← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

البيت فوحّد الله- تعالى- وكبره وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ، ثم دعا بين ذلك، قال مثل ذلك ثلاث مرات» . وقام ابن مسعود على الصدع، وهو: الشق الذي في الصفا، فقيل له ها هنا يا أبا عبد الرحمن، قال: هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، ثم نزل إلى المروة يمشي، فلما انصبّت قدماه في بطن الوادي سعي حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشى كذا في حديث جابر عند الإمام أحمد ومسلم من طريق جعفر بن محمد [ (١) ] . قالا: لكن روى الإمام أحمد، ومسلم عن محمد بن بكر، والنسائي عن شعيب بن إسحاق ومسلم عن علي بن شهر وعيسى بن يونس كلهم عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله- ﷺ طاف في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة ليراه الناس. قلت وبكونه سعى راكبا جزم ابن حزم. وظاهر الأحاديث عن جابر وغيره، يقتضي أنه مشى خصوصا قوله فلما انصبّت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى. وجزم ابن حزم: بأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه أيضا مع سائر جسده. قال ابن كثير وهذا بعيد جدا. قالا: وفي الجمع بينهما وجه أحسن من هذا وهو: أنّه سعى ماشيا أولا، ثم أتم سعيه راكبا، وقد جاء ذلك مصرحا به، ففي صحيح مسلم، عن أبي الطفيل، قال قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال: «صدقوا وكذبوا» ، قال: قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا قال: إن رسول الله- ﷺ كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، حتى خرج عليه العواتق من البيوت قال: وكان رسول الله- ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، قال: فلما كثر عليه الناس ركب، والمشي أفضل. قلت: «وفي حديث يعلى بن أمية عند الإمام أحمد أنه رأى رسول الله- ﷺ مضطبعا بين الصفا والمروة ببرد نجراني» [ (٢) ] . وروى النسائي والطبراني برجال الصحيح، عن أم ولد شيبة بن عثمان «أنها أبصرت رسول الله- ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول: «لا يقطع الأبطح إلا شدّا» [ (٣) ] .

стр. 3712

وروى البيهقي، عن قدامة بن عمار، قال: «رأيت رسول الله- ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة على بعير، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك» [ (١) ] . وروى عبد الله ابن الإمام أحمد، والبزار- برجال ثقات- عن علي- رضي الله تعالى عنه- «أنه رأى رسول الله- ﷺ كاشفا عن ثوبه حتى بلغ ركبتيه» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، والطبراني، عن حبيبة بنت أبي تجراة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «رأيت رسول الله- ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السّعي، يدور به إزاره وهو يقول: «اسعوا فإن الله- كتب عليكم السعي» وفي الكبير قال: «ولقد رأيته من شدة السعي يدور الإزار حول بطنه وفخذيه حتى رأيت بياض فخذيه» [ (٣) ] . قلت: وفي حديث ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أنه- ﷺ كان إذا سعى في بطن المسيل، قال: «اللهم اغفر وارحم، وأنت الأعز الأكرم» رواه الطبراني [ (٤) ] . وفي حديث ابن علقمة، عن عمه «أنه- ﷺ كان إذا جاء مكانا من دار يعلى- نسبه عبيد الله- استقبل البيت ودعا» . رواه الإمام أحمد وأبو داود إلا أنه قال: عن أمّه والله تعالى أعلم [ (٥) ] . قال ابن حزم وطاف رسول الله- ﷺ راكبا على بعير يخبّ ثلاثا ويمشي أربعا. قالا: وكونه خب ثلاثة أشواط بين الصفا والمروة، ومشى أربعا لم يتابع على هذا القول، ولم يتفوه به أحد قبله، وإنما هذا في الطواف بالبيت. وكان- ﷺ إذا وصل إلى المروة رقي عليها واستقبل البيت وكبر الله ووحدّه وفعل كما فعل على الصفا، فلما أكمل سعيه عند المروة أمر كلّ من لا هدي معه أن يحل حتما ولا بد قارنا كان أو مفردا، وأمرهم أن يحلّوا الحلّ كله، من وطء النساء، والطيب ولبس المخيط، وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية، ولم يحل هو من أجل هديه، فحلّ الناس كلهم إلا النبي- ﷺ ومن كان معه هدي، ومنهم أبو بكر وعمر، وطلحة والزبير، قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» ، وهناك سأله سراقة بن مالك بن

стр. 3713

جشم وهو في أسفل الوادي، لمّا أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة والإحلال، يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبّك رسول الله- ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى فقال: «لا» ، ثلاث مرات، ثم قال: «دخلت العمرة في الحج مرتين أو ثلاثا إلى الأبد» بل الأبد فحل الناس كلهم إلا النبي- ﷺ ومن كان معه هدي. قلت: وأمره- ﷺ من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة، رواه عنه خلائق من الصحابة. وقد اختلف العلماء في ذلك. فقال مالك، والشافعي، كان ذلك من خصائص الصحابة، ثم نسخ جواز الفسخ كغيرهم، وتمسكوا بما رواه مسلم، عن أبي ذر لم يكن فسخ الحج إلى العمرة إلا إلى أصحاب محمد- ﷺ . وأما الإمام أحمد فرد ذلك وجوّز الفسخ لغير الصحابة. وهناك دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا، وللمقصرين مرة. فأما نساؤه فأحللن وكن قارنات إلا عائشة فإنها لم تحل من أجل تعذر الحل عليها بحيضتها، وفاطمة حلت، لأنها لم يكن معها هدي، وعلي لم يحلّ من أجل هديه، وأمر من أهلّ بإهلال كإهلاله- ﷺ أن يقيم على إحرامه، إن كان معه هدي، وأن يحل من لم يكن معه هدي. قلت: ورواه الطبراني- برجال ثقات- والله تعالى أعلم. وسار رسول الله- ﷺ قبل يوم التروية بيوم، فقلنا غدا إن شاء الله تعالى بالخيف حيث استقسم المشركون، ثم سار رسول الله- ﷺ والناس معه حتى نزل الأبطح شرقي مكة في قبة حمراء من أدم ضربت له هناك، وهناك كما قال ابن كثير- قدم عليّ من اليمن ببدن رسول الله- ﷺ محرّشا لفاطمة فقال رسول الله- ﷺ «صدقت» ثلاثا «أنا أمرتها، يا عليّ بم أهللت؟» ، قال: قلت: اللهم إني أهلّ بما أهلّ به رسولك قال: ومعي هدي قال: «فلا تحل» ، فكان جملة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي ساقه رسول الله- ﷺ من المدينة مائة بدنة، وكان يصلي مدة مقامه هنا إلى يوم التروية بمنزلة الذي هو نازل فيه بالمسلمين بظاهر مكة، فأقام بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة. الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء. قلت: ولم يعد إلى الكعبة كما في الصحيح عن ابن عباس. وفي حديث أبي جحيفة عند الإمام أحمد، والشيخين، أنه أتى رسول الله- ﷺ بالأبطح وهو في قبة له حمراء فخرج بلال بفضل وضوئه فمن ناضح ومن نائل، قال: فأذّن بلال، فكنت أتتّبع فاه ها هنا وها هنا- يعني يمينا وشمالا- ثم خرج بلال بالعنزة بين يديه،

стр. 3714

فخرج رسول الله- ﷺ وعليه حلة حمراء، فكأني أنظر إلى بريق ساقيه، فصلى بنا الظهر والعصر ركعتين ركعتين تمرّ المرأة والكلب والحمار من وراء العنزة، فقام الناس فجعلوا يأخذون بيده فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت يديه فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب ريحا من المسك، والله تعالى أعلم. قلت: قال ابن سعد: فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب بمكة بعد الظهر فلما كان يوم الخميس ضحى توجه بمن معه من المسلمين إلى منى فأحرم بالحج من كان أحلّ منهم في رحالهم، ولم يدخلوا المسجد فأحرموا منه، بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم فلما وصل إلى منى نزل بها فصلى بها الظهر والعصر، وبات بها، وكانت ليلة الجمعة، فلما طلعت الشمس ساروا منها إلى عرفة وأخذ على طريق ضب على يمين طريق الناس اليوم، وكان من الصحابة الملبّي والمكبّر، وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء. قلت: وفي حديث ابن عباس قال: غدا رسول الله- ﷺ يوم عرفة من منى، فلما انبعثت به راحلته وعليها قطيفة قد اشتريت بأربعة دراهم، قال: «اللهم اجعله حجا مبرورا، لا رياء فيه ولا سمعة» رواه الطبراني بسند جيد. وفي حديث جابر ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فسار رسول الله- ﷺ حتى أتى نمرة، فوجد القبّة قد ضربت له هناك بأمره فنزل فيها، حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي من أرض عرفة. قال ابن سعد: فوقف بالهضبات من عرفات وقال: «كلّ عرفة موقف إلا بطن عرنة» أي بالنون قال ابن تيمية وهو يعني بطن عرنة وادي من حدود عرفة. فخطب الناس قبل الصلاة على راحلته خطبة عظيمة. قلت وهو قائم في الركابين- كما عند أبي داود- عن العدّاء بن خالد-[ (١) ] رضي الله تعالى عنه-. ونص الخطبة بعد الحمد لله، والثناء عليه، «أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلّغت، فمن كانت عنده أمانة فليردها لمن ائتمنه عليها، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدميّ، وإن أول دمائكم أضع، وفي رواية: وإن أول

стр. 3715

دم أضع من دمائنا دم ربيعة، وفي رواية: دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني سعد بن بكر فقتلته هذيل [ (١) ] . وعند ابن إسحاق، والنسائي، في بني ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية، وإن كل ربا موضوع، ولكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا، وإن أول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله. أما بعد أيها الناس الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ولكنه إن يطمع فيما سوى ذلك فقد رضي بما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم أيها الناس إن النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً، وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السّنة اثنا عشر شهرا، وفي رواية «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثلاثة متوالية: ذي القعدة وذي الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» . «أما بعد أيها الناس: اتقوا الله واستوصوا بالنساء خيرا، فإنّهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهم شيئا وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله» . وفي رواية «بكتاب الله، ولكم عليهن حق، ولهن عليكم حق، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. فاعقلوا أيها الناس قولي- فإني قد بلغت- وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي أبدا- إن اعتصمتم به- أمرين، وفي رواية أمرا بينا كتاب الله وسنة نبيه- ﷺ . أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ لمسلم، وفي رواية: أخو المسلم وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، فلا تظلمن أنفسكم واعلموا أن القلوب لا تغل على ثلاث: إخلاص العمل لله ومناصحة أولي الأمر، وعلى لزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، ومن تكن الدنيا نيّته يجعل الله فقره بين عينيه ويشتت عليه ضيعته، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له، ومن تكن الآخرة نيّته يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه ضيعته وتأتيه الدنيا وهي راغمة، فرحم الله امرأ سمع مقالتي حتى يبلغه غيره، ورب حامل فقه وليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه،

стр. 3716

أرقاءكم أرقاءكم أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، فإن جاء بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله، ولا تعذبوهم، أوصيكم بالجار- حتى أكثر- فقلنا إنه سيورثه. أيها الناس: إن الله قد أدى لكل ذي حق حقه، وإنه لا يجوز وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادّعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، العارية مؤدّاة، والنحلة مردودة، والدين مقضيّ والزعيم غارم. أما بعد: فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من ها هنا عند غروب الشمس حتى تكون الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها. هدينا مخالف هديهم، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها. ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير فأخر الله هذه وقدم هذه، يعني: قدم المزدلفة قبل طلوع الشمس، وأخر عرفة إلى أن تغيب الشمس، وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغيب الشمس، وندفع من المزدلفة حتى تطلع الشمس، وهدينا مخالف لهدي الأوثان والشرك» . قلت: وفي حديث المسور بن مخرمة- رضي الله تعالى عنه- قال: خطبنا رسول الله- ﷺ بعرفات فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من هذا الموضع إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب وكانوا يدفعون من المشعر الحرام إذا كانت الشمس منبسطة» ، رواه الطبراني برجال الصحيح [ (١) ] . «وأنتم تسألون عنّي فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها على الناس «اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد» . ثلاث مرات. قلت: روى البيهقي، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ خطب بعرفات، فلما قال: «لبيك اللهم لبيك، قال إنما الخير خير الآخرة» [ (٢) ] . قال أبو محمد: وأرسلت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية وهي أم عبد الله بن عباس بقدح لبن فشربه أمام الناس ووهّماه في ذلك وقال: «إنما كان ذلك بعد ذلك حين وقف بعرفة كما سيأتي» .

