ﷺ الإسلام وتلا عليّ القرآن فلا واللَّه ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه فأسلمت وشهدت شهادة الحق وقلت: يا نبي اللَّه إني امرؤ مطاع في قومي وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع اللَّه لي أن يجعل لي آية تكون عونا لي عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال: «اللهم اجعل له آية» . قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عينيّ مثل المصباح قلت: اللهم في غير وجهي، إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي

стр. 2719

لفراقي دينهم. قال: فتحوّل فوقع في رأس سوطي كالقنديل المعلّق، وأنا أنهبط إليهم من الثّنيّة حتى جئتهم وأصبحت فيهم. فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخا كبيرا. فقلت: إليك عنّي يا أبت فلست منك ولست منّي. قال: ولم يا بنيّ، بأبي أنت وأمي. قلت: فرق الإسلام بيني وبينك فقد أسلمت وتابعت دين محمد ﷺ . قال: يا بنيّ فديني دينك. قال: فقلت: اذهب فاغتسل وطهّر ثيابك، ثم تعال حتى أعلّمك ما علمت. قال: فذهب فاغتسل وطهّر ثيابه. ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم. ثم أتتني صاحبتي فقلت لها: إليك عنّي فلست منك ولست منّي. قالت: لم بأبي أنت وأمي؟ قلت: فرق الإسلام بيني وبينك أسلمت وتابعت دين محمد ﷺ . قالت: فديني دينك فقلت: اذهبي فاغتسلي ففعلت، ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت. ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطئوا عليّ فأتيت رسول اللَّه ﷺ . فقلت: يا نبي اللَّه إنه قد غلبني على دوس الزنا فادع اللَّه عليهم. فقال: «اللهم اهد دوسا» ثم قال: «ارجع إلى قومك فادعهم إلى اللَّه وارفق بهم» . فرجعت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى اللَّه. ثم قدمت على رسول اللَّه ﷺ بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس. ثم لحقنا برسول اللَّه ﷺ بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين. قال ابن إسحاق: فلما قبض رسول اللَّه ﷺ وارتدّت العرب خرج الطّفيل مع المسلمين حتى فرغوا من طليحة، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة، ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي: رأيت أن رأسي قد حلق وأنه قد خرج من فمي طائر، وأن امرأة لقيتني فأدخلتني في فرجها، ورأيت أن ابني يطلبني طلبا حثيثا، ثم رأيته حبس عنّي. قالوا: خيرا رأيت. قال: أما واللَّه إني قد أوّلتها. قالوا: وما أوّلتها؟ قال: أمّا حلق رأسي فوضعه، وأمّا الطائر الذي خرج من فمي فروحي، وأمّا المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض، تحفر فأغيب فيها، وأما طلب ابني إيّاي وحبسه عنّي فإني أراه سيجهد لأن يصيبه من الشهادة ما أصابني. فقتل الطّفيل شهيدا باليمامة، وجرح ابنه جرحا شديدا ثم قتل عام اليرموك شهيدا في زمن عمر رضي اللَّه تعالى عنهم.

стр. 2720

الباب السادس والأربعون في قدوم ذباب بن الحارث عليه ﷺ روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفيّ قال: لما سمعوا بخروج النبي ﷺ وثب ذباب- رجل من بني أنس اللَّه بن سعد العشيرة- إلى صنم كان لسعد العشيرة يقال له فرّاض فحطمه ثم وفد إلى النبي ﷺ وقال: تبعت رسول اللَّه إذ جاء بالهدى ... وخلّفت فرّاضا بدار هوان شددت عليه شدّة فتركته ... كأن لم يكن والدّهر ذو حدثان ولمّا رأيت اللَّه أظهر دينه ... أجبت رسول اللَّه حين دعاني فأصبحت للإسلام ما عشت ناصرا ... وألفيت فيه كلكلي وجراني فمن مبلغ سعد العشيرة أنني ... شريت الّذي يبقى بآخر فاني وروى ابن سعد عن مسلم بن عبد الله بن شريك النّخعي عن أبيه قال: كان عبد اللَّه بن ذباب الأنسيّ مع علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه بصفّين فكان له غناء. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . ذباب: [بذال معجمة فموحدتين بينهما ألف] . فرّاض: [بفاء فراء مشددة فألف فضاد معجمة] . حطمه: بحاء فطاء مهملتين مفتوحتين فميم فهاء. الكلكل: [بكافين مفتوحتين بينهما لام ساكنة فلام أخرى: الصّدر أو ما بين التّرقوتين] . الجران: بجيم مكسورة فراء فألف فنون: باطن العنق.

