← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

المعجمة، وأهملها بعضهم، وبالعين المهملة ثم هاء. روى ابن سعد عن مروان بن أبي سعيد المعلّى أن رسول الله ﷺ كان يشرب من بئر بضاعة، وبصق فيها وبرّك فيها. وروى ابن سعد عن محمد بن عمر الأسلمي قال: حدثني أبي عن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه، قال: سمعت عدة من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أبو أسيد وأبو حميد وسهل ابن سعد رضي الله تعالى عنهم يقولون: أن رسول الله ﷺ أتى بئر بضاعة فتوضأ في الدلو، ورده في البئر، ومج في الدلو مرة أخرى، وبصق فيها وشرب من مائها، وكان إذا مرض المريض في عهده يقول: اغسلوه من بضاعة، فيغسل كأنما حل من عقال. وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والطبراني برجال ثقات عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: لو أني سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم ذلك، قد- والله- سقيت رسول الله ﷺ من مائها. وروى الطبراني عنه رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ نزل في بئر بضاعة وبصق فيها. وروى الطبراني برجال ثقات عن أبي أسيد الساعدي رضي الله تعالى عنه أن له بئرا بالمدينة يقال لها: بئر بضاعة، قد بصق فيها رسول الله ﷺ ، فهي يتبرك بها، ويتيمن بها، وبئر جاسوم، ويقال جاسم بالجيم والسين المهملة فيهما. وروى ابن سعد عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ شرب من جاسم بئر أبي الهيثم بن التّيّهان براتج. وروى محمد بن عمر الواقدي عن الهيثم بن نصر الأسلمي رضي الله تعالى عنه، قال: خدمت النبي ﷺ ، ولزمت بابه، فكنت آتيه بالماء من بئر جاسم، وهي بئر أبي الهيثم بن التّيّهان، وكان ماؤها طيبا. الثامنة: بئر جمل بلفظ الجمل من الإبل. قال المجد رحمه الله تعالى وهي بئر معروفة بناحية الجرف بآخر العقيق، وعليها مال من أموال أهل المدينة، يحتمل أنها سميت بجمل مات فيها، أو برجل اسمه جمل حفرها. قال السيد رحمه الله تعالى قلت: وهي غير معروفة اليوم، ولم أر من سبق المجد بكونها بالجرف غير ياقوت، وقوله: بآخر العقيق لم أره في السنن الصغرى للنّسائي، ويبعده ما رواه ابن زبالة عن عبد الله بن رواحة، وأسامة بن زيد قالا: ذهب رسول الله ﷺ إلى بئر جمل، وذهبنا

стр. 3047

معه، فدخل رسول الله ﷺ ، ودخل معه بلال، فقلنا: لا نتوضأ حتى نسأل بلالا كيف توضأ رسول الله ﷺ ، ومسح على الخفين والخمار- في صحيح البخاري حديث أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل مسلم عليه الحديث. وفي رواية للدارقطني رحمه الله تعالى: أقبل رسول الله ﷺ من الغائط، فلقيه رجل عند بئر جمل، وفي أخرى له أن رسول الله ﷺ ذهب نحو بئر جمل ليقضي حاجته، فلقيه رجل، وهو مقبل، فسلم عليه، وفي رواية للنّسائي أقبل من نحو بئر جمل بالعقيق. وقال المطري عقب ذكر الآبار التي اقتصر عليها ابن النجار، ولم يعلم أنها ست والسابعة لا تعرف اليوم إلا ما يسمع من قول العامة إنها بئر جمل، ولم يعلم أين هي؟ ولا من ذكرها غير ما ورد في حديث البخاري رحمه الله تعالى، وذكر ما تقدم. التاسعة: بيرحاء بكسر الباء وفتحها ممدودا اسم لحديقة نخل بقرب المسجد كانت لأبي طلحة، وقيل بفتح الموحدة والراء مقصورا والأول تصحيف، وروي بضم الراء في الرفع، وفتحها في النصب، وكسرها في الجر، على حسب العامل، وكسر مرخما، وجاء على هذا كما قيل: اسم رجل تنسب إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس رضي الله تعالى عنه فلما نزلت هذه الآية قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أن الله ﵎ يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وإن أحب مالي إليّ بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ : «بخ بخ، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» ، وفي رواية: «فقراء أقاربك» ، فقال أبو طلحة رضي الله تعالى عنه: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، وفي رواية فجعلها لحسان، وأبي بن كعب. العاشرة: بئر حلوة بالحاء المهملة لم يذكرها ابن النجار وذكرها ابن زبالة. فروي عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر عن أبيه قال: نحر رسول الله ﷺ جزورا فبعث إلى بعض نسائه منها بالكتف، فتكلمن في ذلك بكلام، فقال رسول الله ﷺ : «أنتن أهون على الله تعالى من ذلك» ، وهجرهن، وكان يقيل تحت أراكة على حلوة: بئر كانت في الزّقاق الذي فيه دار آمنة بنت سعد، وبه سمي الزقاق زقاق حلوة، ويبيت في مشربة له، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها

стр. 3048

فقالت: يا رسول الله إنك آليت شهرا قال: «إن الشهر يكون تسعا وعشرين» . قال السيد: قلت: وهذه البئر غير معروفة اليوم بعينها. الحادية عشرة: بئر ذرع بالذال المعجمة وهي بئر بني خطمة. روى ابن زبالة حديث أتى رسول الله ﷺ بني خطمة، فصلى في بيت العجوز، ثم خرج منه فصلى في مسجد بني خطمة، ثم مضى إلى بئرهم، ذرع، فجلس في قفّها، فتوضأ وبصق فيها. وروى ابن شبّة عن الحارث بن الفضل أن النبي ﷺ توضأ من ذرع بئر بني خطمة التي بفناء مسجدهم، وفي رواية فصلى في مسجدهم، وفي رواية عن رجل من الأنصار رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ بصق في بئر بني خطمة، قال السيد رحمه الله تعالى: وهذه البئر غير معروفة اليوم. الثانية عشرة: بئر رومة بضم الراء وسكون الواو وفتح الميم بعدها هاء، وقيل رؤمة بهمزة ساكنة بعد الراء. وروى ابن سعد عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله ﷺ شرب من بئر رومة بالعقيق. وروى ابن سعد عن محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان قال: نظر رسول الله ﷺ إلى بئر رومة، وكانت لرجل من مزينة يسقي عليها بأجر، فقال: «نعم صدقة المسلم هذه، من رجل يبتاعها من المزني فيتصدق بها؟» فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه بأربعمائة دينار، فتصدق بها، فلما علق عليها العلق مر بها رسول الله ﷺ فسأل عنها، فأخبر أن عثمان اشتراها وتصدق بها فقال: «اللهم أوجب له الجنة» ، ودعا بدلو من مائها فشرب منه، وقال ﷺ : «هذا المتاع أما إن هذه الوادي ستكثر مياهه، وتعذب، وبئر المزني أعذبها» . وروى أيضا عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: مر رسول الله ﷺ يوما ببئر المزني، وله خيمة إلى جنبها، وجرة فيها ماء بارد، فسقى رسول الله ﷺ ماء باردا في الصيف، فقال رسول الله ﷺ : «هذا العذب الزلال» . في أسانيد الجميع محمد بن عمر. وروى البخاري عن عبد الرحمن السّلمي أن عثمان رضي الله تعالى عنه حيث حوصر أشرف عليهم فقال: أنشدكم الله تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «من حفر رومة فله الجنة» ، فحفرتها الحديث، قال: وفيه فصدقوه بما قال، وللنّسائي من طريق الأحنف بن قيس أن الذين صدقوه بذلك سعد بن أبي وقاص وعليّ بن أبي طالب وطلحة والزبير.

стр. 3049

وبئر زمزم: على يمين السالك إلى العقيق سميت بذلك لبركتها، ولم تزل أهل المدينة قديما وحديثا يتبركون بها، ويشربون من مائها، وينقل إلى الآفاق منها، كما ينقل من زمزم بئر الحرم المكي. الثالثة عشرة: بئر السّقيا بسين مهملة مضمومة فقاف ساكنة فتحتية. روى ابن سعد عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله ﷺ شرب منها. وروى ابن شبّة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ كان يستسقى له الماء العذب من بئر السّقيا، وفي رواية من بيوت السّقيا، رواه أبو داود بهذا اللفظ، وسنده جيد، وصححه الحاكم. الرابعة عشرة: بئر العقبة بالعين المهملة ثم القاف قال المجد رحمه الله تعالى ذكرها رزين العبدري في آبار المدينة، وقال: هي التي أدلى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما أرجلهم فيها، ولم يعين لها موضعا، والمعروف أن هذه القصة إنما كانت في بئر أريس، قال السيد رحمه الله تعالى: والذي رأيته في كتاب رزين في تعداد الآبار المعروفة بالمدينة ما لفظه: وبئر أريس التي سقط فيها الخاتم، وبئر العقبة التي أدلى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر أرجلهم فيها انتهى، قال: وقد قدمنا في بئر أريس ما يقتضي تعدد الواقعة. الخامسة عشرة: بئر أبي عنبة بلفظ واحدة العنب. قال ابن سيّد الناس في خبر نقله عن ابن سعد في غزوة بدر ما لفظه: وضرب رسول الله ﷺ عسكره على بئر أبي عنبة، وهي على ميل من المدينة، فعرض أصحابه، وردّ من استصغر، ونقل الحافظ عبد الغني المقدسيّ رحمه الله تعالى أنه عرض جيشه عند بئر أبي عنبة بالحرة فوق هذه البئر أي السّقيا إلى الغرب، ونقل أنها على ميل من المدينة، قال السيد رحمه الله تعالى: قلت: ولعل العرض وقع أولا عند مرورهم بالسّقيا، ثم لما ضرب عسكره على هذه البئر أعاد العرض فرد من استصغر. وقد روى ابن زبالة أن عمر وجدّته اختصما إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: يا خليفة رسول الله ﷺ ابني ويستسقي لي من بئر أبي عنبة، فدل على أن الماء كان يستعذب منها، قال المجد رحمه الله تعالى: وقد جاء ذكر هذه البئر في غير ما حدّثت والله تعالى أعلم بالصواب. السادسة عشرة: بئر العهن بكسر العين المهملة، وسكون الهاء ونون. لما ذكر المطري الآبار التي ذكرها ابن النجار، وهي أريس والبصة وبضاعة، ورومة

