والإمام أحمد والترمذي عن أنس، وابن ماجه عن ابن عباس، والإمام أحمد عن عائشة، والإمام أحمد عن ابن عمر والبزار رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ قال: «الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي» ، لكن المبشّرات قالوا: يا رسول الله وما المبشّرات؟ قال:
«الرؤيا الحسنة الصالحة يراها الصالح أو ترى له» [ (١) ] .
النوع الثالث: في تحذيره ﷺ من الكذب في الرؤيا .
روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أعظم الفراء من يقول على ما لم أقل، ومن أرى عينيه في النوم ما لم تريا، ومن ادعى إلى غير أبيه» [ (٢) ] .
النوع الرابع: في أمره ﷺ من رأى رؤيا يكرهها ما يقوله ويفعله .
روى ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليتحول عن يساره، وليسأل الله تعالى خيرها، وليتعوذ بالله تعالى من شرها» [ (٣) ] .
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن للرؤيا كنّى، ولها أسماء، فكنوها بكناها، واعتبروها بأسمائها، والرؤيا لأول عابر» [ (٤) ] .
النوع الخامس: في أمره ﷺ بقص الرؤيا على عالم أو ناصح أو لبيب، وأنها على رجل طائر .
روى ابن ماجة عن أبي رزين العقيلي رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ قال: «الرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يحدث بها صاحبها، فإذا حدث بها وقعت، فلا تحدث بها إلا عالما، أو ناصحا أو لبيبا، وفي لفظ أو ذا رأي» [ (٥) ] .
стр. 3082
الباب الثاني فيما عبر ﷺ من الرؤيا، أو عبّر بين يديه وأقره
روى ابن أبي شيبة والإمام أحمد وأحمد بن منيع وعبد بن حميد والحارث والنسائي في الكبرى، وابن حبان عن خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين رضي الله تعالى عنه أنه رأى في النوم كأنه يسجد على جبين، - وفي لفظ- جبهة رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : «إن الروح لا تلقى الروح» فأقنع رسول الله ﷺ رأسه، وفي لفظ فاضطجع له رسول الله ﷺ وأمره فسجد من خلفه، وقال: صدق رؤياك فسجد على جبهة النبي ﷺ [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد والشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان رجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على النبي ﷺ ، وكنت غلاما شابا عزبا أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ [ (٢) ] .
وروى أبو يعلى والإمام أحمد من طريق ابن لهيعة عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، أنه رأى في المنام كأن في إحدى أصبعيه عسلا، وفي الأخرى سمنا، فكان يلعقهما بإصبع، فذكر ذلك للنبي ﷺ قال: «إن عشت تقرأ الكتابين التوراة والفرقان» ، فكان يقرؤهما [ (٣) ] .
وروى ابن السّكن الحراني والطبراني من طريق سليمان بن عطاء القريشي الحرّاني عن سلمة بن عبد الله الجهني، قال الحافظ في الإصابة [ (٥) ] : في إسناده ضعف، عن ابن زمل واسمه عبد الله، وقيل عبد الرحمن وقيل الضحاك الجهني رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى قال- وهو ثان رجله-: «سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، إن الله كان توابا، سبعين مرة» ، ثم يقول سبعين بسبعمائة،: «لا خير فيمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة» ، ثم يستقبل الناس بوجهه، وكان يعجبه الرؤيا، ثم يقول: «هل رأى أحد منكم شيئا؟» فقال ابن زمل فقلت: أنا يا نبي الله، قال: «خير تلقاه، وشر توقاه، وخير لنا، وشرّ لأعدائنا، والحمد لله رب العالمين، اقصص رؤياك» فقلت: رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لاحب، والناس على الجادة منطلقين، فبينما هم كذلك إذا أنا بذلك الطريق على
стр. 3083
مرج لم تر عيني مثله، يرف رفيفا، يقطر ماؤه، وفيه من أنواع الكلأ، فكأني بالرعلة الأولى حين أشنفوا على المرج كبروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث، ومضوا على ذلك، ثم قدم عظم الناس، فلما أشفوا على المرج كبروا، وقالوا: هذا خير المنزل، وكأني أنظر إليهم يميلون يمينا وشمالا، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى آتي أقصى المرج، فإذا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل آدم مسبّل أقنى، إذا هو يتكلم يفرع الرجال طولا وإذا عن يسارك رجل ربعة نار أحمر كثير خيلان الوجه، كأنما عمّم شعره بالماء، إذا هو تكلم أصغيتم له إكراما له، وإذا أمامكم رجل شيخ أشبه الناس بك خلقا ووجها، كلكم تؤمونه تريدونه، وإذا أمامه ناقة عجفاء شارف، فإذا بك أنت يا رسول الله، كأنك تبعثها، فقال رسول الله ﷺ : «أما ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب فذاك ما حملتكم عليه من الهدي الذي أنتم عليه، وأما المرج الذي رأيت فالدنيا وغضارة عيشتها، مضيت أنا وأصحابي لم نتعلق منها بشيء ولم تتعلق منا ولم نردها ولم تردنا، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدنا، وهم أكثر أضعافا، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث، ونجوا على ذلك، ثم جاء عظم الناس فمالوا على المرج يمينا وشمالا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأما أنت فمضيت على طريقة صالحة، فلم تزل عليها حتى تلقاني، وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة، فالدنيا سبعة آلاف سنة، وأنا في آخرها ألفا، وأما الرجل الذي رأيت عن يميني الآدم المسبّل فذاك موسى بن عمران ﵇، إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام الله تعالى إياه، والرجل الذي رأيت عن يساري التار والرّبعة الكثير خيلان الوجه فذاك عيسى ابن مريم ﵉، نكرمه لإكرام الله تعالى إياها، وإن الشيخ الذي رأيته أشبه الناس بي خلقا ووجها، فذاك أبي إبراهيم ﵇، كلنا نؤمه ونقتدي به، وأما الناقة التي رأيتها ورأيتني أبعثها فهي الساعة علينا تقوم، لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي» .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
رحب: براء مفتوحة فحاء مهملة ساكنة فموحدة: الواسع.
السّهل: بسين مهملة مفتوحة فهاء ساكنة فلام هنا: ضد الحزن.
اللاحب: بلام فألف ساكنة فمهملة فموحدة: الواضح.
الجادّة: بجيم فألف، فدال مهملة مفتوحة مشددة، فتاء تأنيث: السّواء والوسط.
المرج: بميم مفتوحة فراء ساكنة فجيم: الموضع ترعى فيه الدواب.
يرف: بتحتية مفتوحة، فراء مكسورة، ففاء: كثر ماؤه.
الكلأ: بكاف، فلام مفتوحتين، فهمزة مضمومة: العشب، والنبات رطبه ويابسه.
الباب الثالث في بعض مناماته ﷺ
وروى أحمد بن منيع عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيتني أدخلت الجنة فسمعت خشفة بين يديّ، فقلت: ما هذا؟ فقيل: هذا بلال، فنظرت، فإذا أعالي أهل الجنة فقراء المهاجرين، وذراري المسلمين، ولم أر أقلّ فيها من الأغنياء والنساء، فقلت: ما لي لا أرى فيها أقل من الأغنياء والنساء؟ فقيل لي: أما النّساء فألهاهنّ الأحمران: الذهب والحرير، وأما الأغنياء فهم هاهنا بالباب يحاسبون، ويمحّصون، فخرجت من أحد أبواب الجنة الثمانية، فجيء بكفة فوضعت فيها، وجيء بجميع أمتي فوضعت في كفة فرجحتها، ثم جيء بأبي بكر رضي الله تعالى عنه فوضع في كفة، وجميع أمتي في كفة، فرجحها أبو بكر، ثم جيء بعمر رضي الله تعالى عنه فوضع فيها فرجحها، فجعلت أمتي تمر عليّ أفواجا، حتى استبطأت عبد الرحمن بن عوف، فمر بي بعد الناس، فقال: بأبي وأمي، ما كدت أخلص إليك إلا من بعد المشاق، فقلت: لم ذاك؟ قال: من كثير مالي، ما زلت أحاسب بعدك وأمحّص» [ (١) ] .
وروى عبد بن حميد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: خرج رسول الله ﷺ ذات غدوة فقال: «رأيت قبل صلاة الصبح كأني أعطيت المقاليد والموازين فأما المقاليد:
فهذه المفاتيح، وأما الموازين: فهي التي يوزن بها، فوضعت في إحدى الكفتين، ووضعت أمتي في الأخرى، فوزنتهم ورجحتهم، ثم جيء بأبي بكر، فوزن، فوزنهم، ثم جيء بعمر، فوزن، فوزنهم، ثم جيء بعثمان فوزن، فوزنهم، ثم استيقظت فرفعت» [ (٢) ] .
وروى أبو يعلى والبزار عن أبي الطفيل رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «بينا أن أنزع الليلة إذا وردت على غنم سود وعفر، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا، أو ذنوبين فيهما ضعف، والله تعالى يغفر له، ثم عمر فاستحالت غربا تملأ الحياض، وأروى الواردة، فلم أر عبقريا من الناس أحسن نزعا منه، فأوّلت الغنم السود: بالعرب والعفر: بالعجم» [ (٣) ] .
وروى ابن أبي شيبة برجال ثقات عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر، فأولت الدرع: بالمدينة والبقر بقر والله خير الحديث» [ (٤) ] .
стр. 3086
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشا، وكأن مقبض سيفي انكسر، فأولت أني أقتل صاحب الكتيبة، وأوّلت» ... قال عفان كان بعد هذا شيء لا يدري ما هو [ (١) ] .
وروى أبو يعلى برجال ثقات عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ رأى في المنام أن بني الحكم ينزون على منبره فأصبح كالمتغيظ، وقال: «ما لي رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو الغدرة» قال: فما رئي رسول الله ﷺ ضاحكا بعد ذلك حتى مات [ (٢) ] .
