الباب السادس والخمسون في وفود صداء إليه ﷺ
روى البغوي والبيهقي وابن عساكر وحسّنه عن زياد بن الحارث الصدائي رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته على الإسلام فأخبرت أنه قد بعث جيشا إلى قومي.
قال ابن سعد رحمه الله تعالى: «لما انصرف رسول الله ﷺ من الجعرانة سنة ثمان بعث قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن وأمره أن يطأ صداء، فعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين» انتهى.
قال زياد بن الحارث الصدائي فقلت: يا رسول الله قد جئتك وافدا على من ورائي فارد الجيش وأنا لك بإسلامي قومي وطاعتهم. فقال لي: «اذهب فردّهم» .
فقلت:
يا رسول الله إن راحلتي قد كلّت. فبعث رسول الله ﷺ رجلا فردّهم من صدر قناة قال زياد:
وكتب إلى قومي كتابا فقدم وفدهم بإسلامهم. وعند ابن سعد: فقدم منهم بعد ذلك على رسول الله ﷺ خمسة عشر رجلا منهم. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله دعهم ينزلوا عليّ فنزلوا عليه فحباهم وأكرمهم وكساهم ثم راح بهم إلى رسول الله ﷺ فأسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ على من وراءهم من قومهم انتهى.
قال زياد: فقال لي رسول الله ﷺ : «يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك» . قال:
فقلت: بل الله هداهم للإسلام. فقال لي رسول الله ﷺ : «أفلا أؤمّرك عليهم؟» فقلت: بلى يا رسول الله. فكتب لي كتابا أمّرني فيه. فقلت: يا رسول الله مر لي بشيء من صدقاتهم. قال:
«نعم» فكتب لي كتابا آخر. قال زياد: وكان ذلك في بعض أسفاره. ونزل رسول الله ﷺ منزلا فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم ويقولون: أخذنا بكل شيء بيننا وبين قومه في الجاهلية.
فقال النبي ﷺ : «أفعل ذلك؟» قالوا: نعم. فالتفت رسول الله ﷺ إلى أصحابه وأنا فيهم فقال: «لا خير في الإمارة لرجل مؤمن» .
قال زياد: فدخل قوله في قلبي. ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله أعطني فقال رسول الله ﷺ : «من يسأل الناس عن غنى فصداع في الرأس وداء في البطن» . فقال السائل:
اعطني من الصدقة. فقال رسول الله ﷺ : «إن الله لم يرض فيها بحكم نبيّ ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها فجزّأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك وإن كنت غنيّا عنها فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن» .
стр. 2732
قال زياد: فدخل في نفسي أني سألته من الصدقات وأني غني. ثم إن رسول الله ﷺ اعتشى من أوّل الليل فلزمت [غرزه] وكنت قريبا منه فكان أصحابه ينقطعون عنه ويستأخرون عنه حتى إذا لم يبق معه أحد غيري فلما كان أذان صلاة الصبح أمرني فأذنت فجعلت أقوال أقم الصلاة يا رسول الله،
فجعل رسول الله ﷺ ينظر ناحية المشرق إلى الفجر ويقول لا، حتى إذا طلع الفجر نزل رسول الله ﷺ فذهب لحاجته، ثم انصرف إلى وتلاحق أصحابه فقال:
«هل من ماء يا أخا صداء؟» فقلت: لا إلا شيء قليل لا يكفيك. فقال رسول الله ﷺ : «اجعله في إناء ثم ائتني به» . ففعلت، فوضع كفّه في الماء. فقال زياد: فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينا تفور. ثم قال لي رسول الله ﷺ : «يا أخا صداء لولا إني أستحي من ربي لسقينا واستقينا ناد في أصحابي من له حاجة في الماء» . فناديت فيهم. فأخذ من أراد منهم شيئا.
ثم قام رسول الله ﷺ إلى الصلاة فأراد بلال أن يقيم فقال له رسول الله ﷺ : «أن أخا صداء هذا أذّن فهو يقيم» . قال الصّدائي: فأقمت الصلاة. فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة أتيته بالكتابين فقلت: يا رسول الله اعفني من هذين الكتابين. فقال رسول الله ﷺ : «ما بدا لك؟» فقلت: سمعتك يا رسول الله تقول: «لا خير في الإمارة لرجل مؤمن» وأنا مؤمن بالله تعالى ورسوله، وسمعتك تقول للسائل: «من سأل الناس عن غني فصداع في الرأس وداء في البطن» وقد سألتك وأنا غني.
فقال رسول الله ﷺ : «هو ذاك فإن شئت فاقبل وإن شئت فدع» . فقلت: أدع. فقال لي رسول الله ﷺ : «فدلّني على رجل أؤمّره عليكم» . فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه فأمّره عليهم.
ثم قلنا: يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها واجتمعنا عليها وإذا كان الصيف قلّ ماؤها فتفرقنا على المياه حولنا، وكلّ من حولنا لنا عدوّ فادع الله لنا في بئرنا أن يسعنا ماؤها فنجتمع عليها ولا نتفرّق. فدعا بسبع حصيّات ففركهنّ بيده ودعا فيهن ثم قال:
«اذهبوا بهذه الحصيّات فإذا أتيتم البئر فالقوا واحدة واحدة واذكروا اسم الله تعالى» [ (١) ] .
قال زياد الصّدائي: ففعلنا ما قال فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها.
وعند ابن سعد: ورجعوا أي الخمسة عشر إلى بلادهم ففشا فيهم الإسلام فوافى النبي ﷺ مائة رجل منهم في حجة الوداع.
стр. 2733
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
صداء: بضم الصاد وفتح الدال المهملتين والمدّ: حيّ من العرب، باليمن.
الجعرانة وقناة: تقدم الكلام عليهما.
فشا فيهم الإسلام: ظهر وذاع.
الغرز: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وبالزاي: ركاب كور البعير إن كان من خشب أو جلد.
الأداوى: جمع إداوة إناء صغير من جلد يتّخذ للماء كالسّطيحة ونحوها.
القعب: بفتح القاف وسكون العين المهملة وبالموحدة: وهو القدح الضخم.
الوضوء: بفتح الواو الماء وبالضم الفعل الذي هو المصدر ويجوز العكس، والله أعلم.
стр. 2734
الباب السابع والخمسون في وفود الصّدف إليه ﷺ
روى ابن سعد عن جماعة من الصدف قالوا: قدم وفدنا على رسول الله ﷺ وهم بضعة عشر رجلا، على قلائص لهم في أزر وأردية فصادفوا رسول الله ﷺ فيما بين بيته وبين المنبر فجلسوا ولم يسلّموا. فقال: «أمسلمون أنتم؟» قالوا: نعم. قال: «فهلّا سلّمتم؟» فقاموا قياما، فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فقال: «وعليكم السلام، اجلسوا» .
فجلسوا وسألوا رسول الله ﷺ عن أوقات الصلاة فأخبرهم بها [ (١) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
الصّدف: [بفتح الصاد وكسر الدال المهملتين ففاء] .
الباب الثامن والخمسون في وفود أبي صفرة إليه ﷺ
روى ابن منده، وابن عساكر، والدّيلمي عن محمد بن غالب بن عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة قال: حدثني أبي عن آبائه أن أبا صفرة قدم على رسول الله ﷺ علي أن يبايعه، وعليه حلّة صفراء وله طول ومنظر وجمال وفصاحة لسان [فلما رآه أعجبه ما رأى من جماله] فقال له: «من أنت؟» قال: أنا قاطع بن سارق بن ظالم بن عمر بن شهاب بن مرة بن الهقام بن الجلند بن المستكبر الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا، أنا ملك ابن ملك.
فقال له النبي ﷺ : «أنت أبو صفرة دع عنك سارقا وظالما» . فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أنك عبده ورسوله حقا حقا يا رسول الله، وإن لي ثمانية عشر ذكرا وقد رزقت بأخرة بنتا سمّيتها صفرة. فقال له رسول الله ﷺ : «فأنت أبو صفرة» [ (٢) ] .
стр. 2735
الباب التاسع والخمسون في وفود ضمام بن ثعلبة إليه ﷺ
روى الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي رحمهم الله تعالى من طريق سليمان ابن المغيرة عن ثابت، والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن شريك بن عبد اللَّه كلاهما عن أنس وأبو القاسم عبد اللَّه بن محمد البغوي عن الزهري، والإمام أحمد وابن سعد وأبو داود عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهم، قال أنس في رواية ثابت: «نهينا في القرآن أن نسأل رسول اللَّه ﷺ عن شيء كان يعجبنا أن نجد الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع» . وفي رواية شريك: «بينا نحن جلوس مع رسول اللَّه ﷺ » ، وفي حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: «بينا النبي ﷺ مع أصحابه متكئا، أو قال جالسا في المسجد إذ جاء رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله» وفي حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: «بعث بنو سعد بن بكر، ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول اللَّه ﷺ فقدم عليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم دخل المسجد ورسول اللَّه ﷺ جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين فأقبل حتى انتهى إلى رسول اللَّه ﷺ » قال أنس في رواية شريك:
«فقال: أيّكم محمد؟» وفي حديث ابن عباس: «أيّكم ابن عبد المطلب؟» والنبي ﷺ متّكئ بين ظهرانيهم، فقلنا له: هذا الأبيض المتكئ» .
وفي رواية: «جاءهم رجل من أهل البادية فقال: أيّكم ابن عبد المطلب؟ قالوا: هذا الأمغر المرتفق. قال: فدنا منه وقال: إني سائلك فمشدّد عليك- وفي لفظ- فمغلظ عليك- في المسألة، فلا تجد علي في نفسك، قال: «لا أجد في نفسي فسل عمّا بدا لك» قال أنس في
رواية ثابت: فقال: يا محمد أتانا رسولك فقال لنا أنك تزعم أن اللَّه تعالى أرسلك؟ قال:
«صدق» . قال: فمن خلق السماء؟ قال: «اللَّه» . قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «اللَّه» . قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: «اللَّه» .
وقال أبو هريرة وأنس في رواية شريك، فقال. «أسألك بربّك وربّ من قبلك» ، وفي حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: «فأنشدك اللَّه إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن بعدك» ، وفي رواية عن أنس فقال: «فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال» ،
قال ابن عباس في حديثه: «اللَّه أمرك أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا وأن ندع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟ قال: «اللهم نعم» .
стр. 2736
وفي رواية ثابت عن أنس فقال: «فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال»
وفي حديث أبي هريرة ورواية شريك عن أنس: «أسألك بربّك وربّ من قبلك ورب من بعدك اللَّه أرسلك إلى الناس كلهم؟» فقال رسول اللَّه ﷺ : «اللهم نعم» .
وفي رواية ثابت عن أنس قال: «وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا» . قال: «صدق» . قال: «فبالذي أرسلك» ،
وفي رواية شريك عن أنس قال: «أنشدك باللَّه» .
وفي حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: «فأنشدك اللَّه إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك اللَّه أمرك أن تصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال: «اللهم نعم» .
وفي رواية ثابت عن أنس قال: «وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا» . قال:
«صدق» .
وفي حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: «أنشدك باللَّه اللَّه أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فترده على فقرائنا؟» فقال: «اللهم نعم» . قال: «فبالذي أرسلك» ،
وفي رواية شريك: «أنشدك اللَّه اللَّه أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟» فقال رسول اللَّه ﷺ : «اللهم نعم» .
