← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

[المجلد التاسع] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جماع أبواب سيرته- ﷺ في المعاملات وما يلتحق بها الباب الأول في الكلام على النقود التي كانت تستعمل في زمانه- ﷺ - قال الإمام أبو سليمان أحمد بن الخطابي- رحمه الله تعالى-: كان أهل المدينة يتعاملون بالدرهم عددا وقت مقدم رسول الله ﷺ ويدل عليه قول عائشة- ﵂ في قصة شرائها بريرة إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة فقلت تريد الدراهم [ (١) ] التي هي ثمنها فأرشدهم رسول الله ﷺ إلى الوزن وجعل العيار وزن أهل مكة، وكان الوزن الجاري بينهم في الدرهم ستّة دوانق وهو درهم الإسلام في جميع البلدان، وكانت الدراهم قبل الإسلام مختلفة الأوزان في البلدان، فمنها البغليّ، وهو ثمانية دوانق، والطّبريّ وهو أربعة دوانق، وكانوا يستعملونها (مناصفة) [ (٢) ] مائة بغليّة ومائة طبريّة، فكان في المائتين منها خمسة دراهم زكاة، فلما كان زمن بني أمية، قالوا إن ضربنا البغليّة ظنّ الناس أنها التي تعتبر للزكاة ضد الفقراء، وإن ضربنا الطبريّة، ضرّ أرباب الأموال، فجمعوا الدراهم البغلي والطبريّ وجعلوهما درهمين، كلّ درهم ستة دوانق، وأما الدنانير: فكانت تحمل إليهم من بلاد الروم فلما أراد عبد الملك بن مروان ضرب الدنانير والدراهم سأل عن أوزان الجاهلية فأجمعوا له على أن المثقال ثمان وعشرون قيراطا إلا حبّة بالشامي وأن كل عشرة من الدراهم سبعة مثاقيل فضربها. انتهى كلام الخطابي. قال الماوردي (في الأحكام السلطانية) : استقر في الإسلام وزن الدرهم ستة دوانق، كل عشرة سبعة مثاقيل، واختلف في سبب استقرارها على هذا الوزن، فقيل كانت في الفرس ثلاثة أوزان، منها درهم على وزن المثقال عشرون قيراطا، ودرهم اثنا عشر، ودرهم عشرة فلما احتيج في الإسلام إلى تقدير، أخذ الوسط من جميع الأوزان الثلاثة، وهو اثنان وأربعون قيراطا من قيراط المثقال وقيل: أن عمر بن الخطاب رأى الدراهم مختلفة، منها البغليّ ثمانية دوانق، والطّبريّ أربعة دوانق، واليمنيّ دانق واحد، فقال: انظروا أغلب ما يتعامل الناس به من أعلاها وأدناها، فكان البغلي والطبري، فجمعهما فكانا اثني عشر دانقا، فأخذ نصفهما، فكان ستّة