وروى الطبراني في الكبير [ (٣) ] برجال الصحيح، والبيهقي في كتاب عذاب القبر، والأصبهاني في الترغيب عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ بعد صلاة الصبح فقال: «إني رأيت رؤيا هي حق تعقلونها، أتاني جبريل ﵇، فأخذ بيدي، فاستتبعني حتى أتى بي جبلا طويلا وعرا، فقال لي: ارق، فقلت: لا أستطيع، فقال:
سأسهّله لك، فجعلت كلما رقت قدمي وضعتها على درجة، حتى استوينا، على سواء الجبل، فانطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء مشققة أشداقهم، فقلت: من هؤلاء قال: هؤلاء الذين يقولون ما لا يعلمون، ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء ممدودة أعينهم وآذانهم، قلت: ما هؤلاء؟ قال:
الذي يرون أعينهم ما لا يرون، ويسمعون آذانهم ما لا يسمعون، ثم انطلقنا. فإذا نحن بنساء معلقات بعراقيبهن، مصوبة رؤوسهن، تنهش أثداءهن الحيات، فقلت: ما هؤلاء؟ قال: الذين يمنعن أولادهم من ألبانهن، ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء معلقات بعراقيبهن، مصوّبات رؤوسهن، يلحسن من ماء قليل وحمأة قلت: ما هؤلاء؟ قال: الذين يصومون ويفطرون قبل تحلة صومهم، ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء أقبح شيء منظرا وأقبحه لبوسا، وأنتنه ريحا كأنما ريحهم المراحيض، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزناة، ثم انطلقنا، فإذا نحن بموتى أشد شيء انتفاخا وأنتنه ريحا، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى الكفار، ثم انطلقنا، فإذا نحن نرى دخانا، ونسمع عواء، قلت: ما هذا؟ قال: هذه جهنم، فدعها، ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال نيام تحت ظلال الشجرة، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى المسلمين، ثم انطلقنا، فإذا نحن بجوار وغلمان أحسن شيء وجها، وأحسنه لبوسا، وأطيبه ريحا، كأن وجوههم القراطيس، قلت ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون، ثم انطلقنا، فإذا نحن بثلاثة نفر
стр. 3087
يشربون خمرا، ويلعبون، فقلت: ما هؤلاء؟ فقال: ذاك زيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، فملت قبلهم، فقالوا: قدنا لك، قدنا لك، ثم رفعت رأسي، فإذا ثلاثة نفر تحت العرش قلت: ما هؤلاء؟ قال: ذاك أبوك إبراهيم، وموسى، وعيسى ﵈، وهم ينتظرونك صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» .
وروى ابن عدي عن بكر بن سعيد بن قيس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يدخل النار من يراني في المنام» .
وروى الحارث مرسلا برجال ثقات عن أبي مجلز رحمه الله تعالى قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني رأيت في المنام أن رأسي قطع، وأني جعلت أنظر إليه، فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: «بأي عين كنت تنظر إلى رأسك إذا قطع؟» فلم يلبث رسول الله ﷺ بعد ذلك إلا قليلا حتى توفي، قال: فأولوا قطع رأسه بموت رسول الله ﷺ ، ونظره باتباع سنته [ (١) ] .
وروى الطيالسي وأبو داود السّجستاني والترمذي عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعجبه الرؤيا الصالحة، ويسأل عنها فقال رجل: يا رسول الله، رأيت رؤيا، رأيت كأن ميزانا دلّي من السماء، فوزنت أنت بأبي بكر، فرجحت، ثم وزن أبو بكر بعمر، فوزن أبو بكر عمر، ثم وزن عمر بعثمان، فرجع عثمان، ثم رفع الميزان فاستاء لها رسول الله ﷺ ، ثم قال: «خلافة نبويّة، ثم يؤتي الله تعالى الملك من يشاء» [ (٢) ] .
وروى البخاري عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال لنا رسول الله ﷺ ذات غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي الصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده هاهنا، فيتبع الحجر، فيأخذه، فما يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان، ثم يعود عليه ليفعل به مثل ما فعل المرة الأولى قال: قلت لهما: سبحان الله، ما هذا؟ قالا لي:
انطلق، فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم على رأسه بكلّوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينيه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصبح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل به في المرة الأولى قال:
قلت سبحان الله! ما هذا؟ قالا لي: انطلق، انطلق، فانطلقنا، فأتينا على مثل التّنّور فإذا فيه لغط
стр. 3088
وأصوات، قال: فاطّلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضؤوا قال: قلت: ما هؤلاء؟ قال: انطلق، انطلق، فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح ما سبح، ثم يأتي الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه، فيلقمه حجرا، فينطلق يسبح، ثم يرجع إليه، كلما رجع فغر له فاه..
فألقمه حجرا، قلت: ما هذان؟ قالا لي: انطلق، انطلق، فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء، وإذا هو عنده نار له يحشّها، ويسعى حولها، قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي:
انطلق، فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة، فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط، قالا لي: انطلق، فانطلقنا، فانتهينا إلى روضة عظيمة، لم أر روضة قط أعظم منها، ولا أحسن، قالا لي: ارق فيها، فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة بلبن من ذهب، ولبن من فضة، فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا، ففتح لنا، فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فإذا نهر معترض يجري، كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا، قد ذهب السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك، فسما بصري صعدا، فإذا قصر مثل الرّبابة البيضاء، قالا لي: هذاك منزلك، قلت لهما: بارك الله تعالى فيكما، دعاني فأدخله، قالا:
أما الآن فلا، وأنت داخله، قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟
قالا لي: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل الذي يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة، يفعل به إلى يوم القيامة، وأما الرجل الذي أتيت عليه يشر شر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل التّنّور فإنهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر، ويأكل الحجارة، فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة الذي عنده النار يحشها فإنه مالك خازن النار، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﵊، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة، وأما القوم الذين كانوا شطر منهم قبيح، فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا، وآخر سيّئا، فجاوز الله عنهم، وأنا جبريل وأنا ميكائيل ﵉» [ (١) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
الخشفة: بخاء فشين معجمتين ففاء مفتوحات، فتاء تأنيث: الحركة، وبسكون الشين:
стр. 3089
الحس والحركة، وقيل: هو الصوت، وبالتحريك: الحركة، وقيل هما بمعنى.
يمحّصون: بميم فحاء مفتوحتين، فصاد مهملة، فواو، فنون: أي يخلصون.
العفر: بضم العين المهملة، وسكون الفاء، وبالراء: ليست بالشديدة البياض.
الذّنوب بذال معجمة مفتوحة، فنون، فواو، فموحدة: الدلو وفيها ماء أو دون الملأى.
الغرب: بغين معجمة مفتوحة، فراء ساكنة، فموحدة الرواية، أو الدلو العظيمة.
العبقري: بمهملة فموحدة، فقاف، فراء: طنافس ثمان، قال أبو عبيدة رحمه الله تعالى:
تقول العرب لكل شيء من البسط عبقري، ويقال عبقر: أرض يعمل فيها الوشي، فنسب إليها كل شيء جيد، ويقال العبقري: الممدوح الموصوف من الرجال والفرش.
ينزون: بتحتية مفتوحة، فنون ساكنة، فزاي، فواو، فنون: يثبون.
الغدر: عدم الوفاء والغدر ثابت في الدين، زاد مسلم هو في الحديث، أو قاله ابن سيرين.
يهوى: بضم أوله.
يثلغ: بمثلثة ومعجمة بوزن يعلم: يشدخ.
التّدهده: بدالين مهملتين بينهما هاء: الدفع من علو إلى أسفل.
يشرشر: بمعجمتين وراءين: يقطع شقّا.
ضوضؤوا: بهمز، وبدونه: ماض من الضوضأة، وهي أصوات الناس ولغطهم.
يسبح: بمهملتين بينهما موحدة مفتوحة: أي يعوم.
فغر: بفاء ومعجمة وراء: فتح وزنا ومعنى.
المرآة: بفتح الميم وسكون الراء وهمزة ممدودة: المنظر.
يحشها: بفتح أوله وضم الحاء المهملة وتشديد المعجمة: يوقدها.
معتمة: بضم أوله وسكون المهملة وكسر المثناة، وتخفيف الميم، أي شديدة الخضرة.
معترض: بكسر الراء: عرضا.
المحض: بفتح الميم وسكون المهملة ومعجمة: اللبن الخالص من الماء.
سما: بالتخفيف نظر إلى فوق.
صعدا: بضم المهملتين يعني: ارتفاعا كثيرا.
الرّبابة: بفتح الراء وتخفيف الموحدتين: السحابة والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 3090
جماع أبواب سيرته ﷺ في لباسه وذكر ملبوساته
الباب الأول في آدابه ﷺ في لباسه ،
وفيه أنواع:
الأول: في بداءته بميامنه .
روى التّرمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا لبس قميصا بدأ بميامنه [ (١) ] .
الثاني: في وقت لبسه ﷺ الثوب الجديد .
روى أبو الشيخ وأبو الحسن بن الضحاك عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا استجد ثوبا لبسه يوم الجمعة [ (٢) ] .
الثالث: فيما كان يقوله ﷺ إذا استجدّ ثوبا .
روى الإمام أحمد وأبو يعلى عن علي رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عند الكسوة- وفي لفظ إذا لبس ثوبا جديدا: «الحمد لله الذي رزقني من الرّياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي» [ (٣) ] .
وروى الطبراني عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا لبس ثوباً جديدا قال: «الحمد لله الذي وارى عورتي، وجمّلني في عباده» [ (٤) ] .
الرابع: فيما كان يقوله ﷺ لمن رأى عليه ثوبا جديدا .
روى أبو بكر بن أبي شيبة وعبد بن حميد، والإمام أحمد والنّسائي في اليوم والليلة، وابن ماجة، والطبراني والدّعّاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ رأى على عمر رضي الله تعالى عنه قميصا أبيض غسيلا فقال: «ثوبك هذا غسيل أم جديد؟» فقال: لا،
стр. 3091
بل غسيل يا رسول الله، فقال له رسول الله ﷺ : «البس جديدا وعش حميدا ومت» ، وفي لفظ: «وتوفي شهيدا، يرزقك الله تعالى قرّة عين في الدنيا والآخرة» [ (١) ] .
الخامس: في كيفية ائتزاره وموضع إزاره ﵇ .
روى الحسن بن سفيان وبقيّ بن مخلد عن عكرمة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان إذا ائتزر أرخى مقدم إزاره، حتى تقع حاشيته على ظهر قدميه، ويلفع الإزار من ورائه، فقلت له: لم تأتزر هكذا؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ يأتزر هذه الإزرة [ (٢) ] .
وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عن أم الحصين الأحمسيّة رضي الله تعالى عنها قالت:
رأيت رسول الله ﷺ في حجة الوداع ببرد، قد التفع به من تحت إبطيه.
وروى النسائي عن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمن يحدث عن عمر أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ ، فإذا إزاره إلى نصف الساق.
وروى الطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في ثوب متوشّحا فلم ينل طرفاه، فعقده [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد برجال ثقات عن أم الفضل بنت الحارث رضي الله تعالى عنها قالت: صلى بنا رسول الله ﷺ في ثوبه متوشحا به [ (٤) ] .
وروى ابن ماجة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يسب أحدا، ولا يطوى له ثوب [ (٥) ] .
стр. 3092
الباب الثاني في سيرته ﷺ في العمامة والعذبة والتلحّي
وفيه أنواع:
الأول: في صفة عمامته ﷺ .