وفي رواية ثابت: «وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا» . قال: «صدق» . قال:
«فبالذي أرسلك» ،
وفي رواية شريك: «وأنشدك اللَّه اللَّه أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟»
وفي حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: «من اثني عشر شهراً؟» فقال رسول اللَّه ﷺ :
«اللهم نعم» .
وفي رواية ثابت قال: «وزعم رسولك أن علينا حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا» . قال:
«نعم» .
وفي حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: «ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة فريضة الزكاة والصيام والحج وشرائع الإسلام كلها ينشده عن كل فريضة منها كما ينشده عن التي قبلها حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدا رسول اللَّه وسأؤدّي هذه الفرائض وأجتنب ما تنهينّي عنه ثم لا أزيد ولا أنقص» .
وفي رواية شريك: «آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر» . وفي حديث أبي هريرة: «وأمّا هذه الهناة فو اللَّه إن كنّا لنتنزّه عنها في الجاهلية» .
وفي رواية ثابت: «ثم ولّى فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهم ولا أنقص منهن شيئا» . فقال رسول اللَّه ﷺ : «إن صدق ليدخلنّ الجنّة» . وفي حديث ابن عباس: «إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة» .
وفي حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: «فلما أن ولى قال
стр. 2737
رسول اللَّه ﷺ : «فقه الرجل» .
وقال: «فكان عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه يقول: «ما رأيت أحدا أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام بن ثعلبة» . فأتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به: بئست اللات والعزّى. فقالوا: مه يا ضمام! اتّق البرص، اتّق الجذام، اتّق الجنون. فقال: «ويلكم» ! إنهما واللَّه لا يضرّان ولا ينفعان، إن اللَّه قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فأستنقذكم به مما كنتم فيه وإني أشهد ألا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وان محمداً عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه» . قال:
«فو اللَّه ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل أو امرأة إلا مسلما» . زاد ابن سعد: «وبنوا المساجد وأذّنوا بالصلوات» . قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة.
تنبيهات
الأول: قال في البداية: وفي سياق حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه ما يدل على أنه رجع إلى قومه قبل الفتح لأن العزّى هدمها خالد بن الوليد رضي اللَّه تعالى عنه أيام الفتح.
الثاني: قال أبو الربيع: اختلف في الوقت الذي وفد فيه ضمام هذا على رسول اللَّه ﷺ ، فقيل سنة خمس ذكره الواقدي وغيره، وقيل سنة تسع، واللَّه أعلم أي ذلك كان.
الثالث: قوله: «أن يحجّ هذا البيت من استطاع إليه سبيلا» ، قال في الهدي: ذكر الحج في هذه القصة يدل على أن قدوم ضمام كان بعد فرض الحجّ، وهذا بعيد، والظاهر أن هذه اللفظة مدرجة من كلام بعض الرواة.
الرابع: في بيان غريب ما سبق:.
ضمام: بضاد معجمة مكسورة فميمين بينهما ألف، وهو الذي قال فيه طلحة بن عبيد اللَّه: جاءنا أعرابي من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دويّ صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام» . الحديث رواه مالك في الموطأ عن عمّه عن جده عن طلحة الجلد: بجيم مفتوحة فلام ساكنة فدال مهملة: صلب حديد.
الغديرة: بغين معجمة مفتوحة فدال مهملة مكسورة فتحتية ساكنة فراء فتاء تأنيث.
الأمغر: بفتح الهمزة وسكون الميم وفتح الغين المعجمة وبالراء: الأبيض المشرب بحمرة.
стр. 2738
المرتفق: بميم مضمومة فراء ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة ففاء مكسورة فقاف: المتّكئ، بهمزة في آخره.
بدا لك: غير مهموز، أي ظهر لك.
أنشدك: بفتح الهمزة وسكون النون وضم الشين المعجمة: أي أسألك.
آللَّه: بمدّ الهمزة على الاستفهام، وكذا ما بعده.
الهناة: بفتح الهاء وتخفيف النون في آخره تاء: الفواحش.
العقيصة: بعين مهملة مفتوحة فقاف مكسورة فتحتية ساكنة فصاد مهملة: الشّعر المعقوص، أي الملتوي.
فقه: الرجل بضم القاف وكسرها صار فقيها، واللَّه أعلم.
стр. 2739
الباب الستون في وفود طارق بن عبد الله إليه ﷺ
روى البيهقي ﵀ عن طارق بن عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنه قال: «إني لقائم» .
بسوق ذي المجاز إذ أقبل رجل عليه جبّة له وهو يقول: أيها الناس قولوا لا إله إلا اللَّه تفلحوا، ورجل يتبعه برميه بالحجارة يقول: أيها الناس إنه كذّاب فلا تصدّقوه.
فقلت: من هذا؟ فقالوا:
هذا غلام من بني هاشم يزعم أنه رسول اللَّه. قال: فقلت: من ذا الذي يفعل به هذا؟ قالوا: عمّه عبد العزّي. قال: فلما أسلم الناس وهاجروا خرجنا من الرّبذة نريد المدينة نمتار من تمرها.
فلما دنونا من حيطانها ونخلها قلنا لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه، فإذا رجل في طمرين له فسلّم وقال: من أين أقبل القوم؟ قلنا من الرّبذة. قال: وأين تريدون؟ قلنا: نريد المدينة. قال: ما حاجتكم فيها؟ قلنا: نمتار من تمرها. قال: معنا ظعينة لنا ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال:
أتبيعوني جملكم هذا؟ قالوا: نعم بكذا وكذا صاعا من تمر. قال: فما استوفينا مما قلنا شيئا حتى أخذ بخطام الجمل وانطلق به، فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها قلنا ما صنعنا واللَّه ما بعنا جملنا ممّن نعرف ولا أخذنا له ثمنا.
فقالت المرأة التي معنا: لا تلاوموا فلقد رأيت وجه رجل لا يغدر بكم، واللَّه لقد رأيت رجلا كأن وجهه شقّة القمر ليلة البدر، أنا ضامنة لثمن جملكم، إذا أقبل رجل فقال: أنا رسول اللَّه ﷺ إليكم، هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا: فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا واستوفينا، ثم دخلنا المدينة، فلما دخلنا المسجد فإذا هو قام على المنبر يخطب الناس فأدركنا من خطبته وهو يقول: «تصدّقوا فإن الصدقة خبر لكم: اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول أمّك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك» فأقبل رجل في نفر من بني يربوع، أو قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه إن لنا في هؤلاء دما في الجاهلية فقال: «لا تجني أن على ولد» ثلاث مرات [ (١) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
ذو المجاز، والرّبذة، والرظعينة: تقدم الكلام عليها.
بنو يربوع: [بمثناة تحتية مفتوحة فراء ساكنة فموحدة فواو فعين مهملة] .
стр. 2740
الباب الحادي والستون في وفود طيء مع زيد الخيل إليه ﷺ
روى ابن سعد عن أبي عمير الطائي، وكان يتيم الزّهري وعن عبادة الطائي عن أشياخهم قالوا: قدم وفد طيّء على رسول اللَّه ﷺ خمسة عشر رجلا، رأسهم وسيّدهم زيد الخير، وهو زيد الخيل بن مهلهل من بني نبهان، وفيهم وزر بن جابر بن سدوس، وقبيصة بن الأسود بن عامر من جرم طيء، ومالك بن عبد اللَّه بن خيبري من بني معن، وقعين بن خليف من جديلة، ورجل من بني بولان فدخلوا المدينة ورسول اللَّه ﷺ في المسجد، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد ثم دخلوا فدنوا من رسول الله ﷺ ، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم وأجازهم بخمس أواق فضة كل رجل منهم وأعطي زيد الخيل اثنتي عشرة أوقية ونشّا،
وقال رسول اللَّه ﷺ : «ما ذكر رجل من العرب إلا رأيته دون ما ذكر لي إلا ما كان من زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل ما فيه» .
وسمّاه رسول اللَّه ﷺ زيد الخير، وقطع له فيد وأرضين وكتب له بذلك كتابا ورجع مع قومه،
وفي لفظ: فخرج به من عند رسول اللَّه ﷺ راجعا إلى قومه، فقال رسول اللَّه ﷺ : «إن ينج زيد من حمّى المدينة فإنه» ،
قال بعض الشراح إن جواب إن ينج محذوف والتقدير فإنه لا يعاب. قال: في زاد المعاد، وفي العيون، لما أحسّ بالموت أنشد يقول:
أمر تحل قومي المشارق غدوة ... وأترك في بيت بفردة منجد
ألا ربّ يوم لو مرضت لعادني ... عوائد من لم يبر منهنّ بجهد
فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له فردة- وفي لفظ فرد- أصابته الحمّى بها فمات هناك وعمدت امرأته بجهلها وقلة عقلها إلى ما كان رسول اللَّه ﷺ ، كتب له به فحرقته بالنار.
وذكر ابن دريد عن أبي محسن أن زيدا أقام بفردة ثلاثة أيام ومات، فأقام عليه قبيصة بن الأسود المناحة سنة، ثم وجّه براحلته ورحله وفيها كتاب النبي ﷺ ، فلما رأت امرأته الراحلة ليس عليها زيد ضرّمتها بالنار فاحترقت واحترق الكتاب.
وروى الشيخان عن أبي سعيد [الخدري] رضي اللَّه تعالى عنه أن عليا كرم اللَّه وجهه «بعث إلى رسول اللَّه ﷺ من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصّل من ترابها فقسمها رسول اللَّه ﷺ بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس وزيد الخيل وعلقمة بن غيلان» [ (١) ] .
стр. 2741
وروى شاهين وابن عديّ، وقال منكر، وابن عساكر واللفظ لهما عن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه قال: كنا عند رسول اللَّه ﷺ فأقبل راكب فأناخ فقال: يا رسول اللَّه إني أتيتك من مسيرة تسع أنضيت راحلتي وأسهرت ليلي وأظمأت نهاري لأسألك عن خصلتين أسهرتاني فقال رسول اللَّه ﷺ : «ما اسمك؟» فقال: أنا زيد الخيل. قال: «بل أنت زيد الخير، فسل، فربّ معضلة قد سئل عنها» . فقال: أسألك عن علامة اللَّه فيمن يريد وعن علامته فيمن لا يريد. فقال له النبي ﷺ : «كيف أصبحت؟» فقال: أصبحت أحبّ الخير وأهله ومن يعمل به وإن عملت به أيقنت بثوابه، وإن فاتني منه شيء حننت إليه. فقال له النبي ﷺ : «هذه علامة اللَّه فيمن يريد وعلامته فيمن لا يريد، ولو أرادك بالأهدى هيّأ لك لها ثم لا تبالي من أي واد هلكت» وفي لفظ «سلكت» [ (١) ] .
وروى أبو نعيم في الحلية عنه أن رجلا قال: يا رسول اللَّه أسألك عن علامة اللَّه فيمن يريد، وعلامته فيمن لا يريد [ (٢) ] .
وروى ابن سعد عن أشياخ من طيء قالوا: قدم عمرو بن المسبّح بن كعب بن طريف بن عصر الطائي على النبي ﷺ وهو يومئذ بن مائة وخمسين سنة فسأله عن الصّيد فقال له: «كل ما أصميت ودع ما أنميت» [ (٣) ] ،
وكان من أرمى العرب.
تنبيهان
الأول: ذكر ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد أن زيدا توفي في حياة النبي ﷺ كما سبق، وحكى أبو عمر أنه مات في خلافة عمر رضي اللَّه تعالى عنه، وأنشد له وثيمة بن موسى في الردّة قال وبعث بها إلى أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه. قال الحافظ: وهذا إن ثبت يدل على انه تأخرت وفاته حتى مات النبي ﷺ .
