وروى ابن عدي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يأكل دجاجة أمر بها فربطت أياما، ثم يأكلها بعد ذلك.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يأكل الدجاج حبسه ثلاثة أيام.
وروى الشيخان عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدجاج.
التاسع: في أكله ﷺ لحم الحبارى .
روى أبو داود والتّرمذي والبيهقي والمحاملي وابن عدي عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: أكلنا مع رسول الله ﷺ لحم حبارى [ (١) ] .
وروى الدارقطني في الإفراد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: بعثتني أمي أم سليم إلى رسول الله ﷺ بطير مشوي، ومعه أربعة أرغفة، فأتيته به فقال: «يا أنس ادع لنا من يأكل معنا من هذا الطير» ،
فذكر الحديث، ويأتي في مناقب علي رضي الله تعالى عنه، قال أبو الحسن ابن الضحاك: قد ذكر عن أنس أن الطير كان حبارى مفسرا ولم يرد هنا مفسرا.
العاشر: في أكله ﷺ الأرنب .
روى الستة عن أنس رضي الله تعالى عنه نفجنا أرنبا بمر الظّهران فسعى القوم فلغبوا، فأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها بمروة وشويتها فبعث معي أبو طلحة بعجزها، وفي لفظ بوركها، وفي لفظ بفخذها، إلى رسول الله ﷺ فقبلها، ولفظ البخاري- في الهبة- فأكلها. وفي لفظ: فأكله، قيل له: أكله؟ قال: «قبله» [ (٢) ] .
وروى الدّارقطني عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أهدى لرسول الله ﷺ أرنب وأنا نائمة، فخبأ لي منها العجز، فلما قمت أطعمني.
روى أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ بأرنب وأنا جالس، فلم يأكلها، ولم ينه عنها، وذكر أنها تحيض [ (٣) ] .
وروى ابن ماجه عن خزيمة بن جزء رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال: «لا آكله، ولا أحرمه» ، قلت: فإني آكل ما لم تحرم، قلت: ولم يا رسول الله؟
стр. 3012
قال: «إن لها دما
وقال في زاد المعاد:» أكل رسول الله ﷺ لحم الجزور، والضأن، والدجاج، ولحم الحبارى ولحم حمار الوحش، والأرنب، وطعام البحر [ (١) ] .
الحادي عشر: في أكله ﷺ الحجل .
روى الترمذي والحاكم، وصححه، وابن السّني وأبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أهدي إلى رسول الله ﷺ حجل مشوي فقال: «اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير» ، فجاء علي رضي الله تعالى عنه فأكل منه [ (٢) ] .
الثاني عشر: في أكله ﷺ لحم شاة من الأروي .
روى أبو إسحاق المذكي في أماليه انتقاء الدارقطني عن حازم رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ بصيد صدته: شاة من الأرويّ فأهديتها إليه فقبلها رسول الله ﷺ وأكل منها وكساني عمامة عدنيّة وقال لي: «ما اسمك؟» قلت: حازم، قال: «لست بحازم، ولكنك مطعم» .
الثالث عشر: في أكله ﷺ لحم حمار الوحش .
روى البخاري عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: كنت جالسا مع رجال من أصحاب رسول الله ﷺ في منزل بطريق مكة ورسول الله ﷺ نازل أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير محرم، فأبصروا حمارا وحشيا، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبوا لو أني أبصرته، فالتفت فأبصرته، فقمت إلى الفرس، فأسرجته: ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشيء، فغضبت، فنزلت، فأخذتهما، ثم ركبت وشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكّوا في أكلهم إياه وهو حرم فرحنا، وخبأت العضد معي لرسول الله ﷺ ،
فأدركنا رسول الله ﷺ ، فسألناه عن ذلك فقال: «معكم شيء؟» قلت: نعم، فناولته العضد، فأكلها حتى نفذها وهو محرم [ (٣) ] .
الرابع عشر: في أكله ﷺ المخ .
روى أبو بكر أحمد بن مروان المالكي الدينوري في المجالسة عن معن بن كثير عن أبيه أن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه- قال- أتى رسول الله ﷺ بصحفة وجفنة مملوءة
стр. 3013
مخّا، فقال: «يا أبا ثابت ما هذا؟» فقال: والذي بعثك بالحق لقد نحرت وذبحت أربعين ذات كبد، فأحببت أن أشبعك من المخ، قال: فأكل، ودعا له النبي ﷺ ، بخير
قال إبراهيم بن حبيب: سمعت أن الخيزران حدثت بهذا الحديث، فقسمت قسما من مالها على ولد سعد بن عبادة، وقالت: أكافئ ولد سعد عن فعله برسول الله ﷺ .
تنبيهات
الأول: الشك في عدد الغزوات في أكله ﷺ الجراد من شعبة أحد رواة الحديث.
الثاني: قال التّوربشتي والحافظ وغيرهما يحتمل أنه يريد بالمعية مجرد الغزوات دون ما يتبعه من أكل الجراد، وقال التّروبشتي: أي أكلوه وهم معه، ويحتمل أنه يريد مع أكله، ويدل له رواية أبي نعيم عن ابن أبي أوفى السابقة، ورجح التروبشتي الأول لخلو أكثر الروايات عن هذه الزيادة، ولما
رواه أبو داود عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن الجراد، فقال: لا آكله ولا أحرمه.
قال الحافظ والصواب أنه مرسل فإن قيل: كيف يترك الحديث الصحيح بمثل هذا الحديث؟ قلنا: لم نتركه، وإنما أولناه لما فيه من الاحتمال كي يوافق سائر الروايات، ولا يرد الحديث الذي أوردناه- وهو من الواضح الكلي- بما فيه خفاء والتباس.
قال الطّيّبي: التأويل الأول بعيد لأن المعية تقتضي المشاركة في الفعل كما في قوله:
غزونا مع رسول الله ﷺ ، وقد صرح به صاحب الكشاف، والرواية الخالية عنه مطلقة تحتمل الأمرين وهذه مقيّدة تحمل على المقيّد، وحديث سلمان ضعفه البغوي، ورواية من روي أنه ﷺ لم يكن يأكل الجراد إخبار عن عدم الأكل بأنه لم يكن معه، فلم يشاهد فيبقى الكلام في لفظة معه.
الثالث:
روى ابن عدي من طريق ثابت بن زهير عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه ﷺ سئل عن الضّبّ فقال: «لا آكله ولا أحرمه» ، وسئل عن الجراد فقال: مثل ذلك،
قال الحافظ: هذا الحديث ليس بثابت، لأن ثابتا قال فيه النّسائي: إنه ليس بثقة.
الرابع: نقل النووي رحمه الله تعالى الإجماع على حل أكل الجراد، لكن فصّل ابن العربي في شرح التّرمذي بين جراد الحجاز وبين جراد الأندلس، فقال: في جراد الأندلس لا يؤكل لأنه ضرر محض.
قال الحافظ: إن ثبت أنه يضر آكله بأن يكون فيه سمة تخصه دون غيره من جراد البلاد تعين استثناؤه.
стр. 3014
الخامس: ادعى ابن الجوزي أن حديث أكله ﷺ الحجل موضوع، ورد عليه الحافظ صلاح الدين العلاثي، وقال: إن له طرقا كثيرة وغالبها واه، ومنها ما فيه ضعف قريب، وربما يقوي بعضها بعضا إلى أن تنتهي إلى درجة الحسن، وقال: والحكم على الحديث بالوضع بعيد جدا، وبسط الحكم على ذلك.
السادس: في بيان غريب ما سبق:
الذراع: بذال معجمة مكسورة فراء فألف مهملة: هو الساعد.
العراق: بضم العين: جمع عرق بفتحها، فإسكان الراء: وهو العظم إذا خلى عنه معظم اللحم.
الغب: بغين معجمة مكسورة فموحدة من الزيارة كل أسبوع، ومن الحمّى ما تأخذ يوما بعد يوم.
والغبة: بالضم البلغة من العيش، وهو المناسب هنا والأولى.
العناق: بعين مهملة فنون مفتوحتين فألف فقاف: الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة.
الدّبّاء: بالمد تقدم الكلام عليها.
القديد: بقاف مفتوحة فدالين أولاهما مكسورة بينهما مثناة تحتية: اللحم المملوح المجفف في الشمس فعيل بمعنى مفعول.
الشّواء: الحصباء بحاء مفتوحة وصاد ساكنة مهملتين وموحدة وبالمد: الحصى.
الداجن: بدال مهملة فألف فجيم فنون الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم.
الجنب: بجيم مفتوحة ونون ساكنة وموحدة والجانب والجنبة محركة: شق الأسنان.
الخبط: بخاء معجمة مفتوحة ثم باء موحدة مفتوحة: الورق المخبوط، وسمي الجيش به لأنه لما اشتد جوعهم كانوا يضربون الخبط بعصيهم، ويبلونه ويأكلونه.
الدجاج: بفتح الدال وكسرها وحكى الضم أيضا.
الحبارى: بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة وفتح الراء مقصور: طائر معروف نفجنا أرنبا بنون ففاء فجيم أي أثرناه من مكانه.
الحجل: بحاء مهملة فجيم فلام مفتوحات طائر معروف.
الأروى: بهمزة مضمومة فراء ساكنة فواو فتحتية جمع أروية وهي الشاة الواحدة من شياه الجبل، وهي أنثى الوعول وهي تيوس الجبل والله تعالى أعلم.
стр. 3015
الباب الرابع في أكله ﷺ أطعمة مختلفة
وفيه أنواع:
الأول: في أكله ﷺ الطّفيشل .
قال الحافظ أبو الحسن البلاذري رحمه الله تعالى في تاريخه قيل لأم أيوب رضي الله تعالى عنها أي الطعام كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ما رأيته أمر أن يصنع له طعام، ولا رأيته ذم طعاما قط، ولكن أبا أيوب أخبرني أنه تعشى معه ليلة من قصعة أرسل بها سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنها طفيشل، فرآه ينهكها نهكا، لم يره ينهك غيرها، فكنا نعمله له.
الثاني: في أكله ﷺ الهريسة .
قال أبو الحسن بن الضحاك حدثنا عبد الصمد بن أحمد بن سعيد وأحمد بن محمد قالا: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن مالك بن عائذ: حدثنا أحمد حدثنا صهيب حدثنا يحيى أبو محمد حدثنا عمران بن خالد الخزاعي عن مطر الورّاق [ (١) ] رحمهم الله تعالى أن رسول الله ﷺ كان إذا احتجم صنعت له هريسة، ونقل الحافظ البلاذري في تاريخه عن أم أيوب قالت: كنا نعمل لرسول الله ﷺ الهريس فنراه يعجبه، وكان يحضر عشاءه الخمسة إلى الستة إلى العشرة. وقال محمد بن عمر الأسلمي: لما نزل رسول الله ﷺ وادي القرى أهدى له بنو عريض اليهودي هريسا فأكلها رسول الله ﷺ وأطعمهم أربعين وسقا فهي جارية عليهم، تقول امرأة من يهود: لهذا الذي صنع لهم محمد خير مما ورثوه من آبائهم، لأن هذا لا يزال جاريا عليهم إلى يوم القيامة.