стр. 3050

والغرس وبيرحاء قال: والسابعة لا تعرف اليوم ثم قال: رأيت حاشية بخط الشيخ أمين الدين ابن عساكر على نسخة من الدرر الثمينة في أخبار المدينة للشيخ محب الدين بن النجار ما مثاله: العدد يقتصر على المشهورة وبقيت بئر واحدة لأن المثبت ست، والمشهور سبع، والسابعة بئر العهن، ولها اسم آخر مشهورة به، قال المطري: عنبة، وبئر العهن هذه بالعوالي وهي بئر مليحة جدا، منقورة في الجبل، ولا يكاد ينزف ماؤها، قال السيد رحمه الله تعالى: قلت: ولم يذكروا شيئا يتمسك به في فضلها، ونسبتها إلى النبي ﷺ ، لكن لم يزل الناس يتبركون بها، والذي ظهر لي بعد التأمل أنها بئر اليسيرة الآتي ذكرها وأن النبي ﷺ نزل عليها، وتوضأ منها، وبصق فيها لأن اليسيرة بئر بني أمية من الأنصار عند منازلهم، وبئر العهن عند منازلهم. السابعة عشرة: بئر غرس بضم الغين المعجمة وبالراء والسين المهملة. روى ابن سعد عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله ﷺ شرب منها وبرّك فيها، وقال: «هي عين من عيون الجنة» . وروى أيضاً عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ وهو جالس على شفير بئر غرس: «رأيت الليلة أني جالس على عين من عيون الجنة» ، يعني هذه البئر. وروى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «بئر غرس من عيون الجنة» . وروى أيضاً عن عمر بن الحاكم قال: قال رسول الله ﷺ : «نعم البئر غرس، هي من عيون الجنة، وماؤها أطيب المياه» ، وكان رسول الله ﷺ يستعذب له منها، وغسل منها. وروى أيضا عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: جئنا مع رسول الله ﷺ قباء فانتهينا إلى بئر غرس، وإنه ليستقي منها على حمار، ثم يقوم عامة النهار ما يجد فيها ماء، فتمضمض رسول الله ﷺ في الدلو، ورده فيها، فجاشت بالرّواء. في أسانيده هذه كلها محمد بن عمر الأسلمي. الثامنة عشرة: بئر القرضافة. قال السيد رحمه الله تعالى: لعلها بالقاف والراء كما رأيت في بعض النسخ، وفي بعضها بعين بدل القاف. روى ابن زبالة عن جابر بن عبد الله أنه شكا إلى رسول الله ﷺ أنه عرض على غرماء

стр. 3051

أبيه القرضافة بما عليه من الدين فأبوا فقال: «دعهم حتى إذا كان جذاذها، فجذها في أصولها، ثم ائتني» ، فجاءه فأعلمه، فخرج ﷺ فبصق في بئرها ودعا الله تعالى أن يؤدي عن عبد الله، قال السيد: ويؤيده أن أصل حديث جابر في أرضه مذكور في الصحيح بطرق، وفي بعضها: وكانت لجابر البئر التي بطريق رومة، وهذه الجهة بطريق رومة. التاسعة عشرة: بئر القريصة بقاف وصاد مهملة مصغرة. روى ابن زبالة عن سعد بن حرام، والحارث بن عبيد قالا: توضأ رسول الله ﷺ من بئر في القريصة، بئر بني حارثة أي شرب منها وبصق فيها، وسقط فيها خاتمه، فنزع، ثم روى عقبة سقوط الخاتم في بئر أريس. العشرون: بئر اليسيرة من اليسر ضد العسر. وروى ابن سعد عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يشرب من العسيرة بئر بني أمية بن زيد، وقف على يسارها فبصق فيها، وشرب منها، وبارك فيها، وسأل عن اسمها فقيل: العسيرة، فسماها: اليسيرة. تنبيهات الأول: قال ابن بطال رحمه الله تعالى: استعذاب الماء لا ينافي الزهد، ولا يدخل في التّرفّه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه، فقد كرهه مالك رحمه الله تعالى، لما فيه من السرف، وأما شرب الماء الحلو وطلبه فمباح، وليس في شرب الماء الملح فضيلة. الثاني: الذي اشتهر معرفته من الآبار سبع، ولذا قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء: وكذلك تقصد الآبار التي كان رسول الله ﷺ يتوضأ منها، ويغتسل، ويشرب، وهي سبع آبار طلبا للشفاء، وتبركا به ﷺ . قال الحافظ العراقي في المغني: وهي بئر أريس، وبير حاء، وبئر رومة، وبئر غرس، وبئر بضاعة، وبئر البصة، وبئر السّقيا، أبو بئر العهن أو بئر جمل، فجعل السابعة مترددة بين الآبار الثلاثة، قال السيد رحمه الله تعالى: والمشهور اليوم عند أهل المدينة أن السابعة هن العهن، ولذا قال أبو اليمن المراغي شعرا: إذا رمت آبار النّبيّ بطيبة ... فعدّتها سبع مقالا بلا وهن أريس وغرس بضاعة ... كذا بصة قل بير حاء مع العهن الثالث: بئر إهاب بهمزة. قال ابن بطال رحمه الله تعالى: قول البخاري: عثمان اشتراها- قال الحافظ بن حجر

стр. 3052

رحمة الله تعالى: والمشهور في الروايات كما قال، لكن لا يتعين الوهم لحديث: وكانت لبني عمار عين يقال لها: رومة، فقال ﵊: «لعينها عين في الجنة» ، وذكر الحديث ثم قال: وإذا كانت أولا عينا فلا مانع من أن يحفر فيها عثمان رضي الله تعالى عنه بئرا، ولعل العين كانت تجري إلى بئر فوسعها، أو طولها، فنسب حفرها إليه انتهى. الرابع: قال السيد رحمه الله تعالى: وقال أبو داود عقب روايته لحديث استعذاب الماء من بيوت السّقيا: عين بينها وبين المدينة يومان قلت: وما ذكره صحيح إلا أنه غير مراد هنا، وكأنه لم يطلع على أن بالمدينة بئرا تسمى بذلك، وقد اغتر به المجد فقال: السقيا قرية جامعة من عمل الفرع ثم أورد حديث أبي داود، وقول صاحب النهاية: السقيا منزل بين مكة والمدينة قيل على يومين إلخ مردود مع أن المعتمد عندي أن السّقيا التي جاء حديث الاستعذاب منها إنما هي سقيا المدينة لوجوده، فانظرها فيه إن شئت والله أعلم .

стр. 3053

الباب الثاني في الآنية التي شرب منها ﷺ ، وما كره الشرب منه ، وفيه أنواع: الأول: في شربه من القوارير . روى البزار وابن ماجة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أهدى المقوقس إلى رسول الله ﷺ قدح قوارير، فكان يشرب منه [ (١) ] . الثاني: في شربه من الفخّار . روى ابن منده عن عبد الله بن السائب عن أبيه عن جده خبّاب قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل قديدا ثم يشرب من فخارة. الثالث: في شربه من القدح الخشب . روى البخاري عن عاصم الأحول عن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: رأيت قدح رسول الله ﷺ عند أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وكان قد انصدع، فسلسله بفضة قال: وهو قدح عريض من فخّار، قال أنس رضي الله تعالى عنه: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا. وروى عنه ابن سيرين أنه كان في حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من فضة أو ذهب فقال أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله ﷺ فتركه. وروى ابن الجوزي عن عيسى بن طهمان قال: أخرج أنس بن مالك قدحا من خشب غليظا مضبّبا بحديد فقال: يا ثابت هذا قدح رسول الله ﷺ . وروى الترمذي في الشمائل والبرقاني، وأبو الحسن بن الضحاك عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح الشراب كله، اللبن والنبيذ والعسل والماء. وروى أبو يعلى عن محمد بن إسماعيل رحمه الله تعالى قال: دخلت على أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه فرأيت في بيته قدحا من خشب كان رسول الله ﷺ يشرب منه ويتوضأ.

стр. 3054

وروى النسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان لأم سليم قدح فقالت: سقيت فيه رسول الله ﷺ . وروى عن حازم بن القاسم قال: رأيت أبا عسيب يشرب في قدح من خشب فقلت: ألا تشرب في أقداحنا هذه الرقاق؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ يشرب، يعني فيها. وروى ابن شاذان [ (١) ] عن زهير بن محمد رحمه الله تعالى قال: اسم قدح رسول الله ﷺ القمر. الرابع: في شربه ﷺ من النحاس . روى الطبراني بسند ضعيف عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: كان لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قدح من صفر نحاس، فيه يسقي النبي ﷺ إذا شرب وفيه يوضئه إذا توضأ. الخامس: في شربه من القربة بيانا للجواز وهو قائم . روى الإمام أحمد برجال الصحيح خلا البراء بن زيد ولم يضعف عن أم سليم وفي رواية كبشة امرأة كان في بيتها قربة معلقة قالت: فشرب من القربة قائما، فعمدت إلى فم القربة فقطعتها، وزاد فيه التّرمذي، فقمت إلى فمها فقطعتها، وقال: حسن صحيح، وابن ماجة، وعنده: فقطعت فم القربة تتبعا موضع بركة رسول الله ﷺ . وروى الترمذي وضعفه عن ابن عبد الله بن أنس رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ قام إلى قربة فخنثها فشرب من فمها. وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عن كبشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ دخل عليها فشرب من فم قربة، فقامت إليه، فقطعته فأمسكته. وروى ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ دخل على أم سليم، وفي البيت قربة معلقة، فشرب منها، وهو قائم، فقطعت أم سليم فم القربة، وكان عندها. وروى الإمام أحمد برجال ثقات عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ دخل على امرأة من الأنصار وفي البيت قربة معلقة فاختنثها فشرب وهو قائم.