стр. 3782

دوانق، فجعله درهم الإسلام، واختلف في أوّل من ضربها في الإسلام، فحكي عن سعيد بن المسيب أن أول من ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان. قال أبو الزناد: أمر عبد الملك الحجاج بضربها في العراق سنة أربعة وسبعين من الهجرة. وقال المدايني: بل ضربها في آخر سنة خمس وسبعين، ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين وقال: وقيل أوّل من ضربها مصعب بن الزبير بأمر أخيه عبد الله بن الزبير سنة سبعين على ضرب الأكاسرة، ثم غيّرها الحجاج انتهى كلام الماورديّ. وقال القاضي عياض: لا يصح أن تكون الأوقية والدرهم مجهولة في زمن رسول الله ﷺ وهو موجب الزكاة في أعداد منها، وتقع بها المبايعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، قال: وهذا يبيّن في الأحاديث أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك بن مروان وأنّه جمعها برأي العلماء وأنّ جعل كلّ عشرة وزن سبعة مثاقيل، ووزن الدرهم ستة دوانق قول باطل، وأن معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام، وعلى صفة لا تختلف بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم وصغارا وكبارا، وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنيّة ومغربيّة، فزاد صرفها في الإسلام ونقصها وتصييرها وزنا واحدا أو أعيانا يستغنى بها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها وضربوه على وزنهم. وقال الرافعيّ: أجمع أهل العصر الأوّل على التقدير على هذا الوزن وهو أن الدرهم ستة دوانق، كلّ عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغيّر المثقال في الجاهلية ولا الإسلام. وقال النووي في [شرح] المهذّب الصّحيح: الذي يتعيّن اعتماده واعتقاده أن الدّراهم المطلقة في زمن رسول الله ﷺ كانت معلومة الوزن معروفة المقدار، وهي السّابقة إلى الأفهام عند الإطلاق، وبها تتعلق الزكاة وغيرها من الحقوق والمقادير الشّرعية ولا يمنع من هذا كونه كان هناك دراهم أخرى أقل أو أكثر من هذا القدر، فإطلاق النبي ﷺ الدراهم محمول على المفهوم عند الإطلاق، وهو كلّ درهم ستة دوانق، كلّ عشرة سبعة مثاقيل، وأجمع أهل العصر الأول فمن بعدهم إلى يومنا هذا على هذا. ولا يجوز أن يجمعوا على خلاف ما كان في زمن رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين، وأما مقدار الدراهم والدنانير فقال الحافظ أبو محمد عبد الحقّ في كتاب (الأحكام) : قال ابن حزم: بحثت غاية البحث عن من وثقت بتمييزه، فكلّ اتّفق على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبّة من حب الشعير المطلق، والدراهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكيّ سبع وخمسون حبة وستة

стр. 3783

أعشار حبة، والرطل مائة درهم وثمانية وعشرون درهما بالدراهم المذكورة، هذا كلام ابن حزم. قال النووي- بعد إيراده- في شرح المهذب: وقال غير هؤلاء: وزن الرطل البغداديّ مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم وهو تسعون مثقالا انتهى. قال ابن سعد في الطبقات: حدثنا محمد بن عمر الواقديّ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، قال: ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم سنة خمسة وسبعين «وهو أول من أحدث ضربها، ونقش عليها» . وفي (الأوائل) للعسكري: أنه نقش عليها اسمه، وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق الحميديّ عن سفيان، قال: سمعت أبي يقول: أول من وضع وزن سبعة الحارث بن ربيعة، يعني: العشرة عدّها سبعة وزنا. وأخرج ابن عساكر عن مغيرة، وقال: أول من ضرب الدراهم الزيوق عبيد الله بن زياد، وهو قاتل الحسين، وفي تاريخ الذهبي: أوّل من ضرب الدراهم في بلاد العرب عبد الرحمن بن الحكم الأمويّ القائم بالأندلس في القرن الثالث، وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم المشرق، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي جعفر، قال: القنطار خمسة عشر ألف مثقال، والمثقال أربعة وعشرون قيراطا، وأخرج ابن جرير في تفسيره عن السدي في قوله تعالى: وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ [آل عمران/ ١٤] . يعني المضروبة حتّى صارت دنانير أو دراهم [ (١) ] انتهى. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الوزن: بواو مفتوحة فزاي ساكنة. الدّانق: بدال مهملة فألف فنون فقاف سدس الدينار. والدّرهم البغليّة: بموحدة مفتوحة فعين معجمة ساكنة فلام فتحتية فتاء تأنيث قيل: إنّها ضرب ملك يسمى رأس البغل. الطّبريّة: [هي من الدراهم الخفاق كل درهم منها أربعة دوانيق] . القيراط: الحبّة بحاء مهملة فموحدة مفتوحتين- الحنطة والشّعير وغيرهما. المثقال: بميم مكسورة فمثلثة ساكنة فقاف.