وروي أن أسعد بن زرارة كان يتخذ لرسول الله ﷺ الهريس ليلة وليلة، فإذا كانت الليلة التي يتوقعها منها قال: «هل جاءت قصعة أسعد؟» فيقال: نعم، فيقول: «هلموا» ، فنعلم أنها تعجبه.
الثالث: في أكله ﷺ الحيس والوطيئة .
روى الحميدي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فقال: «هل من طعام؟» فقلت: نعم، فقربت إليه قعبا من حيس خبأناه له، فوضع رسول الله ﷺ يده فأكل.
стр. 3016
وروي عنها قالت: أهدي لنا حيس فخبأت لرسول الله ﷺ منه، وكان يحب الحيس فقلت: يا رسول الله أهدي لنا حيس، فخبأت لك منه فقال: «أذنيه، أما إني أصبحت وأنا صائم، وأكل منه» ، ثم قال: «إنما مثل صوم التطوّع مثل الرجل يخرج من ماله صدقة إن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها» .
وروى مسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن بسر قال: نزل رسول الله ﷺ على أبي فقرب إليه طعاما ووطيئة فأكل منها.
الرابع: في أكله ﷺ الجشيشة .
روى مسلم عن عتبان بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله أن بصري قد ساءني وذكر الحديث وفيه فحبسنا رسول الله ﷺ على جشيشة صنعناها له [ (١) ] .
وروى أبو نعيم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: صنعنا لرسول الله ﷺ فخّارة فيها دشيشة.
الخامس: في أكله ﷺ الحريرة والعصيدة .
روى الطبراني برجال ثقات عن سلمى مولاة رسول الله ﷺ ورضي الله عنها أنها صنعت لرسول الله ﷺ حريرة وقربتها إليه فأكل، ومعه ناس من أصحابه فبقي منها قليل، فمر بالنبي ﷺ أعرابي، فدعاه رسول الله ﷺ فأخذها الأعرابي كلها بيده فقال له رسول الله ﷺ : «ضعها ثم قل: باسم الله، وكل من أدناها فشبع منها، وفضل منها فضلة» .
وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنهما قال: بعثني أبي إلى رسول الله ﷺ أدعوه إلى طعام، فجاء معي، فلما دنوت من المنزل أسرعت فأعلمت أبويّ فخرجا، فتلقيا رسول الله ﷺ ، ورحبا به ووضع له قطيفة كانت عندنا زبيرية فقعد عليها، ثم قال أبي لأمي: هاتي طعامك، فجاءت بقصعة، فيها دقيق قد عصدته بماء وملح، فوضعته بين يدي رسول الله ﷺ فقال: «خذوا باسم الله من جوانبها، وذروا ذروتها فإن البركة فيها» ، فأكل رسول الله ﷺ ، وأكلنا منه، وفضل منها فضل، ثم قال رسول الله ﷺ :
«اللهم اغفر لهم، وارحمهم، وبارك عليهم، ووسع عليهم في أرزاقهم» [ (٢) ] .
السادس: في أكله ﷺ الثّريد .
روى أبو داود والحاكم- وصححه- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان
стр. 3017
أحب الطعام إلى رسول الله ﷺ الثريد من الخبز، والثريد من الحيس [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد والحاكم والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعجبه الثّفل قال البيهقي: بلغني عن ابن خزيمة أن الثّفل- وقال غيره- هو الدقيق وما لا يشرب [ (٢) ] .
وروى البخاري عنه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ ، وغلام له خياط، فقدم إليه قصعة فيها ثريد، فجعل رسول الله ﷺ يتبع الدّبّاء الحديث.
وروى ابن عدي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: أتى رسول الله ﷺ بقصعة من ثريد فقال: «كلوا من جوانبها، ولا تأكلوا من وسطها فإن البركة تنزل في وسطها» ، ورواه أبو القاسم البغوي عن ابن عباس.
روي عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: لم يدخل منزل رسول الله ﷺ هدية أي في قدومه المدينة، أول هدية دخلت بها عليه قصعة مثرودة خبزا وسمنا فأضعها بين يديه، فقلت: يا رسول الله ﷺ أرسلت بهذه القصعة أمي، فقال: «بارك الله فيك، وفي أمك» ، فدعا أصحابه فأكلوا.
وروى أبو بكر الشافعي عن عكراش بن ذؤيب رضي الله تعالى عنه قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فانطلق إلى منزل أم سلمة رضي الله تعالى عنها فقال: «هل من طعام؟» فأوتينا بجفنة كثيرة السمن والودك فأقبلنا نأكل منها، فأكل رسول الله ﷺ مما بين يديه وجعلت أخبط في نواحيها فقبض رسول الله ﷺ بيده اليسرى على يدي اليمنى، ثم قال: «يا عكراش كل من موضع واحد، فإنه طعام واحد» .
وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: كنت من أهل الصّفّة فدعا رسول الله ﷺ يوما بقرص فكسره في الصحفة ثم وضع فيها ماء سخنا ثم وضع فيها ودكا ثم سفسفها ثم لبّقها ثم صعنبها ثم قال: «اذهب فأت بعشرة، وأنت عاشرهم» ، فجئت بهم، وذكر الحديث [ (٣) ] .
ورواه ابن عساكر وابن النجار عنه قال: كنت من أهل الصفة ... إلخ.
السابع: في أكله ﷺ الجبن الذي من عمل النصارى .
стр. 3018
روى مسدد وأبو داود وابن حبان في صحيحه والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أتى رسول الله ﷺ بجبنة في تبوك من عمل النصارى فقيل: هذا طعام تصنعه المجوس فدعا بسكين فسمى وقطع.
وروى الطيالسي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة رأى جنبة فقال: «ما هذا؟» فقالوا: طعام يصنع بأرض العجم فقال: «ضعوا فيه السكين وكلوا» .
وروى الإمام أحمد ومحمد بن عمر الأسلمي والبيهقي عنه قال: أتى رسول الله ﷺ بجبنة في غزاة تبوك، فقال ﷺ : «إني صنعت هذه؟» قالوا: بفارس، ونحن نرى أنه يجعل فيها ميتة فقال ﷺ : «أطعموا» . وفي رواية: «ضعوا فيها السكين، واذكروا اسم الله تعالى وكلوا» .
الثامن: في أكله ﷺ خبز الشعير مع الإهالة السّنخة .
روى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: دعا رسول الله ﷺ إلى خبز الشعير وإلى إهالة سنخة [ (١) ] .
التاسع: في أكله ﷺ الخزيرة .
روى البخاري والبرقاني عن عتبان بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: جئت رسول الله ﷺ فقلت: إني أنكرت بصري وإن السيل يأتيني فيحول بيني وبين مسجد قومي، ويشق علي اجتيازه فإن رأيت أن تأتي فتصلي في بيتي في مكان أتخذه مصلى فأصلي فيه، فقال: «أفعل» ، فغدا على رسول الله ﷺ وأبو بكر بعد ما استمد النهار، فاستأذن، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: «أين تحب أن تصلي من بيتك؟» فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ فكبر، وصففنا خلفه، فصلى لنا ركعتين، ثم احتبسته على خزيرة صنعت لهم- الحديث.
العاشر: في أكله ﷺ الزبد مع التمر .
روى أبو داود وابن ماجة عن ابني بسر السّلميّين رضي الله تعالى عنهما قالا: دخل علينا رسول الله ﷺ فقدمنا إليه زبدا وتمرا، وكان يحب الزبد والتمر [ (٢) ] .
الحادي عشر: في أكله ﷺ اللبن بالتمر .
روى الإمام أحمد وأبو نعيم بسند حسن عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم قال:
كان رسول الله ﷺ يتمجّع اللبن بالتمر ويسميها الأطيبين [ (٣) ] .
стр. 3019
وروى ابن السّني وإبراهيم والحاكم- وصححه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
كان رسول الله ﷺ يسمي التمر واللبن الأطيبين [ (١) ] .
الثاني عشر: في أكله ﷺ الفلفل والزيت .
وروى أبو يعلى، والطبراني- بإسناد جيد، والترمذي، عن عبد الله بن علي رحمه الله تعالى أن جدته سلمى رضي الله تعالى عنها أخبرته قالت: دخل علي الحسن بن علي، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، فقالوا: اصنعي لنا طعاما مما كان يعجب رسول الله ﷺ ، ويحسن أكله فقالت للحسن: يا بني لا تشتهيه اليوم، فأخذت شعيرا ونسفته، وجعلت منه خبزة، ثم جعلته في تور، وجعلت أدمه الزيت، ونثرت عليه فلفلا [ (٢) ] ، وقربته إليهم، وقالت: كان رسول الله ﷺ يحب هذه، ويحسن أكلها.
الثالث عشر: في أكله ﷺ الحلوى والعسل .
روى الترمذي- وصححه- وابن ماجة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى والعسل [ (٣) ] .
وروى ابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: أهدى لرسول الله ﷺ عسل، فقسم بيننا لعقة لعقة فأخذت لعقتي، ثم قلت: يا رسول الله أزداد أخرى، قال: «أخرى؟» قلت:
نعم [ (٤) ] .
الرابع عشر: في أكله ﷺ المنّ .
روى ابن عدي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن أكيدر [ (٥) ] دومة أهدى إلى رسول الله ﷺ جرّة من منّ، فأعطى أصحابه قطعة قطعة، ثم رجع إلى جابر فأعطاه قطعة أخرى، فقال: يا رسول الله قد أعطيتني فقال: «هذه لبنات عبد الله» [ (٦) ] .
стр. 3020
الخامس عشر: في أكله ﷺ الخبيص .
روى الحارث بسند منقطع عن عبد الله بن أبي عبد الله قال: صنع عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه خبيصا بالعسل والسمن والبر، فأتى به في قصعة إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «ما هذا؟» قال: هذا شيء يا رسول الله تصنعه الأعاجم من البرّ والسمن والعسل، تسميه الخبيص قال: فأكل.
