الباب التاسع والستون في وفود بني عقيل بن كعب إليه ﷺ
روى ابن سعد [ (١) ] رحمه الله تعالى عن رجل من بني عقيل عن أشياخ قومه قالوا: وفد منا من بني عقيل على رسول الله ﷺ ربيع بن معاوية بن خفاجة بن عمرو بن عقيل، ومطرّف بن عبد الله بن الأعلم بن عمرو بن ربيعة بن عقيل، وأنس بن قيس بن المنتفق بن عامر بن عقيل، فبايعوا وأسلموا، وبايعوه على من وراءهم من قومهم، فأعطاهم النبي ﷺ العقيق، عقيق بني عقيل، وهي أرض فيها عيون ونخل،
وكتب لهم بذلك كتابا في أديم أحمر: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله ﷺ ربيعا ومطرّفا وأنسا، أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وسمعوا وأطاعوا» .
ولم يعطهم حقّا لمسلم [وكان الكتاب في يد مطرّف] .
قال: وقدم على رسول الله ﷺ أبو حرب بن خويلد بن عامر بن عقيل فقرأ عليه رسول الله ﷺ القرآن وعرض عليه الإسلام. فقال: أما وأيم الله لقد لقيت الله أو لقيت من لقيه، وإنك لتقول قولا لا نحسن مثله، ولكني سوف أضرب بقداحي هذه على ما تدعوني إليه وعلى ديني الذي أنا عليه، وضرب بالقداح فخرج عليه سهم الكفر، ثم أعاده فخرج عليه ثلاث مرات. فقال لرسول الله ﷺ : أبي هذا إلا ما ترى. ثم رجع إلى أخيه عقال بن خويلد، فقال له:
قلّ خيسك هل لك في محمد بن عبد الله يدعو إلى دين الإسلام ويقرأ القرآن وقد أعطاني العقيق إن أنا أسلمت. فقال له عقال: أنا والله أخطّك أكثر ممّا يخطّك محمد. ثم ركب فرسه وجرّ رمحه على أسفل العقيق فأخذ أسفله وما فيه من عين. ثم إن عقالا قدم على رسول الله ﷺ ، فعرض عليه الإسلام، وجعل يقول له: «أتشهد أن محمدا رسول الله؟» فيقول: أشهد أن هبيرة بن المفاضة نعم الفارس، يوم قرني لبان. ثم قال: «أتشهد أن محمدا رسول الله؟» قال: أشهد أن الصّريح تحت الرّغوة. ثم قال له الثالثة: «أتشهد؟» قال: فشهد وأسلم. قال: وابن المفاضة هبيرة بن معاوية بن عبادة بن عقيل، ومعاوية هو فارس الهرّار، والهرّار اسم فرسه، ولبان اسم موضع.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
خفاجة: بخاء معجمة ففاء مفتوحتين فألف فجيم فتاء تأنيث.
المنتفق: بميم مضمومة فنون ساكنة ففاء فمثناة فوقية فقاف.
стр. 2767
قل خيسك: بقاف مفتوحة فلام مشددة وخيسك بخاء معجمة مكسورة فتحتية ساكنة فسين مهملة: أي قلّ خيرك.
أحظّك: بهمزة فحاء مهملة فظاء معجمة مشالة.
الصّريح تحت الرّغوة: الصريح بصاد مهملة فراء فمثناة تحتية فحاء مهملة: اللّبن المحض الخالص، والرّغوة براء مضمومة فغين معجمة ما يعلو الّلبن من الزّبد، والله تعالى أعلم.
стр. 2768
الباب السبعون في وفود عمرو بن معدي كرب الزبيدي إليه ﷺ
قدم عمرو بن معدي كرب في أناس من بني زبيد على رسول الله ﷺ فأسلم، وكان عمرو قد قال لقيس بن مكشوح المرادي- وقيس بن أخته- يا قيس إنك سيّد قومك، وقد ذكر لنا أن رجلاً من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول إنه نبيّ فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيّا كما يقول فإنه لن يخفى عنك، إذا لقيناه اتّبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه. فأبي عليه قيس ذلك وسفّه رأيه، فركب عمرو بن معدي كرب حتى قدم على رسول الله ﷺ فأسلم وصدّقه وآمن به فلما بلغ ذلك قيسا أوعد عمرا [وتحطّم عليه وقال خالفني وترك رأيي] فقال عمرو في ذلك شعراً أوّله:
أمرتك يوم ذي صنعا ... ءأمرا باديا رشده
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: فأقام عمرو بن معدي كرب في قومه من بني زبيد وعليهم فروة بن مسيك، فلما توفي رسول الله ﷺ ارتدّ عمرو. قال ابن سعد: ثم رجع إلى الإسلام وأبلى يوم القادسية وغيرها.
وذكر أبو عمرو من طريق ابن عبد الحكم قال: حدثنا الشافعي قال: وجه رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن وقال: «إذا اجتمعتما فعليّ الأمير، وإذا افترقتما فكل واحد منكما أمير» .
فاجتمعا. وبلغ عمرو بن معدي كرب مكانهما، فأقبل في جماعة من قومه فلما دنا منهما قال: «دعوني حتى آتي هؤلاء القوم فإني لم أسمّ لأحد قط إلا هابني. فلما دنا منهما نادى: أنا أبو ثور أنا عمرو بن معدي كرب.
فابتدره عليّ وخالد رضي الله تعالى عنهما، وكلاهما يقول لصاحبه: خلّني وإياه، ويفديه بأبيه وأمّه. فقال عمرو، إذ سمع قولهما: العرب تفزّع بي وأراني لهؤلاء جزرة. فانصرف عنهما. وكان عمرو فارس العرب مشهورا بالشجاعة، وكان شاعرا محسنا فمما يستجاد من شعره قوله:
أعاذل عدتي يزني ورمحي ... وكلّ مقلّص سلس القياد
أعاذل إنّما أفنى شبابي ... إجابتي الصّريخ إلى المنادي
مع الإبطال حتى سلّ جسمي ... وأقرح عاتقي ثقل النّجاد
ويبقى بعد حلم القوم حلمي ... ويفني قبل زاد القوم زادي
تمنّى أن يلاقيني قييس ... وددت وأينما منّي ودادي
فمن ذا عاذري من ذي سفاه ... يرود بنفسه شرّ المراد
стр. 2769
أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
يريد قيس بن مكشوح وأسلم قيس بعد ذلك، وله ذكر في الصحابة، وقيل كان إسلامه بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وكان شجاعا فارسا شاعرا وكان يناقض عمرا وهو القائل لعمرو:
فلو لاقيتني لاقيت قرنا ... وودّعت الحبائب بالسّلام
لعلّك موعدي ببني زبيد ... وما قامعت من تلك اللئام
ومثلك قد قرنت له يديه ... إلى اللّحيين يمشي في الخطام
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
المكشوح: بفتح الميم وسكون الكاف وضم الشين المعجمة وبالواو والحاء المهملة.
بنو زبيد: بضم الزاي وفتح الموحدة.
لم أسمّ: بضم الهمزة وفتح السين المهملة وتشديد الميم المفتوحة، مجزوم حرّك بالفتح طلبا للخفّة.
جزرة: بفتح الجيم وسكون الزاي وبالراء فتاء تأنيث وهي الشاة المسمّنة.
يستجاد: بالبناء للمفعول.
يزنيّ: أي برمح يزنيّ نسبة إلى ذي يزن، وفي بعض نسخ العيون بدني، قال في النور:
ولعلها الصواب والبدن الدّرع.
مقلّص: بكسر اللام المشددة وبالصاد المهملة: مشمّر طويل القوائم.
قييس: تصغير قيس وهو ابن المكشوح.
الوداد: بكسر الواو.
حباءه: بكسر الحاء المهملة وبالموحدة، وبالمدّ: العطاء.
عذيرك من فلان: بعين مهملة مفتوحة فذال معجمة فياء تحتية وفتح الراء: مفعول بفعل مقدّر أي هات من يعذرك، فعيل بمعنى فاعل.
القرن: بكسر القاف وسكون الراء وبالنون كف الشخص في الشجاعة.
стр. 2770
الباب الحادي والسبعون في وفود عنزة إليه ﷺ
عن سلمة بن سعد رضي الله تعالى عنه أنه وفد على رسول الله ﷺ هو وجماعة من أهل بيته وولده فاستأذنوا على رسول الله ﷺ ، فدخلوا فقال: «من هؤلاء؟» . فقيل له: هذا وفد عنزة. فقال: «بخ بخ بخ بخ» - أربعا- «نعم الحيّ عنزة، مبغيّ عليهم منصورون، مرحبا بقوم شعيب وأختان موسى، سل يا سلمة عن حاجتك» . قال: جئت أسألك عما افترضت عليّ في الإبل والغنم. فأخبره، ثم جلس عنده قريبا ثم استأذنه في الانصراف. فما عدا أن قام لينصرف فقال رسول الله ﷺ : «اللهم ارزق عنزة كفانا لا فوت ولا إسراف» . رواه الطبراني، والبزار، باختصار، وعنده: «اللهم ارزق عنزة لا فوت ولا سرف فيه» [ (١) ] .
وعن حنظلة بن نعيم رضي الله تعالى عنه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «سمعت رسول الله ﷺ يذكر قومك عنزة ذات يوم فقال أصحابه: وما عنزة فأشار بيده نحو المشرق فقال: «حيّ ههنا مبغيّ عليهم منصورون» . رواه أبو يعلى برجال ثقات، والبزار، والطبراني والإمام أحمد رحمهم الله تعالى إلا أنه قال عن الغضبان بن حنظلة إن أباه وفد إلى عمر ولم يذكر حنظلة [ (٢) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
عنزة: بفتحات: الحربة.
بخ: بموحدة فخاء معجمة. كلمة عند المدح والرضا بالشيء وتكرّر للمبالغة وفيها لغات: إسكان الخاء وكسرها ومنوّنة وبغير تنوين، وبتشديدها وساكنا ومنوّنا واختار الخطّابي إذا كرّرت تنوين الأولى وتسكين الثانية.
أختان: بهمزة مفتوحة فخاء معجمة ساكنة فمثنّاه فوقية فألف فنون: من قبل المرأة، والأحماء من قبل الرجل، والصّهر يجمعهما.
стр. 2771
الباب الثاني والسبعون في وفود رجل من عنس إليه ﷺ
روى ابن سعد [ (١) ] [قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، أخبرنا أبو زفر الكلبي] عن رجل من عنس بن مالك من مذحج قال: كان منا رجل وفد على النبي ﷺ ، فأتاه وهو يتعشّى فدعاه إلى العشاء، فجلس. فلما تعشّى أقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: «أتشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله؟» فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فقال: «أراغبا جئت أم راهبا؟» فقال: أمّا الرّغبة فو الله ما في يديك مال، وأمّا الرّهبة فو الله إني لببلد ما تبلغه جيوشك، ولكني خوّفت فخفت وقيل لي آمن بالله فآمنت. فأقبل رسول الله ﷺ على القوم فقال: «ربّ خطيب من عنس» . فمكث يختلف إلى رسول الله ﷺ ، ثم جاء يودّعه فقال له رسول الله ﷺ : «اخرج» وبتّته أي أعطاه شيئا، وقال:
«إن أحسست شيئا فوائل إلى أدنى قرية» فخرج فوعك في بعض الطريق، فوأل إلى أدنى قرية فمات ﵀ واسمه ربيعة. ورواه الطبراني عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ﵀،
قال: إن ربيعة بن رواء العنسي قدم على رسول الله ﷺ فوجده يتعشّى، الحديث.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
عنس: [بعين مهملة مفتوحة فنون ساكنة فسين مهملة لقب زيد بن مالك بن أدد أبو قبيلة من اليمن ومخلاف عنس مضاف إليه وائل إلى أدنى قرية: [بواو فألف فهمزة مكسورة فلام ساكنة أي ألجأ] وقد [وأل] يئل فهو وائل أي التجأ إلى موضع ونجا] .
