← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

والترمذي، والنسائي عن حذيفة، وابن سعد عن الأزرق بن قيس، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم عن ابن عباس في الدلائل عن قتادة، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم عن الشعبي رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآيات دعا وفد نجران إلى المباهلة فقال: «إن الله تعالى أمرني أن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم» . فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا. وفي حديث ابن عباس عن أبي نعيم في الدلائل: فقالوا: أخّرنا ثلاثة أيام، فخلا بعضهم إلى بعض وتصادقوا. فقال السيد العاقب: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبيّ مرسل ولئن لاعنتموه ليخسفنّ بأحد الفريقين إنه للاستئصال لكم، وما لا عن قوم قط نبيا فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم. وفي رواية: فقال شرحبيل: لئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلا عنّاه لا يبقى على وجه الأرض منّا شعر ولا ظفر إلا هلك. وفي رواية: لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، وفي رواية: لئن لاعنتموه ليخسفنّ بأحد الفريقين. قالوا: فما الرأي يا أبا مريم؟ فقال: رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا. فقال السّيّد: فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم. فلما انقضت المدة أقبل رسول الله ﷺ مشتملا على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة. فقال ﷺ : «أن أنا دعوت فأمّنوا أنتم» . وروى مسلم، والترمذي، وابن المنذر، والحاكم في السنن عن سعد بن أبي وقّاص عن علي بن أحمر قالا: لما نزلت آية المباهلة دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي [ (١) ] » . انتهى. فتلقّى شرحبيل رسول الله ﷺ فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك. فقال: «وما هو؟» فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فما حكمت فينا فهو جائز. وأبوا أن يلاعنوه. وروى عبد الرزاق، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال: لو باهل أهل نجران رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا. وروي عن الشعبي مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «لقد أراني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشّجر ولو تمّوا على الملاعنة» . وروي عن قتادة مرسلا قال رسول الله ﷺ : «إن كان العذاب لقد نزل على أهل نجران، أن لو فعلوا لاستؤصلوا من الأرض» .

стр. 2802

ذكر مصالحة رسول الله ﷺ أهل نجران بعثه معهم أبا عبيدة: رجع رسول الله ﷺ فلم يلاعنهم حتى إذا كان من الغد كتب لهم هذا الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما كتب محمد النبي رسول الله لأهل نجران- إذا كان عليهم حكمه- في كل ثمرة وفي كل صفراء وبيضاء ورقيق فأفضل ذلك عليهم، وترك ذلك كله [لهم] على ألفي حلّة من حلل الأواقي في كل رجب ألف حلّة، وفي كل صفر ألف حلّة، مع كل حلّة أوقيّة من الفضّة، فما زادت على الخراج أو نقصت عن الأواقي فبالحساب، وما قضوا من دروع أو خيل أو ركاب أو عروض أخذ منهم بالحساب، وعلى نجران مؤنة رسلي ومتعتهم ما بين عشرين يوما فما دون ذلك، ولا تحبس رسلي فوق شهر. وعليهم عارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا إذا كان كيد ومعرّة، وما هلك ممّا أعاروا رسلي من دروع أو خيل أو ركاب [أو عروض] فهو ضمين على رسلي حتى يؤدّوه إليهم. ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم وملّتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم [وصلواتهم] [وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير] وألا يغيّروا مما كانوا عليه بغير حق من حقوقهم ولا ملّتهم، ولا يغيّر أسقف عن أسقفيّته ولا راهب من رهبانيته، وليس عليهم دنيّة ولا دم جاهلية ولا يحشرون ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقا فبينهم النّصف غير ظالمين ولا مظلومين. [على ألا يأكلوا الربا] فمن أكل الربا من ذي قبل فذمّتي منه بريئة ولا يؤخذ رجل منهم بظلم آخر، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمّة النبي محمد رسول الله أبدا حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا ما عليهم غير مثقلين بظلم» . شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف النّصري، والأقرع بن حابس الحنظلي والمغيرة بن شعبة. وفي لفظ: أن الأسقف أبا الحارث أتى رسول الله ﷺ ومعه السيد العاقب ووجوه قومه وأقاموا عنده يستمعون ما ينزل الله فكتب للأسقف هذا الكتاب ولأساقفة نجران بعده يقول فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله للأسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم وأهل بيعهم ورقيقهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغيّر أسقف من أسقفيته وراهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته، ولا يغيّر حق من حقوقهم ولا سلطانهم ولا مما كانوا عليه، لهم على ذلك جوار الله تعالى ورسوله أبدا، ما نصحوا وأصلحوا غير مثقلين بظلم ولا ظالمين» . وكتب المغيرة بن شعبة. فلما قبض الأسقف الكتاب استأذن في الانصراف إلى قومه ومن معه فأذن لهم فانصرفوا.

стр. 2803

وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى ابن مسعود أن السيد العاقب وأبا الحارث بن علقمة أتيا رسول الله ﷺ فأراد أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فو الله لئن كان نبيا فلاعنته لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. فقالا: يا أبا القاسم قد رأينا ألا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا. فقال النبي ﷺ : «لأبعثنّ معكم رجلا أمينا حقّ أمين» فاستشرف لها أصحابه. فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح» . فلما قام قال: «هذا أمين هذه الأمة» . ورواه البخاري في صحيحه من حديث حذيفة بنحوه [ (١) ] . ذكر محاجّة أهل نجران ويهود المدينة في إبراهيم وما نزل في ذلك من الآيات قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصاري: ما كان إلا نصرانيا. فأنزل الله : يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران ٦٥- ٦٨] . فقال رجل من الأحبار: أتريد منا يا محمد إن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ وقال رجل من نصارى نجران: أو ذلك تريد يا محمد وإليه تدعونا؟ فقال رسول الله ﷺ : «معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ولا أمرني» . فأنزل الله في ذلك: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران ٧٩- ٨٠] . ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه وإقرارهم به على أنفسهم، فقال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ

стр. 2804

رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران ٨١] . ذكر رجوع وفد نجران إلى بلادهم وما وقع في ذلك من الآيات ثم لما قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران ومع الأسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له بشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة. فدفع الوفد كتاب رسول الله ﷺ إلى الأسقف فبينا هو يقرأه، وأبو علقمة معه، وهما يسيران إذ كبت ببشر ناقته فتعس بشر غير أنه لا يكنّي عن رسول الله ﷺ ، فقال له الأسقف عند ذلك: قد والله تعست نبيا مرسلا. فقال له بشر: لا جرم والله لا أحلّ عقدا حتى أتى رسول الله ﷺ فصرف وجه ناقته نحو المدينة وثنى الأسقف ناقته عليه. فقال له: افهم عنّي إنما قلت هذا ليبلغ عني العرب مخافة أن يقولوا إنا أخذنا حقّه [أو رضينا بصورته] أو نجعنا بما لم تنجع به العرب، ونحن أعزّهم وأجمعهم دارا. فقال له بشر: لا والله لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا، فضرب بشر ناقته، وهو مولّي الأسقف ظهره وارتجز يقول: إليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النّصارى دينها حتى أتى رسول الله ﷺ فأسلم ولم يزل معه حتى قتل بعد ذلك. قال: ودخل الوفد نجران فأتى الراهب ليث بن أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعته. فقال له: إن نبيّا بعث بتهامة، فذكر ما كان من وفد نجران إلى رسول الله ﷺ ، وأنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا وإن بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم. فقال الراهب: أنزلوني وإلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة. قال: فأنزلوه فانطلق الراهب بهدية إلى رسول الله ﷺ منها هذا البرد الذي يلبسه الخلفاء والعقب والعصا. فأقام الراهب مدّة بعد ذلك يسمع الوحي والسنن والفرائض والحدود، ثم رجع إلى قومه ولم يقدّر له الإسلام ووعد أنه سيعود فلم يعد حتى قبض رسول الله ﷺ .

стр. 2805

الباب الثاني والتسعون في وفود النّخع إليه ﷺ روى ابن سعد [ (١) ] عن أشياخ من النّخع قالوا: بعثت النخع رجلين منهم إلى النبي ﷺ ، وافدين بإسلامهم: أرطأة بن شراحيل بن كعب بن بني حارثة بن سعد بن مالك بن النّخع، والجهيش واسمه الأرقم من بني بكر بن عوف بن النّخع. فخرجها حتى قدما على رسول الله ﷺ ، فعرض عليهما الإسلام فقبلاه وبايعاه على قومهما، فأعجب رسول الله ﷺ شأنهما وحسن هيئتهما، فقال: «هل خلّفتما وراء كما قومكما مثلكما؟» فقالا: يا رسول الله، قد خلّفنا وراءنا من قومنا سبعين رجلا كلّهم أفضل منا، وكلّهم يقطع الأمر وينفذ الأشياء ما يشاركوننا في الأمر إذا كان. فدعا لهما رسول الله ﷺ ولقومهما بخير وقال: «اللهم بارك في النّخع» . وعقد لأرطأة لواء على قومه، فكان في يده يوم الفتح، وشهد به القادسية، فقتل يومئذ فأخذه أخوه دريد فقتل رحمهما الله فأخذه سيف بن الحارث من بني جذيمة فدخل به الكوفة. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يدعو لهذا الحيّ من النّخع، أو قال: يثني عليهم، حتى تمنّيت أني رجل منهم. رواه الإمام أحمد برجال ثقات، والبزار والطبراني. قصة أخرى: قال محمد بن عمر الأسلمي: كان آخر من قدم من الوفد على رسول الله ﷺ وفد النّخع، وقدموا من اليمن للنصف من المحرم سنة إحدى عشرة، وهم مائتا رجل، فنزلوا دار رملة بنت الحدث ثم جاءوا رسول الله ﷺ مقرّين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن، فكان فيهم زرارة بن عمرو. قال: أخبرنا هشام بن محمد هو زرارة بن قيس ابن الحارث بن عديّ، وكان نصرانيا. وروى ابن شاهين من طريق أبي الحسن المدائني عن شيوخه، ومن طريق ابن الكلبي قال: حدثني رجل من جرم عن رجل منهم قال: وفد رجل من النخع يقال له زرارة بن عمرو على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت في سفري هذا رؤيا هالتني، وفي رواية: رأيت عجبا. قال: «وما رأيت؟» قال: رأيت أتانا تركتها في الحيّ كأنها ولدت جديا أسفع أحوى. فقال له رسول الله ﷺ : «هل لك من أمة تركتها مصرّة حملا؟» قال: نعم تركت أمة لي أظنّها قد حملت قال: «فإنها قد ولدت غلاما وهو ابنك» . فقال: يا رسول الله، ما باله أسفع أحوى؟ قال: «ادن مني» فدنا منه. فقال: «هل بك برص تكتمه؟» قال: والذي بعثك بالحقّ نبيّا