وروى الطبراني في الثلاثة ورجال الصغير والأوسط ثقات، وبقيّ بن مخلد والحاكم- وصححه- عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المربد فرأى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يقود ناقة تحمل دقيقا حوّارى وسمنا وعسلا، فقال له رسول الله ﷺ : «أنخ» فأناخ، فدعا فيها بالبركة، ثم دعا ببرمة فنصبت على النار، وجعل فيها من السمن والعسل والدقيق، ثم أمر فأوقد عليها حتى نضج أو كاد ينضج، ثم أنزل، فقال رسول الله ﷺ : «كلوا» ، ثم أكل منه رسول الله ﷺ ، ثم قال: «هذا شيء تسميه أهل فارس الخبيص» [ (١) ] .
السادس عشر: في أكله ﷺ السكر .
روى البرقاني- بسند واه- عن موسى بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ أكل بطيخا بسكر.
السابع عشر: في أكله ﷺ الخل .
روى ابن أبي شيبة، ومسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ مر به قال:
فأشار إلي، فقمت إليه، فأخذ بيدي، فانطلقنا حتى دخل بعض حجر نسائه، فدخل، ثم أذن لي فدخلت وعليها الحجاب، فقال: «لأهله هل من غداء؟» قالوا: نعم، فأتى بثلاثة أقراص، فوضعن على شيء فأخذ رسول الله ﷺ قرصا فوضعه بين يديه، وأخذ قرصا فوضعه بين يدي ثم أخذ الثالث فكسره بالثنتين، فجعل بعضه بين يديه، وبعضه بين يدي، ثم قال: «هل من أدم؟» فقالوا: ما عندنا إلا الخل، فدعا به، فجعل يأكل، ويقول: «نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل» ، قال جابر رضي الله تعالى عنه: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من رسول الله ﷺ [ (٢) ] .
وروى مسلم والترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ قال: «نعم الأدم أو الإدام الخل» .
стр. 3021
وروى الترمذي- وحسنه- عن أم هانئ رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فقال: «هل عندكم شيء؟» فقلت: لا، إلا كسر يابسة وخل، فقال رسول الله ﷺ «قربوه، فما أقفر بيت من إدام فيه خل» [ (١) ] .
وروى أحمد بن منيع عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أكل رسول الله ﷺ خلّ خمر.
وروى أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان أحب الصّباغ إلى رسول الله ﷺ الخل.
الثامن عشر: في أكله ﷺ السّويق .
روى الحميدي والبخاري والنسائي عن سويد بن النّعمان الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر حتى إذا كنا بالصّهباء أو بيننا وبينها روحة دعا رسول الله ﷺ بالزاد، فلم يؤت إلا بسويق فلاكه ﷺ ولكناه معه، ثم مضمض رسول الله ﷺ ، ومضمضنا معه، ثم صلّى المغرب، وصلينا معه، ولم نتوضأ.
التاسع عشر: في أكله صلّى الله عليه وسمل التمر بالخبز .
روى أبو يعلى والإمام أحمد عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ أخذ كسرة من خبز شعير، ثم أتى بتمرة فوضعها عليها، ثم قال: «هذه إدام هذه» [ (٢) ] .
وروى الطبراني عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يأكل الخبز بالتمر، ويقول: «هذا إدام هذا» .
العشرون: في أكله ﷺ الكسب والسّمسم .
روى أبو نعيم في الطّب عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: عاد رسول الله ﷺ سعد ابن معاذ رضي الله تعالى عنه على أتان، فأنزله وقرب إليه شيئا من سمسم، وشيئا من تمر، حتى إذا أكل رسول الله ﷺ وأراد أن يقوم دعا له.
وروى فيه عنه أيضاً قال: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أعدل إلى المنزل، فعدل معه، فأتى بتمر وكسب، ثم أتاه بقدح من لبن فشرب منه.
стр. 3022
الحادي والعشرون: في أكله ﷺ السمن والأقط .
وروى الشيخان والبرقاني وابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أهدى لرسول الله ﷺ سمن وأقط وأضب، فأكل من السمن والأقط، ولم يأكل من الأضب تقذرا ثم قال: «إن هذا الشيء ما أكلته قط، فمن شاء أن يأكله فليأكله» ،
قال: وأكل على خوانة [ (١) ] .
وروى إبراهيم الحربي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ أكل ثور أقط ثم صلى، ولم يتوضأ، وقال الحربي: الثور من الأقط كهيئة اللقمة.
تنبيهات
الأول:
حديث حذيفة مرفوعا أن جبريل أطعمني الهريسة يشد بها ظهري لقيام الليل رواه الطبراني من طريق محمد بن الحجاج اللّخمي وهو الذي اختلقه،
وحديث أبي هريرة رواه الدّارقطني وقال: حديث منكر باطل، وموسى بن إبراهيم ومن دونهم ضعفاء لا يحتج بهم، وقال الخطيب: موسى بن إبراهيم مجهول، والحديث باطل، وحديث معاذ بن جبل وحديث جابر بن سمرة رواهما.
الثاني: قال الخطابي والقاضي في
حديث نعم الأدم الخل
معناه مدح الاقتصاد في المأكل، ومنع النفس من ملاذ الأطعمة، تقديره: ائتدموا بالخل، وما في معناه، مما تخف مؤنته، ولا يعز وجوده، ولا تنافسوا في الشهوات فإنها مفسدة للدين مسقمة للبدن، وتعقبه النووي رحمه الله تعالى فقال: الذي ينبغي أن يجزم به أنه مدح للخل نفسه، وأما الاقتصاد في المطعم، وترك الشهوات فمعلوم من قواعد آخر، وقال ابن القيم، هذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الخاص، لا تفضيل له على غيره، كما ظنه بعضهم.
الثالث: قال أبو سليمان: إنما أورد أبو داود حديث ابن عمر من أجل أن الجبن كان يعمله قوم من الكفار لا تحل ذكاتهم، وكانوا يعقدونها بالأنافح وكان من المسلمين من شاركهم في صنعة الجبن، فأباحه ﷺ على ظاهر الحال، ولم يمتنع من أكله من أجل مشاركة الكفار المسلمين فيه، قال: في الأمتاع: في دعوى أبي سليمان رحمه الله تعالى أن من المسلمين من كان يشارك المشركين في عمل الجبن يتوقف على النقل، ولم يكن إذ ذاك بفارس والشام أحد من المسلمين فتأمله، قلت: وهو ظاهر لا شك فيه.
الرابع: الحلوى بالقصر والمد: كل حلو، قال الخطابي رحمه الله تعالى: الحلوى لا يقع إلا على ما دخلته الصنعة، قال ابن سيده هي ما عولج من الطعام، وقد يطلق على الفاكهة،
стр. 3023
قال الخطابي: ولم يكن حبه للحلوى على معنى كثرة التشهي، وشدة نزاع النفس إليها، وإنما كان ينال منها إذا أحضرت إليه نيلا صالحا فيعلم بذلك أنها تعجبه، قال الحافظ: ووقع في كتاب فقه اللغة للثعالبي أن حلوى النبي ﷺ التي كان يحبها هي المجيع- بالميم والجيم بوزن عظيم- وهو: تمر يعجن باللبن.
الخامس: في بيان غريب ما سبق:
الطفيشل: بوزن سميدع نوع من الطعام كالهريسة.
الحيس: بحاء مهملة وتحتية وسين مهملة تمر وأقط معجون بسمن.
الوطيئة: بالواو والطاء والمثناة والهمزة على وزن سفينة: التمر يستخرج نواه ويعجن باللبن، والوطيئة الأقط بالسكر قال ابن دريد: رحمه الله تعالى، وقال في التقريب: الوطيئة طعام من التمر مطبوخ، وقيل مثل الحيس: تمر وأقط معجون بسمن، ومنه فقرّب إليه طعاما ووطيئة إلخ وضبطه النووي رحمه الله تعالى بالواو وإسكان الطاء وبعدها موحدة.
القعب: بقاف فعين مهملة، فموحدة: القدح الضخم الجافي، أو إلى الصغر أو يروي واحدا.
الجشيشة: بجيم مفتوحة فشينين، بينهما ياء تحتية، أولاهما مكسورة: هي أن تطحن الحنطة طحنا جليلا، ثم تجعل في القدور، ويلقى عليها لحم أو تمر ويطبخ، وقد يقال لها:
الدشيشة بالدال المهملة.
الحريرة: بحاء مهملة وراءين مهملات، بينهما تحتية: شيء يصنع من اللبن.
العصيدة: بعين مفتوحة، وصاد مهملتين، ومثناة تحتية، فدال مهملة فتاء تأنيث: شيء يعمل من الدقيق معروف.
الزبيرية: بزاي مضمومة فموحدة مفتوحة فتحتية ساكنة فراء فتحتية فتاء تأنيث.
الذّروة: بذال معجمة، فراء ساكنة، فواو، فتاء تأنيث، هي أعلى سنام البعير.
الثّريد: بفتح المثلثة: أن يثرد الخبز بمرق اللحم وقد يكون معه اللحم.
الخزيرة: بخاء معجمة مفتوحة، ثم زاي مكسورة، وبعد التحتية الساكنة راء تقدم الكلام عليها قريبا.
الزّبد: بزاي مضمومة، فموحدة ساكنة، فدال مهملة، وكرمان: زبد اللبن.
الفلفل اللّعقة: بلام مفتوحة، فعين مهملة ساكنة، فقاف، فتاء تأنيث: المرة من اللعق، وهو لعق ما في الأصابع والصحفة من أثر الطعام.
стр. 3024
المن: بميم مفتوحة، فنون: أي العسل الحلو الذي ينزل من السماء عفوا بلا علاج.
الخبيص الحوّار: بحاء مهملة فواو مشددة فألف فراء الدقيق الذي يحلّى مرة بعد أخرى.
السّويق: كأمير معروف يجعل من الشعير.
لاكه: بلام فألف فكاف فهاء أداره في فمه.
الكسب: بكاف مفتوحة فمهملة ساكنة، فموحدة: الرزق واكتسب طلبه.
السّمسم: بسين مهملة فميم ثم سين مهملة فميم حب معروف.
الأقط: بفتح الهمزة وكسر القاف، وتضم أيضا، وبكسر الهمزة والقاف معا، وبفتحها:
هو شيء يتخذ من مخيض اللبن الغنمي، والمراد هنا بالثور القطعة منه.
الأضب: جمع ضب والله تعالى أعلم.
стр. 3025
الباب الخامس فيما أكله ﷺ من الفواكه والقلوبات
وفيه أنواع:
الأول: فيما كان يقول ويفعل إذا أتي بالباكورة من الفاكهة .
روى مسلم والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بأول الثّمر فيقول: «اللهم كما أريتنا أوله أرنا آخره» [ (١) ] .
وروى أبو سعيد بن الأعرابي واللفظ له والدّارقطني عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا أتى بباكورة الفاكهة وضعها على عينيه، ثم على شفتيه ثم قال: «اللهم كما أريتنا أوله أرنا آخره ثم يعطيه من يكون عنده من الصبيان» .