стр. 2772
الباب الثالث والسبعون في وفود غامد إليه ﷺ
قال في زاد المعاد: قال الواقديّ رحمه الله تعالى: وقدم على رسول الله ﷺ وفد غامد سنة عشر، وهم عشرة فنزلوا ببقيع الغرقد وهو يومئذ أثل وطرفاء ثم انطلقوا إلى رسول الله ﷺ . وخلّفوا عند رحلهم أحدثهم سنّا، فنام عنه، وأتى سارق فسرق عيبة لأحدهم فيها أثواب له. وانتهى القوم إلى رسول الله ﷺ ، فسلّموا عليه وأقرّوا له بالإسلام وكتب لهم كتابا فيه شرائع من شرائع الإسلام وقال لهم: «من خلّفتم في رحالكم؟» قالوا: أحدثنا سنّا يا رسول الله. قال: «فإنه قد نام عن متاعكم حتى أتى آت أخذ عيبة أحدكم» فقال رجل من القوم:
يا رسول الله ما لأحد من القوم عيبة غيري. فقال رسول الله ﷺ : «فقد أخذت وردّت إلى موضعها» . فخرج القوم سراعا حتى أتوا رواحلهم، فوجدوا صاحبهم فسألوه عما أخبرهم رسول الله ﷺ . قال: فزعت من نومي ففقدت العيبة فقمت في طلبها، فإذا رجل قد كان قاعدا، فلما رآني صار يعدو منّي فانتهيت إلى حيث انتهى فإذا أثر حفر وإذا هو قد غيّب العيبة فاستخرجتها.
فقالوا: نشهد أنه رسول الله ﷺ فإنه قد أخبرنا بأخذها وأنها قد ردّت. فرجعوا إلى النبي ﷺ فأخبروه، وجاء الغلام الذي خلّفوه، فأسلم، وأمر النبي ﷺ أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه فعلّمهم قرآنا وأجازهم ﷺ كما كان يجيز الوفود وانصرفوا.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
غامد: بعين معجمة فألف فميم فدال مهملة.
العيبة: تقدم تفسيرها.
الباب الرابع والسبعون في وفود غافق إليه ﷺ
روى ابن سعد [ (١) ] : قالوا: وفد جليحة بن شجّار بن صحار الغافقي على رسول الله ﷺ في رجال من قومه فقالوا: يا رسول الله نحن الكواهل من قومنا، وقد أسلمنا وصدقاتنا محبوسة بأفنيتنا. فقال: «لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» .
فقال: عوذ بن سرير الغافقي: آمنّا بالله واتّبعنا رسوله.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
غافق: بغيم معجمة فألف ففاء فقاف.
стр. 2773
الباب الخامس والسبعون في وفود غسّان إليه ﷺ
قال في زاد المعاد: وقدم وفد غسّان على النبي ﷺ في شهر رمضان سنة عشر، وهم ثلاثة نفر، فأسلموا وقالوا: لا ندري أيتّبعنا قومنا أم لا، وهم يحبّون بقاء ملكهم وقرب قيصر، فأجازهم رسول الله ﷺ بجوائز وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم فلم يستجيبوا لهم وكتموا إسلامهم. حتى مات منهم رجلان على الإسلام وأدرك الثالث منهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عام اليرموك فلقي أبا عبيدة فأخبره بإسلامه، فكان يكرمه.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
اليرموك: [واد بناحية الشام في طرف الغور يصبّ في نهر الأردن] .
الباب السادس والسبعون في وفود فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان بإسلامه على رسول الله ﷺ
قال ابن إسحاق: وبعث فروة بن عمرو الجذامي إلى رسول الله ﷺ رسولا بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، وكان فروة عاملا لقيصر ملك الروم على من يليه من العرب، وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام. فلما بلغ الروم ذلك من أمر إسلامه طلبوه حتى أخذوه فحبسوه عندهم فقال في محبسه شعرا على قافية النون وهو ستة أبيات:
طرقت سليمي موهنا أصحابي ... والرّوم بين الباب والقروان
صدّ الخيال وساءه ما قد رأى ... وهممت أن أغفي وقد أبكاني
لا تكحلنّ العين بعدي إثمدا ... سلمى ولا تدننّ للإتيان
ولقد علمت أبا كبيشة أنني ... وسط الأعزة لا يحصّ لساني
فلئن هلكت لتفقدنّ أخاكم ... ولئن بقيت لتعرفنّ مكاني
ولقد جمعت أجلّ ما جمع الفتى ... من جودة وشجاعة وبيان
فلما أجمعت الروم على صلبه على ماء لهم بفلسطين يقال له عفراء قال:
ألا هل أتى سلمى بأنّ حليلها ... على ماء عفرى فوق إحدى الرّواحل
على ناقة لم يضرب الفحل أمّها ... مشذّبة أطرافها بالمناجل
فزعم الزّهريّ بن شهاب أنهم لما قدّموه ليقتلوه قال:
أبلغ سراة المسلمين بأنّني ... سلم لربّي أعظمي ومقامي
ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء، والله تعالى أعلم.
стр. 2774
الباب السابع والسبعون في وفود فروة بن مسيك إليه ﷺ
قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر رحمهما الله تعالى: قدم فروة بن مسيك المراديّ رضي الله تعالى عنه وافدا على رسول الله ﷺ مفارقا لملوك كندة ومتابعا للنبي ﷺ وقال في ذلك:
لما رأيت ملوك كندة أعرضت ... كالرّجل خان الرّجل عرق نسائها
قرّبت راحلتي أؤمّ محمّدا ... أرجو فواضلها وحسن ثرائها
ثم خرج حتى أتى المدينة، وكان رجلا له شرف، فأنزله سعد بن عبادة عليه ثم غدا إلى رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد فسلّم عليه
ثم قال: يا رسول الله أنا لمن ورائي من قومي. قال: «أين نزلت يا فروة؟» قال: على سعد بن عبادة.
وكان يحضر مجلس رسول الله ﷺ كلما جلس ويتعلّم القرآن وفرائض الإسلام وشرائعه.
وكان بين مراد وهمدان قبيل الإسلام وقعة أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا حتى أثخنوهم في يوم يقال له يوم الرّدم. وكان الذي قاد همدان إلى مراد الأجدع بن مالك في ذلك اليوم. قال ابن هشام: الذي قاد همدان في ذلك اليوم بن حريم الهمداني.
قال ابن إسحاق: فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ : «يا فروة، هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم؟» قال: يا رسول الله، من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم ولا يسوءه ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ : «أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا» [ (١) ] .
وفي ذلك اليوم يقول فروة بن مسيك:
مررن على لفات وهنّ خوص ... ينازعن الأعنّة ينتحينا
فإن نغلب فغلّابون قدما ... وأن نغلب فغير مغلّبينا
وما إن طبّنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا
كذاك الدّهر دولته سجال ... تكرّ صروفه حينا فحينا
فبينا ما نسرّ به ونرضى ... ولو لبست غضارته سنينا
إذا انقلبت به كرّات دهر ... فألفيت الألى غبطوا طحينا
فمن يغبط بريب الدّهر منهم ... يجد ريب الزمان له خؤونا
فلو خلد الملوك إذا خلدنا ... ولو بقي الكرام إذا بقينا
стр. 2775
فأفنى ذلكم سروات قومي ... كما أفنى القرون الأولينا
واستعمل رسول الله ﷺ فروة بن مسيك على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصّدقة فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله ﷺ .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
فروة: بفاء مفتوحة فراء ساكنة فواو وفتاء تأنيث.
مسيك: بضم الميم وفتح السين المهملة وسكون التحتية وبالكاف.
النّساء: بفتح النون وبالسين المهملة، مقصور، وجاء مدّه في الشّعر، وأنكره بعضهم وربما صحّ في الحديث عرق النّساء، ويقول فروة بإن العرق أعمّ من نساء فهو من إضافة الشيء إلى محلّه وموضعه.
أؤمّ محمدا: أي أقصده.
أرجو فواضلها: يعني الرّاحلة.
همدان: بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة: قبيلة معروفة. وأما همذان بفتح الهاء والميم وبذال معجمة: قبيلة معروفة بالعجم. وقال الأئمة الحفّاظ ﵏: ليس في الصحابة ولا تابعيهم ولا أتباع التابعين أحد من هذه البلدة وأكثر المتأخرين منها.
الإثخان في الشيء: المبالغة فيه والإكثار منه والمراد به المبالغة في القتل.
الّردم: بفتح الراء وسكون الدال المهملة وبالميم.
الأجدع بن مالك بن حريم: حريم بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين كما ذكره الأمير والزمخشري وغيرهما وليس هو جدّ مسروق كما يذكره الوقشي وخطّأ من قال هو أبوه. وقول العيون: «قيل هو والد مسروق بن الأجدع» . وإنما قيل إنه جدّه، والجدأب. [كما ورد في القرآن] : وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي [يوسف ٣٨] يا بَنِي آدَمَ [الأعراف ٣٥] .
ناشح: بنون وبعد الألف شين معجمة فحاء مهملة:
جشم بن خيوان: خيوان بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية.
بنو معمر: بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة.
مثل ما أصاب: فاعل يصيب.
لا يسؤه: بفتح التحتية فسين مهملة وهمزة مضمومة قبل الواو.
زبيد: بضم الزاي: قبيلة معروفة.
مذحج: بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبالجيم: قبيلة معروفة والله تعالى أعلم.
стр. 2776
الباب الثامن والسبعون في وفود فزارة إليه ﷺ
روى ابن سعد [ (١) ] ، والبيهقي عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السّعدي رضي الله تعالى عنه قال: لما رجع رسول الله ﷺ من تبوك وكانت سنة تسع قدم عليه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلا، فيهم خارجة بن حصن، والحرّ بن قيس بن حصن وهو أصغرهم- وهم مسنتون- على ركاب عجاف، فجاءوا مقرّين بالإسلام. فنزلوا دار رملة بنت الحديث. وسألهم رسول الله ﷺ عن بلادهم،
فقال أحدهم: يا رسول الله، أسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا، فادع لنا ربّك يغيثنا، واشفع لنا إلى ربّك، وليشفع لنا ربّك إليك. فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله، ويلك، هذا أنا أشفع إلى ربي فمن ذا الذي يشفع ربّنا إليه؟ لا إله إلا هو العليّ العظيم وسع كرسيّه السموات والأرض فهي تئط من عظمته وجلاله كما يئطّ الرّحل الجديد» . وقال رسول الله ﷺ : «إن الله ليضحك من شففكم وأزلكم وقرب غياثكم» . فقال الأعرابي: يا رسول الله، ويضحك ربّنا ؟ فقال: «نعم» .