الثاني: في بيان غريب ما سبق:.
زيد الخيل: قل له زيد الخيل لخمسة أفراس كانت لديه.
سدوس: بسين مفتوحة فدال مضمومة فواو فسين مهملات.
قبيصة: بقاف مفتوحة فموحدة فمثناة تحتية فصاد مهملة.
بنو معن: بميم مفتوحة فعين مهملة فنون.
стр. 2742
لم يبلغ: بضم التحتية وسكون الموحدة وفتح اللام فغين معجمة.
فيد: بفتح الفاء وإسكان التحتية وبالدال المهملة: اسم مكان.
أرضين: بفتح الراء وتسكن في لغة.
إن ينج: بضم التحتية وسكون النون وفتح الجيم، مبني للمفعول.
أمّ ملدم: بكسر الميم وفتحها وسكون اللام وفتح الدال المهملة وأعجمها بعضهم:
الاسم الذي للحمّى وتفسير الراوي أمّ كلبة كما نقل عن كتاب معارك الفرسان لأبي عبيدة وقيل سباط بسين مهملة فموحدة فألف فطاء مهملة. ذكره أبو عبيد البكري في إعجامه، وهو من اللّدم وهو شدّة الضّرب. ويحتمل أن تكون أم كلبة مغيّرة عن كلبة بضم الكاف [أي] شدة الرّعدة وكلب البرد شديده، وأمّ كلبة بالهاء هي الحمّى، وأمّا أمّ كلب فشجيرة لها أرز حسن، وهي إذا حرّكت انثنى شوكها.
عمدت: بفتح الميم في الماضي وكسرها في المستقبل، ويجوز العكس.
أصميت: بهمزة مفتوحة فصاد ساكنة مهملة فميم مفتوحة فياء ساكنة فتاء: قتلت مكانه فزهقت روحه بسرعة.
مكنف: بضم الميم وسكون الكاف وكسر النون وبالفاء.
الفردة: بفتح الفاء وسكون الراء وبالدال المهملة وتاء تأنيث.
المناحة: [النّواح أو موضع النّوح] .
ضرّمتها: بضاد معجمة مفتوحة فراء مشددة مفتوحة فميم ففوقية فهاء أي أو قدتها من أضرم النار إذا أوقدها.
стр. 2743
الباب الثاني والستون في وفود بني عامر بن صعصعة إليه ﷺ وقصة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس .
روى ابن المنذر، وابن حاتم، وأبو نعيم، وابن مردويه، والبيهقي عن موله بن [كثيف] ابن حمل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، والحاكم عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه، وأبو نعيم عن عروة، والبيهقي عن ابن إسحاق.
قال ابن إسحاق: قدم على رسول الله ﷺ وفد بني عامر، فيهم عامر بن الطفيل، وأربد ابن قيس، وجبّار بن سلمى، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم [فقدم عامر بن الطفيل عدوّ الله على رسول الله ﷺ وهو يريد الغدر به]- قلت وجبّار بن سلمى هذا هو قاتل عامر بن فهيرة ببئر معونة وأسلم مع من أسلم من بني عامر والله أعلم- وقد قال لعامر بن الطّفيل قومه:
يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، أفأتبع عقب هذا الفتى من قريش؟ ثم قال الأربد: إذا قدمنا على الرجل فسأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسّيف.
وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فإن الناس إذا قتلت محمدا لم تزد على أن تلتزم بالدّية وتكره الحرب فسنعطيهم الدية، قال أربد: افعل. فلما قدموا على رسول الله ﷺ ، قال ابن عباس: وانتهى إليه عامر وأربد، فجلسا بين يديه.
قال ابن إسحاق.
قال عامر بن الطفيل: يا محمد خالني. قال: «لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له»
قال: يا محمد خالّني، وجعل يكلّمه وينتظر من أربد ما كان أمره به. لعل أربد لا يحير شيئا. وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن يد أربد يبست على السيف فلم يستطع سلّه.
قال ابن إسحاق: فلما رأى عامر أربد ما يصنع شيئا قال: يا محمد خالني. قال: «لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له» .
وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فقال عامر: ما تجعل لي يا محمد إن أسلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : «لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم» . قال عامر: أتجعل لي الأمر بعدك إن أسلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : «ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنّة الخيل» . قال: أنا الآن في أعنّة خيل نجد، أتجعل لي الوبر ولك المدر؟ قال رسول الله ﷺ : «لا» . فلما قاما عنه قال عامر: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا. فقال رسول الله ﷺ : «يمنعك الله [ (١) ] » .
стр. 2744
وفي حديث موله بن [كثيف] بن حمل: والله يا محمد لأملأنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا ولأربطنّ بكل نخلة فرسا. فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اكفني عامرا» [ (١) ] .
زاد موله: «واهد قومه» .
قال ابن إسحاق: فلما خرجوا من عند رسول الله ﷺ قال عامر لأربد: ويلك يا إربد:
أين ما كنت أمرتك به؟ والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال: لا أبالك لا تعجل علي، والله ما هممت بالذي أمرتني به من أمره إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف؟.
وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فلما خرج أربد وعامر من عند رسول الله ﷺ حتى إذا كان بجرّة وأقم نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير فقالا: أشخصا يا عدوّا الله لعنكما الله. فقال عامر: من هذا يا أربد؟ قال: هذا أسيد بن الحضير، فخرجا.
وروى البيهقي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ﵀، قال: مكث رسول الله ﷺ يدعو على عامر بن الطفيل ثلاثين صباحا: «اللهم اكفني عامر بن الطفيل بما شئت وابعث عليه داء يقتله» .
حتى إذا كان بالرّقم بعث الله تعالى على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول. فجعل يمسّ فرحته في حلقه ويقول يا بني عامر أغدّة كغدّة البكر في بيت امرأة من بني سلول [ (٢) ] ؟.
زاد ابن عباس: يرغب أن يموت في بيتها. ثم ركب فرسه فأحضرها وأخذ رمحه وأقبل يجول، فلم تزل تلك حاله حتى سقط فرسه ميتا. قال ابن إسحاق: ثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بني عامر شانّين. فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا شيء والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنّبل حتى أقتله. فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: حتى إذا كان بالرّقم أرسل الله تعالى عليه صاعقة فقتلته.
قال ابن عباس وابن إسحاق: وأنزل الله في عامر وأربد: اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى [الرعد ٨] من ذكر وأنثى وواحد ومتعدّد وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ أي ما
стр. 2745
تنقص الأرحام من عدة الحمل وما تزداد منه. وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ أي بمقدار واحد لا يتجاوزه. عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ما غاب وما شهد الْكَبِيرُ العظيم الْمُتَعالِ على خلقه بالقهر- بياء ودونها- سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ أي مستتر بظلمة الليل وسارب أي ظاهر بذهابه في سربه أي طريقه بالنهار. لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ له أي للإنسان، معقّبات ملائكة تعتقبه بين يديه: قدّامه، ومن خلفه: ورائه، يحفظونه من أمر الله أي بأمره من الجنّ وغيره. إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ لا يسلبهم نعمته حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ من الحالة الجميلة بالمعصية. وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً عذابا فَلا مَرَدَّ لَهُ من المعقّبات وغيرها.
وَما لَهُمْ أي إن أراد الله بهم سوءا مِنْ دُونِهِ أي غير الله مِنْ زائدة والٍ يمنعه عنهم هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً للمسافر من الصواعق وَطَمَعاً للمقيم في المطر وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ أي يخلق السحاب الثقال بالمطر. وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ الرعد هو ملك موكّل بالسحاب يسوقه يقول سبحان الله وبحمده يسبّح وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ أي من خشية الله تعالى. وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ وهي نار تخرج من السحاب فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ فيحرقه، نزل في رجل بعث إليه رسول الله ﷺ من يدعوه فقال:
من رسول الله؟ ومن الله؟ أمن ذهب هو أم من فضّة أو نحاس؟ فنزلت به صاعقة فذهبت بقحف رأسه. وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وهم أي الكفّار، يجادلون أي يخاصمون النبي ﷺ في الله وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ أي القوّة والأخذ.
تنبيهات
الأول: قد اختلف في سبب نزول قوله تعالى: لَهُ مُعَقِّباتٌ وقوله: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ وغير ذلك مما محلّه كتب التفسير.
الثاني: قال في البداية: والظاهر أن قصة عامر بن الطفيل متقدمة على الفتح وإن كان ابن إسحاق والبيهقي قد ذكراها بعد الفتح.
الثالث: من العجائب والغرائب ذكر الحافظ المستغفري أن عامر بن الطفيل هذا في الصحابة وغلطوه في ذلك، والموقع له فيه ما رواه من طريق القاسم عن أبي أمامة عن عامر بن الطفيل أنه قال: يا رسول الله زوّدني كلمات [أعيش بهن] قال: «يا عامر أفش السلام وأطعم الطعام واستحي من الله كما تستحي رجلا من أهلك وإذا أسأت فأحسن فإن الحسنات يذهبن السيِّئات» فعامر هذا أسلمي لا عامريّ. فقد روى البغوي عن عبد الله بن بريدة الأسلمي قال:
حدثني عمّي عامر بن الطفيل فذكر حديثا فعرف أن الصحابي أسلمي وافق اسمه واسم أبيه
стр. 2746
العامري فكان ذلك سبب وهم المستغفري فساق في نسب الصحابي نسب عامر بن الطفيل العامري.
وعن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: أتينا رسول الله ﷺ بالأبطح وهو قبّة له حمراء فقال: «من أنتم» قلنا: بنوا عامر فقال: «مرحبا أنتم منّي» ، وفي رواية: «مرحبا بكم» ، وفي رواية «فأنا منكم» . رواه الطبراني أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير الحجّاج بن أرطاة فهو مدلّس [ (١) ] .
الرابع: في بيان غريب ما سبق:
أربد: بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الموحدة وبالدال المهملة: مات كافرا كما سيأتي.
جبّار بن سلمى: جبّار بفتح الجيم وتشديد الموحدة وبالراء، سلمى بضم السين وسكون اللام. وقال في الإملاء يروى هنا بفتح السين وضمها والصواب بفتح السين قال كذا في النور، والذي أعرفه الضمّ.
أسلم: بفتح أوله وسكون الميم فعل أمر.
آليت: بمدّ الهمزة أقسمت وحلفت.
خالني: بخاء معجمة وبعد الألف لام مشددة مكسورة من المخاللة وهي المصادقة أي اتخذني خليلا وصاحبا وروي بتخفيف اللام أي تفرد لي خاليا حتى اتخذك معي.
لا يحير: بفتح التحتية وبحاء مهملة أي لا يصنع شيئا مما وعد به.
في بيت مرأة من بني سلول بن صعصعة: وكان عامر بن الطفيل من بني عامر بن صعصعة فلذلك اختصّها لقرب النّسب بينهما حتى مات في بيتها قاله السّهيلي. وفي الاملاء ما سبق عامر على موته لأن بني سلول موصوفون عندهم باللؤم وليس ذلك في أصولهم.
أغدّة بالنّصب أي أغدّ غدّة.
وددت: بكسر الدال المهملة.