стр. 3717

وروى ابن إسحاق عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: كان الرجل الذي يصرخ في الناس (تحت لبة ناقة رسول الله- ﷺ ) بقول رسول الله- ﷺ وهو بعرفة: ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي قال: يقول له رسول الله- ﷺ (اصرخ. وكان صيتا) قل أيها الناس إن رسول الله- ﷺ يقول: هل تدرون أي شهر هذا؟ فيقول لهم وفي رواية فيصرخ فيقولون نعم الشهر الحرام، فيقول قل لهم إني وفي رواية: فإن الله قد حرم. «فلما أتمها أمر بلالا فأذن ثم أقام الصلاة فصلّى الظهر، ركعتين أسرّ فيهما بالقراءة وكان يوم جمعة، فلما فرغ من صلاته ركب حتى أتى الموقف، فوقف في ذيل الجبل عند الصخرات واستقبل القبلة» . قلت في حديث جابر، وجعل بطن ناقته القصواء وهو عليها إلى الصّخرات وجعل جبل المشاة بين يديه. وأمر الناس أن يرتفعوا عن بطن عرنة- بالنون- ووقف- ﷺ من لدن الزوال إلى أن غربت الشمس وهو يدعو الله ﵎ ويبتهل ويتضرع إليه رافعا يديه إلى صدره كاستطعام المسكين وأخبرهم أن خير الدعاء يوم عرفة. ومما حفظ من دعائه- ﷺ هناك: «اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي، وإليك مآبي، ولك تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر اللهم إني أعوذ بك من شر ما يجيء به الريح، ومن شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر بوائق الدهر. اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته وذلّ جسده، ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رؤوفا رحيما يا خير المسؤولين. ويا خير المعطين» . «لا إله إلا أنت وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي صدري نورا وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، اللهم اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصدر، وشتات الأمر، وفتنة القبر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، ومن شر بوائق الدهر» رواه البيهقي.

стр. 3718

أنزل عليه هناك الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة/ ٣] . وهناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته وهو محرم فمات، فأمر رسول الله- ﷺ أن يكفن في ثوبه، ولا يمس بطيب، وأن يغسل بماء وسدر، ولا يغطى رأسه ولا وجهه وأخبر أنه يبعث يوم القيامة يلبي. فلما غربت الشمس واستحكم غروبها بحيث ذهبت الصّفرة أفاض من عرفة، وأردف أسامة بن زيد خلفه، وأفاض بالسّكينة، وضم إليه زمام ناقته القصواء حتى إن رأسها ليصيب طرف رجله، وهو يقول: «أيها الناس عليكم السكينة، فإن البرّ ليس بالإيضاع» ، أي ليس بالإسراع، وأفاض من طريق المأزمين وكان دخل مكة من طريق ضبّ» . قلت: وفي حديث ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ أفاض من عرفات وهو يقول: «إليك تغدو قلفا وضينها ... مخالفا دين النصارى دينها» رواه الطبراني وقال: المشهور في الرواية أنه من فعل ابن عمر أي: لا مرفوعا، والله تعالى أعلم [ (١) ] . ثم جعل يسير العنق وهو ضرب من السير ليس بالسريع ولا البطيء، فإذا وجد فجوة- وهو المتسع- نصّ سيره أي رفعه فوق ذلك وكلما أتى ربوة من تلك الربى أرخى للناقة- وهي العضباء- زمامها قليلا حتى تصعد، وكان يلبي في مسيره ذلك لا يقطع التلبية، فلما كان في أثناء الطريق مال إلى الشّعب وهو شعب الأذاخر عن يسار الطريق بين المأزمين- نزل- ﷺ فبال وتوضأ خفيفا، فقال أسامة: الصلاة يا رسول الله: فقال: «الصلاة أمامك» ، ثم سار حتى أتى المزدلفة. قلت: نزل قريبا من النار التي على قزح فتوضأ وضوء الصلاة، ثم أمر بالأذان فأذّن المؤذن، ثم أقام الصلاة فصلى المغرب قبل حطّ الرحال، وتبريك الجمال، فلما حطّوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثم صلى العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان، ولم يصل بينهما شيئا ثم نام حتى أصبح ولم يحيي تلك الليلة، وأذن في تلك الليلة، قلت عند السحر لمن استأذنه من أهل الضعف من الذرية والنساء، ومنهن سودة وأم حبيبة أن يتقدموا إلى منى قبل حطمة الناس،

стр. 3719

وذلك طلوع الفجر، وكان ذلك عند غيبوبة القمر. وأمرهم ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، ورمى من النساء أسماء بنت أبي بكر، وأم سلمة قبل الفجر. قال في البداية فكان رسول الله- ﷺ أمر الغلمان بأن لا يرموا قبل طلوع الفجر، وأذن للظعن في الرمي قبل طلوع الشمس لأنهن أثقل حالا، وأبلغ في الستر. وفي حديث ابن عباس- قدّمنا رسول الله- ﷺ أغيلمة بني عبد المطلب على نساء محمد يلطح أفخاذنا ويقول: «أبنيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» [ (١) ] رواه أحمد وجئت رسول الله- ﷺ ببقيّة نسائه حتى يدفعن معه حين يصبح. فلما برق الفجر، صلاها في أول الوقت خلافا لمن زعم أنه صلاها قبل الوقت بأذان وإقامة، يوم النحر، وهو يوم العيد، وهو يوم الحج الأكبر، وهو يوم الأذان ببراءة الله ورسوله من كل مشرك، ثم ركب القصواء حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام فوقف على قزح وقال: «كل المزدلفة موقفنا إلا بطن محسّر» ، فاستقبل القبلة، وأخذ في الدعاء والتضرّع والتهليل، والتكبير، والذكر، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، وذلك قبل طلوع الشمس. قلت: وكان أهل الجاهلية لا يدفعون حتى تطلع الشمس على ثبير، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير. فقال رسول الله- ﷺ إنّ قريشا خالفت هدي إبراهيم، فدفع طلوع الشمس. وهنالك سأله عروة بن مضرّس بن الطائي، فقال: يا رسول الله: إني جئت من جبل طيّء أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله- ﷺ «من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد أتم حجّه وقضى تفثه» [ (٢) ] . ثم سار بمزدلفة مردفا للفضل بن عباس، وهو يلبي في مسيره، وانطلق أسامة بن زيد على رجليه في سباق قريش، وفي طريقه ذلك، أمر الفضل بن عباس أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات، ولم يكسرها من الجبل، تلك الليلة كما يفعل من لا علم عنده ولا التقطها بالليل، فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء، فارموا، وإياكم والغلوّ في الدّين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلّو في الدّين» ، وفي طريقه تلك عرضت له امرأة من خثعم جميلة، فسألته عن الحج عن أبيها- وكان شيخا كبيرا

стр. 3720

لا يستمسك على الراحلة- فأمرها أن تحج عنه، وجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فوضع يده على وجهه فصرفه إلى الشق الآخر لئلا تنظر إليه ولا ينظر إليها. قلت في حديث جابر وكان الفضل رجلا حسن الشّعر أبيض وسيما، والله تعالى أعلم. فقال العباس لويت عنق ابن عمك، فقال: «رأيت شابا وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما» . وسأله آخر هناك عن أمّه، وقال: «إنها عجوز كبيرة، وإن حملتها لم تستمسك وإن ربطتها خشيت أن أقتلها» ، قال: «أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيه؟» قال: نعم. قال «فحج عن أمك» فلما أتى بطن محسّر حرك ناقته وأسرع السير، وهذه كانت عادته- ﷺ في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، فإن هنالك أصاب الفيل ما قص الله علينا. ولذلك سمي الوادي وادي محسّر، لأن الفيل حسر فيه أي أعيا وانقطع عن الذهاب. ومحسّر برزخ بين منىّ ومزدلفة لا من هذه ولا من هذه، وعرنة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام، فبين كل مشعرين برزخ ليس منها، فمنى من الحرم، وهي مشعر، ومحسّر من الحرم وليس بمشعر، ومزدلفة حرم ومشعر، وعرنة ليست بمشعر، وهي من الحل وعرفة حل ومشعر. قلت: كذا في أكثر الروايات. وفي حديث أم جندب، عند أبي داود وغيره، أنه كان راكبا يظله الفضل بن العباس وهو غريب مخالف للروايات الصحيحة [ (١) ] . وسلك الطريق الوسطى بين الطّريقين، وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى منى. قلت: قال ابن سعد: ولم يزل يلبّي حتى رمى جمرة العقبة. «فأتى جمرة العقبة فوقف في أسفل الوادي وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة، وهو على راحلته فرماها راكبا بعد طلوع الشمس، واحدة بعد واحدة، يكبر مع كل حصاة، وحينئذ قطع التلبية وكان في مسيره ذلك يلبي حتى شرع في الرمي، وبلال وأسامة معه، أحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر يظله بثوب من الحر» . قلت: الذي كان يظله بلال كما في حديث أبي أمامة، عن بعض الصحابة رواه ابن سعد [ (٢) ] .