فقال الأعرابي: لن نعدمك من ربّ يضحك خيرا. فضحك رسول الله ﷺ من قوله، وصعد المنبر فتكلم بكلمات، وكان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء. فرفع يديه حتى رئي بياض إبطيه وكان مما حفظ من دعائه: «اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميّت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا طبقا واسعا، عاجلا غير آجل، نافعا غير ضارّ، اللهم اسقنا رحمة ولا تسقنا عذابا ولا هدما ولا غرقا ولا محقا، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» . فقام أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله، التّمر في المربد، وفي لفظ المرابد. فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اسقنا» فعاد أبو لبابة لقوله، وعاد رسول الله ﷺ لدعائه. فعاد أبو لبابة أيضا فقال: التمر في المربد يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسدّ ثعلب مربده بإزاره» . قالوا: ولا والله ما نرى السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل التّرس، فلما توسّطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال:
فلا والله ما رأينا الشمس سبتا. وقام أبو لبابة عريانا يسدّ ثعلب مربده بإزاره لئلّا يخرج التمر منه.
فجاء ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السّبل فصعد رسول الله ﷺ المنبر فدعا ورفع يديه حتى رئي بياض إبطيه ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا،
стр. 2777
اللهم على الآكام والظّراب وبطون الأودية ومنابت الشّجر فانجابت السحابة عن المدينة انجياب الثّوب» .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
خارجة: بالخاء المعجمة وبعد الألف راء مكسورة فجيم.
ابن حصن: بالحاء والصاد المهملتين وزن علم- ابن بدر.
الحرّ: بضم الحاء المهملة وتشديد الراء، ابن أخي عيينة، بالرفع بدل من الجر، وهو مرفوع على معطوف على المبتدأ قبله.
مشتون: بميم مضمومة فشين معجمة فتاء أي دخلوا في الشتاء وقيل بسين مهملة ساكنة فنون مكسورة: مسنتون.
عجاف: بكسر العين المهملة وتخفيف الجيم، والعجفاء هي التي بلغت في الهزال النهاية.
رملة بنت الحارث بن ثعلبة.
غرث: بفتح الغين المعجمة وكسر الراء وبالثاء المثلثة، يغرث بفتح الراء فهو غرثان إذا جاع، وقوم غرثى وغراثى وامرأة غرثى ونسوة غراث، والغرث بفتح أوله وثانية الجوع.
انجابت: بفتح الجيم وبعد الألف موجدة.
الجناب: ما قرب من محلّة القوم والجمع أجنبة يقال أخصب جناب القوم وفلان خصيب الجناب.
يغيثنا: بفتح أوله من الغيث، أو بضمّ التحتية من الإغاثة والإجابة.
شفعت: بفتح الفاء خلافا لمن أخطأ فكسرها.
وسع كرسيّه السّموات والأرض: بسطت الكلام على الكرسيّ في كتاب: «الجواهر والنّفائس في تكبير كتاب العرائس» . بما يراجع منه. والصواب أن الكرسي غير العلم خلافا لمن زعم أنه العلم.
تئطّ: بفتح الفوقية وكسر الهمزة وطاء مهملة مشددة، والأطيط صوت الرّحل والأقتاب، يعني أن الكرسي ليعجز عن حمله وعظمه، إذا كان معلوما أن أطيط الرّحل بالرّاكب إنما يكون لقوّة ما فوقه وعجزه عن احتماله، وهذا مثل لعظمة الله تعالى وجلاله، وإنما لم يكن أطيط
стр. 2778
وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى، والرّحل بالحاء المهملة.
شففكم: بفتح الشين المعجمة والفاء: اسم من الشّفّ، والشفف هنا أقصى ما وجدوه من الضيق.
الأزل: بفتح الهمزة وسكون الزاي وباللام: الضيق، وقد أزل الرجل بفتح الزاي يأزل بكسرها أزلا بإسكانها صار في ضيق وجدب.
لن نعدمك: بفتح النون وسكون العين وفتح الدال المهملتين.
صعد: بكسر العين المهملة في الماضي وفتحها في المستقبل.
وكان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلى آخره: قد بسطت الكلام على ذلك في كتابي: «جامع الخيرات في الأذكار والدعوات» . وخلاصة ذلك أن النبي ﷺ رفع يديه في الدعاء في الصحيحين أو أحدهما في نحو ثلاثين حديثا، وأجاب العلماء رحمهم الله تعالى بأن المراد لا يرفع يديه الرفع البالغ أو أن المراد لم يره رفع، أو أنه ﷺ كان يرفع يديه في الاستسقاء، يعني ظهور كفيه إلى السماء، كما في مسلم، فيكون الحديث لا يرفع هذا الرفع إلا في الاستسقاء.
حتى رئى بياض إبطيه: بكسر الراء وفتح الهمزة، ورئي بضم الراء وكسر الهمزة وعليها فهو مبني للمفعول.
الغيث: بفتح الغين المعجمة وسكون المثناة التحتية فثاء مثلثة.
اسق: يجوز فيه وصل الهمزة وقطعها أسق ثلاثي ورباعي، كذا ما بعده.
الريّ: [بكسر الراء وفتحها وتشديد التحتية] .
مريعا: بفتح الميم وكسر الراء وسكون التحتية وبالعين المهملة من الرّيع وهو الخصب وروي مربعا بضم الميم وسكون الراء وبالموحدة المكسورة وبالعين المهملة. [وروي] مرتعا بالمثناة الفوقية من رتعت الدّابّة إذا أكلت ما شاءت.
طبقا: بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وبالقاف أي مستوعبا للأرض منطبقا عليها.
أبو لبابة: بضم اللام وفتح الموحدتين بينهما ألف.
المربد: بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة وبالدال المهملة والجمع مرابد بفتح الميم، والمربد هو الموضع الذي يجعل فيه التمر لينشف كالبيدر للحنطة.
стр. 2779
ثعلب: بلفظ اسم الحيوان المعروف، وهو مخرج ماء المطر من جرين التمر.
القزعة: بفتح القاف والزاي: القطعة الرقيقة من السحاب.
سلع: بفتح أوله وإسكان ثانيه: جبل بالمدينة.
ما رأينا الشمس سبتا: قال في المطالع أي مدّة. قال قاسم بن ثابت: والناس يحملونه على انه من سبت إلى سبت، وإنما السّيف قطعة من الدهر. وقال في النهاية: قيل أراد أسبوعا من السبت إلى السبت فأطلق عليه اسم اليوم، وقيل أراد بالسبت مدة من الزمان قليلة كانت أو كثيرة.
فجاء ذلك الرجل أو غيره: قال في النور إنه هو، وذلك لأن في الصحيح ما يؤيده ويرشد إلى أنه الرجل الأول، وقد سمّاه بعض حفّاظ هذا العصر خارجة بن حصن بن حذيفة، أخا عيينة بن حصن.
الأكمة: تل وقيل شرفة كالرابية وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد وربما غلظ وربما لم يغلظ والجمع أكم وأكمات مثل قصبة [وقصب] وقصبات، وجمع الأكم إكام مثل جبل وجبال وجمع الإكام أكم بضمتين مثل كتاب وكتب، وجمع الألم آكام مثل عنق وأعناق.
الظّراب: بكسر الظاء المعجمة المشالة جمع ظرب بفتح الظاء وكسر الراء وهي الروابي الصغيرة.
انجابت: انقطعت والجوب القطع.
стр. 2780
الباب التاسع والسبعون في وفود بني قُشير إليه ﷺ
روى ابن سعد [ (١) ] عن علي بن محمد القرشيّ ورجل من بني عقيل قالا: وفد على رسول الله ﷺ نفر من بني قشير فيهم ثور بن عزرة بن عبد الله بن سلمة بن قشير فأسلم فأقطعه رسول الله ﷺ قطيعة وكتب له كتابا، ومنهم حيدة بن معاوية بن قشير، وذلك قبل حجة الوداع وبعد حنين، ومهم قرنة بن هبيرة بن سلمة الخير بن قشير، فأسلم فأعطاه رسول الله ﷺ وكساه بردا وأمره أن يتصدّق على قومه أي يلي الصّدقة فقال قرّة حين رجع:
حباها رسول الله إذ نزلت به ... وأمكنها من نائل غير منفد
فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة ... وقد أنجحت حاجاتها من محمّد
عليها فتى لا يردف الذّمّ رحله ... تروك الأمر العاجز المتردّد
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
قشير: بقاف مضمومة فشين معجمة مفتوحة فمثناة تحتية فراء.
عزرة: [بعين مهملة مفتوحة فزاي ساكنة فراء فتاء تأنيث] .
حيدة: [بحاء مهملة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فدال مهملة] .
стр. 2781
الباب الثمانون في وفود قيس بن عاصم إليه ﷺ
عن غالب بن أبجر [المزني] قال: ذكرت قيس عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «رحم الله قيسا» . قيل: يا رسول الله أنترحّم على قيس قال: «نعم إنه كان على دين أبينا إسماعيل بن إبراهيم خليل الله، إن قيسا فرسان الله تعالى في الأرض، والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان ليس لهذا الدين ناصر غير قيس، إن قيسا خير الله تعالى في الأرض» [ (١) ] . يعني أسد الله. رواه الطبراني برجال ثقات والبزار.
وروى الطبراني [ (٢) ] بسند جيّد عن قيس بن عاصم رضي الله تعالى عنه قال: قدمت على رسول الله ﷺ فلما رآني قال: «هذا سيّد أهل الوبر» . فلما نزلت أتيته فجعلت أحدّثه، فقلت:
يا رسول الله، ما المال الذي ليست عليّ فيه تبعة من ضيف ضافني أو عيال كثروا عليّ؟ قال:
«نعم المال الأربعون، والأكثر الستّون، وويل لأصحاب المئين إلا من أعطى من رسلها ونجدتها، وأطرق فحلها، وأفقر ظهرها [ومنح غزيرتها] ونحر سمينها وأطعم القانع والمعترّ» .
قال: يا رسول الله، ما أكرم هذه وأحسنها، إنه لا يحلّ بالوادي الذي أنا فيه لكثرة إبلي. فقال:
«فكيف تصنع بالطّروقة؟» قال: قلت تغدو الإبل ويغدو الناس، فمن شاء أخذ برأس بعير فذهب به. قال: «فكيف تصنع في الإفقار؟ قلت: إني لأفقر النّاب المدبرة والضّرع الصغير. قال:
«فكيف تصنع في المنيحة؟» قلت: إني لأمنح في كل سنة مائة. قال: «فمالك أحب إليك أم مال مواليك؟» قلت: لا، بل مالي. قال: «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت وسائره لمواليك» . فقلت: والله لئن بقيت لأقلّنّ عددها.
