← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

عنها- قالت: «كان رسول الله- ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم» [ (١) ] . وروى النسائي، وأبو يعلى، عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ كان يسرد الصوم فيقال لا يفطر، ويفطر فيقال لا يصوم» [ (٢) ] . وروى الشيخان، والنسائي، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: ما صام رسول الله- ﷺ شهرا كاملا غير رمضان، وكان يصوم حتى يقول القائل لا والله ما يفطر، ويفطر حتى يقول القائل لا والله لا يصوم، زاد النسائي «وما صام شهرا متتابعا غير رمضان منذ قدم المدينة» [ (٣) ] . الثالث: في سيرته- ﷺ في صيامه يوم عاشوراء: روى الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي وابن ماجة، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله- ﷺ يصومه في الجاهلية- فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة، وترك عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه» [ (٤) ] . وروى الإمامان: الشافعي، وأحمد والشيخان، وأبو داود، وابن ماجة، عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- «إن أهل الجاهلية كانوا يصومون عاشوراء وأن رسول الله- ﷺ صامه والمسلمون قبل أن ينزل فرض رمضان، فلما افترض رمضان، قال رسول الله- ﷺ «إن عاشوراء من أيام الله فمن شاء صامه، ومن شاء تركه» [ (٥) ] . وروى مسلم عن جابر بن سمرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء، ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عنده» فلما فرض رمضان لم يأمرنا، ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده [ (٦) ] . وروى ابن أبي عاصم، وابن منده، عن رزينة خادم رسول الله- ﷺ رضي الله تعالى

стр. 3677

عنها- قالت: إن كان رسول الله- ﷺ ليصومه- يعني عاشوراء، ويأمرنا بصيامه، حتى إن كان ليدعو بصبيانه وصبيان فاطمة المراضع في ذلك اليوم، فيتفل في أفواههم، ويقول لأمهاتهم: لا ترضعوهم إلى الليل وكان ريقه يجزئهم» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، وابن ماجة، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «قدم رسول الله- ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: «ما هذا اليوم؟» قالوا: يوم صالح نجّا الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه، فقال رسول الله- ﷺ «نحن أحق وأولى بموسى منكم» فصامه رسول الله- ﷺ وأمر بصيامه» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «مر رسول الله- ﷺ بقوم من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال: «ما هذا من الصوم؟» قالوا: هذا يوم نجّى الله فيه موسى، وبني إسرائيل من الغرق، وأغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح وموسى شكرا لله ، فقال رسول الله- ﷺ : «أنا أحق بموسى ونوح، وأحق بصيام هذا اليوم، فأمر أصحابه بالصوم» [ (٣) ] . وروى الشيخان، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «ما رأيت رسول الله- ﷺ يتحرّى صيام يوم فضّله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء- وهذا الشهر يعني شهر رمضان» [ (٤) ] . وروى عبد الله ابن الإمام أحمد، والبزار عن علي- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ كان يصوم عاشوراء ويأمر به» [ (٥) ] . وروى الطبراني، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ لم يكن يتوخى فضل صوم يوم على يوم بعد رمضان إلا عاشوراء» [ (٦) ] . وروى مسلم، والبرقاني، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «لئن بقيت» وفي لفظ «أن عشت- إن شاء الله- إلى قابل لأصومن التاسع»

стр. 3678

قاله مخافة أن يفوته عاشوراء، وفي لفظ: «مخافة أن يفوتني» يعني: عاشوراء وأمر بصيامه، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله- ﷺ » [ (١) ] . الرابع: في صيامه- ﷺ رجب وشعبان: روى الطبراني، من طريق يوسف بن عطية الصفار، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ لم يتم صوم شهر بعد رمضان إلا رجب وشعبان» [ (٢) ] . وروى الإمامان مالك وأحمد والشيخان والأربعة عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما رأيت رسول الله- ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان ولفظ ابن ماجة: لم أره صام من شهر قط أكثر من صيامه في شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلا. وفي رواية: «كان يصومه إلا قليلا، بل كان يصومه كله حتى يصله برمضان» [ (٣) ] . وروى النسائي عنها قالت: «كان رسول الله- ﷺ يصوم شعبان ورمضان» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد والترمذي- وحسنه- والنسائي عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «ما رأيت رسول الله- ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان» [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عنها قالت: «لم يكن رسول الله- ﷺ يصوم من السنة شهرا تاما إلا شعبان كان يصل شعبان برمضان» [ (٦) ] . وروى الإمام أحمد، والنسائي، عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنهما- قال: قلت يا رسول الله: لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» ، وفي لفظ «يعرض عملي» [ (٧) ] . وروى أبو نعيم في «المعرفة» عنه، قال: «كان رسول الله- ﷺ لا يدع صيام يوم الاثنين والخميس» ، فقيل يا رسول الله: ما نراك تدع صيام هذين اليومين؟ قال: «هما يومان

стр. 3679

تعرض فيهما الأعمال على الله، فأحب أن يعرض لي فيهما عمل صالح» [ (١) ] . وروى أبو يعلى- بإسناد حسن- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- «أن النبي- ﷺ كان يصوم شعبان كله، قلت يا رسول الله: أحب الشهور إليك أن تصومه شعبان» قال: «إن الله يكتب كل نفس منية تلك السنة، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم» [ (٢) ] . وروى الحارث بن أبي أسامة، عن كثير بن مرّة- رحمه الله تعالى- مرسلا: أن رسول الله- ﷺ قال: «إن ربّكم- يطلع ليلة النصف من شعبان إلى خلقه، فيغفر لهم كلهم، إلا أن يكون مشركا، أو مصارما» ، قال: وما كان رسول الله- ﷺ يصوم شعبان، فيدخل رمضان، وهو صائم. الخامس: في صيامه- ﷺ عشر ذي الحجة، والمراد بها: الأيام التسعة من أول ذي الحجة: روى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، عن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي- ﷺ وسماها في رواية النسائي: حفصة، قالت: «كان رسول الله- ﷺ يصوم تسع ذي الحجة» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد، والنسائي، عن حفصة- رضي الله تعالى عنه- قالت: «أربع لم يكن رسول الله- ﷺ يدعهن: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر وركعتين قبل الغداة» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «ما رأيت رسول الله- ﷺ صائما في العشر قط» [ (٥) ] . وروى الطبراني، من طريق إبراهيم بن إسحاق الصّيني، عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا فاته شيء من رمضان قضاه في عشر ذي الحجة» [ (٦) ] . وروى الشيخان، عن أم الفضل بنت الحارث- رضي الله تعالى عنها- «أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة، في صيام رسول الله- ﷺ فقال بعضهم هو صائم، وقال بعضهم: ليس

стр. 3680

بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه» [ (١) ] . وروى الشيخان، عن ميمونة بنت الحارث- رضي الله تعالى عنها- زوج النبي- ﷺ أنها قالت: «إن الناس شكّوا في صيام رسول الله- ﷺ يوم عرفة فأرسلت إليه ميمونة بحلاب اللّبن، وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون إليه» [ (٢) ] . وروى ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «حججت مع رسول الله- ﷺ يوم عرفة، ومع أبي بكر، ومع عثمان، فلم يصوموه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به، ولا أنهى عنه» [ (٣) ] . السادس: في صيامه- ﷺ الأسبوع والأيام البيض: وروى الإمام أحمد، والترمذي- وحسنه- وابن ماجة، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ كان يصوم الاثنين، والخميس، قيل يا رسول الله: إنك تصوم الاثنين والخميس؟ فقال: «إن يوم الاثنين والخميس، يغفر الله تعالى فيهما لكل مسلم، إلا كل متهاجرين يقول: دعهما حتى يصطلحا، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» [ (٤) ] . وروى الترمذي- وحسنه- والنسائي، وابن ماجة، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- «أن رسول الله- ﷺ كان يتحرى صيام الاثنين، والخميس» [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت يا رسول الله: تصوم لا تكاد تفطر، وتفطر لا تكاد تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما؟، قال: «أي يومين» ؟ قلت: يوم الاثنين، ويوم الخميس قال: «ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» [ (٦) ] . وروى مسلم، عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله- ﷺ عن صوم الاثنين، فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل علي» [ (٧) ] . وروى النسائي، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ لا يفطر الأيام البيض في حضر ولا سفر» [ (٨) ] .

стр. 3681

وروى الإمام أحمد عن حفصة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «لم يكن رسول الله- ﷺ يدع صيام الأيام البيض من كل شهر [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، عن معاذة العدويّة- رحمها الله تعالى- قالت: «سألت عائشة- رضي الله تعالى عنها- أكان رسول الله- ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، قلت لها: أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، عن حفصة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله- ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، الاثنين، والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى» [ (٣) ] . وروى النسائي، عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين والخميس من هذه الجمعة، والاثنين من المقبلة» ، وفي رواية له: «أول اثنين من الشهر، ثم الخميس، ثم الخميس الذي يليه» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد، والنسائي، وأبو داود، عن هنيدة بن خالد الخزاعي عن امرأته عن بعض أزواج النبي- ﷺ قالت: «كان رسول الله- ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، أول اثنين من الشهر، وخميسين» . «لفظ أبي داود: والخميس. قال ابن الجوزي: هذا الحديث معروف لحفصة بنت عمر» [ (٥) ] . وروى الترمذي وحسنه، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله- ﷺ يصوم من الشهر: السبت، والأحد، والاثنين، ومن الشهر الآخر: «الثلاثاء، والأربعاء، والخميس» [ (٦) ] . وروى البزار، عن ابن عباس والبزار وأبو يعلى، عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قالا: «لم ير رسول الله- ﷺ مفطرا في يوم جمعة قط» «سندهما ضعيف» [ (٧) ] .