стр. 3055

وروى مسدد مرسلا برجال ثقات عن عيسى الأنصاري رحمه الله تعالى أن رسول الله ﷺ دعا يوم أحد بماء، فأتاه رجل بإداوة من ماء، فقال: اجتث فم القربة واشرب، ورواه أبو داود موصولا من طريق عبيد الله بن عمر عن عيسى بن عبد الله- رجل من الأنصار- عن أبيه. السادس: في شربه ﷺ من الدلو ومجّه في بعض الآنية . وروى البزار برجال ثقات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاءنا رسول الله ﷺ إلى منزلنا، فناولته دلوا فشرب، ثم مجّ في الدلو. السابع: فيما كره ﷺ الشرب منه . روى محمد بن عمر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليتقي أن يشرب من الإناء العاري. تنبيهات الأول: قال في زاد المعاد كان له ﷺ قدح يسمى الذّبال، ويسمى مغيثا، وركوة تسمى الغار. الثاني: ورد النهي عن اختناث الأسقية، فقد روى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ ، نهى عن اختناث الأسقية، قال في النهاية: إنما نهى عنه لأنه ينتنها، فإن إدارة الشرب هكذا مما يغير ريحها، وقيل لئلا يترشرش الماء على الثوب لسعة فم السّقاء، والمحذور على الأول مأمون، فإن نكهته الشريفة ﷺ أطيب من كل طيب، ولا يخشى منه ما في غيره من تغير السّقاء ونتنه، وورد النهي عن الشرب من فم السّقاء، فقد روى الطبراني برجال ثقات عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن يشرب من السقاء قال: الخطابي رحمه الله تعالى: إنما كرهه من أجل ما يخاف من أذى عساه يكون فيه لا يراه الشارب حتى يدخل في جوفه، فاستحب أن يشرب في إناء طاهر يبصره. الثالث: روى البيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: لقد شرب رجل من فم سقاء فانساب في بطنه جان، فنهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية، ومن هذا استفيد سبب النهي. قال البيهقي رحمه الله تعالى: وأما ما روي في الرخصة في ذلك فأخبار النهي أصح إسنادا، وقد حمله بعض أهل العلم على ما لو كان السّقاء معلقا فلا يدخله هوام الأرض.

стр. 3056

الرابع: إنما قطعت أم سليم رضي الله تعالى عنها فم القربة رجاء بركتها، أو لئلا يتبدل موضع فم رسول الله ﷺ ، فصنعت ذلك تكرمة له. الخامس: في بيان غريب ما سبق:. القوارير: بقاف فواو فراءين مهملتين بينهما تحتية: الزجاج. النضار: بنون فضاد معجمة فألف فراء: الذهب. القمر: بقاف مضمومة فميم ساكنة فراء. السقيا: تقدم تفسيره. الاختناث: بخاء معجمة فمثناة فوقية فنون فألف فمثلثة قال الخطابي: هو أن تنثني رؤوسها، وتعطف، ثم يشرب منها، وقال في النهاية اختنثته: إذا ثنيت فمه إلى خارج، وشربت منه، وقبعته: إذا ثنيته إلى داخل، وقال أبو الفرج الاختناث في الأسقية أن تنثني أفواهها، ثم تشرب منها وفي ذلك ثلاث آفات. الأولى: أنه ينتنها. الثانية: أنه ربما كان فيها هامة أو شيء فيسبق إلى حلقه. الثالثة: أنه ربما أسرع جريان الماء فيحصل منه الشّرق.

стр. 3057

الباب الثالث في شربه ﷺ قاعدا كثيرا وشربه قائماً ، وفيه أنواع: الأول: في شربه قاعدا وقائما . روى ابن أبي شيبة والإمام أحمد بسند جيد عن علي رضي الله تعالى عنه، ومحمد بن أبي عمر وابن أبي شيبة عن ميسرة عن علي رضي الله تعالى عنه قال: لئن شربت قائما، لقد رأيت رسول الله ﷺ شرب قائما وإن شربت قاعدا لقد رأيت رسول الله ﷺ شرب قاعدا. وروى الترمذي وحسنه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: لقد رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما وقاعدا [ (١) ] . وروى الطبراني برجال ثقات وأبو الشيخ وأبو الحسن بن الضحاك عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يشرب قائما وقاعدا. الثاني: في شربه قائما للجواز . روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سقيت رسول الله ﷺ من ماء زمزم فشرب وهو قائم [ (٢) ] . وروى أبو يعلى برجال ثقات عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يشرب قائما. وروى محمد بن عمر وابن أبي شيبة عن ميسرة رحمه الله تعالى قال: رأيت عليا رضي الله تعالى عنه يشرب قائما، فقلت له: تشرب قائما؟ قال: إن أشرب قائما فقد رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما، وإن أشرب قاعدا فقد رأيت رسول الله ﷺ يشرب قاعدا. وروى الطبراني برجال ثقات عن عائشة رضي الله تعالى عنها، والطبراني عن أبي هريرة وأحمد من طريق آخر عنه برجال ثقات عن سعد بن أبي وقّاص، والبزار، وأبو يعلى برجال الصحيح عن أنس رضي الله تعالى عنه، والطبراني برجال الصحيح عن أبي سعيد الخدري،

стр. 3058

والبخاري عن علي، وأبو بكر الشافعي عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ شرب قائما [ (١) ] . وروي نهيه عن الشرب قائما. وروى البخاري وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشرب قائما [ (٢) ] . وروى مسدد والإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار برجال ثقات عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتى رسول الله ﷺ برجل يشرب قائما، قال: «قئ» ، قال: لم؟ قال: «أتحب أن يشرب معك الهرّ؟» قال: لا، قال: «قد شرب معك شر منه الشيطان» . وروى الإمام أحمد والبزار وأبو يعلى بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لو يعلم الذي يشرب قائما ما يجعل في بطنه لاستقاء» . تنبيه لا يكون مكروها بل البيان واجب عليه ﷺ . وقوله فيء محمول على الاستحباب، والندب، فيستحب لمن شرب قائما أن يتقايأ للأحاديث الصحيحة، قاله الإمام النووي رحمه الله تعالى، ومن نظم الحافظ رحمه الله تعالى عليه: إذا رمت تشرب فاقعد تقرّ ... بسنّة صفوة أهل الحجاز وقد صحّحوا شربه قائما ... ولكنّه لبيان الجواز وقال ابن القيم في الهدي: من هديه ﷺ الشرب قاعدا، كان هديه المعتاد، وصح عنه أنه نهى عن الشرب قائما، وصح عنه أنه شرب قائما، فقالت طائفة: لا تعارض بينهما أصلا، فإنما شرب قائما للحاجة فإنه جاء إلى زمزم، وهم يستقون منها، فاستقى فناوله الدلو فشرب وهو قائم، وهذا كان موضع الحاجة. وللشرب قائما آفات عديدة: منها أنه لا يحصل الرّي التام ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء، وينزله بسرعة وحدة إلى المعدة، فيخشى منه أن يبرّد حرارتها، ويسرع النفوذ إلى أسفل البدن بغير تدريج، وكل هذا يضر بالشارب، فأما إذا، فعله نادرا أو لحاجة فلا، ولا يعترض على هذا بالعوائد فلها طبائع ثوان، ولها أحكام أخرى، وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء رحمهم الله تعالى.

стр. 3059

الباب الرابع في آدابه ﷺ في شربه ، وفيه أنواع: النوع الأول: في اختياره الماء البائت، وإرادته الكرع بفيه ﷺ . روى البخاري والإمام أحمد وأبو داود والبرقاني عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ دخل حائطا من الأنصار، ومعه رجل من أصحابه، وهو يحوّل الماء في حائطه فقال: «إن كان عندك ماء بات وإلا كرعنا» ، قال: عندي ماء بات في شن فانطلق إلى العريش فصب منه في قدح، وحلب عليه داجنا- يعني شاة- فسقى رسول الله ﷺ ، ثم عاد إلى العريش، ففعل مثل ذلك فسقى صاحبه [ (١) ] . النوع الثاني: في أحب الشراب إليه ﷺ . روى مسدّد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سئل رسول الله ﷺ أي الشراب أحب إليك؟ قال: «الحلو البارد» . وروى الإمام أحمد برجال الصحيح- ولم يسم التّابعي- عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم قالا: سئل رسول الله ﷺ أي الشراب أطيب؟ قال: «الحلو البارد» . وروي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله ﷺ الماء في شجاب أو على جمارة من جريد. النوع الثالث: في مناولته الإناء من عن يمينه . روى البخاري وأبو الحسن بن الضحاك عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه حلبت لرسول الله ﷺ شاة داجنا، وهو في دار أنس بن مالك ثم شاب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس، فأعطى النبي ﷺ يشرب منه، وعلى يساره أبو بكر، وعلى يمينه أعرابي، فجاء عمر رضي الله تعالى عنه، وخاف أن يعطيه رسول الله ﷺ الأعرابي، فقال: «أعط أبا بكر يا رسول الله، فأعطاه رسول الله ﷺ الأعرابي الذي على يمينه، ثم قال رسول الله ﷺ : «الأيمن فالأيمن» [ (٢) ] . وروى الشيخان عنه أيضا قال: أتانا رسول الله ﷺ في دارنا هذه فحلبنا له شاة ثم شبته