قال الحسن البصريّ رحمه الله تعالى: فعل والله، فلما حضرت قيسا الوفاء جمع بنيه فقال: يا بني خذوا عنّي فإنكم لن تأخذوا من أحد هو أنصح لكم مني. إذا أنا متّ فسوّدوا أكابركم ولا تسوّدوا أصاغركم فتسفهكم الناس وتهونوا عليهم وعليكم بإصلاح المال فإنه سعة للكريم ويستغنى به عن اللئيم، وإيّاكم والمسألة فإنها آخر كسب المرء، وإذا أنا متّ فلا تنوحوا عليّ فإن رسول الله ﷺ لم ينح عليه وقد سمعته ينهى عن النّياحة، وكفّوني في ثيابي التي كنت أصلّي فيها وأصوم وإذا دفنتموني فلا تدفنوني في موضع يطّلع عليه أحد، فإنه قد كان بيني وبين بني بكر بن وائل حماسات في الجاهلية فأخاف أن ينبشوني فيصيبون في ذلك ما
стр. 2782
يذهب فيه دينكم ودنياكم. قال الحسن رحمه الله تعالى: نصح لهم في الحياة ونصح لهم في الممات.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق .
الوبر: بواو فموحدة مفتوحتين فراء: شعر الإبل، وأهل الوبر أهل البوادي لأن بيوتهم يتخذونها منه.
رسلها: براء مكسورة فسين مهملة ساكنة فلام: الّلبن: والهينة والرّفق.
نجدتها ورسلها: بنون فجيم فدال مهملة ففوقية أي الشدة والرخاء، يقول: يعطي وهي سمان حسان يشتدّ عليه إخراجها فتلك نجدتها، ويعطي في رسلها وهي مهازيل مقاربة، قاله في النهاية. والأحسن أن يكون المراد بالنّجدة: الشّدة والجدب، وبالرّسل الرّخاء والخصب، لأن الرّسل اللبن وإنما يكثر في حال الرّخاء والخصب فيكون المعنى أنه يخرج حق الله تعالى في حال الضّيق والسّعة، والجدب والخصب.
أفقر ظهرها: بهمزة مفتوحة ففاء ساكنة فقاف فراء.
القانع: بقاف ثم نون: هو السائل.
المعتر: بضم الميم وسكون العين المهملة وفتح الفوقية: الذي يعتريك أي يلم بك لتعطيه ولا يسأل.
الدبرة: بفتح الدال المهملة والموحدة وتسكن فراء مفتوحة فتاء تأنيث: الدولة والظفر والعزيمة ويقال على من الدبرة أي الهزيمة.
سوّدوا: بسين مهملة فواو مكسورة مشددة فدال مهملة أي اجعلوه سيّدا.
حماسات: بحاء مهملة مفتوحة فميم فألف فسين مهملة فتاء حماسة وهي الشدة والشجاعة.
стр. 2783
الباب الحادي والثمانون في وفود بني كلاب إليه ﷺ
روى ابن سعد في الطبقات [ (١) ] عن خارجة بن عبد الله بن كعب قال: قدم وفد بني كلاب في سنة تسع على رسول الله ﷺ ، وهم ثلاثة عشر رجلا فيهم لبيد بن ربيعة، وجبّار بن سلمى فأنزلهم دار رملة بنت الحدث، وكان بين جبّار وكعب بن مالك خلّة، فبلغ كعبا قدومهم فرحّب بهم وأهدى لجبّار وأكرمه، وخرجوا مع كعب فدخلوا على رسول الله ﷺ فسلّموا عليه بسلام الإسلام، وقالوا: إن الضحّاك بن سفيان سار فينا بكتاب الله وبسنّتك التي أمرت بها، وإنه دعانا إلى الله فاستجبنا لله ولرسوله وإنه أخذ الصّدقة من أغنيائنا فردّها على فقرائنا.
الباب الثاني والثمانون في وفود بني كلب إليه ﷺ
روى ابن سعد [ (٢) ] عن رجل من بني ماويّة من كلب عن أبي ليلى بن عطية الكلبي عن عمه قالا: قال عبد عمرو بن جبلة بن وائل بن الجلاح الكلبي: شخصت أنا وعاصم- رجل من بني رقاش من بني عامر- حتى أتينا النبي ﷺ فعرض علينا الإسلام فأسلمنا وقال: «أنا النبي الأمّيّ الصادق الزّكيّ، والويل كلّ الويل لمن كذّبني وتولّى عنّي وقاتلني، والخير كلّ الخير لمن آواني ونصرني، وآمن بي وصدّق قولي، وجاهد معي» .
قالا: فنحن نؤمن بك ونصدّق قولك، وأنشأ عبد عمرو ويقول:
أجبت رسول الله إذ جاء بالهدى ... وأصبحت بعد الجحد بالله أوجرا
وودّعت لذّات القداح وقد أرى ... بها سدكا عمري وللهو أهدرا
وآمنت بالله العليّ مكانه ... وأصبحت للأوثان ما عشت منكرا.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
أوجر: بهمزة مفتوحة فواو ساكنة فجيم فراء، يقال وجرته بالسيف وجرا أي طعنته. قال في النهاية: والمعروف في الطّعن أوجرته الرّمح ولعله لغة فيه.
القداح: بقاف مكسورة فدال مهملة فألف فحاء مهملة جمع قدح بكسرها أيضا وهو السّهم الذي كانوا يستقسمون به وهو المراد هنا وهو السّهم الذي يرمى به عن القوس.
سدكا: بسين فدال مهملتين فكاف أي مولعا.
أهدر: بهمزة مفتوحة فهاء ساكنة فدال مهملة فراء: أي أبطل.
стр. 2784
الباب الثاني والثمانون في وفود بني كنانة إليه ﷺ
روى ابن سعد في الطبقات عن خالد الحذّاء عن أبي قلابة، في رجال آخرين من أهل العلم يزيد بعضهم على بعض فيما ذكروا من وفود العرب على رسول الله ﷺ ، قالوا: وفد واثلة بن الأسقع الليثي على رسول الله ﷺ ، فقدم المدينة ورسول الله ﷺ ، يتجهّز إلى تبوك فصلّى معه الصبح، فقال له: «ما أنت وما جاء بك وما حاجتك؟» فأخبره عن نسبه وقال:
أتيتك لأؤمن بالله ورسوله، قال: «فبايع على ما أحببت وكرهت» ، فبايعه ورجع إلى أهله فأخبرهم، فقال له أبوه: والله لا أكلمك كلمة أبدا، وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهزته، فخرج راجعا إلى رسول الله ﷺ ، فوجده قد صار إلى تبوك، فقال: من يحملني عقبه وله سهمي؟ فحمله كعب بن عجرة حتى لحق برسول الله ﷺ ، وشهد معه تبوك، وبعثه رسول الله ﷺ ، مع خالد بن الوليد إلى أكيدر، فغنم فجاء بسهمه إلى كعب بن عجرة، فأبى أن يقبله وسوّغه إيّاه وقال: إنما حملتك لله.
الباب الثالث والثمانون في وفود كندة إليه ﷺ منهم الأشعث بن قيس .
قال في زاد المعاد: قال ابن إسحاق: حدثني الزّهري قال: قدم الأشعث بن قيس على رسول الله ﷺ في ثمانين أو ستين راكبا من كندة، فدخلوا عليه مسجده، قد رجّلوا جممهم واكتحلوا ولبسوا جباب الحبرات مكثّفة بالحرير. فلما دخلوا قال رسول الله ﷺ : «أو لم تسلموا؟» قالوا: بلى. قال: «فما هذا الحرير في أعناقكم؟» فشقّوه ونزعوه وألقوه. ثم قال الأشعث بن قيس: يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار. فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: «ناسب بهذا النّسب ربيعة بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب» .
قال الزهري وابن إسحاق: كانا تاجرين، وكانا إذا سارا في أرض العرب فسئلا: من أنتما؟ قالا:
نحن بنو آكل المرار، يتعزّزان بذلك في العرب ويدفعان به عن نفسيهما لأن بني آكل المرار من كندة كانوا ملوكا. قال رسول الله ﷺ : «لا، بل نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا» .
وفي المسند من حديث حماد بن سلمة، عن عقيل بن طلحة، عن مسلم بن مسلم عن الأشعث بن قيس قال: قدمنا على رسول الله ﷺ وفد كندة ولا يرون إلا أنّي أفضلهم، قلت: يا رسول الله، ألستم منّا؟ قال: «لا، نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا» .
فكان الأشعث يقول: لا أوتى برجل نفى رجلاً من قريش من النضر بن كنانة
стр. 2785
إلا جلدته الحدّ.
وروى الإمام أحمد، وابن ماجة، والحارث، والبارورديّ، ويسمّونه، وابن سعد، والطّبرانيّ في الكبير، وأبو نعيم، والضياء عن الأشعث بن قيس الكندي قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كندة فقال لي النبي ﷺ : «هل لك من ولد؟» . قلت: غلام ولد مخرجي إليك من ابنة فلان ولوددت أن يشبع القوم. فقال: «لا تقولنّ ذا فإن فيهم قرّة عين وأجرا إذا قبضوا» . ثم قال: «إنهم لمجبنة مبخلة» [ (١) ] .
وروى العسكري عنه قال: قدمت على رسول الله ﷺ فقال لي: «ما فعلت بنت عمّك؟» قلت: نفست بغلام والله لوددت أن لي سبية. فقال: «إنهم لمجبنة مبخلة وإنهم لقرّة العين وثمرة الفؤاد» .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
رجلوا: بالجيم أن سرّحوا ونظّفوا شعورهم.
الجمم: جمع جمّة وهي من شعر الرأس ما سقط من المنكبين.
الحبرة: بالحاء المهملة والموحدة وزن عنبة وهي من البرود وما كان موشّى مخطّطا يقال له حبرة، وبرد حبرة على الوصف والإضافة، وهو برد يمانيّ.
كفّفوها بالحرير: أي جعلوا لكل جبّة كفّة من حرير وهي بضم الكاف وتشديد الفاء فتاء تأنيث وهي السّجاف.
بنو آكل المرار: وهو الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية من كندة ولقب بذلك لأكله المرار هو وأصحابه، والمرار شجر معروف. وللنبي ﷺ جدّة من كندة وهي أمّ كلاب بن مرة واسمها دعد بنت شريد بن ثعلبة بن الحارث الكندي، وقيل بل هي جدّة كلاب أمّ أمّه هند.
لا نفقوا أمنا ولا ننتفي من أبينا: أي لا نتهمها ولا نقذفها وقيل معناه: لا نترك النسب إلى الآباء وننتسب إلى الأمهات.
القادسية: قرية قرب الكوفة [ (١) ] .
جلولاء: بفتح الجيم وضم اللام وبالمد نهاوند: [بفتح أوله ورابعه مدينة عظيمة في قبلة همذان] .
стр. 2786
الباب الرابع والثمانون في وفادة أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي إليه ﷺ
روى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند، والطبراني عن لقيط بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: خرجت أنا وصاحبي نهيك بن عاصم [بن مالك بن المنتفق] حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبا فقال:
«يا أيها الناس، ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام لتسمعوا الآن، ألا فهل من امرئ قد بعثه قومه؟» فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول الله ﷺ : «ألا ثم رجل لعلّه أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه ضال، ألا وإني مسؤول هل بلّغت؟ ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا» .