стр. 3682

خاتمة: حاصل الأحاديث التي تقدمت: أن صومه- ﷺ من الشهر كان على أوجه: الأول: «أنه كان يصوم الاثنين والخميس والاثنين» . الثاني: «أنه كان يصوم أول اثنين من الشهر، ثم الخميس، ثم الخميس الذي يليه» . الثالث: «أنه كان يصوم من الشهر: السبت، والأحد، والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء، والأربعاء والخميس» . الرابع: «أنه كان يصوم ثلاثة من أول الشهر» . الخامس: «كان يصوم ثلاثة غير معيّنة» . السادس: «كان يصوم الأيام البيض: ثالث عشر، ورابع عشر، وخامس عشر، وسميت هذه الثلاثة أيام بذلك، لأن القمر يكون فيها من أول الليل إلى آخره، وليس في الشهر يوم أبيض كله، إلا هذه الأيام لأن ليلها أبيض، ونهارها أبيض، فصح قول من قال: الأيام البيض على الوصف، واليوم الكامل هو النهار بليلته وفيه رد لقول الجواليقي من قال: الأيام البيض فجعل البيض صفة الأيام فقد أخطأ من قاله. تنبيهات الأول: في سبب صيام قريش في الجاهلية يوم عاشوراء: روي عن عكرمة- رحمه الله تعالى- قال: «أذنبت قريش في الجاهلية ذنبا عظيما، فتعاظم في صدورهم فسألوا ما توبتهم؟ قيل صوم عاشوراء» . الثاني: قول عائشة «فلما قدم رسول الله- ﷺ المدينة أي سفر الهجرة- كما صرح به العلماء- زعم بعض من يطلب العلم من أهل زماننا، أنه سفر غيره، وأنه- ﷺ لم يصمه إلا سنة واحدة قبل موته، وهذا كلام غير صواب، لم يسبق قائله إليه أحد من العلماء» . الثالث: روى مسلم، والبرقاني، عن الحكم بن الأعرج، قال «سألت ابن عباس عن عاشوراء، فقال: عن أيّ حالها تسأل؟ قلت عن صيامه، أيّ يوم أصومه؟، قال: إذا رأيت هلال المرحم فاعدد ثم أصبح من يوم تاسعه صائما، فقلت أكذلك كان يصومه؟ قال: نعم» [ (١) ] .

стр. 3683

الرابع: استفيد من حديث عائشة: تعيين الوقت الذي وقع فيه بصيام عاشوراء، وهو أول قدومه المدينة، ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول، فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية. وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصوم عاشوراء إلا في سنة واحدة، ثم فوض الأمر بصومه إلى رأي المتطوع. الخامس: استشكل بعضهم حديث ابن عباس، بأنه- ﷺ إنما قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فكيف يقول ابن عباس أنه قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء؟. وأجاب ابن القيّم: بأنه ليس في الحديث أن يوم قدومه وجدهم يصومونه، فإنه قدم يوم الاثنين في ربيع الأول ثاني عشره، ولكن أول علمه بذلك ووقوع القصة في اليوم الذي كان بعد قدومه المدينة ولم يكن وهو بمكة. قال الحافظ: غايته أن في الكلام حذفا: تقديره قدّم ﵊ المدينة، (فأقام إلى يوم عاشوراء) فوجد اليهود صياما (ويحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية) . السادس: قال في حديث: كان يصوم شعبان إلا قليلا أي: يصوم معظمه. ونقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر، أن يقول: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى فاشتغل ببعض أمره، قال الترمذي: كان ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك. وحاصله: أن الرواية الأولى: مفسّرة للثانية، ومخصصة لها، وأن المراد بالكل الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال، واستبعده الطيبي، وقال: يحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة، ويصوم معظمه أخرى لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان. وقال ابن المنير: إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة، والمراد الأكثر، وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول. فأخبرت عن أول أمره: أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانيا عن آخر أمره أنه كان يصومه كله. قال الحافظ: ولا يخفى تكلّفه، والأول هو الصواب.

стр. 3684

الباب السابع في اعتكافه- ﷺ وشدة اجتهاده في العشر الأخير من رمضان وتحريه ليلة القدر روى الطيالسي، والحارث- بسند حسن- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- «أن رسول الله- ﷺ اعتكف هو وخديجة شهرا فوافق ذلك رمضان. الحديث» . وروى الجماعة عنها، قالت: «كان رسول الله- ﷺ إذا دخل العشر الأخير من رمضان أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشدّ المئزر» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، ومسلم عنها، قالت: «كان رسول الله- ﷺ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد عنها: قالت: «كان رسول الله- ﷺ يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر وشمر» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد، والشيخان عنها، قالت: «كان رسول الله- ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله» [ (٤) ] . وروى الشيخان عنها، قالت: «كان رسول الله- ﷺ يعتكف في كل رمضان، فإذا صلّى الغداة دخل مكانه الذي يعتكف فيه، وأنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فأمر ببنائه فضرب، فاستأذنته عائشة أن تعتكف فأذن لها، فضربت فيه قبّة، فسمعت حفصة فضربت قبّة، وسمعت زينب فضربت قبّة أخرى فلما انصرف رسول الله- ﷺ من الغداة أبصر أربع قباب، فقال: «ما هذا؟» فأخبر خبرهن، فقال: «ما حملهنّ على هذا؟ البر؟» وفي رواية: «البر أردن بهذا» وفي لفظ مرة واحدة، «ما أنا بمعتكف انزعوها فلا أراها» فنزعت، وأمر بخبائه فقوض، فلم يعتكف حتى اعتكف في آخر العشر من شوال» ، وفي رواية: «حتى اعتكف في العشر الأول من شوال، وفي رواية: اعتكف عشرين من شوال» [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى- بسند حسن- عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ يوقظ أهله في العشر الأخير من رمضان، ويرفع المئزر» [ (٦) ] .

стр. 3685

وروى البخاري، وأبو داود والنسائي، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان رسول الله- ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان» [ (١) ] . وروى الطبراني، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا دخل العشر الأواخر، طوى فراشه، واعتزل النساء [وجعل عشاءه سحورا] [ (٢) ] . وروى ابن ماجه، عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا اعتكف طرح له فراشه أو يوضع له سريره، وراء أسطوانة التّوبة» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد، والترمذي، وقال: حسن صحيح غريب عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين» [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، عن أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر سنة فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين يوما» [ (٦) ] . وروى الإمام مالك، والجماعة، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- «أنها كانت ترجل النبي- ﷺ وهي حائض، وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها يناولها رأسه، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» ، زاد أبو داود وكان يمر بالمريض فيمر ولا يعرّج يسأل عنه» [ (٧) ] . وروى الإمام أحمد، عن أبي ليلى عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ اعتكف في قبة من خوص» [ (٨) ] .

стр. 3686

وروى الطبراني من طريق النّضر بن يزيد البهرتيري، يحرر حاله عن معيقيب- رضي الله تعالى عنه- قال: «اعتكف رسول الله- ﷺ في قبة من خوص بابها من حصير، والناس في المسجد» [ (١) ] . وروى الإمام مالك، عن ابن شهاب- رحمه الله تعالى- «أن رسول الله- ﷺ كان يذهب لحاجة الإنسان في البيوت وهو معتكف» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، وابن ماجة، عن صفية- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله- ﷺ معتكفا فأتيته أزوره ليلا، فحدثته ثم قمت لأنقلب فقام معي يقلبني» [ (٣) ] . وروى مسلم، وابن ماجة، عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان ثم اعتكف العشر الأوسط في قبّة تركيّة على سدّتها حصير، قال: فأخذ الحصير بيده فنحّاها في ناحية القبّة، ثم أطلع رأسه فكلم الناس، فدنوا منه فقال: «إني كنت اعتكف العشر الأول التمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف» ، فاعتكف الناس معه، قال: «وإني أريتها ليلة وتر وإنّي أسجد في صبيحتها في طين وماء، فأصبح من ليلة إحدى وعشرين» . وقد قام إلى الصبح فمطرت السماء فوكف المسجد، فأبصرت الطين والماء فخرج حين فرغ من صلاة الصّبح وجبينه وروثة أنفه فيهما الطين والماء وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر» [ (٤) ] . وروى الإمامان: مالك، وأحمد، والشيخان، وأبو داود، وابن ماجة، عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: «اعتكفنا مع رسول الله- ﷺ العشر الأوسط، فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا، فأتاه جبريل- ﷺ فقال: «إن الذي تطلب أمامك» فأتانا رسول الله- ﷺ فقال: «من اعتكف فليرجع إلى معتكفه، فإني أريت هذه الليلة، ورأيتني أسجد في ماء وطين» ، فلما رجع إلى معتكفه هاجت السماء من آخر ذلك اليوم، وكان المسجد من عريش، فلقد رأيت على أنفه وأرنبته أثر الماء والطين» [ (٥) ] .

стр. 3687

وروى الطبراني- بسند حسن- عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «اعتكف رسول الله- ﷺ أول سنة: العشر (الأول ثم اعتكف العشر) الوسطى ثم العشر الأواخر وقال: «إني رأيت ليلة القدر فيها فأنسيتها» ، فلم يزل رسول الله- ﷺ يعتكف فيهن حتى توفي» [ (١) ] . وروى أبو بكر أحمد بن عمر وأبو عاصم، عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- قال: «قام رسول الله- ﷺ ذات ليلة من رمضان في حجرة من جريد النخل، فصب عليه دلوا من ماء» . وروى أيضا عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله- ﷺ إذا كان رمضان ونام فإذا دخل العشر شمّر المئزر، واجتنب النساء، واغتسل بين الأذانين وجعل العشاء سحورا.

стр. 3688

جماع أبواب حجه- ﷺ وعمره الباب الأول في الاختلاف في وقت ابتداء فرضه: قال الحافظ- رحمه الله تعالى-: «في ابتداء فرضه، فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذ، وقيل: بعدها ثم اختلف في سنته، فالجمهور على أنها سنة ست، قلت: وصححه الرافعي في السير، وشبه عليه في «الروضة» ، ونقله في «المجموع» عن الأصحاب، وصححه ابن الرفعة، انتهى، لأنها نزلت فيها قوله تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة/ ١٩٦] وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض، ويؤيده قراءة علقمة، ومسروق، وإبراهيم بلفظ: «وأقيموا» ، أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم [ (١) ] . وقيل: المراد بالإتمام: الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك، وقد وقع في قصة ضمام ذكر الأمر بالحج، وكان قدومه على ما ذكره الواقدي سنة خمس، وهذا يدل- إن ثبت- على تقدمه على سنة خمس، أو وقوعه فيها قلت: وبهذا جزم الرافعي في الحج: فرض سنة خمس. وقال الحافظ- رحمه الله تعالى- أن عكرمة بن خالد المخزومي، قال: قدمت المدينة في نفر من أهل مكة، فلقيت عبد الله بن عمر فقلت: إذا لم تحج قط أفنعتمر من المدينة؟ قال: نعم، وما يمنعكم من ذلك؟ فقد اعتمر رسول الله- ﷺ عمره كلها قبل حجّه، قال: فاعتمر، رواه الإمام أحمد- بسند صحيح- وهو في البخاري بنحوه [ (٢) ] . قال ابن بطال: هذا يدل على أن فرض الحج كان قد نزل على النبي- ﷺ قبل اعتماره، ويتفرع عليه: هل الحج على الفور؟ أو التراخي؟ وهذا يدل أنه على التراخي، قال أي ابن بطال: كذلك أمر النبي- ﷺ أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، دال على ذلك. انتهى. قال الحافظ: وقد نوزع في ذلك إذ لا يلزم من صحة تقديم أحد النسكين على الآخر نفي الفورية، انتهى، وقيل: فرض سنة ثمان، وقيل: تسع، وقيل: عشر حكاها الحافظ في تخريج أحاديث الرافعي.