стр. 3060

من ماء بئرنا هذه، فأعطيته، وأبو بكر عن يساره، وعمر تجاهه، وأعرابي عن يمينه، فلما فرغ قال عمر رضي الله تعالى عنه: هذا أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فأعطى الأعرابي، وقال: الأيمنون الأيمنون، قال أنس رضي الله تعالى عنه: فهي سنة [ (١) ] . وروى الحميدي، ومحمد بن أبي عمر، والإمام أحمد، وابن سعد، وابن ماجة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخلت مع رسول الله ﷺ أنا وخالد بن الوليد على ميمونة رضي الله تعالى عنها، فجاءتنا بإناء من لبن، وفي رواية قالت: ألا أسقيكم من لبن أهدته لنا أم عقيق؟ كذا رواه، والمحفوظ أم حميد أو حفيد، قال: بلى فجيء بإناء من لبن، فشرب رسول الله ﷺ ، وأنا عن يمينه، وخالد عن شماله، فقال: «المشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالدا» ، فقلت: ما كنت لأوثر بسؤرك أحدا، ثم قال رسول الله ﷺ : «من أطعمه الله طعاما فليقل الّلهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإني لا أعلم شيئا يجزئ عن الطعام والشراب غيره» . وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد والطبراني بسند جيد عن محمد بن إسماعيل رحمه الله تعالى قال: قيل لعبد الله بن أبي حبيبة: ما أدركت من رسول الله ﷺ ؟ قال: جاءنا رسول الله ﷺ في مسجدنا بقباء، وأنا غلام، حتى جلست عن يمينه، وجلس أبو بكر رضي الله تعالى عنه عن يساره، ثم دعا بشراب فشرب منه، ثم أعطانيه، وأنا عن يمينه، فشربت منه، ثم قام فصلى فرأيته يصلي في نعليه. النوع الرابع: في بدئه ﷺ بالأكابر . روى الطبراني برجال الصحيح وأبو يعلى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا سقى قال: «ابدؤوا بالكبرى أو قال بالأكابر» . وروى الطبراني بسند جيد إلا أبا عبد الملك علي بن زيد الأزدي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: بينا رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة في نفر الصحابة رضي الله تعالى عنهم إذ أتى بقدح فيه شراب، فناوله رسول الله ﷺ أبا عبيدة، فقال أبو عبيدة: أنت أولى به يا نبي الله، قال: خذ فأخذ أبو عبيدة القدح قال له قبل أن يشرب: خذ يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : «اشرب، فإن البركة مع أكابرنا، فمن لم يرحم صغيرنا، ويجل كبيرنا فليس منا» . وروى ثابت بن قاسم عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: جلس

стр. 3061

رسول الله ﷺ في سقيفته التي عند المسجد، قال سهل بن سعد: فاستسقاني فقدمت له وطبة فشرب، ثم قال: «كانت الأولى أطيب من الأخرى» فقلت يا رسول الله هما من شنّ واحد، ثم نادى أبا بكر فشرب، وعمر عن يمينه. النوع الخامس: في أمره ﷺ بالبداءة بمن انتهى إليه القدح . روى الإمام أحمد برجال الصحيح- وفيه راو لم يسم- عن عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه قال: أتانا رسول الله ﷺ فقدمت إليه عذق تمر نعلله به، وطبخت له، وسقيناهم، فشرب رسول الله ﷺ ، وسقى الذي عن يمينه، ثم أخذت القدح حين نفذ ما فيه فجئت بقدح آخر، وكنت أنا الخاتم، فقال رسول الله ﷺ : «أعط القدح الذي انتهى» . النوع السادس: في شربه ﷺ بعد أصحابه إذا سقاهم . روى الإمام أحمد وأبو يعلى برجال ثقات عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال: أصاب رسول الله ﷺ وأصحابه عطش فنزلنا منزلا، فأتي بإناء، فجعل رسول الله ﷺ يسقي أصحابه، وجعلوا يقولون: اشرب، فيقول ﷺ : «ساقي القوم آخرهم شربا» حتى سقاهم كلهم [ (١) ] . وروى أبو الشيخ وابن حبان عن أنس رضي الله تعالى عنهم قال: كان رسول الله ﷺ يسقي أصحابه، قالوا: يا رسول الله لو شربت، فقال: «ساقي القوم آخرهم» . وروى أبو يعلى عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: نزل رسول الله ﷺ منزلا فبعث إليه امرأة مع ابن لها شاة، فحلب، ثم قال: «انطلق به إلى أمك» ، فشربت حتى رويت، ثم جاء بشاة أخرى، فحلب ثم سقي أبا بكر، ثم جاءه بشاة أخرى، فحلب، ثم شرب. النوع السابع: في شربه مصّا وتنفسه ثلاثا . وروى الطبراني عن بهز قال: كان رسول الله ﷺ يستاك عرضا ويشرب مصّا، ويتنفس ثلاثا ويقول: «هو أهنأ وأمرأ وأبرأ» [ (٢) ] . وروى أيضا عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ لا يعبّ يشرب مرتين أو ثلاثا. وروى أبو بكر الشافعي عن ربيعة بن أكثم رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يستاك عرضا، ويشرب مصّا، ويقول: هو أهنأ» .

стр. 3062

وروى البغوي وابن القانع والطبراني في الكبير، وابن السّني وأبو نعيم في الطّب عن بهز والبيهقي عن ربيعة بن أكثم قال: كان رسول الله ﷺ يستاك عرضا ويشرب مصّا، ويتنفس ثلاثا، ويقول: «هو أهنأ وأمرأ وأبرأ» . وروى الشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يتنفس إذا شرب ثلاثا، زاد التّرمذي ومسلم: ويقول: «إنه أروى وأمرأ» [ (١) ] . وروى عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ يشرب يوما، فشرب في ثلاثة أنفاس، فقلت: يا رسول الله تشرب الماء في ثلاثة أنفاس؟ فقال: «هو أشفى وأمرأ وأبرأ» . وروى البزار، والطبراني، وأبو الحسن بن الضحاك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا شرب تنفس في الإناء ثلاثا، يحمد الله تعالى في كل نفس، ويشكره عند آخرهن. وروى ابن عدي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه رأى رسول الله ﷺ شرب جرعة، ثم قطع، ثم سمّى، ثم سمّى، ثم جرع، ثم قطع، ثم سمى، الثالثة: ثم جرع، ثم مضى فيه حتى فرغ منه، فلما شرب حمد الله تعالى عليه. وروى أيضا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ما رأيت رسول الله ﷺ شرب شرابا قط إلا تنفس فيه ثلاثا، كلها يقول: «باسم الله والحمد لله» . وروى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ لا يتنفس في طعام ولا شراب، ولا يتنفس في الإناء. وروى البزار برجال ثقات عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يتنفس في الإناء ثلاثا. وروى الطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وعن نوفل بن معاوية الدّيلمي، والطبراني والبزّار عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ شرب بثلاثة أنفاس، يسمي الله تعالى في أولها إذا أدنى الإناء من فيه، ويحمده في آخرها إذا أخره. النوع الثامن: في مضمضته إذا شرب اللبن . روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ شرب لبنا فدعا بماء فمضمض، فقال: «إن له دسما» .

стр. 3063

وروى البخاري وابن ماجة والبرقاني في صحيحه عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ حلب شاة، وشرب من لبنها، ودعا بماء فمضمض فاه، وقال: «إن له دسما» . النوع التاسع: في شربه ﷺ ولم يتمضمض . روى أبو الحسن بن الضحاك بسند فيه ضعف عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ شرب ولم يتمضمض، ولم يتوضأ. النوع العاشر: في شربه ﷺ من الإناء . روى الطبراني برجال ثقات غير يحيى بن مطيع بنحو رجاله عن جرير رضي الله تعالى عنه روى: دخل عيينة بن حصن رضي الله تعالى عنه على رسول الله ﷺ وعنده رجل فاستسقى، فأتى بماء فستره فشرب فقال: ما هذا قال: «الحياء والإيمان إن منحتموها أو منعتموها» . النوع الحادي عشر: في أمره ﷺ بتخمير الإناء . روى أبو يعلى برجال عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا يقال له أبو حميد أتى رسول الله ﷺ بإناء فيه لبن من النّقيع نهارا فقال النبي ﷺ : «ألا خمّرته ولو أن تعرض عليه بعود» . النوع الثاني عشر: في كراهته ﷺ أن ينفخ في شرابه . روى الطبراني برجال ثقات إلا صالح مولى التّوأمة فإنه اختلف عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ أنه كره أن ينفخ في شرابه. تنبيهات الأول: قال المهلب: الحكمة في طلب الماء البائت أن يكون أبرد وأصفى، وأما مزج اللبن بالماء البائت فلعل ذلك كان في يوم حار كما وقع في قصة أبي بكر مع الدّيلمي أي السابق في حديث الهجرة. قال الحافظ رحمه الله تعالى لكن القصتان مختلفتان، فصنيع أبي بكر رضي الله تعالى عنه باللبن لشدة الحر، وصنيع الأنصاري رضي الله تعالى عنه أراد ألا يسقي رسول الله ﷺ ماء صرفا، فأراد أن يضيف إليه اللبن، فأحضر له ما طلبه منه، وزاد عليه من جنس جرت عادته بالرغبة فيه. الثاني: روى ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: مررنا على بركة نكرع فيها فقال رسول الله ﷺ : «لا تكرعوا، ولكن اغسلوا أيديكم، ثم اشربوا بها» - في سنده

стр. 3064

ضعيف فإن كان محفوظا فالنهي للتنزيه، وأراد الفعل لبيان الجواز، وحديث جابر رضي الله تعالى عنه قيل: قبل النهي، أو النهي في غير حال الضرورة، وهل الفعل كان لضرورة شرب الماء ليس ببارد فيشرب بالكرع. وروى ابن ماجه أيضا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نشرب على بطوننا، وهو الكرع، وسنده أيضا ضعيف، فهو إن ثبت احتمل أن يكون نهيا خاصا بهذه الصورة، وهو أن يكون الشارب مضطجعا، ويحمل حديث جابر رضي الله تعالى عنه على الشرب بالفم من مكان عال لا يحتاج إلى الانبطاح. الثالث: في بيان غريب ما سبق: الكرع: بالراء تناول الماء بالفم من غير إناء ولا كف، وإنما سمي كرعا لأنه فعل البهائم لشربها بأفواهها، والغالب أنها تدخل كراعها حينئذ في الماء. الشّن: بمعجمة مفتوحة والنون مشددة: القربة العتيقة. الداجن: الشاة الملازمة للبيت. العريش: بعين مهملة مفتوحة، فراء مكسورة، فتحتية، فمعجمة: كل ما يستظل به. الشّجب: بمعجمة فجيم فموحدة وبالسكون السقاء الذي خلق وبلى وصار شنّا. الجمّارة من الجريد: هي ثلاث خشبات تسمر في رؤوسها، بعضها في بعض، وتقام ويعلق المسافر فيها قربته ومتاعه، وتسميها العامة سيباه. السؤر: بمهملة فهمز فراء: فضلة الشراب. الجرعة: بجيم مضمومة فراء ساكنة فعين مهملة فتاء تأنيث: اسم للشرب اليسير وبفتح الجيم الواحدة.