قال في زاد المعاد: كانت له عمامة تسمى السّحاب، كساها عليا قلنسوة.
روى الطبراني والبيهقي وأبو موسى المدني- وإسناده على شرط الصحيح- إلا أبا عبد السلام- وهو ثقة- عن أبي عبد السلام بن أبي حازم رحمه الله تعالى قال: قلت لابن عمر رضي الله تعالى عنهما: كيف كان رسول الله ﷺ يعتمّ؟ قال: كان يدير كور العمامة على رأسه يقرنها، وفي رواية ويغرزها من ورائه، ويرسل لها ذؤابة بين كتفيه [ (١) ] .
وروى ابن عساكر قال: أخبرنا أبو سعيد بن البغدادي أخبرنا أبو المظفّر محمود بن جعفر بن محمد، ومحمد بن أحمد بن إبراهيم بن سلمة قالا: أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن علي بن أحمد الشيرازي، أخبرنا أبو سمرة حدثنا: موسى بن نصر عن أبيه عن أبي هريرة عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال: ما خرج إلينا رسول الله ﷺ يوم جمعة إلا وهو معتم، وربما خرج في إزار ورداء، وإن لم تكن عمامته وصل الخرقة بعضها على بعض، واعتم بها، ورواه ابن عدي [ (٢) ] الهيثم بن جميل عن موسى بن مطير عن أبيه عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة فذكره، قال ابن عساكر: هذا الإسناد أشبه، وكان الأول عن أبي هريرة، وبعض أصحاب رسول الله ﷺ فسقطت الواو.
الثاني: في لبسه ﷺ العمامة السوداء، والدّسمة والحرقانية وغير ذلك .
روى الخطّابي وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ معتمّا بعمامة سوداء، قد أرخى طرفها بين يديه.
وروى الحارث بن أبي أسامة، وأبو القاسم البغوي، وابن عدي، عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء- زاد في رواية:
بغير إحرام [ (٣) ] .
وروى ابن عدي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه رأى رسول الله ﷺ يعتم بعمامة سوداء [ (٤) ] .
стр. 3093
وروى مسلم والأربعة والترمذي في الشمائل عن عمرو بن حريث أن النبي ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء، ولمسلم: قد أرخى طرفها بين كتفيه [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد والترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: خطب رسول الله ﷺ الناس وعليه عمامة دسمة.
وروى أيضا عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء [ (٢) ] .
وروى النسائي عن عمر بن حريث رضي الله تعالى عنه قال: رأيت لرسول الله ﷺ عمامة حرقانية.
وروى ابن عدي- بسند ضعيف- عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان لرسول الله ﷺ عمامة سوداء يلبسها في العيدين، ويرخيها خلفه.
وروى أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عمامة مطوية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدّم رأسه، ولم ينقض العمامة.
وروى ابن سعد عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: كانت عمامة رسول الله ﷺ سوداء [ (٣) ] .
الثالث: في لبسه ﷺ العمامة الصفراء وعصبه رأسه .
قال الإمام الغزالي في الإحياء: وربما لم تكن العمامة فيشد ﷺ العصابة على رأسه، وعلى جبهته.
روى البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخلت على رسول الله ﷺ وعليه عصابة دسماء [ (٤) ] .
وروى عن الفضل بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخلت على رسول الله ﷺ في مرضه الذي توفي فيه، وعلى رأسه عصابة صفراء فسلمت عليه، فقال: «يا فضل» ، قلت:
لبّيك يا رسول الله، قال: «اشدد بهذه العصابة رأسي» ، ففعلت، ثم قعد، فوضع كفه على منكبي، ثم قام، فدخل المسجد
الحديث [ (٥) ] .
стр. 3094
وروى الحاكم والطّبرانيّ عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت على رسول الله ﷺ ثوبين مصبوغين بزعفران: رداء وعمامة [ (١) ] .
وروى ابن سعد عن يحيى بن عبد الله بن مالك مرسلا قال: كان رسول الله ﷺ يصبغ ثيابه كلها بالزعفران: قميصه ورداءه وعمامته [ (٢) ] .
وروى أيضا عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله ﷺ يصبغ ثيابه كلها بالزعفران حتى العمامة [ (٣) ] .
وروى ابن عساكر من طريق سليمان بن أرقم عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وعليه قميص أصفر، ورداء أصفر، وعمامة صفراء.
وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يصبغ ثيابه بالصّفرة.
وروى ابن عساكر عن عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير أنه بلغه أن الملائكة نزلت يوم بدر عليهم عمائم صفر، وجاء النبي ﷺ وعليه عمامة صفراء.
الرابع: في سيرته ﷺ في العذبة .
روى الترمذي وحسنه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يسدل عمامته بين كتفيه [ (٤) ] .
وروى مسلم وأبو داود وابن حبان عن عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ زاد أبو داود: على المنبر- انتهى وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفها بين كتفيه [ (٥) ] .
وروى مسلم وأبو داود وابن ماجه والنسائي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء- زاد النّسائي: قد أرخى طرف العذبة بين كتفيه [ (٦) ] .
стр. 3095
وروى النسائي عن عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه قال: كأني أنظر الساعة إلى رسول الله ﷺ على المنبر وعليه عمامته السوداء، قد أرخى طرفها بين كتفيه.
وروى الطبراني من طرق الحجاج بن رشدين بن سعد عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا اعتم أرخى عمامته بين يديه ومن خلفه [ (١) ] .
وروى أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ كان إذا اعتم أرسل لها ذؤابة من خلفه.
وروى الطبراني من طريق عيسى بن يونس عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالعمائم فإنها سيماء الملائكة، وأرخوها خلف ظهوركم» [ (٢) ] .
وروى الطبراني بسند ضعيف عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يولي واليا حتى يعممه ويرخي لها من الجانب الأيمن نحو الأذن [ (٣) ] .
الخامس: في سيرته ﷺ في التلحّي وأمره ﷺ بالتلحي ونهيه عن الاقتعاط .
قال في زاد المعاد: كان ﷺ يتلحى بالعمامة تحت الحنك انتهى.
روى التّرمذي والنّسائي عن بلال رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والخمار [ (٤) ] .
وروى ابن سعد بسند جيد عن ابن طاوس عن أبيه إنه كان يعتم، ولا يجعل تحت حلقه ولحيته من العمامة شيئا.
وروى عبد الرزاق عنه أنه كان يكره أن يعتم، ولا يجعل تحت ذقنه شيئا، ويقول: «تلك لبسة الشيطان» .
السادس: لبس العمامة وإرخاء طرفها من سيماء الملائكة ﵈ .
قال الله : بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران ١٢٥] ، ذكر غير واحد من المفسرين أن السّومة- بضم السين- السّيماء: وهي العلامة.
روى الطبراني بسند فيه شهر بن حوشب- حسن له الترمذي وغيره وبقية رجاله ثقات-
стр. 3096
عن عائشة قالت: رأيت جبريل عليه عمامة حمراء مرخيها بين كتفيه [ (١) ] .
وروى ابن جرير بسند حسن عن أبي أسيد السّاعدي، وهو بدري، قال: خرجت الملائكة يوم بدر في عمائم صفر، قد طرحوها بين أكتافهم.
وروى الحاكم في اللباس في مستدركه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أتى رجل رسول الله ﷺ على برذون وعليه عمامة حمراء قد أرخى طرفها بين كتفيه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: «هل رأيتيه؟» قلت: نعم، قال: «ذاك جبريل ﵇ فأمرني أن أمضي إلى بني قريظة» .
وروى أيضا عنها قالت: رأيت رجلا يوم الخندق على صورة دحية بن خليفة الكلبي على دابة يناجي رسول الله ﷺ وعليه عمامة قد أسدلها خلفه فسألت رسول الله ﷺ فقال:
«ذاك جبريل أمرني أن أخرج إلى بني قريظة» انتهى [ (٢) ] .
السابع: في تعميمه ﷺ بعض أصحابه .
روى أبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وابن منيع والبيهقي في الشعب عن علي رضي الله تعالى عنه قال: عممني رسول الله ﷺ يوم غدير [ (٣) ] خمّ بعمامة سدلها خلفي [ (٤) ] .
وروى أبو يعلى والبزار برجال ثقات، وابن أبي الدنيا والطبراني، والبيهقي في الزهد- وحسن إسناده أبو الحسن الهيثمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية يبعثه عليها فأصبح عبد الرحمن وقد اعتم بعمامة كراديس سوداء، فنقضها رسول الله ﷺ ، وعممه وأرخى له أربع أصابع، أو قريبا من شبر، ثم قال: «هكذا فاعتم يا ابن عوف، فإنه أعرب وأحسن» [ (٥) ] .
وروى الطبراني من طريق مقدام بن داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: عمم رسول الله ﷺ ابن عوف، وأرخى له أربع أصابع، قال: «إني لمّا صعدت إلى السماء رأيت أكثر الملائكة ﵈ معتمّين» [ (٦) ] .
стр. 3097
تنبيهات
الأول: قال العلماء رحمهم الله تعالى لم تكن عمامة النبي ﷺ بالكبيرة، التي تؤذي صاحبها، وتضعفه، وتجعله عرضة للآفات كما يشاهد من حال أصحابنا، ولا بالصغيرة التي تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد، بل وسطا بين ذلك.
قال الحافظ رحمه الله تعالى في فتاويه: لا يحضرني في طول عمامة النبي ﷺ قدر محدود، وقد سئل عنه الحافظ عبد الغني فلم يذكر شيئا في فتاويه.
وقال الشيخ رحمه الله تعالى في ذلك لم يثبت في مقدار العمامة الشريفة حديث، ثم أورد الحديث السالف أول الباب، ثم قال: وهذا يدل على أنها عدة أذرع، والظاهر أنها كانت نحو العشرة أو فوقها بيسير.
وقال الحافظ أبو الخير السخاوي رحمه الله تعالى في فتاويه: رأيت من نسب لعائشة رضي الله تعالى عنها أن عمامة رسول الله ﷺ في السفر كانت بيضاء، وفي الحضر كانت سوداء، وكل منهما سبعة أذرع.
قال السّخاوي: وهذا شيء ما علمناه.
قال ابن الحاج في المدخل: وردت السّنّة بالرّداء والعمامة والعذبة، وكان الرداء أربعة أذرع ونصف، ونحوها، والعمامة سبعة أذرع ونحوها، يخرجون منها التّلحية والعذبة، والباقي عمامة على ما نقله المطريّ في كتابه.