стр. 3689

الثاني: قال العلماء- رحمهم الله تعالى- فرض الله تعالى الحج على من استطاع إليه سبيلا، وقد كان السبيل إليه ممنوعا بقوة المشركين. وأيضا كانوا ينقلون الحج عن وقته، فقد ذكر أنهم ينقلونه عن حساب الشهور الشمسية، ويؤخرونه في كل سنة أحد عشر يوما، فلم توجد الاستطاعة إلا عند فتح مكة سنة ثمان، فمنع- ﷺ من التعجيل به، أن المشركين لم يكونوا منعوا منه، لعهود كانت لهم إلى آجال مضروبة، وكانوا يشركون في تلبيتهم، ويطوفون عراة، وقد كان- ﷺ أراد أن يحج مقفله من تبوك، وذلك بأثر الفتح بيسير، ثم ذكر بقايا المشركين يحجون، ويطوفون عراة فلم يرد النبي- ﷺ سماع إشراكهم في تلبيتهم ولا رؤيتهم عراة، فأخّر رسول الله- ﷺ الحج حتى نبذ إلى كل ذي عهد عهده، وذلك في السنة التاسعة فحج بالمسلمين كما قال الماوردي في الحاوي في «باب السير» سير الفتح- عتّاب بن أسيد بوزن أمير الذي أمره رسول الله- ﷺ على مكة- رضي الله تعالى عنه- فلما كان وقت الحج حج المسلمون والمشركون، وكان المسلمون بمعزل يدفع بهم عتّاب بن أسيد، ويقف بهم، لأنه أمير البلد. وفي السنة الثانية وهي سنة تسع حج بهم أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- وأرسل معه- ﷺ علي بن أبي طالب، فنادى في الناس بنبذ العهد كما في سورة براءة، وأنه لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فلما زالت رسوم الشرك، وسير الجاهلية حج رسول الله- ﷺ حجة الوداع سنة عشر، وقال فيها: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض» . فائدة: قال في «زاد المعاد» : دخل رسول الله- ﷺ مكة بعد الهجرة خمس مرات، سوى المرة الأولى، فإنه وصل إلى الحديبية وصد عن الدخول إليها أحرم في أربع منهن من الميقات لا قبله فأحرم عام الحديبية من ذي الحليفة، ثم دخلها المرة الثانية فقضى عمرته، وأقام بها ثلاثا، ثم خرج، ثم دخلها المرة الثالثة، عام الفتح في رمضان بغير إحرام، ثم خرج منها إلى حنين، ثم دخلها المرّة الرابعة بعمرة من الجعرانة، ودخلها في هذه العمرة ليلا وخرج ليلا فلم يخرج من مكة إلى الجعرانة ليعتمر، كما يفعل أهل مكة اليوم، المرة الخامسة في حجة الوداع.

стр. 3690

الباب الثاني في بيان عدد حجاته- ﷺ قبل الهجرة وعمره وفيه نوعان: الأول: في بيان حجاته- ﷺ -: روى الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، عن ابن عباس أو جابر قال: «حج رسول الله- ﷺ ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر» [ (١) ] . قال الحافظ: «وهو مبني على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج، وهذا لا يقتضي نفي الحجّ بعد ذلك» . وقال سفيان الثوري: «حجّ رسول الله- ﷺ قبل أن يهاجر حججا» ، رواه الحاكم بسند صحيح. وقال أبو الفرج- رحمه الله تعالى-: في كتاب «منير العزم الساكن» : «حج رسول الله- ﷺ حججا قبل النبوة وبعدها، لا يعرف عددها» . وقال ابن الأثير- رحمه الله تعالى- كان رسول الله- ﷺ يحج كل سنة قبل أن يهاجر لم يترك الحج وقال الحافظ الذي لا أرتاب فيه إنه- ﷺ يحج كل سنة قبل أن يهاجر لم يترك الحج وهو بمكة قط لأن قريشا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، وإنما يتأخر منهم من لم يكن بمكة، أو عاقه ضعف، وإذا كانوا وهم على غير دين يحرصون على إقامة الحج، ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب، فكيف يظن بالنبي- ﷺ أنه يتركه، وقد ثبت حديث جبير بن مطعم أنه رآه في الجاهلية واقفا بعرفة، وأن ذلك من توفيق الله تعالى له ولبث دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية كما تقدم في الهجرة إلى المدينة. قال السهيلي- رحمه الله تعالى-: ولا ينبغي أن يضاف إليه في الحقيقة إلا حجة الوداع، وإن كان حج مع الناس إذا كان بمكة كما روى الترمذي، فلم يكن ذلك الحج على سنة الحج وكماله، لأنه- ﷺ كان مغلوبا على أمره، وكان الحج منقولا عن وقته، فقد ذكر أنهم كانوا ينقلونه على حساب السّنة والشّهر، يؤخرونه في كل سنة أحد عشر يوما» .

стр. 3691

الثاني: في بيان عدد عمره- ﷺ -: اعتمر رسول الله- ﷺ أربع عمر، كلهن في ذي القعدة. الأولى: عمرة الحديبية وهي أولاهن سنة ست فصده المشركون عن البيت فنحر البدن حيث صد بالحديبية، وحلق هو وأصحابه رؤوسهم، وحلقوا من إحرامهم ورجع من عامه- ﷺ . الثانية: عمرة القضية من العام المقبل دخلها فأقام بها ثلاثا، ثم خرج بعد كمال عمرته. الثالثة: عمرته- ﷺ من الجعرّانة- لما خرج إلى حنين ثم رجع إلى مكة فاعتمر من الجعرّانة داخلا إلى مكة. الرابعة: التي قرنها مع حجة الوداع. ذكر أدلة بعض ما تقدم: روى الإمام أحمد، والشيخان، عن عروة بن الزبير قال: «كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة- رضي الله تعالى عنها- وإنا لنسمع ضربها بالسّواك تستن، فقلت: يا أبا عبد الرحمن اعتمر رسول الله- ﷺ في رجب؟ قال: نعم. فقلت لعائشة: أي أمّتاه ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟، قلت يقول: اعتمر رسول الله- ﷺ في رجب؟ فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن ما اعتمر في رجب وما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده وما اعتمر في رجب قال: وابن عمر يسمع فما قال لا ولا نعم. سكت» [ (١) ] . وروى الشيخان والدارقطني عن مجاهد بن جبر قال دخلت أنا وعروة المسجد فإذا ابن عمر جالس إلى جنب حجرة عائشة فسألناه كم اعتمر رسول الله- ﷺ ؟ قال أربعا إحداهن في رجب فكرهنا أن نرد عليه وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة فقال عروة: يا أم المؤمنين ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت وما يقول؟ قال يقول: أن رسول الله- ﷺ اعتمر أربع مرات إحداهن في رجب قالت رحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله- ﷺ إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي، وابن سعد، عن أنس قال: «اعتمر رسول الله- ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية أو

стр. 3692

زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة في ذي القعدة، وعمرة مع حجته» [ (١) ] . ولفظ البخاري، عن قتادة- رحمه الله تعالى- قال: قلت لأنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- كم اعتمر رسول الله- ﷺ ؟ قال: أربعا: عمرته التي صده عنها المشركون عن البيت من الحديبية من ذي القعدة وعمرته- من العام المقبل- حين صالحوه في ذي القعدة، وعمرته الجعرانة حين قسمت غنيمة حنين في ذي القعدة، وعمرته مع حجته» [ (٢) ] . قوله: عمرته بالنصب بدل من أربع بدل بعض من كل، ويجوز رفعها على أنها خبر مبتدأ محذوف أي: هي عمرته وكذا الباقي. وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ اعتمر أربع عمر فذكر نحوه» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد، والثلاثة، وحسنه الترمذي، وابن سعد، عن محرّش الكعبيّ: «أن رسول الله- ﷺ خرج من الجعرّانة ليلا معتمرا، فدخل مكة ليلا فقضى عمرته، ثم خرج عن ليلته فأصبح بالجعرّانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد خرج من بطن سرف حتى جاء مع الطريق ببطن سرف فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس» ، وفي لفظ: «على كثير من الناس» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد، ومسدد، عن ابن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- قال: «اعتمر رسول الله- ﷺ ثلاث عمر كل ذلك في ذي القعدة، يلبي حتى يستلم الحجر، ولفظ مسدد، كل ذلك لا يقطع التلبية حتى يستلم الحجر» . وروى ابن أبي شيبة، عن البراء- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ اعتمر قبل أن يحج» . وفي رواية له، وأبي يعلى، وأحمد «اعتمر رسول الله- ﷺ ثلاث عمر» [ (٥) ] . وروى ابن أبي شيبة، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «لما قدم رسول الله- ﷺ من الطائف نزل الجعرانة، فقسم بها الغنائم، ثم اعتمر منها، وذلك من ليلتين بقيتا من شوال» [ (٦) ] .

стр. 3693

وروى أحمد بن منيع- برجال ثقات- عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «اعتمر رسول الله- ﷺ أربعا، إحداهن في رجب» . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي- وحسنه- وابن ماجة، وابن سعد، والبيهقي، عن عكرمة، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «اعتمر رسول الله- ﷺ أربع عمر، عمرة الحديبية، وهي عمرة الحصر، وعمرة القضاء من قابل، وعمرة الجعرانة، والرابعة مع حجته» [ (١) ] . وروى ابن سعد، عن سعيد بن جبير- رحمه الله تعالى- أن رسول الله- ﷺ اعتمر عام الحديبية من ذي القعدة واعتمر عام صالح قريشا في ذي القعدة واعتمر مرجعه من الطائف في ذي القعدة من الجعرانة» [ (٢) ] . وروى ابن ماجه، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما-، وعائشة، قال: «قالا: لم يعتمر رسول الله- ﷺ إلا في ذي القعدة» [ (٣) ] . وروى ابن سعد، عن ابن أبي مليكة- رحمه الله تعالى- قال: «اعتمر رسول الله- ﷺ أربع عمر كلها في ذي القعدة» [ (٤) ] . وروى- أيضا- عن عامر الشعبي- رحمه الله تعالى- عنه، قال: «لم يعتمر رسول الله- ﷺ عمرة قط إلا في ذي القعدة» [ (٥) ] . وروى- أيضا- عن ابن جريج، عن عطاء- رحمهما الله تعالى- قال: «عمر رسول الله- ﷺ كلها في ذي القعدة» [ (٦) ] . وروى- أيضا- عن عكرمة- رحمهما الله تعالى- قال: «اعتمر رسول الله- ﷺ ثلاث عمر في ذي القعدة، قبل أن يحج» [ (٧) ] . تنبيهات الأول: والله أعلم قال في الهدي: عمره- ﷺ كلها كانت في أشهر الحج، مخالفة لهدي المشركين، فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج، ويقولون: هي أفجر الفجور.