стр. 2721

الباب السابع والأربعون في وفود الرهاويّين إليه ﷺ روى الطبراني برجال ثقات عن قتادة الرّهاوي رضي اللَّه تعالى عنه قال: «لما عقد لي رسول اللَّه ﷺ على قومي، أخذت بيده فودّعته فقال رسول اللَّه ﷺ : «جعل اللَّه التّقوى زادك، وغفر لك ذنبك ووجّهك للخير حيثما تكون» [ (١) ] . وروى ابن سعد عن زيد بن طلحة التّيمي قال: قدم خمسة عشر رجلا من الرّهاويّين وهم حيّ من مذحج على رسول اللَّه ﷺ سنة عشر، فنزلوا دار رملة بنت الحدث، فأتاهم رسول اللَّه ﷺ ، فتحدث عندهم طويلا وأهدوا لرسول اللَّه ﷺ هدايا منها فرس يقال له المرواح فأمر فشور بين يديه فأعجبه. فأسلموا وتعلّموا القرآن والفرائض، وأجازهم كما يجيز الوافد: أرفعهم اثني عشرة أوقية ونشّا وأخفضهم خمس أواق ثم رجعوا إلى بلادهم. ثم قدم منهم نفر فحجّوا مع رسول اللَّه ﷺ من المدينة وأقاموا حتى توفي رسول اللَّه ﷺ فأوصى لهم بجادّ مائة وسق بخيبر في الكتيبة جارية عليهم وكتب لهم كتابا فباعوا ذلك في زمن معاوية. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . النّشّ: بالنون والشين المعجمة: نصف الأوقية وقيل النصف من كل شيء. الوسق: بفتح الواو وسكون السين المهملة وبالقاف: ستّون صاعا وقيل حمل بعير.

стр. 2722

الباب الثامن والأربعون في وفود بني الرؤاس بن كلاب إليه ﷺ روى ابن سعد [ (١) ] عن أبي نفيع طارق بن علقمة الرّؤاسي قال: قدم رجل منا يقال له عمرو بن مالك بن قيس على رسول اللَّه ﷺ ، فأسلم ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: حتى نصيب من بني عقيل بن كعب مثلما أصابوا منا. فخرجوا يريدونهم، وخرج معهم عمرو ابن مالك فأصابوا منهم. ثم خرجوا يسوقون النّعم فأدركهم فارس من بني عقيل يقال له ربيعة بن المنتفق بن عقيل وهو يقول: أقسمت لا أطعن إلا فارسا ... إذا الكماة ألبسوا القلانسا قال أبو نفيع: فقلت نجوتم يا معشر الرّجّالة سائر اليوم. فأدرك العقيليّ رجلا من بني عبيد بن رؤاس يقال له المحرس بن عبد اللَّه [بن عمرو بن عبيد بن رؤاس] فطعنه في عضده فاختلّها، فاعتنق المحرس فرسه وقال: يا آل رؤاس. فقال ربيعة: رؤاس خيل أو أناس؟ فعطف على ربيعة عمرو بن مالك فطعنه فقتله. قال: ثم خرجنا نسوق النّعم، وأقبل بنو عقيل في طلبنا حتى انتهينا إلى تربة فقطع ما بيننا وبينهم وادي تربة، فجعلت بنو عقيل ينظرون إلينا ولا يصلون إلى شيء فمضينا. قال عمرو بن مالك: فأسقط في يدي وقلت قتلت رجلا وقد أسلمت وبايعت النبي ﷺ فشددت يديّ في غلّ إلى عنقي، ثم خرجت أريد رسول اللَّه ﷺ وقد بلغه ذلك. فقال: «لئن أتاني لأضربنّ ما فوق الغلّ من يده» . فأطلقت يديّ ثم أتيته فسلّمت عليه فأعرض عني، فأتيته عن يمينه فأعرض عني فأتيته عن يساره فأعرض عني فأتيته من قبل وجهه فقلت: «يا رسول اللَّه إن الرّبّ ليترضّى فيرضى فارض عنّي رضي اللَّه عنك» . قال: «قد رضيت عنك» [ (٢) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . بنو الرؤاس: [براء مضمومة فواو مهموزة فألف فسين مهملة] . نفيع: بنون مضمومة ففاء مفتوحة فمثناة تحتية فعين مهملة.