стр. 2806

ما علم به أحد ولا اطّلع عليه غيرك. قال: «فهو ذلك» . قال: يا رسول الله، ورأيت النعمان بن المنذر وعليه قرطان ودملجان ومسكتان. قال: «ذلك ملك العرب عاد إلى أحسن زيّه وبهجته» . قال: يا رسول الله، ورأيت عجوزا شمطاء خرجت من الأرض قال: «تلك بقية الدنيا» . قال: ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، ورأيتها. تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، أطعموني آكلكم آكلكم، أهلككم وما لكم. فقال النبي ﷺ : «تلك فتنة في آخر الزمان» . قال: وما الفتنة يا رسول الله؟ قال: «يقتل الناس إمامهم ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس وخالف رسول الله ﷺ بين أصابعه- يحسب المسيء أنه محسن ودم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء، إن مات ابنك أدركت الفتنة وإن متّ أنت أدركها ابنك» . فقال: يا رسول الله، ادع الله ألا أدركها. فقال له رسول الله ﷺ : «اللهم لا يدركها» . فمات وبقي ابنه، وكان ممن خلع عثمان رضي الله تعالى عنه. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . النّخع: بفتح النون والخاء المعجمة وبالعين المهملة. أرطاة: بهمزة مفتوحة فراء ساكنة فطاء مهملة فألف فتاء تأنيث. الأتان: بفتح الهمزة ففوقية فألف فنون: الأنثى من الحمر. المسكة: بفتح الميم والسين المهملة والكاف فتاء تأنيث: السّوار والخلاخيل من الذّبل وهي قرون الأوعال قاله ابن سيده.

стр. 2807

الباب الثالث والتسعون في وفود بني هلال بن عامر إليه ﷺ قالوا: وفد زياد بن عبد الله بن مالك على النبي ﷺ ، فلما دخل المدينة توجه إلى منزل ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ وكانت خالة زياد- أمّه عزّة بنت الحارث- وهو يومئذ شاب. فدخل النبي ﷺ وهو عندها. فلما رآه رسول الله ﷺ غضب فرجع فقالت: يا رسول الله هذا ابن أختي فدخل إليها ثم خرج حتى أتى المسجد ومعه زياد، فصلّى الظهر ثم أدنى زيادا فدعا له ووضع يده على رأسه ثم حدّرها على طرف أنفه فكانت بنو هلال تقول ما زلنا نعرف البركة في وجه زياد وقال الشاعر لعلي بن زياد: يا بن الذي مسح النبيّ برأسه ... ودعا له بالخير عند المسجد أعني زيادا لا أريد سواءه ... من غائر أو متهم أو منجد ما زال ذاك النّور في عرنينه ... حتى تبوأ بيته في الملحد وروى ابن سعد عن علي بن محمد القرشي قال: قالوا: وقدم على رسول الله ﷺ نفر من بني هلال فيه عبد عوف بن أصرم بن عمرو، فسأله عن اسمه فأخبره فقال: «أنت عبد الله» ، فأسلم، ومنهم قبيصة بن المخارق قال: يا رسول الله، إني حملت عن قوي حمالة فأعنّي فيها قال: «هي لك في الصّدقة إذا جاءت» [ (١) ] . وروى مسلم عن قبيصة بن مخارق الهلالي رضي الله تعالى عنه قال: تحمّلت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها فقال: «أقم حتى تأتينا الصّدقة فنأمر لك بها» قال: ثم قال: «يا قبيصة إنّ المسألة لا تحلّ إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمّل حمالة فحلّت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش- أو قال سدادا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلّت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش- أو قال: سدادا من عيش- فما سواهنّ [من المسألة] يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا» [ (٢) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . عزّة: بعين مهملة مفتوحة فزاي مشددة فتاء تأنيث. متهم: بميم مضمومة فمثناة فوقية ساكنة فهاء مكسورة فميم: يقال للذي أتى تهامة.

стр. 2808

غائر: [بغين معجمة فألف فهمزة مكسورة فراء يقال للذي أتى الغور] . منجد: بميم مضمومة فنون ساكنة فجيم مكسورة فدال مهملة: من أنجد أتى نجدا أو خرج إليه. العرنين: بعين مهملة مكسورة فراء ساكنة فنونين بينهما تحتية: العرنين الأنف وقيل رأسه. الملحد: [بميم مفتوحة فلام ساكنة فحاء مفتوحة فدال مهملتين: الملتجأ] . المخارق: [بميم مضمومة فخاء معجمة فألف فراء ساكنة فقاف] . الحمالة: حاء مهملة فميم مفتوحتين فألف فلام فتاء تأنيث: ما يتحمّله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة مثل أن يقع حرب بين فريقين يسفك فيها الدماء فيدخل بينهم رجل يتحمّل ديات القتلى ليصلح ذات البين، والتّحمّل أن يحملها عنهم على نفسه. الفاقة: بفاء فقاف مفتوحتين بينهم ألف وآخرها تاء تأنيث: الفقر. الحجى: بحاء مهملة مكسورة فجيم [فألف مقصورة] العقل لأنه يمنع الإنسان من الفساد ويحفظ من التّعرّض للهلاك. القوام من العيش: بقاف مكسورة فواو فألف فميم: ما يقوم بحاجته لضرورته. السّحت: بسين مضمومة فحاء ساكنة مهملتين وبضمّهما أيضا وآخره تاء مثناة فوقية: هو الحرام وقيل: الخبيث من المكاسب.

стр. 2809

الباب الرابع والتسعون في وفود همدان إليه ﷺ قالوا: قدم وفد همدان على رسول الله ﷺ وعليهم مقطّعات الحبرات مكفّفة بالديباج، وفيهم حمزة بن مالك من ذي مشعار، فقال رسول الله ﷺ : «نعم الحيّ همدان ما أسرعها إلى النّصر وأصبرها على الجهد ومنهم أبدال وأوتاد الإسلام» . فأسلموا وكتب لهم النبي ﷺ كتابا بمخلاف خارف، ويام، وشاكر، وأهل الهضب، وحقاف الرّمل من همدان لمن أسلم منهم [ (١) ] . وفي زاد المعاد: «وقدم عليه وفد همدان منهم مالك بن النّمط، ومالك بن أيفع، وضمام بن مالك، وعمرو بن مالك فلقوا رسول الله ﷺ عند منصرفه من تبوك وعليهم مقطّعات الحبرات والعمائم العدنية برحال الميس على الرواحل المهريّة والأرحبيّة، ومالك بن النّمط يرتجز بين رسول الله ﷺ ويقول: إليك جاوزن سواد الرّيف ... في هبوات الصّيف والخريف مخطّمات بحبال اللّيف وذكروا له كلاما حسنا فصيحا، فكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا أقطعهم فيه ما سألوه وأمّر عليهم مالك بن النّمط واستعمله على من أسلم من قومه، وأمره بقتال ثقيف وكان لا يخرج لهم سرح إلا أغاروا عليه. وقد روى البيهقي بإسناد صحيح من حديث ابن إسحاق عن البراء أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام. فلم يجيبوه، ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأمره أن يعقّب خالدا إلا رجلا ممّن كان مع خالد أحبّ أن يعقّب مع عليّ فليعقّب معه. قال البراء: فكنت فيمن عقّب مع عليّ. فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا- فصلّى بنا عليّ ثم صفنا صفّا واحدا ثم تقدّم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان جميعا. فكتب. عليّ إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرّ ساجدا ثم رفع رأسه فقال: «السلام على همدان السلام على همدان» . وأصل الحديث في صحيح البخاري [ (٢) ] وهذا أصحّ مما تقدّم. ولم تكن همدان أن تقاتل ثقيفا ولا تغير على سرحهم فإن همدان باليمن وثقيفا بالطائف» . وقال ابن إسحاق: «فقام مالك بن نمط بين يديه فقال: يا رسول الله نصيّة من همدان

стр. 2810

من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواح [متّصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم من مخلاف خارف، ويام] وشاكر، أهل السّواد والقود، أجابوا دعوة الرسول، وفارقوا الآلهات والأنصاب، عهدهم لا ينقض [عن سنّة ما حل، ولا سوداء عنقفير] ما أقام لعلع، وما جرى اليعفور بصيلع» . فكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول الله ﷺ لمخلاف خارف، وأهل جناب الهضب، وحقاف الرّمل، مع وافدها ذي المشعار مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه أن لهم فراعها ووهاطها وعزازها] ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون ظلافها، ويرعون عفاءها [لنا من دفئهم وصرامهم ما سلّموا بالميثاق والأمانة ولهم من الصّدقة الثّلب والتّاب والفصيل والفارض والدّاجن والكبش الحوريّ وعليهم فيها الصّالغ والقارح] لكم بذلك عهد الله وذمام رسوله، وشاهدكم المهاجرون والأنصار» فقال في ذلك مالك بن نمط: ذكرت رسول الله في فحمة الدّجى ... ونحن بأعلى رحرحان وصلدد وهنّ بنا خوص طلائع تغتلي ... بركبانها في لا حب متمدّد على كلّ فتلاء الذّراعين جسرة ... تمرّ بنا مرّ الهجف الخفيدد حلفت بربّ الرّاقصات إلى منى ... صوادر بالرّكبان من هضب قردد بأنّ رسول الله فينا مصدّق ... رسول أتى من عند ذي العرش مهتد فما حملت من ناقةٍ فوق رحلها ... أشد على أعدائه من محمّد وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه ... وأمضى بحدّ المشرفيّ المهنّد تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . همدان: بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة: قبيلة معروفة. وقال الأئمة الحفّاظ: ليس في الصحابة ولا تابعيهم ولا أتباع التابعين أحد من البلدة: [همذان] التي بفتح الميم وبالذال المعجمة. المقطّعات: ثياب قصار لأنها قطعت عن بلوغ التمام، وقيل المقطّع من الثياب كل ما يفصّل ويخاط من قميص وغيره وما لا يقطع منها كالأزر والأردية. الحبرات: بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة وبالراء جمع مصبغ باليمن. الدّيباج: بدال مهملة مكسورة الثياب المتّخذة من الإبريسم فارسي معرّب وقد تفتح داله. مشعار: بميم مكسورة وشين معجمة ساكنة وعين مهملة أو معجمة. مخلاف: بميم مكسورة فخاء معجمة ساكنة فلام فألف ففاء، من اليمن كالرّستاق في العراق.