стр. 3694

الثاني: قال ابن القيم: لم يحفظ عنه- ﷺ أن اعتمر في السنة إلا مرة واحدة، وقد ظن بعض الناس أنه اعتمر في سنة مرتين، واحتج بما رواه أبو داود في «سننه» عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ اعتمر عمرتين: في ذي القعدة وعمرة في شوال، قالوا: وليس المراد بهذا ذكر مجموع ما اعتمره فإن أنسا وعائشة، وابن عباس وغيرهم، قد قالوا: إنه اعتمر أربع عمر، فعلم أن مرادها أنه اعتمر في سنة مرتين. مرة في ذي القعدة، ومرة في شوال، وهذا الحديث وهم وإن كان محفوظا عنها فإن هذا لم يقع قط، وتقدم بيان عمره، ومتى وقعت، فمتى اعتمر في شوال، ولكن لقي العدو في شوال وخرج فيه من مكة وقضى عمرته لما فرغ من أمر العدو، وفي ذي القعدة ليلا ولم يجمع ذلك العام بين عمرتين لا قبله ولا بعده، ومن له عناية بأيامه، وسيرته، وأحواله، لا يشك ولا يرتاب في ذلك. الثالث: قال: في «زاد المعاد» : لم يقل أحد من أهل العلم، أنه- ﷺ اعتمر من التنعيم بعد حجه، وإنما يظنه العوام ومن لا خبرة له بالسنة. الرابع: قال فيه أيضا: غلط من قال: إنه لم يعتمر في حجته أصلا، والسّنة الصحيحة المستفيضة التي لا يمكن ردها تبطل هذا القول. الخامس: قال فيه أيضا غلط من قال: إنه- ﷺ اعتمر عمرة حل منها ثم أحرم بعدها بالحج من مكة، والأحاديث الصحيحة تبطل هذا القول وترده. السادس: روى البخاري، عن البراء بن عازب- رضي الله تعالى عنهما- قال: «اعتمر رسول الله- ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين» [ (١) ] . وروى أبو داود، عن مجاهد، قال: سئل ابن عمر: اعتمر رسول الله- ﷺ ؟ فقال: مرتين فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله- ﷺ اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع [ (٢) ] . قال في «زاد المعاد» أراد العمرة المفردة المستقلة التي تمت ولا ريب أنهما اثنتان، فإن عمرة القران لم تكن مستقلة، وعمرة الحديبية صدّ عنها وحيل بينه وبين إتمامها. وقال في موضع آخر: «لا يناقض حديث ابن عمر- أي السابق- قوله: «أن رسول الله- ﷺ قرن بين الحج والعمرة» ، لأنه أراد العمرة الحاصلة المفردة. ولا ريب أنهما عمرتان: عمرة القضاء، وعمرة الجعرّانة، وعائشة أرادت العمرتين المستقلتين: فإن عمرة القران، لم تكن مستقلة وعمرة الحديبية صدّ عنها، ولا ريب أنها أربع

стр. 3695

السابع: قول أنس: اعتمر رسول الله- ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته قال في «زاد المعاد» : وهذا لا يناقض ما تقدم عن عائشة، وابن عباس وغيرهما، أي أنهن كلهن في ذي القعدة، لأن مبدأ عمرة القران في ذي القعدة ونهايتها كان في ذي الحجة مع انقضاء الحج، فعائشة، وابن عباس أخبرا عن ابتدائها وأنس أخبر عن انقضائها. الثامن: قول عروة، عن ابن عمر: أنه- ﷺ كان يعتمر في رجب، قال في «الهدي» : هو غلط، فإن عمره- ﷺ مضبوطة محفوظة، لم يخرج في رجب إلى شيء منها. التاسع: روى أبو حاتم: وابن حبان «أن عمرة القضاء كانت في رمضان، وعمرة الجعرانة، كانت في شوال، قلت: ذكر أبو حاتم أن رسول الله- ﷺ كان معتمرا عام الفتح، وذلك في رمضان» . قال المحب الطبري: ولم أر ذلك لأحد غيره والمشهور: أن عمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة. العاشر: روى الدارقطني، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «خرجت مع رسول الله- ﷺ في عمرة في رمضان، فأفطر، وصمت وقصر وأتممت، الحديث» . قال في «زاد المعاد» : هذا الحديث غلط، فإن رسول الله- ﷺ لم يعتمر في رمضان قط، وعمره مضبوطة العدد، والزمان، ونحن نقول: يرحم الله أمّ المؤمنين: ما اعتمر رسول الله- ﷺ في رمضان قط، وقد قالت: - رضي الله تعالى عنها- «لم يعتمر رسول الله- ﷺ إلا في ذي القعدة. كما رواه ابن ماجة، وغيره، ولا خلاف أن عمره- ﷺ لم تزد على أربع، فلو كان قد اعتمر في رجب لكانت خمسا، ولو كان قد اعتمر في رمضان لكانت ستا إلا أن يقال: بعضهن في رجب، وبعضهن في رمضان وبعضهن في ذي القعدة، وهذا لم يقع، وإنما الواقع اعتماره في ذي القعدة كما قال أنس، وابن عباس، وعائشة- رضي الله تعالى عنهم-. الحادي عشر: روى أبو داود، في «سننه» وابن سعد في «طبقاته» واللفظ له، في عمرة الجعرانة حين خرج في شوال، ولكن إنما أحرم بها في ذي القعدة، قلت: قال ابن سعد حدثنا ابن سابق التميمي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير عن عتبة مولى ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: «لما قدم رسول الله- ﷺ من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم، ثم اعتمر منها وذلك لليلتين بقيتا من شوال. وقال ابن القيم في موضع آخر: هذا أي اعتماره- ﷺ في شوال وهم، والظاهر والله تعالى أعلم، أن بعض الرواة غلط في هذا، وأنه اعتكف في شوال فقال إنه اعتمر في شوال لكن سياق الحديث، وقوله اعتمر ثلاث عمر عمرة في شوال، وعمرتين في ذي القعدة، يدل على أن عائشة، أو من دونها إنما قصد العمرة» .

стр. 3696

الباب الثالث في سياق حجة الوداع أفردها بالتصنيف الحافظ أبو بكر محمد بن المنذر، وأبو جعفر أحمد بن عبد الله المحب الطبري، وأبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعيون، وأبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري، وبسط الكلام عليها أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن القيم الحنبلي في «زاد المعاد» ، والحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير الشافعي في كتاب السيرة في تاريخه المسمى «بالبداية والنهاية» ، وهو أوسع من الذي قبله، كل منهم ذكر أشياء لم يذكرها الآخر، وظفرت بأشياء لم يذكروها، ورأيت سياق ابن القيم أحسنهم سياقا، فاعتمدته وجردته من الأدلة غالبا، ومن الأبحاث الطويلة، وأدخلت فيه ما أجمل به مميزا له غالبا بقولي: «قلت» في أوله، «والله أعلم» في آخره، وإذا أتيت بضمير تثنية لا مرجع له كقالا، أو رجحا أو جزما، فمرادي: ابنا كثير، والقيم، وضمير مفرد مذكر لا مرجع له فمرادي: ابن القيم، أو أبا محمد فمرادي: ابن حزم، والله أعلم، وأسأله التوفيق للصواب، وحسن المرجع، والمآب، وهو حسبي ونعم الوكيل، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ذكر إعلامه- ﷺ بأنه حاج في هذه السنة: قلت: قال ابن سعد: قالوا: أقام رسول الله- ﷺ بالمدينة عشر سنين يضحي كل عام، ولا يحلق، ولا يقصر، ويغزو المغازي، ولا يحج حتى كان في ذي القعدة سنة عشر أجمع الخروج إلى الحج والله تعالى أعلم، ولما عزم رسول الله- ﷺ على الحج أذن في الناس أنه حاج في هذه السنة فسمع بذلك من حول المدينة، فلم يبق أحد يريد وفي لفظ: يقدر أن يأتي راكبا، أو راجلا إلا قدم، فقدم المدينة بشر كثير، ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون، وكانوا من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، مدّ البصر، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله- ﷺ ويعمل مثل عمله، وأصاب الناس جدري، أو حصبة، منعت من شاء الله أن تمنع من الحج، قال أبو محمد: فأعلم رسول الله- ﷺ أن عمرة في رمضان، تعدل حجة معه. وصوّبا أن هذا الإعلام كان بعد رجوعه- ﷺ وهو كما قال. ذكر خروجه- ﷺ من المدينة الشريفة: قلت: استعمل رسول الله- ﷺ لما أراد الخروج على المدينة أبا دجانة سماك بن خرشة السّاعدي ويقال: بل سباع بن عرفطة ذكره ابن هشام والله تعالى أعلم.