стр. 2723

عقيل: بعين مهملة مفتوحة فقاف فمثناة تحتية فلام. المنتفق: بميم مضمومة فنون ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة ففاء مكسورة فقاف. الكماة: جمع كمي كغنيّ لابس السلاح من أكمى نفسه سترها بالدّرع والبيضة. القلانس: جمع قلنسوة بفتح القاف واللام: ما يلبس على الرأس. المحرس: [بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء فسين مهملة] . الغلّ: بغين معجمة مضمومة فلام مشددة: الحديدة التي تجمع يديّ الأسير إلى عنقه. اختلّه: بخاء معجمة فمثناة فوقية أي أنفذ الطعنة من الجانب الآخر. تربة: [بمثناة فوقية مضمومة فراء فموحدة مفتوحتين فتاء تأنيث] .

стр. 2724

الباب التاسع والأربعون في وفود زبيد إليه ﷺ ولما كانت السنة التي توفي فيها رسول اللَّه ﷺ ، رأت زبيد قبائل اليمن تقدم على رسول اللَّه ﷺ مقرّين بالإسلام مصدّقين برسول اللَّه ﷺ ، يرجع راجعهم إلى بلادهم وهم علي ما هم عليه. وكان رسول اللَّه ﷺ استعمل خالد بن سعيد بن العاص على صدقاتهم وأرسله مع فروة بن مسيك كما سيأتي فقال خالد: «واللَّه لقد دخلنا فيما دخل فيه الناس. وصدّقنا بمحمد ﷺ ، وخلّينا بينك وبين صدقات أموالنا، وكنا لك عونا على من خالفك من قومنا» . قال خالد: قد فعلتم. قالوا: فأوفد منّا نفرا يقدمون على رسول اللَّه ﷺ ويخبرونه بإسلامنا ويقبسونا منه خيرا. فقال خالد: ما أحسن ما عدتم إليه وإنا أجيبكم، ولم يمنعني أن أقول لكم هذا إلا أني رأيت وفود العرب تمرّ بكم فلا يهيجنّكم ذلك على الخروج فسيأتي ذلك منكم حتى ساء ظنّي فيكم وكنتم على ما كنتم عليه من حداثة عهدكم بالشّرك فحسبت أن يكون الإسلام راسخا في قلوبكم. الباب الخمسون في وفود بني سحيم إليه ﷺ روى المرشاطي عن أبي عبيدة رضي اللَّه تعالى عنه أن الأسود بن سلمة قدم على رسول اللَّه ﷺ في وفد بني سحيم فأسلم فردّهم إلى قومهم وأمرهم أن يدعوهم إلى الإسلام وأعطاهم إداوة ماء قد تفل فيها أو مجّ وقال: «فلينضحوا بهذه الإداوة مسجدهم وليرفعوا رؤوسهم» إذا رفعها اللَّه تعالى فما تبع مسيلمة منهم رجل ولا خرج منهم خارجيّ قط.

стр. 2725

الباب الحادي والخمسون في وفود بني سدوس إليه ﷺ روى البزار عن عبد اللَّه بن الأسود رضي اللَّه تعالى عنه قال: كنّا عند رسول اللَّه ﷺ في وفد بني سدوس فأهدينا له تمرا فنثرناه إليه على نطع فأخذ حفنة من التّمر فقال: «أيّ تمر هذا؟» فجعلنا نسمي حتى ذكرنا تمرا فقلنا: هذا الجذامي، فقال: «بارك اللَّه في الجذاميّ وفي حديقة يخرج هذا منها أو جنّة خرج هذا منها» [ (١) ] . الباب الثاني والخمسون في وفود بني سعد هذيم إليه ﷺ روى محمد بن عمر الأسلمي عن ابن النعمان عن أبيه قال: قدمت على رسول اللَّه ﷺ وافدا في نفر من قومي وقد أوطأ رسول اللَّه البلاد غلبة وأذاخ العرب، والناس صنفان: إما داخل في الإسلام راغب فيه، وإما خائف من السّيف، فنزلنا ناحية من المدينة ثم خرجنا نؤمّ المسجد حتى انتهينا إلى بابه، فنجد رسول اللَّه ﷺ يصلي على جنازة في المسجد فقمنا خلفه ناحية ولم ندخل مع الناس في صلاتهم وقلنا حتى نلقى رسول اللَّه ﷺ ونبايعه، ثم انصرف ﷺ فنظر إلينا فدعا بنا فقال: «ممّن أنتم؟» قلنا: من بني سعد هذيم فقال: «أمسلمون أنتم؟» قلنا: نعم. قال: «فهلّا صلّيتم على أخيكم؟» قلنا: يا رسول اللَّه ظننا إن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك فقال ﷺ : «أينما أسلمتم فأنتم مسلمون» . قال: فأسلمنا وبايعنا رسول اللَّه ﷺ بأيدينا على الإسلام ثم انصرفنا إلى رحالنا وقد كنا خلّفنا عليها أصغرنا. فبعث رسول اللَّه ﷺ في طلبنا فأتي بنا إليه، فتقدّم صاحبنا فبايعه على الإسلام. فقلنا: يا رسول اللَّه إنه أصغرنا وإنه خادمنا، فقال: «أصغر القوم خادمهم، بارك اللَّه عليه» . قال: فكان واللَّه خيرنا وأقرأنا للقرآن لدعاء رسول اللَّه ﷺ له، ثم أمره رسول اللَّه ﷺ علينا: فكان يومّنا. ولما أردنا الانصراف أمر بلالا فأجازنا بأواقيّ من فضّة لكل رجل منا فرجعنا إلى قومنا فرزقهم اللَّه الإسلام. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . أوطأ: بفتح الهمزة في أوله وآخره وسكون الواو وبالطاء المهملة: أي قهرهم وجعلهم يوطأون قهرا وغلبة.