стр. 3721

وفي حديث أم جندب الأزدية أنه الفضل بن العباس، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والبيهقي فإنهما كانا يتناوبان [ (١) ] . قلت وروى مسلم وابن سعد والبيهقي عن جابر قال: «رأيت رسول الله- ﷺ علي راحلته يوم النحر» ويقول لنا: «خذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» [ (٢) ] ، وفي حديث أم جندب: فازدحم الناس فقال رسول الله- ﷺ : «يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف» ، ورأيت بين أصابعه حجرا فرمى ورمى الناس» [ (٣) ] . وفي حديث حذافة بن عبد الله العلائي أنه رأى رسول الله- ﷺ رمى جمرة العقبة في بطن الوادي يوم النحر على ناقة له صهباء، لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك [ (٤) ] . قلت: «ولم يقف عند جمرة العقبة، ثم رجع إلى منى فخطب الناس خطبة بليغة» . وروى الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن معاذ، عن رجل من أصحاب رسول الله- ﷺ قال: خطب رسول الله- ﷺ الناس بمنى وأنزلهم منازلهم، فقال: «لينزل المهاجرون هاهنا» وأشار إلى يمين القبلة، «والأنصار هاهنا» وأشار إلى ميسرة القبلة، «ثم لينزل الناس حولهم» ، وعلمهم مناسكهم، ففتحت أسماع أهل منى حتى سمعوه في منازلهم [ (٥) ] . قال ابن كثير: ولست أدري أكانت قبل ذهابه إلى البيت، أو بعد رجوعه منه إلى منى؟. قلت جزم- صاحب الهدي: «بأنها كانت قبل ذهابه إلى البيت، وكان عمرو بن خارجة تحت جران ناقة رسول الله- ﷺ وهي تقصع بجرّتها وإن لعابها ليسيل بين كتفيه قال الحافظ: قال بعض الشراح: إنه بلال، والصواب: أنه أبو بكرة- فقال- ﷺ وهو على ناقته العضباء بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «إلا أن الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، والسنّة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم. ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ألا أي، وفي رواية: ألا تدرون، وفي رواية: أتدرون أي يوم هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: «أليس هذا يوم النحر؟» قلنا: بلى، قال: «أي شهر هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى

стр. 3722

ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس ذو الحجة؟» قلنا: بلى، قال: «فأي بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: «أليس البلدة؟» قلنا: بلى. قال فإن دماءكم وأموالكم- قال محمد- وأحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه» ، ثم قال: «ألا هل بلغت؟» قلنا: نعم، قال: «اللهم فاشهد» . رواه الإمام أحمد والشيخان [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، والبخاري، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «خطب رسول الله- ﷺ يوم النحر، فقال: «أيها الناس: أيّ يوم هذا؟ قالوا يوم حرام، قال: فأيّ بلد هذا؟ قالوا بلد حرام، قال: فأيّ شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: «فإن دماءكم، وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا» . فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه [إلى السماء] فقال: «اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت؟» [ (٢) ] . وروى الشيخان نحوه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ في حجة الوداع: «ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا شهرنا هذا، قال: «ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا: بلدنا هذا، قال: «ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا: يومنا هذا، قال: «فإن الله ﵎ قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت ثلاثا؟» كل ذلك يجيبونه ألا نعم قال: «ويحكم أو قال: ويلكم لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» [ (٣) ] . ثم انصرف إلى النحر بمنى، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده بالحربة وكان ينحرها قائمة معقولة اليسرى وكان عدد هذا الذي نحره عدد سنين عمره- ﷺ ثم أمسك وأمر عليا أن ينحر ما بقي من المائة، ثم أمره أن يتصدق بجلالها وجلودها ولحومها، في المساكين، وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئا منها، وقال: «نحن نعطيه من عندنا، وقال: من شاء اقتطع» . قلت: في حديث ابن جريج عن جعفر بن محمد عن جابر ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها والله تعالى أعلم. قال ابن جريج: قلت من الذي أكل مع النبي- ﷺ وشرب من المرق؟ قال جعفر:

стр. 3723

علي بن أبي طالب أكل مع النبي- ﷺ وشرب من المرق. وقول أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ نحر بيده سبع بدن قياما. حمله أبو محمد- رحمه الله تعالى- على أنه- ﷺ لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن كما قال أنس وأنه أمر من ينحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين، ثم زال عن ذلك المكان، وأمر عليا فنحر ما بقي، أو أنه لم يشاهد إلا نحره- ﷺ سبعا فقط بيده، وشاهد جابر تمام نحره- ﷺ للباقي، فأخبر كل واحد منهما بما رأى وشاهد، وأنه- ﷺ نحر بيده مفردا سبع بدن كما قال أنس ثم أخذ هو وعلي الحربة معا فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين كما قال عروة بن الحارث الكندي أنه شاهد رسول الله- ﷺ يومئذ أخذ بأعلى الحربة، وأمر عليا فأخذ بأسفلها، ونحرا بها البدن، ثم انفرد علي بنحر الباقي من المائة كما قال جابر. وحديث عبد الله بن قرط- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ قرب له بدنات خمس فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها. تكلم بكلمة خفية لم أفهمها. فقلت: ما قال؟ قال من شاء اقتطع لا يلزم منه أنه نحر خمسا فقط، فإن المائة لم تقرب إليه جملة، وإنما كانت تقرب إليه أرسالا، فقرّب منها خمس بدنات رسلا، وكان ذلك الرّسل يبادرن ويتقربن إليه، لكي يبدأ بكل واحدة منهن. قلت: وضحى رسول الله- ﷺ عن نسائه بالبقر [ (١) ] . ونحر رسول الله- ﷺ بمنحره بمنى، وأعلمهم أن منى كلها منحر، وأن فجاج مكة طريق ومنحر وسئل رسول الله- ﷺ أن يبنى له بناء بمنى يظلّه من الحرّ، فقال: لا منى مناخ لمن سبق إليه [ (٢) ] . فلما أكمل رسول الله- ﷺ نحره استدعى بالحلاق فحلق رأسه، فقال للحلاق- وهو معمر بن عبد الله بن نضلة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف- وحضر المسلمون يطلبون من شعره- وهو قائم على رأسه بالموسى، ونظر في وجهه وقال: «يا معمر أمكنك رسول الله- ﷺ من شحمة أذنه وفي يدك الموسى» ، قال معمر، فقلت: أما والله يا رسول الله أن ذلك من نعم الله علي ومنّه. قال للحلاق: «خذ» ، وأشار إلى جانبه الأيمن، فلما فرغ منه قسم شعره على من يليه، ثم

стр. 3724

أشار إلى الحلّاق، فحلق جانبه الأيسر، ثم قال: «هاهنا أبو طلحة» ، فدفعه إليه. قال ابن سعد: وحلق رأسه وأخذ من شاربه وعارضيه وقلم أظفاره وأمر بشعره وأظفاره أن تدفن [ (١) ] . وروى البخاري، عن ابن سيرين، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ شعره، قال: وهذا لا يناقض رواية مسلم: لجواز أن يصيب أبا طلحة من الشق الأيمن مثل ما أصاب غيره، ويختص بالشق الآخر، لكن قد روى مسلم- أيضاً- من حديث أنس «أن رسول الله- ﷺ لما رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه ثم ناوله الشق الأيسر فقال: «احلق» فحلقه فأعطاه أبا طلحة فقال: «اقسمه بين الناس» . ففي هذه الرواية، كما ترى أن نصيب أبي طلحة كان الشق الأيمن وفي الأولى أنه كان الأيسر وفي رواية أن رسول الله- ﷺ أعطاه أم سليم ولا يعارض هذا دفعه لأبي طلحة لأنها امرأته، وفي لفظ: فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال: بالأيسر فصنع به مثل ذلك ثم قال: «ها هنا أبو طلحة» فدفعه إليه، وفي لفظ ثالث: دفع إلى أبي طلحة شعر شقّ رأسه الأيسر، ثم أظفاره وقسمها بين الناس. وكلمه خالد بن الوليد في ناصيته حين حلق فدفعها إليه فكان يجعلها في مقدم قلنسوته، فلا يلقى جمعا إلا فضّه. وحلق أكثر أصحابه- ﷺ وقصّر بعضهم، فقال رسول الله- ﷺ «اللهم اغفر للمحلقين» ، ثلاثا كل ذلك يقال: والمقصرين يا رسول الله، فقال: «والمقصرين في الرابعة» . قلت: قال ابن سعد: وأصاب الطيب بعد أن حلق، ولبس القميص، وحلّ الناس، وجاءه رجل فقال: يا رسول الله حلقت قبل أن انحر قال: «انحر ولا حرج» ، ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله إني أفضت قبل أن أنحر. قال: «احلق ولا حرج» ، فما سئل عن شيء يومئذ قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج» [ (٢) ] . وبعث عبد الله بن حذافة السهمي، وقيل: كعب بن مالك ينادي في الناس، بمنى: أن رسول الله- ﷺ قال: «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله» [ (٣) ] .

стр. 3725

قلت: ونادى مناديه بمنى أنها أيام أكل وشرب وباءة ذكره ابن سعد [ (١) ] . فانتهى المسلمون عن صيامهم إلا محصورا بالحج أو متمتعا بالعمرة إلى الحج، فإن الرّخصة من رسول الله- ﷺ أن يصوموا أيام منى، والله تعالى أعلم. ثم أفاض- ﷺ إلى مكة قبل الظهر راكبا، (وأردف معاوية بن أبي سفيان من منى إلى مكة) ، فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة، وهو طواف الصدر، ولم يطف غيره، قال: هو الصواب. في حديث عائشة، وابن عباس: أن رسول الله- ﷺ أخّر طواف يوم النّحر إلى الليل [ (٢) ] ، علقه البخاري، ورواه الأربعة. قلت: قال ابن كثير: والأشبه أن هذا الطواف كان قبل الزوال، ويحتمل أنه كان بعده. فإن حمل هذا أنّه أخّر ذلك إلى ما بعد الزوال كأنه يقول: إلى العشي صح ذلك، وأما إن حمل على ما بعد الغروب فهو بعيد جدا، ومخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من أنه- ﷺ طاف يوم النحر نهارا، وشرب من سقاية زمزم، وأما الطواف بالليل، فهو طواف الوداع، ومن الرواة من يعبّر عنه بطواف الزيارة ثم أتى زمزم بعد أن قضى طوافه، وهم يسقون، فقال: «لولا أن يغلبكم الناس عليها يا ولد عبد المطلب لنزلت، فسقيت معكم» [ (٣) ] . ويقال: إنه نزع دلوا لنفسه، ثم ناوله الدلو، قلت: ثم مجّ فيها فأفرغ على سقايتهم في زمزم. وفي حديث ابن عباس عند البخاري أن رسول الله- ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فائت رسول الله- ﷺ بشراب من عندها، فقال: اسقني، فقالت: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: «اسقني (مما يشرب الناس) » ، فشرب منه، ثم أتى زمزم [ (٤) ] ، والله تعالى أعلم. قال: فشرب وهو قائم. قال: والأظهر أن ذلك كان للحاجة، وهل كان في طوافه هذا راكبا؟ أو ماشيا؟. وقد تقدم ما رواه مسلم وغيره، عن جابر، قال: طاف رسول الله- ﷺ بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه، لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه.