стр. 3697

وصلى رسول الله- ﷺ الظهر بالمدينة أربعا، وخطب الناس وعلمهم ما أمامهم من المناسك ثم ترجل وادهن بزيت، قلت اغتسل قبل ذلك، وتجرد في ثوبين صحاريين إزار ورداء كما ذكره ابن سعد، زاد محمد بن عمر الأسلمي: وأبدلهما بالتنعيم بثوبين من جنسهما، والله تعالى أعلم، ولبس إزاره، ورداءه، قلت وركب كما قال أنس على رحل وكانت زاملته، وقال أيضا حجّ رسول الله- ﷺ على رحل رثّ، وقطيفة خلقة تستوي أربعة دراهم ولا تستوي. ثم قال: «اللهم اجعله حجا مبرورا، لا رياء فيه، ولا سمعة» [ (١) ] رواه البخاري تعليقاً وابن ماجة، والترمذي، في «الشمائل» وأبو يعلى موصولا، والله تعالى أعلم. وخرج رسول الله- ﷺ من المدينة نهارا بعد الظهر لخمس بقين من ذي القعدة وصوّبا أن خروجه كان يوم السبت، وبسط الكلام على ذلك الحافظ الدمياطي، قلت: ورواه الحاكم في «الإكليل» عن جبير بن مطعم، وبه جزم ابن سعد، ومحمد بن عمر الأسلمي، خلافا لابن حزم في أنه كان يوم الخميس، واستدل بأشياء نقضا عليه، وخرج رسول الله- ﷺ على طريق الشجرة، كان يخرج منها، وصلى في مسجدها، رواه البخاري عن ابن عمر. ذكر نزوله- ﷺ بذي الحليفة وبياته بها: فسار- ﷺ حتى أتى ذا الحليفة، وهو من وادي العقيق فنزل به، قلت: تحت سمرة في موضع المسجد بذي الحليفة، دون الروسة عن يمين الطريق كما في الصحيح، عن عبد الله بن عمر، ليجتمع إليه أصحابه، كما ذكره محمد بن عمر الأسلمي والله تعالى أعلم. وصلى بهم العصر ركعتين، قلت: وأمر بالصلاة في ذلك الوادي، رواه الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، وابن ماجة، والبيهقي، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول بوادي العقيق: «أتاني آت من ربي» ، ولفظ البيهقي: «جبريل» فقال: «صلّ في هذا الوادي المبارك» ، وقال: «عمرة في حجة، فقد دخلت العمرة في الحج، إلى يوم القيامة والله تعالى أعلم» [ (٢) ] . ثم بات بذي الحليفة، وصلى المغرب والعشاء، والصبح والظهر فصلى بها خمس صلوات، وكان نساؤه معه كلهن في الهوداج، وكنّ تسعة وطاف عليهن تلك الليلة واغتسل، قلت: وطيبته عائشة قبل طوافه عليهن تلك الليلة، واغتسل. «كما رواه مسلم- عن عائشة، والبيهقي عنها، قالت: طيّبته بالطيب» والله تعالى أعلم. وساق هديه مع نفسه، قلت: كان معه- ﷺ قبل وصوله، أنه- ﷺ دعا ببدنته،

стр. 3698

وفي رواية: بناقته فأشعرها في صفحة سنامها من الشق الأيمن ثم سلت الدم عنها، وقلدها نعلين، قلت: وتولى إشعار بقية الهدي وتقليده غيره، قال: كان- ﷺ معه هدي كثير. قال ابن سعد: وكان على هديه ناجية بن جندب الأسلمي وكان جميع الهدي الذي ساقه من المدينة [ (١) ] . ذكر إحرامه- ﷺ -: «فلما صلى رسول الله- ﷺ الصبح أخذ في الإحرام، فاغتسل غسلا ثانيا، غير الغسل الأول، وغسل رأسه بخطمي وأشنان، قلت: ودهن رأسه بشيء من زيت غير كثير» ، رواه الإمام أحمد، والبزار، والطبراني، والدارقطني عن عائشة [ (٢) ] . وعن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ يدّهن بالزيت- وهو محرم- غير المقتت» ، رواه الترمذي، وابن ماجة [ (٣) ] . في حديث أبي أيوب عند الشيخين: أنه- ﷺ في غسله حزك رأسه بيديه جميعا فأقبل بهما وأدبر، والله تعالى أعلم، وطيبته بذريرة وطيب فيه مسك [ (٤) ] ، قلت: وبالغالية الجيدة كما رواه الدارقطني والبيهقي والله أعلم في بدنه ورأسه حتى كان وبيص المسك يرى من مفارقه، ولحيته الشريفة- ﷺ [ (٥) ] ثم استدامه، ولم يغسله، قلت وروى الإمام أحمد، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله- ﷺ بعد أيام وهو محرم [ (٦) ] ، ورواه الحميدي في مسنده بلفظ: بعد ثالثة، وهو محرم» والله تعالى أعلم. ثم لبس إزاره ورداءه، قلت: «ولم ينه عن شيء من الأردية إلا المزعفرة، التي تردع على الجلد» ، رواه البخاري، وأبو يعلى، عن ابن عباس والله تعالى أعلم. وسأله- ﷺ رجل: «ما يلبس المحرم من الثياب؟» فقال- ﷺ : «لا تلبسوا القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أن تكون نعالا، فإن لم تكن نعالا فخفين دون الكعبين» ، وفي رواية: «إلا أن لا يجد نعلين» ، وفي رواية: «فمن لم يجد نعلين» ، وفي رواية: «فليحرم أحدكم في إزار، ونعلين» .

стр. 3699

فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليجعلهما أسفل الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسّه الزعفران، ولا الورس، إلا أن يكون غسيلا، ولا تنتقب المحرمة، ولا تلبس القفازين» ، رواه الإمام أحمد، والشيخان، عن ابن عمر، والله تعالى أعلم [ (١) ] . وولدت أسماء بنت عميس- زوجة أبي بكر- بذي الحليفة محمد بن أبي بكر. فأرسلت أبا بكر إلى رسول الله- ﷺ تقول: كيف أصنع؟ فقال رسول الله- ﷺ «اغتسلي واستثفري بثوب، وأهلّي» ، وفي رواية: «وأحرمي» ، رواه مسلم في حديث جابر الطويل [ (٢) ] . وزاد النسائي، وابن ماجة، عن أبي بكر: وتصنع ما يصنع الناس إلا أنها لا تطوف بالبيت [ (٣) ] . ثم أنه- ﷺ صلى ركعتين، قال في الاطلاع: صلى ركعتي الإحرام، وهما الركعتان اللتان كان يودع بهما المنزل. قال ابن القيم: «ولم ينقل عنه أنه- ﷺ صلى للإحرام ركعتين» قلت: روى الشيخان، عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل» [ (٤) ] . قال النووي في «شرح مسلم» فيه استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام، ويصليهما قبل الإحرام إلى آخره. والله تعالى أعلم. ثم ركب راحلته القصواء، قلت: «واستقبل القبلة قائما، ثم لبّى» [ (٥) ] رواه البخاري، عن ابن عمر والله تعالى أعلم. ذكر إهلاله- ﷺ وفي أي مكان أهل: اختلف في الموضع الذي أهل فيه- ﷺ . فقيل: أهلّ من المسجد الذي بذي الحليفة، فروى الخمسة عن سالم، عن أبيه عن عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أنه- ﷺ أهل من عند المسجد، يعني: مسجد ذي الحليفة، وفي رواية الشيخين، عن ابن عمر قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على

стр. 3700

رسول الله- ﷺ إنما أهل من المسجد [ (١) ] . روى الطبراني، عن أبي داود المازني، وكان من أهل بدر، قال: خرجنا مع رسول الله- ﷺ فدخل مسجد ذي الحليفة، فصلّى فيه أربع ركعات، ثم أهلّ في المسجد فسمعه الذين كانوا في المسجد فقالوا أهل من المسجد، وأهل حين ركب راحلته، فقال الذين عند المسجد أهلّ حين استوت به راحلته، ثم لما استوى على البيداء أهلّ فسمعه الذين على البيداء فقالوا أهلّ من البيداء وصدقوا كلهم» [ (٢) ] . وقيل: أهلّ حين استوت به راحلته- ﷺ . وروى الستة، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: بات رسول الله- ﷺ بذي الحليفة حتى أصبح، فلما زالت راحلته واستوت به أهلّ [ (٣) ] . وروى البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «فأصبح رسول الله- ﷺ بذي الحليفة، وركب راحلته حتى استوى على البيداء [أهلّ] هو وأصحابه» ورواه الإمام أحمد من طريق آخر نحوه [ (٤) ] . وروى مسلم من طريق زين العابدين بن علي بن الحسين، والبخاري من طريق عطاء، كلاهما عن جابر- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ أهلّ حين استوت به راحلته» . وروى الشيخان من طريق عبيد بن جريج، عن ابن عمر قال: «أما الإهلال فإني لم أر رسول الله- ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته» [ (٥) ] . وروى مسلم، من طريق موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر قال: «بيداؤكم التي تكذبون فيها ما أهل رسول الله- ﷺ إلا من عند الشجرة، حين قام به بعيره» [ (٦) ] . وروى الإمام أحمد، من طريق أبي حسان: مسلم بن عبد الله البصري الأعرج، والبخاري من طريق كريب، كلاهما عن ابن عباس قال: «لما أصبح رسول الله- ﷺ بذي

стр. 3701

الحليفة ودعا براحلته فلما استوت على البيداء أهلّ بالحج» [ (١) ] . وروى الشيخان، عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله- ﷺ أهل حين استوت به راحلته» . قال ابن كثير: وهذه الرواية المثبتة المفسرة أنه أهلّ حين استوت به راحلته عن ابن عمر مقدمة على الأخرى لاحتمال أنه أراد أنه أحرم من عند المسجد حين استوت به راحلته، وتكون رواية ركوبه الراحلة فيها زيادة علم على الأخرى، ورواية أنس وجابر وكذا رواية ابن عباس التي في الصحيح سالمات من المعارض، قال: وهذه الطرق كلها دالة على القطع أو الظن الغالب أنه- ﷺ أحرم بعد الصلاة وبعد ما ركب راحلته وابتدأت به السير، زاد ابن عمر. وهي مستقبلة القبلة. قال: وما في الصحيح عن ابن عباس أن رسول الله- ﷺ أهل حين استوت به راحلته أصح وأثبت، من رواية خصيف الحروري، عن سعيد بن جبير. قلت: وجعل أبو جعفر الطحاوي والحافظ حديث ابن عباس هذا جامعا بين الأقوال، وأورده ابن القيم ساكتا عليه. ذكر الاختلاف فيما أهل به- ﷺ -: اختلف في ذلك على أربعة أقوال: الأول: الإفراد بالحج. روى الإمامان: الشافعي وأحمد، والشيخان والنسائي عن عائشة وأحمد، ومسلم، وابن ماجه، والبيهقي عن جابر بن عبد الله، وأحمد، ومسلم، والبزار، عن عبد الله بن عمر، ومسلم، والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عباس «أنه- ﷺ أهل بالحج مفردا» [ (٢) ] . الثاني: القرآن. روى الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة والبيهقي عن عمر بن الخطاب وأحمد عن عثمان وأحمد والبخاري، وابن حبان، عن علي، وأحمد، والنسائي، والشيخان، والبزار، والبيهقي، عن أنس، والترمذي، وابن ماجة، والبزار، والدارقطني، والبيهقي، عن جابر بن عبد الله، والإمام أحمد، وابن ماجة، عن أبي طلحة: زيد بن سهل الأنصاري- رضي الله تعالى عنه- وأحمد، عن سراقة بن مالك، والإمامان: مالك، وأحمد،