стр. 2726

أذاخ البلاد: بفتح الهمزة والذال المعجمة وبعد الألف خاء معجمة يذيخها إذا قهرها واستولى عليها وكذلك دوّخ البلاد. إمّا: بكسر الهمزة وتشديد الميم وكذا الثانية الآتية. نؤمّ: بفتح النون وضم الهمزة وتشديد الميم: نؤم المسجد أي نقصده. يصلّي على جنازة في المسجد: قال في النور: يحتمل أن صاحب الجنازة سهيل ابن بيضاء فإن قدوم هذا الوفد كان في سنة تسع وسهيل توفي فيها في مقدمة من تبوك ولا أعلمه صلى في جنازة في المسجد إلا عليه. ووقع في صحيح مسلم أنه صلى على سهيل وأخيه في المسجد ففيه أنه إن كان المراد به سهلا فلا يصح لأنه مات بعد النبي ﷺ كما قاله محمد بن عمر [الواقدي] وكونه صفوانا فيه نظر أيضا لأنه استشهد ببدر، والصواب حديث عبادة في مسلم الذي فيه إفراد سهيل لا الحديث الذي بعده. هذا في المسجد النبوي. وقد صلى رسول الله ﷺ في مسجد بني معاوية على أبي الربيع عبيد الله بن عبد الله بن ثابت بن قيس وكان قد شهد أحدا. خلّفنا: بتشديد اللام. أتي بنا: بالبناء للمفعول. أمّره: بتشديد الميم من التأمير. أواقيّ: بتشديد التحتية وتخفّف.

стр. 2727

الباب الثالث والخمسون في وفود بني سلامان إليه ﷺ قال محمد بن عمر رحمه الله تعالى: كان مقدمهم في شوال سنة عشر. وروى ابن سعد عن حبيب بن عمر والسلاماني كان يحدّث قال: قدمنا وفد سلامان على رسول الله ﷺ ونحن سبعة فصادفنا رسول الله ﷺ خارجا من المسجد إلى جنازة دعي إليها فقلنا: السلام عليك يا رسول الله. فقال: «وعليكم من أنتم؟» فقلنا: نحن من سلامان قدمنا إليك لنبايعك على الإسلام ونحن على من وراءنا من قومنا. فالتفت إلى ثوبان غلامه فقال: «أنزل هؤلاء الوفد حيث ينزل الوفد» . فلما صلى الظهر جلس بين المنبر وبيته فتقدمنا إليه فسألناه عن أشياء من أمر الصلاة وشرائع الإسلام وعن الرقى، وأسلمنا وأعطى كل رجل منا خمس أواقيّ ورجعنا إلى بلادنا وذلك في شوال سنة عشر. وروى أبو نعيم من طريق محمد بن عمر عن شيوخه أن وفد سلامان قدموا في شوال سنة عشر فقال لهم رسول الله ﷺ : «كيف البلاد عندكم؟» قالوا: مجدبة فادع الله أن يسقينا في موطننا. فقال: «اللهم اسقهم الغيث في دارهم» . فقالوا: يا نبي الله ارفع يديك فإنه أكثر وأطيب، فتبسّم ورفع يديه حتى يرى بياض إبطيه، ثم رجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول الله ﷺ في تلك الساعة [ (١) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . سلامان: بفتح السين المهملة وتخفيف اللام. حبيب: بفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة. أسقهم: يجوز جعله ثلاثيا ورباعيا فعلى الأول توصل الهمزة وعلى الثاني تقطع. ما أكثر هذا: منصوب على التعجب. وأطيبه: معطوف عليه. مطرت: يجوز بناؤه للفاعل والمفعول أيضا.