وروى الطبراني في الكبير والصغير من طرق- رجال طريقين منها رجال الصحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى بالباكورة من الثمار قبلها، ووضعها على عينيه، ثم قال: «اللهم كما أطعمتنا أوله فأطعمنا آخره» ، ثم يأمر به للمولود من أهله، وفي رواية أصغر من يحضره من الولدان [ (٢) ] .
وروى البرقاني برجال ثقات عن ابن شهاب رحمه الله تعالى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بالباكورة قبلها، ووضعها على عينه، أو على عينيه.
الثاني: فيما روي من أمره ﷺ بتهنئته إذا جاء الرطب .
روى البزار من طريق حسان بن سياه وفيه عن أنس وابن لال في مكارم الأخلاق عن أنس وعائشة معا رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال لعائشة رضي الله تعالى عنها:
«إذا جاء الرطب فهنئيني» ، وفي لفظ: «فنبئوني وإذا ذهب فعزوني» [ (٣) ] .
الثالث: في أكله ﷺ التمر .
روى أبو الحسن بن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «بيت لا تمر فيه جياع أهله، وبيت لا خل فيه قفار أهله، وبيت لا صغار فيه لا بركة فيه، وخيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» .
стр. 3026
وروى أبو داود الطيالسي بسند صحيح، وأبو يعلى عن عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه قال: «أتانا رسول الله ﷺ فألقت له أمي قطيفة فجلس عليها فأتته بتمر فجعل يأكل ويقول بالنوى هكذا، يضع النواة على السبابة والوسطى» .
وروى أبو داود عن يوسف بن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ أخذ كسرة من خبز شعير فوضعها على تمرة، وقال: «هذه إدام هذه» ، ورواه الطبراني عن عبد الله بن سلام، ورواه أيضاً عن زيد بن ثابت وعن عائشة.
وروى ابن سعد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أهدى لرسول الله ﷺ تمر، فأخذ يهديه، ثم قال: رأيته يأكل مقعيا من الجوع [ (١) ] .
وروى أيضا عن علي بن الأثير قال: كان رسول الله ﷺ يأكل تمرا، فإذا مر بحشفة أمسكها بيده فقال له قائل: أعطني هذه التي بقيت، فقال: «إني لست أرضي لكم ما أسخطه لنفسي» .
وروى ابن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان أحب التمر إلى رسول الله ﷺ العجوة [ (٢) ] .
وروى أبو داود وابن ماجة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أتى رسول الله ﷺ بتمر عتيق فجعل يفتشه ويخرج السّوس منه.
الرابع: في أكله ﷺ العنب .
روى ابن ماجة عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال: أهدى لرسول الله ﷺ عنب من الطائف فدعاني فقال: «خذ هذا العنقود فأبلغه أمك» ، فأكلته قبل أن أبلغه إياها، فلما كان بعد ليال قال لي: «ما فعل العنقود؟ هل أبلغته إلى أمك؟» قلت: لا، فسماني غدر [ (٣) ] .
وروى الطبراني وابن عدي وأبو بكر الشافعي بسند واه جدا، وأبو الشيخ والبيهقي- وقال إسناده قوي- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل العنب خرطا، وجاء في بعض الروايات بالصاد، ومعناهما واحد، وهو أن يأخذ العنقود ويضعه في فيه ويخرطه من حبه فيأكل الحب، ويخرج العرجون عاريا.
стр. 3027
وروى ابن السني وأبو نعيم كلاهما في الطب عن أمية بن زيد العبسي أن رسول الله ﷺ كان يحب من الفاكهة العنب والبطيخ [ (١) ] .
الخامس: في أكله ﷺ التين .
روى ابن السّنيّ وأبو نعيم كلاهما في الطب عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: أهدى لرسول الله ﷺ وسلم طبق من تين، فقال لأصحابه: «كلوا فلو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة بلا عجم لقلت هي التين، وإنه يذهب بالبواسير ينفع من النّقرس» .
السادس: في أكله ﷺ الزبيب .
روى الإمام أحمد عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه، أو غيره من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ دخل بيت سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه فقرب إليه زبيبا، فأكل رسول الله ﷺ فلما فرغ قال: «أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون» .
السابع: في أكله ﷺ السّفر جل .
روى الطبراني برجال ثقات خلا على القرشي الراوي عن عمر بن دينار بنحو رجاله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاء جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما إلى رسول الله ﷺ بسفرجلة قدم بها من الطائف فناوله إياها، فقال رسول الله ﷺ : «إنه ليذهب بطخاءة الصدر ويجلو الفؤاد» [ (٢) ] .
وروى الطبراني والحاكم والضياء في المختارة وصححاه، عن طلحة رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ وبيده سفرجلة، فرماها إليّ، وقال لي: «دونكها يا طلحة، فإنها تجلو الفؤاد» ، وفي لفظ: «فإنها تشد القلب، وتطيب النفس، وتذهب بطخاءة الصدر» .
وروى ابن السني وأبو نعيم كلاهما في الطب عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: أهديت لرسول الله ﷺ سفرجلة من الطائف فأكلها، وقال: «كلوه، فإنه يجلو الفؤاد، ويذهب بطخاءة الصدر»
الثامن: في أكله ﷺ الرمان .
روى ابن حبان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ أتى برمّان يوم عرفة فأكل.
стр. 3028
التاسع: في أكله ﷺ التوت .
روى الخطيب عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل توتا في قصعة.
العاشر: في أكله ﷺ الكباث .
روى الإمام أحمد والشيخان والنسائي عن جابر بن عبد الله عنهما قال: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بمر الظّهران نجني الكباث، وهو ثمر الأراك، وهو يقول: «عليكم بالأسود منه فإنه أطيب» - زاد ابن حبان وإني كنت آكله، زمن كنت أرعى، فقلت: أكنت ترعى الغنم؟ قال:
«وهل من نبي إلا رعاها» [ (١) ] .
الحادي عشر: في أكله ﷺ الزّنجبيل .
روى الترمذي، وابن السنّي وأبو نعيم، وأبو سعيد بن الأعرابي رضي الله تعالى عنه وأبو أحمد الحاكم- وصححه- وابن عدي من طرق عن عمرو بن حكام قال: أخبرنا شعبة عن علي ابن زيد عن أبي المتوكل النّاجي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: أهدى ملك الهند إلى رسول الله ﷺ هدايا، فكان فيما أهدي له جرة فيها زنجبيل، فأطعم كل إنسان قطعة قطعة، وأطعمني قطعة.
الثاني عشر: في أكله ﷺ الفستق واللّوز .
روى ابن عساكر من طريق السّبكي وسنده واه عن دحية قال: قدمت من الشام وأهديت إلى النبي ﷺ فاكهة يابسة من فستق ولوز وكعك فقال: «اللهم ائتني بأحب أهلي يأكل معي» ، فطلع العباس رضي الله تعالى عنه فقال: «ادن يا عم» فجلس فأكل.
الثالث عشر: في أكله ﷺ الجمار .
روى البرقاني وأبو القاسم البغوي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخلت على رسول الله ﷺ فرأيته يأكل جمّار، فقال: «إني لأعرف شجرة تؤتي أكلها كل حين مثل المؤمن.
وروى البخاري وعبد الرحمن بن حميد، وأبو سعيد بن الأعرابي والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ وهو يأكل جمّار نخل،
وفي رواية قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل جمارة نخل [ (٢) ] .
стр. 3029
الرابع عشر: في أكله ﷺ الرطب مفردا أو مع البطيخ .
روى الإمام أحمد وابن ماجة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: بعثتني أمي أم سليم إلى رسول الله ﷺ بقناع عليه رطب فجعل يقبض قبضة فيبعث بها إلى بعض أزواجه، ثم جلس، وأكل بقيته أكل رجل يعلم أنه يشتهيه.
وروى الإمام أحمد عن أم المنذر سلمى بنت قيس الأنصارية رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ، ومعه علي رضي الله تعالى عنه وعلى ناقه من مرض، ولنا دوال معلّقة، فقام رسول الله ﷺ يأكل منها، وقام علي رضي الله تعالى عنه يأكل منها الحديث [ (١) ] .
وروى ابن سعد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أهدى لرسول الله ﷺ طبق من رطب، فجثى على ركبتيه، فأخذ يناولني قبضة قبضة، ويرسل بها إلى نسائه، فأكلها أكل رجل يعلم أنه يشتهيه، وكان يلقي النوى بشماله، فمرت داجنة، فناولها فأكلت.
وروى أبو داود والترمذي- وحسنه- والنسائي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يأكل البطيخ بالرطب، ويقول: «يكسر حرّ هذا برد هذا» [ (٢) ] .
وروى ابن ماجة عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ ، كان يأكل الرطب بالبطيخ [ (٣) ] .
وروى أبو داود الطيالسي والإمام أحمد عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ أكل عندهم رطبا وشرب ماء وقال: «هذا من النعيم الذي تسألون عنه» [ (٤) ] .
وروى أبو يعلى والإمام أحمد والترمذي في الشمائل والنسائي في الكبرى والحاكم وابن سعد وسنده جيد بسند رجاله ثقات عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين البطيخ والرطب [ (٥) ] .
وروى البرقاني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان أحب الفاكهة إلى رسول الله ﷺ الرطب والبطيخ.
стр. 3030
وروى النّسائي والإمام أحمد وابن السنّي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الخربز والرطب ويقول: «يكسر حر هذا برد هذا وبرد هذا حر هذا [ (١) ] » .
وروى ابن حبان عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يأكل الرطب أو البطيخ، والشك من شيخ شيخه أحمد بن جنيد.
وروى أبو الشيخ عنه قال: كنت إذا قدمت الرطب إلى رسول الله ﷺ أكل الرطب وترك المذنّب.
وروى الطبراني وأبو الشيخ والحاكم والبيهقي- وضعفه- عن أنس أن النبي ﷺ كان يأكل الرطب بيمينه، والبطيخ بيساره، فيأكل الرطب بالبطيخ، وكان أحب الفاكهة إليه، ورواه ابن عدي من طريق يوسف بن عطية الصّفار وهو متروك [ (٢) ] .
وروى ابن عدي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان أحب الفاكهة إلى رسول الله ﷺ الرطب والبطيخ [ (٣) ] .
الخامس عشر: في أكله ﷺ القثّاء مفردا، ومع الرطب، ومع الملح، ومع الثّفل بالمجّاج .