стр. 3726

وروى الشيخان، عن ابن عباس قال: طاف رسول الله- ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجنه. قال ابن القيم: وهذا الطواف ليس بطواف الوداع فإنه كان ليلا، وليس بطواف القدوم، لوجهين: أحدهما: أنه قد صح عنه. أن الرّمل في طواف القدوم. ولم يقل أحد قط رملت به راحلته وإنما قالوا رمل نفسه. والثاني قول عمرو بن الشريد: أفضت مع رسول الله- ﷺ فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعا، وهذا ظاهره، انه من حين أفاض معه، ما مست قدماه الأرض إلى أن رجع، ولا ينقض هذا بركعتي الطواف، فإن شأنهما معلوم، قال: والظاهر أن عمرو بن الشريد إنما أراد الإفاضة معه من عرفة، ولهذا قال: حتى أتى جمعا وهي مزدلفة، ولم يرد الإفاضة إلى البيت يوم النحر، ولا ينقض هذا بنزوله عند الشعب حين بال ثم ركب، لأنه ليس بنزول مستقر، وإنما مست قدماه الأرض مسّا عارضا. ثم رجع- ﷺ إلى منى. واختلف: أين صلى الظهر يومئذ؟ ففي الصحيحين عن ابن عمر: أنه- ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. وفي مسلم عن جابر أنه- ﷺ صلى الظهر بمكة، وكذلك قالت عائشة واختلف في ترجيح أحد القولين على الآخر. ورجح أبو محمد بن حزم وغيره الثاني، ورجح ابن القيم الأول. وقال ابن كثير: فإن علمنا بها أمكن أن يقال: إنه ﵊ صلى الظهر بمكة، ثم رجع إلى منى فوجد الناس ينتظرونه، فصلى بأصحابه بمنى أيضا. وطافت عائشة في ذلك اليوم طوافا واحدا وسعت سعيا واحدا أجزأها عن حجها وعمرتها وقال في موضع آخر: يحتمل أنه رجع إلى منى، في آخر وقت الظهر، فصلى وطافت صفية ذلك اليوم. ثم حاضت، قال: فأجزأها طوافها ذلك عن طواف الوداع ولم تودع. وكان رمي الجمار حين تزول الشمس قبل الصلاة، وكان إذا رمى الجمرتين علاهما ورمى جمرة العقبة من بطن الوادي. وكان يقف عند الجمرة الأولى أكثر مما يقف عند الثانية، ولا يقف عند الثالثة، وإذا رماها انصرف، وكان إذا رمى الجمرتين وقف عندهما، ورفع يديه لا يقول ذلك في رمي العقبة فإذا رماها انصرف.

стр. 3727

ونهى أن يبيت أحد بليالي منى، ورخص للرعاة أن يبيتوا عند منى، من جاء منهم فرمى بالليل أرخص له في ذلك وقال: ارموا بمثل حصى الخذف [ (١) ] . كان أزواجه يرمين مع الليل، ثم رجع رسول الله- ﷺ إلى منى من يومه ذلك فبات بها، فلما أصبح انتظر زوال الشمس، فلما زالت الشمس مشى من رحله إلى الجمار ولم يركب، فبدأ بالجمرة الأولى، التي تلي مسجد الخيف فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة، يقول مع كل حصاة: «الله أكبر» ثم يقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة ثم رفع يديه ودعا دعاء طويلا بقدر سورة البقرة، ثم أتى- ﷺ إلى الجمرة الوسطى فرماها كذلك، ثم انحدر ذات اليسار، مما يلي الوداع فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو قريبا من وقوفه الأول ثم أتى الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة، فاستبطن الوادي واستعرض الجمرة، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه فرماها بسبع حصيات كذلك، ولم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال، ولا جعلها عن يمينه، واستقبل البيت وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء. فلما أكمل الرمي من فوره ولم يقف عندها، فقيل: لضيق المكان بالجبل، وقيل: وهو الأصح أن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى جمرة العقبة فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها، وذكر ما يتعلق بالدعاء بعد الصلاة، وقد تقدم بما فيه. قال: والذي يغلب على الظن أنه كان يرمي قبل الصلاة، ثم يرجع فيصلي، لأن جابرا وغيره قالوا: كان يرمي إذا زالت الشمس فعقبوا زوال الشمس برميه وأيضا فإن وقت الزوال للرمي أيام منى، كطلوع الشمس لرمي يوم النحر. وروى الترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول الله- ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشمس زاد ابن ماجة. قدر ما إذا فرغ من رميه- ﷺ صلى الظهر [ (٢) ] . وذكر الإمام أحمد: أنه- ﷺ كان يرمي يوم النحر راكبا، وأيام منى ماشيا، في ذهابه ورجوعه. قال ابن القيم: وقد تضمّنت حجّته- ﷺ ست وقفات للدعاء في الموقف: الأول:

стр. 3728

على الصفا، والثاني: على المروة، والثالث: بعرفة، والرابع: بمزدلفة، والخامس: عند الجمرة الأولى، والسادس: عند الجمرة الثانية. وخطب- ﷺ الناس بمنى خطبة عظيمة. قلت: قال ابن سعد: على راحلته القصواء. قال عمرو بن خارجة وهي تقصع بجرتها، وإن لعابها ليسيل بين كتفيّ في وسط أيام التشريق. فقيل: هو ثاني يوم النحر، وهو أوسطها- أي خيارها- لما سيأتي. وهو الحادي عشر من ذي الحجة، وهو يوم الرؤوس سمي بذلك لأنهم كانوا يذبحون يوم النحر ثم يطبخون الرؤوس تلك الليلة فيبكّرون على أكلها، وكان عم أبي حرّة الرقاشي آخذ بزمام ناقة رسول الله- ﷺ يذود عنه الناس. وسببها أنه- ﷺ أنزلت عليه سورة النصر في هذا اليوم، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت له، فوقف للناس بالعقبة، فاجتمع إليه الناس، وفي رواية: ما شاء الله من المسلمين، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، ألا وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلّا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ألا هل بلّغت؟» قالوا: بلّغ رسول الله- ﷺ قال: «فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلّغ أوعى من سامع» ، ثم قال: «أي شهر هذا؟» فسكتوا فقال: هذا شهر حرام، «أي بلد هذا؟» فسكتوا فقال: بلد حرام،: «أي يوم هذا؟» فسكتوا قال: يوم حرام، ثم قال: «إن الله تعالى قد حرّم دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا، إلى أن تلقوا ربكم، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، ثم قال: إنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم» ، ألا هل بلغت؟ قال: الناس نعم، قال: «اللهم اشهد، ألا وإن من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع وان كل دم في الجاهلية موضوع وأن أول دمائكم أضع دم إياس بن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد بن ليث فقتلته هذيل» ، ألا هل بلّغت؟ قالوا: نعم قال: «اللهم فاشهد فليبلغ الشاهد الغائب، ألا إن كل مسلم محرم على كل مسلم. ثم قال: اسمعوا مني تعيشوا ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا. ألا لا تظلموا إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» . فقال عمرو بن يثربي يا رسول الله أرأيت إن لقيت غنم ابن عمي فأخذت شاة فاحترزتها، فقال: إن لقيتها تحمل شفرة وأزنادا بخبت الجميش فلا تهجها. ثم قال أيها الناس: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً

стр. 3729

وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ [التوبة/ ٣٧] ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» ، ثم قرأ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة/ ٣٦] ثلاث متواليات: ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي يدعى شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان، والشهر تسعة وعشرون وثلاثون، ألا هل بلغت؟ قال الناس: نعم فقال: اللهم اشهد» . ثم قال: «أيها الناس. إن للنساء عليكم حقا، وإن لكم عليهن حقا، فعليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا، ولا يدخلن بيوتكم أحدا تكرهونه إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن الله تعالى قد أذن لكم أن تهجروهن بالمضاجع، وأن تضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم، فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلّغت؟ قال الناس: نعم، قال: اللهم اشهد. ثم قال: أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه، فقد رضي به، إن المسلم أخو المسلم، إنما المسلمون إخوة، ولا يحل لامرئ مسلم دم أخيه ولا ماله إلا بطيب نفس منه، إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، لا تظلموا أنفسكم، لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا كتاب الله تعالى، ألا هل بلّغت؟ قال الناس: نعم قال: اللهم اشهد. ثم انصرف إلى منزله وصلى الظهر والعصر يوم النّفر بالأبطح، قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- إنما نزل رسول الله- ﷺ بالمحصب، لأنه كان أسمح لخروجه. واستأذنه العباس عمه في المبيت بمكة ليالي منّى من أجل سقايته، فأذن له، واستأذنه رعاء الإبل في البيتوتة خارج منى، فأرخص لهم أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما، قال مالك: ظننت أنه قال: في أول يوم منهما، ثم يرمون يوم النفر قال ابن عيينة في هذا الحديث. رخص للرعاء أن يرموا يوما، ويتركوا يوما. ولم يتعجل- ﷺ في يومين، بل تأخر حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة، وأفاض- ﷺ يوم الثلاثاء بعد الظهر، إلى المحصّب وهو الأبطح، وهو خيف بني كنانة فوجد، أبا رافع قد ضرب فيه قباء هنالك، وكان على ثقله توفيقا من الله تعالى دون أن يأمره به رسول الله- ﷺ فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقد رقدة ثم نهض إلى مكة

стр. 3730

فطاف للوداع ليلا سحرا، ولم يرمل في هذا الطواف. ثم خرج إلى أسفل مكة قلت: من المسجد من باب الحرورية وهو باب الخيّاطين. رواه الطبراني، عن ابن عمر. وأخبرته صفية أنها حائض، فقال: «أحابستنا هي؟» فقيل إنها قد أفاضت، قال: «فلتنفر إذن» ، ورغبت إليه عائشة تلك الليلة أن يعمرها عمرة مفردة فأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد أجزأ عن حجها وعمرتها فأبت إلا أن تعتمر عمرة منفردة فأمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم، ففرغت من عمرتها ليلا، ثم وافت المحصّب مع أخيها فأتيا في جوف الليل ، فقال رسول الله- ﷺ : فرغتما؟ قالت: نعم. فنادى بالرحيل في أصحابه فارتحل الناس، ثم طاف بالبيت قبل صلاة الصبح، هذا لفظ البخاري عنها من طريق القاسم. وفي الصحيح من طريق الأسود عنها قالت: خرجنا مع رسول الله- ﷺ ولا نرى إلا الحجّ فذكر الحديث. فلما كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع أنا بحجة، فقال: «أو ما كنت طفت ليالي قدمنا مكة؟» ، قلت: لا: قال: «فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم، فأهلّي بعمرة، ثم موعدك مكان كذا وكذا» . قالت عائشة: فلقيني رسول الله- ﷺ مصعدا على أهل مكة وأنا منهبطة، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها. وظاهر هذا أنهما تقابلا في الطريق، وفي الأول أنه انتظرها في منزله فلما جاءت نادى بالرحيل في أصحابه، وقولها تعني وهو مصعد من مكة، وأنا منهبطة عليها للعمرة، وهذا ينافي انتظاره لها في المحصّب، قال: فإن كان حديث الأسود محفوظا عنها فصوابه «لقيني رسول الله- ﷺ وأنا مصعدة من مكة وهو منهبط إليها فإنها طافت وقضت عمرتها ثم أصعدت لميعاده فوافته وهو قد أخذ في الهبوط إلى مكّة للوداع، فارتحل وأذن في الناس بالرحيل» ، ولا وجه لحديث الأسود غير هذا. ويؤيد هذا ما رواه الشيخان عنها من طريق- قالت: حين قضى الله الحج ونفرنا من منّى، فنزلنا بالمحصّب فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: اخرج بأختك من الحرم ثم افرغا من طوافها، ثمّ ائتياني بها بالمحصب، قالت: فقضى الله العمرة وفرغنا من طوافنا من جوف الليل، وأتيناه بالمحصب وقال: «فرغتما؟» قلنا: نعم فأذّن في الناس بالرحيل.