стр. 2728

الباب الرابع والخمسون في وفود بني سليم إليه ﷺ قالوا: وقدم على رسول الله ﷺ رجل من بني سليم يقال له: قيس بن نسيبة فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه ووعى ذلك كله ودعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأسلم ورجع إلى قومه بني سليم فقال: قد سمعت برجمة الروم وهينمة فارس وأشعار العرب وكهانة الكاهن وكلام مقاول حمير فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم فأطيعوني وخذوا نصيبكم منه. فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم إلى رسول الله ﷺ فلقوه بقديد وهم سبعمائة. ويقال كانوا ألفا وفيهم العباس بن مرداس، وأنس بن عباس بن رعل، وراشد بن عبد ربه فأسلموا وقالوا: اجعلنا في مقدّمتك واجعل لواءنا أحمر وشعارنا مقدّما. ففعل ذلك بهم فشهدوا معه الفتح والطائف وحنينا وأعطى رسول الله ﷺ راشد بن عبد ربه رهاطا وفيها عين يقال لها عين الرسول. وكان راشد يسدن لبني سليم فرأى يوما ثعلبين يبولان عليه فقال: أربّ يبول الثّعلبان برأسه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب [ (١) ] ثم شدّ عليه فكسره. ثم أتى النبي ﷺ فقال له: «ما اسمك؟» قال: غاوي بن عبد العزى قال: «أنت راشد بن عبد ربه» . فأسلم وحسن إسلامه وشهد الفتح مع النبي ﷺ وقال رسول الله ﷺ : «خير قرى عربيّة خيبر وخير بني سليم راشد» [ (٢) ] . وعقد له على قومه. وروى ابن سعد عن رجل من بني سليم من بني الشريد قالوا: وفد رجل منا يقال له قُدد بن عمّار على النبي ﷺ بالمدينة فأسلم وعاهده على أن يأتيه بألف من قومه على الخيل. ثم أتى قومه فأخبرهم الخبر فخرج معه تسعمائة وخلّف في الحيّ مائة فأقبل بهم يريد النبي ﷺ فنزل به الموت فأوصى إلى ثلاثة رهط من قومه: إلى عباس بن مرداس وأمّره على ثلاثمائة، وإلى جبّار بن الحكم وهو الفرّار الشّريدي وأمّره على ثلاثمائة، وإلى الأخنس بن يزيد وأمّره على ثلاثمائة وقال: ائتوا هذا الرجل حتى تقضوا العهد الذي في عنقي، ثم مات. فمضوا حتى قدموا على النبي ﷺ فقال: «أين الرجل الحسن الوجه الطويل اللسان الصادق الإيمان؟» قالوا: يا رسول الله دعاه الله فأجابه وأخبروه خبره فقال: «أين تكملة الألف الذين عاهدني

стр. 2729

عليهم؟» قالوا: قد خلّف مائة بالحيّ مخافة حرب كانت بيننا وبين كنانة قال: «ابعثوا إليها فإنه لا يأتيكم في عامكم هذا شيء تكرهونه» . فبعثوا إليها فأتته بالهدّة وهي مائة عليها المنقع بن مالك بن أمية، فلما سمعوا وئيد الخيل قالوا: يا رسول الله أتينا قال: «لا بل لكم لا عليكم هذه سليم بن منصور قد جاءت» . فشهدوا مع رسول الله ﷺ الفتح وحنينا [ (١) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: سليم: [بضم السين المهملة وفتح اللام وسكون المثناة التحتية فميم] . نسيبة: [بضم النون وفتح السين المهملة وسكون المثناة التحتية وفتح الموحدة فتاء تأنيث] . ترجمة: بمثناة فوقية مفتوحة فراء ساكنة فجيم فميم: نقل لغة إلى لغة أخرى. هينمة: بهاء مفتوحة ساكنة فنون فميم فتاء تأنيث: كلام خفيّ لا يفهم والياء زائدة. رهاط: [بضم أوله قرية على ثلاثة أميال من مكة] .