روى الإمام مالك عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني أنمار، فبينا أنا نازل تحت شجرة إذا رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله هلم إلى الظل، قال: فنزل رسول الله ﷺ فقمت إلى غرارة لنا فالتمست فيها شيئا فوجدت جرو قثّاء فكسرته، ثم قربته إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «من أين لكم هذا؟» فقلت: خرجنا به يا رسول الله من المدينة.
وروى الترمذي في الشمائل والطبراني عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يحب القثّاء [ (٤) ] .
وروى بقي بن مخلد والتّرمذي عن الربيع بنت معوذ رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يعجبه القثّاء.
стр. 3031
وروى الإمام أحمد وأبو داود والطّيالسي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الرطب والخربز زاد الطّيالسي رحمه الله تعالى: ويقول: هما الأطيبان.
وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل القثّاء بالرطب [ (١) ] .
وروى ابن عدي بسند ضعيف عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ كان لا يأكل القثّاء إذا أكله إلا بالملح.
وروى الخطّابي في غريبه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ كان يأكل القثّاء والثّفل بالمجّاج.
تنبيهات
الأول: قال البيهقي في الشعب: الحكمة في إلقائه ﷺ النوى بإصبعيه نهيه ﷺ أن يجعل الأكل النوى على الطبق، وعلله الحكيم التّرمذي: بأنه قد يخالطه الريق ورطوبة الفم فإذا خالط ما في الطبق عافته الأنفس.
الثاني: حديث أتى جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ بقطف من عنب، وقال أن الله تعالى يقرئك السلام، وأرسلني إليك بهذا القطف لتأكله، فأخذه رسول الله ﷺ رواه الطبراني من طريق حفص بن عمر بن أبي العطّاف عن أنس، وعن ابن عباس، وحفص قال فيه:
وحديث أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يأخذ الرطب بيمينه، والبطيخ بيساره، فيأكل الرطب بالبطيخ، وكان أحب الفاكهة إليه، رواه الطبراني في الأوسط وفي سنده يوسف بن عطية الصّفار وهو متروك قال فيه، ورواه عن عبد الله بن جعفر، وفي سنده أصرم بن حوشب وهو متروك قال فيه.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
الباكورة: بموحدة فألف فكاف فواو فراء: المعجل الإدارك من كل شيء من الفاكهة.
قفار: بقاف ففاء مفتوحتين فراء أي غير مأدوم.
القطيفة: تقدم الكلام عليها.
السّبّابة: تقدم تفسيرها.
стр. 3032
الوسطى: بواو مضمومة، فسين مهملة ساكنة، فطاء مهملة.
العنقود: معروف.
غدر: بمعجمة مضمومة، فدال مهملة فراء كصرد، والغدر ضد الوفاء.
العرجون: بعين مهملة مضمومة فراء ساكنة فجيم فواو فنون: العود الأصفر الذي فيه شماريخ العذق.
البواسير: بموحدة فواو فألف فسين فراء مهملتين بينهما تحتية علة تحدث بالمقعدة، ومن داخل الاست وتقال بالسين والصاد، وبالباء، والنون، فبالباء عجمي: وجع بالمقعدة وتورّمها من داخل، وخروج الثّآليل، وبالنون عربي: انفتاح عروقها وجريان مادتها.
النّقرس.
السفرجل.
طخاءة الصدر: الطخاء بطاء فخاء معجمة مفتوحتين: ثقل وغشاء، وأصله الظلمة والغنم.
تجم- بفوقية مفتوحة فجيم مضمومة فميم، الفؤاد: صلاحه، ونشاطه: أي تريحه، وقيل تجمعه وتكمله.
الكباث: كسحاب: النّضيج من ثمر الأراك.
الخربز: بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء وكسر الموحدة بعدها زاي نوع من البطيخ الأصفر، وبهذا يتبين أن المراد بالبطيخ في هذا الحديث الأصفر، وتعقّب بأن الأصفر فيه حرارة كما في الرطب، وأجيب بأن في الأصفر بالنسبة للرطب برودة، وإن كان لحلاوته طرف حرارة.
المذنّب: بميم مضمومة، فدال معجمة مفتوحة، فنون مشددة، فباء موحدة: الذي نصفه بسر.
جرو القثّاء: بجيم مكسورة فراء ساكنة فواو صغار القثّاء.
الثّفل: بثاء مثلثة ففاء الثريد.
المجّاج: بميم مضمومة فجيمين بينهما ألف: العسل، لأن النحل تمجّه أي تلقيه وتقذفه، وقيل: لا يكون مجّا حتى يتباعد به.
стр. 3033
الباب السادس فيما أكله ﷺ من الخضراوات وما يلتحق بها
وفيه أنواع:
الأول: في أكله ﷺ البقل .
روى أبو الشيخ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان أحب الطعام إلى رسول الله ﷺ البقل، كذا أورده ابن الجوزي [ (١) ] رحمه الله تعالى، والظاهر أنه بالثاء المثلثة، وهو الثريد والله أعلم، رواه الحاكم عن أنس بلفظ كان النبي ﷺ يعجبه الثّفل، ثم قال:
سمعت أبا محمد يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: الثّفل: هو الثريد.
الثاني: في أكله ﷺ البصل مطبوخا .
وروى الإمام أحمد والبيهقي وأبو داود والنّسائي والترمذي في الشمائل عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: آخر طعام أكله ﷺ كان فيه البصل، زاد البيهقي أنه كان مشويا في قدر أي مطبوخا [ (٢) ] .
وروى البخاري في المفرد وأبو الحسن بن الضحاك عنها قالت: إن النبي ﷺ قد أكل البصل مشويا قبل أن يموت بجمعة.
الثالث: في أكله ﷺ القلقاس .
قال في الإمتاع: قاله الدّولابي [ (٣) ] : أهدى أهل أيلة إلى النبي ﷺ القلقاس فأكله وأعجبه، وقال: «ما هذا؟» فقالوا شحمة الأرض، فقال ﷺ : «أن شحمة الأرض لطيبة» .
الرابع: في أكله ﷺ القرع .
روى الإمامان مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أنس رضي الله تعالى عنه أن خياطا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه، قال أنس رضي الله تعالى عنه:
فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام فقرب إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير، ومرقا فيه دبّاء وقديد، قال أنس: فرأيت رسول الله ﷺ يتتبع الدّبّاء من حول الصحفة، فجعلت أتتبعه، وأضعه بين يديه ولا أطعمه، فلم أزل أحب الدّبّاء من يومئذ.
стр. 3034
وروى الترمذي عن أبي طالوت [ (١) ] قال: دخلت على أنس وهو يأكل قرعا، وهو يقول:
يا لك من شجرة ما أحبّك إلا لحب رسول الله ﷺ إياك [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد وابن شيبة والنّسائي وأبو بكر بن أبي خيثمة عن أبي حكيم جابر بن مشرّق ويقال له جابر بن طارق رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ وعنده الدّبّاء تقطع، فقلت: ما هذا؟ فقال: «نكثر به طعامنا» [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد وأبو بكر بن أبي خيثمة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان أعجب الطعام إلى رسول الله ﷺ الدّبّاء [ (٤) ] .
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «يا عائشة: إذا طبخت فأكثري فيه الدّبّاء فإنه يشد قلب الحزين» ، ورواه أبو بكر الشافعي من طريق آخر.
وروى ابن سعد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إذا كان عندنا دبّاء آثرنا به رسول الله ﷺ .
وروى الديلمي عنه أيضاً قال: كان رسول الله ﷺ يكثر من أكل الدّبّاء فقال: «إنه يكثر دهن الدماغ، ويزيد في العقل» [ (٥) ] .
الخامس: في أكله ﷺ السّلق مطبوخا مع الزيت، والفلفل، والتوابل، ودقيق الشعير .
روي عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: كنا نفرح بيوم الجمعة، قلنا: لم؟ قال: كانت لنا عجوز ترسل إلي بضاعة فتأخذ من أصول السّلق فتطرحه في القدر وتكركر عليه حبات من شعير، والله ما فيه لحم ولا ودك فإذا صلينا الجمعة انصرفنا.
وروى الترمذي عن أم المنذر رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ومعه علي رضي الله تعالى عنه ولنا دوال معلقّة فجعل رسول الله ﷺ يأكل وعلي يأكل معه، فقال رسول الله ﷺ لعلي: «مه يا علي، فإنك ناقه» فجلس علي رضي الله تعالى عنه والنبي ﷺ يأكل، فجعلت لهم سلقا وشعيرا، فقال النبي ﷺ : «يا علي من هذا، فأصب، فإنه أوفق لك» .
стр. 3035
تنبيهات
الأول: قال الحافظ أبو بكر البرقاني سألني الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر إسماعيل رحمه الله تعالى كيف يجمع بين تتبع النبي ﷺ الدّبّاء في القصعة من حواليها، وبين قوله ﵇: «كل مم يليك؟» فلم يحضرني شيء فقلت: ما يقول: الشيخ؟ فقال: إن حديث الدّبّاء كان الرجل الخياط أصلح ذلك الطعام خاصا بالنبي ﷺ ، وما كان هذا سبيله فجائز أكله على طريق التتبع، وما لم يكن كذلك فالأكل مما يلي الآكل.
وقال أبو الحسن بن الضحاك رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يقال في الجمع بينهما إن النهي عن ذلك إنما هو من طريق التّقزز الذي يصيب من يأكل مع آخر في صحفة واحدة، والنبي ﷺ يتبرك بموضع يده حيث حل، وترجى بركتها، ويحرص على ملاقاتها للطعام حيث كان، ويتنافس في الأكل من الموضع الذي حلت فيه يده، فشتان بين يد طهرها بارئها، وكرمها خالقها ومنشئها، وبين يد لا تشاركها إلا في الاسمية، وتباعد منها في كل فضيلة سنية، والله تعالى يختص برحمته من يشاء، لا إله غيره انتهى.
الثاني: قال الحافظ أبو عمرو: من طريق الإيمان حبّ ما كان رسول الله ﷺ يحبه، واتباع ما كان يفعله، ألا ترى أن قول أنس فلم أزل أحب الدّبّاء بعد ذلك اليوم.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
السّلق.
التوابل.
стр. 3036
الباب السابع فيما كان أحب الطعام إليه ﷺ
وفيه أنواع:
الأول: الثّريد .
روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قال: كان أحب الطعام إلى رسول الله ﷺ الثّريد من الخبز والثريد من الحيس.
الثاني: القرع .
روى الحارث بن أبي أسامة عن معاوية بن صالح قال: كان أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يحب القرع، فقيل له: ما أشد حبك للقرع! فقال: إن شدة حبي له لما رأيت من حب رسول الله ﷺ إياه.
وروى أيضا عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان القرع يعجب رسول الله ﷺ .