стр. 2811

خارف: بخاء معجمة مفتوحة فألف فراء ففاء: قبيلة. يام: بمثناة تحتية فألف فميم: بطن من همدان. شاكر: [بطن من ولد مالك بن زيد بن كهلان] . حفاف: الرّمل بحاء مهملة مكسورة ففاءين بينهما ألف من أسماء بلادهم. النّمط: بنون فميم مفتوحتين فطاء مهملة: نوع من البسط. الخارفي واليامي: نسبة إلى خارف ويام. الأرحبي: بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الحاء المهملة وبالموحدة نسبة إلى قبيلة من همدان. أيفع: بهمزة مفتوحة فتحتية ساكنة ففاء فعين مهملة. النّاعطي: بنون وبعد الألف عين مهملة مكسوة فطاء مهملة. السّلماني: بفتح السين المهملة وسكون اللام. عميرة: بفتح العين المهملة وكسر الميم فمثناة تحتية فراء فتاء تأنيث. العدنيّة: بفتح العين والدال المهملتين: نسبة إلى عدن البلد المشهور. الرّواحل: بفتح الراء وكسر الحاء المهملة وباللام جمع راحلة وهو البعير القويّ على الأحمال والأسفار والذي يختاره الرجل لمركبه ورحله على النجابة وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل فمركب، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء في راحلة للمبالغة. المهريّة: بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الراء نسبة إلى مهرة. حيدان بن عمرو بن الحافي بن قضاعة: حيدان بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية وبالدال المهملة وبعدها ألف ونون. الأرحبيّة: نسبة إلى أرحب بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الحاء المهملة وبالموحدة. يرتجز: أي يقول الرّجز وهو شعر على الصحيح. السّواد: هنا القرى الكثيرة الشّجر. الرّيف: براء مكسورة فتحتية ساكنة وآخره فاء: ما قارب الماء في أرض العرب وقيل هو الأرض التي فيه الزّرع والخصب وقيل غير ذلك. الهبوات: بفتح الهاء والموحدة: جمع هبوة وهي الغبرة. مخطّمات: جعل لها خطام وهي الجبال التي تشدّ في رؤوس الإبل وتميل أنوفها. ليف النّخل: معروف. سرح: بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات: المال السائم أي الراعي.

стр. 2812

فحمة: بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة فميم مفتوحة فتاء تأنيث. الدّجى: بدال مهملة مضمومة وجيم مفتوحة فألف مقصورة: ظلمة الليل. رحرحان: براءين مفتوحتين بعد كل منهما حاء مهملات الحاء الأولى ساكنة: جبل بقرب عكاظ. صلدد: بصاد مهملة مفتوحة فلام ساكنة فدالين مهملتين وزن جعفر: موضع باليمن. خوص: بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبالصاد المهملة. قلائص: بقاف فلام فهمزة مكسورة فصاد مهملة: جمع قلوص وهو من النّوق الشّابّة وهي بمنزلة الجارية من النساء. تغتلي: بغيم معجمة: تشتدّ في سرها، والاغتلاء الإسراع. اللّاحب: بتشديد اللام وكسر الحاء المهملة وبالموحدة، واللّحب الطريق الواضح، واللاحب مثله وهو الأعلم بمعنى مفعول أي ملحوب. الفتل: بفاء ففوقية مفتوحتين فلام: تباعد ما بين المرفقين عن جنبي البعير. الجسر: بفتح الجيم وسكون السين المهملة وراء، العظيم من الإبل وغيرها والأنثى جسرة، قاله الجوهري ﵀، وفي الإملاء الجسرة الناقة القوية على السّير. الهجفّ: بكسر الهاء وفتح الجيم وبالفاء المشددة، وهو كما في الصّحاح: الهجفّ من النّعام ومن الناس الجافي الثقيل. الخفيدد: بفتح الخاء المعجمة، والفاء وسكون التحتية فدالين مهملتين الأولى مفتوحة: الخفيف من الظّلمان. الرّاقصات: قال في الإملاء: هي الإبل ترقص في سيرها أي تتحرك، والرّقصان ضرب من المشي. صوادر: أي رواجع. الهضب: بفتح الهاء وسكون الضاد المعجمة وبالموحدة وهضبات جمع هضبة: الجبل المنبسط على وجه الأرض. قردد: بفتح القاف وسكون الراء فدالين مهملتين الأولى مفتوحة: هو المكان الغليظ المرتفع من الأرض. العرف: بضم العين المهملة وسكون الراء وبالفاء: ضدّ النّكر. المشرفي: بفتح الميم. المهنّد: بفتح النون المشددة. الظّليم: بفتح الظاء المعجمة المشالة وكسر اللام: الذّكر من النعام والجمع ظلمان.

стр. 2813

الباب الخامس والتسعون في قدوم وائل بن حجر إلى رسول الله ﷺ روى البخاري رحمه الله تعالى في التاريخ، والبزار، والطبراني [ (١) ] ، والبيهقي عن وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه قال: بلغنا ظهور رسول الله ﷺ وأنا في بلد عظيم ورفاهة عظيمة فرفضت ذلك، ورغبت إلى الله وإلى رسول الله ﷺ . فلما قدمت عليه أخبرني أصحابه أنه بشّر بمقدمي عليهم قبل أن أقدم بثلاث ليال. قال الطبراني: فلما قدمت على رسول الله ﷺ سلّمت عليه فردّ عليّ، وبسط لي رداءه وأجلسني عليه، ثم صعد منبره وأقعدني معه ورفع يديه وحمد الله تعالى وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ واجتمع الناس إليه فقال لهم: «يا أيها الناس، هذا وائل بن حجر قد أتاكم من أرض بعيدة، من حضر موت، طائعا غير مكره، راغبا في الله وفي رسوله وفي دين بيته، بقيّة أبناء الملوك» . فقلت: يا رسول الله، ما هو إلا أن بلغنا ظهورك، ونحن في ملك عظيم وطاعة، وأتيتك راغبا في دين الله. فقال: «صدقت» . وعن وائل بن حجر قال: جئت رسول الله ﷺ فقال: «هذا وائل بن حجر جاء حبا لله ولرسوله» وبسط يده وأجلسه وضمّه إليه وأصعده المنبر، وخطب الناس فقال: «ارفقوا به فإنه حديث عهد بالملك» . فقلت إن أهلي غلبوني على الذي لي فقال: «أنا أعطيكه وأعطيك ضعفه» . الحديث. وذكر ابن سعد، وأبو عمر رحمهما الله بأبسط من هذا، زاد أحدهما على الآخر. قال أبو عمر: هو وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل الحضرمي يكنى أبا [هنيدة، الحضرمي] وكان قيلا من أقيال حضر موت، وكان أبوه من ملوكهم، وفد على رسول الله ﷺ ، ويقال إنه بشّر به أصحابه قبل قدومه فقال: «يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضر موت طائعا راغبا في الله وفي رسوله وهو بقية أبناء الملوك» . فلما دخل عليه رحب به وأدناه من نفسه على مقعده. وروى الطبراني، وأبو نعيم أن رسول الله ﷺ أصعده إليه على المنبر، ودعا له، ومسح رأسه وقال: «اللهم بارك في وائل وولد ولده» [ (٢) ] . ونودي: الصلاة جامعة، ليجتمع الناس سرورا بقدوم وائل بن حجر إلى رسول الله ﷺ وأمر رسول الله ﷺ معاوية بن أبي سفيان أن ينزله منزلا بالحرّة فمشى معه، ووائل راكب، فقال له معاوية: أردفني خلفك [وشكا إليه حرّ

стр. 2814

الرّمضاء] قال: لست من أرداف الملوك. قال: فألق إليّ نعليك. قال: لا، أني لم أكن لألبسهما وقد لبستهما. قال: إن الرّمضاء قد أحرقت قدميّ. قال: امش في ظلّ ناقتي، كفاك به شرفا. فلما أراد الشخوص إلى بلاده كتب له رسول الله ﷺ كتابا يأتي ذكره في مكاتباته ﷺ . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . وائل بن حجر: [حجر بتقديم الحاء المهملة المضمومة على الجيم الساكنة فراء] . الرّمضاء: بفتح الراء وسكون الميم، الأرض الشديدة الحرارة من وقع الشمس عليها.

стр. 2815

الباب السادس والتسعون في وفود واثلة بن الأسقع إليه ﷺ روى ابن جرير عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: خرجت من أهلي أريد الإسلام فقدمت على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة فوقفت في آخر الصفوف وصلّيت بصلاتهم. فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة انتهى إليّ وأنا في آخر الصلاة. فقال: «ما حاجتك؟» قلت: الإسلام. قال: «هو خير لك» ثم قال: «وتهاجر» قلت: نعم. قال: «هجرة البادي أو هجرة الباني؟» قلت: أيهما خير. قال: «هجرة الباني أن يثبت مع النبي وهجرة البادي أن يرجع إلى باديته» . وقال: «عليك بالطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك» قلت: نعم، فقدّم يده وقدّمت يدي. فلما رآني لا أستثني لنفسي شيئا، قال: «فما استطعت» . فقلت: فيما استطعت فضرب على يدي [ (١) ] . الباب السابع والتسعون في وفود الجن إليه ﷺ قال الحافظ أبو نعيم رحمه الله تعالى: كان إسلام الجنّ ووفادتهم على النبي ﷺ كوفادة الإنس فوجا بعد فوج وقبيلة بعد قبيلة بمكة وبعد الهجرة. وروى أبو نعيم من طريق عمرو بن غيلان الثّقفي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن أهل الصّفّة أخذ كل رجل منهم رجلا وتركت فأخذ بيدي رسول الله ﷺ ومضى إلى حجرة أم سلمة، ثم انطلق بي حتى أتينا بقيع الغرقد، فخطّ بعصاه خطّا ثم قال: «اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك» . ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه من خلال الشّجر، حتى إذا كان من حيث أراه ثارت مثل العجاجة السوداء، فقلت: ألحق برسول الله ﷺ فإني أظن هذه هوازن مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه فأسعى إلى البيوت فأستغيث بالناس، فذكرت أن رسول الله ﷺ أمرني ألا أبرح مكاني الذي أنا فيه. فسمعت رسول الله ﷺ يقرعهم بعصاه ويقول: «اجلسوا» . فجلسوا حتى كاد ينشقّ عمود الصّبح ثم ثاروا وذهبوا فأتى رسول الله ﷺ فقال: «أولئك وفد الجنّ سألوني المتاع والزاد فمتّعهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة فلا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يومن أكل ولا روثة إلّا وجدوا عليها حبّها الذي كان يوم أكلت» [ (٢) ] .