стр. 2730

الباب الخامس والخمسون في وفد بني شيبان إليه ﷺ روى ابن سعد عن قيلة بنت مخرمة قالت: قدمت على رسول الله ﷺ مع وفد شيبان، وهو قاعد القرفصاء، فلما رأيت رسول الله ﷺ متخشّعا في الجلسة أرعدت من الفرق. فقال جليسه: يا رسول الله أرعدت المسكينة. فقال رسول الله ﷺ ولم ينظر إليّ وأنا عند ظهره: «يا مسكينة عليك السّكينة» . فلما قالها أذهب الله ما كان أدخل قلبي من الرعب. وتقدّم صاحبي أوّل رجل فبايعه على الإسلام عليه وعلى قومه، ثم قال: يا رسول الله اكتب بيننا وبين بني تميم بالدّهناء لا يجاوزنا إلينا منهم إلا مسافر أو مجاور. فقال: «يا غلام اكتب له بالدهناء» . فلما رأيته أمر له بأن يكتب له بها شخص بي وهي وطني وداري، فقلت: يا رسول الله إنه لم يسألك السّويّة من الأرض إذ سألك، إنما هذه الدهناء عندك مقيّد الجمل ومرعى الغنم، ونساء تميم وأبناؤها وراء ذلك. فقال: «أمسك يا غلام، صدقت المسكينة المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشّجر، ويتعاونان على الفتّان» . فلما رأى حريث أن قد حيل دون كتابه ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: كنت أنا وأنت كما قيل: «حتفها تحمل ضأن بأظلافها» فقلت: أمّا والله إن كنت لدليلا في الظلماء، جوادا بذي الرّحل عفيفا عن الرفيقة حتى قدمت على رسول الله ﷺ ولكن لا تلمني على حظّي إذ سألت حظّك. فقال: وما حظّك في الدهناء لا أبا لك؟ فقلت: مقيّد جملي تسأله لجمل امرأتك. فقال: لا جرم إني أشهد رسول الله ﷺ أني لك أخ ما حييت، إذ أثنيت هذا عليّ عنده فقلت: إذ بدأتها فلن أضيعها. فقال رسول الله ﷺ : «أيلام ابن ذه أن يفصل الخطّة وينتصر من وراء الحجرة» ، فبكيت ثم قلت: والله كنت ولدته يا رسول الله حازما فقاتل معك يوم الرّبذة، ثم ذهب يحيرني من خيبر فأصابته حمّاها وترك على النساء. فقال: «والذي نفس محمد بيده لو لم تكوني مسكينة لجرّرناك اليوم على وجهك أو لجررت على وجهك» شكّ عبد الله، «أيغلب أحيدكم أن يصاحب صويحبة في الدنيا معروفا فإذا حال بينه وبينه من هو أولى به منه استرجع» . ثم قال: «ربّ أنسني ما أمضيت وأعنّي على ما أبقيت، والذي نفس محمد بيده إن أحيدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه فيما عباد الله لا تعذّبوا إخوانكم» وكتب لها في قطعة من أديم أحمر لقيلة وللنّسوة بنات قيلة: «ألّا يظلمن حقّا ولا يكرهن على منكح، وكل مؤمن مسلم لهنّ نصير أحسنّ ولا تسئن» [ (١) ] .

стр. 2731

الباب السادس والخمسون في وفود صداء إليه ﷺ روى البغوي والبيهقي وابن عساكر وحسّنه عن زياد بن الحارث الصدائي رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته على الإسلام فأخبرت أنه قد بعث جيشا إلى قومي. قال ابن سعد رحمه الله تعالى: «لما انصرف رسول الله ﷺ من الجعرانة سنة ثمان بعث قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن وأمره أن يطأ صداء، فعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين» انتهى. قال زياد بن الحارث الصدائي فقلت: يا رسول الله قد جئتك وافدا على من ورائي فارد الجيش وأنا لك بإسلامي قومي وطاعتهم. فقال لي: «اذهب فردّهم» . فقلت: يا رسول الله إن راحلتي قد كلّت. فبعث رسول الله ﷺ رجلا فردّهم من صدر قناة قال زياد: وكتب إلى قومي كتابا فقدم وفدهم بإسلامهم. وعند ابن سعد: فقدم منهم بعد ذلك على رسول الله ﷺ خمسة عشر رجلا منهم. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله دعهم ينزلوا عليّ فنزلوا عليه فحباهم وأكرمهم وكساهم ثم راح بهم إلى رسول الله ﷺ فأسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ على من وراءهم من قومهم انتهى. قال زياد: فقال لي رسول الله ﷺ : «يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك» . قال: فقلت: بل الله هداهم للإسلام. فقال لي رسول الله ﷺ : «أفلا أؤمّرك عليهم؟» فقلت: بلى يا رسول الله. فكتب لي كتابا أمّرني فيه. فقلت: يا رسول الله مر لي بشيء من صدقاتهم. قال: «نعم» فكتب لي كتابا آخر. قال زياد: وكان ذلك في بعض أسفاره. ونزل رسول الله ﷺ منزلا فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم ويقولون: أخذنا بكل شيء بيننا وبين قومه في الجاهلية. فقال النبي ﷺ : «أفعل ذلك؟» قالوا: نعم. فالتفت رسول الله ﷺ إلى أصحابه وأنا فيهم فقال: «لا خير في الإمارة لرجل مؤمن» . قال زياد: فدخل قوله في قلبي. ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله أعطني فقال رسول الله ﷺ : «من يسأل الناس عن غنى فصداع في الرأس وداء في البطن» . فقال السائل: اعطني من الصدقة. فقال رسول الله ﷺ : «إن الله لم يرض فيها بحكم نبيّ ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها فجزّأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك وإن كنت غنيّا عنها فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن» .