стр. 3731

قلت: أتى سعد بن أبي وقاص بعد حجه يعوده من وجع أصابه، فقال: يا رسول الله بي ما ترى من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة فأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت فالشطر؟، قال: لا. قال: «الثلث والثلث كثير، إنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت بها حتى ما تجعله في في امرأتك» ، فقال: يا رسول الله: أخلّف بعد أصحابي؟ فقال: «إنك لن تخلّف، فتعمل عملا صالحا إلا تزداد خيرا ورفعة ثم لعلّك أن تخلّف حتى ينتفع بك أقوام، ويضرّ بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم» ، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله- ﷺ أن مات بمكة وخلّف على سعد بن أبي وقاص رجلا وقال: إن مات بمكة فلا تدفنه بها يكره أن يموت الرجل في الأرض التي هاجر منها. ثم سار- ﷺ راجعا إلى المدينة فلما كان بالروحاء لقي ركبا فسلم عليهم فقال: «من القوم؟» فقالوا المسلمون فمن القوم؟ فقال: «رسول الله- ﷺ » فرفعت امرأة صبيا لها من محفة فقالت: يا رسول الله: ألهذا حج؟ قال: نعم. ولك أجر؟. فلما أتى ذا الحليفة بات بها حتى أصبح، وصلى في بطن الوادي. قلت: ورأى وهو معرّس بذي الحليفة ببطن الوادي قيل له إنك ببطحاء مباركة. فلما رأى المدينة كبر ثلاث مرات وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آئبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» . وكان إذا قفل من حج أو عمرة أو غزوة فأوفى على ثنية أو فدفد كبر ثلاثا وقال: «لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد (يحيي ويميت) ، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، آئبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» [ (١) ] . «اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد، اللهم بلّغنا بك بلاغا صالحا يبلّغ إلى الخير بمغفرة منك ورضوان» . ولما نزل المعرّس نهى أن يطرقوا النساء ليلا، فطرق رجلان أهليهما فكلاهما وجد ما يكره، وأناخ بالبطحاء، وكان إذا خرج إلى الحج سلك على الشجرة، وإذا رجع من مكة دخل المدينة من معرّس الأبطح وكان في معرّسه في بطن الوادي، وكان فيه عامة الليل.

стр. 3732

الباب الرابع في تنبيهات وفوائد تتعلق بحجة الوداع الأول: «لم يصح أنه- ﷺ دخل البيت في حجة الوداع» . الثاني: أنه- ﷺ صلى صبيحة ليلة الوداع بمكة. لما رواه الشيخان، عن أم سلمة، قالت: شكوت إلى رسول الله- ﷺ إني اشتكي، فقال: «إذا أقمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك، والناس يصلون» ففعلت ذلك، فلم تصل حتى خرجت، وفي رواية: «فطوفي من وراء الناس، وأنت راكبة» ، قالت: فطفت ورسول الله- ﷺ يصلي إلى جنب البيت، وهو يقرأ وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ. قال ابن القيم: وهذا محال قطعا أن يكون يوم النحر، فهو طواف الوداع بلا شك، فظهر أنه- ﷺ صلى الصبح يومئذ عند البيت وسمعته أم سلمة يقرأ بالطّور فيها. الثالث: صح أنه- ﷺ وقف بالملتزم في غزوة الفتح، كما رواه أبو داود، عن عبد الرحمن بن أبي صفوان، روى أبو داود أيضا، عن ابن عباس: أنه قام بين الركن والباب، فوضع صدره وجبهته وذراعيه، وكفيه هكذا وبسطهما بسطا، وقال: هكذا إذ رأيت رسول الله- ﷺ يفعله، فهذا يحتمل أن يكون وقت الوداع، وأن يكون غيره. فصل: في ترجيح قول من رأى أنه- ﷺ كان قارنا: وذلك من وجوه، كما قال في زاد الميعاد. الأول: أنّهم أكثر. الثاني: أن طريق الاخبار بذلك تنوعت. الثالث: أن فيهم من أخبر عن سماعه لفظه- ﷺ صريحا، وفيهم من أخبر عن نفسه بأنه فعل ذلك، ومنهم من أخبر عن أمر ربه بذلك، ولم يجئ شيء من ذلك في الإفراد. الرابع: تصديق روايات من روي أنه اعتمر أربع، وأوضح ذلك ابن كثير بأنهم اتفقوا على أنه- ﷺ اعتمر عام حجة الوداع، فلم يتحلل بين النسكين، ولا أنشأ إحراما آخر للحج، ولا اعتمر بعد الحج فلزم القران، قال: وهذا مما يفسر الجواب عنه انتهى. الخامس: أنها صريحة لا تحتمل التأويل بخلاف روايات الإفراد، كما سيأتي. السادس: أنها متضمنة زيادة سكت عنها من روى الإفراد، أو نفاها، والذاكر والزائد مقدم على الساكت، والمثبت مقدم على النافي. السابع: روى الإفراد أربعة: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عباس، وغيرهم رووا

стр. 3733

القران، فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم سلمت رواية من عداهم للقران عن معارض، وإن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرواية عنه ولا اختلف كعمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب وأنس، والبراء وعمران بن حصين، وأبي طلحة، وسراقة بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن أبي أوفى، وهرماس بن زياد. الثامن: أنّه النسك الذي أمر به من ربه، كما تقدم فلم يكن ليعدل عنه. التاسع: أنه النسك الذي أمر به كل من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي ثم يسوق هو الهدي ويخالفه. العاشر: أنه النسك الذي أمر به له ولأهل بيته، واختاره لهم، ولم يكن يختار لهم إلا ما اختار لنفسه. الحادي عشر: قوله: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» ، يقتضي أنها صارت جزءا منه أو كالجزء الداخل فيه بحيث لا يفصل بينه وبينه، وإنما يكون كالداخل في الشيء معه. الثاني عشر: قول عمر: للصّبيّ بن معبد- وقد أهلّ بحج وعمرة- فأنكر عليه زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة فقال له عمر: هديت لسنّة نبيك- ﷺ وهذا يوافق رواية عمر أنه الوحي جاء من الله بالإهلال بهما جميعا، فدل على أن القران سنة التي فعلها وامتثل أمر الله تعالى بها. قال ابن كثير: والجمع بين رواية من روي أنه أفرد الحج وبين رواية من روى القران، أنه أفرد أفعال الحج ودخلت فيه العمرة نيّة وفعلا وقولا، واكتفى بطواف الحج وسعيه عنه وعنها، كما في مذهب الجمهور في القران خلافا لأبي حنيفة. وأما من روى التمتع وصح عنه: أنه روى القران، فالتمتّع في كلام السلف أعم من التمتع الخاص والأوائل يطلقونه على الاعتمار في أشهر الحج وإن لم يكن معه حج، قال سعد بن أبي وقاص تمتعنا مع رسول الله- ﷺ وإنما يريد بهذا إحدى العمرتين المتقدمتين: إمّا الحديبية، وإمّا القضاء، فأما عمرة الجعرانة، فقد كان معاوية قد أسلم- فإنها كانت بعد الفتح، وحجة الوداع بعد ذلك سنة عشر. قلت: وأما الحديث ابن عمر وعائشة السابقان فقد رويا التمتع فهو مشكل على الأقوال، أما قول الإفراد ففي هذا إثبات عمرة إما قبل الحج أو معه، وإما على قول التمتع الخاص فإنه ذكر أنه لم يحل من إحرامه بعد ما طاف بالصفا والمروة، وليس هذا شأن المتمتع، ومن زعم أنه إنما منعه من التحلل سوق الهدي، كما قد يفهم من حديث ابن عمر.

стр. 3734

التنبيه الرابع: وهم من قال إنه خرج يوم الجمعة بعد الصلاة، والذي حمله على هذا الوهم القبيح قوله في الحديث خرج لست بقين فظن أن هذا لا يمكن أن يكون الخروج يوم الجمعة إذ تمام الست يوم الأربعاء والأول الحجة كان الخميس بلا تردد، وهذا خطأ فاحش، فإنه من المعلوم الذي لا ريب فيه إنه صلى الظهر يوم خروجه من المدينة أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين. الخامس: أنه حل بعد طوافه وسعيه. السادس: أنه دخل مكة يوم الثلاثاء وصوابه: يوم الأحد، صبح رابعة من ذي الحجة. السابع: أنه- ﷺ قصر عنه بمقص في حجته. الثامن: أنه كان يقبل الركن اليماني في طوافه وإنما ذلك الحجر الأسود كما تقدم بيانه. التاسع: أنه رمل في سعيه ثلاثة أشواط، ومشى أربعة، وأعجب من صاحب هذا الوهم حكاية الاتفاق على هذا القول الذي لم يقله أحد سواه. العاشر: أنه طاف بين الصّفا والمروة أربعة عشر شوطا، فكان ذهابه وسعيه مرة واحدة وهذا باطل لم يقله غير قائله. الحادي عشر: أنه- ﷺ صلى الصبح يوم النحر قبل الوقت. الثاني عشر: أنه صلى الظهر يوم عرفة، والمغرب والعشاء تلك الليلة بأذانين وإقامتين. الثالث عشر: أنه صلاهما بلا أذان أصلا. الرابع عشر: أنه جمع بينهما بإقامة واحدة، والصحيح أنه صلاهما بأذان واحد وإقامة لكل صلاة والله أعلم. الخامس عشر: أنه خطب بعرفة خطبتين، جلس بينهما ثم أذن المؤذن فلما فرغ أخذ في الخطبة الثانية فلما فرغ أقام الصلاة، وهذا لم يجيء في شيء من الأحاديث البتّة، وحديث جابر صريح في أنه لما أكمل خطبته أذن بلال وأقام الصلاة فصلى الظهر بعد الخطبة. السادس عشر: أنه لما صعد أذن المؤذن فلما فرغ قام فخطب، وصوابه أنّ الأذان كان بعد الخطبة. السابع عشر: قدّم أمّ سلمة ليلة النحر، وأمرها أن توافيه صلاة الصبح بمكة. الثامن عشر: أنه أخر طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل والصواب أن الذي أخره إلى الليل طواف الوداع.