الثاني: قال في زاد المعاد: كان رسول الله ﷺ يلبس العمامة بغير قلنسوة، وكان إذا اعتمّ أرخى طرف عمامته بين كتفيه، كما في حديث عمرو بن حريث، وفي حديث جابر السابق رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ دخل مكة، وعليه عمامة سوداء، ولم يذكر في حديثه الذّؤابة، فدل على أن العذبة لم يكن يرخيها دائما بين كتفيه، قال وقد يقال: أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه أهبة القتال، والمغفر على رأسه، فلبس في كل موطن ما يناسبه، قلت: لم يستحضر رحمه الله تعالى أن النسائي رحمه الله تعالى رواه- وزاد- قد أرخى طرف العذبة بين كتفيه، كما تقدم، ولا مخالفة بين هذا الحديث، وحديث البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر، لاحتمال أن يكون وقت دخوله كان على رأسه المغفر، ثم أزاله، ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كل منهما ما رآه، ويؤيده أن في حديث عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه أنه خطب عند باب الكعبة، وذلك بعد تمام دخوله، قال القاضي وقال غيره يجمع، بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر أو كانت تحت المغفر، وقاية لرأسه من صدأ الحديد.
стр. 3098
الثالث:
قال في زاد المعاد أيضا كان شيخنا أبو العباس في تيهته رحمه الله تعالى يذكر في سبب الذؤابة شيئا بديعا، وهو أنه ﷺ إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه بالمدينة، لما رأى رب العزة ﵎ فقال: «يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، فوضع يده بين كتفيّ فعلمت ما بين السماء والأرض» الحديث.
رواه الترمذي،
وقال إنه سأل البخاري عنه فصححه، قال أبو العباس رحمه الله تعالى:
فمن تلك الغداة أرخى رسول الله ﷺ الذؤابة بين كتفيه ﷺ ، وهذا من العلم الذي تنكره ألسنة الجهّال وقلوبهم، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ولم أر هذه الفائدة في شأن الذؤابة لغيره، وقال الحافظ أبو الفضل العراقي رحمه الله تعالى: لم نجد لما ذكره أصلا.
وقال الحافظ أبو ذرعة بن الحافظ أبي الفضل العراقيّ رحمهما الله تعالى في تذكرته بعد أن ساق ما تقدم عن ابن تيميّة، إن ثبت ذلك فهو وصفه، وليس يلزم منه التجسيم، لأن الكف يقال فيه ما قاله أهل الحق في اليد، فهم ما بين متأوّل وساكت عن التأويل، مع نفي الظاهر، كيفما كان فهو نعمة عظيمة، ومنّة جسيمة، حلّت بين كتفيه فقابلها بإكرام ذلك المحلّ الذي حطت فيه تلك النعمة، والمراد بالذؤابة ههنا القامّة لموافقة الحديث الذي قبله وأكثر اشتهارها على شعر الرأس، وقد تطلق على المتدلي من غيره.
الرابع: قال شيخ الإسلام كمال الدين بن أبي شريف رحمه الله تعالى في كتابه صوبة الغمامة، في إرساله طرف العمامة: إسبال طرف العمامة مستحبّ مرجح فعله على تركه، كما يؤخذ من الأحاديث السابقة خلافا لما أوهمه كلام النووي رحمه الله تعالى من إباحته بمعنى استواء الطرفين.
قال الإمام النووي في شرح المهذب: يجوز لبس العمامة بإرسال طرفها، بغير إرساله، ولا كراهة في واحد منهما، وذكر معناه في الروضة باختصار.
قال في شرح المهذب: ولم يصح في النهي عن ترك الإرسال شيء، وذكر أنه صحّ في الإرخاء حديث عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه أي السابق- هذا كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى. قال ابن أبي شريف رحمه الله تعالى: ولم أر من تعقّبه، ويمكن أن يقال قد أمر النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه بإرخاء طرف العمامة، وعلّله ﷺ لأنه أعرب وأحسن، فهو مستحب وأولى، وتركه خلاف الأولى والمستحب. والظاهر أن الإمام النووي أراد بالمكروه ما ورد فيه نهي مقصود، وليس الترك مكروها بهذا المعنى، ولا يمتنع كون الإرسال أولى أو مستحبا، وأما إن أراد بالمكروه ما يتناول خلاف الأولى، كما هو اصطلاح متقدمي الأصوليين، فلا نسلم كون الترك غير مكروه بهذا المعنى بل هو مكروه.
стр. 3099
بمعنى أنه خلاف الأولى كما بيّنّاه.
الخامس:
قال صاحب القاموس رحمه الله تعالى في شرح البخاري كما نقل عنه أنه قال فيه: كان لرسول الله ﷺ عذبة طويلة نازلة بين كتفيه، وتارة على كتفيه، وأنه ما فارق العذبة قط، وأنه قال: «خالفوا اليهود ولا تصمّموا فإن تصميم العمائم من زيّ أهل الكتاب» ، وأنه قال: «أعوذ بالله من عمامة صمّاء» ،
قال الشيخ رحمه الله تعالى في فتاويه التي بخط الشيخ عبد الجبار رحمه الله تعالى قوله: طويلة لم أره، لكن يمكن أن يؤخذ من أحاديث إرخائها بين الكتفين، وقوله: بين، وتارة على كتفه لم أقف عليه من لبسه، لكن من إلباسه، أي كما سيأتي في تعميمه عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، وعليا رضي الله تعالى عنه، وأما حديث خالفوا اليهود إلخ، وحديث أعوذ بالله من عمامة صمّاء، فلا أصل لهما.
قال الشيخ في الفتاوى المذكورة: من العلم أن العذبة سنة وتركها استنكافا عنها إثم، أو غير مستنكف فلا.
السادس: اختلف في مكان العذبة على أقوال:
الأول: إرسالها من بين يديه، ومن خلفه.
روى الطبراني بسند ضعيف عن ثوبان رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتم أرخى عمامته بين يديه ومن خلفه.
وروى أبو موسى المدنيّ بسند ضعيف عن الحسن بن صالح، قال: أخبرني من رأى عمامة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قد أرخاها من بين يديه ومن خلفه.
وروى أبو داود بسند ضعيف عن ابن خيربوذ قال: حدثنا شيخ من أهل المدينة قال:
سمعت عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه يقول: عمّمني رسول الله ﷺ فسدلها بين يديّ، ومن خلفي.
وورد من عدّة طرق أن رسول الله ﷺ لمّا عمّم عبد الرحمن بن عوف أرسل العذبة من خلفه.
وروى ابن سعد بسند ضعيف من طريق أبي أسد بن كريب عن أبيه قال: رأيت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يعتمّ فيرخي من عمامته شبرا بين كتفيه، ومن بين يديه.
وروى أبو موسى المدني عن محمد بن قيس قال: رأيت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يعتمّ بعمامة قد أرسلها بين يديه ومن خلفه، فلا أدري أيّهما أطول.
قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: أنه لم ير أحدا ممّن أدركه يرخيها بين كتفيه إلا بين
стр. 3100
يديه، ونقله ابن الحاج في المدخل، وهذا يدل على أن عمل التابعين على إرسال العذبة من بين أيديهم.
قال أبو عبد الله بن الحاج في المدخل: والعجب من قول بعض المتأخرين إن إرسال الذّؤابة بين اليدين بدعة، مع وجود هذه النصوص الصحيحة الصريحة من الأئمة المتقدمين عن السلف، فيكون هو قد أصاب السنة، وهم قد أخطئوها وابتدعوا، وتوقف بعض الحفّاظ في جعلها من قدّام لكونها من سنّة أهل الكتاب، وهدينا مخالف لهديهم وقولهم: بين يديه، ومن خلفه: يحتمل أن يكون بالنظر لطرفيها حيث يجعل أحدهما خلفه والآخر بين يديه ويحتمل أنه إرسال الطرف الواحد بين يديه، ثم ردّه من خلفه بحيث يكون الطرف الواحد بعضه بين يديه، وبعضه خلفه، كما يفعله كثيرون، ويحتمل أن يكون فعل كل واحد منهما في مرّة، وقد تكون العذبة من طرف العمامة، أو من غيرها، ويغرزها فيها، فقد نقل الحافظ أبو الخير السخاوي رحمه الله تعالى في فتاويه أن بعضهم نسب إلى عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
كانت العذبة في السفر من غير العمامة وفي الحضر منها، قال السخاوي: وهذا شيء ما علمناه.
الثاني: إرسالها من الجانب الأيمن.
روى الطبراني بسند ضعيف عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يولّي واليا حتى يعمّمه بعمامة، ويرخي لها عذبة من الجانب الأيمن نحو الأذن.
الثالث: إرسالها من الجانب الأيسر، وعليه عمل كثير من السادات الصوفية، لما قام عندهم في ذلك.
روى الطبراني بسند حسن، والضياء المقدسيّ رحمه الله تعالى في صحيحه عن عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله ﷺ عليا رضي الله تعالى عنه إلى خيبر فعمّمه بعمامة سوداء، ثم أرسلها من ورائه، أو قال: على كتفه اليسرى، لكن روايه تردّد وما جزم بالثاني.
وسئل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في مسند الصوفية في إرخاء العذبة على الشّمال فقال: لا يلزمهم بيانه، لأن هذا من جملة الأمور المباحة، فمن اصطلح على شيء منها لم يمنع منه، ولا سيّما إذا كان شعارا لهم انتهى.
الرابع: إرسالها خلف ظهره بين كتفيه، وهو الأكثر الأشهر الصحيح على تقدير صحته
стр. 3101
بأنه لم يرخ العذبة بين الكتفين، بل يقدّمها إلى جهة الكتف اليمنى أو اليسرى، وقولهم: بين كتفيه: المراد به إرسالها من خلف لا من قدام، ويستحب إرخاء العذبة للصلاة، ويكره تركها.
وندر تركه سدل العذبة في العمامة حال الصلاة.
التنبيه الخامس: اختلف في قدر العذبة على أنواع:
الأول: قدر أربع أصابع أو نحوها، وهو أكثر ما ورد في ذلك وأمثل إسنادا.
روى الطبراني في الأوسط بسند حسن عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ أمّر عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه على سريّة فأصبح عبد الرحمن وقد اعتم بعمامة من كراديس سوداء.
الثاني: إلى موضع الجلوس حكاه شرّاح الكنز.
الثالث: إلى الكعبين.
روى أبو موسى المدني عن خطّاب الحمصيّ قال: حدثنا بقيّة بن الوليد عن مسلم بن زياد القرشي رضي الله تعالى عنه قال: رأيت أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ : أبهر بن مالك، وأبا المنبعث، وفضالة بن عبيد، وروح بن سيّار أو سيّار بن روح رضي الله تعالى عنهم يلبسون العمائم ويرخونها من خلفهم، وثيابهم إلى الكعبين، قلت: تحرّر هل المراد الثياب إلى الكعبين أو العذبة؟.