стр. 3065

الباب الخامس في ذكر مشروباته ﷺ وفيه أنواع: النوع الأول: في كراهته حلب المرأة . وروى ابن أبي شيبة عن أبي شيخ قال: أتانا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر [محارب] نصركم الله لا تسقوني حلب المرأة» [ (١) ] . النوع الثاني: في شربه ﷺ اللبن الخالص . روى الإمام مالك والبخاري عن أم الفضل بنت الحارث رضي الله تعالى عنها أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في رسول الله ﷺ فقال: بعضهم هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن، وهو واقف على بعيره، فشرب بعرفة. وروى ابن أبي شيبة عن عمر بن الحكم رضي الله تعالى عنه قال: سقيت رسول الله ﷺ فقال: «اللهم متعه بشبابه» [ (٢) ] . وروى أبو الشيخ وأبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ اللبن. وروى البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: قدم النبي ﷺ من مكة، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه معه، قال أبو بكر: مررنا براعي غنم، وقد عطش رسول الله ﷺ ، قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فحلبت كثبة من لبن في قدح، فشرب حتى رضيت. وروى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ شرب لبنا فمضمض، وقال: «إن له دسما» . وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فأما الظاهران: فالنيل والفرات، وأما الباطنان فنهران في الجنة، فأوتيت بثلاثة أقداح: قدح فيه لبن، وقدح فيه عسل، وقدح فيه خمر، فأخذت الذي فيه اللبن، فشربت، فقيل: لقد أصبت الفطرة والله أعلم» . النوع الثالث: في شربه ﷺ اللبن المشوب بالماء . وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه رأى رسول الله ﷺ يشرب لبنا، وأتى دارنا، فحلبت شاة، فشبت لرسول الله ﷺ من البئر، فتناول القدح فشرب، وعن يساره أبو بكر

стр. 3066

رضي الله تعالى عنه، وعن يمينه أعرابي، وفي رواية: وأبو بكر تجاهه، فقال عمر رضي الله تعالى عنه- وخاف أن يعطيه الأعرابي: أعط أبا بكر، وفي رواية: هذا أبو بكر، فأعطى الأعرابي فضله، ثم قال: الأيمن فالأيمن. وروى محمد بن عمر عن أبي الهيثم بن نصر أن رسول الله ﷺ دخل في يوم صائف، ومعه أبو بكر على أبي الهيثم، فقال: «هل من ماء بارد؟» فأتاه بشجب ماء كأنه الثلج، فصب منه على لبن عنز له وسقاه. فائدة: روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعا ثلاثة لا ترد: اللبن والوسادة والدّهن وأنشد بعضهم يقول في ذلك: قد كان من سيرة خير الورى ... صلّى عليه الله طول الزّمن ألّا يردّ الطّيب والمتّكا ... واللّحم أيضا يا أخي واللّبن النوع الرابع: في شربه ﷺ النبيذ وهو المعروف الآن بالأقسما، وصفته، وتحريم الخمر عليه أول ما بعث قبل تحريمها على الأمة . روى أبو سعيد بن الأعرابي عن أم سليم رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أنبذ في جرار خضر فيجيء رسول الله ﷺ فيشرب منها. وروى أبو القاسم البغوي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تنبذ لرسول الله ﷺ في تور من الحجارة. وروى الإمامان الشافعي وأحمد ومسلم عن أبي الدرداء وابن ماجة، عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان ينبذ له في سقاء، فإذا لم يجد سقاء ينبذ له في تور من الحجارة، وفي لفظ برام. وروى الطبراني برجال ثقات عن ابن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه قال: كان ينبذ لرسول الله ﷺ في تور من الحجارة. وروى أبو القاسم البغوي عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان ينبذ له في تور من حجارة زاد ابن أبي شيبة في المصنف قال أشعث: والتور من لحاء الشجر. وروى الطبراني برجال ثقات غير مزاحم بن عبد العزيز الثقفي فيجر رجاله عن عمير بن مسلم قال: أهديت لرسول الله ﷺ جرة خضراء فيها كافور، فقسمها بين المهاجرين والأنصار وقال: «يا أم سليم انتبذي لنا فيها» .

стр. 3067

وروى البخاري، عن سهل بن سعد قال: أتى أبو أسيد السّاعدي فدعا رسول الله ﷺ في عرسه فكانت امرأته خادمتهم، وهي العروسة، فقالت: أتدرون ما سقيت رسول الله ﷺ ؟ ألقيت له تمرات من الليل في تور من حجارة. وروى الإمام أحمد والأربعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنا ننبذ لرسول الله ﷺ في سقاء يوكى عليه، فنأخذ قبضة من زبيب، أو قبضة من تمر، فنطرحها في السقاء، ثم نصب عليها الماء ليلا، فيشرب نهارا، أو نهارا فيشربه ليلا، وزاد أو داود: فإن فضل مما شرب على عشائه مما انتبذنا له بكرة سقاه أحدنا، ثم ننبذ له بالليل، فيشربه على غذائه، قال: وكنا نغسل السقاء غدوة وعشية مرتين في يوم. وروى مسلم والنسائي عن ثمامة بن حزن رحمه الله تعالى أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبيذ، فدعت جارية حبشية فقالت: سل هذه، فإنها كانت تنبذ لرسول الله ﷺ ، فقالت الحبشية: كنت أنبذ لرسول الله ﷺ في سقاء من الليل فأوكيه وأعلقه فإذا أصبح شرب منه. وروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ ينبذ له زبيب من الليل، فيجعل في سقاء، فيشربه يومه ذلك، والغد بعد الغد، فإذا كان في آخر الثالثة سقاه أو شربه، فإذا أصبح منه شيء أهريق. وروى البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنا ننبذ لرسول الله ﷺ غدوة ويشربه عشية، وننبذ له عشية ويشربه غدوة [ (١) ] . وروى الطبراني برجال ثقات غير شيخه العباس بن الفضل الأسنائي فيجر رجاله عن المطلب بن أبي وداعة أن النبي ﷺ أتى بإناء نبيذ فصب عليه الماء حتى تدفق، ثم شرب منه. وروى أيضا برجال ثقات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله ﷺ لا يشرب نبيذا فوق ثلاث. وروى الطبراني عن الفضل بن عباس قال: كان ينبذ للنبي ﷺ فيشربه الغد، وليلة الغد، وليلة اليوم الثالث ثم يمسك. وروى البزار عن أبي الدرداء ومعاذ بن جبل، والطبراني عن أم سلمة رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ قال: «إن أول شيء نهاني ربي بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر غيبات الرجال. وروى الإمام أحمد والطّبراني، وفيه عبيد الله بن زحر عن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «أن الله ﵎ حرم عليّ الخمر

стр. 3068

والكوبة، والقنّينات، وإياكم والغبيراء فإنها ثلث خمر العالم» . وروى البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، والبيهقي عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله ﷺ قال: «إن ربي حرّم عليّ الخمر والميسر والقنّين والكوبة» ، والقنين: العود. النوع الخامس: في شربه ﷺ سويق الشعير . روي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كنت أسقي [ (١) ] ... النوع السادس: في رده ﷺ سويق اللوز . وروى ابن سعد عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، وأبي صخر أن رسول الله ﷺ أتى بسويق لوز فلما خيض له قال: «ماذا؟» قالوا: سويق اللوز، قال: «أخروه عني، هذا شراب المترفين» . النوع السابع: في شربه ﷺ العسل . روى أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ كان يمكث عند زبيب بنت جحش فيشرب عندها عسلا. وروى مسلم والبرقاني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: سقيت رسول الله ﷺ في هذه القدح الشراب كله: العسل واللبن والماء المخلوط بالعسل. روى برجال ثقات غير نعيم بن مورّع- وثقه ابن حبان، وضعفه غيره- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أتى رسول الله ﷺ بقدح فيه لبن وعسل فقال: «شربتين في شربة، في قدح، لا حاجة لي به، أما أني لا أزعم أنه حرام، أكره أن يسألني ربي عن فضول الدنيا، أتواضع لله فمن تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله، ومن اقتصد أغناه الله، ومن ذكر الموت أحبه الله» . وروى الإمام أحمد والتّرمذي والحاكم عنها قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد، زاد ابن السّنّي وأبو نعيم في الطّب: بالعسل وقال: إنه يبرد فؤادي ويجلو بصري. تنبيهات الأول: إنما كانوا- يمزجون اللبن بالماء لأن اللبن يكون عند الحلب حارا، وتلك البلد في الغالب حارة، فكانوا يكسرون حر اللبن بالماء البارد. الثاني: روى مسلم وأبو داود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان

стр. 3069

رسول الله ﷺ يبيّت له الزبيب من الليل في السقاء، فإذا أصبح شربه يومه وليلته، ومن الغداء، فإذا كان مساء شربه، أو سقاه الخدم، فإذا فضل شيء أراقه. قال الحافظ أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى الشرب في المدة التي ذكرتها عائشة يشرب حلوا، وأما الصفة التي ذكرها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ينتهي إلى الشدة والغليان لكن بحمل ما ورد من أمر الخدم بشربه على أنه لم يبلغ ذلك، ولكن قرب منه، لأنه لو بلغ ذلك لأسكر، ولو أسكر حرم تناوله مطلقا. وقال الحافظ: ثبت أنه بدا فيه بعض تغير في طعمه بالحامض أو نحوه، فسقاه الخدم، وإلى هذا أشار أو داود فقال: بعد أن رواه: قوله سقاه الخدم يريد أنه يبادر به الفساد انتهى، ويحتمل أن تكون أوفي الخبر للتنويع، لأنه قال: سقاه الخدم وإن كان اشتد أمر بإهراقه، وبه جزم النووي رحمه الله تعالى فقال: هو على اختلاف حالتيه، إن ظهر فيه شدة صبه، وإن لم تظهر شده سقاه الخدم، لئلا يكون فيه إضاعة مال، وإنما يتركه هو تنزها، وجمع بين حديث ابن عباس وعائشة بأن شرب النّقيع في يومه لا يمنع شرب النقيع في أكثر من يوم، ويحتمل أن يكون باختلاف حال أو زمان، ويحمل الذي يشرب في يومه على ما إذا كان قليلا، وذاك على ما إذا كان كثيراً، فيفضل منها ما يشربه فيما بعد، وأمّا ما يكون في شدة الحر مثلا فيسارع إليه الفساد، وذلك في شدة البرد فلا يسرع إليه الفساد. الثالث: قال في الهدي: كان رسول الله ﷺ إذا شرب ناول من على يمينه، وإن كان من على يساره أكبر منه، قلت: ويدل عليه الأحاديث السابقة. الرابع: في بيان غريب ما سبق: الكثبة: بكاف مضمومة فمثلثة ساكنة فموحدة فتاء تأنيث: كل قليل جمعته من طعام أو لبن أو غير ذلك. الشّجب: بشين معجمة فجيم ساكنة فموحدة السّقاء الذي قد أخلق وبلى وصار شنا. التّور: بمثناة فوقية مفتوحة فواو ساكنة، فراء إناء من صفر أو حجارة كالإجانة. البرام: بموحدة مكسورة فراء فألف فميم جمع برمة بموحدة مضمومة وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف من أرض الحجاز واليمن. أوكئه: بهمزة مضمومة، فواو ساكنة، فكاف مكسورة، فهمزة فهاء: أي أشد رؤوسها بالوكاء لئلا يدخلها حيوان، أو يسقط فيها شيء. الكوبة: بكاف مضمومة فواو ساكنة فموحدة: الطبل الصغير المخصّر والفهر والبربط والرّند والشّطرانج. الغبيراء: بغين معجمة مضمومة فمثناة فراء فألف وبالمد: السّكركة وهي من الذرة.

стр. 3070

جماع أبواب سيرته ﷺ في نومه وانتباهه الباب الأول في سيرته ﷺ قبل نومه وفيه أنواع: الأول: في مسامرته أهله عند النوم ﷺ . روى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: حدث رسول الله ﷺ ذات ليلة نساءه حديثا فقالت امرأة منهن: كأن هذا الحديث حديث خرافة فقال: «أتدرون ما حديث خرافة؟ كان رجل من بني عذرة أسرته الجن في الجاهلية فمكث فيهم دهرا، ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب فقال الناس هذا خرافة» [ (١) ] . الثاني: في سمره ﷺ عند أبي بكر رضي الله تعالى عنه في الأمر من أمور المسلمين . روى مسدد برجال ثقات عن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معه. الثالث: فيما جاء أنه ﷺ كان لا يجلس في بيت مظلم إلا أن يسرج له فيه . روى البزار عن شيخه إسحاق بن إبراهيم بن حبيب، وأبو الحسن بن الضحاك من طريق محمد بن عمار القرظي قالا: أخبرنا يحيى بن اليمان قال: حدثنا سفيان عن جابر عن أبي إسحاق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ لا يجلس في بيت مظلم إلا أن يسرج له فيه [ (٢) ] . وروى ابن سعد عنها قالت: كان رسول الله ﷺ لا يقعد في بيت مظلم حتى يضاء له بالسراج. الرابع: فيما كان يفعل إذا أراد أن يرقد بالليل وهو جنب . روى البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام، وهو جنب، غسل فرجه، وتوضأ للصلاة [ (٣) ] زاد البيهقي: وتيمم، ويحتمل أن يكون التيمم هنا عند عسر وجود الماء، وقيل غير ذلك.

стр. 3071

الخامس: في وضوئه قبل النوم . روى أبو الشيخ وابن الجوزي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ : إذا أراد أن ينام يتوضأ وضوءه للصلاة. وروى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قام من الليل فدخل الخلاء فقضى حاجته، ثم غسل وجهه وكفيه ثم نام. السادس: في اكتحاله عند نومه . روى أبو الحسن بن الضحاك عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان للنبي ﷺ كحل أسود، فكان إذا أوى إلى فراشه اكتحل في ذي العين ثلاثا، وفي ذي العين ثلاثا. روى الإمام أحمد وابن ماجة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ كان يكتحل بالإثمد كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال [ (١) ] . وروى أبو بكر بن أبي شيبة عنه قال: كانت للنبي ﷺ مكحلة يكتحل منها عند النوم في كل عين ثلاثا، وفي هذا أحاديث تأتي في أبواب زينته. السابع: في خروجه من البيت في الصيف، ودخوله إياه في الشتاء . روى أبو الشيخ وابن حبان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي ﷺ إذا كان الصيف خرج من البيت ليلة الجمعة، وإذا كان الشتاء دخل البيت ليلة الجمعة [ (٢) ] . الثامن: في استلقائه على ظهره ووضعه إحدى رجليه على الأخرى . روى الإمام مالك والإمام أحمد والخمسة عن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان مضطجعا في المسجد رافعا إحدى رجليه على الأخرى. التاسع: في ركضه برجله من اضطجع على بطنه . روى البخاري في الأدب عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ مر برجل في المسجد منبطحا لوجهه فضربه برجله، وقال: «قم نومة جهنمية» . العاشر: في صفة نومه .

стр. 3072

روى البخاري في الأدب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نام رسول الله ﷺ حتى نفخ، وكنا نعرفه إذا نام بنفخه. وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: نام رسول الله ﷺ حتى استثقل ورأيته ينفخ. وروى الإمام أحمد عنها قالت: ما نام رسول الله ﷺ قبل العشاء، ولا سمر بعده. وروى الحميدي عنها قالت: ما كنت ألقى النبي ﷺ من آخر الليل عندي إلا نائما. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: خرافة: بخاء معجمة مضمومة، فراء فألف، ففاء، فتاء تأنيث: هو رجل من بني عذرة استهوته الجن فكان يحدث بما رأى، فكذبوه، وقالوا حديث خرافة. السّمر: بسين مهملة فميم مفتوحتين فراء: الحديث بالليل. الإثمد: بهمزة مكسورة فمثلثة ساكنة فميم فدال مهملة: حجر الكحل. الميل: بميم مكسورة، فتحتية، فلام هنا: الذي يكتحل به.

стр. 3073

الباب الثاني فيما كان يقوله ويفعله إذا أراد النوم روى الإمام أحمد والتّرمذي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ لا ينام حتى يقرأ ألم تَنْزِيلُ [السجدة ١] ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك ١] . وروى أبو يعلى برجال ثقات عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ كل ليلة ألم تَنْزِيلُ السجدة [ (١) ] . وروى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان إذا اضطجع للنوم يقول: «باسمك ربي وضعت جنبي، فاغفر لي ذنبي [ (٢) ] . وروى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضطجعه يقول: «الحمد لله الذي كفاني وآواني، وأطعمني وسقاني، والحمد لله» [ (٣) ] . وروى مسلم وأبو داود والترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا أوى إلى فراشه: «الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وآوانا وكم ممّن لا مكافئ له ولا مؤوي» [ (٤) ] . وروى الإمامان مالك وأحمد، والشيخان، وأبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما، فقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه وضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، وقال: «باسمك اللهم أحيا وأموت» [ (٦) ] .