стр. 3784

الباب الثاني في شرائه وبيعه- ﷺ - وفيه أنواع: الأول: في بيعه: روى البخاري عن جابر- ﵁ قال: بلغ رسول الله ﷺ إن رجلا من أصحابه أعتق غلاما له عن دبر ولم يكن له مال غيره، فباعه بثمانمائة درهم ثمّ أرسل ثمنه إليه [ (١) ] . وروى مسلم والأربعة عنه، قال: جاء عبد فبايع رسول الله ﷺ على الهجرة، ولم يشعر ﷺ أنه عبد، فجاء سيّده يريده، فقال رسول الله ﷺ بعنيه فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدا بعد ذلك حتى يسأله «أعبد هو» ؟ [ (٢) ] . وروى البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة والدّارقطنيّ عن عبد المجيد بن وهب- رحمة الله تعالى- قال: قال لي العدّاء بن خالد- رضي الله تعالى عنه- ألا أقرءوك كتابا كتبه رسول ﷺ : هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله ﷺ اشترى منه عبدا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم المسلم [ (٣) ] . الثاني: في ذكر من اشتراه ﷺ : روى الأربعة وصحّحه التّرمذي عن سويد بن قيس- رضي الله تعالى عنه- قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي برّا من هجر، فجاء رسول الله ﷺ فساومنا من شراء سراويل وعندنا وزّان يزن بالأجر، فقال النبي ﷺ للوزّان زن وأرجح [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي عن أبي صفوان مالك بن عميرة- رضي الله تعالى عنه- قال أتيت رسول الله ﷺ قبل أن يهاجر، فاشترى مني رجل سراويل فأرجح لي. وروى الطبراني برجال ثقات والإمام أحمد وأبو داود عن ابن عباس- ﵄ ان رسول الله ﷺ اشترى عيرا قدمت فربح فيها أوقية فتصدق بها على أرامل بني

стр. 3785

عبد المطّلب وقال: «لا أشتري شيئا ليس عندي ثمنه» [ (١) ] وروى ابن عمر- رضي الله تعالى عنه-: قال كنت مع رسول الله ﷺ على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عمر ويردّه، ثم يتقدم فيزجره عمر، ويردّه، فقال النبي ﷺ لعمر: «بعنيه» ، قال: هو لك يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ «بعنيه» ، فباعه من رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : «هو لك يا عبد الله بن عمر، تصنع به ما شئت» [ (٢) ] . وروي عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال كنت مع رسول الله ﷺ وكنت على جمل [ (٣) ] [لي قد أعيا، فمرّ به النبي ﷺ فضربه، فسار سيرا ليس يسير مثله] ، ثم قال: «بعنيه بوقية» ، قال: فبعته فاستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمت المدينة أتيته بالجمل ونقدني ثمنه [ (٣) ]] . وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح وعبد بن حميد والحاكم عن عائشة- ﵂ قالت ابتاع رسول الله ﷺ من رجل من الأعراب جزورا أو جزائر بوسق من تمر الذخرة والذخرة العجوة، فرجع رسول الله ﷺ إلى بيته فقال له يا عبد الله، إنا قد ابتعنا منك جزورا أو جزائر بوسق من تمر الذخرة فالتمسنا فلم نجد، قال: فقال الأعرابيّ، وا غدراه وا غدراه! فاتهمه الناس وقالوا: قاتلك الله! أيغدر رسول الله ﷺ وفي لفظ بل أنت يا عدو الله أغدر، فقال رسول الله ﷺ دعوه فإن لصاحب الحقّ مقالا، ثم دعا له رسول الله ﷺ فقال يا عبد الله، إنا ابتعنا جزائرك، ونحن نظنّ عندنا ما سمينا لك فالتمسناه فلم نجده، فقال الأعرابي وا غدراه، فاتهمه الناس، وقالوا: قاتلك الله! أيغدر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ دعوه فإن لصاحب الحق مقالا، فردّد ذلك رسول الله ﷺ مرتين أو ثلاثا فلما رآه لا يفقه عنه، قال لرجل من أصحابه: اذهب إلى خولة بنت حكيم بن أمية، فقل لها: رسول الله ﷺ يقول لك إن كان عندك وسق تمر من تمر الذخرة- فأسلفيناه، حتى نؤدّيه إليك إن شاء الله، فذهب إليها الرّجل، ثم رجع الرجل، فقال: قالت: نعم، هو عندي يا رسول الله، فابعث من يقبضه، فقال رسول الله ﷺ للرجل اذهب فأوفه الذي له قال فذهب به، فأوفاه الذي له، قالت فمرّ الأعرابيّ برسول الله ﷺ وهو جالس في أصحابه، فقال: جزاك الله خيرا فقد أوفيت وأعطيت وأطيبت، فقال رسول الله ﷺ إنّ خيار عباد الله عند الله الموفون المطيبون [ (٤) ] .