السادس: قال الحافظ الذهبي في أحاديث اعتمامه بعمامة صفراء: لعل ذلك قبل أن ينهي عنه، وسيأتي بيان هذا في نوع ما لبس من الألوان.
السابع: فيما قيل من إدخال طرفها في العمامة.
روى أبو موسى المدني رحمه الله تعالى عن الحسن بن صالح عن أبيه قال: رأيت على الشّعبي عمامة بيضاء قد أدخل طرفها فيها.
قال الشيخ إبراهيم القدري رحمه الله تعالى: لم أقف على نقل في إدخال العذبة في العمامة، ولا نقل عن أحد من السلف إلا ما نقلوا عن الشعبي.
قال أبو عبيدة في الأمر بالتلحي والنهي عن الاقتعاط- أصل هذا في لبس العمائم، وذلك أن العمامة يقال لها: المقطّة فإذا لبسها المعتم على رأسه، ولم يجعلها تحت الحنك قيل اقتعطها، فهو المنهي عنه، فإذا أدارها تحت الحنك قيل: تلحاها، وهو المأمور بها، وكان طاوس رحمه الله تعالى يقول تلك عمّة الشيطان يعني الأولى.
التاسع: التلحي سنة فعله رسول الله ﷺ ، والسلف الصالح.
قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: أدركت في مسجد رسول الله ﷺ سبعين محنّكا أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان به أمينا، وفي لفظ لو استسقى بهم القطر لسقوا.
стр. 3102
وقال أبو عبد الله بن الحاج أحد أئمة المالكية بعد أن نقل كلام أئمة اللغة رحمهم الله تعالى في معنى الاقتعاط: قال القاضي أبو الوليد بن رشد رحمه الله تعالى: سئل مالك رضي الله تعالى عنه عن المعتم، ولا يدخل تحت ذقنه من العمامة شيئا، فكره ذلك، قال القاضي أبو الوليد: إنما كره ذلك مالك لمخالفته فعل السلف الصالح.
وقال الإمام أبو بكر الطّرطوشي [ (١) ] رحمه الله تعالى: اقتعاط العمائم هو التعميم دون حنك، وهو بدعة منكرة، وقد شاعت في بلاد الإسلام، ونظر مجاهد رضي الله تعالى عنه يوما إلى رجل معتم ولم يحتنك، فقال: اقتعاط كاقتعاط الشيطان تلك عمة الشيطان، وعمائم قوم لوط. قال عبد الملك بن حبيب في كتابه الواضحة: ولا بأس أن يصلي الرجل في داره وبيته بالعمامة دون التلحي، فأما بين الجماعات والمساجد فلا ينبغي ترك الالتحاد، فإن تركه من بقايا عمائم قوم لوط ﵇ قال بعضهم: وقد شدد العلماء في الكراهة في ترك التحنيك، قال صاحب الجواهر وفي المختصر: روى ابن وهب عن مالك رحمه الله تعالى أنه سئل عن العمامة يعتم بها الرجل، ولا يجعلها تحت حلقه، فأنكرها، وقال: إنها من عمل القبط، قيل له:
فإن صلّى بها كذلك؟ قال: لا بأس، وليست من عمل الناس، وقال أشهب رحمه الله تعالى:
كان مالك رضي الله تعالى عنه إذا اعتم جعل منها تحت ذقنه، وأسدل طرفها بين كتفيه، وقال القاضي عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه المدوّنة: من المكروه ما يخالف زي العرب، وأشبه زيّ العجم، كالتعجم بغير حنك، قال: وقد روي أنها عمّة الشيطان.
وقال الحافظ عبد الحق الإشبيلي رحمه الله تعالى: وسنة العمامة بعد فعلها أن يرخي طرفها، ويتحنك به، فإن كان بغير طرف ولا تحنيك، فذلك يكره عند العلماء، والأولى أن يدخلها تحت حنكه، فإنها تقي العنق الحر والبرد، وهو أثبت لها عند ركوب الخيل والإبل والكرّ والفرّ، وقد أطنب ابن الحاج في المدخل في استحباب التحنك، ثم قال: وإذا كانت العمامة من باب المباح فلا بد فيها من فعل سنن تتعلق بها، من تناولها باليمين، والتسمية، والذكر الوارد إن كانت مما يلبس جديدا، أو امتثال السنة في صفة التعميم، من فعل التحنيك، والعذبة، وتصغير العمامة يعني سبعة أذرع أو نحوها، يخرجون منها التحنيك، والعذبة، فإن زاد من العمامة قليلا لأجل حر أو برد، فيتسامح فيه، ثم قال: فعليك أن تتعمم قائما وتتسرول قاعدا.
стр. 3103
قال الشيخ برهان الدين الباجي حافظ الشام في كتابه قلائد العقيان فيما يورث الفقر والنسيان: إن التعمم قاعدا والتسرول قائما يورثان الفقر والنسيان.
وقال بعض العلماء رحمهم الله تعالى: السنة في العمامة أن يسدل طرفها إن شاء أمامه، وإن شاء بين يديه، وإن شاء خلفه بين كتفيه، قال: ولا بد من التحنك في الهيئتين.
وفي كتاب الفروع لابن مفلح [ (١) ] والإنصاف للمرداوي [ (٢) ] رحمهم الله تعالى، من كتب الحنابلة، قال غير واحد من الأصحاب: يسن أن تكون العمامة محنّكة، وكره أحمد، والأصحاب رحمهم الله تعالى لبس زيّ الأعاجم كعمامة صمّاء.
وقال الشيخ عبد القادر الكيلاني [ (٣) ] رحمه الله تعالى ونفع به في كتابه الغنية: يكره الاقتعاط، وهو التعمم بغير حنك، ويستحب التلحي، ويكره كلّ ما خالف زي العرب، وشابه زي العجم.
في فتاوى الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: النهي عن الاقتعاط محمول على الكراهة لا على التحريم.
وقال القرافي [ (٤) ]- بالقاف وبعد الألف فاء-: إنه ما أفتى به مالك رحمه الله تعالى حتى أجازه سبعون محنّكا، وذلك دليل على أن العذبة دون تحنيك يخرج بها عن المكروه لأن وصفهم بالتحنيك دليل على أنهم قد امتازوا به دون غيرهم، وإلا فما كان لوصفهم بالتحنيك فائدة، إذ الكل مجتمعون فيه، قد كان سيدي أبو محمد رحمه الله تعالى يقول: إنما المكروه
стр. 3104
في العمامة التي ليست بهما فإن كانا معا فهو الكمال في امتثال الأمر، وإن كان أحدهما فقد خرج به عن المكروه.
العاشر: قال شيخ شيوخنا الإمام العلامة الشيخ كمال الدين بن الهمام [ (١) ] أحد أئمة السادة الحنفية في كتابه المياسرة: من استقبح من آخر جعل بعض العمامة تحت حلقه كفر، قاله تلميذه الإمام العلامة كمال الدين بن أبي شريف رحمه الله تعالى في شرحها.
الحادي عشر: في بيان غريب ما سبق:
العمامة: بالكسر المغفر والبيضة، وما يلف على الرأس، والجمع عمائم، وعمام، وقد اعتم وتعمم واستعم.
الذّؤابة: بذال معجمة فواو، وبعد الألف، موحدة: ما يرخى من شعر الرأس، وقد يطلق على كل ما يرخى.
الدّسمة: بدال مفتوحة، فسين مفتوحة، مهملتين، فميم، فتاء تأنيث: أي سوداء.
الحرقانية: بحاء مهملة مضمومة، فراء ساكنة، فقاف، فألف، فنون فتحتية فتاء تأنيث:
سوداء، قال الزمخشري رحمه الله تعالى: هي التي على لون ما أحرقته النار كأنها منسوبة، بزيادة الألف والنون إلى الحرق بفتح الحاء والراء.
التّلحّي: بفوقية فلام فحاء مهملة: جعل طرف العمامة تحت الحنك.
الخمار: بخاء معجمة وآخره راء: المراد به هنا العمامة، لأن الرجل يغطي بها رأسه كما أن المرأة تغطيه بخمارها، وذلك إذا كان قد اعتم عمة العرب، فأدارها تحت الحنك، فلا يستطيع نزعها في كل وقت، فتصير كالخفين، غير أنه يحتاج إلى مسح القليل من الرأس، ثم يمسح على العمامة، بدل الاستيعاب، وقد أشعر كلام ابن الأثير رحمه الله تعالى في تفسير الخمار بأنه ﷺ لم يكن يداوم على التلحي، لأن النبي ﷺ لم يكن دائما يمسح على الخمار، بل كان يمسح جميع رأسه.
الاقتعاط: بهمزة مكسورة مهملة، فقاف ساكنة، ففوقية مكسورة، فعين مهملة وبعد الألف طاء مهملة: أن يتعمم من غير تحنيك.
стр. 3105
الباب الثالث في قلنسوته ﷺ
روى أبو داود والبزّار بسند ضعيف عن ركانة [ (١) ] رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الفرق بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس» [ (٢) ] .
وروى أبو يعلى وأبو الشيخ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يلبس قلنسوة بيضاء [ (٣) ] .
وروى أبو علي بن السّكن في المعرفة عن فرقد- رجل من الصحابة- رضي الله تعالى عنهم قال: أكلت مع رسول الله ﷺ ، ورأيت عليه قلنسوة بيضاء، وفي رواية ورسول الله ﷺ .
وروى أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ وعليه قلنسوة بيضاء شاميّة.
وروى أيضا عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يلبس من القلانس في السفر ذوات الآذان، وفي الحضر المشمرة يعني الشامية [ (٤) ] .
وروى ابن عساكر عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يلبس من القلانس من ذوات الآذان.
وروى عنها قالت: كان لرسول الله ﷺ قلنسوة بيضاء يلبسها [ (٥) ] .
وروى أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان لرسول الله ﷺ ثلاث قلانس، قلنسوة بيضاء مصريّة، وقلنسوة برد حبرة، وقلنسوة ذات آذان يلبسها في السفر، ربما وضعها بين يديه إذا صلّى [ (٦) ] .
وروى الأربعة وأبو الشيخ وابن حبّان عن عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه قال:
رأيت رسول الله ﷺ وله قلنسوة مصريّة، وقلنسوة لها آذان، وقلنسوة لاطئة.
стр. 3106
وروى الدّمياطي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان لرسول الله ﷺ كمّة بيضاء بطحاء.
وروى أبو الحسن البلاذري رحمه الله تعالى في تاريخه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان لرسول الله ﷺ قلنسوة أسماط، يعني جلودا، وكان فيها ثقبة.
وروى الطبراني وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يلبس كمّة بيضاء [ (١) ] .