فجلس الناس، وقمت أنا وصاحبي، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت: يا رسول الله، ما عندك من علم الغيب؟ فضحك فقال: «لعمر الله» . وهزّ رأسه وعلم أني أبتغي سقطه، فقال: «ضنّ ربّك بمفاتيح خمسة من الغيب لا يعلمها إلا الله» . وأشار بيده، فقلت: وما هي يا رسول الله؟ فقال: «علم المنية، قد علم متى منيّة أحدكم ولا تعلمونه، وعلم ما في غد، وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه، وعلم المني حين يكون في الرّحم قد علمه ولا تعلمونه، وعلم الغيث يشرف عليكم آزلين مسنتين، فيظلّ يضحك قد علم أن غوثكم قريب» . قال لقيط:
قلت: لن نعدم من ربّ يضحك خيرا يا رسول الله قال: «وعلم يوم الساعة» . قلت: يا رسول الله، إني سائلك عن حاجتي فلا تعجلني، قال: «سل عمّا شئت» . قال: قلت يا رسول الله، علّمنا ممّا لا يعلم الناس وممّا تعلم فإنّا من قبيل لا يصدّقون تصديقنا أحدا، من مذحج التي تدنو إلينا، وخثعم التي توالينا وعشيرتنا التي نحن منها.
قال رسول الله ﷺ : «ثم تلبثون ما لبثتم، يتوفّى نبيّكم، ثم تبعث الصّائحة، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات، والملائكة الذين مع ربك، فيصبح ربّك يطوف في الأرض قد خلت عليه البلاد، فيرسل ربّك السماء تهضب من عند العرش، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميّت إلا شقّت القبر عنه حتى تخلفه من قبل رأسه، فيستوي جالسا، فيقول ربّك: مهيم- لما كان فيه- فيقول: يا ربّ، أمس اليوم ولعهده بالحياة يحسبه حديث عهد بأهله» .
فقلت: يا رسول الله، فكيف يجمعنا بعد ما تمزقنا الرياح والبلي والسباع؟ فقال: «أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، أشرقت على الأرض وهي مذرة بالية، فقلت لا تحيا هذه أبدا، ثم أرسل ربّك عليها فلم تلبث إلا أياما حتى أشرفت عليها وهي شربة واحدة، ولعمر إلهك لهو أقدر على
стр. 2787
أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض، فتخرجون من الأصواء، ومن مصارعكم فتنظرون إليه وينظر إليكم» .
قال: قلت: يا رسول الله، كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه؟ قال: «أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله : الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة [ولعمر إلهك أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم] لا تضارّون- وفي لفظ: لا تضامّون- في رؤيتهما» . قلت: يا رسول الله، فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: «تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم، فلعمر إلهك ما تخطئ وجه أحد منكم قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الرّيطة البيضاء. وأما الكافر فتنضحه أو قال: فتحطمه بمثل الحمم الأسود، ثم ينصرف نبيّكم ويتفرّق على أثره الصالحون فتسلكون جسرا من النار، فيطأ أحدكم الجمر فيقول: حسّ، فيقول ربّك : أو إنّه ألا فتطلعون على حوض نبيّكم لا يظمأ والله ناهله قط فلعمرو إلهك ما يبسط أحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهّره من الطّوف والبول والأذى، وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا» .
قال: قلت يا رسول الله، فبم نبصر يومئذ؟ قال: «بمثل بصرك ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض وواجهته الجبال» . قال: قلت: يا رسول الله، فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا؟ قال: «الحسنة بعشر أمثالها، والسّيّئة بمثلها إلا أن يعفو» . قال: قلت: يا رسول الله، فما الجنة وما النار؟ قال: «لعمر إلهك إن النار لها سبعة أبواب، ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما وإن للجنّة ثمانية أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما» . قال: قلت: يا رسول الله، فعلام نطّلع من الجنة؟ قال: «على أنهار من عسل مصفّى وأنهار من خمر ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة، ولعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله معه أزواج مطهّرة» . قال: قلت: يا رسول الله، أو لنا فيها أزواج أو منهنّ صالحات قال: «المصلحات للصالحين» ، وفي لفظ: «الصالحات للصالحين تلذّون بهن مثل لذّاتكم في الدنيا ويلذذن بكم غير أن لا توالد» .
قال لقيط: قلت: يا رسول الله، أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه. فلم يجبه النبي ﷺ . قال: قلت: يا رسول الله، علام أبايعك؟ قال: فبسط رسول الله ﷺ يده وقال:
«على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وزيال الشّرك فلا تشرك بالله إلها غيره» . قال: فقلت: يا رسول الله، وإن لنا ما بين المشرق والمغرب؟ فقبض النبي ﷺ يده وظنّ أني أشترط عليه شيئا لا يعطينه.
стр. 2788
قال: قلت: نحلّ منها حيث شئنا ولا يجني على امرئ إلا نفسه؟ فبسط إليّ يده وقال:
«ذلك لك، تحلّ حيث شئت ولا يجزي عنك إلا نفسك» . قال: فانصرفنا عنه. فقال: «ها إن ذين ها إن ذين، مرّتين، من أتقى الناس في الأولى والآخرة» . فقال له كعب بن الخداريّة، أحد بني بكر بن كلاب: من هم يا رسول الله؟ قال: «بنو المنتفق أهل ذلك منهم» . قال: فانصرفنا وأقبلت عليه فقلت: يا رسول الله، هل لأحد ممّن مضى من خير في جاهليتهم؟ فقال رجل من عرض قريش: والله إن أباك المنتفق لفي النار، قال: فلكأنّه وقع حرّ بين جلدة وجهي ولحمه مما قال لأبي، على رؤوس الناس، فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله، ثم إذا الأخرى أجمل، فقلت: يا رسول الله وأهلك. قال: «وأهلي لعمر الله حيث ما أتيت على قبر عامري أن قرشي أو دوسيّ قل أرسلني إليك محمد فأبشر بما يسؤك تجرّ على وجهك وبطنك في النار» .
قال: قلت: يا رسول الله وما فعل بهم ذلك؟ وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه وكانوا يحسبون أنهم مصلحون. قال ﷺ : «ذلك بأن الله تعالى بعث في آخر كل سبع أمم نبيا، فمن عصى نبيّه كان من الضالّين ومن أطاع نبيّه كان من المهتدين» .
رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند، والطبراني. وقال الحافظ أبو الحسن الهيثمي رحمه الله تعالى: أسنادها متصلة ورجالها ثقات. وإسناد الطبراني مرسل عن عاصم بن لقيط. وقال في زاد المعاد: «هذا حديث كبير جليل تنادى جلالته وفخامته وعظمته على أنه خرج من مشكاة النّبوّة، رواه أئمة السّنّة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد، ولم يطعن أحد منهم فيه ولا في أحد من رواته» . وسرد [ابن القيّم] من رواه من الأئمة، منهم البيهقي في كتاب البعث.
تنبيهات
الأول: قال في زاد المعاد: «
قوله ﵊: «فيظلّ يضحك» ،
هذا من صفات أفعاله التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته كصفات ذاته، وقد وردت هذه القصة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردّها، كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها وكذلك
قوله: «فأصبح ربّك يطوف في الأرض» ،
هو من صفات أفعاله كقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر ٢٢] ، وقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام ١٥٨] . وينزل ربّنا كل ليلة إلى السماء الدنيا [ويدنو عشيّة عرفة فيباهي بأهل الموقف الملائكة] ، والكلام في الجميع صراط واحد مستقيم، إثبات بلا تمثيل وتشبيه، وتنزيه بلا تحريف وتعطيل.
стр. 2789
الثاني:
قوله: «ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربّك» ،
قال في زاد المعاد: لا أعلم موت الملائكة جاء في حديث صريح إلا في هذا الحديث، وحديث إسماعيل بن رافع الطويل وهو حديث الصّور، وقد يستدلّ عليه بقوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر ٦٨] .
الثالث:
قوله: «فلعمر إلهك» ،
هو قسم بحياة الله تعالى، وفيه دليل على جواز الإقسام بصفاته، وانعقاد اليمين بها وأنها قديمة وإنه يطلق عليه منها أسماء المصادر، ويوصف بها، وذلك قدر زائد على مجرّد الأسماء وأن الأسماء الحسنى مشتقّة من هذه المصادر دالة عليها.
الرابع: في بيان غريب ما سبق:
لقيط: بلام مفتوحة فقاف مكسورة فتحتية ساكنة فطاء مهملة.
نهيك: بفتح النون وكسر الهاء وسكون التحتية وكاف.
السقط من القول بسين مهملة فقاف مفتوحتين فطاء مهملة: رديئة.
ضنّ ربّك: بضاد معجمة فنون مفتوحتين أي لم يطّلع غيره عليها.
يشرف عليكم: بتحتية مضمومة فشين معجمة ساكنة فراء مكسورة ففاء.
آزلين: بهمزة مفتوحة فزاي مكسورة فلام فتحتية ساكنة فنون، من الأزل الشّدة والضيق.
مشفقين: بميم مضمومة فشين معجمة ساكنة ففاء مكسورة فقاف فتحتية ساكنة فنون، أي خائفين من الإشفاق وهو الخوف.
إن غوثكم قريب: بغين معجمة مفتوحة فواو ساكنة فثاء مثلثة: أي إعانتكم.
خثعم: بخاء معجمة مفتوحة فمثلثة ساكنة فعين مهملة مفتوحة فميم.
تهضب: بمثناة فوقية مفتوحة فهاء ساكنة فضاد معجمة مكسورة فموحدة: مطرت.
تخلفه من قبل رأسه: بفتح المثناة الفوقية وسكون الخاء المعجمة فلام مضمومة ففاء، أي تبقى بعده، من الخلف بالتحريك والسكون وهو كل من يجيء بعد من مضى إلا أنه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشّر.
مهيم: بميم مفتوحة فهاء ساكنة فتحتية مفتوحة فميم، كلمة يمانية معناها ما الأمر وما الشأن؟.
стр. 2790
أنبئك: بهمزة مضمومة فنون ساكنة فموحدة فهمزة: أخبرك.
آلاء الله: بألف فهمزة فلام مفتوحتين فهمزة أي نعمه.
مذرة: بميم مفتوحة فذال معجمة مكسورة فراء فتاء تأنيث، أي فاسدة بالية.
شربة واحدة: قال القتيبي: إن كان بالسكون فإنه أراد أن الماء قد كثر فمن حيث أردت أن تشرب شربت.
الأصواء: بالهمزة المفتوحة والصاد المهملة: القبور.
لا تضامّون في رؤيتهما: بفتح المثناة الفوقية والضاد المعجمة فألف فميم فواو فنون.
صفحاتكم: جمع صفحة وهي أحد جانبي الوجه، وهي بصاد مهملة ففاء فحاء مهملة مفتوحات جمع صفحة.