стр. 3702

والترمذي وصححه، والنسائي عن سعد بن أبي وقاص، والطبراني، عن عبد الله بن أبي أوفى والإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس، وأحمد ومسلم، والنسائي، والدارقطني، عن الهرماس بن زياد، وأبو يعلى، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأحمد، والشيخان، عن ابن عمرو، وأحمد، عن عمران بن حصين، والدارقطني، عن أبي قتادة، والترمذي- وحسنه- عن جابر بن عبد الله، وأحمد، عن حفصة، والشيخان، والبيهقي، عن عائشة- رضي الله تعالى عنهم- «أن رسول الله- ﷺ كان قارنا» [ (١) ] . الثالث: التمتع. روى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، عن ابن عمر قال: تمتع رسول الله- ﷺ في حجة الوداع بالعمرة، إلى الحج، وأهدى، فساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله- ﷺ فأهلّ بالعمرة، ثم أهل بالحج. الحديث [ (٢) ] . وروى الشيخان، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- عن رسول الله- ﷺ في تمتعه بالعمرة إلى الحج: وتمتع الناس معه [ (٣) ] . وروى مسلم، عن عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- قال: «تمتع رسول الله- ﷺ وتمتعنا معه» . وروى مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «قال رسول الله- ﷺ «هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحلّ كلّه، فإنّ العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة» [ (٤) ] . وروى البخاري، عن حفصة- رضي الله تعالى عنها- أنها قالت يا رسول الله: ما شأن الناس حلّوا بعمرة؟ ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: «إني لبدت رأسي، وقلّدت هديي فلا أحل حتى أنحر» [ (٥) ] .

стр. 3703

وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «تمتع رسول الله- ﷺ وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأول من نهى عنه معاوية» [ (١) ] . وروى الشيخان، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- عن معاوية- رضي الله تعالى عنه- قال: «قصرت عن رسول الله- ﷺ بمشقص» ، زاد مسلم، فقلت: «لا أعلم هذه إلا حجّة عليك» [ (٢) ] . وروى النسائي، عن عطاء، عن معاوية قال: «أخذت من أطراف شعر رسول الله- ﷺ بمشقص كان معي، بعد ما طاف بالبيت وبالصفا والمروة، في أيام العشر» [ (٣) ] . قال قيس بن سعد الراوي، عن عطاء: «والناس ينكرون هذا على معاوية» [ (٤) ] . وروى البخاري عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «اعتمر رسول الله- ﷺ قبل أن يحج» . الرابع: - الإطلاق. روى الشيخان، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: خرجنا مع رسول الله- ﷺ لا نذكر حجّا ولا عمرة وفي لفظ «نلبيّ لا نذكر حجّا ولا عمرة» ، وفي لفظ «خرجنا مع رسول الله- ﷺ لا نرى إلا الحج. حتى إذا دنونا من مكة، أمر رسول الله- ﷺ من لم يكن معه هدي إذا طاف بين الصّفا والمروة، أن يحل» [ (٥) ] . قال الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- أخبرنا سفيان، أخبرنا ابن طاوس [ (٦) ] ، وإبراهيم ابن ميسرة، وهشام بن حجير [ (٧) ] سمعوا طاوسا يقول: «خرج رسول الله- ﷺ من المدينة لا يسمي حجا ولا عمرة، ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهلّ ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة الحديث» [ (٨) ] ويأتي الكلام عليه في التنبيهات.

стр. 3704

فهذه أربعة أقوال: «الإفراد، والقران، والتمتع، والإطلاق، ورجحا أنه- ﷺ كان قارنا، ورجحه المحب الطبري، والحافظ، وغيرهم، ويأتي تحقيقه بعد تمام القصة، قال: أهلّ في مصلاه، ثم ركب ناقته، فأهلّ أيضا، ثم أهلّ لما استقلت به على البيداء وكان يهلّ بالحج والعمرة تارة، وبالعمرة تارة، وبالحج تارة لأن العمرة جزء منه، فمن ثمّ قيل: قرن. وقيل: تمتع، وقيل: أفرد، وكل ذلك وقع بعد صلاة الظهر، خلافا لابن حزم، وصاحب الاطلاع، قال النووي، والحافظ: وطريق الجمع بين الأحاديث وهو الصحيح: أنه- ﷺ كان أولا مفردا بالحج، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلها على الحج فصار: قارنا، فمن روى الإفراد هو الأصل، ومن روى القران اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع والارتفاق. ذكر لفظ تلبيته [ ﷺ ثم] : لبّى- ﷺ فقال: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك» ، ورفع صوته بالتلبية حتى سمعها أصحابه، قلت: وروى البزار، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كانت تلبية رسول الله- ﷺ «لبّيك حجّا حقّا تعبّدا ورقّا» [ (١) ] . وروى الطبراني- بسند حسن- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ وقف بعرفات فلما قال: «لبيك اللهم لبيك» قال: «إنّما الخير خير الآخرة» [ (٢) ] وعند الإمام أحمد، والنسائي، والبيهقي عن أبي هريرة «أن النبي- ﷺ قال في تلبيته: «لبّيك إله الحقّ لبّيك» [ (٣) ] . وروى الطبراني، عن خزيمة بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- «كان رسول الله- ﷺ إذا فرغ من تلبيته، سأل الله مغفرته ورضوانه واستعتقه من النار» [ (٤) ] . وأمرهم بأمر الله- تعالى- بأن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج. وأمره جبريل- ﵊ «أن يعلن بالتلبية» ، وروى الإمام أحمد، عن السائب بن خلاد أن رسول الله- ﷺ قال: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا

стр. 3705

أصواتهم بالتّلبية» ، وقال: «يا محمد كن عجاجا ثجاجا» [ (١) ] ، «رواه الطبراني وغيره» . قلت: جاء جبريل وأهلّ الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد- ﷺ شيئا منه، ولزم- ﷺ تلبيته» ، رواه مسلم، وعند أبي داود، والناس يزيدون «ذا المعارج» ونحوه من الكلام. والنبي- ﷺ يسمع، فلا يقول لهم شيئاً، ثم إنه- ﷺ خيّرهم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة. ثم ندبهم عند دنوّهم من مكة إلى فسخ الحج، والقران إلى العمرة، لمن لم يكن معه هدي، ثم حتّم ذلك عليهم عند المروة، ثم سأل رسول الله- ﷺ وهو يلبّي تلبيته المذكورة، والناس معه يزيدون فيها، وينقصون، وهو يقرهم، ولا ينكر عليهم، ولزم تلبيته. ذكر مسيره- ﷺ -: من قال إهلاله ومروره بالروحاء، ثم الأثاية قلت: قال ابن سعد: ومضى- ﷺ يسير المنازل ويؤم أصحابه في الصّلوات في مساجد له، قد بناها الناس وعرفوا مواضعها. والله تعالى أعلم. ثم سار رسول الله- ﷺ . وهو يلبي تلبيته المذكورة، فلما كان بالرّوحاء رأى حمارا وحشيا عقيرا، قال: «دعوه يوشك أن يأتي صاحبه» ، فجاء صاحبه إلى رسول الله- ﷺ قلت: هو رجل من بهز، واسمه الله تعالى أعلم فقال رسول الله- ﷺ «شأنكم بهذا الحمار» ، فأمر رسول الله- ﷺ أبا بكر فقسمه بين الرفاق، ثم مضى رسول الله- ﷺ حتى كان بالأثاية بين الرّويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل وفيه سهم، فأمر رجلا- قلت هو أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- كما رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن طلحة بن عبيد الله، والله تعالى أعلم- فأمره أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوه [ (٢) ] ، قال: والفرق بين قصة الظبي، وقصة الحمار: أن الذي صاد الحمار كان حلالا، فلم يمنع من أكله، وهذا لم يعلم أنه حلال، وهم محرمون، فلم يأذن لهم في أكله، ووكّل من يقف عنده لئلا يأخذه أحد حتى يجاوزوه. ذكر نزوله- ﷺ بالعرج: وضياع زاملته التي بينه وبين أبي بكر، ثم سار- ﷺ حتى إذا نزل بالعرج، وكانت زاملته وزاملة أبي بكر واحدة، وكانت مع غلام لأبي بكر، فجلس رسول الله- ﷺ وأبو بكر

стр. 3706

إلى جانبه وعائشة إلى جانبه الآخر، وأسماء بنت أبي بكر إلى جانبه وأبو بكر ينتظر الغلام أن يطلع عليه فطلع وليس معه البعير، فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة، فقال أبو بكر- وكان فيه حدة: بعير واحد تضلّه، فطفق يضرب الغلام بالسوط، ورسول الله- ﷺ يتبسم ويقول: «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع؟» ، وما يزيد رسول الله- ﷺ على أن يقول ذلك ويتبسم، ترجم أبو داود على هذه القصة «باب المحرم يؤدب» [ (١) ] . قلت سبق أن رسول الله- ﷺ حجّ على رحل، وكانت زاملة، قال المحب الطبري: فيحتمل إن يكون بعض الزاملة عليها، وبعض الزاملة مع زاملة أبي بكر- رضي الله تعالى عنه- ولما بلغ آل فضالة الأسلمي، أن زاملة رسول الله- ﷺ ضلت حملوا له جفنة من حيس فأقبلوا بها حتى وضعوها بين يدي رسول الله- ﷺ فجعل رسول الله- ﷺ يقول: «هلم يا أبا بكر، فقد جاء الله تعالى بغذاء أطيب، وجعل أبو بكر يغتاظ على الغلام، فقال له رسول الله- ﷺ «هوّن عليك يا أبا بكر، فإن الأمر ليس إليك، ولا إلينا معك، وقد كان الغلام حريصا على ألا يضل بعيره، وهذا خلف مما كان معه» ، ثم أكل رسول الله- ﷺ وأهله، وأبو بكر ومن كان معه يأكل حتى شبعوا، فقال فأقبل صفوان بن المعطل- رضي الله تعالى عنه- وكان على ساقة الناس، والبعير معه، وعليه الزاملة، فجاء حتى أناخ على باب منزل رسول الله- ﷺ فقال رسول الله- ﷺ لأبي بكر: «متاعك؟» ، فقال: «ما فقدت شيئا إلا قعبا كنا نشرب فيه، فقال الغلام: هذا القعب معي» فقال أبو بكر لصفوان: أدّى الله عنك الأمانة. وجاء سعد بن عبادة، وابنه قيس- رضي الله تعالى عنهما- ومعهما زاملة تحمل زادا يؤمّان رسول الله- ﷺ فوجدا رسول الله- ﷺ واقفا بباب منزله، قد رد الله- عليه زاملته، فقال سعد يا رسول الله: بلغنا أن زاملتك ضلت الغداة، وهذه زاملة مكانها، فقال رسول الله- ﷺ : «قد جاء الله بزاملتنا، فارجعا بزاملتكما بارك الله فيكما» . ذكر مروره- ﷺ بالأبواء: وإهداء الصعب بن جثامة له- ثم مضى رسول الله حتى إذا كان بالأبواء أهدى له الصعب بن جثامة حمار وحش، وفي رواية «عجز حمار وحش» وفي رواية «لحم حمار وحش، يقطر دما» ، وفي رواية «شق حمار وحشي» ، وفي رواية «رجل حمار وحش فرده» وقال: «إنا لم نردّه عليك إلا أنّا حرّم» [ (٢) ] .