وروى ابن عساكر بسند ضعيف عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يلبس كمّة بيضاء، ورواه أيضاً عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
وروى أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كان يلبس القلانس البيض، والمزرورات، وذوات الآذان.
تنبيهان
الأول: قال في الإحياء: كان رسول الله ﷺ يلبس القلانس تحت العمامة، وبغير عمامة، وربما نزع قلنسوة من رأسه، فيجعلها سترة بين يديه، ثم يصلي إليها، قال في زاد المعاد: كان رسول الله ﷺ يلبس القلنسوة بغير عمامة، ويلبس العمامة بغير قلنسوة.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
القلنسوة والقلنسية إذا فتحت ضممت السين، وإذا ضممت كسرتها، تلبس في الرأس، والجمع قلانس وقلانس وقلنس، وأصله قلنسو إلا أنهم رفضوا الواو لأنه ليس اسم آخره حرف علة قبلها ضمة فصار آخره ياء مكسور ما قبلها، فكان كقاض، وقلاسيّ وقلاس وتصغيره قلينسة وقلينيسة وقليسية وقليسيّة، وقلنسته وقليسته فتقلنس وتقلسى: ألبسته إياها فلبس.
وقال محمود بن خطيب الدّهشة في التقريب [ (٢) ] : بفتحتين وسكون النون وضم السين، والقلنسية بضم القاف بوزنها تلبس في الرأس، وجمعها قلانس وقلائس وقلاس.
стр. 3107
قال القزّار [ (١) ] : غشاء مبطن يستر به الرأس.
شامية: نسبة إلى الشام.
المشمرة: بميم مضمومة، فمعجمة ساكنة، فميم، فراء المهيأة.
مصرية.
برد: بموحدة مضمومة، فراء ساكنة، فمهملة: ثوب مخطط.
حبرة: بحاء مكسورة، فموحدة، وراء مفتوحتين، عصب اليمن، وقال الداودي الحبرة ثوب أخضر.
لاطية: أي لاصقة بالرأس، أشار بذلك إلى قصرها، وإنما حدثت القلانس الطّوال في أيام الخليفة المنصور في سنة ثلاث وخمسين ومائة، أو نحوها، وفي ذلك يقول الشاعر:
وكنّا نرجّي من إمام زيادة ... فزاد الإمام المصطفى في القلانس
الكمّة: بضم الكاف وتشديد الميم قال العراقي رحمه الله تعالى: جمعها كمام بكسر الكاف، وهي القلنسوة، قال في المورد: هي قلنسوة منبطحة غير منبسطة.
بطحاء: بضم الموحدة، وسكون الطاء، وبالحاء المهملتين، وهي لازقة بالرأس غير ذاهبة في الهواء، هكذا فسره الهروي رحمه الله تعالى.
وقال في النهاية: يعني أنها كانت منبطحة غير منتصبة.
قال العراقي: وأما تفسير الترمذي لها بالواسعة فليس بجيد، وكأنه حمل الكمام هنا على أنه جمع كمّ القميص، وكذا فعل أبو الشيخ، وفي ذلك منهما نظر، والمعروف ما قدمناه.
الثقبة: الخرق النافذ.
أسماط بهمزة مفتوحة، فسين مهملة ساكنة، فميم، فألف فطاء مهملة لا وسم عليها أو لبس لها بطانة.
стр. 3108
الباب الرابع في تقنعه ﷺ
روى أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال: بينا نحن جلوس في بيت أبي بكر رضي الله تعالى عنه في نحو الظّهيرة، فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ مقبلا متقنّعا [ (١) ] .
وروى البخاري والنسائي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ لما مرّ بالحجر قال: لا تسكنوا، ولا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم، ثم تقنّع بردائه، وهو على الرّحل [ (٢) ] .
وروى الترمذي في الشّمائل، وابن سعد، والبيهقي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يكثر القناع [ (٣) ] .
وروى ابن سعد والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يكثر التقنّع، وفي لفظ القناع [ (٤) ] .
وروى البلاذري عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قاتل رسول الله ﷺ يوم خيبر على بغلة شهباء، وعليه ممطر سيجان، وعليه عمامة، وعلى العمامة قلنسوة من الممطر السّيجان، قال هشام بن عمار: الساج الطيلسان الأسود.
وروى أبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يكثر تسريح لحيته ورأسه بالماء، ثم تقنع كأن ثوبه ثوب زيّات [ (٥) ] .
وروى بقي بن مخلد عنه قال: كان رسول الله ﷺ يكثر التّقنّع، وهو من أخلاق الأنبياء، أو لبسة الأنبياء ﵈، وقال ألقى رسول الله ﷺ القناع عن رأسه، وأخرج وجهه، ثم قال: «هكذا الإيمان» ، ثم قنع رأسه وغطى وجهه، وأخرج إحدى عينيه وقال: «هكذا النفاق» .
وروى أبو عوانة في صحيحه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: «كنت ألعب مع
стр. 3109
الصبيان إذ جاء رسول الله ﷺ ، وقد قنّع رأسه بثوب، فسلم عليّ، ثم دعاني فبعثني في حاجة، وقعد في نخل حائط» الحديث.
وقال ابن سعد رحمه الله تعالى: أخبرنا الفضل بن دكين عن عبد السلام بن حرب قال:
حدثنا موسى الحارثي في زمن بني أميّة قال: وصف لرسول الله ﷺ الطّيلسان فقال: «هذا ثوب لا يؤدّى شكره» [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد والطبراني بسند حسن- عن أمامة بن زيد رضي الله تعالى عنه قال:
لي رسول الله ﷺ : «أدخل عليّ أصحابي» ، فدخلوا عليه، فكشف القناع، ثم قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [ (٢) ] .
وروى أبو عبيدة في غريبه عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى قال: مر رسول الله ﷺ وأصحابه على إبل لحيّ يقال لهم بنو الملوّح، أو بنو المصطلق قد عبست في أبوالها من السّمن، فتقنّع بثوبه، ثم قرأ قول الله تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ الآية.
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد والبخاري في تاريخه، وأبو داود والنسائي وابن جرير عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي اشتد ذلك عليه، وعرفنا ذلك منه، فتنحى منتبذا خلفنا، وجعل يغطّي رأسه بثوبه، فأتانا، فأخبرنا أنه قد أنزل عليه الوحي: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: خرج رسول الله ﷺ متقنّعا بثوبه فقال: «يا أيها الناس، إن الناس يكثرون، وإن الأنصار يقلّون، فمن ولي منكم أمرا ينفع فيه أحد، فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم» [ (٤) ] .
وروى الطبراني عن زيد بن سعد عن أبيه رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ لما نعيت إليه نفسه خرج متقنّعا، حتى جلس على المنبر، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم قال:
«أيّها الناس احفظوني في هذا الحي، من الأنصار فإنهم كرشي وعيبتي، أقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» [ (٥) ] .
стр. 3110
وروى البلاذري عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقنّع رأسه حتى ينظر إلى حاشية ثوبه.
وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «الأردية ألبسة العرب، والالتفاع لبسة الإيمان» ، وكان رسول الله ﷺ يتلفّع.
وروى ابن عدي عن عون بن سلّام عن معلّى بن هلال [ (١) ] عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن عبد الله رضي الله تعالى عنهم قال: التلفّع والتّقنّع من أخلاق الأنبياء ﵈، وكان النبي ﷺ يتقنّع والأحاديث في هذه كثيرة.
تنبيهات
الأول: قال الحافظ رحمه الله تعالى: قول عائشة متقنّعا أي مطيلسا رأسه، وهو أصل في لبس الطّيلسان، وقال أيضاً في موضع آخر من الفتح: التّقنّع تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.
وقال التّوربشتي في قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما تقنّع: أي لبس قناعا على رأسه، وهو شبه الطّيلسان.
الثاني: قول ابن القيم رحمه الله تعالى: لم ينقل أن رسول الله ﷺ لبسه أي الطّيلسان، ولا أحد من أصحابه، بل ثبت
في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان عن النبي ﷺ أنه ذكر الدّجال، فقال: يخرج معه سبعون ألفا من يهود إصبهان عليهم الطيالسة،
ورأى أنس رضي الله تعالى عنه جماعة عليهم الطّيالسة فقال: ما أشبههم بيهود خيبر، ومن هنا كرهه جماعة من السلف، والخلف، لما
روى أبو داود والحاكم في المستدرك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم»
وفي التّرمذي: «ليس منّا من تشبّه بغيرنا»
وأما ما جاء في حديث الهجرة أنه ﷺ جاء إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه متقنّعا بالهاجرة فإنما فعله ﷺ تلك الساعة ليختفي بذلك للحاجة، ولم تكن عادته التقنع، وقد ذكر أنس رضي الله تعالى عنه أن كان ﷺ يكثر القناع، وهذا إنما كان يفعله للحاجة من حر ونحوه- انتهى كلامه، وهو مردود من وجوه:
التنبيه الأول: قوله لم ينقل أنه ﷺ لبسه يرده ما رواه الترمذي في الشّمائل، وابن سعد والبيهقي عن يزيد بن أبان والخطيب عن الحسن بن دينار عن قتادة كلاهما عن أنس رضي الله تعالى عنهم، والبيهقي عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان يكثر التّقنّع، ولفظ التّرمذي وسهل: القناع، ولفظ الخطيب: ما رأيت أدوم قناعا من
стр. 3111
رسول الله ﷺ ، زاد أنس حتى كأنّ ثوبه ثوب زيّات أو دهّان.
ولفظ الخطيب كأن ملحفته ملحفة زيّات، وهذا الحديث باعتبار طرقه، وما له من الشواهد السابقة حسن، كما قاله الشيخ رحمه الله تعالى،
وقال ابن سعد أخبرنا الفضل بن دكين عن عبد السلام بن حرب قال: حدثني موسى الحارثي في زمن بني أمية قال: وصف لرسول الله ﷺ الطّيلسان فقال: «هذا ثوب لا يؤدّى شكره- هذا مرسل» .