стр. 2816

قصة أخرى: روى أبو نعيم عن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال: «أيّكم يتبعني إلى وفد الجنّ الليلة؟» فخرجت معه حتى خنست عنا جبال المدينة كلها وأفضينا إلى أرض فإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستثفرين ثيابهم من بين أرجلهم. فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تحملني رجلاي من الفرق، فلما دنونا منهم خطّ إلى رسول الله ﷺ بإبهام رجله خطّا. فقال: «اقعد في وسطه» فلما جلست ذهب عني كل شيء كنت أجده من ريبة، ومضى رسول الله ﷺ بيني وبينهم، فتلا قرآنا وبقوا حتى طلع الفجر ثم أقبل. فقال: «الحقني» . فمشيت معه فمضينا غير بعيد فقال لي: «التفت وانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد؟» فخفض رسول الله ﷺ إلى الأرض عظما وروثة ثم رمى بهما وقال: «إنهم سألوا الزاد فقلت لهم لكم كل عظيم وروثة» [ (١) ] . قصة أخرى: روى الإمام أحمد والترمذي ومسلم عن علقمة قال: قلت لابن مسعود رضي الله تعالى عنه: هل صحب النبي ﷺ من أحد ليلة الجنّ؟ قلت: ما صحبه منا أحد ولكن فقدناه ذات ليلة فالتمسناه في الأودية وفي الشّعاب فقلنا: اغتيل؟ استطير؟ ما فعل؟ فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. فقلنا: يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فقال: «إنه أتاني داعي الجنّ فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن. قال: فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزّاد فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحما وكل بعرة أو روثة علف لدوابّكم» ، قال: «فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجنّ» وقال الشعبي رحمه الله تعالى: وكانوا من جن الجزيرة. وفي رواية ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بت الليلة أقرأ على الجنّ واقفا بالحجون» [ (٢) ] . وقوله أنه لم يكن مع النبي ﷺ أصحّ مما رواه ابن جرير على الزهري قال: أخبرنا أبو عثمان بن سنّة- بفتح المهملة وتشديد النون- الخزاعي أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه وهو بمكة: «من أحبّ منكم أن يحضر الليلة أثر الجنّ فليفعل» . فلم يحضر معهم أحد غيري. قال: فانطلقنا فإذا كنا بأعلى مكة خطّ لي برجله خطّأ ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى إذا قام فافتتح القرآن

стр. 2817

[فجعلت أري أمثال النّسور تهوي وتمشي في رفرفها وسمعت لغطا وغمغمة حتى خفت على النبي ﷺ ] . وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطّعون مثل قطع السحاب ذاهبين [ (١) ] . وقد تقدّم بأبسط من هذا في باب إسلام الجنّ في أوائل الكتاب قبيل أبواب المعراج والله أعلم. الباب الثامن والتسعون فيما روي عن اجتماع إلياس به إن صح الخبر، ﷺ قال أنس- واللفظ للحاكم- قال لي إلياس: من أنت؟ قلت: أنا أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ . قال: فأين هو؟ قلت: هو يسمع كلامك. قال: «فأته فأقرئه مني السلام وقل له أخوك إلياس يقرئك السلام» . قال: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته. فجاء رسول الله ﷺ ودنا معه حتى إذا كنا قريبا منه تقدّم رسول الله ﷺ وتأخرت. فتحدثا طويلا. ولفظ الحاكم: «حتى جاءه فعانقه وسلّم عليه، ثم قعدا يتحدثان. فقال إلياس: «يا رسول الله، إني إنما آكل في السنة يوما، وهذا يوم فطري، فآكل أنا وأنت» . فنزل عليهم من السماء شبه السّفرة. قال ابن أبي الدنيا. فيها كمأة ورمّان وكرفس. وقال الحاكم: عليها خبز وحوت وكرفس. فأكلا وأطعماني وصلّيا، ثم ودّعه، وجاءت سحابة فاحتملته. وكنت انظر إلى بياض ثيابه تهوي به قبل الشام» . الحديث في سنده يزيد بن يزيد الموصلي التيمي [مولى لهم] . قال ابن الجوزي والذهبي إنه حديث باطل واتهما به يزيد. قال الذهبي: إنما استحى الحاكم من الله تعالى أن يصحح مثل هذا الحديث، وقال في تلخيص المستدرك: هذا موضوع، قبّح الله من وضعه وما كنت أحسب أن الجهل يبلغ بالحاكم أن يصحح مثل هذا، وهو مما افتراه يزيد الموصلي. قلت: كما أن البيهقي ذكره في الدلائل وقال: هذا الذي روي في هذا الحديث في قدرة الله جائز، وما خصّ الله به رسوله من المعجزات يثبته، إلا أن إسناد هذا الحديث ضعيف بما ذكرته ونبهت على حاله. ورواه ابن شاهين، وابن عساكر بسند فيه مجهول عن واثلة بن الأسقع أطول مما هنا وفيه ألفاظ منكرة. وعلى كل حال لم يصح في هذا الباب شيء. قال الشيخ في النكت البديعات: أخرجه الحاكم، والبيهقي في الدلائل وقال إنه ضعيف.

стр. 2818

الباب التاسع والتسعون فيما ورد من اجتماع الخضر به إن صح الخبر، ﷺ . روى ابن عدي والبيهقي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان في المسجد، فسمع كلاما من ورائه فإذا هو بقائل يقول: اللهم أعنّي على ما تنجّيني مما خوّفتني. فقال رسول الله ﷺ حين سمع ذلك: «ألا يضمّ إليها أختها» فقال الرجل: اللهم ارزقني شوق الصالحين إلى ما شوّقتهم إليه، فقال النبي ﷺ لأنس: «اذهب إليه فقل له: «يقول لك رسول الله- ﷺ تستغفر له» . فجاءه أنس فبلّغه. فقال الرجل: يا أنس، أنت رسول رسول الله ﷺ إليّ؟ قال: نعم. قال: ذهب له إن الله فضّلك على الأنبياء بمثل ما فضّل رمضان على سائر الشهور، وفضّل أمّتك على سائر الأمم بمثل ما فضّل يوم الجمعة على سائر الأيام، فذهب ينظر إليه فإذا هو الخضر ﵇ [ (١) ] . وروى الدارقطني في الإفراد، والطبراني في الأوسط، وابن عساكر من ثلاث طرق عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: خرجت ليلة مع النبي ﷺ أحمل الطهور فسمع [مناديا ينادي فقال لي: «يا أنس صه» فسكتّ، فاستمع فإذا هو] يقول: اللهم أعنّي على ما ينجّيني مما خوّفتني منه. قال: فقال رسول الله ﷺ : « [لو قال أختها معها» . فكأن الرجل لقّن ما أراد النبي ﷺ فقال: وارزقني شوق الصالحين إلى ما شوّقتهم إليه] فقال النبي ﷺ : «يا أنس دع الطهور وائت هذا فقل له: ادع لرسول الله أن يعينه على ما ابتعثه الله على ما ابتعته، وادع لأمّته أن يأخذوا ما آتاهم به نبيّهم من الحقّ» قال: فأتيته [فقلت: رحمك الله، ادع الله لرسول الله أن يعينه به وادع لأمّته أن يأخذوا ما آتاهم به نبيّهم من الحق. فقال لي: ومن أرسلك؟ فكرهت أن أخبره ولم أستأمر رسول الله ﷺ . فقلت له: رحمك الله ما يضرّك من أرسلني؟ ادع بما قلت لك. قال: لا، أو تخبرني من أرسلك. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، فقلت له: يا رسول الله، أبي أن يدعو لك بما قلت له حتى أخبره بمن أرسلني. فقال: «ارجع إليه فقل له أنا رسول الله» ] فرجعت إليه فقلت له فقال لي: «مرحبا برسول [رسول] الله إنا كنت أحقّ أن آتيه، اقرأ على رسول الله مني السلام وقل له: الخضر يقرأ عليك السلام ويقول لك: أن الله تعالى فضلك على النّبيّين كما فضّل شهر رمضان على سائر الشهور، وفضّل أمّتك على الأمم كما فضّل يوم الجمعة على سائر الأيام» قال: فلما ولّيت سمعته يقول: «اللهم اجعلني من هذه الأمة المرشدة المرحومة المتاب عليها [ (٢) ] » .

стр. 2819

قال الشيخ في النّكت البديعات: أورده البيهقي من طريق عمرو بن عوف المزني وقال فيه بشير بن جبلة عن أبيه عن جدّه، نسخة موضوعة، وعبد الله بن نافع متروك، ومن حديث أنس قال فيه الوّضّاح بن عبّاد الكوفي متكلّم فيه، قلت: حديث عمرو بن عوف أخرجه البيهقي في الدلائل وقال إنه ضعيف، وحديث أنس له طرق أخرى ليس فيها الوّضّاح بن عبّاد، وقال رياح [بن عبيدة] : رأيت رجلا يماشي عمر بن عبد العزيز [معتمدا على يده فقلت في نفسي أن هذا الرجل جاف، فلما صلّى قلت: يا أبا حفص، من الرجل الذي كان معك معتمدا على يدك آنفا؟ «قال وقد رأيته يا رياح؟» قلت نعم. قال: «إني لأراك رجلا صالحا، ذاك أخي الخضر، بشّرني أني سألي فأعدل» ] ، حديث [رياح] كالرّيح. قلت: قال الحافظ ابن حجر ﵀: هذه القضية أصحّ ما ورد في بقاء الخضر ﵇.