стр. 2732

قال زياد: فدخل في نفسي أني سألته من الصدقات وأني غني. ثم إن رسول الله ﷺ اعتشى من أوّل الليل فلزمت [غرزه] وكنت قريبا منه فكان أصحابه ينقطعون عنه ويستأخرون عنه حتى إذا لم يبق معه أحد غيري فلما كان أذان صلاة الصبح أمرني فأذنت فجعلت أقوال أقم الصلاة يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ ينظر ناحية المشرق إلى الفجر ويقول لا، حتى إذا طلع الفجر نزل رسول الله ﷺ فذهب لحاجته، ثم انصرف إلى وتلاحق أصحابه فقال: «هل من ماء يا أخا صداء؟» فقلت: لا إلا شيء قليل لا يكفيك. فقال رسول الله ﷺ : «اجعله في إناء ثم ائتني به» . ففعلت، فوضع كفّه في الماء. فقال زياد: فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينا تفور. ثم قال لي رسول الله ﷺ : «يا أخا صداء لولا إني أستحي من ربي لسقينا واستقينا ناد في أصحابي من له حاجة في الماء» . فناديت فيهم. فأخذ من أراد منهم شيئا. ثم قام رسول الله ﷺ إلى الصلاة فأراد بلال أن يقيم فقال له رسول الله ﷺ : «أن أخا صداء هذا أذّن فهو يقيم» . قال الصّدائي: فأقمت الصلاة. فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة أتيته بالكتابين فقلت: يا رسول الله اعفني من هذين الكتابين. فقال رسول الله ﷺ : «ما بدا لك؟» فقلت: سمعتك يا رسول الله تقول: «لا خير في الإمارة لرجل مؤمن» وأنا مؤمن بالله تعالى ورسوله، وسمعتك تقول للسائل: «من سأل الناس عن غني فصداع في الرأس وداء في البطن» وقد سألتك وأنا غني. فقال رسول الله ﷺ : «هو ذاك فإن شئت فاقبل وإن شئت فدع» . فقلت: أدع. فقال لي رسول الله ﷺ : «فدلّني على رجل أؤمّره عليكم» . فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه فأمّره عليهم. ثم قلنا: يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها واجتمعنا عليها وإذا كان الصيف قلّ ماؤها فتفرقنا على المياه حولنا، وكلّ من حولنا لنا عدوّ فادع الله لنا في بئرنا أن يسعنا ماؤها فنجتمع عليها ولا نتفرّق. فدعا بسبع حصيّات ففركهنّ بيده ودعا فيهن ثم قال: «اذهبوا بهذه الحصيّات فإذا أتيتم البئر فالقوا واحدة واحدة واذكروا اسم الله تعالى» [ (١) ] . قال زياد الصّدائي: ففعلنا ما قال فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها. وعند ابن سعد: ورجعوا أي الخمسة عشر إلى بلادهم ففشا فيهم الإسلام فوافى النبي ﷺ مائة رجل منهم في حجة الوداع.

стр. 2733

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . صداء: بضم الصاد وفتح الدال المهملتين والمدّ: حيّ من العرب، باليمن. الجعرانة وقناة: تقدم الكلام عليهما. فشا فيهم الإسلام: ظهر وذاع. الغرز: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وبالزاي: ركاب كور البعير إن كان من خشب أو جلد. الأداوى: جمع إداوة إناء صغير من جلد يتّخذ للماء كالسّطيحة ونحوها. القعب: بفتح القاف وسكون العين المهملة وبالموحدة: وهو القدح الضخم. الوضوء: بفتح الواو الماء وبالضم الفعل الذي هو المصدر ويجوز العكس، والله أعلم.