التنبيه الثاني: قوله: ولا أحد من أصحابه، يردّه أنه ورد فعله عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بحضرته ﷺ وبعد وفاته، منهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه،
وروى أبو يعلى وابن عساكر من طريق عبد الملك بن عمير عن ابن أبي المعلّى قال: صعد رسول الله ﷺ المنبر فقال: «إن رجلي على ترعة من ترع الحوض» ، وأصحاب رسول الله ﷺ تحت المنبر متوافرون، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه مقنّع في القوم فقال رسول الله ﷺ : «إن عبدا من عبيد الله تعالى خيّره ربّه أن يعيش في الدنيا ما شاء أن يعيش فيها، وأن يأكل من الدنيا ما شاء أن يأكل منها، وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه» ، فلم يفطن أحد من القوم لما قال ﷺ غير أبي بكر رضي الله تعالى عنه فانتحب باكيا، وروى ابن أبي شيبة في المصنف، والبيهقي في الشعب عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه خطب فقال: يا معشر المسلمين: استحيوا من الله تعالى، فو الذي نفسي بيده إني لأظلّ حين أذهب إلى الغائط في الفضاء متقنّعا بثوبي استحياء من الله ، ولفظ ابن أبي شيبة مغطيا رأسه وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
روى ابن عساكر عن زرّ بن حبيش رحمه الله تعالى قال: خرجنا مع أهل المدينة في يوم عيد في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو يمشي متلثما ببرد قطريّ، وعثمان رضي الله تعالى عنه.
وروى ابن أبي شيبة في مسنده والتّرمذي، والحاكم، وصححه والبيهقي عن مرة بن كعب أو كعب بن مرة رضي الله تعالى عنه وابن عساكر عن عبد الله بن حوالة، والطبراني عن ابن عمر، والإمام أحمد عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنهم، واللفظ لابن حوالة: أن رسول الله ﷺ قال لي: «يا عبد الله كيف إذا ظهرت فتنة في أطراف الأرض كأنها صياصي بقر؟» قلت: ما خار الله تعالى ورسوله، قال: «فكيف بك يا عبد الله إذا ظهرت فتنة أخرى كأنها انتفاجة أرنب؟» قلت: ما خار الله تعالى ورسوله، ولفظ الباقين ذكر رسول الله ﷺ فتنة، قالوا كلهم: ومرّ رجل مقنّع بثوب، - وفي لفظ بردائه- فقال: هذا يومئذ على الهدى، قال ابن حوالة رحمه الله تعالى: فتبعته فأخذت بثوبه فأقبلت بوجهه على النبي ﷺ فكشف قناعه قلت: هذا قال: هذا، فإذا هو عثمان رضي الله تعالى عنه، فقال ابن عجرة: فانطلقت حتى
стр. 3112
أخذت بضبعيه فحولت وجهه إليه، وكشفت عن رأسه فإذا هو عثمان رضي الله تعالى عنه.
وروى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في الأم، وابن أبي شيبة عن عبد الرحمن التّيمي قال: قلت: لأغلبنّ الليلة على المقام، فقمت فإذا رجل يزحمني متقنّعا فنظرت فإذا هو عثمان ابن عفان رضي الله تعالى عنه، والآثار في تقنّع عثمان كثيرة، والحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما.
روى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن سعد في الطبقات عن العلاء قال: رأيت الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما يصلّي، وهو مقنّع رأسه.
وروى ابن سعد عن سليمان بن المغيرة قال: رأيت الحسن يلبس الطّيالسة.
وروى أيضا عن عمارة بن زادان قال: رأيت على الحسن طيلسانا أندقيّا، والآثار في ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كثيرة.
وأما عن التابعين فكثير منهم طاوس، قد قال هانئ بن أيوب الجعفي كان طاوس يتقنّع، رواه ابن سعد من طرق عنه، وعمر بن عبد العزيز رواه ابن سعد وابن عساكر، والحسن البصريّ، رواه ابن سعد من طرق، ومحمد بن واسع رواه ابن عساكر، وإبراهيم النّخعي رواه ابن أبي شيبة وميمون بن مهران رواه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، ومسروق رواه ابن أبي شيبة، وسعيد بن المسيّب رواه ابن أبي شيبة.
وروى البيهقي في الشّعب عن خالد بن خداش قال: جئت إلى مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه فرأيت عليه طيلسانا فقلت: يا أبا عبد الله، هذا شيء أحدثته أم رأيت الناس عليه؟ قال: لا بل رأيت الناس عليه، والآثار عن السلف في ذلك كثيرة لا تنحصر وقد ذكر الشيخ منها جملة في كتابه الأحاديث الحسان، في فضل الطّيلسان، فمن أراد الزيادة على ما هنا فليراجعه.
الثالث: قال الحافظ رحمه الله تعالى: ما ذكره من قصة اليهود إنّما يصلح الاستدلال به في الوقت الذي تكون الطّيالسة من شعارهم، وقد ارتفع في هذه الأزمنة فصار داخلا في عموم المباح.
وقيل: إنما أنكر أنس رضي الله تعالى عنه ألوان الطيالسة لأنها كانت صفراء، وقال الحافظ- بعد أن أورد حديث أنس-: لا يلزم من ذلك كراهة لبس الطيلسان.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهو واضح لأن الكراهة تحتاج إلى نهي خاص ولا وجود لها، وإذا لبس الكفار ملبوس المسلمين لا يكره للمسلمين لبسه.
قال الحافظ: وقيل المراد بالطّيالسة الأكسية، غير أن المراد في حديث أنس، وحديث سهل بن سعد الطّيلسان المقوّر.
стр. 3113
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهذا أصحّ القول في الحديثين، ويؤيد أن هذا هو المراد في الثاني
ما أخرجه أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ ذكر الدّجّال فقال: «يكون معه سبعون ألفا من اليهود مع كل رجل منهم ساج وسيف» .
وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى في النهاية: الساج الطيلسان الأخضر، وقيل هو الطيلسان المقوّر، ينسج كذلك.
وقال القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي رحمه الله تعالى: لا يمنع أهل الذّمّة من الطّيلسان، وهو المقوّر الطرفين، المكفوف الجانبين، الملفوف بعضها إلى بعض، ما كانت العرب تعرفه، وهو لباس اليهود قديما، والعجم أيضا، والعرب تسميه ساجا، ويقال إن أول من لبسه من العرب جبير من مطعم، وكان ابن سيرين رحمه الله تعالى يكرهه.
وقال الزركشي رحمه الله تعالى في الخادم: ذكر جماعات من أهل اللغة أن الطّيلسان نوع من الثياب، وهو المراد من لبس اليهود في حديث الدّجّال، وليس هو معروف الآن.
الرابع: قوله لم يكن يفعل التّقنّع عادة بل للحاجة تعقبه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بأن في حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ كان يكثر التّقنّع، أخرجه الترمذي في الشمائل وتقدم وذلك.
التنبيه الثالث: قال القاضي رحمه الله تعالى في شرح مسلم في حديث تحويل الرداء في الاستسقاء، فيه دليل أن لبس النبي ﷺ للرداء كان على نحو لباس أهل بغداد ومصر والأندلس من كونه على رأسه ومنكبيه غير مشتمل به، ولا متعطف ثم قال: وقد جاء ما يصحح هذا، فقد
ذكر أبو سعد عبد الملك صاحب شرف المصطفى أنه ﵊ قال: «ألا أخبركم بلبسة أهل الإيمان» ، فلبس رداءه، وألقاه على رأسه، وتقنّع به، ورفع بيده اليمنى على منكبه الأيسر انتهى.
التنبيه الرابع: قال الحكيم الترمذي رحمه الله تعالى عقب إيراد حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: الأردية ألبسة أهل الإيمان إلخ- الالتفاع والالتحاف بمعنى واحد، وهو استتار، وإنما قيل ألبسة أهل الإيمان لأنه يقدر مع ذلك على التّقنّع، وقد كان رسول الله ﷺ يكثر التّقنّع، وذلك أن الذي يعلوه الحياء من ربه يلجأ إلى ذلك لأن الحياء في العين والفم، وهما من الرأس والحياء من عمل الروح، وسلطان الروح في الرأس.
وروي في الخبر أن أخلاق النبيين التّقنّع، فهذا من الحياء، وكذلك أهل اليقين من بعدهم، وهم الأولياء رضي الله تعالى عنهم، وهذا دأبهم وشأنهم.
стр. 3114
وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: إني لأدخل الخلاء فأقنّع رأسي حياءً من الله تعالى، فهذا لأهل اليقين، لأنهم أبصروا بقلوبهم أن الله تعالى يراهم،
فقال ﷺ : «الالتفاع أي الالتحاف بالثوب متقنّعا لبسة اهل الإيمان، وذلك أن الحياء من الإيمان، وما ازداد عبد بالله تعالى علما إلا ازداد منه حياء، فمن تقنّع فمن الحياء منه تقنع، لعلمه بأن الله تعالى يراه علم يقين لا علم تعليم» .
الخامس: قال الشيخ رحمه الله تعالى: حيث أطلق العلماء الطّيلسان وقالوا: إنه بدعة أو شعار اليهود فالطّرحة المراد لا الالتفاع، وتارة يقولون: المقوّر، وتارة يقولون: السّاج، والكل بمعنى، والطّرحة كانت غطاء القضاة في أوائل الدولة العباسية، وهلمّ جرّا فاحتاج العلماء يبينون أنها بدعة لا أصل لها في السنة، وقال في موضع آخر: قد كان الخلفاء أحدثوا ألبسة الطّرح السوداء على العمامة للخطباء، واستمر ذلك إلى زماننا فرأيناهم كثيرا يلبسونها في الأعياد فهذا هو الذي تكلم عليه ابن عطّار، حيث قال في شرح العمدة بعد أن نقل عن الأصحاب أن الإمام في الجمعة يزيد في التزين بالرداء ونحوه: وليس من زينته الطّيلسان، فإنه ليس شعار الإسلام، بل من شعار اليهود، وإلا فقد نص على استحباب الطيلسان أي التّقنّع من أصحابنا القاضي الحسين في تعليقه.
السادس: قال الثعالبي في فقه اللغة: أصغر ما يغطى به الرأس يقال له البخنق وهو خرقة تغطي ما أقبل من الرأس وما أدبر ثم الغفارة فوقها دون الخمار، ثم الخمار أكبر منها ثم المقنعة، ثم النّصيف، وهو كالنّصيف من الرّداء أو أكبر من المقنعة، ثم المعجر. وهو أكبر من المقنعة، وأصغر من الرداء، ثم القناع والرداء.
السابع: في بيان غريب ما سبق:
قال الحافظ في كتاب البيان معنى قوله: كأن ثوبه ثوب زيّات: معناه أنه كان يدهن شعر رأسه، ويتقنّع، وكأن الموضع الذي يصيب رأسه من ثوبه ثوب دهان.
نحو الظهيرة.
الممطر: بميمين الأولى مكسورة، والثانية ساكنة، فطاء مهملة، فراء: ثوب صوف يتوقّى به من المطر.
معافري: بميم مفتوحة، ولا يضم فعين فألف ففاء مكسورة، فراء: نسبة إلى معافر حيّ من همدان.
مثلبة: بميم مفتوحة، فمثلثة، فلام مفتوحة، وتضم، فموحدة: اللوم والعيب.
стр. 3115
الباب الخامس في قميصه، وإزاره، وجيبه ﷺ
روى أبو داود والترمذي- وحسنه- عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: كان كمّ رسول الله ﷺ إلى الرّسغ [ (١) ] .