стр. 3786

الثالث: في اختياره ﷺ موضع السوق: روى الطبراني من طريق الحسن بن علي بن الحسن بن أبي الحسن البراد يحرر حاله عن أبي أسيد- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي، يا رسول الله، إني قد رأيت موضعا للسوق، أولا تنظر إليه؟ قال: بلى، فقام معه حين جاء موضع السوق فلما جاءه أعجبه، وركضه برجله، وقال: نعم سوقكم، فلا ينقض ولا يضربنّ عليكم خراج [ (١) ] . ورواه ابن ماجة بلفظ: ذهب رسول الله ﷺ إلى سوق النبيط فنظر إليه، وقال ليس لكم هذا بسوق، ثم ذهب إلى سوق، فقال: هذا ليس لكم بسوق، ثم رجع إلى هذا السّوق فطاف فيه، ثم قال: هذا سوقكم، فلا ينتقض ولا يضرب عليه خراج [ (٢) ] . الرابع: في دخوله ﷺ السوق، وما كان يقوله إذا دخله ووعظه أهله: وروى أبو بكر أحمد بن عمر وابن أبي عاصم في كتاب البيوع والحاكم في المستدرك والطبرانيّ عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل السّوق، قال: «بسم الله» وفي لفظ إذا خرج إلى السوق، قال: «اللهم إني أسألك من خير هذا السّوق وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرا وصفقة خاسرة» [ (٣) ] . وروى الطبراني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ أتى جماعة من التّجّار، فقال: يا معشر التجار، فاستجابوا له وأمدوا أعناقهم، فقال: «إن الله تعالى باعثكم يوم القيامة، فجّارا إلا من صدق وبرّ وأدى الأمانة» [ (٤) ] . وروى الطبراني برجال ثقات إلا محمد بن إسحاق الغنوي فيحرر حاله عن واثلة بن الأسقع- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ يخرج إلينا وكنّا تجّارا، وكان يقول يا معشر التجار، إياكم والكذب [ (٥) ] . وروى الطبراني عن طريق محمد بن أبان الحنفي عن بريدة- رضي الله تعالى عنه-

стр. 3787

قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج إلى السوق قال: «اللهم إني أسألك من خير هذه السوق وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشرّ ما فيها، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة أو صفقة خاسرة» [ (١) ] ، وفي رواية: اللهم إني أعوذ بك من شر هذه السوق، وأعوذ بك من الكفر والفسوق. وروى ابن ماجه والترمذي، وقال حسن صحيح عن رفاعة بن رافع- رضي الله تعالى عنه- قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى المصلى فإذا الناس يتبايعون، فقال: يا معشر التّجّار، فاستجابوا ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: التّجّار يبعثون يوم القيامة، فجارا إلا من اتقى الله وبرّ وصدق [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد والأربعة عن قيس بن أبي غرة البجلي- ﵁ قال: كنا نبتاع بالمدينة، وكنا نسمّى السّماسرة، فأتانا رسول الله ﷺ فسمّانا باسم هو أحسن، وفي لفظ: فأتانا رسول الله ﷺ بالبقيع، فقال: «يا معشر التجار» ، فسمّانا بأحسن أسمائنا: إن البيع يحضره الحقّ والكذب، وفي لفظ: أن الشيطان والإثم يحضران السّوق، وفي لفظ: أن هذه السّوق يخالطها اللّغو والحلف فشوبوه بالصّدقة [ (٣) ] . الخامس: في تعاهده ﷺ السوق ودخوله لحاجة وإنكاره على من غش: وروى الطبراني برجال ثقات عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: خرج رسول الله ﷺ إلى السوق فرأى طعاما مصبّرا، فأدخل يده فيه، فأخرج طعاما رطبا قد أصابته السماء، فقال لصاحبه: ما حملك على هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق، أنه لطعام واحد، قال أفلا عزلت الرّطب على حدته، واليابس على حدته، فيبتاعون ما يعرفون، من غشّنا فليس منا [ (٤) ] . وروى الطبراني عن أبي موسى- ﵁ قال-: انطلقت مع رسول الله ﷺ إلى سوق البقيع، فأدخل يده في غرارة، فأخرج طعاما مختلفا أو قال مغشوشا، فقال النبي ﷺ ليس منا من غشّنا [ (٥) ] . وروى ابن ماجه عن أبي الحمراء- رضي الله تعالى عنه- قال: رأيت رسول الله ﷺ مر بجنبات رجل عنده طعام في وعاء فأدخل يده فيه، وقال: لعلّك غششت، من غشنا فليس