وروى الإمام أحمد عنه رضي الله تعالى عنه قال: أن رسول الله ﷺ كانت تعجبه الفاغية، وكان أحب الطعام إليه الدّبّاء، وروى مسلم عنه أن رسول الله ﷺ كان يحب الدّبّاء.
الثالث: الحلوى والعسل .
روى البخاري وأبو بكر الشافعي وأبو سعيد بن الأعرابي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى والعسل.
الرابع: الزبد والتمر .
روى أبو داود عن ابني بسر السلميين رضي الله تعالى عنهما قالا: دخل علينا رسول الله ﷺ ، فقدمنا له زبدا وتمرا.
الخامس: لحم الذراع .
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتى رسول الله ﷺ بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه الحديث.
السادس: لحم الظهر .
روى الحميدي والطبراني عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خير أو أطيب اللحم لحم الظهر» .
وروى النسائي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان أحب العراق إلى رسول الله ﷺ عراق الشاة والجنب.
стр. 3037
وروى ابن السني وأبو نعيم في الطبّ، والبيهقي عن مجاهد مرسلا، والطبراني عن عبد الله بن محمد قال: كان أحب الشاة إلى رسول الله ﷺ مقدّمها.
السابع: في أحب الفواكه إلى رسول الله ﷺ الرطب والبطيخ .
روى ابن عدي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان أحب الفواكه إلى رسول الله ﷺ الرطب والبطيخ، ورواه أيضاً عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
تنبيهان
الأول: حديث بريدة مرفوعا: سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية، - رواه الطبراني برجال ثقات غير سعيد بن عتيبة القطان فيجر رجاله.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
الفاغية: بفاء فألف فغين معجمة مكسورة فتحتية فتاء تأنيث نور الحنّاء، وقيل نور الرّيحان، وقيل نور كل نبت من أنواع نبات الصحراء التي لا تزرع، وقيل فاغية كل نبت نوره.
العراق: بعين مهملة مضمومة فراء فألف فقاف جمع عرق بفتح وسكون وهو العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم، وهو جمع نادر.
стр. 3038
الباب الثامن فيما كان ﷺ يعافه من الأطعمة
وفيه أنواع:
الأول: فيما كرهه ﷺ من الخضراوات .
روى الإمام أحمد ومسلم واللفظ له عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ مر على مزرعة بصل بخيبر هو وأصحابه، فنزل ناس منهم، فأكلوا، ولم يأكل آخرون، فرجعنا إليه، فدعا الذين لم يأكلوا، وأخر الآخرين حتى ذهب ريحها وتجمعا.
وروى الدّارقطني في «غرائب ملك» ، وابن عدي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان لا يأكل الثوم، ولا الكراث، ولا البصل، من أجل أن الملائكة ﵈ تأتيه، ومن أجل أنه يكلم جبريل ﵇ [ (١) ] .
وروى ابن سعد عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ أرسل إليه بطعام يعني حضره، وفيه بصل وكراث ولم ير فيها أثر رسول الله ﷺ ، فأبى أن يأكله، فقال له رسول الله ﷺ : «أستحي من الملائكة وليس بمحرم» [ (٢) ] .
وروى عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى بطعام أصاب منه، ثم بعث به إلينا، فبعث إلينا بطعام لم يصب منه فقلت إن لهذا الطعام لشأنا، فلقيت رسول الله ﷺ فقلت له: أنه لم يكن يأتينا من قبلك شيء إلا وقد أصبت منه ما شاء الله، فقال: «إن هذه بقلة أكرهها، ولكن كلوها» ، قال: إني أكره ما كرهت يعني الثوم.
وروى ابن سعد عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد قال: أتى رسول الله ﷺ بقصعة فيها ثوم، فوجد ريح الثوم، فكفّ يده، وكف معاذ رضي الله تعالى عنه يده، فكف القوم أيديهم، فقال لهم: «ما لكم؟» فقالوا: كففت يدك، فكففنا أيدينا، فقال رسول الله ﷺ : «كلوا باسم الله، فإني أناجي ما لا تناجون» [ (٣) ] .
وروى ابن سعد عن عبد الله بن وهب قال: سمعت أبا صخر، وعن يزيد بن قسيط قالا: أتى رسول الله ﷺ بسويق لوز، فلما خيض له قال: «ماذا؟» قالوا: سويق اللوز قال: «أخروه عني هذا شراب المترفين» [ (٤) ] .
стр. 3039
الثاني: فيما كان رسول الله ﷺ يعافه من اللحوم .
روى الطبراني وابن عدي عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يكره من الشاة سبعا: المرارة والمثانة والحياء والذكر والأنثيين والغدّة والدم [ (١) ] .
وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يكره من الشاة سبعا: المرارة والمثانة والحياء والذكر والأنثيين والغدة والدم، وكان أحب الشاة إلى رسول الله ﷺ مقدّمها.
وروى ابن السني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يكره الكليتين لمكانهما من البول [ (٢) ] .
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يكره من لحوم الطير والوحش ما أكل الجيفة.
وروى مسدد برجال ثقات عن رجل من الأنصار رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل أدنى القلب.
وروى ابن أبي شيبة بسند ضعيف عن خزيمة بن جزء رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله جئتك أسألك عن أجناس الأرض فما تقول في الضب؟ قال: «لا آكله ولا أحرمه» ، قلت: فإني آكل ما لم تحرم، ولم يا رسول الله؟ قال: «فقدت أمة من الأمم، ورأيت خلقا رابني» قال: قلت يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال: «لا آكله ولا أحرمه» ، قال: قلت يا رسول الله فإني آكل ما لم تحرم، ولم يا رسول الله؟ قال: «نبئت أنها تدمي»
الحديث.
وروى أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: جيء بأرنب إلى رسول الله ﷺ ، وأنا جالس عنده، فلم يأكلها، ولم ينه عن أكلها، وقال: «إنها تحيض» .
وروى الإمام مالك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد على رسول الله ﷺ في بيت ميمونة، وكانت خالتها، فأتي بضبّ محنوذ فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده فقال بعض النسوة في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل منه، فقيل له: إنه ضبّ يا رسول الله، فرفع رسول الله ﷺ يده،
فقيل: أحرام هو يا
стр. 3040
رسول الله؟ قال: «لا، ذلك لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه» ،
فاجترّه خالد فأكله ورسول الله ﷺ ينظر [ (١) ] .
وروى ابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أهدى لرسول الله ﷺ سمن وأقط وضب فأكل من السمن والأقط، وقال: «الضب، هذا شيء ما أكلته قط، فمن أراد أن يأكله فليأكله» ، قال: فأكل على خوانه.
وروى أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتى رسول الله ﷺ بسبعة أضبّ في جفنة، وقد صب عليها سمن قال: «كلوا» ، ولم يأكل، فقال: يا رسول الله أنأكل، ولا تأكل؟ قال: «إني أعافها» .
وروى الطّبراني، ورجاله رجال الصحيح، عن امرأة من أزواج رسول الله ﷺ قالت: أتى رسول الله ﷺ بضب فقال: «كلوه، لا بأس به، ولكنه ليس من طعام قومي» [ (٢) ] .
وروى قاسم بن اصبغ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: إن رسول الله ﷺ قال: ذات يوم ليت عندنا خبزة بيضاء من برّة سمراء ملبّقة بسمن فنأكلها، فقام رجل فعملها، ثم جاء بها إلى رسول الله ﷺ فقال له النبي ﷺ : «فيم كان سمنك؟» قال: في عكّة ضب، فعافه رسول الله ﷺ .
وروى الطبراني من طريقين عن ميمونة أنها أهدي لها ضب، فأتاها رجلان من قومها، فأمرت به فصنع ثم قربته إليهما، فجاء رسول الله ﷺ وهما يأكلان، ثم أخذ ليأكل فلما أخذ اللقمة إلى فيه، قال: «ما هذا؟» قلت: ضب أهدي لنا، فوضع اللقمة، وأراد الرجلان أن يطرحا ما في أفواههما، فقال رسول الله ﷺ : «لا تفعلا، إنكم أهل نجد تأكلونها وأما نحن أهل تهامة نعافها» .
وروى الشيخان والنسائي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكل الضب، وهو على المنبر، قال: «لا آكله ولا أحرمه» [ (٣) ] .
وروى ابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخلت مع رسول الله ﷺ أنا، وخالد بن الوليد، على ميمونة بنت الحارث فقالت: ألا أطعمكم من هدية أم عتيق؟ فقال:
بلى قال فجيء بضبين مشويين فتبزّق رسول الله ﷺ ، فقال خالد رضي الله تعالى عنه: كأنك تقذره قال: «أجل» .
стр. 3041
وروى أيضا عن محمد بن سيرين رضي الله تعالى عنه قال: أتى رسول الله ﷺ بضب فقال: «إنا قوم قرويون وإنا نعافه» .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
المزرعة.
الثوم.
المثانة: بميم مفتوحة فمثلثة فألف فتاء تأنيث العضو الذي يجتمع فيه البول داخل الجوف.
الحياء: الفرج من ذوات الخف والظلف.
الكلية:.
والغدة: بغين معجمة مضمومة، فدال مهملة، قيل: يأتيها طاعون الإبل وقلما تسلم منه.
البرّة: بضم الموحدة، فراء مشددة مفتوحة: تأنيث البرّ وهو القمح.
السمراء: بسين مهملة مفتوحة فميم ساكنة فراء فألف: نوع منه.
العكّة: بعين مهملة مضمومة فكاف مشددة مفتوحة فتاء تأنيث: وعاء من جلد مستدير يختص بالسمن والعسل، وهو بالسمن أخص.
تبزق: تنزه.
стр. 3042
جماع أبواب سيرته ﷺ في شربه وذكر مشروباته
الباب الأول فيما كان يستعذب له الماء، وذكر الآبار التي شرب وبصق فيها، ودعا فيها بالبركة ﷺ
وفيه أنواع:
الأول: في أنه كان يستعذب له الماء .
روى الإمام أحمد وأبو داود وابن حبّان، والحميدي والبزّار عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يستسقى له الماء العذب من بئر أو بيوت السّقيا، زاد فيه أبو داود: فقال قتيبة: وهي عين بينها وبين المدينة يومان، وزاد ابن حبان وأبو الشيخ: والسّقيا من أطراف الحرّة عند أرض بني فلان [ (١) ] .
وروى عن جعفر بن محمد قال: كان رسول الله ﷺ يستعذب له من بئر غرس، ومنها غسّل [ (٢) ] .
وروى ابن سعد ومحمد بن عمر الأسلمي عن سلمى امرأة أبي رافع قالت: كان أبو أيوب حين نزل عنده رسول الله ﷺ يستعذب له الماء من بئر مالك بن النضر والد أنس، ثم كان أنس وهند وجارية أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من بيوت السّقيا، وكان رباح الأسود مولاه يستسقي له من بئر غرس مرة وبيوت السّقيا مرة.