стр. 3074

وروى الإمام أحمد والتّرمذي عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، والإمام أحمد وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه وضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، وقال: «رب قني عذابك يوم تبعث» ، أو قال: «تجمع عبادك» . وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي- وحسنه- والنسائي عن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المسبّحات قبل أن يرقد، وقال: «إنّ فيهن آية أفضل من ألف آية» ، ورواه ابن الضّريس عن يحيى بن أبي كثير مرسلا، وزاد قال يحيى فزادها الآية التي في آخر الحشر. وروى الترمذي- وحسنه- عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ الزّمر، وبني إسرائيل. وروى أبو داود عن أبي الأزهر الأنماري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا أخذ مضطجعه من الليل: «باسم الله وضعت جنبي، اللهم اغفر لي ذنبي وأخسئ شيطاني، وفك رهاني واجعلني في النّديّ الأعلى» . وروى الإمام أحمد وأبو داود عن حفصة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه اضطجع على يده اليمنى، وفي رواية: وضع يده اليمنى تحت خده، ثم قال: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك ثلاث مرات» . وروى أبو داود عن علي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يقول عند مضطجعه: «اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وبكلماتك التامات، من كل دابة أنت آخذ بناصيتها، اللهم أنت تكشف المغرم والمأثم، اللهم لا ينهزم جندك، ولا يخلف وعدك، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ، سبحانك اللهم وبحمدك» . وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد ومسلم وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يدعو عند النوم: «اللهم رب السموات السبع، وربّ العرش العظيم، ربّنا وربّ كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحبّ والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شرّ كلّ شيء، أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر ليس فوقك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر» . وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يأمر بفراشه فيفرش له، فيستقبل القبلة، فإذا أوى إليه توسد كفه اليمنى، ثم همس، لا ندري ما يقول، فإذا كان في

стр. 3075

آخر ذلك رفع صوته فقال: «اللهم رب السموات السّبع، وربّ العرش العظيم، إله أو رب كل شيء، منزل التّوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحبّ والنّوى، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر» . وروى الطبراني عن خبّاب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ لم يأت فراشه قط إلا قرأ: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ حتى يختمها. ورواه أيضاً عن عباد بن أخضر أو أحمر. وروى الطبراني برجال الصحيح غير حي بن عبد الله المعافري- وثقه جماعة وضعفه آخرون- عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول حين يريد أن ينام: «اللهم، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء، وإله كل شيء، أشهد أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وان محمدا ﷺ عبدك ورسولك، والملائكة يشهدون، اللهم أعوذ بك من الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي إثما أو أجرّه على مسلم» . وروى الإمام أحمد بإسناد حسن عنه أن رسول الله ﷺ إذا اضطجع للنوم يقول: «باسمك ربي فاغفر لي ذنبي» . وروى البزار بسند حسن عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام قال: «اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك» . وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: «اللهم إني أعوذ بك من الشر وأعوذ بك من الجوع ضجيعا» . وروى الطبراني برجال ثقات عن علي رضي الله تعالى عنه قال: بت عند رسول الله ﷺ ذات ليلة فكنت أسمعه إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه يقول: «اللهم أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، اللهم لا أستطيع ثناء عليك ولو حرصت، لكن أنت كما أثنيت على نفسك. تنبيهان الأول: قال: النّسائي رحمه الله تعالى عن معاوية بن صالح أن بعض أهل العلم يقولون: المسبّحات ست سور: الحديد والحشر والحواريّون وسورة الجمعة والتّغابن وسبّح اسم ربّك الأعلى.

стр. 3076

قال الحافظ ابن كثير: الآية المشار إليها من قوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ قلت: وكذا قال يحيى بن كثير أحد رواته كما رواه ابن الضّريس كما تقدم. الثاني: في بيان غريب ما سبق: أوى: بهمزة، وواو مفتوحتين، غير ممدود: أراد المبيت. الهمس: الصوت الخفي. الولوع: بواو فلام مضمومتين فعين مهملة: الإغراء. النّديّ الأعلى: بالتشديد: القوم المجتمعون في مجلس، فإن تفرقوا فليس بنديّ والمراد به الملأ الأعلى كما في الروايات الأخرى.

стр. 3077

الباب الثالث فيما كان يقوله ويفعله إذا استيقظ روى الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن حذيفة ومسلم عن البراء رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ كان إذا استيقظ قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور» . وروى أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أن رسول الله ﷺ إذا استيقظ من الليل قال: «لا إله إلا أنت سبحانك، اللهم أستغفرك لذنوبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب» . وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يصلي يقول: «الحمد لله رب العالمين، القوي» ، ثم يقول: «سبحان الله وبحمده القوي» .

стр. 3078

الباب الرابع فيما كان يقوله ﷺ إذا أصبح، وإذا أمسى روى مسدد والإمام أحمد والنّسائي في اليوم والليلة برجال ثقات عن عبد الرحمن بن أبزى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد ﷺ ، وملة أبينا إبراهيم ﵇، حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين» . وروى عبد بن حميد عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: «أصبحنا وأصبح الملك لله، الكبرياء والعظمة والخلق والليل والنهار، وما سكن فيها لله تعالى، وحده لا شريك له، اللهم اجعل هذا النهار أوله فلاحا، وأوسطه صلاحا، وآخره نجاحا، وأسألك خير الدنيا وخير الآخرة» . وروى مسدد برجال ثقات عن عبد الله بن سعيد قال: سمعت أبي يقول: أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا أصبح: «اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك النّشور» ، وإذا أمسى قال: «اللهم بك أمسينا، وبك أصبحنا، وبك نحيا وبك نموت، وإليك النشور» . وروى أبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يدعو بهذه الدعوات إذا أصبح، وإذا أمسى: «اللهم إني أعوذ بك من فجاءة الخير، وأعوذ بك من فجاءة الشّر» . وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عنه أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا أصبح: «اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك المصير» . وروى البزار بسند حسن عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا أصبح: «أصبحنا والملك والحمد لله، لا شريك له، لا إله إلا هو، وإليه المصير» . وروى الطبراني عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أسمع رسول الله ﷺ إذا أدركه المساء في بيتي يقول: «أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد والحول والقوة والسلطان في السموات والأرض، وكل شيء لله رب العالمين، اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك النشور» . وروى أيضا عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يقول إذا أصبح وأمسى: «أصبحنا وأصبح الملك لله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، الّلهم إنا نسألك

стр. 3079

خير هذا اليوم، وخير ما بعده، ونعوذ بك من شر هذا اليوم، وشر ما بعده، اللهم إني أعوذ بك من شر الكبر وأعوذ بك من عذاب النار» . وروى أيضا عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول إذا أصبح: «أصبحت وأصبح الملك لله تعالى، والكبرياء والعظمة والخلق والنهار والليل وما سكن فيهما لله وحده، لا شريك له، اللهم اجعل أول هذا النهار فلاحا، وأوسطه صلاحا، وآخره نجاحا، أسألك خير الدنيا والآخرة، يا أرحم الراحمين» . وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يدعو بهذه الدعوات إذا أصبح وإذا أمسى: «اللهم إني أعوذ بك من فجاءة الخير، وأعوذ بك من فجاءة الشر» . وروى الإمام أحمد والطبراني برجال الصحيح عن عبد الرحمن بن أبزى أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وأمسينا على فطرة الإسلام، وعلى كلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد ﷺ ، وعلى ملة أبينا إبراهيم ﵇، حنيفا مسلما، وما كان من المشركين» . وروى الطبراني عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح وأمسى دعا بهذا الدعاء: «اللهم إنك أحقّ من ذكر، وأحقّ من عبد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا يهلك، كل شيء هالك إلا وجهك، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حلت دون التّصوّر، وأخذت بالنّواصي، وكتبت الآثار، ونسخت الآجال، القلوب لك مفضية، والسّر عندك علانية، الحلال ما أحللت، والحرام ما أحرمت، والدين ما أشرعت، والأمر ما قضيت، والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله رؤوف رحيم، أسألك بنور وجهك الذي أشرقت به السموات والأرض، بكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك، أن تقبلني بهذه القراءة، أو في هذه العيشة، وأن تجيرني من النار بقدرتك» . وروى أيضا عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمسى قال: «أمسينا وأمسى الملك لله الواحد القهار، الحمد لله الذي ذهب بالنهار، وجاء بالليل ونحن في عافية، اللهم هذا خلقك قد جاء، فما عملت فيه من سيئة فتجاوز عنها، وما عملت فيه من حسنة فتقبلها، وضعّفها أضعافا مضاعفة، اللهم إنك بجميع حاجتي عالم، وإنك على نجحها قادر، اللهم أنجح الليلة كل حاجة لي، ولا تزدني في دنياي، ولا تنقصني في آخرتي» ، وإذا أصبح قال: مثل ذلك والله أعلم.

стр. 3080

جماع أبواب سيرته ﷺ في الرؤيا، وذكر بعض مناماته الباب الأول في تقسيمه ﷺ الرؤيا، وأن الرؤيا الصالحة من أجزاء النبوة، وإنها من المبشّرات، وما يتعلق بالرؤيا من الآداب وفيه أنواع:. النوع الأول: في تقسيمه الرؤيا ﷺ . روى الإمام إسحاق عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا على ثلاثة منازل، منها ما يحدث المرء نفسه وليس بشيء، ومنها ما يكون من الشيطان، فإذا رأى شيئا يكرهه فليستعذ بالله من الشيطان، وليبصق عن يساره، فإنها لن تضره من بعد ذلك، ومنها بشرى من الله تعالى، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، فليعرضها على ذي رأي ناصح، فليقل خيرا، وليتأوله خيرا» ، فقال عوف بن مالك: إذا كانت حصاة واحدة من عدد الحصى لكانت كثيرا، ورواه الشيخان من طريق باختصار، وفي هذا السياق زيادة ليست عندهم، ولا عندهم قول عوف. وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والإمامان مالك وأحمد، والشيخان وابن ماجة عن أنس رضي الله تعالى عنه، والإمام أحمد والشيخان عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، والإمامان مالك وأحمد والبخاري وابن ماجه عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد عن ابن عباس، والإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءا من النبوة» [ (٢) ] . النوع الثاني: في أن الرؤيا الصالحة من المبشرات . روى الإمام أحمد عن أبي الطفيل والإمام مالك والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة،

стр. 3081

والإمام أحمد والترمذي عن أنس، وابن ماجه عن ابن عباس، والإمام أحمد عن عائشة، والإمام أحمد عن ابن عمر والبزار رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ قال: «الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي» ، لكن المبشّرات قالوا: يا رسول الله وما المبشّرات؟ قال: «الرؤيا الحسنة الصالحة يراها الصالح أو ترى له» [ (١) ] . النوع الثالث: في تحذيره ﷺ من الكذب في الرؤيا . روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أعظم الفراء من يقول على ما لم أقل، ومن أرى عينيه في النوم ما لم تريا، ومن ادعى إلى غير أبيه» [ (٢) ] . النوع الرابع: في أمره ﷺ من رأى رؤيا يكرهها ما يقوله ويفعله . روى ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليتحول عن يساره، وليسأل الله تعالى خيرها، وليتعوذ بالله تعالى من شرها» [ (٣) ] . وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن للرؤيا كنّى، ولها أسماء، فكنوها بكناها، واعتبروها بأسمائها، والرؤيا لأول عابر» [ (٤) ] . النوع الخامس: في أمره ﷺ بقص الرؤيا على عالم أو ناصح أو لبيب، وأنها على رجل طائر . روى ابن ماجة عن أبي رزين العقيلي رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ قال: «الرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يحدث بها صاحبها، فإذا حدث بها وقعت، فلا تحدث بها إلا عالما، أو ناصحا أو لبيبا، وفي لفظ أو ذا رأي» [ (٥) ] .