стр. 2747
الباب الثالث والستون في وفود عبد الرحمن بن أبي عقيل إليه ﷺ
روى البخاري رحمه الله تعالى في التاريخ، والحارث بن أبي أسامة، وابن مندة، والطبراني، والبزار، والبيهقي، برجال ثقات عن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفي رضي الله تعالى عنه قال: انطلقت في وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ فأتيناه فأنخنا بالباب وما في الناس رجل أبغض إلينا من رجل نلج عليه فلما خرجنا بعد دخولنا عليه فخرجنا وما في الناس أحبّ إلينا من رجل دخلنا عليه
قال: فقال قائل منا: يا رسول الله ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان؟ قال: فضحك رسول الله ﷺ ، ثم قال: «فلعل لصاحبكم عند الله أفضل من ملك سليمان ﵇، إن الله لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة فمنهم من اتخذ بها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فأهلكوا بها، وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة [ (١) ] » .
الباب الرابع والستون في وفود بني عبد بن عديّ إليه ﷺ
روى المدائني، وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وغيره قال: قدم وفد بني عبد بن عدي فيهم الحارث بن وهبان وعويمر بن الأخرم، وحبيب وربيعة ابنا ملّة ومعهم رهط من قومهم.
فقالوا: يا محمد نحن أهل الحرم وساكنيه وأعزّ من به، ونحن لا نريد قتالك، ولو قاتلك غير قريش قاتلنا معك، ولكنا لا نقاتل قريشا، وإنا لنحبّك ومن أنت منه، وقد أتيناك فإن أصبت منا أحدا خطأ فعليك ديّته، وإن أصبنا أحدا من أصحابك فعلينا ديّته إلا رجلا منا قد هرب فإن أصبته أو أصابه أحد من أصحابك فليس علينا ولا عليك. فقال عويمر بن الأخرم: دعوني آخذ عليه.
قالوا: لا، محمد لا يغدر ولا يريد أن يغدر به. فقال حبيب وربيعة: يا رسول الله أن أسيد بن أبي أناس هو الذي هرب وتبرأنا إليك منه وقد نال منك. فأباح رسول الله ﷺ دمه، وبلغ أسيد أقوالهما لرسول الله ﷺ ، فأتى الطائف فأقام به. فلما كان عام الفتح كان أسيد بن أبي أناس فيمن أهدر دمه. فخرج سارية بن زنيم إلى الطائف فقال له أسيد: ما وراءك؟ قال:
стр. 2748
أظهر الله تعالى نبيه ونصره على عدوه فاخرج يا بن أخي إليه فإنه لا يقتل من أتاه.
فحمل أسيد امرأته وخرج وهي حامل تنتظر، وألقت غلاما عند قرن الثعالب وأتى أسيد أهله فلبس قميصا واعتمّ ثم أتى رسول الله ﷺ ، وسارية قائم بالسيف عند رأسه يحرسه.
فأقبل أسيد حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ وقال: يا محمد أهدرت دم أسيد؟ قال: «نعم» قال:
أتقبل منه إن جاء مؤمنا؟ قال: «نعم» .
فوضع يده في يد رسول الله ﷺ فقال: هذه يدي في يدك أشهد أنك رسول الله وألا إله إلا الله. فأمر رسول الله ﷺ رجلا يصرخ أن أسيد بن أبي أناس قد آمن وأمّنه رسول الله ﷺ ومسح وجهه وألقى يده على صدره. ويقال إن أسيد كان يدخل البيت المظلم فيضيء. وقال أسيد بن أبي أناس:
أأنت الّذي تهدي معدّا لدينها ... بل الله يهديها وقال لك أشهد
فما حملت من ناقةٍ فوق كورها ... أبر وأوفى ذمة من محمّد
وأكسى لبرد الحال قبل ابتذاله ... وأعطى لرأس السّابق المتجرّد
تعلّم رسول الله إنك قادر ... على كل حيّ متهمين ومنجد
تعلّم بأنّ الرّكب ركب عويمر ... هم الكاذبون المخلفو كلّ موعد
أنبوا رسول الله أن قد هجوته ... فلا رفعت سوطي إلي إذن يدي
سوى أنّني قد قلت ويل أمّ فتية ... أصيبوا بنحس لا يطاق وأسعد
أصابهم من لم يكن لدمائهم ... كفيئا فعزّت حسرتي وتنكدي
ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا ... جميعا فإن لا تدمع العين تكمد
فلما أنشده: أأنت الذي يهدي معدّا لدينها، قال رسول الله ﷺ : «بل الله يهديها» .
فقال الشاعر: «بل الله يهديها وقال لك اشهد» .
стр. 2749
الباب الخامس والستون في وفود عبد القيس إليه ﷺ وأخبار رسول الله ﷺ بطلوعهم قبل قدومهم .
روى أبو يعلى، والطبراني بسند جيد، والبيهقي عن مزيدة بن مالك العصريّ، وأبو يعلى عن الأشجّ العبدي رضي الله تعالى عنهما [ (١) ] ، قال الأول: بينما رسول الله ﷺ يحدّث أصحابه إذ قال لهم: «سيطلع عليكم من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق» .
فقام عمر رضي الله تعالى عنه فتوجّه نحوهم فلقي ثلاثة عشر راكبا فقال: «من القوم؟» فقالوا: من بني عبد القيس. قال: «فما أقدمكم ألتجارة؟» قالوا: لا. قال: أما أن النبي ﷺ قد ذكركم آنفا فقال خيرا.
ثم مشوا معه حتى أتوا النبي ﷺ . فقال عمر للقوم: هذا صاحبكم الذي تريدون، فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم فمنهم من مشى ومنهم من هرول ومنهم من سعى حتى أتوا النبي ﷺ ، فابتدره القوم ولم يلبسوا إلا ثياب سفرهم، فأخذوا بيده فقبّلوها، وتخلّف الأشجّ وهو أصغر القوم في الرّكاب حتى أناخها، وجمع متاع القوم وذلك بعين رسول الله ﷺ .
وفي حديث الزّارعي بن عامر العبدي عند البيهقي: فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبّل يد رسول الله ورجله، وانتطر المنذر الأشجّ حتى أتى عيبته فلبس ثوبيه.
وفي حديث عند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه: فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول الله ﷺ فقبّلها، وكان رجلا دميما، فلما نظر ﷺ إلى دمامته قال: يا رسول الله أنه لا يستقى في مسوك الرجال إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه لسانه وقلبه. فقال له رسول الله ﷺ : «أن فيك خصلتين يحبّهما الله ورسوله الحلم والأناة» . قال: يا رسول الله أنا أتخلّق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: «بل الله تعالى جبلك عليهما» . قال: الحمد لله الذي جبلني على خلّتين يحبّهما الله تعالى ورسوله. قال: «يا معشر عبد القيس ما لي أرى وجوهكم قد تغيّرت؟» قالوا: يا نبي الله نحن بأرض وخمة وكنا نتخذ من هذه الأنبذة ما يقطع من بطونها، فلما نهيتنا عن الظروف فذلك الذي ترى في وجوهنا.
فقال رسول الله ﷺ : «إن الظروف لا تحلّ لا تحرّم ولكن كل مسكر الحرام وليس أن تجلسوا فتشربوا حتى إذا ثملت العروق تفاخرتم فوثب الرجل على ابن عمّه بالسيف فتركه أعرج» . قال: وهو يومئذ في القوم الأعرج الذي أصابه ذلك. وأقبل القوم على تمرات لهم
стр. 2750
يأكلونها، فجعل رسول الله ﷺ يسمي لهم هذا كذا وهذا كذا، قالوا: أجل يا رسول الله ما نحن بأعلم بأسمائها منك. وقالوا لرجل منهم: أطعمنا من بقية الذي بقي في نوطك فقام وجاءه بالبرنيّ. فقال رسول الله ﷺ : «هذا البرنيّ أمسى من خير ثمراتكم» .
وروى ابن سعد [ (١) ] عن عروة بن الزبير رحمه الله تعالى قال: وحدثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، قالا: كتب رسول الله ﷺ إلى أهل البحرين أن يقدم عليه عشرون رجلا منهم، فقدم عليه عشرون رجلا رأسهم عبد الله بن عوف الأشجّ، وفيهم الجارود، ومنقذ بن حيّان، وهو ابن أخت الأشجّ، وكان قدومهم عام الفتح،
فقيل: يا رسول الله ﷺ هؤلاء وفد عبد القيس.
قال: «مرحبا بهم نعم القوم عبد القيس» . قال: ونظر رسول الله ﷺ إلى الأفق صبيحة ليلة قدموا وقال: «ليأتينّ ركب من المشرق لم يكرهوا على الإسلام قد أنضوا الرّكاب وأفنوا الزاد بصاحبهم علامة، اللهم اغفر لعبد القيس، أتوني لا يسألوني مالا، هم خير أهل المشرق» . قال:
فجاءوا عشرين رجلا ورأسهم عبد الله بن عوف الأشجّ، ورسول الله ﷺ في المسجد، فسلّموا عليه، وسألهم رسول الله ﷺ : «أيّكم عبد الله الأشجّ؟» فقال: أنا يا رسول الله، وكان رجلا دميما، فنظر إليه رسول الله ﷺ فقال: «إنه لا يستقى في مسوك الرجال، إنما يحتاج من الرجال إلى أصغريه لسانه وقلبه» .
وذكر نحو ما سبق.
وروى الإمام أحمد عن الزّارع بن عامر أنه قال: يا رسول الله إن معي رجلا خالا لي، مصابا فادع الله تعالى له. فقال: «أين هو؟ ائتني به» . قال: فصنعت مثل ما صنع الأشجّ، ألبسته ثوبيه وأتيته به، فأخذ طائفة من ردائه فرفعها حتى بان بياض إبطه، ثم ضرب ظهره وقال: «اخرج عدو الله» .
فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس بنظره الأول، ثم أقعده بين يديه فدعا له وشجّ وجهه، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول الله ﷺ يفضل عليه.
وروى الشيخان [ (٢) ] عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقال: «من القوم؟» قالوا: من ربيعة. قال: «محراب بالقوم غير خزايا ولا ندامى» .
فقالوا: يا رسول الله إنا نأتيك من شقّة بعيدة وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفّار مضر وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، وفي رواية: لا نستطيع أن نأتيك إلا في الأشهر الحرم فمرنا بأمر فصل إن عملنا به دخلنا الجنّة. قال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع» قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده وقال: «هل تدرون ما الإيمان بالله؟» . [قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:] «شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا
стр. 2751
الخمس من المغنم، وأنهاكم عن أربع: عن الدّباء والحنتم والمزفّت والنّقير- وربما قال المقيّر- فاحفظوهنّ وادعوا إليهن من وراءكم» . قالوا: يا نبي الله ما علمك بالنّقير؟ قال: «بلى جذع تنقرونه فتقذفون فيه من القطيعاء» - أو قال: «من التمر- ثم تصبّون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه حتى أن أحدكم ليضرب ابن عمّه بالسيف» . قال: وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك. قال: وكنت أخبأها حياء من رسول الله ﷺ . قالوا: ففيم نشرب يا رسول الله؟
قال: «في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها» . فقالوا: يا رسول الله إن أرضنا كثيرة الجرذان ولا تبقى بها أسقية الأدم [فقال نبي الله ﷺ ] : «وإن أكلتها الجرذان» ، مرتين أو ثلاثا.
ثم قال رسول الله ﷺ لأشجّ عبد القيس: «إنّ فيك لخصلتين يحبّهما الله ورسوله الحلم والأناة» .