وروى ابن سعد عن الهيثم بن نصر بن رهم الأسلمي قال: خدمت رسول الله ﷺ ، ولزمت بابه في قوم محاويج، فكنت آتيه بالماء من جاسم بئر أبي الهيثم بن التّيّهان، وكان ماؤها طيبا.
الثاني: في شربه من المطاهر .
وروى الطبراني بسند جيد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه يرجو بركة أيدي المسلمين.
الثالث: في الآبار التي شرب منها وبصق فيها ودعا فيها بالبركة .
стр. 3043
جملة الآبار التي ورد فيها ذلك إحدى وعشرون.
الأولى: بئر أريس كجليس نسبة إلى رجل من يهود اسمه أريس، وهو الفلاح بلغة أهل الشام قديما، وهي في حديقة بالقرب من مسجد قباء.
وروى البيهقي من حديث إبراهيم بن طهمان عن يحيى بن سعيد أنه حدثه أن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أتاهم بقباء فسأله عن بئر هناك، فدللته عليها، فقال: لقد كانت هذه، وإن الرجل لينضح حماره فتنزح فيستخرجها له، فجاء رسول الله ﷺ ، فأمر بذنوب للسقي فإما أن يكون توضأ منه أو تفل فيه، ثم أمر به فأعيد في البئر فما نزحت بعد.
قال السيد السّمهودي رحمه الله تعالى في تاريخه ولم يعد ابن شبّة ولا ابن زبالة بئر [أريس من الآبار التي كانت يستسقي منها النبي ﷺ وإنما ذكرها] ابن شبّة رحمه الله تعالى في حديقة عثمان، وهذه البئر المعروفة اليوم تعد من أعذب آبار المدينة الشريفة. انتهى.
الثانية: بئر الأعواف إحدى الصدقات النبوية.
روى ابن شبّة عن محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان قال: توضأ رسول الله ﷺ على شفة بئر الأعواف، صدقته، وسال الماء فيها، ونبتت نابتة على أثر وضوئه، ولم تزل فيها حتى الساعة، قال السيد: قلت: والأعواف اليوم اسم لجزع كبير في قبلته المربوع، وفي شامية خفافة، وفيه آبار متعددة، فلا يعرف البئر المذكورة منها ولم يذكر المطري [ (١) ] ومن تبعه هذه البئر، ولا الثلاثة بعدها لسكوت ابن النجار عنها.
الثالثة: بئر أنا بضم الهمزة، وتخفيف النون كهنا، وقيل: بالفتح وكسر النون المشددة بعدها مثناة تحتية، وقيل: بالفتح والتشديد كحتى وضبطه في النهاية: بفتح الهمزة وتشديد الباء الموحدة كحتى، أو النون الخفيفة، وذكره في القاموس أيضا، وذكره ياقوت في المشترك له، وقال: كذا هو مضبوط بخط ابن الحسين بن الفرات، ثم قال: وذكر آخرون أنها بئر أنا بضم الهمزة والنون الخفيفة.
روى ابن زبالة [ (٢) ] عن عبد الحميد بن جعفر قال: ضرب رسول الله ﷺ قبّته حين حاصر بني قريظة على بئر أنا، وصلّى في المسجد الذي هناك وشرب من بئر [أنا] وربط دابته بالسّدرة التي في أرض مريم ابنة عثمان.
стр. 3044
قال ابن إسحاق: لما أتى رسول الله ﷺ بني قريظة نزل على بئر من آبارها، وتلاحق الناس وهي بئر أنا.
وقال السيد رحمه الله تعالى: قلت: وهي غير معروفة اليوم، وناحية بني قريظة عند مسجدهم.
الرابعة: بئر أنس بن مالك بن النضر وتضاف أيضا لأبيه رضي الله تعالى عنه.
وروى ابن سعد عن مروان بن سعد بن العلي أن رسول الله ﷺ كان يشرب من بئر مالك بن النضر بن ضمضم، وهي التي يقال لها: بئر أبي أنس.
وروى أيضا عن محمود بن الربيع أنه يعقل مجّة مجها رسول الله ﷺ في الدلو من بئر أنس.
وروى ابن زبالة عن أنس رضي الله تعالى عنه بلفظ: أن رسول الله ﷺ استسقى فنزع له دلو من بئر دار أنس، فسكب على اللبن، فأتي به فشرب، وعمر بين يديه، وأبو بكر عن يساره، وأعرابي عن يمينه الحديث، وهو في الصحيح عن أنس رضي الله تعالى عنه بلفظ: أتانا رسول الله ﷺ في دارنا هذه فاستسقى، فحلبنا له شاة لنا ثم شبته من بئرنا هذه، فأعطيته الحديث.
وروى ابن شبّة عنه أن النبي ﷺ شرب من بئر أنس رضي الله تعالى عنه.
وروى أبو نعيم عنه أن النبي ﷺ بزق في بئر داره، فلم تكن بالمدينة بئر أعذب منها، قال: وكانوا إذا حوصروا استعذب لهم منها، وكانت تسمى في الجاهلية البرود.
قال السيد وهي غير معروفة اليوم، لكن تقدم عن ابن شبة في الأخبار أنه كان له شرب يخرج عند دار أنس بن مالك في بني جديلة.
الخامسة: بئر أهاب.
قال السيد: وفي نسخة عن ابن زبالة بئر ألهاب، والأول هو الصواب الذي اعتمده المحب.
روى ابن زبالة عن محمد بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ أتى بئر أهاب بالحرة وهي يومئذ لسعد بن عثمان فوجد ابنه عبادة بن سعد مربوطا بين القرنين يفتل، فانصرف رسول الله ﷺ ، فلم يلبث سعد أن جاء، فقال لابنه: هل جاءك أحد؟ قال: نعم، ووصف له صفة رسول الله ﷺ فقال: ذاك رسول الله ﷺ فالحقه، فخرج عبادة حتى لحق رسول الله ﷺ ، فمسح رسول الله ﷺ على رأس عبادة رضي الله تعالى عنه، وبرّك فيه،
стр. 3045
فقال: فمات وهو ابن ثمانين، وما شاب، قال: وبصق رسول الله ﷺ في بئرها.
قال المطري: إن ابن زبالة رحمه الله تعالى ذكر عدة آبار أتاها النبي ﷺ ، وشرب منها، وتوضأ لا يعرف الآن شيء منها.
قال: ومن جملة ما ذكر بئر بالحرة الغربية في آخر منزلة السّقيا، ومنها بئر أخرى، [إذا] وقفت على جادة الطريق كانت السّقيا على يسارك، وهذه عن يمينك بعيدة عن الطريق في سند من الحرة، قد حوط حولها بناء مجصص، لم يزل أهل المدينة يتبركون بها، ويشربون من مائها، وينقل إلى الآفاق منها كما ينقل من ماء زمزم، ويسمونها زمزم أيضا لبركتها، ولم أعلم أحداً ذكر فيها أثرا يعتمد عليه.
السادسة: بئر البصة بضم الموحدة وبالصاد المهملة.
قال المجد اللغوي [ (١) ] : إنها مشددة، قال السيد رحمه الله تعالى: الدائر على ألسنة أهل البلد تخفيفها.
قال المجد رحمه الله تعالى كأنه من بص الماء بصّا إذا رشح قال: وإن روي بالتخفيف فمن وبص يبص وبصا وبصة كوعد يعد وعدا أوعدة، ومن وبص لي من المال أي أعطاني.
روى ابن زبالة، وابن عدري من طريقه عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال:
كان رسول الله ﷺ يأتي الشهداء وأبناءهم ويتعاهد عيالاتهم، قال:
فجاء يوما أبا سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه فقال: هل عندك من سدر أغسل به رأسي فإن اليوم الجمعة؟ قال:
نعم، فأخرج له سدرا، وخرج معه إلى البصة، فغسل رسول الله ﷺ رأسه، وصب غسالة رأسه ومراقة شعره في البصة.
قال ابن النجار [ (٢) ] رحمه الله تعالى: وهذه البئر قريبة من البقيع على طريق الماضي إلى قباء.
السابعة: بئر بضاعة بضم الموحدة على المشهور، وحكي كسرها، وبفتح الضاد
стр. 3046
المعجمة، وأهملها بعضهم، وبالعين المهملة ثم هاء.
روى ابن سعد عن مروان بن أبي سعيد المعلّى أن رسول الله ﷺ كان يشرب من بئر بضاعة، وبصق فيها وبرّك فيها.
وروى ابن سعد عن محمد بن عمر الأسلمي قال: حدثني أبي عن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه، قال: سمعت عدة من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أبو أسيد وأبو حميد وسهل ابن سعد رضي الله تعالى عنهم يقولون: أن رسول الله ﷺ أتى بئر بضاعة فتوضأ في الدلو، ورده في البئر، ومج في الدلو مرة أخرى، وبصق فيها وشرب من مائها، وكان إذا مرض المريض في عهده يقول: اغسلوه من بضاعة، فيغسل كأنما حل من عقال.
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والطبراني برجال ثقات عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: لو أني سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم ذلك، قد- والله- سقيت رسول الله ﷺ من مائها.
وروى الطبراني عنه رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ نزل في بئر بضاعة وبصق فيها.
وروى الطبراني برجال ثقات عن أبي أسيد الساعدي رضي الله تعالى عنه أن له بئرا بالمدينة يقال لها: بئر بضاعة، قد بصق فيها رسول الله ﷺ ، فهي يتبرك بها، ويتيمن بها، وبئر جاسوم، ويقال جاسم بالجيم والسين المهملة فيهما.
وروى ابن سعد عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ شرب من جاسم بئر أبي الهيثم بن التّيّهان براتج.
وروى محمد بن عمر الواقدي عن الهيثم بن نصر الأسلمي رضي الله تعالى عنه، قال:
خدمت النبي ﷺ ، ولزمت بابه، فكنت آتيه بالماء من بئر جاسم، وهي بئر أبي الهيثم بن التّيّهان، وكان ماؤها طيبا.
الثامنة: بئر جمل بلفظ الجمل من الإبل.
قال المجد رحمه الله تعالى وهي بئر معروفة بناحية الجرف بآخر العقيق، وعليها مال من أموال أهل المدينة، يحتمل أنها سميت بجمل مات فيها، أو برجل اسمه جمل حفرها.