стр. 3082

الباب الثاني فيما عبر ﷺ من الرؤيا، أو عبّر بين يديه وأقره روى ابن أبي شيبة والإمام أحمد وأحمد بن منيع وعبد بن حميد والحارث والنسائي في الكبرى، وابن حبان عن خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين رضي الله تعالى عنه أنه رأى في النوم كأنه يسجد على جبين، - وفي لفظ- جبهة رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : «إن الروح لا تلقى الروح» فأقنع رسول الله ﷺ رأسه، وفي لفظ فاضطجع له رسول الله ﷺ وأمره فسجد من خلفه، وقال: صدق رؤياك فسجد على جبهة النبي ﷺ [ (١) ] . وروى الإمام أحمد والشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان رجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على النبي ﷺ ، وكنت غلاما شابا عزبا أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ [ (٢) ] . وروى أبو يعلى والإمام أحمد من طريق ابن لهيعة عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، أنه رأى في المنام كأن في إحدى أصبعيه عسلا، وفي الأخرى سمنا، فكان يلعقهما بإصبع، فذكر ذلك للنبي ﷺ قال: «إن عشت تقرأ الكتابين التوراة والفرقان» ، فكان يقرؤهما [ (٣) ] . وروى ابن السّكن الحراني والطبراني من طريق سليمان بن عطاء القريشي الحرّاني عن سلمة بن عبد الله الجهني، قال الحافظ في الإصابة [ (٥) ] : في إسناده ضعف، عن ابن زمل واسمه عبد الله، وقيل عبد الرحمن وقيل الضحاك الجهني رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى قال- وهو ثان رجله-: «سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، إن الله كان توابا، سبعين مرة» ، ثم يقول سبعين بسبعمائة،: «لا خير فيمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة» ، ثم يستقبل الناس بوجهه، وكان يعجبه الرؤيا، ثم يقول: «هل رأى أحد منكم شيئا؟» فقال ابن زمل فقلت: أنا يا نبي الله، قال: «خير تلقاه، وشر توقاه، وخير لنا، وشرّ لأعدائنا، والحمد لله رب العالمين، اقصص رؤياك» فقلت: رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لاحب، والناس على الجادة منطلقين، فبينما هم كذلك إذا أنا بذلك الطريق على

стр. 3083

مرج لم تر عيني مثله، يرف رفيفا، يقطر ماؤه، وفيه من أنواع الكلأ، فكأني بالرعلة الأولى حين أشنفوا على المرج كبروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث، ومضوا على ذلك، ثم قدم عظم الناس، فلما أشفوا على المرج كبروا، وقالوا: هذا خير المنزل، وكأني أنظر إليهم يميلون يمينا وشمالا، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى آتي أقصى المرج، فإذا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل آدم مسبّل أقنى، إذا هو يتكلم يفرع الرجال طولا وإذا عن يسارك رجل ربعة نار أحمر كثير خيلان الوجه، كأنما عمّم شعره بالماء، إذا هو تكلم أصغيتم له إكراما له، وإذا أمامكم رجل شيخ أشبه الناس بك خلقا ووجها، كلكم تؤمونه تريدونه، وإذا أمامه ناقة عجفاء شارف، فإذا بك أنت يا رسول الله، كأنك تبعثها، فقال رسول الله ﷺ : «أما ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب فذاك ما حملتكم عليه من الهدي الذي أنتم عليه، وأما المرج الذي رأيت فالدنيا وغضارة عيشتها، مضيت أنا وأصحابي لم نتعلق منها بشيء ولم تتعلق منا ولم نردها ولم تردنا، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدنا، وهم أكثر أضعافا، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث، ونجوا على ذلك، ثم جاء عظم الناس فمالوا على المرج يمينا وشمالا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأما أنت فمضيت على طريقة صالحة، فلم تزل عليها حتى تلقاني، وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة، فالدنيا سبعة آلاف سنة، وأنا في آخرها ألفا، وأما الرجل الذي رأيت عن يميني الآدم المسبّل فذاك موسى بن عمران ﵇، إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام الله تعالى إياه، والرجل الذي رأيت عن يساري التار والرّبعة الكثير خيلان الوجه فذاك عيسى ابن مريم ﵉، نكرمه لإكرام الله تعالى إياها، وإن الشيخ الذي رأيته أشبه الناس بي خلقا ووجها، فذاك أبي إبراهيم ﵇، كلنا نؤمه ونقتدي به، وأما الناقة التي رأيتها ورأيتني أبعثها فهي الساعة علينا تقوم، لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي» . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: رحب: براء مفتوحة فحاء مهملة ساكنة فموحدة: الواسع. السّهل: بسين مهملة مفتوحة فهاء ساكنة فلام هنا: ضد الحزن. اللاحب: بلام فألف ساكنة فمهملة فموحدة: الواضح. الجادّة: بجيم فألف، فدال مهملة مفتوحة مشددة، فتاء تأنيث: السّواء والوسط. المرج: بميم مفتوحة فراء ساكنة فجيم: الموضع ترعى فيه الدواب. يرف: بتحتية مفتوحة، فراء مكسورة، ففاء: كثر ماؤه. الكلأ: بكاف، فلام مفتوحتين، فهمزة مضمومة: العشب، والنبات رطبه ويابسه.

стр. 3084

الرّعلة: براء مفتوحة، فعين مهملة ساكنة، فلام، فتاء تأنيث: القطعة من الفرسان، ويقال لجماعة الخيل رعيل. أشفوا: بهمزة مفتوحة، فشين معجمة ساكنة، ففاء، فواو: أي أشرفوا. المرتع: بميم مضمومة، فراء ساكنة، ففوقية مكسورة، فعين مهملة: الذي يخلي ركابه ترتع. الضّغث: بضاد معجمة مكسورة، فغين معجمة ساكنة، فمثلثة: قبضة من حشيش مختلط، والضّغث الخلط، وأضغاث أحلام: أي أخلاط. الآدم والمسبّل والأقنى والربعة والتار والخيلان: تقدم تفسيرها في أبواب المعراج. العجفاء: بعين مهملة مفتوحة، فجيم ساكنة، ففاء، فهمزة، بالمد: المهزولة من الغنم وغيرها. الشّارف: بشين معجمة، فألف، فراء ففاء: الناقة المسنّة. الغضارة: بغين، فصاد معجمتين، فألف، فراء، فتاء تأنيث: الطّيّب واللذة والخصب والخير انتهى.

стр. 3085

الباب الثالث في بعض مناماته ﷺ وروى أحمد بن منيع عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيتني أدخلت الجنة فسمعت خشفة بين يديّ، فقلت: ما هذا؟ فقيل: هذا بلال، فنظرت، فإذا أعالي أهل الجنة فقراء المهاجرين، وذراري المسلمين، ولم أر أقلّ فيها من الأغنياء والنساء، فقلت: ما لي لا أرى فيها أقل من الأغنياء والنساء؟ فقيل لي: أما النّساء فألهاهنّ الأحمران: الذهب والحرير، وأما الأغنياء فهم هاهنا بالباب يحاسبون، ويمحّصون، فخرجت من أحد أبواب الجنة الثمانية، فجيء بكفة فوضعت فيها، وجيء بجميع أمتي فوضعت في كفة فرجحتها، ثم جيء بأبي بكر رضي الله تعالى عنه فوضع في كفة، وجميع أمتي في كفة، فرجحها أبو بكر، ثم جيء بعمر رضي الله تعالى عنه فوضع فيها فرجحها، فجعلت أمتي تمر عليّ أفواجا، حتى استبطأت عبد الرحمن بن عوف، فمر بي بعد الناس، فقال: بأبي وأمي، ما كدت أخلص إليك إلا من بعد المشاق، فقلت: لم ذاك؟ قال: من كثير مالي، ما زلت أحاسب بعدك وأمحّص» [ (١) ] . وروى عبد بن حميد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: خرج رسول الله ﷺ ذات غدوة فقال: «رأيت قبل صلاة الصبح كأني أعطيت المقاليد والموازين فأما المقاليد: فهذه المفاتيح، وأما الموازين: فهي التي يوزن بها، فوضعت في إحدى الكفتين، ووضعت أمتي في الأخرى، فوزنتهم ورجحتهم، ثم جيء بأبي بكر، فوزن، فوزنهم، ثم جيء بعمر، فوزن، فوزنهم، ثم جيء بعثمان فوزن، فوزنهم، ثم استيقظت فرفعت» [ (٢) ] . وروى أبو يعلى والبزار عن أبي الطفيل رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «بينا أن أنزع الليلة إذا وردت على غنم سود وعفر، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا، أو ذنوبين فيهما ضعف، والله تعالى يغفر له، ثم عمر فاستحالت غربا تملأ الحياض، وأروى الواردة، فلم أر عبقريا من الناس أحسن نزعا منه، فأوّلت الغنم السود: بالعرب والعفر: بالعجم» [ (٣) ] . وروى ابن أبي شيبة برجال ثقات عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر، فأولت الدرع: بالمدينة والبقر بقر والله خير الحديث» [ (٤) ] .
следующие страницы →