وروى الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ لبس قميصا وكان فوق الكعبين، وكان كمّه إلى الأصابع [ (٢) ] .
ولفظ أبي الشيخ يلبس قميصا فوق الكعبين، مستوى الكمّين بأطراف الأصابع.
وروى ابن ماجه، وابن سعد، وابن عساكر عنه أيضاً قال: كان رسول الله ﷺ يلبس قميصا قصير اليدين والطول [ (٣) ] .
وروى ابن سعد، ومسدّد، وأحمد بن منيع، وسعيد بن منصور، وأبو الشيخ، والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان لرسول الله ﷺ قميص من قطن، قصير الطول قصير الكم [ (٤) ] .
وروى البزار برجال ثقات عن أنس ورواه أبو سعيد بن الأعرابي عن ابن عباس والنّسائي عن أسماء، وابن الأعرابي عن يزيد العقيلي رضي الله تعالى عنهم قالوا: كان كمّ رسول الله ﷺ إلى الرسغ.
وروى ابن عدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ لبس قميصا، وكان كمّاه مع الأصابع.
وروى ابن الأعرابيّ عنه أيضاً قال: كان رسول الله ﷺ يلبس قميصا فوق الكعبين، مستوى الكمّين بأطراف أصابعه.
وروى عبد بن حميد وابن عساكر وأبو طاهر المخلّص عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ له قميص قبطيّ قصير الطول قصير الكمّين.
وروى الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: لم يكن لرسول الله ﷺ إلا قميص واحد [ (٥) ] .
стр. 3116
وروى أبو داود، وابن ماجه، وأبو القاسم البغوي في معجمه وابن حبان عن معاوية بن مرّة- رحمه الله تعالى- عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في رهط من مزينة فبايعناه، وإن قميصه لمطلق الإزار، ولفظ البغوي: لمحلول الإزار.
وروى أبو يعلى، والبزّار، وابن خريمة، والبيهقي، وابن حبان عن زيد بن أسلم- رحمه الله تعالى- قال: رأيت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما محلول الإزار، فسألته عن ذلك فقال: رأيت رسول الله ﷺ يصلّي كذلك.
وروى أبو نعيم، وأبو الحسن بن الضّحاك- من طريقه- عن عطاء بن أبي رباح، رحمه الله تعالى قال: قلت لعبد الله بن عمر أشهدت بيعة الرضوان مع رسول الله ﷺ ؟ قال:
نعم، قلت: فما كان عليه؟ قال: قميص من قطن، وجبّة محشوّة، ورداء وسيف، ورأيت النّعمان ابن مقرّن المزني قائما على رأسه، والناس يبايعونه.
وروى أبو الشيخ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ما اتخذ رسول الله ﷺ قميصا فيه زرّ.
وروى أيضا عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان على رسول الله ﷺ ثوبان غليظان، فقلت يا رسول الله ﷺ : أن ثوبيك هذين خشنان ترشح فيهما فيثقلان عليك.
وروى أبو داود، والترمذي- وصححه- وابن حبّان عن قرّة بن إياس رحمه الله تعالى قال: لما بايعت رسول الله ﷺ أدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم.
تنبيهات
الأول: قال الشيخ في شرع السنن: وهذا الحديث أي حديث الكم إلى الرسغ مخصوص بالقميص الذي كان يلبسه في السفر، وكان يلبس في الحضر قميصا من قطن فوق الكعبين، وكمّاه مع الأصابع، ثم أورد حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما السابق.
الثاني: قال البخاري رحمه الله تعالى في الصحيح: باب جيب القميص عند الصدر وغيره، فأورد فيه حديث الجبّتين في مثل المتصدّق والبخيل، وفيه يقول بإصبعه هكذا في جيبه.
قال الحافظ: الظاهر أنه كان لأنس قميص، وكان في طوقه فتحة إلى صدره بل استدل به ابن بطال رحمه الله تعالى على أن الجيب في ثياب السلف كان عند الصدر قال ابن بطال رحمه الله تعالى، وموضع الدلالة منه أن البخيل إذا أراد أن يخرج يده أمسكت في الموضع
стр. 3117
الذي ضاق عليها، وهو الثدي والتراقي، وذلك في الصدر فقال لأنه لو كان في غيره لم يضطر يداه إلى ثديه وتراقيه.
قال الحافظ رحمه الله تعالى بعد إيراده: وفي حديث قرة بن إياس ما يقتضي أن جيبه كان في صدره لأن في أول الحديث إنه رآه مطلق القميص أي غير مزرور.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
الرّصغ: بضم الراء، وسكون الصاد المهملة، وغين معجمة: لغة في الرسغ، وهو مفصل ما بين الكف والساعد.
الكعب: بكاف فعين مهملة، وآخره باء، معروف، وهو العظم الخارج آخر الساق.
стр. 3118
الباب السادس في لبسه ﷺ الجبة
وفيه نوعان:
الأول: في لبسه ﷺ الجبة الرومية الضيقة الكمين في السفر .
روى ابن سعد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت أبا القاسم ﷺ وعليه جبّة شاميّة ضيّقة الكمّين.
وروى ابن ماجه عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وعليه جبّة روميّة من صوف ضيّقة الكمّين فصلّى بنا فيها، ليس عليه شيء غيرها.
وروى الإمام أحمد، والشيخان، وابن عساكر عن المغيرة بن شعبة، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ غسل وجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه، وعليه جبّة شاميّة، وفي لفظ: رومية، ضيقة الكمّين فذهب ليخرج يده من كمها، فضاقت فأخرج يده من أسفلها.
وروى أبو الشيخ عن دحية الكلبي رضي الله تعالى عنه أنه أهدى لرسول الله ﷺ جبّة من الشام.
وروى أبو يعلى- برجال ثقات- عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ عليه جبّة شاميّة، مفترق خصرها.
الثاني: في لبسه ﷺ الجبة غير الرومية .
روى مسلم والنسائي وابن سعد، عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم قال: أخرجت إلينا أسماء جبة من طيالسة لها لبنة من ديباج كسروانيّ وفي لفظ كسروانيّة وفروجها مكفوفة به، وفي لفظ وفرجاها مكطوفان بالديباج فقالت: هذه جبة رسول الله ﷺ ، كان يلبسها، فلما توفي كانت عند عائشة، فلما توفيت عائشة قبضتها، نحن نغسلها للمريض منا إذا اشتكى، وفي لفظ للمرض، ونستشفي بها.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن أسماء رضي الله تعالى عنها قالت: كان لرسول الله ﷺ جبّة طيالسة مكفوفة بالدّيباج، فكان يلقى فيها العدوّ.
وروى ابن أبي شيبة عن المغيرة بن زياد مولى أسماء قالت: رأيت ابن عمر رضي الله
стр. 3119
تعالى عنهما اشترى عمامة لها علم، فدعا بالجلمين فقصّه، فدخلت على أسماء، فذكرت ذلك لها فقالت: بؤسا لعبد الله، يا جارية هاتي جبّة رسول الله ﷺ فجاءت بجبة مكفوفة الكمّين والجيب والفرج بالدّيباج.
وروى أيضا عن ابن عمر أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها أخرجت جبة مزرّرة بالديباج، فقالت: كان رسول الله ﷺ يلبس هذه إذا لقي العدو.
وروى أبو القاسم البغوي، وابن عساكر، وأبو الحسن بن الضحاك عن طارق بن عبد الله المحاربي رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز وعليه جبة حمراء.
وروى أبو داود الطّيالسي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: توفي رسول الله ﷺ وله جبة صوف في الحياكة.
وروى أبو الشيخ عنه قال: كان لرسول الله ﷺ جبة من صوف أنمار فلبسها، فما أعجب بثوب ما أعجب به، فجعل يمسه بيده ويقول: «انظروا ما أحسنه!»
وفي القوم أعرابي فقال: يا رسول الله هبها لي، فخلعها، فدفعها في يده.
وروى النّسائي، وأبو سعيد بن الأعرابي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ أهدي له أكيدر دومة جبّة من سندس منسوج فيها الذهب، فلبسها رسول الله ﷺ فعجب الناس منها فقال: «أتعجبون من هذه؟ فو الذي نفسي بيده لمناديل سعد ابن معاذ في الجنة أحسن منها» ، وأهداها إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله أتكرهها وألبسها، فقال: «يا عمر إنما أرسلت بها لتبيعها» وذلك قبل أن ينهي عن الحرير.
وروى ابن سعد عن علي بن زيد بن جدعان عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: أهدى ملك الروم إلى رسول الله ﷺ جبّة من سندس فلبسها، فكأني أنظر إلى يديها متدليتين من طولهما، فجعل القوم يقولون: يا رسول الله أنزلت عليك من السماء؟ فقال: «وما تعجبون منها؟ فو الذي نفسي بيده إن منديلا من مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها» ، ثم بعث بها إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فلبسها فقال رسول الله ﷺ : «إني لم أعطكها لتلبسها» ، قال: فما أصنع؟ قال: «ابعث بها إلى أخيك النجاشي» .
وروى ابن قانع عن داود بن داود أن قيصر أهدى لرسول الله ﷺ جبّة من سندس، فاستشار أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فقالا: يا رسول الله، نرى أن تلبسها، يكبت الله بها عدوّك، ويسر المسلمين، فلبسها، وصعد المنبر فخطب، وكان جميلا يتلألأ وجهه فيها، ثم نزل فخلعها، فلما قدم عليه جعفر وهبها له.
стр. 3120
وروى الطبراني عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وعليه جبّة من سندس، فما رأيناه منذ زمان أحمد منه في ذلك اليوم، فقام فنزعها، ثم خرج في برد حبرة فقال: «الحرير لباس أهل الجنة، فمن لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» .
وروى الإمام أحمد- بسند جيد- عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن راهبا أهدى لرسول الله ﷺ جبة سندس فلبسها رسول الله ﷺ ، ثم أتى البيت فوضعها، وأحس بوفد، فأمر عمر رضي الله تعالى عنه أن يلبسها لقدوم الوفد فقال: «لا يصلح لنا لباسها في الدنيا، وتصلح لنا في الآخرة» الحديث.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
الجبة: بجيم مضمومة فموحدة: ثوب معروف واحدة الجباب والجبب.
خصرها: وسطها.
طيالسة: هي نوع من الثياب لها علم.
الديباج: بمهملة مكسورة فمثناة تحتية فموحدة فألف فجيم: معرب وهو السندس.
مكفوفة: أي عمل على جيبها وكميها وفرجها كفاف من حرير وكفّة كل شيء بالضم طرفه وحاشيته.
الجلمان: المقراضان.