стр. 2820

الباب الموفي المائة فيما ورد من قدوم هامة بن أهيم بن لا قيس بن إبليس وإسلامه إن صح الخبر . روى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد، والعقيلي في الضعفاء، وابن مردويه في الفسير من طريق أبي سلمة محمد بن عبد اللَّه الأنصاري أحد الضعفاء، عن محمد بن أبي معشر، عن عبد العزيز بن أبي بجير أحد المتروكين، ثلاثتهم عن أبي معشر عن نافع عن ابن عمر، رضي اللَّه تعالى عنهم، وأبو نعيم في الحلية من طريق ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، وأبي نعيم، والبيهقي معا في الدلائل، والمستغفري [في الصحابة وإسحاق بن إبراهيم] المنجنيقي من طريق أبي محصن الحكم بن عمار [عن الزهري عن سعيد بن المسيّب] قال: عمر بن الخطاب. وأخرجه الفاكهي في كتاب مكة من طريق عزيز الجريجي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ كان على جبل من جبال تهامة خارج مكة إذ أقبل شيخ متوكّئ على عصا- وفي لفظ: بيده عصا- فسلم على رسول اللَّه ﷺ فردّ ﵇، وقال: «نغمة الجنّ ومشيتهم» - وفي رواية: «جنّي ونغمته- من أنت؟» قال: أنا هامة بن الهيم بن لا قيس بن إبليس. قال رسول اللَّه ﷺ : «ليس بينك وبين إبليس إلا أبوان» قال: نعم. قال: «فكم أتى عليك الدهر؟» قال: قد أفنت الدنيا عمرها إلا قليلا. كنت ليالي قتل قابيل هابيل غلاما ابن أعوام، أفهم الكلام، وأمرّ على الآكام، وآمر بإفساد الطعام وقطيعة الأرحام وأ أرشّ بين الناس [وأغري بينهم] فقال رسول اللَّه ﷺ : «بئس لعمر اللَّه عمل الشيخ المتوسّم والفتى المتلوّم» . قال: دعني من اللّوم، فقد جرت توبتي على يدي نوح ﵇، وكنت معه فيمن آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكاني، وقال: لا جرم، إني على ذلك من النّادمين وأعوذ باللَّه أن أكون من الجاهلين. وفي رواية عمر: قلت: يا نوح، إني ممّن شرك في ذم السعيد الشهيد هابيل ابن آدم فهل تجد لي من توبة؟ قال: يا هام، همّ بالخير وافعله قبل الحسرة والندامة، إني قرأت فيما أنزل اللَّه على أنه ليس من عبد تاب إلى اللَّه بالغا ذنبه ما بلغ إلا تاب اللَّه عليه، قم فتوضّأ واسجد للَّه سجدتين. قال: ففعلت من ساعتي ما أمرني به، فناداني: ارفع رأسك فقد أنزلت توبتك من السماء. فخررت للَّه ساجدا. وكنت مع هود ﵇ في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكي عليهم وأبكاني، فقال: لا جرم، إني على ذلك من النادمين وأعوذ باللَّه أن أكون من الجاهلين. وكنت أزور يعقوب، وكنت مع يوسف بالمكان المكين وكنت ألقى إلياس في الأودية

стр. 2821

وأنا ألقاه الآن. وكنت مع إبراهيم خليل الرحمن لما ألقي في النار، فكنت بينه وبين المنجنيق حتى أخرجه اللَّه منه، ولقيت موسى بن عمران فعلّمني من التوراة وقال لي: إن أنت لقيت عيسى ابن مريم فأقرئه مني السلام. وكنت مع عيسى فقال: إن لقيت محمدا فأقرئه مني السلام، وأنا يا رسول اللَّه قد بلّغت وآمنت بك. فقال رسول اللَّه ﷺ : «وعلى عيسى السلام» - وفي لفظ: - «وعليك يا هامة، ما حاجتك» فقال: موسى علّمني من التوراة، وعيسى علّمني من الإنجيل فعلّمني من القرآن فعلّمه رسول اللَّه ﷺ سورة المرسلات وعمّ يتساءلون وإذا الشمس كوّرت والمعوذتين وقل هو اللَّه أحد وفي لفظ عمر رضي اللَّه تعالى عنه: إذا وقعت الواقعة. وفي رواية علّمه عشر سور. وفي لفظ عمر: «وعليك يا هامة بأدائك الأمانة» . قال: يا رسول اللَّه، افعل بي ما فعل موسى بن عمران فإنه علّمني من التوراة. فعلّمه رسول اللَّه ﷺ وقال: «ارفع إلينا حاجتك يا هامة ولا تدع زيارتنا» . وقال عمر بن الخطاب: فقبض رسول اللَّه ﷺ ولم ينعه إلينا ولسنا ندري أحيّ هو أو ميّت. وقال البيهقي بعد أن رواه من طريق محمد بن أبي معشر عن أبيه أبي معشر: «روى عنه الكبار ألا إن أهل الحديث ضعّفوه» . قال: «وقد روي من وجه آخر أقوى منه» . وقال شيخنا رحمه اللَّه تعالى في الجامع الكبير: «طريق البيهقي أقواها وطريق العقيلي أوهاها» . وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق العقيلي فلم يصب وله شواهد من غريب أنس، وابن عباس وغيرهما تأتي في محلها. وقد بسط الكلام عليه في اللآلئ المصنوعة. وقال في النّكت البديعات: أورده من طريق عمر، وقال فيه إسحاق بن بشر الكاهلي كذّاب، وقال فيه محمد بن عبد اللَّه الأنصاري: لا يحتج به. قلت: أخرج البيهقي في الدلائل حديث عمر من وجه آخر ليس فيه إسحاق بن بشر الكاهلي، وقال عقبة في هذا الإسناد أبو معشر، روى عنه الكبار ألا إن أهل الحديث ضعّفوه. قال: وقد روي من وجه آخر أقوى منه، فأشار بذلك إلى طريق إسحاق، وله طريق ثالث عن عمر أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولحديث أنس طريق ثان ليس فيه أبو سلمة، أخرجه أبو نعيم. وبمجموع هذه الطرق يعلم أن الحديث ضعيف لا موضوع.

стр. 2822

الباب الحادي والمائة في وفود السابع إليه ﷺ روى أبو سعيد بن منصور، والبزار، وأبو يعلى، والبيهقي عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: جاء ذئب إلى رسول اللَّه ﷺ فأقعى بين يديه وجعل يبصبص بذنبه، فقال رسول اللَّه ﷺ : «هذا وافد الذئاب جاء يسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئا» . فقالوا: لا واللَّه يا رسول اللَّه، لا نجعل له من أموالنا شيئا. فقام إليه رجل من الناس، ورماه بحجر، فسار وله عواء [ (١) ] . وروى أبو نعيم، والبيهقي من طريق الزّهري عن حمزة بن أبي أسيد قال: خرج رسول اللَّه ﷺ في جنازة رجل فإذا ذئب مفترشا ذراعيه على الطريق فقال رسول اللَّه ﷺ : «هذا معترض فافرضوا له» . قالوا: ما نرى يا رسول اللَّه. قال: «من كل سائمة شاة في كل عام» . قالوا: كثير فأشار إلى الذئب أن خالسهم، فانطلق الذئب. وروى ابن سعد، وأبو نعيم عن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب قال: بينا رسول اللَّه ﷺ جالس بالمدينة في أصحابه إذ أقبل ذئب فوقف بين يدي رسول اللَّه ﷺ فعوى [بين يديه] فقال رسول اللَّه ﷺ : «هذا وافد السّباع إليكم، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه وتحرّرتم منه فما أخذ فهو رزقه» . فقالوا: يا رسول اللَّه، ما تطيب أنفسنا له بشيء. فأومأ إليه النبي ﷺ بأصابعه أن خالسهم فولّى وله عسلان [ (٢) ] . وروى الدارمي، وابن منيع في مسنده. وأبو نعيم من طريق شمر بن عطية عن رجل من مزينة أو جهينة قال: صلى رسول اللَّه ﷺ الفجر، فإذا هو بقريب من مائة ذئب قد أقعين [وكانوا] وفود الذئاب فقال لهم رسول الله ﷺ : «هؤلاء وفود الذئاب سألتكم أن ترضخوا لهم شيئا من فضول طعامكم وتأمنوا على ما سوى ذلك» فشكوا إليه حاجة، قال: «فادنوهنّ» . فخرجن ولهم عواء. وروى محمد بن عمر، وأبو نعيم عن سليمان بن يسار مرسلا قال: أشرف النبي ﷺ علي الحرّة فإذا ذئب واقف بين يديه فقال: «هذا يسأل من كل سائمة شاة» . فأبوا فأومأ إليه بأصابعه، فولّى.

стр. 2823

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . أقعى: بهمزة مفتوحة فقاف ساكنة فعين مهملة وبالمدّ. هو إلصاق الألية بالأرض ونصب الساق والفخذ ووضع اليدين على الأرض. يبصبص: بتحتية مضمومة فموحدة مفتوحة فصادين مهملتين بينهما موحدة مكسورة أي يحرّك ذنبه. عواء: بعين مهملة مضمومة فواو وبالمدّ، أي صوت السّباع وكأنه بالذئب والكلب أخصّ. خالسهم: بخاء معجمة فألف فلام فسين مهملة. أي اذهب على غفلة. عسلان: بعين فسين مهملتين فلام مفتوحة فألف فنون وهو سرعة المشي. الحرّة: بحاء وراء مهملتين مفتوحتين هي أرض ذات حجارة سود، واللَّه أعلم. نجز الجزء الثاني يتلوه جماع أبواب صفاته المعنوية، والصلاة والسلام على خير البريّة محمد النبي الأمي ﷺ وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين، آمين والحمد للَّه رب العالمين.

стр. 2824

[المجلد السابع] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جماع أبواب صفاته المعنوية ﷺ الباب الأول في وفور عقله ﷺ قال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: قرأت في واحد وسبعين كتاباً، فوجدت في جميعها: «أن الله ﵎ لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقل محمد ﷺ إلّا حبّة رمل من بين جميع رمال الدنيا، وان محمدا ﷺ أرجح الناس عقلا» . رواه الحكيم الترمذي وأبو نعيم، وابن عساكر رحمهم الله تعالى. وروى داود بن المحبر [ (١) ] عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه: «أفضل الناس أعقل الناس» ، قال ابن عباس: وذلك نبيك ﷺ . ونقل عن العوارف عن بعض الأكابر قال: اللّبّ، والعقل مائة جزء: تسعة وتسعون في النبي ﷺ ، وجزء في سائر الناس. قال القاضي رحمه الله تعالى: ومن تأمل تدبيره ﷺ أمر بواطن الخلق، وظواهرهم، وسياسة الخاصة والعامة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلا عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلّم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب، لم يمتر في رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول وهلة. ومما يتفرع عن العقل ثقوب الرّأي وجودة الفطنة والإصابة، وصدق الظن، والنظر للعواقب، ومصالح النفس، ومجاهدة الشهوة، وحسن السياسة، والتدبير، واقتفاء الفضائل، واجتناب الرذائل، وقد بلغ ﷺ من ذلك الغاية التي لم يبلغها بشر سواه ﷺ . ومن تأمل حسن تدبيره للعرب الذين كالوحش الشارد، والطبع المتنافر المتباعد، كيف ساسهم؟ واحتمل جفاهم، وصبر على أذاهم، إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم: آباءهم، وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم، وأحبابهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلّم منها سنن الماضين، فتحقّق أنه ﷺ أعقل الناس، ولما كان عقله ﷺ أوسع العقول لا جرم اتسعت أخلاق نفسه الكريمة اتساعا لا يضيق عن شيء.