стр. 3707

ذكر مروره- ﷺ بوادي عسفان: فلما مر رسول الله- ﷺ بوادي عسفان، قال: «يا أبا بكر أيّ واد هذا؟» قال: «وادي عسفان» ، قال: «لقد مرّ به هود، وصالح، على بكرين أحمرين خطمهما ليف، وأزرهم العباء، وأرديتهم النماز يلبون، يحجون البيت العتيق [ (١) ] . ذكر مروره- ﷺ بسرف: قلت: قال ابن سعد: وكان يوم الاثنين بمر الظهران فغربت له الشمس بسرف. فلما كان- ﷺ بسرف حاضت عائشة وقد كانت أهلت بعمرة، فدخل عليها رسول الله- ﷺ وهي تبكي، فقال: «ما يبكيك؟ لعلك نفست؟» قالت: نعم، قال: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» . وقال- ﷺ لما كان بسرف لأصحابه: «من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا» . قال ابن القيم: وهذا رتبة أخرى فوق رتبة التخيير عند الميقات، فلما كان بمكة، أمر أمرا حتما من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، ويحل من إحرامه، ومن معه هدي أن يقيم على إحرامه، ولم ينسخ ذلك شيء البتة بل سأله سراقة بن مالك، عن هذه العمرة التي أمرهم بالفسخ إليها هل هي لعامهم ذلك أم للأبد؟ فقال: «بل للأبد، وإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة» . وقد روي عنه- ﷺ الأمر بفسخ الحج إلى العمرة أربعة عشر من الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- وأحاديثهم صحاح، وسرد أسماءهم، والدليل على صحة مذهبه في نحو عشر ورقات وسيأتي التحقيق فيه بعد تمام القصة. ذكر نزوله- ﷺ بذي طوى، ودخوله مكة، وطوافه وسعيه: ثم نهض رسول الله- ﷺ إلى أن نزل بذي طوى، وهي المعروفة اليوم بآبار الزاهر، فبات بها ليلة الأحد، لأربع خلون من ذي الحجة، وصلّى بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، ونهض إلى مكة من أعلاها من الثنية العليا، التي تشرف على الحجون وكان في العمرة يدخل من أسفلها وفي الحج دخل من أعلاها وخرج من أسفلها، ثم سار حتى دخل المسجد ضحى. وروى الطبراني عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «دخل رسول الله- ﷺ

стр. 3708

ودخلنا معه من باب عبد مناف، وهو الذي تسميه الناس: «باب بني شيبة» - رجاله رجال الصحيح إلا مروان بن أبي مروان، قال السليماني: فيه نظر» [ (١) ] . وروى البيهقي: وخرج من باب بني مخزوم [إلى الصفا] فلما نظر إلى البيت، واستقبله ورفع يديه وكبر، وقال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا، وتعظيما، وتكريما، ومهابة، وزد من عظّمه، ممن حجه أو اعتمره، تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا» [ (٢) ] . وروى الطبراني، عن حذيفة بن أسيد، أن رسول الله- ﷺ كان إذا نظر إلى البيت قال: «اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما وبرا ومهابة» [ (٣) ] . فلما دخل رسول الله- ﷺ المسجد عمد إلى البيت، ولم يركع تحية المسجد، فإن تحية المسجد الحرام الطواف. وكان طوافه- ﷺ في هذه المرة ماشيا فقد روى البيهقي- بإسناد جيد- كما قال ابن كثير عن جابر بن عبد الله قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأتى النبي- ﷺ باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثا، ومشى أربعا، حتى فرغ قبّل الحجر، ووضع يديه عليه، ومسح بهما وجهه» [ (٤) ] . وأما ما رواه مسلم، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «طاف رسول الله- ﷺ على بعيره يستلم الركن كراهة أن يضرب عنه الناس» ، وما رواه أبو داود، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: قدم رسول الله- ﷺ مكة يشتكي فطاف على راحلته وكلما أتى الركن استلم بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلّى ركعتين [ (٥) ] . وقول أبي الطفيل- رضي الله تعالى عنه- «يطوف حول البيت على بعير يستلم الركن بمحجن» رواه البيهقي [ (٦) ] . قال: طاف رسول الله- ﷺ في حجته بالبيت على ناقته الجدعاء، وعبد الله ابن أم مكتوم آخذ بخطامها يرتجز فقالا، واللفظ لابن كثير، إن حجة الوداع كان فيها ثلاثة أطواف، هذا الأول، والثاني طواف الإفاضة، وهو طواف الفرض وكان يوم النحر. والثالث: طواف

стр. 3709

الوداع فلعل ركوبه- ﷺ كان في أحد الأخيرين، أو في كليهما، فأما الأول: وهو طواف القدوم فكان ماشيا فيه، وقد نص على هذا الإمام الشافعي- رضي الله تعالى عنه- والدليل على ذلك ما رواه البيهقي بإسناد جيد، عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأتى النبي- ﷺ باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثمن رمل ثلاثا، ومشى أربعا، حتى فرغ يقبل الحجر، ووضع يديه عليه ومسح بهما وجهه» . قال ابن القيم: وحديث ابن عباس إن كان محفوظا فهي في إحدى عمره، وإلا فقد صح عنه: الرمل في الثلاثة الأول من طواف القدوم، إلا أن يقول كما قال ابن حزم في السعي: إنه رمل على بعيره، فقد رمل لكن ليس في شيء من الأحاديث أنه كان راكبا في طواف القدوم. فلما حاذى- ﷺ الحجر الأول استلمه، ولم يزاحم عليه قلت: وقال لعمر: «يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر تؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلّل وكبّر» رواه الإمام أحمد وغيره والله تعالى أعلم [ (١) ] . قال: ولم يتقدم عنه إلى جهة الركن اليماني، ولم يرفع يديه، ولم يقل: نويت بطوافي هذا الأسبوع، كذا وكذا ولا افتتحه بالتكبير، كما يكبر للصلاة كما يفعله من لا علم عنده، بل هو من البدع المنكرات، ولا حاذى الحجر الأسود بجميع يديه، ثم انفتل عنه وجعله على شقه، بل واستقبله، واستلمه، ثم أخذ على يمينه وجعل البيت على يساره ولم يدع عند الباب بدعاء، ولا تحت الميزاب، ولا عند ظهر الكعبة وأركانها ولا وقت الطواف ذكرا معينا، لا بفعله ولا تعليمه، بل حفظ عنه بين الركنين رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ. قلت: وروى ابن سعد، عن عبد الله بن السائب- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ يقول بين الركنين: اليماني، والحجر الأسود رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ [ (٢) ] . ورمل- ﷺ في طوافه هذا الثلاثة الأشواط، الأول قلت: «من الحجر إلى الحجر» رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى [ (٣) ] .

стр. 3710

وكان يسرع مشيه، ويقارب بين خطاه واضطبع بردائه فجعله على أحد كتفيه، وأبدى كتفه الآخر، ومنكبه، وكلما حاذى الحجر الأسود أشار إليه واستلمه بمحجنه وقبّل المحجن، وهو عصا محنيّة الرأس. وثبت عنه: أنه استلم الركن اليماني، ولم يثبت عنه أنه قبّله، ولا قبّل يده حين استلامه. وقول ابن عباس كان رسول الله- ﷺ يقبّل الركن اليماني، ويضع خدّه عليه، رواه الدارقطني، من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز. قال ابن القيم: «المراد بالركن اليماني ها هنا الحجر الأسود، فإنه يسمى الركن اليماني مع الركن الآخر يقال لهما: اليمانيان، ويقال له مع الركن الذي يلي الحجر من ناحية الباب العراقيان، ويقال للركنين اللذين يليان الحجر الشاميان، ويقال للركن اليماني، والذي يلي الحجر من ظهر الكعبة الغربيان، ولكن ثبت عنه أنه قبل الحجر الأسود، وثبت عنه أنه استلمه بيده، فوضع يده عليه ثم قبّلها. وثبت عنه: أنه استلمه بمحجنه، فهذه ثلاث صفات. وروي عنه «أنه وضع شفته عليه طويلا يبكي» . وروى الطبراني بإسناد جيد أنه- ﷺ كان إذا استلم الركن اليماني قال: بسم الله، والله أكبر، وكان كلما أتى الحجر الأسود، قال: «الله أكبر» . وروى أبو داود الطيالسي، عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله قبّل الركن، ثم سجد عليه، ثم قبله، ثم سجد عليه، ثلاث مرات، ولم يمس من الركنين إلا اليمانيين فقط. قلت: «واستسقى رسول الله- ﷺ وهو في طوافه» . رواه الطبراني، عن العباس، وفي سنده رجل لم يسم، والله تعالى أعلم [ (١) ] . فلما فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام، فقرأ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى فصلى ركعتين- والمقام بينه وبين البيت- قرأ فيهما بعد الفاتحة: بسورة الإخلاص، وقراءته الآية المذكورة. قلت في حديث جابر: «أنه قرأ فيهما قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ والله تعالى أعلم. فلما فرغ من صلاته أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه ثم خرج إلى الصفا من الباب الذي يقابله، فلما دنا منه قرأ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أبدأ بما بدأ الله به» . وفي رواية النسائي: «ابدأوا» على الأمر ثم رقى عليه حتى إذا رأى البيت فاستقبل