стр. 3735

التاسع عشر: أنه أفاض مرتين: مرة بالنهار، ومرة مع نسائه ليلا، وهذا غلط، والصحيح عن عائشة خلاف هذا أنه أفاض نهارا إفاضة واحدة. العشرون: أنه طاف للقدوم يوم النحر، ثم طاف للزيارة بعده. الحادي والعشرون: أنه سعى يومئذ مع هذا الطواف أعني طواف القدوم، ويردّه قول عائشة وجابر أنه لم يسع إلا سعيا واحدا. الثاني والعشرون: أنه- ﷺ صلى الظهر يوم النحر بمكة، والصحيح أنه صلاها بمنى. الثالث والعشرون: أنه لم يسرع في وادي محسّر حين أفاض من جمع إلى منى وإنما ذلك هو فعل الأعراب. الرابع والعشرون: أنه كان يفيض كل ليلة من ليالي منى إلى البيت. الخامس والعشرون: أنه ودع مرتين. السادس والعشرون: أنه جعل مكة دائرة في دخوله وخروجه فبات بذي طوى ثم دخل من أعلاها، ثم خرج من أسفلها ثم رجع إلى المحصب عن يمين مكة فكملت الدائرة. السابع والعشرون: أنه انتقل من المحصب إلى ظهر العقبة، وقد نبه ابن القيم على هذه الأوهام مفصلة مع بيان ردّ كل فليراجعه من أراده. تنبيهات في بيان غريب ما سبق، وحجة الوداع: قال النووي: المعروف في الرواية: حجة الوداع- بفتح الحاء، وقال الهروي وغيره من أهل اللغة: المسموع من العرب في واحدة الحج حجة بكسر الحاء، قالوا: والقياس فتحها لكونها اسما لمرة واحدة، وليست عبارة عن الهيئة حين تكسر، قالوا: فيجوز الكسر بالسماع، والفتح بالقياس، وسميت بذلك، لأن النبي- ﷺ ودّع الناس فيها وعلمهم في خطبه فيها أمر دينهم، وأوصاهم بتبليغ الشرع إلى من غاب. الجدري- بجيم مضمومة، فدال مهملة مفتوحة، فراء: قروح في البدن تسقط وتقيح. الحصبّة- بحاء مهملة، وصاد ساكنة وتحرك مهملتين، وموحدة: بثر يخرج بالجسد. طريق الشجرة [ (١) ] ... القطيفة بقاف مفتوحة، فطاء مهملة مكسورة، فتحتية ففاء فتاء تأنيث: كساء له خمل.

стр. 3736

وادي العقيق- بعين مهملة فقافين أولاهما مكسورة بينهما تحتية: واد من أودية المدينة، وهو الذي ذكر في الحديث: أنه واد مبارك. ذو الحليفة بحاء مهملة مضمومة، فلام مفتوحة، فتحتية ساكنة، ففاء، فتاء تأنيث. الهوادج- جمع هودج: مركب للنساء معروف. الهدي- بهاء مفتوحة، فدال مهملة ساكنة، فتحتية تخفف وتشدّد: ما يهدى من الأنعام إلى البيت الحرام. الإشعار- بهمزة مكسورة، فشين معجمة ساكنة، فعين مهملة مفتوحة، فألف، فراء: شقّ سنام البدنة حتى يسيل دمها. ناجية- بنون، فألف، فجيم مكسورة فتحتية. جندب بجيم مضمومة، فنون ساكنة فدال مهملة. الخطمي- بخاء معجمة. الإشنان- بهمزة مكسورة فشين معجمة ساكنة فنونين بينهما ألف. المقتت- بميم مضمومة فقاف مفتوحة فمثناتين فوقيتين. طبخ فيه الرياحين أو خلط بأدهان طيبة. الذّريرة: طيب وقد تقدم. المسك بميم مكسورة، فسين مهملة ساكنة، فكاف نوع من الطيب معروف. الوبيص- بواو مفتوحة، فموحدة مكسورة، فتحتية ساكنة فصاد مهملة: البريق. المفرق كمقعد الذي يفرق به الشعر. الأردية- بهمزة مفتوحة فراء ساكنة، فدال مهملة مكسورة فتحتية فتاء تأنيث جمع رداء وهو الثوب أو البرد الذي يضعه الإنسان فوق عاتقه وبين كتفيه فوق ثيابه. المزعفرة: المصبوغة بالزعفران وهو معروف. تردع بفوقية مفتوحة فراء ساكنة فدال مفتوحة فعين مهملتين: تنفض ردعها وهو الطبخ الذي لم يعم. السراويلات جمع سراويل، والجمهور على أنها مفردة أعجمية معربة. الورس: بفتح الواو، وسكون الراء: نبت أصفر يكون باليمن يصبغ به. القفاز: بقاف مضمومة ففاء فألف فزاي: شيء يعمل لليدين يحشى بقطن، ويكون له أزرار تزر على الساعدين من البرد.

стр. 3737

استثفري- بهمزة مكسورة، فسين مهملة ساكنة فمثناة فوقية فمثلثة ففاء فراء أمرها أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنا، وتوثق طرفيها بشيء تشده في وسطها، فيمنع بذلك سيل الدم، وهو مأخوذ من ثفر الدابة التي تجعل تحت ذنبها. البيداء: بموحدة مفتوحة، فتحتية ساكنة، فدال مهملة فألف: المفازة التي لا شيء فيها. الراحلة- براء، فألف فحاء مهملة، فلام، فتاء تأنيث.. من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيه للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة، وتمام الخلق، وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عرّفه. الإهلال- بهمزة مكسورة، فهاء ساكنة، فلامين بينهما ألف: رفع الصوت بالتلبية. المشقص- بميم مكسورة، فشين معجمة ساكنة، فقاف، فصاد مهملة: نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض. لبّيك من لبّ بالمكان إذا أقام به، ومعناه: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، وهي تثنية لبّى، وأصله لبين حذفت نونه للإضافة. أن الحمد- بهمزة تفتح وتكسر الخطا، رواية العامة بالفتح وقال ثعلب: الاختيار الكثير، لأن المعنى: أن الحمد لك على كل حال. ومعنى الفتح لبّيك بهذا السبب، فمن كسر عمّ، ومن فتح خصّ. العجّ- بفتح المهملة، والجيم: رفع الصوت. والثّج- بثاء مثلثة مفتوحة، فجيم: سيلان دم الهدي. الرّوحاء- براء مفتوحة، فواو ساكنة، فحاء مهملة، فألف، وبالمدّ: موضع بين الحرمين على ثلاثة، أو أربعة أميال من المدينة. الأثاية- بهمزة مضمومة، فمثلثة، فألف، فتحتية، فتاء تأنيث، الموضع المعروف بطريق الجحفة إلى مكة. الرّويثة- براء مهملة مضمومة، فواو مفتوحة، فتحتية ساكنة، فمثلثة، فتاء تأنيث، وبالتصغير: موضع بين الحرمين. العرج- بمهملة، فراء مفتوحتين فجيم: مدينة باليمن. الحاقف- بحاء مهملة، فألف، فقاف، ففاء: نائم قد انحنى في نومه. الزّمالة- بزاي مكسورة، فميم، فألف، فلام، فتاء تأنيث: المركوب أي كان لمركوبها وأداتهما وما كان معهما في السفر واحدا.

стр. 3738

حقّة- بحاء مهملة مضمومة، فقاف، فتاء تأنيث. الحيس- بحاء مهملة مضمومة، فتحتية ساكنة، فسين مهملة تقدم مرارا. القعب- بقاف مفتوحة، فمهملة ساكنة، فموحدة: القدح الجافي، أو إلى الصغر ويروي الرجل. عسفان- بعين مهملة مضمومة، فسين مهملة ساكنة، ففاء، فألف، فنون: قرية جامعة بين مكة والمدينة. سرف- بسين مهملة مفتوحة، مخففة: موضع من مكة على عشرة أميال، وقيل: أقل وأكثر. طوى- بطاء مهملة مضمومة، وواو مفتوحة مخففة: موضع عند باب مكة يستحب لمن دخل مكة أن يغتسل به. الثّنيّة- بمثلثة مفتوحة، فنون مكسورة، فتحتية، فتاء تأنيث: في الجبل كالعقبة فيه. الجحون- بحاء مفتوحة، فجيم مضمومة، فواو فنون: الجبل المشرف مما يلي الجزارين بمكة وقيل: هو موضع بمكة فيه اعوجاج والأول المشهور. المحجن: عصى معقفة الرأس، وقد تقدم، والميم زائدة. الجدعاء [ (١) ] ... الخطام- بمعجمة مكسورة، فطاء مهملة مفتوحة فألف فميم حبل من ليف، أو شعر، أو كتّان فيجعل في أحد طرفيه حلقة، ثم يشد فيه الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة، ثم يقلد البعير، ثم يثنى على خطمه، وهو مقاديم أنوفها، وأفواهها. حاذى- بحاء مهملة فألف، فذال معجمة مفتوحة، فتحتية: قابل. الاستلام: افتعال من السلام، وهو التحية، وقيل: من السّلام بكسر المهملة وهي الحجارة واحدتها سلمة بكسر اللام يقال استلم الحجر إذا لمسه وتناوله. الصّفا- بصاد مهملة، ففاء مفتوحتين: اسم موضع بمكة معروف، وذكر لوقوف آدم ﵊، وقيل: لأنه كان عليه صنم يقال له: إساف. والمروة- بميم مفتوحة، فراء ساكنة، فواو: اسم موضع، وأنّث لأن حواء وقفت عليها، وقيل: كان عليها صنم يقال له نائلة. انتصبت قدماه بهمزة مكسورة، فنون ساكنة، فموحدة مفتوحة، فتاء تأنيث: انحدرت في المسعى.

стр. 3739

بطن الوادي- بموحدة مفتوحة فطاء ساكنة فنون: داخله. الرّمل- براء، وميم مفتوحتين: الهرولة. العواتق- بعين مهملة مفتوحة، فواو فألف، ففوقية مكسورة فقاف: جمع عاتق: وهي الشابة أول ما تدرك، وقيل هي التي لم تبن من والديها، ولم تتزوج، وقد أدركت وشبت. الأبطح- بألف، فموحدة، فطاء، فحاء مهملتين: سيل واسع دقاق الحصى القران: بقاف مكسورة، فراء، فألف، فنون: الجمع بين الحج والعمرة. التّروية- بمثناة فوقية مفتوحة فراء ساكنة فواو مكسورة فتحتية مفتوحة، فتاء تأنيث: هو اليوم الثامن من ذي الحجة، كانوا يرتوون فيه الماء بعده. المطين [ (١) ] ... العنزة بعين مهملة، فنون، فزاي مفتوحات. الجبّة: تقدم تفسيرها وكذلك الحلّة. الثّلج- بمثلثة مفتوحة، فلام ساكنة، فجيم معروف. شرح غريب خطبته- ﷺ بعرفة: النّسيء- بنون مفتوحة، فسين مكسورة مهملة، فهمزة: التأخير. عوان- «بعين مهملة مفتوحة أي كبر عليه معاشها» . العاهر- بعين مهملة، فألف، فهاء، مكسورة، فراء: الزاني. الصّرف بصاد مفتوحة، فراء ساكنة، ففاء: التوبة: وقيل: النافلة. العدل- بعين مهملة مفتوحة، فدال ساكنة مهملة، فلام: الفدية. وقيل: الفريضة. العارية- بعين مهملة فألف فراء فتحتية. المنحة- بميم مكسورة، فنون ساكنة، فحاء مهملة، فتاء تأنيث: الإعطاء. ومنحه الناقة جعل له وبرها ولبنها وولدها. الزّعيم- بزاي مفتوحة فعين مهملة مكسورة، فتحتية فميم: الضامن. المزدلفة- بميم مضمومة: فزاي ساكنة فدال مهملة فلام مكسورة فتاء تأنيث: المشعر الحرام لأنه يتقرب إلى الله تعالى فيها والازدلاف: التقرب. اللّبّة- بلام فموحدة مفتوحتين، فتاء تأنيث الهمزة التي تنحر فيها الإبل. الابتهال: أصله التضرّع، ثم استعمل في مد اليدين جميعا لذلك.