стр. 2825

تنبيهات الأول: العقل مصدر في الأصل مأخوذ من عقل البعير، وهو منعه بالعقال من القيام، أو مأخوذ من الحجر وهو المنع: قال تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لأنه يعقل صاحبه، ويحجره عن الخطأ، وهو مع البلوغ مناط التكليف. الثاني: اختلف في محله، فالجمهور من المتكلمين والشافعية أنه في القلب. روى البخاري رحمه الله تعالى في الأدب والبيهقي في الشعب، بسند جيد، عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال، والنّفس في الرّئة [ (١) ] . وأكثر الأطباء والحنفية أنه في الدماغ، واستدل الأولون بقوله تعالى: فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها [الحج ٤٦] وقال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ق ٣٧] ، وبقوله ﷺ : «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب» [ (٢) ] فجعل ﷺ صلاح الجسد وفساده تابعا للقلب، مع أن الدماغ من جملة الجسد، ويجاب عن استدلال الأطباء أنه في الدماغ بأنه إذا فسد فسد العقل، بأن الله أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ، مع أن العقل ليس فيه، ولا امتناع في هذا. الثالث: اختلف في ماهيته فقيل: هو التثبت في الأمور لأنه يعقل صاحبه عن التورّط في المهالك، وقيل: هو التمييز الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوان. وقال المحاسبي [ (٣) ] رحمه الله تعالى: هو نور يفيد الإدراك، وذلك النور يقل، ويكثر، فإذا قوي منع ملاحقة الهوى. وقال إمام الحرمين رحمه الله تعالى: العقل علوم ضرورية، يعطيها حواس السمع والبصر، والنطق، أو لا يكون كسبها من الحواس. وقال صاحب القاموس العقل: العلم بصفات الأشياء من حسنها، وقبحها، وكمالها، ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين وشرّ الشرين، أو يطلق لأمور لقوة بها يكون التمييز بين القبح والحسن، ولمعان مجتمعه في الذّهن، يكون بمقدمات تستتبّ بها الأغراض والمصالح، ولهيئة محمودة في الإنسان، في حركاته وسكناته، والحق أنه نور روحاني، به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ.

стр. 2826

الرابع: قال بعض العلماء رحمه الله تعالى: العقل أنواع:. الأول: غريزي: وهو في كل آدمي مؤمن وكافر. الثاني: كسبي: وهو الذي يكتسبه المرء من معاشرة العقلاء، ويحصل للكافر أيضا. الثالث: عطائي: وهو عقل المؤمن الذي اهتدى به للإيمان. الرابع: عقل الزّهاد، وذكر الفقهاء: لو أومئ لأعقل الناس صرف للزهاد. الخامس: شرفي: وهو عقل نبينا محمد ﷺ لأنه أشرف العقول. الخامس: اختلف في التفضيل بين العقل والعلم. قال الشيخ الإمام العلامة محيي الدين الكافيجي [ (١) ]- وهو بفتح الفاء-: التحقيق أن العلم أفضل باعتبار كونه أقرب منه بالإفضاء إلى معرفة الله تعالى وصفاته، والعقل أفضل باعتبار كونه أصلا ومنبعا للعلم انتهى. ما في شرح الأسماء. السادس: حديث أول ما خلق الله تعالى العقل، فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أشرف منك، فبك آخذ، وبك أعطي» - رواه ابن عدي والعقيلي في الضعفاء عن أبي أمامة وأبو نعيم عن عائشة، قلت: وهو من الأحاديث الواهية الضعيفة وقد بينته. السابع: في بيان غريب ما سبق. اللّبّ: بضم اللام وتشديد الموحدة: هو العقل السليم من شوائب الوهم. الثّقوب: قوة الإدراك للطائف العلوم، ومهمات الأمور، وملمات الأحوال، كأنه يثقبها كما يثقب النجم الظلام بقوة ضوئه. الفطنة: تهيؤ قوة النفس لتصوّر ما يرد عليها من المعاني. السياسة: الملك للناس بقرائن العقل، ولهجته الصدق، ونهج الحق في القيام عليهم بما يصلحهم. الرّذائل: الأفعال الرديئة، وتجنبها بمخالفة الهوى، والميل إلى منهج الهدى.

стр. 2827

الباب الثاني في حسن خلقه ﷺ قال الله : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ن ٤] وروى ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، ومسلم والترمذي والنسائي، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي، وابن مردويه عن يزيد بن بابنوس- وهو بموحدتين، بينهما ألف، ثم نون مضمومة، وواو ساكنة، وسين مهملة- أن عائشة رضي الله تعالى عنها لما سئلت عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: «ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله ﷺ » ، وفي لفظ: «كأن أحسن الناس خلقاً كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، لم يكن فاحشا ولا متفاحشا ولا سخّابا في الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» ، ثم قالت: اقرأ سورة المؤمنين اقرأ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون ١] إلى العشر، فقرأ السائل: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، فقالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ . وروى ابن المبارك وعبد الله بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل عن عطية العوفي: في الآية مثال على أدب القرآن. وروى الإمام أحمد والخرائطي، وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق [ (١) ] » رواه الإمام مالك عنه بلفظ: بعثت لأتمّ حسن الأخلاق» ورواه البزّار بلفظ بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» . وروى ابن سعد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم كما حسّنت خلقي فحسّن خلقي [ (٢) ] » . وروى البزار عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى لم يبعثني متعنّتا ولكن بعثني معلّما وميسرا [ (٣) ] » . وروى الشّعبي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه من شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى [ (٤) ] » ، وفي رواية مسلم

стр. 2828

قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا بيده، ولا ضرب مولى له، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما نيل منه شيء فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله تعالى [ (١) ] » . وروى يعقوب بن سفيان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا متفاحشا ولا صخابا في الأسواق [ (٢) ] » . وروى الإمام أحمد والشيخان عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا متفاحشا وكان يقول: «إنّ خياركم أحسنكم أخلاقا [ (٣) ] » . وروى البخاري عنه أيضا قال: «إن رسول الله ﷺ موصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، فذكر الحديث، وفيه: ليس بفظ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق ولا يجزئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» . وروى الإمام أحمد والشيخان والخرائطيّ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، وفي لفظ: إحدى عشرة سنة، وأنا ابن ثمان سنين، في السفر والحضر، والله ما قال لي: أفّ قط، ولا لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع هذا هكذا؟ ولا لشيء صنعته: أسأت صنعته، أو لبئس ما صنعت، ولا عاب عليّ شيئا قط، ولا أمرني بأمر فتوانيت عنه، أو ضيعته فلا مني، ولا لامني أحد من أهله إلا قال دعوه فلو قدّر أو قال قضي أن يكون كان، وأرسلني في حاجة يوما فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمر به رسول الله ﷺ ، فخرجت على صبيان وهم يلعبون في السوق، وإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه، وهو يضحك، فقال: «يا أنس، اذهب حيث أمرتك» فقلت له: أنا أذهب يا رسول الله [ (٤) ] . وروى البخاري عنه أيضا قال: لم يكن رسول الله ﷺ سبّابا ولا لمّاما ولا فاحشا، وكان يقول لأحدنا عند المعاتبة: «ماله ترب جبينه [ (٥) ] » . وروى الإمام أحمد والبخاري عنه أيضاً قال: كانت الأمة- زاد البخاري والعبد- لتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت، ويجيب إذا دعي [ (٦) ] .

стр. 2829

وروى أبو داود عنه قال: ما رأيت رجلا التقم أذن رسول الله ﷺ فنحى رأسه عنه، حتى يكون الرجل هو الذي ينزع، وما رأيت رجلا أخذ بيد رسول الله ﷺ فترك يده، حتى يكون الرجل هو الذي ينزع [ (١) ] . وروى مسلم والحارث بن أبي أسامة عن معاوية بن الحكم رضي الله تعالى عنه قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ في الصلاة إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فحدّقني القوم بأبصارهم، قال: فقلت: يرحمك الله، فحدّقني القوم بأبصارهم، قال: قلت: وثكل أماه، ما لهم ينظرون إليّ، قال: فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم قال: فلمّا رأيتهم يسكّتوني سكتّ، فلما سلم رسول الله ﷺ من صلاته دعاني، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلما قبله، ولا بعده أحسن تعليما منه، والله ما ضربني، ولا سبّني، ولا نهرني، ولكن قال: «إن صلاتك هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن [ (٢) ] » رواه مسلم. وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: أتى رسول الله ﷺ غلام شاب فقال: يا رسول الله ايذن لي في الزنا، فصاح الناس وقالوا: مه، فقال رسول الله ﷺ : «أتحبّه لأمّك؟» فقال: لا، قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لأختك؟ قال: لا، قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم، قال: أتحبه لعمتك؟» قال: لا، قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لعماتهم، فاكره لهم ما تكره لنفسك، وأحبّ لهم ما تحب لنفسك [ (٣) ] » وذكر الحديث رواه أبو نعيم. وروى أيضا عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: ثيابنا في الجنة ننسجها بأيدينا أم تشقق من ثمر الجنة؟ فضحك أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال الأعرابي: ممّ يضحكون؟ من جاهل يسأل عالما؟ فقال: صدقت يا أعرابي، ولكنها تشقق من ثمر الجنة [ (٤) ] . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رهطا من اليهود دخلوا على رسول الله ﷺ ، فقالوا: «السلام عليك» فقال النبي ﷺ : «عليكم» ، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ففهمنا فقلت: السّلام إلا عليكم، واللعنة فقال النبي ﷺ : «مهلا يا عائشة إن الله تعالى يحب الرفق في

стр. 2830

الأمر كله» ، قالت: يا رسول الله ألم تسمع لما قالوا؟ قال: «قد قلت: «عليكم» ، رواه عبد الرحمن بن حميد [ (١) ] . وروى أبو يعلى عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه كان يخطب فقال: أما والله قد صحبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويشيّع جنائزنا ويغدو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير. وروى ابن أبي شيبة والبخاري، وأبو الشيخ، والبيهقي عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال: كان رجل من الأنصار يدخل على رسول الله ﷺ ، ويأمنه رسول الله ﷺ ، وأن ذلك الرجل عقد له عقدا، فألقاه في بئر، فصرع ذلك النبي ﷺ ، فأتاه ملكان يعودانه، فأخبراه أن فلانا عقد له عقدا، وهي في بئر فلان، وقد اصفرّ من شدة عقده، فأرسل رسول الله ﷺ عليا فاستخرج العقد، فوجد العاقد اصفر، فحل العقد، وقام رسول الله ﷺ فما ذكر ذلك رسول الله ﷺ ، ولا رآه في وجهه قط، ولم يعاتبه حتى مات، وفي رواية: فلم يذكر له شيئا، ولم يعاتبه فيه، وفي رواية: فما رأيته في وجه رسول الله ﷺ ، ولا ذكره له حتى مات. وروى يعقوب بن سفيان عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا صافحه الرجل لا ينزع يده من يده، حتى يكون الرجل ينزع، وإن استقبله بوجهه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف، ولم ير مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له [ (٢) ] . وروى الخطيب في الرواية عن مالك عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الرفق في الأمور كلها. وروى البيهقي عن ابن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ دمثا، ليس بالجافي ولا المهين، لا يقوم لغضبه شيء إذا تعرض الحق، حتى ينظر له، وفي رواية لا تغضبه الدنيا، وما كان لها، فإذا تعرّض الحقّ لم يعرف أحدا، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها [ (٣) ] . وروى الشيخان وابن سعد وأبو الشيخ عن أنس رضي الله تعالى عنه: قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، قال أنس: حتى نظرت إلى صفحة عنق رسول الله ﷺ أثرت بها حاشية الثوب، من