وروى الإمام أحمد [ (١) ] عن شهاب بن عبّاد أنه سمع بعض وفد عبد القيس يقول: قال الأشج: يا رسول الله إن أرضنا ثقيلة وخمة وإنا إذا لم نشرب هذه الأشربة هيجت ألواننا وعظمت بطوننا فرخّص لنا في هذه وأومأ بكفّيه. فقال: «يا أشجّ إني إن رخّصت لك في مثل هذه» - وقال بفكيه هكذا- «شربته في مثل هذه» - وفرّج يديه وبسطهما يعني أعظم منها- «حتى إذا ثمل أحدكم من شرابه قام إلى ابن عمّه فهزر ساقه بالسيف» .
وكان في القوم رجل يقال له الحارث قد هزرت ساقه في شراب لهم في بيت من الشعر تمثّل به في امرأة منهم، فقال الحارث: لما سمعتها من رسول الله ﷺ جعلت أسدل ثوبي فأغطّي الضربة بساقي وقد أبداها الله تعالى لنبيه ﷺ .
وروى الحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنه أن وفد عبد القيس من أهل هجر قدموا على رسول الله ﷺ ، فبينما هم عنده إذا أقبل عليهم فقال: «لكم تمرة تدعونها كذا، وتمرة تدعونها كذا» . حتى عدّ ألوان تمرهم أجمع. فقال له رجل من القوم: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لو كنت ولدت في هجر ما كنت بأعلم منك الساعة، أشهد أنك رسول الله فقال:
«إن أرضكم رفعت لي منذ قعدتم إليّ فنظرت من أدناها إلى أقصاها، فخير تمركم البرني الذي يذهب بالداء ولا داء معه» [ (٢) ] .
وروى البخاري [ (٣) ] رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «إن أوّل
стр. 2752
جمعة جمّعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين» . وروى أيضا عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ أخّر الركعتين بعد الظهر بسبب اشتغاله بوفد عبد القيس حتى صلّاهما بعد الظهر في بيتها.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «خير أهل المشرق عبد القيس» ، رواه البزّار، والطبراني برجال ثقات غير وهب بن يحيى.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «خير أهل المشرق عبد القيس» ، رواه الطبراني برجال ثقات.
وعن نوح بن مخلد رضي الله تعالى عنه أنه أتى رسول الله ﷺ وهو بمكة فسأله: «ممن أنت؟» فقال: أنا من بني ضبيعة بن ربيعة. فقال رسول الله ﷺ : «خير ربيعة عبد القيس ثم الحيّ الذي أنت منهم» . رواه الطبراني
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «أنا حجيج من ظلم عبد القيس» ، رواه الطبراني [ (١) ] .
تنبيهات
الأول: قال في البداية في سياق حديث ابن عباس ما يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فتح مكة لقولهم: وبيننا وبينك هذا الحي من مضر ولا نصل إليك إلا في شهر حرام. قال الحافظ: هذا الحديث دليل على تقدم إسلام عبد القيس على قبائل مضر الذين كانوا بينه وبين المدينة، وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين وما والاها من أطراف العراق، ولهذا قالوا كما في رواية شعبة عن أبي جمرة في العلم: وإنّا نأتيك من شقّة بعيدة.
ودلّ على سبقهم في الإسلام أيضا ما رواه العقديّ في الجمعة من طريق أبي جمرة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن أوّل جمعة جمّعت بعد جمعة في المسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين» - وجواثى بضم الجيم فواو بعد الألف مثلثة مفتوحة- وإنما جمّعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فدلّ على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام.
الثاني: قال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم: «أن وفد عبد القيس كانوا أربعة عشر راكبا: الأشجّ العصري رئيسهم، واسمه المنذر بن عائذ، بالذال المعجمة، وقيل: عائذ بن المنذر، وقيل: ابن عبيد. والعصري بفتح العين والصاد المهملتين وبالراء. ومنقذ ابن حبّان. ومزيدة بن مالك المحاربي. وعبيدة بن همام المحاربي. وصحار بن عبّاس المري صحار بصاد وحاء مهملتين- وعمرو بن مرجوم العصري. والحارث بن شعيب العصري.
والحارث بن جندب من بني عائش. ولم نثر بعد طول التتبع على أكثر من أسماء هؤلاء» .
стр. 2753
وقال الحافظ: «ومنهم عقبة بن جورة، وجويرية العبدي، والجهم بن قثم، ورسيم العبدي» . وما ذكره من الوفد كانوا أربعة عشر راكبا، لم يذكر دليلهم.
وفي المعرفة لابن مندة من طريق هود [بن عبد الله] العصري- بعين وصاد مهملتين مفتوحتين نسبة إلى عصر بطن من عبد القيس- عن جده لأمّه مزيدة قال: فبينما رسول الله ﷺ يحدّث أصحابه إذ
قال لهم: «سيطلع لكم من هذا الوجه ركب هم خير أهل المشرق» .
فقام عمر رضي الله تعالى عنه فلقي ثلاثة عشر راكبا فرحب وقرب وقال: من القوم؟
قالوا: وفد عبد القيس. فيمكن أن يكون أحد المذكورين كان غير راكب أو مردونا. وأما ما رواه الدّلابي وغيره من طريق أبي خيرة- بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتية وبعد الراء هاء- الصّباحي- وهو بضم الصاد المهملة بعدها موحّدة خفيفة وبعد الألف حاء مهملة- قال: «كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله ﷺ من وفد عبد القيس- وكنّا أربعين راكبا» .
فيمكن الجمع بينه وبين الرواية الأخرى، وبأن الثلاثة عشر كانوا رؤوس الوفد فلهذا كانوا ركبانا وكان الباقون أتباعا، ومنهم أخو الزارع، واسمه مطر، وابن أخته لم يسمّ، وجابر بن الحارث، وخزيمة بن عبد عمرو، وجارية بن جابر، وهمام بن ربيعة، ونوح بن مخلّد جدّ أبي جمرة. وإنما أطلت في هذا الفصل لقول صاحب المحرّر إنه لم يظفر بعد طول التّتبّع على غير ما ذكره، وما ذكره ابن سعد من أنهم عشرون مجمع عليه وليس ثلاثة عشر، فإن البقية أتباع.
الثالث: قولهم: إلّا في شهر حرام، وفي لفظ: الشهر الحرام، والمراد به شهر رجب وكانت مضر تبالغ في تعظيمه ولذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة حيث قال: رجب مضر.
والظاهر أنهم كانوا يخصّونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخر، ولذا ورد في بعض الروايات: الأشهر الحرم، وفي بعضها: إلّا في كل شهر حرام.
الرابع: قال الحافظ: كيف قال آمركم بأربع؟ والمذكورة خمس. وقد أجاب عنه القاضي عياض تبعا لابن بطال: كان الأربع ما عدا أداء الخمس. قال: وكأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد، لأنهم كانوا بصدد محاربة كفّار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها لأنها مسبّبة عن الجهاد، ولكن الجهاد إذ ذاك كان فرض عين. قال: وكذلك لم يذكر الحجّ لأنه لم يكن فرض. ثم قال بعد أن ذكر غير ذلك، وما ذكره القاضي عياض رحمه الله تعالى المعتمد، والمراد شهادة ألا إله إلا الله، أي مع وأن محمدا رسول الله، كما صرح به في رواية عبّاد بن عبّاد في المواقيت.
الخامس: قال الحافظ: إنما أخبرهم ببعض الأوامر لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنّة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع
стр. 2754
الأحكام التي تجب عليهم فعلا وتركا، ويدلّ على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ لكن اقتصر منها عليها لكثرة تعاطيهم لهذا.
السادس: قوله: «وأنهاكم عن أربع» جوابا عن الأشربة من إطلاق المحلّ وإرادة الحال، أي ما في الحنتم ونحوه. قال الحافظ: وصرّح بالمراد في رواية النّسائي من طريق قرّة فقال:
«وأنهاكم عن أربع ما ينبذ في الختم» . الحديث.
السابع: سبب وفودهم أن منقذ بن حبّان أحد بني غنم بن وديعة كان متجره إلى يثرب في الجاهلية، فشخص إلى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد هجرة النبي ﷺ إليها. فبينا منقذ قاعد إذ مرّ به النبي ﷺ ، فنهض منقذ إليه
فقال النبي ﷺ : «أمنقذ بن حبان كيف جميع هيأتك وقومك؟»
ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل، يسمّيهم بأسمائهم. فأسلم منقذ وتعلّم سورة الفاتحة واقرأ باسم ربك، ثم رحل قبل هجر. فكتب النبي ﷺ معه إلى جماعة عبد القيس كتابا، فذهب به وكتمه أياما، ثم اطّلعت عليه امرأته وهي بنت المنذر بن عائذ- بالذال المعجمة- ابن الحارث، والمنذر هو الأشجّ سمّاه النبي به لأثر كان في وجهه.
وكان منقذ رضي الله تعالى عنه يصلّي ويقرأ، فأنكرت امرأته ذلك، وذكرته لأبيها المنذر، فقالت: «أنكرت بعلي منذ قدم من يثرب، إنه يغسل أطرافه ويستقبل الجهة تعني القبلة، فيحني ظهره مرّة، ويضع جبينه مرّة، ذلك ديدنه منذ قدم» فتلاقيا فتجاريا ذلك. فوقع الإسلام في قلبه.
ثم سار الأشجّ إلى قومه عصر ومحارب بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه عليهم فوقع الإسلام في قلوبهم وأجمعوا على المسير إلى رسول الله ﷺ فسار الوفد فلما دنوا من المدينة
قال النبي ﷺ لجلسائه: «أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق [وفيهم الأشجّ العصري غير ناكثين ولا مبدلين ولا مرتابين إذ لم يسلم قوم حتى وتروا] » .
الثامن: في بيان غريب ما سبق:.
الأشجّ: بهمزة فشين معجمة مفتوحتين فجيم.
عبد القيس: بقاف مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة.
ابن أفصى: بفتح الهمزة وبالفاء والصاد المهملة. ابن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وكانوا ينزلون البحرين: الخطّ والقطيف والسّفار والظّهران إلى الرّملة ما بين هجر إلى حد أطراف الدهناء.
стр. 2755
الرّكاب: تقدم الكلام عليها غير مرّة.
هرول: بهاء مفتوحة فراء ساكنة فواو فلام مفتوحتين: أي أسرع إسراعا بين المشي والعدو.
العيبة: تقدم الكلام عليها.
يستقى: بضم المثناة التحتية وسكون السين المهملة فمثناة فوقية فقاف.
المسوك: بميم مضمومة فسين مهملة فواو فكاف جمع مسك وهو الجلد.
الخلّة: بخاء معجمة مضمومة فلام مفتوحة فتاء تأنيث: الصداقة.
الحلم: بحاء مهملة مكسورة فلام ساكنة فميم العقل.
الأناة: بهمزة فنون مفتوحتين فألف فتاء تأنيث: التثبت وترك العجلة.
جبلني: بجيم فموحدة فلام مفتوحات: خلقني.
ثملت العروق: بمثلة مفتوحة فميم مكسورة فلام فمثناة فوقية: أي امتلأت.
النّوط: بنون مضمومة فواو ساكنة فطاء مهملة: الجلّة الصغيرة التي يكون فيها التّمر.
البرني: [بموحدة مفتوحة فراء ساكنة فنون مكسورة فمثناة تحتية: ضرب من.
أنضوا: بهمزة مفتوحة فنون ساكنة فضاد معجمة فواو] .
الحيّ: اسم لمنزل القبيلة لأن بعضهم يحيا ببعض ربيعة: فيه التعبير بالبعض عن الكلّ لأنهم بعض ربيعة.
مرحبا: منصوب بفعل مضمر أي صادفت رحبا بضم الراء أي سعة والرّحب بالفتح الشيء الواسع، وأوّل من قالها سيف بن ذي يزن.