ينضخ: بتحتية مفتوحة فنون ساكنة فضاد معجمة فخاء معجمة: أي يرش قليلا من الماء.
الرّيطة: براء مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فطاء مهملة فتاء تأنيث: كل ملاءة ليست بلفقين وقيل: كل ثوب رقيق ليّن.
الحميم الأسود: دخان أسود.
الجسر: الصّراط.
حسّ: بحاء مكسورة فسين مشددة مهملتين: كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضّه وأحرقه غفلة كالجمرة والضّربة ونحوهما.
فيقول ربّك : أو إنه: [أي وإنّه كذلك أو إنه على ما تقول وقيل إن بمعنى نعم والهاء للوقف] .
стр. 2791
الباب الخامس والثمانون في وفود محارب إليه ﷺ
روى ابن سعد [ (١) ] رحمه الله تعالى عن أبي وجرة السعدي قال: قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع، وهم عشرة نفر منهم سواء بن الحارث، وابنه خزيمة بن سواء، فأنزلوا دار رملة بنت الحدث، وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء إلى أن جلسوا مع رسول الله ﷺ يوما من الظهر إلى العصر، فأسلموا وقالوا: نحن على من وراءنا، ولم يكن أحد في تلك المواسم التي كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه فيها على القبائل يدعوهم إلى الله ولينصروه، أفظّ ولا أغلظ على رسول الله ﷺ منهم.
وكان في الوفد رجل منهم فعرفه رسول الله ﷺ فأمدّه النظر، فلما رآه المحاربي يديم النظر إليه قال: كأنك يا رسول الله توهمني، قال: «لقد رأيتك» . قال المحاربي: أي والله لقد رأيتني وكلّمتني وكلّمتك بأقبح الكلام ورددت عليك بأقبح الرّدّ بعكاظ وأنت تطوف على الناس. فقال ﷺ : «نعم» فقال المحاربي [يا رسول الله ما كان في أصحابي أشدّ عليك يومئذ ولا أبعد عن الإسلام مني] فأحمد الله الذي أبقاني حتى صدّقت بك، ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا معي على دينهم. فقال ﷺ : «أن هذه القلوب بيد الله » . فقال: يا رسول الله، استغفر لي من مراجعتي إياك. فقال ﷺ : «أن الإسلام يجبّ ما كان قبله من الكفر» .
ومسح رسول الله ﷺ وجه خزيمة بن سواء فكانت له غرة بيضاء، وأجازهم كما يجيز الوفد وانصرفوا إلى أهليهم. وروى ابن شاهين وأبو نعيم في معرفة الصحابة، وأبو بكر بن خلّاد النصيبي في الجزء الثاني من فوائده عن أبان المحاربي ويقال له أبان العبدي قال: «كنت في الوفد فرأيت بياض إبط رسول الله ﷺ حين رفع يديه يستقبل بهما القبلة» .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
أغلظ العرب وأفظّه: بالظاء المعجمة المشالة هما بمعنى شدّة الخلق وخشونة الجانب.
نائبين: بالنون في أوله من النيابة.
توهمني: حذف منه إحدى التاءين أي تتوهّمني. رأيتك: بضم الفوقية.
ورأيتني وكلّمتني: بفتح الفوقية فيهما على الخطاب.
عكاظ: بعين مهملة مضمومة وكاف مخففة وبعد الألف ظاء معجمة مشالة.
فأحمد الله: بفتح الهمزة والميم.
يجبّ: بفتح التحتية وضم الجيم وتشديد الموحدة يقطع.
стр. 2792
الباب السادس والثمانون في وفود مرة إليه ﷺ
روى ابن سعد [ (١) ] رحمه الله تعالى عن أشياخ من بني مرة قالوا: قدم وفد بني مرّة على رسول الله ﷺ حين رجع من تبوك سنة تسع وهم ثلاثة عشر رجلا رأسهم الحارث بن عوف، فقالوا: يا رسول الله، إنا قومك وعشيرتك، ونحن قوم من بني لؤي بن غالب ... فتبسم رسول الله ﷺ ، ثم قال: «أين تركت أهلك؟» قال: بسلاح وما والاها. قال: «وكيف البلاد؟» قال: والله إنهم لمسنتون فادع الله لنا. فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اسقهم الغيث» . فأقاموا أياما ثم أرادوا الانصراف إلى بلادهم، فجاءوا رسول الله ﷺ مودّعين له، وأمر بلالا أن يجيزهم فأجازهم بعشر أواق فضّة، وفضّل الحارث بن عوف فأعطاه اثنتي عشرة أوقية، ورجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد أمطرت. فسألوا متى مطرتم؟ فإذا هو ذلك اليوم الذي دعا فيه رسول الله ﷺ . وقدم عليه وهو يتجهز لحجة الوداع قادم منهم فقال: يا رسول الله، رجعنا إلى بلادنا فوجدناها مصبوبة مطرا في ذلك اليوم الذي دعوت لنا فيه، ثم قلّدتنا أقلاد الزّرع في كل خمس عشرة [ليلة] مطرة جودا ولقد رأيت الإبل تأكل وهي بروك، وإن غنمنا ما توارى من أبياتنا فترجع فتقبل في أهلنا. فقال رسول الله ﷺ : «الحمد لله الذي هو صنع ذلك» .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
مرّة: بميم مضمومة فراء مشددة فتاء تأنيث.
الحارث: بحاء مهملة فألف فراء فمثلثة.
ابن عوف: بعين مهملة فواو ففاء.
سلاح: بسين مهملة مكسورة فلام فألف فحاء مهملة: ما أعددته للحرب من آلة الحديد مما يقاتل به، والسّيف وحده يسمى سلاحا.
وما والاها: يقال رباعيّا وثلاثيا.
الأوقيّة: أربعون درهما جمعها أواقي بالتشديد والتخفيف.
بروك: بموحدة فراء مضمومة فواو فكاف أي باركة.
стр. 2793
الباب السابع والثمانون في وفود مزينة إليه ﷺ
روى الإمام أحمد [ (١) ] ، والطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم عن النعمان بن مقرّن رضي الله تعالى عنه قال: قدمت على رسول الله ﷺ في أربعمائة من مزينة وجهينة، فأمرنا بأمره، فقال القوم: يا رسول الله ما لنا من طعام نتزوّده. فقال النبي ﷺ لعمر رضي الله تعالى عنه: «زوّد القوم» . فقال: يا رسول الله ما عندي إلا فضلة من تمر وما أراها تغني عنهم شيئا. قال: «انطلق فزوّدهم» . فانطلق بنا إلى علّية فإذا تمر مثل البكر الأورق. فقال: خذوا. فأخذ القوم حاجتهم.
قال: وكنت في آخر القوم فالتفتّ وما أفقد موضع تمرة، وقد احتمل منه أربعمائة وكأنّا لم نرزأه تمرة. وفي لفظ: فنظرت وما أفقد موضع تمرة من مكانها.
وروى ابن سعد [ (٢) ] عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده قال: كان أول من وفد على رسول الله ﷺ من مضر أربعمائة من مزينة، وذلك في رجب سنة خمس فجعل لهم رسول الله ﷺ الهجرة في دارهم وقال: «أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم» ، فرجعوا إلى بلادهم.
وقال [ابن سعد: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي أخبرنا أبو مسكين وأبو عبد الرحمن العجلاني قالا] : قدم على رسول الله ﷺ نفر من مزينة منهم خزاعيّ بن عبد نهم، فبايعه على قومه مزينة، وقدم معه عشرة منهم، فيهم بلال بن الحارث، والنّعمان بن مقرّن، وأبو أسماء، وأسامة، وعبد الله بن بردة، وعبد الله بن درّة وبشر بن المحتفز، وكان منهم دكين ابن سعيد، وعمرو بن عوف.
قال: وقال هشام في حديثه: ثم إن خزاعيّا خرج إلى قومه فلم يجدهم كما ظنّ، فأقام، فدعا رسول الله ﷺ حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه فقال: «اذكر خزاعيا ولا تهجه» [ (٣) ]
فقال حسان بن ثابت:
ألا أبلغ خزاعيّا رسولا ... بأنّ الذّمّ يغسله الوفاء
وأنّك خير عثمان بن عمرو ... وأسناها إذا ذكر السّناء
وبايعت الرّسول وكان خيرا ... إلى خير وأدّاك الثّراء
стр. 2794
فما يعجزك أو ما لا تطقه ... من الأشياء لا تعجز عداء
قال: وعداء بطنه الذي هو منه. قال: فقام خزاعيّ فقال: يا قوم، قد خصّكم شاعر الرجل، فأنشدكم الله. قالوا: فإنا لا ننبو عليك. قال: وأسلموا ووفدوا على النبي ﷺ ، فدفع رسول الله ﷺ لواء مزينة يوم الفتح إلى خزاعيّ، وكانوا يومئذ ألف رجل وهو أخو المغفل أبي عبد الله بن المغفل، وأخو عبد الله ذي البجادين.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
البكر: بموحدة مفتوحة وكاف ساكنة فراء: الفتيّ من الإبل.
الأورق: بهمزة مفتوحة فواو ساكنة فراء فقاف هو الأسمر.
نرزأه: بنون مفتوحة فراء ساكنة فزاي مفتوحة فهمزة فهاء أي ننقصه.
стр. 2795
الباب الثامن والثمانون في وفود معاوية بن حيدة إليه ﷺ
روى الإمام أحمد، والبيهقي [ (١) ] عن معاوية بن حيدة رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فلما دفعت إليه قال: «أما إني سألت الله إن يعينني عليكم بالسنة فتحفيكم وبالرعب أن يجعله في قلوبكم» . فقال معاوية بن حيدة بيديه جميعا: أما أنّي خلقت هكذا وهكذا، أي لا أؤمن بك ولا أتبعك، فما زالت السنة تحفيني، وما زال الرّعب يرعب في قلبي حتى وقفت بين يديك فبالله الذي أرسلك بماذا بعثك الله به ؟ قال: «بعثني بالإسلام» . قال: وما الإسلام؟ قال: «شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة، أخوان نصيران، لا يقبل الله من أحد توبة أشرك بعد إسلامه» .
قال: قلت: يا رسول الله، ما حقّ زوج أحد منّا عليه؟ قال: «يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى ولا يضرب الوجه ولا يقبّح ولا تهجر إلا في المبيت» . وفي رواية: ما تقول: في نسائنا؟ قال: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة ٢٢٣] . قال: فينظر أحدنا إلى عورة أخيه. قال: «لا» . قال: فإذا تفرّقا. قال: «فضمّ رسول الله ﷺ إحدى فخذيه على الأخرى، ثم قال: «ههنا تحشرون ههنا تحشرون ههنا تحشرون- ثلاثا- يعني الشام- ركبانا ومشاة وعلى وجوهكم موفون يوم القيامة سبعين أمّة، أنتم آخر الأمم وأكرمها على الله تعالى، وعلى أفواهكم الفدام، وأول ما يعرب عن أحدكم فخذه» .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
حيدة: بحاء مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فدال مهملة فتاء تأنيث.
تحفيكم: بفوقية مضمومة فحاء مهملة ساكنة ففاء فتحتية: تستأصلكم.