стр. 2734

الباب السابع والخمسون في وفود الصّدف إليه ﷺ روى ابن سعد عن جماعة من الصدف قالوا: قدم وفدنا على رسول الله ﷺ وهم بضعة عشر رجلا، على قلائص لهم في أزر وأردية فصادفوا رسول الله ﷺ فيما بين بيته وبين المنبر فجلسوا ولم يسلّموا. فقال: «أمسلمون أنتم؟» قالوا: نعم. قال: «فهلّا سلّمتم؟» فقاموا قياما، فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فقال: «وعليكم السلام، اجلسوا» . فجلسوا وسألوا رسول الله ﷺ عن أوقات الصلاة فأخبرهم بها [ (١) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . الصّدف: [بفتح الصاد وكسر الدال المهملتين ففاء] . الباب الثامن والخمسون في وفود أبي صفرة إليه ﷺ روى ابن منده، وابن عساكر، والدّيلمي عن محمد بن غالب بن عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة قال: حدثني أبي عن آبائه أن أبا صفرة قدم على رسول الله ﷺ علي أن يبايعه، وعليه حلّة صفراء وله طول ومنظر وجمال وفصاحة لسان [فلما رآه أعجبه ما رأى من جماله] فقال له: «من أنت؟» قال: أنا قاطع بن سارق بن ظالم بن عمر بن شهاب بن مرة بن الهقام بن الجلند بن المستكبر الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا، أنا ملك ابن ملك. فقال له النبي ﷺ : «أنت أبو صفرة دع عنك سارقا وظالما» . فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أنك عبده ورسوله حقا حقا يا رسول الله، وإن لي ثمانية عشر ذكرا وقد رزقت بأخرة بنتا سمّيتها صفرة. فقال له رسول الله ﷺ : «فأنت أبو صفرة» [ (٢) ] .

стр. 2735

الباب التاسع والخمسون في وفود ضمام بن ثعلبة إليه ﷺ روى الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي رحمهم الله تعالى من طريق سليمان ابن المغيرة عن ثابت، والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن شريك بن عبد اللَّه كلاهما عن أنس وأبو القاسم عبد اللَّه بن محمد البغوي عن الزهري، والإمام أحمد وابن سعد وأبو داود عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهم، قال أنس في رواية ثابت: «نهينا في القرآن أن نسأل رسول اللَّه ﷺ عن شيء كان يعجبنا أن نجد الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع» . وفي رواية شريك: «بينا نحن جلوس مع رسول اللَّه ﷺ » ، وفي حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: «بينا النبي ﷺ مع أصحابه متكئا، أو قال جالسا في المسجد إذ جاء رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله» وفي حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: «بعث بنو سعد بن بكر، ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول اللَّه ﷺ فقدم عليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم دخل المسجد ورسول اللَّه ﷺ جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين فأقبل حتى انتهى إلى رسول اللَّه ﷺ » قال أنس في رواية شريك: «فقال: أيّكم محمد؟» وفي حديث ابن عباس: «أيّكم ابن عبد المطلب؟» والنبي ﷺ متّكئ بين ظهرانيهم، فقلنا له: هذا الأبيض المتكئ» . وفي رواية: «جاءهم رجل من أهل البادية فقال: أيّكم ابن عبد المطلب؟ قالوا: هذا الأمغر المرتفق. قال: فدنا منه وقال: إني سائلك فمشدّد عليك- وفي لفظ- فمغلظ عليك- في المسألة، فلا تجد علي في نفسك، قال: «لا أجد في نفسي فسل عمّا بدا لك» قال أنس في رواية ثابت: فقال: يا محمد أتانا رسولك فقال لنا أنك تزعم أن اللَّه تعالى أرسلك؟ قال: «صدق» . قال: فمن خلق السماء؟ قال: «اللَّه» . قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «اللَّه» . قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: «اللَّه» . وقال أبو هريرة وأنس في رواية شريك، فقال. «أسألك بربّك وربّ من قبلك» ، وفي حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: «فأنشدك اللَّه إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن بعدك» ، وفي رواية عن أنس فقال: «فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال» ، قال ابن عباس في حديثه: «اللَّه أمرك أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا وأن ندع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟ قال: «اللهم نعم» .
следующие страницы →