стр. 3740

التّضرّع- بفوقية فضاد معجمة مفتوحتين، فراء مضمومة فعين مهملة: التذلل. المآب- بميم، فهمزة مفتوحة، فألف فموحدة، وبالمد: المرجع. التّراث- بمثناة فوقية، فراء، فألف فمثلثة. ما يخلفه الرجل لورثته والتاء فيه بذل من الواو. الولوج- بواو، فلام مضمومتين فواو فجيم. الدخول. البوائق- بموحدة، فواو مفتوحتين فألف فهمزة مكسورة فقاف: الدواهي. الدّهر- بدال مهملة مفتوحة فهاء ساكنة، فراء: الزمان الطويل، ومدة الحياة الدنيا. الوجل- بواو مفتوحة فجيم مكسورة فلام: الفزع. المشفق- بميم مضمومة. فمعجمة ساكنة ففاء مكسورة، فقاف: الخائف. القلق- بقاف مفتوحة، فلام مكسورة فقاف من القلق: وهو الانزعاج. الوضين- بواو مفتوحة، فضاد معجمة مكسورة، فتحتية ساكنة، فنون: بطان منسوج بعضه على بعض. يشدّ به الرّحل على البعير كالحزام للسرج. الرّبوة- براء مضمومة، فموحدة ساكنة، فواو مفتوحة، فتاء تأنيث: ما ارتفع من الأرض. شعب الأذاخر- بهمزة معجمة فألف، فخاء معجمة مكسورة فراء: موضع بين مكة والمدينة. المأزمين- بميم مفتوحة فهمزة ساكنة، فزاي مكسورة فميم، فتحتية فنون، تثنية مأزم: وهو المضيق في الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض ويتسع ما وراءه والميم زائدة، وكأنه من الأزم، وهو القوة والشدة. قزح- بقاف مضمومة، فزاي مفتوحة: جبل بالمزدلفة. حطمة الناس- بحاء فطاء ساكنة مهملتين فميم فتاء تأنيث: ازدحامهم. القمر- بقاف فميم مفتوحتين فراء. الظّعن- بظاء معجمة مشالة فعين مهملة مضمومتين فنون النساء. ثبير كأمير: اسم لجبل بظاهر مكة. نفير «بنون مفتوحة، ففاء مكسورة، فتحتية فراء: تنفر. جبل طيّء- بطاء مهملة مفتوحة، فتحتية مشددة. التّفث- بمثناة فوقية ففاء مفتوحتين. فمثلثة. الشعر وما كان من نحو قص الأظافر والشارب، وحلق الشّعر، وحلق العانة وغير ذلك.

стр. 3741

حصى الخذف- بخاء مفتوحة فذال ساكنة معجمتين ففاء وروي بالحاء المهملة. وهو الرمي بالحصى بالأصابع وكانت العرب ترمي بها على وجه اللعب تجعلها بين السبابة والإبهام من اليد اليسرى. ثم تقذف بالسبابة اليمنى زاد الليث: أو تجعلها ما بين سبابتيك واختلف في قدرها فقيل: مثل الباقلاء. وقيل: مثل النواة، وقيل: دون الأنملة طولا وعرضا. معرّس [ (١) ] ... الطّامي- بطاء مهملة، فألف، فميم، فتحتية: العظيم. الوسيم: بواو مفتوحة فسين مهملة مكسورة فتحتية فميم: الحسن الوضيء. الصهباء: بصاد مهملة مفتوحة، فهاء ساكنة، فموحدة، فألف، وبالمد: ناقة رسول الله- ﷺ . الصهوبة: حمرة يعلوها سواد. الجران- بكسر الجيم، وراء مفتوحة، فألف، فنون: باطن العنق، وقد تقدم. تقصع- بفوقية مفتوحة فقاف ساكنة فصاد مفتوحة فعين مهملتين: تمضغ مضغا شديدا وتحك بعض أسنانها ببعض، وقيل: قصع الجرّة: خروجها من الجوف إلى الشدق ومتابعة بعضهم بعضا، وإنما تفعل ذلك الناقة إذا اطمأنت، أو خافت شيئا. اللّعاب- بلام مضمومة فعين مهملة فألف، فموحدة: الماء السائل من الفم. شرح غريب خطبته- ﷺ يوم النحر: الأعراض- بهمزة مفتوحة فعين مهملة ساكنة، فراء فألف فضاد معجمة جمع عرض: وهو موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كان في نفسه، أو في سلفه، أو من يلزمه أمره، وقيل هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عليه أن ينتقص ويثلب. وقال ابن قتيبة: عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير. ويحكم- بواو مفتوحة، فتحتية، فحاء مهملة: كلمة ترحّم، وتوجّع. ويلكم- بواو مفتوحة، فتحتية ساكنة، فلام. المراد بها هنا: التعجب. البضعة- بباء مفتوحة، وقد تكسر، فضاد معجمة ساكنة، فعين مهملة مفتوحة. فتاء تأنيث: القطعة من اللحم. يزدلفن- بتحتية مفتوحة، فزاي ساكنة، فدال مهملة، مفتوحة، فلام مكسورة، ففاء ساكنة فنون: يقربن. وجبت جنوبها- بواو، فجيم، فموحدة مفتوحات: سقطت.

стр. 3742

رسلا: براء- فسين مهملة فلام مفتوحات. ما كان من الإبل والغنم من عشر إلى خمس وعشرين. الموسى- بميم مضمومة، فواو فسين مهملة: آلة الحلاق. الناصية: بنون، فألف، فصاد مهملة مكسورة، فتحتية: أعلى الرأس. الباءة- بموحدة فألف فهمزة فتاء تأنيث: الجماع. طواف الصّدر- بصاد، فدال مهملتين مفتوحتين من الرجوع. المجّ- بميم مفتوحة فجيم: القذف. السّقاية بسين مهملة مكسورة، فقاف، فألف، فتحتية، إناء يشرب فيه. مسجد الخيف- بخاء معجمة مفتوحة فتحتية ساكنة، ففاء: ما ارتفع من مجرى السيل ولذا يسمى مسجد الخيف. لأنه بمنى في سفح جبلها. الجمرة- بجيم مفتوحة فميم ساكنة فراء: الحصى الصغار، والمراد هنا: مجتمع الحصى. العقبة- بعين مهملة، فقاف، فموحدة، مفتوحات: كل مرقى صعب من الجبال، والمراد به هنا التي بمنى. شرح غريب خطبته- ﷺ في ثاني يوم النحر: بدور الشّفرة- بشين مفتوحة، ففاء ساكنة، فراء، فتاء تأنيث: السكين العريضة. الأزناد [ (١) ] ... خبت الجميش [ (١) ] ... الخبت بخاء معجمة مفتوحة، فموحدة ساكنة، فمثناة فوقية: الأرض الواسعة. والجميش بجيم مفتوحة، فميم مكسورة، فتحتية، فشين معجمة: التي لا نبات فيها. المحصّب- بميم مضمومة فحاء. فصاد. مهملتين مفتوحتين للشّعب الذي مخرجه إلى الأبطح، أو موضع رمي الجمار. القبة- بقاف مضمومة. فموحدّة: بناء مرتفع. الحزورة- بحاء مهملة مفتوحة فزاي ساكنة فراء مفتوحتين: موضع بمكة عند باب الحنّاطين: باعة الحنطة.

стр. 3743

جماع أبواب سيرته- ﷺ في قراءة القرآن الباب الأول في قراءة كان كثيراً ما يقرأ بها: روى ابن أبي شيبة، وأحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي. في «الشمائل» والنسائي، والبيهقي، عن عبد الله بن مغفّل قال: قرأ رسول الله- ﷺ عام الفتح في مسيره سورة على راحلته، فرجّع فيها [ (١) ] . وروى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن نصر عن قتادة: قال: «بلغنا أن عامة قراءة رسول الله- ﷺ المدّ» . وروى الخطيب عن النعمان بن بشير- رضي الله تعالى عنه-: أن رسول الله- ﷺ قرأ فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ قال محمد بن المنتشر بنصبه السين. وروى أبو نصر السجزي في الإنابة، عن عبد الرحمن بن أبزى، إلى السّلم بنصب السين. وروى الحاكم، وابن مردويه قال: «كان رسول الله- ﷺ يقرأ هذه الأحرف ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ويدعو» . وعن علي- رضي الله تعالى عنه- أن النبي- ﷺ قرأ: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ ابن مردويه والخطيب عنه. «أن النبي- ﷺ قرأ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً وقرأ كلّ شيء في القرآن.

стр. 3744

الباب الثاني في آدابه- ﷺ في تلاوة القرآن وفيه أنواع: الأول: في مدّه- ﷺ صوته بالقرآن وترتيله . وروى البخاري وابن سعد عن قتادة- رحمه الله تعالى- قال: «سئل أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- كيف كانت قراءة رسول الله- ﷺ ؟ قال: يمدّ مدّا. ثم قال: «بسم الله الرحمن الرحيم» يمدّ ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم» رواه عبد بن حميد، وعبد الرزاق وابن المنذر وابن نصر، عن قتادة قال: بلغنا أن عامة قراءة رسول الله- ﷺ المدّ [ (١) ] . ورواه الدارقطني، عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- ﷺ «إذا قرأ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فقطعها آية آية وعدها عد الأعراب، وعد (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) آية ولم يعد عليهم يقطع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ (٢) ] . وروى الحاكم وقال على شرطهما وأقرّه الذهبي عنها قالت: «كان رسول الله- ﷺ يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين يقطعهما حرفا حرفا» [ (٣) ] . ورواه الخلعي عنها. أن النبي- ﷺ كان يعد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آية فاصلة، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ... مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. وكذا كان يقرؤها إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخرها آية سبع وعقد بيده اليسرى. وجمع بكفيه. وروى الإمام أحمد، وأبو داود والترمذي. عن أم سلمة- أنها سئلت عن قراءة رسول الله- ﷺ فقالت: «كان يقطع قراءته آية آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ (٤) ] . وروى إسحاق بن راهويه، عن ابن أبي مليكة أن عائشة- رضي الله تعالى عنها- سئلت عن قراءة رسول الله- ﷺ فقالت: أفتقدرون على ذلك؟ كان يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يرتل آية آية.