стр. 2831

شدة جبذته، فقال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك، وأمر له بعطاء [ (١) ] . وروى الطبراني بسند حسن عن صفية رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت أحسن خلقا من رسول الله ﷺ [ (٢) ] . وروى الإمامان والشافعي وأحمد والبخاري والأربعة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «أن أعرابياً دخل المسجد، ورسول الله ﷺ جالس، فصلى ركعتين فقال: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا، فقال رسول الله ﷺ : «لقد تحجّرت واسعا» ، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم رسول الله ﷺ وقال: «تزرموه» ، فقضى حاجته، حتى فرغ من بوله وقال: «إنّما بعثتم ميسّرين، ولم تبعثوا معسّرين، علموا، ويسروا، ولا تعسروا، صبّوا عليه سجلا من ماء» زاد ابن ماجة: فقال الأعرابي بعد أن فقه: فقام إليّ بأبي وأمي ﷺ ، فلم يؤنّب فقال: إن هذا المسجد لا يبال فيه، إنما بني لذكر الله تعالى وللصلاة [ (٣) ] . وروى الشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: بينا نحن مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه، فقال رسول الله ﷺ : «لا تزرموه، إنما بعثتم ميسّرين، ولم تبعثوا معسرين» ، فتركوه، حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، والقذر، إنما هي لذكر الله تعالى، وقراءة القرآن، ثم أمر رجلا فجاءه بدلو من ماء فشنّه عليه [ (٤) ] » . وروى الإمام أحمد والشيخان عنه قال: جاء الطفيل بن عمرو الدّوسي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله أن دوسا قد عصت وأبت، فادع الله تعالى عليهم، فاستقبل القبلة، فرفع يده فقال الناس: هلكوا اليوم، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اهد دوسا، وأت بهم جميعا، ثلاثا [ (٥) ] » .

стр. 2832

وروى أبو الشيخ وأبو الحسن بن الضحاك عنه أيضاً قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يستعينه في شيء فقال: يا محمد أعطني، فإنك لا تعطيني من مالك، ولا من مال أبيك. فأعطاه شيئاً، ثم قال: «أحسنت إليك؟» قال لا ولا أجملت، فغضب المسلمون، وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفّوا، ثم قام فدخل منزله، ثم أرسل إلى الأعرابي فدعاه إلى البيت، فأعطاه شيئا، فقال: «أرضيت؟» فقال: لا، ثم أعطاه أيضا، فقال: «أرضيت؟» فقال: نعم، نرضى، فقال: «إنك جئتنا، فسألتنا، فأعطيناك، فقلت ما قلت، وفي أنفس المسلمين شيء من ذلك، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي، حتى يذهب عن صدورهم ما فيها» ، قال: نعم، فلما كان الغداة أو العشيّ جاء، فقال رسول الله ﷺ : «إن صاحبكم هذا كان جائعا فسألنا، فأعطيناه، فزعم أنه رضي، أكذلك؟» فقال الأعرابي: «أي نعم، فجزاك الله تعالى عن أهل وعشيرة خيرا» فقال رسول الله ﷺ : «ألا إن مثلي ومثلكم كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه، فأتّبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحب الناقة: خلّوا بيني وبين ناقتي، فأنا أرفق بها، فتوجه لها صاحبها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فجاءت واستناخت، فشد عليها رحلها، واستوى عليها، وأنا لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار، فما زلت حتى فعلت ما فعلت [ (١) ] » . وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يجيب دعوة العبد، ويعود المريض، ويركب الحمار [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصّفا ذهبا، وأن ينحّي عنهم الجبال فيزرعون، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن نعطيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم، قال: بل أستأني بهم [ (٣) ] . وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قيل يا رسول الله ادع على

стр. 2833

المشركين فقال: «لم أبعث لعّانا، وإنما بعثت رحمة [ (١) ] » . وروى أبو الحسن بن الضحاك عن زيد بن أسلم مرسلا أن رسول الله ﷺ مر بقوم يتدافعون حجرا بينهم، وكأنه كره ذلك منهم، فلما جاوزهم رجع إليهم مستفسرا فقال: «ما هذا الحجر» فقالوا: يا رسول الله هذا حجر الأسد، فقال بعض أصحابه: لو نهرتهم يا رسول الله قال: «إنما بعثت ميسّرا، ولم أبعث منفرا» . وروى الإمام أحمد عن تمّام بن العباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يصفّ عبد الله وعبيد الله وكثيرا أبناء العباس رضي الله تعالى عنهم، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «من سبق إليّ فله كذا وكذا وقال فيستبقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره فيقبّلهم ويلتزمهم [ (٢) ] » . وروى ابن مردويه، وأبو نعيم، والواحدي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله ﷺ ، ما دعاه أحد من أصحابه، ولا من أهل بيته إلا قال: لبّيك، فلذلك أنزل الله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ن ٤] . وروى أبو الشيخ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا فقد رجلا من أصحابه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائبا دعا له، وإن كان شاهدا زاره، وإن كان مريضا عاده [ (٣) ] . وروى ابن سعد عن أنس أن رسول الله ﷺ بعثه في حاجة، قال: فرأيت صبيانا فقعدت معهم، فجاء رسول الله ﷺ على الصبيان. وروى البيهقي عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: كنت جار النبي ﷺ ، وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا. وروى محمد بن عمر الأسلمي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما وعن غيرها أن أبا بكر قال: يا رسول الله- لمّا أراد حجّة الوداع- عندي بعير نحمل عليه زادنا، فقال رسول الله ﷺ : فذاك إذن، فكانت زاملة رسول الله ﷺ وزاملة أبي بكر رضي الله تعالى عنه واحدة، وأمر رسول الله ﷺ بزاد دقيق وسويق، فجعل على بعير أبي بكر، وأعطاه أبو بكر لغلام له. فنام الغلام في بعض الطريق فذهب البعير، فلما نزل رسول الله ﷺ جاء

стр. 2834

الغلام، وليس معه شيء، فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه أين البعير؟ فقال: ضل، فقام إليه يضربه، ويقول: بعير واحد ضل منك لو لم يكن إلا أنا لهان الأمر، ولكن رسول الله ﷺ وأهله، فجعل رسول الله ﷺ يبتسم، ويقول: ألا ترون إلى هذا المحرم وما يصنع؟ فحمل جماعة جفنة من حيس وأقبلوا بها إلى رسول الله ﷺ حتى وضعوها بين يديه، فجعل يقول: يا أبا بكر هلمّ، فقد جاءك الله تعالى بغذاء طيب، وجعل أبو بكر يغتاظ على الغلام، فقال رسول الله ﷺ : «هوّن عليك، فإن الأمر ليس عليك، ولا إلينا معك، قد كان الغلام حريصا أن لا يضل بعيره، وهذا خلف مما كان معه» ، فأكل رسول الله ﷺ وأهله، ومن كان معه وكل من كان يأكل مع رسول الله ﷺ حتى شبعوا، ذكر في سيرته الحديث. وذكر المحب الطبري رحمه الله تعالى أن رسول الله ﷺ كان في سفر، وأمر أصحابه بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله على ذبحها، وقال آخر: يا رسول الله عليّ سلخها، وقال آخر: يا رسول الله عليّ طبخها، فقال رسول الله ﷺ : «وعليّ جمع الحطب» فقالوا يا رسول الله: نكفيك العمل، فقال: «قد علمت أنكم تكفوني، ولكن أكره أن أتميز عليكم، وأن الله تعالى يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» . تنبيهات الأول: حقيقة حسن الخلق قوى نفسانية تسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الحميدة، والآداب المرضية، فيصير ذلك كالخلقة في صاحبه، ويدخل في حسن الخلق التّحرّز عن الشّح، والبخل، والكذب، وغير ذلك من الأخلاق المذمومة، ويسهل في حسن الخلق التحبب إلى الناس بالقول والفعل، والبذل، وطلاقة الوجه، مع الأقارب، والأجانب، والتساهل في جميع الأمور، والتسامح فيما يلزم من الحقوق، وترك التقاطع، والتهاجر، واحتمال الأذى من الأعلى والأدنى، مع طلاقة الوجه، وإدامة البشر- في هذه الخصال تجمع محاسن الأخلاق، ومكارم الأفعال، ولقد كان جميع ذلك في رسول الله ﷺ فلهذا وصفه الله تعالى بقوله : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ن ٤] . الثاني: على في هذه الآية للاستعلاء، فدل اللفظ على أنه كان مستعليا على هذه الأخلاق، ومستوليا عليها، قال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى: وإنما كان خلقه عظيما لأنه لم يكن له همّة سوى الله تعالى. قال الإمام الحليمي عفا الله عنه: وإنما وصف خلقه بالعظم مع أن الغالب وصف الخلق بالكرم لأن كرم الخلق يراد به السّماحة والدّماثة، ولم يكن ﷺ مقصورا على ذلك، بل كان رحيما بالمؤمنين، رفيقا بهم، شديدا على الكفار، غليظا عليهم، مهيبا في صدورهم،