стр. 3711

البيت فوحّد الله- تعالى- وكبره وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ، ثم دعا بين ذلك، قال مثل ذلك ثلاث مرات» . وقام ابن مسعود على الصدع، وهو: الشق الذي في الصفا، فقيل له ها هنا يا أبا عبد الرحمن، قال: هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، ثم نزل إلى المروة يمشي، فلما انصبّت قدماه في بطن الوادي سعي حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشى كذا في حديث جابر عند الإمام أحمد ومسلم من طريق جعفر بن محمد [ (١) ] . قالا: لكن روى الإمام أحمد، ومسلم عن محمد بن بكر، والنسائي عن شعيب بن إسحاق ومسلم عن علي بن شهر وعيسى بن يونس كلهم عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله- ﷺ طاف في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة ليراه الناس. قلت وبكونه سعى راكبا جزم ابن حزم. وظاهر الأحاديث عن جابر وغيره، يقتضي أنه مشى خصوصا قوله فلما انصبّت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى. وجزم ابن حزم: بأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه أيضا مع سائر جسده. قال ابن كثير وهذا بعيد جدا. قالا: وفي الجمع بينهما وجه أحسن من هذا وهو: أنّه سعى ماشيا أولا، ثم أتم سعيه راكبا، وقد جاء ذلك مصرحا به، ففي صحيح مسلم، عن أبي الطفيل، قال قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال: «صدقوا وكذبوا» ، قال: قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا قال: إن رسول الله- ﷺ كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، حتى خرج عليه العواتق من البيوت قال: وكان رسول الله- ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، قال: فلما كثر عليه الناس ركب، والمشي أفضل. قلت: «وفي حديث يعلى بن أمية عند الإمام أحمد أنه رأى رسول الله- ﷺ مضطبعا بين الصفا والمروة ببرد نجراني» [ (٢) ] . وروى النسائي والطبراني برجال الصحيح، عن أم ولد شيبة بن عثمان «أنها أبصرت رسول الله- ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول: «لا يقطع الأبطح إلا شدّا» [ (٣) ] .

стр. 3712

وروى البيهقي، عن قدامة بن عمار، قال: «رأيت رسول الله- ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة على بعير، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك» [ (١) ] . وروى عبد الله ابن الإمام أحمد، والبزار- برجال ثقات- عن علي- رضي الله تعالى عنه- «أنه رأى رسول الله- ﷺ كاشفا عن ثوبه حتى بلغ ركبتيه» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، والطبراني، عن حبيبة بنت أبي تجراة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «رأيت رسول الله- ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السّعي، يدور به إزاره وهو يقول: «اسعوا فإن الله- كتب عليكم السعي» وفي الكبير قال: «ولقد رأيته من شدة السعي يدور الإزار حول بطنه وفخذيه حتى رأيت بياض فخذيه» [ (٣) ] . قلت: وفي حديث ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أنه- ﷺ كان إذا سعى في بطن المسيل، قال: «اللهم اغفر وارحم، وأنت الأعز الأكرم» رواه الطبراني [ (٤) ] . وفي حديث ابن علقمة، عن عمه «أنه- ﷺ كان إذا جاء مكانا من دار يعلى- نسبه عبيد الله- استقبل البيت ودعا» . رواه الإمام أحمد وأبو داود إلا أنه قال: عن أمّه والله تعالى أعلم [ (٥) ] . قال ابن حزم وطاف رسول الله- ﷺ راكبا على بعير يخبّ ثلاثا ويمشي أربعا. قالا: وكونه خب ثلاثة أشواط بين الصفا والمروة، ومشى أربعا لم يتابع على هذا القول، ولم يتفوه به أحد قبله، وإنما هذا في الطواف بالبيت. وكان- ﷺ إذا وصل إلى المروة رقي عليها واستقبل البيت وكبر الله ووحدّه وفعل كما فعل على الصفا، فلما أكمل سعيه عند المروة أمر كلّ من لا هدي معه أن يحل حتما ولا بد قارنا كان أو مفردا، وأمرهم أن يحلّوا الحلّ كله، من وطء النساء، والطيب ولبس المخيط، وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية، ولم يحل هو من أجل هديه، فحلّ الناس كلهم إلا النبي- ﷺ ومن كان معه هدي، ومنهم أبو بكر وعمر، وطلحة والزبير، قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» ، وهناك سأله سراقة بن مالك بن

стр. 3713

جشم وهو في أسفل الوادي، لمّا أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة والإحلال، يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبّك رسول الله- ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى فقال: «لا» ، ثلاث مرات، ثم قال: «دخلت العمرة في الحج مرتين أو ثلاثا إلى الأبد» بل الأبد فحل الناس كلهم إلا النبي- ﷺ ومن كان معه هدي. قلت: وأمره- ﷺ من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة، رواه عنه خلائق من الصحابة. وقد اختلف العلماء في ذلك. فقال مالك، والشافعي، كان ذلك من خصائص الصحابة، ثم نسخ جواز الفسخ كغيرهم، وتمسكوا بما رواه مسلم، عن أبي ذر لم يكن فسخ الحج إلى العمرة إلا إلى أصحاب محمد- ﷺ . وأما الإمام أحمد فرد ذلك وجوّز الفسخ لغير الصحابة. وهناك دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا، وللمقصرين مرة. فأما نساؤه فأحللن وكن قارنات إلا عائشة فإنها لم تحل من أجل تعذر الحل عليها بحيضتها، وفاطمة حلت، لأنها لم يكن معها هدي، وعلي لم يحلّ من أجل هديه، وأمر من أهلّ بإهلال كإهلاله- ﷺ أن يقيم على إحرامه، إن كان معه هدي، وأن يحل من لم يكن معه هدي. قلت: ورواه الطبراني- برجال ثقات- والله تعالى أعلم. وسار رسول الله- ﷺ قبل يوم التروية بيوم، فقلنا غدا إن شاء الله تعالى بالخيف حيث استقسم المشركون، ثم سار رسول الله- ﷺ والناس معه حتى نزل الأبطح شرقي مكة في قبة حمراء من أدم ضربت له هناك، وهناك كما قال ابن كثير- قدم عليّ من اليمن ببدن رسول الله- ﷺ محرّشا لفاطمة فقال رسول الله- ﷺ «صدقت» ثلاثا «أنا أمرتها، يا عليّ بم أهللت؟» ، قال: قلت: اللهم إني أهلّ بما أهلّ به رسولك قال: ومعي هدي قال: «فلا تحل» ، فكان جملة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي ساقه رسول الله- ﷺ من المدينة مائة بدنة، وكان يصلي مدة مقامه هنا إلى يوم التروية بمنزلة الذي هو نازل فيه بالمسلمين بظاهر مكة، فأقام بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة. الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء. قلت: ولم يعد إلى الكعبة كما في الصحيح عن ابن عباس. وفي حديث أبي جحيفة عند الإمام أحمد، والشيخين، أنه أتى رسول الله- ﷺ بالأبطح وهو في قبة له حمراء فخرج بلال بفضل وضوئه فمن ناضح ومن نائل، قال: فأذّن بلال، فكنت أتتّبع فاه ها هنا وها هنا- يعني يمينا وشمالا- ثم خرج بلال بالعنزة بين يديه،

стр. 3714

فخرج رسول الله- ﷺ وعليه حلة حمراء، فكأني أنظر إلى بريق ساقيه، فصلى بنا الظهر والعصر ركعتين ركعتين تمرّ المرأة والكلب والحمار من وراء العنزة، فقام الناس فجعلوا يأخذون بيده فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت يديه فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب ريحا من المسك، والله تعالى أعلم. قلت: قال ابن سعد: فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب بمكة بعد الظهر فلما كان يوم الخميس ضحى توجه بمن معه من المسلمين إلى منى فأحرم بالحج من كان أحلّ منهم في رحالهم، ولم يدخلوا المسجد فأحرموا منه، بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم فلما وصل إلى منى نزل بها فصلى بها الظهر والعصر، وبات بها، وكانت ليلة الجمعة، فلما طلعت الشمس ساروا منها إلى عرفة وأخذ على طريق ضب على يمين طريق الناس اليوم، وكان من الصحابة الملبّي والمكبّر، وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء. قلت: وفي حديث ابن عباس قال: غدا رسول الله- ﷺ يوم عرفة من منى، فلما انبعثت به راحلته وعليها قطيفة قد اشتريت بأربعة دراهم، قال: «اللهم اجعله حجا مبرورا، لا رياء فيه ولا سمعة» رواه الطبراني بسند جيد. وفي حديث جابر ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فسار رسول الله- ﷺ حتى أتى نمرة، فوجد القبّة قد ضربت له هناك بأمره فنزل فيها، حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي من أرض عرفة. قال ابن سعد: فوقف بالهضبات من عرفات وقال: «كلّ عرفة موقف إلا بطن عرنة» أي بالنون قال ابن تيمية وهو يعني بطن عرنة وادي من حدود عرفة. فخطب الناس قبل الصلاة على راحلته خطبة عظيمة. قلت وهو قائم في الركابين- كما عند أبي داود- عن العدّاء بن خالد-[ (١) ] رضي الله تعالى عنه-. ونص الخطبة بعد الحمد لله، والثناء عليه، «أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلّغت، فمن كانت عنده أمانة فليردها لمن ائتمنه عليها، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدميّ، وإن أول دمائكم أضع، وفي رواية: وإن أول

стр. 3715

دم أضع من دمائنا دم ربيعة، وفي رواية: دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني سعد بن بكر فقتلته هذيل [ (١) ] . وعند ابن إسحاق، والنسائي، في بني ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية، وإن كل ربا موضوع، ولكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا، وإن أول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله. أما بعد أيها الناس الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ولكنه إن يطمع فيما سوى ذلك فقد رضي بما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم أيها الناس إن النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً، وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السّنة اثنا عشر شهرا، وفي رواية «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثلاثة متوالية: ذي القعدة وذي الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» . «أما بعد أيها الناس: اتقوا الله واستوصوا بالنساء خيرا، فإنّهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهم شيئا وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله» . وفي رواية «بكتاب الله، ولكم عليهن حق، ولهن عليكم حق، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. فاعقلوا أيها الناس قولي- فإني قد بلغت- وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي أبدا- إن اعتصمتم به- أمرين، وفي رواية أمرا بينا كتاب الله وسنة نبيه- ﷺ . أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ لمسلم، وفي رواية: أخو المسلم وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، فلا تظلمن أنفسكم واعلموا أن القلوب لا تغل على ثلاث: إخلاص العمل لله ومناصحة أولي الأمر، وعلى لزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، ومن تكن الدنيا نيّته يجعل الله فقره بين عينيه ويشتت عليه ضيعته، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له، ومن تكن الآخرة نيّته يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه ضيعته وتأتيه الدنيا وهي راغمة، فرحم الله امرأ سمع مقالتي حتى يبلغه غيره، ورب حامل فقه وليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه،
следующие страницы →