قال السيد رحمه الله تعالى قلت: وهي غير معروفة اليوم، ولم أر من سبق المجد بكونها بالجرف غير ياقوت، وقوله: بآخر العقيق لم أره في السنن الصغرى للنّسائي، ويبعده ما رواه ابن زبالة عن عبد الله بن رواحة، وأسامة بن زيد قالا: ذهب رسول الله ﷺ إلى بئر جمل، وذهبنا
стр. 3047
معه، فدخل رسول الله ﷺ ، ودخل معه بلال، فقلنا: لا نتوضأ حتى نسأل بلالا كيف توضأ رسول الله ﷺ ، ومسح على الخفين والخمار- في صحيح البخاري حديث أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل مسلم عليه الحديث.
وفي رواية للدارقطني رحمه الله تعالى: أقبل رسول الله ﷺ من الغائط، فلقيه رجل عند بئر جمل، وفي أخرى له أن رسول الله ﷺ ذهب نحو بئر جمل ليقضي حاجته، فلقيه رجل، وهو مقبل، فسلم عليه، وفي رواية للنّسائي أقبل من نحو بئر جمل بالعقيق.
وقال المطري عقب ذكر الآبار التي اقتصر عليها ابن النجار، ولم يعلم أنها ست والسابعة لا تعرف اليوم إلا ما يسمع من قول العامة إنها بئر جمل، ولم يعلم أين هي؟ ولا من ذكرها غير ما ورد في حديث البخاري رحمه الله تعالى، وذكر ما تقدم.
التاسعة: بيرحاء بكسر الباء وفتحها ممدودا اسم لحديقة نخل بقرب المسجد كانت لأبي طلحة، وقيل بفتح الموحدة والراء مقصورا والأول تصحيف، وروي بضم الراء في الرفع، وفتحها في النصب، وكسرها في الجر، على حسب العامل، وكسر مرخما، وجاء على هذا كما قيل: اسم رجل تنسب إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب.
قال أنس رضي الله تعالى عنه فلما نزلت هذه الآية قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أن الله ﵎ يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وإن أحب مالي إليّ بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ : «بخ بخ، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» ، وفي رواية: «فقراء أقاربك» ، فقال أبو طلحة رضي الله تعالى عنه: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، وفي رواية فجعلها لحسان، وأبي بن كعب.
العاشرة: بئر حلوة بالحاء المهملة لم يذكرها ابن النجار وذكرها ابن زبالة.
فروي عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر عن أبيه قال: نحر رسول الله ﷺ جزورا فبعث إلى بعض نسائه منها بالكتف، فتكلمن في ذلك بكلام، فقال رسول الله ﷺ :
«أنتن أهون على الله تعالى من ذلك» ، وهجرهن،
وكان يقيل تحت أراكة على حلوة: بئر كانت في الزّقاق الذي فيه دار آمنة بنت سعد، وبه سمي الزقاق زقاق حلوة، ويبيت في مشربة له، فلما مضت تسع وعشرون ليلة
دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها
стр. 3048
فقالت: يا رسول الله إنك آليت شهرا قال: «إن الشهر يكون تسعا وعشرين» .
قال السيد: قلت: وهذه البئر غير معروفة اليوم بعينها.
الحادية عشرة: بئر ذرع بالذال المعجمة وهي بئر بني خطمة.
روى ابن زبالة حديث أتى رسول الله ﷺ بني خطمة، فصلى في بيت العجوز، ثم خرج منه فصلى في مسجد بني خطمة، ثم مضى إلى بئرهم، ذرع، فجلس في قفّها، فتوضأ وبصق فيها.
وروى ابن شبّة عن الحارث بن الفضل أن النبي ﷺ توضأ من ذرع بئر بني خطمة التي بفناء مسجدهم، وفي رواية فصلى في مسجدهم، وفي رواية عن رجل من الأنصار رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ بصق في بئر بني خطمة، قال السيد رحمه الله تعالى: وهذه البئر غير معروفة اليوم.
الثانية عشرة: بئر رومة بضم الراء وسكون الواو وفتح الميم بعدها هاء، وقيل رؤمة بهمزة ساكنة بعد الراء.
وروى ابن سعد عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله ﷺ شرب من بئر رومة بالعقيق.
وروى ابن سعد عن محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان قال: نظر رسول الله ﷺ إلى بئر رومة، وكانت لرجل من مزينة يسقي عليها بأجر، فقال: «نعم صدقة المسلم هذه، من رجل يبتاعها من المزني فيتصدق بها؟» فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه بأربعمائة دينار، فتصدق بها، فلما علق عليها العلق مر بها رسول الله ﷺ فسأل عنها، فأخبر أن عثمان اشتراها وتصدق بها فقال: «اللهم أوجب له الجنة» ، ودعا بدلو من مائها فشرب منه، وقال ﷺ : «هذا المتاع أما إن هذه الوادي ستكثر مياهه، وتعذب، وبئر المزني أعذبها» .
وروى أيضا عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: مر رسول الله ﷺ يوما ببئر المزني، وله خيمة إلى جنبها، وجرة فيها ماء بارد، فسقى رسول الله ﷺ ماء باردا في الصيف، فقال رسول الله ﷺ : «هذا العذب الزلال» .
في أسانيد الجميع محمد بن عمر.
وروى البخاري عن عبد الرحمن السّلمي أن عثمان رضي الله تعالى عنه حيث حوصر أشرف عليهم فقال: أنشدكم الله تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «من حفر رومة فله الجنة» ،
فحفرتها الحديث، قال: وفيه فصدقوه بما قال، وللنّسائي من طريق الأحنف بن قيس أن الذين صدقوه بذلك سعد بن أبي وقاص وعليّ بن أبي طالب وطلحة والزبير.
стр. 3049
وبئر زمزم: على يمين السالك إلى العقيق سميت بذلك لبركتها، ولم تزل أهل المدينة قديما وحديثا يتبركون بها، ويشربون من مائها، وينقل إلى الآفاق منها، كما ينقل من زمزم بئر الحرم المكي.
الثالثة عشرة: بئر السّقيا بسين مهملة مضمومة فقاف ساكنة فتحتية.
روى ابن سعد عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله ﷺ شرب منها.
وروى ابن شبّة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ كان يستسقى له الماء العذب من بئر السّقيا، وفي رواية من بيوت السّقيا، رواه أبو داود بهذا اللفظ، وسنده جيد، وصححه الحاكم.
الرابعة عشرة: بئر العقبة بالعين المهملة ثم القاف قال المجد رحمه الله تعالى ذكرها رزين العبدري في آبار المدينة، وقال: هي التي أدلى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما أرجلهم فيها، ولم يعين لها موضعا، والمعروف أن هذه القصة إنما كانت في بئر أريس، قال السيد رحمه الله تعالى: والذي رأيته في كتاب رزين في تعداد الآبار المعروفة بالمدينة ما لفظه: وبئر أريس التي سقط فيها الخاتم، وبئر العقبة التي أدلى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر أرجلهم فيها انتهى، قال: وقد قدمنا في بئر أريس ما يقتضي تعدد الواقعة.
الخامسة عشرة: بئر أبي عنبة بلفظ واحدة العنب.
قال ابن سيّد الناس في خبر نقله عن ابن سعد في غزوة بدر ما لفظه: وضرب رسول الله ﷺ عسكره على بئر أبي عنبة، وهي على ميل من المدينة، فعرض أصحابه، وردّ من استصغر، ونقل الحافظ عبد الغني المقدسيّ رحمه الله تعالى أنه عرض جيشه عند بئر أبي عنبة بالحرة فوق هذه البئر أي السّقيا إلى الغرب، ونقل أنها على ميل من المدينة، قال السيد رحمه الله تعالى: قلت: ولعل العرض وقع أولا عند مرورهم بالسّقيا، ثم لما ضرب عسكره على هذه البئر أعاد العرض فرد من استصغر.
وقد روى ابن زبالة أن عمر وجدّته اختصما إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: يا خليفة رسول الله ﷺ ابني ويستسقي لي من بئر أبي عنبة، فدل على أن الماء كان يستعذب منها، قال المجد رحمه الله تعالى: وقد جاء ذكر هذه البئر في غير ما حدّثت والله تعالى أعلم بالصواب.
السادسة عشرة: بئر العهن بكسر العين المهملة، وسكون الهاء ونون.
لما ذكر المطري الآبار التي ذكرها ابن النجار، وهي أريس والبصة وبضاعة، ورومة
стр. 3050
والغرس وبيرحاء قال: والسابعة لا تعرف اليوم ثم قال: رأيت حاشية بخط الشيخ أمين الدين ابن عساكر على نسخة من الدرر الثمينة في أخبار المدينة للشيخ محب الدين بن النجار ما مثاله: العدد يقتصر على المشهورة وبقيت بئر واحدة لأن المثبت ست، والمشهور سبع، والسابعة بئر العهن، ولها اسم آخر مشهورة به، قال المطري: عنبة، وبئر العهن هذه بالعوالي وهي بئر مليحة جدا، منقورة في الجبل، ولا يكاد ينزف ماؤها، قال السيد رحمه الله تعالى:
قلت: ولم يذكروا شيئا يتمسك به في فضلها، ونسبتها إلى النبي ﷺ ، لكن لم يزل الناس يتبركون بها، والذي ظهر لي بعد التأمل أنها بئر اليسيرة الآتي ذكرها وأن النبي ﷺ نزل عليها، وتوضأ منها، وبصق فيها لأن اليسيرة بئر بني أمية من الأنصار عند منازلهم، وبئر العهن عند منازلهم.
السابعة عشرة: بئر غرس بضم الغين المعجمة وبالراء والسين المهملة.
روى ابن سعد عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله ﷺ شرب منها وبرّك فيها، وقال: «هي عين من عيون الجنة» .
وروى أيضاً عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ وهو جالس على شفير بئر غرس: «رأيت الليلة أني جالس على عين من عيون الجنة» ، يعني هذه البئر.
وروى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «بئر غرس من عيون الجنة» .
وروى أيضاً عن عمر بن الحاكم قال: قال رسول الله ﷺ : «نعم البئر غرس، هي من عيون الجنة، وماؤها أطيب المياه» ، وكان رسول الله ﷺ يستعذب له منها، وغسل منها.
وروى أيضا عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: جئنا مع رسول الله ﷺ قباء فانتهينا إلى بئر غرس، وإنه ليستقي منها على حمار، ثم يقوم عامة النهار ما يجد فيها ماء، فتمضمض رسول الله ﷺ في الدلو، ورده فيها، فجاشت بالرّواء. في أسانيده هذه كلها محمد بن عمر الأسلمي.
الثامنة عشرة: بئر القرضافة.
قال السيد رحمه الله تعالى: لعلها بالقاف والراء كما رأيت في بعض النسخ، وفي بعضها بعين بدل القاف.
روى ابن زبالة عن جابر بن عبد الله أنه شكا إلى رسول الله ﷺ أنه عرض على غرماء