الفدام: بفاء مكسورة فدال مهملة فألف فميم: ما يشدّ على فم الإبريق والكوز من خرقة لتصفية الشّراب الذي فيه، والمعنى أنهم يمنعون الكلام بأفواههم حتى تتكلم جوارحهم فشبّه ذلك بالفدام.
стр. 2796
الباب التاسع والثمانون في وفود مهرة إليه ﷺ
قال ابن سعد [ (١) ] رحمه الله تعالى: قالوا: قدم وفد مهرة عليهم مهريّ بن الأبيض فعرض عليهم رسول الله ﷺ الإسلام، فأسلموا ووصلهم وكتب لهم: «هذا كتاب من محمد رسول الله لمهري بن الأبيض على من آمن به من مهرة ألّا يؤكلوا ولا يعركوا وعليهم إقامة شرائع الإسلام، فمن بدّل فقد حارب، ومن آمن به فله ذمّة الله وذمة رسوله، الّلقطة مؤدّاة، والسّارحة مندّاة، والنّفث السّيّئة، والرّفث الفسوق» .
وكتب محمد بن مسلمة الأنصاري. وروى ابن سعد عن معمر بن عمران المهري عن أبيه قال: وفد إلى رسول الله ﷺ من مهرة يقال له زهير- وفي لفظ: ذهبن- ابن قرضم بن العجيل [ابن قثات] فكان رسول الله ﷺ يدنيه ويكرمه لبعد مسافته، فلما أراد الانصراف بتّته وحمله، وكتب له كتابا فكتابه عندهم [إلى اليوم] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: .
مهرة: [بميم مفتوحة فهاء ساكنة فراء فتاء تأنيث] .
لا يؤكلوا: أي لا يغار عليهم.
ولا يعركوا: [من عركت الماشية النبات أكلته أي يؤكل نباتهم] .
السّارحة: بسين مهملة مفتوحة فألف فراء فحاء مهملة فتاء تأنيث: الماشية تسرح إلى المرعى.
مندّاة: [التّندية أن يورد الرجل الإبل والخيل فتشرب قليلا ثم يردّها إلى المرعى ساعة ثم تعاد إلى الماء] .
زهير: [بضم الزاي وفتح الهاء فمثناة تحتية ساكنة فراء] .
ذهبن: [بذال معجمة مفتوحة فهاء ساكنة فموحدة مفتوحة فنون] .
قرضم: [بقاف مكسورة فراء ساكنة فضاد معجمة مكسورة فميم] .
العجيل: [بضم العين المهملة وفتح الجيم فمثناة تحتية ساكنة فلام] .
стр. 2797
الباب التسعون في قدوم نافع بن زيد الحميري عليه زاده الله تعالى فضلاً وشرفاً لديه .
ذكر ابن شاهين نافع بن زيد الحميري في الصحابة، وأخرج من طريق زكريا بن يحيى ابن سعيد الحميري عن إياس بن عمرو الحميري أن نافع بن زيد الحميري قدم وافدا على النبي ﷺ في نفر من حمير، فقالوا: أتيناك لنتفقّه في الدين ونسأل عن أول هذا الأمر، قال:
«كان الله ولا شيء غيره، وكان عرشه على الماء، ثم خلق القلم فقال: اكتب ما هو كائن، ثم خلق السموات والأرض وما بينهما، واستوى على عرشه» .
الباب الحادي والتسعون في وفود علماء نجران إليه ﷺ وشهادتهم له بأنه النبي الذي كانوا ينتظرونه وامتناع من امتنع عن ملاعنته .
روى البيهقي عن يونس بن بكير [عن سلمة بن يسوع] عن أبيه عن جدّه- قال يونس وكان نصرانيا فأسلم- أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه: طس [النمل ١] إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل ٣٠] ، يعني النمل، «بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران إن أسلمتم فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عباده العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب والسلام» .
فلما أتي الأسقف الكتاب وقرأه قطع به وذعرا شديدا، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة، وكان من همدان. ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة إلا الأيهم وهو السيّد والعاقب. فدفع الأسقف كتاب رسول الله ﷺ إلى شرحبيل وقرأه، فقال الأسقف:
يا أبا مريم، ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما تؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل، ليس لي في النّبوّة رأي، ولو كان أمرا من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأي وجهدت لك. فقال له الأسقف: تنحّ فاجلس ناحية. فتنحّى شرحبيل فجلس ناحية.
فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل وهو من ذي أصبح من حمير، فأقرأه الكتاب وسأله ما الرأي؟ فقال نحوا من قول شرحبيل بن وداعة. فقال له الأسقف: تنحّ فاجلس، فتنحّى فجلس ناحية. ثم بعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يدعى
стр. 2798
جبّار بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل بن وداعة، وعبد الله بن شرحبيل، فأمره الأسقف فجلس ناحية.
فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران السرج في الصوامع وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا نهارا فإن فزعوا بالليل ضربوا بالناقوس ورفعوا النيران في الصوامع. فاجتمع حين ضرب بالناقوس ورفعت السّرج أهل الوادي أملاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع، وفيه ثلاث وسبعون قرية، ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم الأسقف كتاب رسول الله ﷺ وسألهم عن الرأي فيه. فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي، وجبّار بن فيض الحارثي فيأتوهم بخبر رسول الله ﷺ .
وقال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران، ستون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم منهم العاقب وهو عبد المسيح والسّيّد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل، وأوس، والحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، وبنيه وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويحنس، منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم: العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح والسّيّد ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم واسمه الأيهم.
وأبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل أسقفهم وحبرهم وإمامهم، وصاحب مدراسهم، وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرّفوه وموّلوه وأخدموه وبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السّفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرّونها من حبرة وتختّموا بالذهب. وفي لفظ:
دخلوا على رسول الله ﷺ في مسجده [في المدينة] حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات: جبب وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب.
فقال بعض من رآهم من أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ: ما رأينا وفدا مثلهم. وقد حازت صلاتهم. فقاموا في مسجد رسول الله ﷺ يصلّون نحو المشرق، فقال رسول الله ﷺ : «دعوهم» . ثم أتوا رسول الله ﷺ ، فسلّموا عليه فلم يردّ ﵈، وتصدّوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلّمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذّهب.
فانطلقوا يتّبعون عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما وكانوا
стр. 2799
يعرفونهما، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس فقالوا لهما: يا عثمان ويا عبد الرحمن، أن نبيّكما كتب إلينا كتابا فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلّمنا عليه فلم يردّ سلامنا، وتصدّينا لكلامه نهارا طويلا فأعيانا أن يكلّمنا فما الرأي منكما؟ أنعود إليه أم نرجع إلى بلادنا؟.
فقالا لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو في القوم: ما الرأي في هؤلاء القوم يا أبا الحسن؟ فقال لهما: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا إليه. ففعل وفد نجران ذلك ووضعوا حللهم ونزعوا خواتيمهم ولبسوا ثياب سفرهم ورجعوا إلى رسول الله ﷺ فسلّموا عليه فردّ عليهم سلامهم ثم قال: «والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى وأن إبليس لمعهم» .
ذكر دعائه ﷺ وفد نجران إلى الإسلام وما دار بينه وبينهم:
روى الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وابن سعد، وعبد بن حميد عن الأزرق بن قيس رحمه الله تعالى أن رسول الله ﷺ دعا وفد نجران إلى الإسلام فقال العاقب السيد، عبد المسيح، وأبو حارثة بن علقمة: قد أسلمنا يا محمد، فقال: «إنكما لم تسلما» .
قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتما، يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما: عبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير وزعمكما أن لله ولدا» . ثم سألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى ابن مريم؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى، يسرّنا إن كنت نبيا أن نعلم قولك فيه.
فقال رسول الله ﷺ : «ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول الله في عيسى» . وروى ابن جرير عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ثبت بيني وبين أهل نجران حجاب فلا أراهم ولا يروني» ،
من شدّة ما كانوا يمارون رسول الله ﷺ ، انتهى.
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وابن سعد عن الأزرق بن قيس، وابن جرير عن السّدّي، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي جريج: أن نصارى نجران قالوا: يا محمد، فيم تشتم صاحبنا؟ قال: «من صاحبكم» ؟ قالوا: عيسى ابن مريم تزعم أنه عبد. قال: «أجل إنه عبد الله وروحه وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه» . فغضبوا وقالوا: لا ولكنه هو الله نزل من ملكه
فدخل في جوف مريم ثم خرج منها فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت قط إنسانا خلق من غير أب؟.
فأنزل الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة ١٧]
стр. 2800
وأنزل الله تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران ٥٩] أي في كونه خلق من غير أب كمثل آدم خلقه من تراب يابس فجعله بشرا:
لحما ودما ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ مثل عيسى عند الله كمثل آدم أي شأنه الغريب كشأن آدم ﵉. خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ جملة مفسّرة للتمثيل لما له من الشّبه وهو أنه تعالى خلق آدم من تراب بلا أب ولا أمّ فشبّه حاله بما هو أغرب إفحاما للخصم وقطعا لمواد الشبهة، والمعنى خلق قالبه من تراب ثم قال له: كُنْ أي أنشأه بشرا سويا بقوله: كُنْ كقوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون ١٤] . ويجوز أن تكون «ثمّ» لتراخي الخبر لا المخبر فيكون حكاية حال ماضية.
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [آل عمران ٦٠] خبر محذوف أي الحقّ من الله ، فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ خطاب للنبي ﷺ لزيادة الثّبات أو لكل سامع. فلما أصبحوا عادوا فقرأ عليهم الآيات فأبوا أن يقرأوا. وفي ذكر طلبه ﷺ مباهلة أهل نجران بأمر الله تعالى وامتناعهم من ذلك قال الله : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [آل عمران ٦١] أي جادلك من النصارى في عيسى من بعد ما جاءك من البيّنات الموجبة للعلم. فَقُلْ تَعالَوْا [آل عمران ٦١] هلمّوا بالرّأي والعزم نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ [آل عمران ٦١] أي يدع كلّ منا ومنكم نفسه وعزّة أهله وألصقهم بقلبه أي المباهلة، وإنما قدّم على النّفس لأن الرجل يخاطر بنفسه لهم ويحارب دونهم، ثم نتباهل أي يلعن الكاذب منّا، والبهلة بالضّمّ [والفتح] اللّعنة وأصله التّرك من قولهم بهلت الناقة إذا تركتها بلا صرار. ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [آل عمران ٦١] عطف فيه بيان.
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران ٦٢] أي ما ذكره من شأن عيسى حقّ دون ما ذكروه وما بعده خبر، واللام لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر وأصلها أن تدخل على المبتدأ. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران ٦٢] صرّح فيه «بمن» المزيدة للاستقراء تأكيدا للرّدّ على النصارى في تثنيتهم. وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لا أحد يساويه في القدرة الثابتة والحكمة البالغة ليشاركه في الألوهية. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [آل عمران ٦٣] وعيد لهم وضع لهم موضع التميز ليدل على أن التّولّي عن الحجج والإعراض عن التوحيد إفساد للدّين والاعتقاد المؤدّي إلى فساد العلم.