стр. 2835

منصورا عليهم بالرعب من مسيرة شهر، وكان وصف خلقه بالعظم ليشمل الإنعام والانتقام، وقيل: إنما وصف بالعظم لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، فإنه ﷺ أدّب بالقرآن، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها فيما تقدم أول الباب. وقد وصف الله تعالى نبيه ﷺ بما يرجع إلى قوته العلمية أنه عظيم: فقال تعالى وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء ١١٣] ووصفه بما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم: فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة الدرجة عالية. الثالث: الخلق بضم أوله، وثانيه، ويجوز إسكانه: ملكة نفسية تسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة. قال الإمام الراغب رحمه الله تعالى: الخلق والخلق- بالفتح والضم في الأصل- بمعنى واحد كالشّرب والشّرب، لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر وخص الخلق الذي بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة، واختلف هل حسن الخلق بالضم غريزة أو مكتسب، وتمسك من قال بأنه غريزة بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «أن الله تعالى قسّم بينكم أخلاقكم كما قسّم أرزاقكم [ (١) ] » رواه البخاري. وقال القرطبي رحمه الله تعالى: الخلق جبلّة في نوع الإنسان، وهم في ذلك متفارقون، فمن غلب عليه شيء منها كان محمّدا محمودا، وإلا فهو المأمور بالمجاهدة فيه حتى يصير محمودا، وكذا إن كان ضعيفا، فيرتاض صاحبه حتى يقوى. وروى الإمام أحمد والنّسائي والتّرمذي وابن حبان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال للأشج- أشجّ عبد القيس-: «إنّ فيك لخصلتين يحبّهما الله تعالى ورسوله: الحلم والأناة» ، قال: يا رسول الله قديما كان أو حديثا؟ قال: «قديما» ، قال: الحمد لله الذي جبلني على جبلّتين يحبّهما الله تعالى » فترديد السؤال، وتقريره عليه، يشعر بأن من الخلق ما هو جبليّ وما هو مكتسب، وقد كان ﷺ يقول: «اللهم كما حسّنت خلقي فحسّن خلقي» رواه الإمام أحمد وابن حبّان رحمة الله عليهما، وكان يقول في دعاء الافتتاح: «واهدني لأحسن الأخلاق، إنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت» . رواه مسلم. الرابع: قال بعض العلماء: جعل الله تعالى القلوب محل السرور، والإخلاص الذي هو

стр. 2836

سر الله تعالى، يودعه قلب من شاء من عباده، فأول قلب أودعه قلب سيدنا محمد ﷺ ، لأنه أول الأنبياء خلقا، وصورته آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء، ﵈، فهو أولهم وآخرهم، وقد جعل الله ﵎ أخلاق القلوب للنفوس أعلاما على أسرار القلوب، فمن تحقق قلبه بسر الله تعالى اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله تعالى، ولذلك جعل الله تعالى لسيدنا محمد ﷺ جثمانية اختص بها من بين سائر العالمين، فتكون علامات اختصاص جثمانية آيات دالة على أحوال نفسه الشريفة، وعظم خلقه، وتكون علامات عظم أخلاقه آيات على أسرار قلبه المقدس. الخامس: قال الشيخ شهاب الدين السّهروردي رحمه الله تعالى في العوارف: لا يبعد أن قول عائشة رضي الله تعالى عنها: كان خلقه القرآن- فيه أمر غامض وإيماء خفي إلى الأخلاق الرّبّانية، فاحتشمت من الحضرة الإلهية أن تقول: كان متخلّقا بأخلاق الله تعالى، فعبرت عن المعنى بقولها: كان خلقه القرآن، استحياء من سبحات الجلالة، وسترا للحال بلطف المقال، وهذا من موفور عقلها، وكما أدبها، وقال غيره: أرادت بذلك اتصافه بما فيه من الاجتهاد في طاعة الله تعالى، والخضوع له، والانقياد لأمره، والتشديد على أعدائه، والتواضع لأوليائه، ومواساة عباده، وإرادة الخير لهم، إلى غير ذلك من أخلاقه الفاضلة. وقال آخر: فكما أن معاني القرآن لا تتناهي فكذلك أوصافه الحميدة الدالة على حسن خلقه العظيم لا تتناهى، إذ في كل حال من أحواله يتجدد له الكثير من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشّيم، وما يفيضه الله عليه من معارفه، وعلومه، مما لا يعلمه إلا الله تعالى، فإذن التعرض لحصر جزئيات أخلاقه الحميدة تعرض لما ليس من مقدور الإنسان، ولا من ممكنات عادته. السادس: قول عائشة رضي الله تعالى عنها: ما انتقم ﷺ لنفسه أي خاصة، فلا يرد أمره بقتل عبد الله بن خطل، وعقبة بن أبي معيط [ (١) ] ، وغيرهما ممن كان يؤذيه، لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله تعالى. وقيل أرادت أنه لا ينتقم إذا أوذي من جفاء من رفع صوته عليه، والذي جبذ بردائه، حتى أثر في كتفه، وحمل الدّاودي عدم الانتقام على ما يختص بالمال، قال: وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه قال: واقتص ممن لدّه في مرضه بعد نهيه ﷺ عن ذلك، بأن أمر بلدّهم،

стр. 2837

مع أنهم كانوا من ذلك تأولوا، إنما نهاهم على عادة البشرية من كراهة النفس للدواء قال الحافظ رحمه الله تعالى: كذا قال. السابع: في بيان غريب ما سبق: الفاحش: أي ليس ذا فحش في كلامه. ولا سخّابا: أي لا يرفع صوته بكثرة الصياح، لحسن خلقه، وكرم نفسه، وشرف طبعه، وروي بالصاد وهو بمعناه. ليس بفظ: بالظاء المعجمة المشالة: أي ليس بسيّء الخلق، والخشن من القول. الغليظ: بالمعجمة المشالة أي الجافي. الدّمث: السهل اللين، وليس بالجافي، ولا المهين بضم الميم: يريد أنه لا يحقر الناس ولا يهينهم، ويروى ولا المهين بفتح الميم، فإن كانت الرواية هكذا فإنه أراد ليس بالفظ الغليظ الجافي، ولا الحقير الضعيف. لا تزرموه: بفوقية مضمومة، فزاي فراء مكسورة، فميم: أي لا تقطعوا بوله. السّجل: بسين مهملة مفتوحة، فجيم ساكنة: فلام: الدّلو الملأى. يؤنب: بالبناء للمفعول: يلوم. قمام الأرض: هو جمع قمامة: ما تقمقمه من المرعى وأصله الكناسة. لدّه: بلام فدال مهملة مفتوحتين، فهاء: سقاه في أحد شقي الفم، والله تعالى أعلم.

стр. 2838

الباب الثالث في حلمه وعفوه مع القدرة له ﷺ قال الله : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف ١٩٩] وقال : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران ١٥٩] . روى أبو نعيم عن قتادة رحمه الله تعالى قال: طهر الله تعالى رسوله من الفظاظة والغلظة، وجعله قريبا، رؤوفا بالمؤمنين رحيما [ (١) ] . وروى ابن مردويه عن جابر وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الشّعبي قال: لما أنزل الله : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ الآية، قال: ما تأويل هذه الآية يا جبريل؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم، فصعد، ثم نزل، فقال: يا محمد أن الله ﵎ أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك. وروى البخاري عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما في الآية مسائل: الأولى: قال: أمر رسول الله ﷺ أن يأخذ بالعفو عن أخلاق الناس [ (٢) ] . وروى البخاري عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه غزا مع رسول الله ﷺ ، فلما قفل معه أدركتهم القائلة في واد كثير العضاة فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة فعلق سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: «إن هذا اخترط عليّ سيفي، وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده فقال: من يمنعك مني؟» فقلت: الله ثلاثا، ولم يعاقبه وجلس [ (٣) ] .

стр. 2839

وروى الإمام أحمد والطبراني عن جعدة [ (١) ] رضي الله تعالى عنه قال: شهدت رسول الله ﷺ أتي برجل فقال: هذا أراد أن يقتلك، فقال رسول الله ﷺ : «لن تراع، لو أردت ذلك لم يسلطك الله عليّ» [ (٢) ] . وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد وعبد بن حميد ومسلم والثلاثة عن أنس رضي الله تعالى عنه أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من قبل التنعيم متسلحين يريدون غرّة رسول الله ﷺ ، فدعا عليهم، فأخذهم سلما فعفا عنهم، واستحياهم [ (٣) ] . وروى النّسائي، وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا رسول الله ﷺ يوما، ثم قام فقمت حين قام، فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه، فجذبه بردائه، فحمّر رقبته، وكان رداؤه خشنا، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، فقال له الأعرابي: احملني على بعيري هذين، فإنك لا تحملني من مالك، ولا من مال أبيك، فقال له رسول الله ﷺ : «لا، وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله لا أحملك حتى تقيدني من جبذتك» وكل ذلك يقول الأعرابي: والله لا أقيدكها، فذكر الحديث، وفيه: ثم دعا رسول الله ﷺ عمر رضي الله تعالى عنه فقال: احمل له على بعيريه هذين- على بعير تمرا، وعلى الآخر شعيرا، - ثم التفت إلينا، فقال: «انصرفوا على بركة الله تعالى [ (٤) ] » . وروى أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة طاف بالبيت وصلّى ركعتين، ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال: «ما تقولون؟ وما تظنون؟» قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم قالوا ذلك ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : «أقول كما قال أخي يوسف لإخوته» ﵇ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف ٩٢] فخرجوا، فكأنما نشروا من القبور، فأسلموا [ (٥) ] . وروى ابن عساكر عن الزهري عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: لما كان يوم فتح مكة أرسل رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية، وأبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، قال عمر رضي الله تعالى عنه فقلت: قد أمكنني الله منهم اليوم، لأعرفنهم بما صنعوا، فقال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثلكم كما قال يوسف ﵇ لإخوته» :

стр. 2840

لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فانفضحت حياء من رسول الله ﷺ كراهية أن يكون يدري، وقد قال لهم رسول الله ﷺ ما قال [ (١) ] . وروى أبو الشيخ، وابن حبان عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ جعل يقبض يوم حنين من فضة في ثوب بلال، ويفرقها، فقال له رجل: يا رسول الله أعدل، فقال: «ويحك، من يعدل إذا أنا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن كنت لا أعدل» فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ألا أضرب عنقه فإنه منافق؟ فقال: «معاذ الله أن يتحدث أني أقتل أصحابي [ (٢) ] » . وروى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناسا في القسمة ليؤلفهم، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى ناسا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله تعالى، قال: فقلت: والله لأخبرنّ رسول الله ﷺ ، فأتيته، فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصّرف، ثم قال: «فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله؟ ثم قال: يرحم الله موسى ﵇، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر [ (٣) ] » . وروى ابن حبان، والحاكم، عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه: أن زيد بن سعية- وهو أحد علماء أهل الكتاب من اليهود- وقال النووي رحمه الله تعالى: هو أحد أحبار اليهود الذين أسلموا- قال: إنه لم يبق من علامات النّبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: أن يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه، فابتعت منه تمرا معلوما إلى أجل معلوم، وأعطيته الثمن، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة، أتيته، فأخذت بجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ، فقلت: يا محمد ألا تقضيني حقي؟ فو الله إنكم يا بني عبد المطلب لمطل، وقد كان لي بمخالطتكم علم فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أي عدوّ الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع؟ فو الله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون، وتؤدة، وتبسم، ثم قال: «أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التّباعة اذهب يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعا، مكان ما رعته» ، ففعل عمر رضي الله تعالى عنه، فقلت:
следующие страницы →