غير خزايا: نصب على الحال: وخزايا بخاء معجمة وزاي جمع خزيان وهو الذي أصابه خزي، والمعنى أنهم أسلموا طوعا من غير حرب أو شيء يخزيهم ويفضحهم، ولا ندامي:
أصله نادمين جمع نادم لأن ندامى جمع ندمان خرج على الإتباع وحكى الفراء والجوهري وغيرهما من أهل اللغة أنه يقال نادم وندمان بمعنى فعلي هذا فهو على الأصل ولا إتباع فيه.
الوازع: بواو فألف فزاي فعين مهملة.
الشّقّة: بشين معجمة مضمومة فقاف مفتوحة مشدّدة فتاء تأنيث أي المسافة البعيدة، والسّفر الطويل أيضا.
الدبّاء: بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة وبالمدّ: القرع.
стр. 2756
الحنتم: بحاء مهملة مفتوحة فنون ساكنة ففوقية مفتوحة فميم: جرار خضر مطليّة الواحدة حنتمة.
النّقير: بنون مفتوحة وقاف: أصل النخلة ينقر وينبذ فيه.
المزفّت: بزاي وفاء مشددة ورعاء يطلى بالزّفت.
المقيّر: بميم مضمومة فقال مفتوحة ومثناة تحتية مشددة مفتوحة وراء: طلي بالقير وهو نبت يحرق ويطلى به السّقاء وغيره كما يطلى بالزّفت. قال الحافظ: وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي بكرة قال عن أبي بكرة قال: «أما الدّئل فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيخلطون فيه العنب حتى يهدر ثم يمرث، وأما الحنتم فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر، وأما المزفت فهذه الأوعية التي طليت بالزفت» . انتهى. وتعبير الصحابي أولى أن يعتمد عليه من تعبير غيره فإنه أعلم بالمراد، ومعنى النّهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها لأنه يسرع إليها الإسكار، فربما شرب منها من لا يشعر بذلك.
الجذع: بجيم فذال معجمة مفتوحتين فعين مهملة: الشاب.
القطيعاء: بقاف مضمومة فطاء مهملة مفتوحة فتحتية فعين مهملة فألف نوع من النّمر صغار يقال له الشهريز بالشين المعجمة والمهملة وبضمهما وبكسرهما.
هجر: بهاء فجيم فراء مفتوحات قرية من قرى المدينة تنسب إليها القلال الهجريّة، واسم بلد بالبحرين، وهو مذكّر مصروف.
الأدم: بهمزة فدال مهملة مضمومتين جمع أديم وهو الجلد الذي تمّ دباغه.
ثلاث: بتحتية مضمومة فلام مفتوحة فألف فمثلثة أي يلفّ الخيط على أفواهها ويربط به. وضبطه العبدري بالفوقية أي تلفّ الأسقية على أفواهها.
الجرذان: بجيم مكسورة فراء ساكنة فذال معجمة: جمع جرذ كصرد نوع من الفأر وقيل الذّكر منه.
جواثى: بجيم مضمومة فواو مفتوحة وبعدها ألف فثاء مثلثة: قرية بالبحرين.
стр. 2757
الباب السادس والستون في وفود بني عبس إليه ﷺ
قالوا: وفد على رسول الله ﷺ تسعة رهط من بني عبس، وكانوا من المهاجرين الأولين:.
١- ميسرة بن مسروق.
٢- الحارث بن الربيع وهو الكامل.
٣- وقنان بن دارم.
٤- بشر بن الحارث بن عبادة.
٥- هدم بن مسعدة.
٦- سباع بن زيد.
٧- أبو الحصن بن لقمان.
٨- عبد الله بن مالك.
٩- وقرّة بن الحصين بن فضالة.
فأسلموا فدعا لهم رسول الله ﷺ بخير وقال: «ابغوني رجلا يعشركم أعقد لكم لواء» ،
فدخل طلحة بن عبيد الله التّيميّ فعقد لهم لواء وجعل شعارهم: يا عشرة.
وروى ابن سعد عن عروة بن أذينة اللّيثي قال: بلغ رسول الله ﷺ أن عيرا لقريش أقبلت من الشام فبعث بني عبس في سريّة وعقد لهم لواء، فقالوا: يا رسول الله كيف تقسم غنيمة إن أصبناها ونحن تسعة؟ فقال: «أنا عاشركم» .
وروى ابن سعد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قدم ثلاثة نفر من بني عبس على رسول الله ﷺ فقالوا له: إنه قدم علينا قرّاؤنا فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش هي معاشنا فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا. فقال رسول الله ﷺ : «اتّقوا الله حيث كنتم فلن يلتكم من أعمالكم شيئا ولو كنتم بصمد وجازان» وسألهم عن خالد بن سنان فقالوا: لا عقب له. فقال: «نبيّ ضيّعه قومه» .
ثم أنشأ يحدّث أصحابه حديث خالد بن سنان [ (١) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
عبس: بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وبالسين المهملة.
يلتكم: بفتح التحتية وكسر اللام وبالفوقية: ينقصكم.
خالد بن سنان: تقدم له ذكر والمراد ليس بينه وبين عيس ﵇ نبي مرسل.
أنشأ: بهمزة آخره: ابتدأ.
стр. 2758
الباب السابع والستون في وفود عدي بن حاتم إليه ﷺ
روى الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه عن عباد بن حبيش، والبيهقي عن أبي عبيدة بن حذيفة عن رجل، والطبراني عن الشّعبي، والبيهقي عن علي، كلّهم عن عدي بن حاتم، والبيهقي عن ابن إسحاق واللفظ له. قال عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه: بعث رسول الله ﷺ بالنّبوّة ولا أعلم أحدا من العرب كان أشدّ كراهية لرسول الله ﷺ حين سمع به منّي، أما أنا فكنت أمرأ شريفا وكنت نصرانيا، وكنت أسير في قومي بالمرباع، وكنت في نفسي على دين وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بي، فلما سمعت برسول الله ﷺ كرهته أشد ما كرهت شيئا، فقلت لغلام كان لي عربي وكان راعيا لإبلي: لا أبالك أعدد لي من إلي أجمالا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطيء هذه البلاد فآذنّي. ففعل. ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عديّ ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإني رأيت رايات فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد، فقلت: قرب إليّ أجمالي، فقرّبها فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام، فسلكت الجوشيّة.
وفي حديث أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه: فخرجت إلى أقصى العرب مما يلي الروم، ثم كرهت مكاني أشد ما كرهت مكاني الأول. وعند ابن إسحاق قال عديّ: وخلّفت بنتا لحاتم في الحاضر. وفي حديث: جاءت خيل رسول الله ﷺ فأخذوا عمّي وناسا. قال: فلما قدمت الشام أقمت بها وتخالفني خيل لرسول الله ﷺ فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله ﷺ في سبايا من طيّء، وقد بلغ رسول الله ﷺ هربي إلى الشام. قال:
فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس فيها، فمرّ بها رسول الله ﷺ فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة.
وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه: لمّا أتي بسبايا طيّء وقفت جارية جمّاء حمراء، لعساء، ذلفاء، عيطاء، شمّاء الأنف، معتدلة القامة والهامة، درماء الكعبين، خدلّجة السّاقين، لفّاء الفخذين، حميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين. قال: فلما رأيتها أعجبت بها وقلت: لأطلبنّ إلى رسول الله ﷺ أن يجعلها في فيئي.
فلما تكلّمت أنسيت جمالها لما سمعت من فصاحتها.
فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلّي عنا ولا تشمت بنا أحياء العرب فإني ابنة سيّد قومي، وإنّ أبي كان يحمي الذّمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويكسو العاري ويقري الضّيف ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يردّ طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيء. فقال النبي ﷺ :
стр. 2759
«يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مسلما لترحّمنا عليه خلّوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله يحب مكارم الأخلاق» . وفي حديث ابن إسحاق: فقالت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد فامنن عليّ من الله عليك. قال: «من وافدك؟» قالت:
عدي بن حاتم. قال: «الفار من الله ورسوله» . قالت: ثم مضى رسول الله ﷺ وتركني، حتى إذا كان من الغد مرّ بي فقلت له مثل ذلك وقال لي مثل ما قال بالأمس. قالت: حتى إذا كان الغد مرّ بي وقد يئست منه فأشار إلى رجل من خلفه أن قومي فكلّميه. قالت: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن عليّ منّ الله عليك. فقال ﷺ : «قد فعلت فلا تعجلني بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلّغك إلى بلادك ثم آذنيني» . فسألت عن الرجل الذي أشار إليّ أن أكلّمه فقيل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وأقمت حتى قدم ركب من بلي أو قضاعة. قلت: وإنما أريد أن آتي أخي بالشام. قالت:
فجئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ. قالت:
فكساني رسول الله ﷺ وحملني وأعطاني نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام.
قال عديّ: فو الله إني لقاعد في أهلي إذ نظرت إلى ظعينة تصوّب إليّ تؤمّنا. قال:
فقلت: ابنة حاتم قال: فإذا هي هي. قال: فلمّا وقفت عليّ انسلحت تقول: القاطع الظالم، احتملت بأهلك وولدك وتركت بقيّة والدك عورتك. قال: قلت: أي أخيّة لا تقولي إلا خيرا فو الله ما لي من عذر، لقد صنعت ما ذكرت. قال: ثم نزلت فأقامت عندي. فقلت لها، وكانت امرأة حازمة: ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيّا فللسابق إليه فضله، فقد أتاه فلان فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه، وإن يكن ملكا فلن تذلّ في عزّ اليمن وأنت أنت. قال: قلت: والله إن هذا للرّأي.
وفي حديث الشّعبي: قال: فلما بلغني ما يدعو إليه من الأخلاق الحسنة وما قد اجتمع إليه من الناس خرجت حتى أقدم على رسول الله ﷺ المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده وعنده امرأة وصبيان أو صبيّ. وذكر قربهم من رسول الله ﷺ . قال: فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فسلّمت عليه فقال: «من الرجل؟» فقلت: عدي بن حاتم. فقام رسول الله ﷺ ، فانطلق بي إلى بيته، فو الله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته، فوقف لها طويلا فكلّمته في حاجتها فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك.
قال: ثم مضى بي رسول الله ﷺ حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوّة ليفا فقدمها إليّ فقال: «اجلس على هذه» . قال: قلت: يا رسول بل أنت فاجلس عليها، قال: «بل
стр. 2760
أنت» فجلست عليها وجلس رسول الله ﷺ بالأرض. فقال: «يا عديّ أخبرك ألا إله إلا الله، فهل من إله إلا الله؟ وأخبرك أن الله تعالى أكبر، فهل من شيء هو أكبر من الله ؟» ثم قال: «يا عديّ اسلم تسلم» . فقلت: إني على ديني. فقال: «أنا أعلم منك بدينك» . فقلت:
أنت أعلم منّي بديني؟ قال: «نعم» يقولها ثلاثا. «ألست ركوسيّا؟» فقلت: بلى. قال: «ألست ترأس قومك؟» قلت: بلى. قال: «أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع؟» قلت: بلى والله، وعرفت أنه نبيّ مرسل يعلم ما يجهل. قال: «فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك» . ثم قال:
«يا عديّ لعلّك إنما يمنعك من الدخول في هذا الدّين أن رأيت خصاصة من عندنا، فو الله ليوشكنّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوّهم وقلّة عددهم، فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخالف» .