وروى الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن جابر، وأبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، والبيهقيّ عن سلمة بن عبد يسوع عن أبيه عن جدّه والشيخ،
стр. 2801
والترمذي، والنسائي عن حذيفة، وابن سعد عن الأزرق بن قيس، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم عن ابن عباس في الدلائل عن قتادة، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم عن الشعبي رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآيات دعا وفد نجران إلى المباهلة فقال: «إن الله تعالى أمرني أن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم» . فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا. وفي حديث ابن عباس عن أبي نعيم في الدلائل: فقالوا: أخّرنا ثلاثة أيام، فخلا بعضهم إلى بعض وتصادقوا. فقال السيد العاقب:
والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبيّ مرسل ولئن لاعنتموه ليخسفنّ بأحد الفريقين إنه للاستئصال لكم، وما لا عن قوم قط نبيا فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم. وفي رواية: فقال شرحبيل: لئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلا عنّاه لا يبقى على وجه الأرض منّا شعر ولا ظفر إلا هلك. وفي رواية: لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، وفي رواية: لئن لاعنتموه ليخسفنّ بأحد الفريقين. قالوا: فما الرأي يا أبا مريم؟ فقال: رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا.
فقال السّيّد: فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم. فلما انقضت المدة أقبل رسول الله ﷺ مشتملا على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة. فقال ﷺ : «أن أنا دعوت فأمّنوا أنتم» . وروى مسلم، والترمذي، وابن المنذر، والحاكم في السنن عن سعد بن أبي وقّاص عن علي بن أحمر قالا: لما نزلت آية المباهلة دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي [ (١) ] » . انتهى.
فتلقّى شرحبيل رسول الله ﷺ فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك. فقال: «وما هو؟» فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فما حكمت فينا فهو جائز. وأبوا أن يلاعنوه.
وروى عبد الرزاق، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال: لو باهل أهل نجران رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا.
وروي عن الشعبي مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «لقد أراني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشّجر ولو تمّوا على الملاعنة» .
وروي عن قتادة مرسلا قال رسول الله ﷺ : «إن كان العذاب لقد نزل على أهل نجران، أن لو فعلوا لاستؤصلوا من الأرض» .
стр. 2802
ذكر مصالحة رسول الله ﷺ أهل نجران بعثه معهم أبا عبيدة:
رجع رسول الله ﷺ فلم يلاعنهم حتى إذا كان من الغد كتب لهم هذا الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما كتب محمد النبي رسول الله لأهل نجران- إذا كان عليهم حكمه- في كل ثمرة وفي كل صفراء وبيضاء ورقيق فأفضل ذلك عليهم، وترك ذلك كله [لهم] على ألفي حلّة من حلل الأواقي في كل رجب ألف حلّة، وفي كل صفر ألف حلّة، مع كل حلّة أوقيّة من الفضّة، فما زادت على الخراج أو نقصت عن الأواقي فبالحساب، وما قضوا من دروع أو خيل أو ركاب أو عروض أخذ منهم بالحساب، وعلى نجران مؤنة رسلي ومتعتهم ما بين عشرين يوما فما دون ذلك، ولا تحبس رسلي فوق شهر.
وعليهم عارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا إذا كان كيد ومعرّة، وما هلك ممّا أعاروا رسلي من دروع أو خيل أو ركاب [أو عروض] فهو ضمين على رسلي حتى يؤدّوه إليهم. ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم وملّتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم [وصلواتهم] [وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير] وألا يغيّروا مما كانوا عليه بغير حق من حقوقهم ولا ملّتهم، ولا يغيّر أسقف عن أسقفيّته ولا راهب من رهبانيته، وليس عليهم دنيّة ولا دم جاهلية ولا يحشرون ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقا فبينهم النّصف غير ظالمين ولا مظلومين. [على ألا يأكلوا الربا] فمن أكل الربا من ذي قبل فذمّتي منه بريئة ولا يؤخذ رجل منهم بظلم آخر، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمّة النبي محمد رسول الله أبدا حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا ما عليهم غير مثقلين بظلم» .
شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف النّصري، والأقرع بن حابس الحنظلي والمغيرة بن شعبة.
وفي لفظ: أن الأسقف أبا الحارث أتى رسول الله ﷺ ومعه السيد العاقب ووجوه قومه وأقاموا عنده يستمعون ما ينزل الله
فكتب للأسقف هذا الكتاب ولأساقفة نجران بعده يقول فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله للأسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم وأهل بيعهم ورقيقهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغيّر أسقف من أسقفيته وراهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته، ولا يغيّر حق من حقوقهم ولا سلطانهم ولا مما كانوا عليه، لهم على ذلك جوار الله تعالى ورسوله أبدا، ما نصحوا وأصلحوا غير مثقلين بظلم ولا ظالمين» .
وكتب المغيرة بن شعبة. فلما قبض الأسقف الكتاب استأذن في الانصراف إلى قومه ومن معه فأذن لهم فانصرفوا.
стр. 2803
وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى ابن مسعود أن السيد العاقب وأبا الحارث بن علقمة أتيا رسول الله ﷺ فأراد أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فو الله لئن كان نبيا فلاعنته لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. فقالا: يا أبا القاسم قد رأينا ألا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا. فقال النبي ﷺ : «لأبعثنّ معكم رجلا أمينا حقّ أمين» فاستشرف لها أصحابه. فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح» . فلما قام قال: «هذا أمين هذه الأمة» . ورواه البخاري في صحيحه من حديث حذيفة بنحوه [ (١) ] .
ذكر محاجّة أهل نجران ويهود المدينة في إبراهيم وما نزل في ذلك من الآيات
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصاري: ما كان إلا نصرانيا. فأنزل الله : يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران ٦٥- ٦٨] .
فقال رجل من الأحبار: أتريد منا يا محمد إن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟
وقال رجل من نصارى نجران: أو ذلك تريد يا محمد وإليه تدعونا؟ فقال رسول الله ﷺ :
«معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ولا أمرني» . فأنزل الله في ذلك: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران ٧٩- ٨٠] . ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه وإقرارهم به على أنفسهم، فقال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ
стр. 2804
رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران ٨١] .
ذكر رجوع وفد نجران إلى بلادهم وما وقع في ذلك من الآيات
ثم لما قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران ومع الأسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له بشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة. فدفع الوفد كتاب رسول الله ﷺ إلى الأسقف فبينا هو يقرأه، وأبو علقمة معه، وهما يسيران إذ كبت ببشر ناقته فتعس بشر غير أنه لا يكنّي عن رسول الله ﷺ ، فقال له الأسقف عند ذلك: قد والله تعست نبيا مرسلا. فقال له بشر: لا جرم والله لا أحلّ عقدا حتى أتى رسول الله ﷺ فصرف وجه ناقته نحو المدينة وثنى الأسقف ناقته عليه. فقال له: افهم عنّي إنما قلت هذا ليبلغ عني العرب مخافة أن يقولوا إنا أخذنا حقّه [أو رضينا بصورته] أو نجعنا بما لم تنجع به العرب، ونحن أعزّهم وأجمعهم دارا.
فقال له بشر: لا والله لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا، فضرب بشر ناقته، وهو مولّي الأسقف ظهره وارتجز يقول:
إليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا في بطنها جنينها
مخالفا دين النّصارى دينها
حتى أتى رسول الله ﷺ فأسلم ولم يزل معه حتى قتل بعد ذلك. قال: ودخل الوفد نجران فأتى الراهب ليث بن أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعته. فقال له: إن نبيّا بعث بتهامة، فذكر ما كان من وفد نجران إلى رسول الله ﷺ ، وأنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا وإن بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم. فقال الراهب: أنزلوني وإلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة.
قال: فأنزلوه فانطلق الراهب بهدية إلى رسول الله ﷺ منها هذا البرد الذي يلبسه الخلفاء والعقب والعصا. فأقام الراهب مدّة بعد ذلك يسمع الوحي والسنن والفرائض والحدود، ثم رجع إلى قومه ولم يقدّر له الإسلام ووعد أنه سيعود فلم يعد حتى قبض رسول الله ﷺ .
стр. 2805
الباب الثاني والتسعون في وفود النّخع إليه ﷺ
روى ابن سعد [ (١) ] عن أشياخ من النّخع قالوا: بعثت النخع رجلين منهم إلى النبي ﷺ ، وافدين بإسلامهم: أرطأة بن شراحيل بن كعب بن بني حارثة بن سعد بن مالك بن النّخع، والجهيش واسمه الأرقم من بني بكر بن عوف بن النّخع. فخرجها حتى قدما على رسول الله ﷺ ، فعرض عليهما الإسلام فقبلاه وبايعاه على قومهما، فأعجب رسول الله ﷺ شأنهما وحسن هيئتهما، فقال: «هل خلّفتما وراء كما قومكما مثلكما؟» فقالا: يا رسول الله، قد خلّفنا وراءنا من قومنا سبعين رجلا كلّهم أفضل منا، وكلّهم يقطع الأمر وينفذ الأشياء ما يشاركوننا في الأمر إذا كان.
فدعا لهما رسول الله ﷺ ولقومهما بخير وقال: «اللهم بارك في النّخع» .
وعقد لأرطأة لواء على قومه، فكان في يده يوم الفتح، وشهد به القادسية، فقتل يومئذ فأخذه أخوه دريد فقتل رحمهما الله فأخذه سيف بن الحارث من بني جذيمة فدخل به الكوفة.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يدعو لهذا الحيّ من النّخع، أو قال:
يثني عليهم، حتى تمنّيت أني رجل منهم. رواه الإمام أحمد برجال ثقات، والبزار والطبراني.
قصة أخرى: قال محمد بن عمر الأسلمي: كان آخر من قدم من الوفد على رسول الله ﷺ وفد النّخع، وقدموا من اليمن للنصف من المحرم سنة إحدى عشرة، وهم مائتا رجل، فنزلوا دار رملة بنت الحدث ثم جاءوا رسول الله ﷺ مقرّين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن، فكان فيهم زرارة بن عمرو. قال: أخبرنا هشام بن محمد هو زرارة بن قيس ابن الحارث بن عديّ، وكان نصرانيا.
وروى ابن شاهين من طريق أبي الحسن المدائني عن شيوخه، ومن طريق ابن الكلبي قال: حدثني رجل من جرم عن رجل منهم قال: وفد رجل من النخع يقال له زرارة بن عمرو على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت في سفري هذا رؤيا هالتني، وفي رواية:
رأيت عجبا. قال: «وما رأيت؟» قال: رأيت أتانا تركتها في الحيّ كأنها ولدت جديا أسفع أحوى. فقال له رسول الله ﷺ : «هل لك من أمة تركتها مصرّة حملا؟» قال: نعم تركت أمة لي أظنّها قد حملت قال: «فإنها قد ولدت غلاما وهو ابنك» . فقال: يا رسول الله، ما باله أسفع أحوى؟ قال: «ادن مني» فدنا منه. فقال: «هل بك برص تكتمه؟» قال: والذي بعثك بالحقّ نبيّا