стр. 3745

وروى ابن أبي خيثمة عنه عن بعض أزواج النبي- ﷺ أنها سئلت عن قراءة رسول الله- ﷺ فقالت: إنكم لا تستطيعون، فقالوا أخبرينا بها. فقرأت قراءة مترسلة» . وروى النسائي عن يعلى بن مملك أنه سأل أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- عن قراءة رسول الله- ﷺ في صلاته. قالت: ما لكم وصلاته؟. ثم نعتت حرفا حرفا [ (١) ] . وروى أبو الحسن بن الضحاك عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- قال: «صليت مع رسول الله- ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقرأها حرفا حرفا. لا يمر بذكر جنة إلا وقف وسأل، ولا يذكر نارا إلا تعوّذ حتى قرأ النساء، والبقرة، وآل عمران، على تأليف عبد الله بن مسعود، ثم رفع وذكر الحديث» . وروي أيضاً عن محمد بن كعب القرظي- رضي الله تعالى عنه- قال: «كانت قراءة رسول الله- ﷺ مفسرة حرفا حرفا» [ (٢) ] . وروى أيضا عن حفصة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله- ﷺ يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها» . وروى ابن أبي شيبة، عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- قال: «أتيت رسول الله- ﷺ ذات ليلة لأصلي بصلاته، فافتتح الصلاة، فقرأ قراءة ليست بالخفيضة ولا بالرفيعة يرتل فيها، ويسمعنا» قال ابن سعد، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث [ (٣) ] . الثاني: في جهره- ﷺ بالقراءة أحيانا: وروى أبو الحسن بن الضحاك، عن كريب- رحمه الله تعالى- قال: سألت ابن عباس فقلت: كيف كانت قراءة رسول الله- ﷺ ؟ فقال: «كان يقرأ في بعض حجره فيسمع قراءته من كان خارجا» . وروى الطيالسي- برجال ثقات- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كنت أسمع قراءة رسول الله- ﷺ من البيت وأنا في الحجرة» [ (٤) ] . وروى ابن أبي عمر عن يحيى بن يعمر- رحمه الله تعالى- قال: سألت عائشة- رضي الله تعالى عنها- هل كان رسول الله- ﷺ يرفع صوته من الليل إذا قرأ؟ قالت: «ربما رفع،

стр. 3746

وربما خفض» قال: «الحمد لله الذي جعل في الدين سعة» . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي في «الشمائل» عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كانت قراءة النبي- ﷺ علي قدر ما يسمعه من في الحجرة» [ (١) ] . وروى أبو داود عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «كانت قراءة رسول الله- ﷺ بالليل يرفع طورا ويخفض طورا» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، والنسائي، عن عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة- رضي الله تعالى عنها- كيف كانت قراءة رسول الله- ﷺ بالليل؟ أيجهر أم يسرّ؟ قالت: «كل ذلك كان يفعل وربما جهر وربما أسرّ» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد، والبيهقي، عن أم هانئ قالت: «كنت أسمع قراءة رسول الله- ﷺ بالليل وأنا على عريشي هذا وهو عند الكعبة» [ (٤) ] . وروى أبو داود، والبيهقي، عن غضيف بن الحارث: قال: سألت عائشة أكان رسول الله يجهر بالقرآن أم يخافت به؟ قالت: «ربما جهر وربما خافت» [ (٥) ] . وروى ابن عدي، عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: كانت قراءة رسول الله- ﷺ إذا قام من الليل الزمزمة، فقيل يا رسول الله لو رفعت صوتك فقال: «إني أكره أن أؤذي جليسي، أو أؤذي أهل بيتي» ، في سنده عمرو بن موسى وهو متروك [ (٦) ] . الثالث: في ترجيعه- ﷺ في قراءته وتركه ذلك أحيانا: روى الشيخان عن معاوية بن قرة قال: «سمعت عبد الله بن مغفل المزني- رضي الله تعالى عنه- يقول: «قرأ رسول الله- ﷺ عام الفتح في مسير له سورة الفتح على راحلته، فرجّع في قراءته قال معاوية: لولا إني أخاف أن يجتمع عليّ الناس لحكيت لكم قراءته» ، وفي لفظ «لو شئت أن أحكي لكم قراءة رسول الله- ﷺ وهو على ناقته أو جمله وهو يسير به، وهو يقرأ سورة الفتح قراءة ليّنة وهو يرجع فيها، وفي لفظ ثم قرأ معاوية قراءة ابن مغفّل وقال: لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفّل على النبي- ﷺ يوم الفتح، وهو

стр. 3747

على ناقته، أو على حمار، وهو يسير وهو يقرأ سورة الفتح ثم رجع، فقال ابن أبي إياس: لولا أني أخشى أن يجتمع الناس علينا قرأت ذلك اللحن وقال: هاه: ومدّه [ (١) ] . ورواه ابن أبي شيبة، وأحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي في «الشمائل» والنسائي، والبيهقي، عن عبد الله بن مغفّل قال: قرأ رسول الله- ﷺ عام الفتح في مسيره سورة على راحلته فرجّع فيها» . وروى أبو الحسن بن الضحاك وقال: في سنده عمرو بن موسى وهو متروك، عن أبي بكرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «كانت قراءة رسول الله- ﷺ المد ليس فيه ترجيع» [ (٢) ] . وروى أيضا عن قتادة- رضي الله تعالى عنه- قال: «لم يبعث الله تعالى نبيا إلا حسن الوجه، حسن الصوت، وكان نبيكم- ﷺ أحسنهم وجها، وأحسنهم صوتا، وكان من قبله يرجّعون ولا يمدون، وكان هو يمد ولا يرجع» ، رواه ابن سعد بلفظ: «كان لا يمد كل المد» [ (٣) ] . الرابع: فيما كان يقوله إذا مر بآية رحمة أو بآية عذاب أو بغير ذلك في الصلاة وخارجها: وروى مسلم، عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- قال: «صليت مع رسول الله- ﷺ ذات ليلة وفيه: وقرأ مترسّلا، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوّذ» . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، عن عوف بن مالك- رضي الله تعالى عنه-

стр. 3748

قال: «قمت مع رسول الله- ﷺ فبدأ فاستاك، ثم توضأ، ثم قام يصلي وقمت معه فبدأ فاستفتح (البقرة) لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف يتعوّذ» . وروى الإمام أحمد، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كنت أقوم مع رسول الله- ﷺ التمام، وكان يقرأ بسورة (البقرة، وآل عمران، والنساء) ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها بشارة إلا دعا- لله ورغب إليه» . رواه ابن داود، عن مسلم بن مخراق، وقال: سألت عائشة فذكره. وروى الإمام أحمد، عن أبي ليلى- رضي الله تعالى عنه- قال: «سمعت رسول الله- ﷺ يقرأ في صلاة ليست بفريضة، فمر بذكر الجنة والنار، فقال: «أعوذ بالله من النار، ويل لأهل النار» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ كان إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: «سبحان ربي الأعلى» [ (٢) ] . وروى أبو داود وغيره عن وائل بن حجر قال: سمعت رسول الله- ﷺ قرأ وَلَا الضَّالِّينَ فقال: «آمين» يمد بها صوته» [ (٣) ] أخرجه الطبراني بلفظ ثلاث مرات [ (٤) ] ، وأخرجه البيهقي بلفظ قال: «رب اغفر لي آمين» [ (٥) ] . وروى أبو داود عن موسى بن أبي عائشة- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رجل من الصحابة- رضي الله تعالى عنه- يصلي فوق بيته، فكان إذا قرأ أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى قال: سبحانك: بلى، فسألوه عن ذلك فقال: «سمعت رسول الله- ﷺ » [ (٦) ] . وروى عبد بن حميد، عن قتادة: أن رسول الله- ﷺ كان إذا قرأ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ يقول: «بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» . وروى أيضا عن صالح أبي الخليل قال: كان رسول الله- ﷺ إذا أتى هذه الآية، قال «سبحانك فبلى» .

стр. 3749

وروى عبد الرزاق، وعبد، عن قتادة، «أن رسول الله- ﷺ كان إذا قرأ أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى قال: سبحانك، وبلى» . وروى ابن مردويه، عن البراء، عن أبي هريرة وابن النجار، عن أبي أمامة وعبد بن حميد، وأبو داود، والبيهقي، عن رجل من الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية قال: «سبحانك ربي، وبلى» . الخامس: في قدر ما كان يقرأ من القرآن في كل ليلة: روى الإمام أحمد، وأبو داود، والبيهقي، والطبراني، عن أوس بن حذيفة قال: «قدمنا على رسول الله- ﷺ في وفد ثقيف وذكر الحديث وفيه: فأنزل رسول الله- ﷺ بني مالك في قبّة له فكان يأتينا في كل ليلة بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه، حتى يراوح بين رجليه من طول القيام فلما كانت ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه. فقلنا له: لقد أبطأت عنا الليلة فقال: إنه طرأ عليّ جزئي من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أتمه، قال أوس: سألت أصحاب رسول الله- ﷺ قالوا: ولفظ الطبراني: كيف رسول الله- ﷺ يحزّب القرآن؟ قالوا: كان يحزّبه ثلاثا وخمسا وسبعا وتسعا، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصّل من قاف حتى يتمه [ (١) ] . وروى الطبراني، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران في كل ليلة [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد- برجال ثقات- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله- ﷺ يقرأ في كل ليلة ببني إسرائيل والزّمر» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد- برجال الصحيح- عن أبي روح الكلاعي قال: «صلى بنا رسول الله- ﷺ صلاة، فقرأ فيها، سورة الروم فتردد في آية، فلما انصرف قال: «إنه يلبس علينا القرآن إن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء» [ (٤) ] . تنبيهات الأول: حديث ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قرئ عند رسول الله- ﷺ قرآن

стр. 3750

وأنشد شعر، فقيل يا رسول الله أقرآن وشعر؟ قال: «نعم» . رواه أبو يعلى من طريق الكلبي وهو متروك الثاني: قال أبو الحسن الضحاك: أصح طرق الحديث الواردة في صفة قراءته- ﷺ حديث أنس وعبد الله بن مغفّل. والجمع بين حديث: أنه- ﷺ كان يرتل ويمد صوته، وأنه كان يرجّع: أن مدّ الصوت والترتيل لا ينافي الترجيع، فقد يمد صوته مرجّعا، وأما رواية أنه كان لا يرجّع، فحديث عبد الله بن مغفّل في الترجيع أثبت، ويصح الجمع بينهما بأن يقال: كل واحد من الرواة روى عنه ما سمع. فكان ابن مغفل قد سمع قراءته بالترجيع، وسمعه غيره يقرأ ولا يرجع، إذا لا يصح أن يكون النبي- ﷺ على حال واحد في قراءته إذ صح عنه أنه كان مرة يجهر بالقراءة ومرة لا يجهر.
следующие страницы →