وفي رواية قال: «هل رأيت الحيرة؟» قلت: لم أرها وقد علمت مكانها. قال: «فإن الظعينة سترحل من الحيرة تطوف بالبيت في غير جوار لا تخاف أحدا إلا الله والذئب على غنمها» . قال: فقلت في نفسي فأين ذعار طيء الذين سعروا البلاد؟ قال: «فلعلّك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم والله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم» . وفي رواية: «فتفتحنّ عليهم كنوز كسرى بن هرمز» .
قلت: كنوز كسرى بن هرمز. قال: «كنوز كسرى بن هرمز» .
وفي رواية: «ولئن طالت بك حياة لتريّن الرجل يخرج بملء كفّه من ذهب أو فضّة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقينّ الله أحدكم يوم يلقاه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنّم وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم، فاتّقوا النار ولو بشقّ تمرة فإن لم تجدوا شقّ تمرة فبكلمة طيبة» . قال عدي رضي الله تعالى عنه: فأسلمت فرأيت وجه رسول الله ﷺ قد استبشر فقد رأيت الظعينة ترحل من الكوفة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله ، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم ﷺ .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي [بن أخزم بن أبي أخزم] بن ربيعة بن جرول- بفتح الجيم وسكون الراء- ابن ثعل- بضم الثاء المثلثة وفتح العين المهملة- ابن عمرو بن الغوث بن طيء الطائي، قدم على رسول الله ﷺ في شهر شعبان سنة تسع كما ذكره الماوردي في حاويه، شهد مع علي رضي الله تعالى عنه حروبه، مات
стр. 2761
بالكوفة سنة تسع أو ثمان وستين وهو ابن مائة وعشرين أو مائة وثمانين. قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى: «ولم يبق له عقب إلا من جهة ابنتيه [أسدة] وعمرة، وإنما عقب حاتم الطائي من ولده عبد الله بن حاتم» .
المرباع: بكسر الميم وسكون الراء: ربع الغنيمة كان سادات الجاهلية يأخذونه.
لا أبالك: بهمزة فموحدة مفتوحتين، أكثر ما يستعمل في المدح، وقد يذكر في معرض الذّم والتعجب، وبمعنى جدّ في أمرك وشمّر لأن من له أب اتّكل عليه في بعض شأنه، وقد تحذف اللام فيقال: أباك.
ذللا: بضم الذال المعجمة واللام جمع ذلول بفتح الذال المعجمة فلامين بينهما واو من الذّل بكسر الذال المعجمة: اللّيّن ضد الصّعب.
آذنّي: بمدّ الهمزة: أعلمني.
ألحق: بفتح الهمزة والحاء المهملة مرفوع، فعل مضارع.
خلّفت: بتشديد اللام.
بنتا لحاتم: اسمها سفّانة بفتح السين المهملة وتشديد الفاء وبعد الألف نون مفتوحة فتاء تأنيث.
الحاضر: بالحاء المهملة والضاد المعجمة: الجماعة النزول على الماء.
قدم بها: بضم القاف وكسر الدال المهملة: مبني للمفعول.
فجعلت ابنة حاتم: بالبناء للمفعول.
الحظيرة: بحاء مهملة وظاء معجمة مشالة: شيء يعمل للإبل من شجر ليقيها البرد والحر والريح.
تحبس: بالبناء للمفعول.
جزلة: بفتح الجيم وسكون الزاي: عاقلة.
جمّاء: بجيم فميم مشددة مفتوحتين: التي لا قرن لها.
حمراء: بحاء مهملة مفتوحة فميم ساكنة فراء: بيضاء.
لعساء: بلام مفتوحة فعين مهملة ساكنة فسين مهملة فهمزة ممدودة: في لونها سواد ومشربة بالحمرة، ويقال أيضا لمن في شفتها سواد، وللرجل ألعس.
ذلفاء: بذال معجمة مفتوحة فلام ساكنة ففاء فألف: من الذّلف وهو بالتحريك صغر الأنف واستواء الأرنبة وقيل ارتفاع في طرفه مع صغر أرنبته.
стр. 2762
عيطاء: بعين مهملة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فطاء مهملة فهمز ممدود: أي طويلة العنق في اعتدال.
شمّاء الأنف: بشين معجمة فميم فألف: أي مرتفعة قصبة الأنف مع استواء أعلاها وإشراف الأرنبة قليلا.
درماء الكفّين: بدال مهملة مفتوحة فراء ساكنة فميم فألف: لا حجم لعظامها.
خدلّجة الساقين: بخاء معجمة فدال مهملة مفتوحتين فلام مشددة مفتوحة فجيم:
متدانيتهما من السّمن.
لفّاء الفخذين: بلام ففاء مشددة مفتوحتين فهمز ممدود: متدانيتهما من السّمن.
خميصة الخصرين: بخاء معجمة مفتوحة فميم مكسورة فمثناة تحتية فصاد مهملة فتاء:
أي ضامرتهما.
ضامرة الكشحين: بضاد معجمة فألف فميم فراء فتاء تأنيث: أي قليلة لحمهما غير مرهّلة.
مصقولة المتنين: بميم فصاد مهملة فقاف فواو فلام أي مضمرتهما.
الدّمار: بدال مهملة فميم مفتوحتين فألف فراء: الهلاك.
عاب الوافد: بالواو والفاء، قال في العيون: وقال بعض الناس لا معنى له إلا على وجه بعيد، ووجدت الوقار بفتح الواو وبالقاف، وهو ذكره في كتابه بالراء وهو أشبه.
الفارّ: بتشديد الراء.
وأشار إلى رجل من خلفه: هو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
من بليّ: بوزن عليّ.
الرّهط: ما دون العشرة من الرجال.
الظّعينة: بفتح الظاء المعجمة المشالة وكسر العين المهملة المرأة، والراحلة التي يرحل عليها ويظعن أي يسار.
تؤمنا: أي تقصدنا.
ابنة حاتم: بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هذه ابنة حاتم.
انسحلت: تقول إن كانت هذه اللفظة بالجيم فيقال أسجلت الكلام أي أرسلته، وإن
стр. 2763
كانت بالحاء المهملة يقال انسحل الخطيب بالكلام إذا جرى به وركب مسحله إذا مضى في خطبته، قاله في الصحاح. وقال أبو ذر في الإملاء قال في النور: ينبغي أن يحرّر هذه اللفظة، والظاهر أنها بالجيم يقال سجلت الماء فانسجل أي صببته فانصبّ ويحتمل أن يكون من أسجلت الكلام إذا أرسلته.
الرّكوسيّ: بفتح الراء وضم الكاف وتشديد التحتية نسبة إلى فرقة من النصارى والصابئين.
ترأس: بفتح المثناة الفوقية وسكون الراء وهمزة فسين مهملة أي تصير رئيسا.
خصاصة: بخاء معجمة وصادين مهملتين بينهما ألف: أي حاجة وفقر، وأصل الخصاس الخلل والفرج ومنه خصاص الأصابع وهي الفرج بينها.
القاطع الظّالم: بالرفع أي أنت القاطع أنت الظّالم.
عورتك: بالنّصب بدل من «بقيّة» ، وهو منصوب على أنه مفعول: «تركت» ، والعورة كل ما يستحى منه. وقول سفّانة أخته: «فإن لم يكن نبيا» ، قالته على سبيل العرض والتنزل لتحرّضه على مجيئه إلى النبي ﷺ لأنها قد أسلمت، ثم أطلقت.
إيه إيه: اسم سمّي به تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل: إيه بكسر الهاء. قال ابن السّكّيت فإن وصلت نوّنت فقلت: إيه حدّثنا. قال الزجّاج ﵀: إذا قلت إيه يا رجل فإنما تأمره أن يزيدك من الحديث المعهود بينكما كأنك قلت: هات الحديث، وإن قلت إيه كأنك قلت هات حديثا إما لأن التنوين تنكير، قال في النور: والظاهر أن إيه في هذا المكان بالتنوين. قلت وكذلك هو في نسخ السّيرة.
أجل: كنعم وزنا ومعنى.
لم يجهل: بالبناء للمفعول.
القادسيّة: بالقاف وبعد الألف دال فسين مكسورتين مهملتين فتحتية مشددة فتاء تأنيث: بينها وبين الكوفة نحو مرحلتين.
الحيرة: بكسر الحاء المهملة: البلد القديم بظهر الكوفة ومحلّة معروفة بنيسابور.
ذعار: بذال معجمة مضمومة فعين مهملة فألف فراء: الذين يفزعونهم.
سعروا: بفتح السين والعين والمهملتين: أوقدوا.
بابل: بموحدتين الثانية مكسورة.
فتحت: بالبناء للمفعول وكذلك ما بعده [لتفتحن] .
стр. 2764
الباب الثامن والستون في وفود بني عذرة إليه ﷺ
قال محمد بن عمر، وابن سعد رحمهما الله تعالى: قالوا: قدم على رسول الله ﷺ في صفر سنة تسع وفد بني عذرة اثنا عشر رجلا فيهم جمرة بن النعمان العذري، وسليم، وسعد ابنا مالك، ومالك بن أبي رباح، فنزلوا دار رملة بنت الحديث النّجّارية. ثم جاءوا إلى النبي ﷺ ، فسلّموا بسلام أهل الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ : «من القوم؟» فقال متكلمهم:
من لا ننكر، نحن بنو عذرة إخوة قصي لأمه، [نحن الذين عضدوا قصيّا] وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبني بكر ولنا قرابات وأرحام. فقال رسول الله ﷺ : «مرحبا بكم وأهلا، ما أعرفني بكم فما يمنعكم من تحية الإسلام؟» قالوا: كنّا على ما كان عليه آباؤنا، فقدمنا مرتادين لأنفسنا ولقومنا. وقالوا: إلام تدعو؟ فقال رسول الله ﷺ : «أدعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له وان تشهدوا أني رسول الله إلى الناس جميعا» أو قال: «كافّة» . فقال متكلمهم: فما وراء ذلك من الفرائض؟ فقال رسول الله ﷺ : «أدعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له وان تشهدوا الصلوات تحسن طهورهن وتصليهن إلى مواقيتهن فإنه أفضل العمل» . ثم ذكر لهم سائر الفرائض من الصيام والزكاة والحج. فقال المتكلم: الله أكبر، نشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله، قد أجبناك إلى ما دعوت إليه ونحن أعوانك وأنصارك، يا رسول الله إن متجرنا الشام وبه هرقل فهل أوحى إليك في أمره بشيء؟ فقال: «أبشروا فإن الشام ستفتح عليكم ويهرب هرقل إلى ممتنع بلاده» . ونهاهم ﷺ عن سؤال الكاهنة. فقد قالوا: يا رسول الله إن فينا امرأة كاهنة قريش والعرب يتحاكمون إليها فنسألها عن أمور. فقال ﷺ : «لا تسألوها عن شيء» . فقال متكلمهم: الله أكبر، ثم سأله عن الذّبح الذي كانوا يذبحون في الجاهلية لأصنامهم. فنهاهم رسول الله ﷺ عنها. وقال: «لا ذبيحة لغير الله ، ولا ذبيحة عليكم في سنتكم إلا واحدة» . قال: وما هي؟ قال: «الأضحيّة ضحية العاشر من ذي الحجة، تذبح شاة عنك وعن أهلك» . وسألوا النبي ﷺ عن أشياء من أمر دينهم فأجابهم فيها. وأقاموا أياما. ثم انصرفوا إلى أهليهم وأمر لهم بجوائز كما كان يجيز الوفد، وكسا أحدهم بردا.
وروى ابن سعد رحمه الله تعالى عن مدلج بن المقداد بن زمل العذريّ وغيره قالوا: وفد زمل بن عمرو العذريّ على النبي ﷺ فعقد له لواء على قومه وأنشأ يقول حين وفد على النبي ﷺ :
إليك رسول الله أعملت نصّها ... أكلّفها حزنا وقوزا من الرّمل
لأنصر خير النّاس نصرا مؤزّرا ... وأعقد حبلا من حبالك في حبلي
وأشهد إن الله لا شيء غيره ... أدين له ما أثقلت قدمي نعلي
стр. 2765
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
عذرة: بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة وبالراء: قبيلة من اليمن.
جمرة بن النّعمان: بفتح الجيم والراء.
قصيّ: بضم القاف وفتح الصاد المهملة وتشديد التحتية: وهو أحد أجداد النبي ﷺ .
أزاحوا: بالزاي بعدها ألف وحاء مهملة وواو: أذهبوا.
مرحبا بكم وأهلا: أتيتم سعة وأهلا فاستأنسوا ولا تستوحشوا.
الذّبح: بكسر الذال المعجمة، ما يذبح مصدر بمعنى اسم المفعول.
الحزن: بحاء مهملة مفتوحة فزاي ساكنة فنون: المكان الغليظ الخشن.
القوز: بقاف مفتوحة فواو ساكنة فزاي: العالي من الرّمل كأنه جبل.
стр. 2766
الباب التاسع والستون في وفود بني عقيل بن كعب إليه ﷺ
روى ابن سعد [ (١) ] رحمه الله تعالى عن رجل من بني عقيل عن أشياخ قومه قالوا: وفد منا من بني عقيل على رسول الله ﷺ ربيع بن معاوية بن خفاجة بن عمرو بن عقيل، ومطرّف بن عبد الله بن الأعلم بن عمرو بن ربيعة بن عقيل، وأنس بن قيس بن المنتفق بن عامر بن عقيل، فبايعوا وأسلموا، وبايعوه على من وراءهم من قومهم، فأعطاهم النبي ﷺ العقيق، عقيق بني عقيل، وهي أرض فيها عيون ونخل،
وكتب لهم بذلك كتابا في أديم أحمر: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله ﷺ ربيعا ومطرّفا وأنسا، أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وسمعوا وأطاعوا» .
ولم يعطهم حقّا لمسلم [وكان الكتاب في يد مطرّف] .
قال: وقدم على رسول الله ﷺ أبو حرب بن خويلد بن عامر بن عقيل فقرأ عليه رسول الله ﷺ القرآن وعرض عليه الإسلام. فقال: أما وأيم الله لقد لقيت الله أو لقيت من لقيه، وإنك لتقول قولا لا نحسن مثله، ولكني سوف أضرب بقداحي هذه على ما تدعوني إليه وعلى ديني الذي أنا عليه، وضرب بالقداح فخرج عليه سهم الكفر، ثم أعاده فخرج عليه ثلاث مرات. فقال لرسول الله ﷺ : أبي هذا إلا ما ترى. ثم رجع إلى أخيه عقال بن خويلد، فقال له:
قلّ خيسك هل لك في محمد بن عبد الله يدعو إلى دين الإسلام ويقرأ القرآن وقد أعطاني العقيق إن أنا أسلمت. فقال له عقال: أنا والله أخطّك أكثر ممّا يخطّك محمد. ثم ركب فرسه وجرّ رمحه على أسفل العقيق فأخذ أسفله وما فيه من عين. ثم إن عقالا قدم على رسول الله ﷺ ، فعرض عليه الإسلام، وجعل يقول له: «أتشهد أن محمدا رسول الله؟» فيقول: أشهد أن هبيرة بن المفاضة نعم الفارس، يوم قرني لبان. ثم قال: «أتشهد أن محمدا رسول الله؟» قال: أشهد أن الصّريح تحت الرّغوة. ثم قال له الثالثة: «أتشهد؟» قال: فشهد وأسلم. قال: وابن المفاضة هبيرة بن معاوية بن عبادة بن عقيل، ومعاوية هو فارس الهرّار، والهرّار اسم فرسه، ولبان اسم موضع.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
خفاجة: بخاء معجمة ففاء مفتوحتين فألف فجيم فتاء تأنيث.
المنتفق: بميم مضمومة فنون ساكنة ففاء فمثناة فوقية فقاف.
стр. 2767
قل خيسك: بقاف مفتوحة فلام مشددة وخيسك بخاء معجمة مكسورة فتحتية ساكنة فسين مهملة: أي قلّ خيرك.
أحظّك: بهمزة فحاء مهملة فظاء معجمة مشالة.
الصّريح تحت الرّغوة: الصريح بصاد مهملة فراء فمثناة تحتية فحاء مهملة: اللّبن المحض الخالص، والرّغوة براء مضمومة فغين معجمة ما يعلو الّلبن من الزّبد، والله تعالى أعلم.
стр. 2768
الباب السبعون في وفود عمرو بن معدي كرب الزبيدي إليه ﷺ
قدم عمرو بن معدي كرب في أناس من بني زبيد على رسول الله ﷺ فأسلم، وكان عمرو قد قال لقيس بن مكشوح المرادي- وقيس بن أخته- يا قيس إنك سيّد قومك، وقد ذكر لنا أن رجلاً من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول إنه نبيّ فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيّا كما يقول فإنه لن يخفى عنك، إذا لقيناه اتّبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه. فأبي عليه قيس ذلك وسفّه رأيه، فركب عمرو بن معدي كرب حتى قدم على رسول الله ﷺ فأسلم وصدّقه وآمن به فلما بلغ ذلك قيسا أوعد عمرا [وتحطّم عليه وقال خالفني وترك رأيي] فقال عمرو في ذلك شعراً أوّله:
أمرتك يوم ذي صنعا ... ءأمرا باديا رشده
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: فأقام عمرو بن معدي كرب في قومه من بني زبيد وعليهم فروة بن مسيك، فلما توفي رسول الله ﷺ ارتدّ عمرو. قال ابن سعد: ثم رجع إلى الإسلام وأبلى يوم القادسية وغيرها.
وذكر أبو عمرو من طريق ابن عبد الحكم قال: حدثنا الشافعي قال: وجه رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن وقال: «إذا اجتمعتما فعليّ الأمير، وإذا افترقتما فكل واحد منكما أمير» .
فاجتمعا. وبلغ عمرو بن معدي كرب مكانهما، فأقبل في جماعة من قومه فلما دنا منهما قال: «دعوني حتى آتي هؤلاء القوم فإني لم أسمّ لأحد قط إلا هابني. فلما دنا منهما نادى: أنا أبو ثور أنا عمرو بن معدي كرب.
فابتدره عليّ وخالد رضي الله تعالى عنهما، وكلاهما يقول لصاحبه: خلّني وإياه، ويفديه بأبيه وأمّه. فقال عمرو، إذ سمع قولهما: العرب تفزّع بي وأراني لهؤلاء جزرة. فانصرف عنهما. وكان عمرو فارس العرب مشهورا بالشجاعة، وكان شاعرا محسنا فمما يستجاد من شعره قوله:
أعاذل عدتي يزني ورمحي ... وكلّ مقلّص سلس القياد
أعاذل إنّما أفنى شبابي ... إجابتي الصّريخ إلى المنادي
مع الإبطال حتى سلّ جسمي ... وأقرح عاتقي ثقل النّجاد
ويبقى بعد حلم القوم حلمي ... ويفني قبل زاد القوم زادي
تمنّى أن يلاقيني قييس ... وددت وأينما منّي ودادي
فمن ذا عاذري من ذي سفاه ... يرود بنفسه شرّ المراد
стр. 2769
أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
يريد قيس بن مكشوح وأسلم قيس بعد ذلك، وله ذكر في الصحابة، وقيل كان إسلامه بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وكان شجاعا فارسا شاعرا وكان يناقض عمرا وهو القائل لعمرو:
فلو لاقيتني لاقيت قرنا ... وودّعت الحبائب بالسّلام
لعلّك موعدي ببني زبيد ... وما قامعت من تلك اللئام
ومثلك قد قرنت له يديه ... إلى اللّحيين يمشي في الخطام
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
المكشوح: بفتح الميم وسكون الكاف وضم الشين المعجمة وبالواو والحاء المهملة.
بنو زبيد: بضم الزاي وفتح الموحدة.
لم أسمّ: بضم الهمزة وفتح السين المهملة وتشديد الميم المفتوحة، مجزوم حرّك بالفتح طلبا للخفّة.
جزرة: بفتح الجيم وسكون الزاي وبالراء فتاء تأنيث وهي الشاة المسمّنة.
يستجاد: بالبناء للمفعول.
يزنيّ: أي برمح يزنيّ نسبة إلى ذي يزن، وفي بعض نسخ العيون بدني، قال في النور:
ولعلها الصواب والبدن الدّرع.
مقلّص: بكسر اللام المشددة وبالصاد المهملة: مشمّر طويل القوائم.
قييس: تصغير قيس وهو ابن المكشوح.
الوداد: بكسر الواو.
حباءه: بكسر الحاء المهملة وبالموحدة، وبالمدّ: العطاء.
عذيرك من فلان: بعين مهملة مفتوحة فذال معجمة فياء تحتية وفتح الراء: مفعول بفعل مقدّر أي هات من يعذرك، فعيل بمعنى فاعل.
القرن: بكسر القاف وسكون الراء وبالنون كف الشخص في الشجاعة.
стр. 2770
الباب الحادي والسبعون في وفود عنزة إليه ﷺ
عن سلمة بن سعد رضي الله تعالى عنه أنه وفد على رسول الله ﷺ هو وجماعة من أهل بيته وولده فاستأذنوا على رسول الله ﷺ ، فدخلوا فقال: «من هؤلاء؟» . فقيل له: هذا وفد عنزة. فقال: «بخ بخ بخ بخ» - أربعا- «نعم الحيّ عنزة، مبغيّ عليهم منصورون، مرحبا بقوم شعيب وأختان موسى، سل يا سلمة عن حاجتك» . قال: جئت أسألك عما افترضت عليّ في الإبل والغنم. فأخبره، ثم جلس عنده قريبا ثم استأذنه في الانصراف. فما عدا أن قام لينصرف فقال رسول الله ﷺ : «اللهم ارزق عنزة كفانا لا فوت ولا إسراف» . رواه الطبراني، والبزار، باختصار، وعنده: «اللهم ارزق عنزة لا فوت ولا سرف فيه» [ (١) ] .
وعن حنظلة بن نعيم رضي الله تعالى عنه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «سمعت رسول الله ﷺ يذكر قومك عنزة ذات يوم فقال أصحابه: وما عنزة فأشار بيده نحو المشرق فقال: «حيّ ههنا مبغيّ عليهم منصورون» . رواه أبو يعلى برجال ثقات، والبزار، والطبراني والإمام أحمد رحمهم الله تعالى إلا أنه قال عن الغضبان بن حنظلة إن أباه وفد إلى عمر ولم يذكر حنظلة [ (٢) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
عنزة: بفتحات: الحربة.
بخ: بموحدة فخاء معجمة. كلمة عند المدح والرضا بالشيء وتكرّر للمبالغة وفيها لغات: إسكان الخاء وكسرها ومنوّنة وبغير تنوين، وبتشديدها وساكنا ومنوّنا واختار الخطّابي إذا كرّرت تنوين الأولى وتسكين الثانية.
أختان: بهمزة مفتوحة فخاء معجمة ساكنة فمثنّاه فوقية فألف فنون: من قبل المرأة، والأحماء من قبل الرجل، والصّهر يجمعهما.