стр. 3788

منا [ (١) ] . وروى الترمزي مرفوعا عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والميزان: إنكم قد ولّيتم أمرا هلكت فيه الأمم السّالفة قبلكم، ورواه عنه بسند صحيح موقوفا [ (٢) ] وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ مرّ في السوق على صبرة طعام، فسأله كيف تبتاع؟ فأخبره، فأوحي إليه أن أدخل يدك فيه، فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام» ؟ فقال: يا رسول الله، أصابته السماء، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشّنا فليس منّا» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: مر رسول الله ﷺ بطعام قد حسّنه صاحبه، فأدخل يده فيه، فإذا هو طعام رديء، فقال: «بع هذا على حدة وهذا على حدة، فمن غشّنا فليس منّا» [ (٤) ] . وروى البخاري والترمذي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ بالسوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فقال: إنّما دعوت هذا فقال النبي ﷺ «تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي» [ (٥) ] . وروى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: خرج رسول الله ﷺ في طائفة النهار لا يكلّمني ولا أكلّمه حتى أتى سوق بني قينقاع ثم انصرف ... الحديث [ (٦) ] . السادس في اشترائه الحيوان متفاضلا وامتناعهم من التفسير: روى أبو داود عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ اشترى عبدا بعبدين [ (٧) ] . وقد روى مسلم وابن ماجه والإمام أحمد وأبو داود والترمذي، وقال حسن صحيح عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ اشترى صفيّة بسبعة أرؤس من دحية الكلبيّ [ (٨) ] .

стр. 3789

وروى الإمام أحمد والطبراني برجال الصحيح عن أبي سعيد والطبراني برجال الصحيح، وأبو داود عن أبي هريرة والطبراني عن ابن عباس والبزار عن علي والطبراني عن أبي جحيفة والطبراني عن فضلة والإمام أحمد وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنهم- قالوا: غلا السعر بالمدينة على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، أما تسعّر لنا؟ وفي رواية: قوّم لنا سعرنا وفي رواية: فقال الناس: يا رسول الله، سعّر، وفي رواية: أن رجلا جاء، فقال: يا رسول الله، سعّر، فقال: بل ادعوا، ثم جاءه رجل فقال، يا رسول الله، هلّا تسعّر لنا! وفي رواية: أن رجلا جاء فقال: يا رسول الله، سعّر، فقال: بل ادعوا، ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله، سعّر، وفي رواية: لو قوّمت لنا السّعر فقال إن الله تعالى هو المسعّر القابض الباسط، وفي رواية: بل الله يرفع ويخفض، وفي رواية إن الله هو المقوّم والمسعّر، إني لا أريد أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في عرض وفي رواية ولا نفس ولا مال وفي رواية لا يسألني الله تعالى عن سنّة أحدثتها عليكم لم يأمرني بها ولكن أسأل الله تعالى من فضله [ (١) ] . تنبيهات الأول: قال في زاد المعاد: باع رسول الله ﷺ واشترى وكان شراؤه بعد أن أكرمه الله تعالى برسالته أكثر من بيعه، وكذلك بعد الهجرة لا يكاد يحفظ عنه البيع إلا في قضايا يسيرة أكثرها لغيره كبيعه القدح والحلس فيمن يزيد، وبيعه يعقوب المدبر غلام أبي مذكور وشراؤه عبدا أسود بعبدين وأمّا شراؤه فكثير. الثاني: في بيان غريب ما سبق: داء: [بدال مهملة مفتوحة فألف فهمز] المعيب. الغائلة: [أي ولا فجور، وقيل المراد الإباق] . الخبثة: [بخاء معجمة مكسورة فموحدة ساكنة بعد هاء مثلثة أي سبيا] . سامني: [سين مهملة فألف فميم مفتوحة فنون فتحتية من المساومة] . تمر الذخرة: [تقدم تفسيره] . الأواقي: [بهمزة فواو مفتوحتين فألف فقاف] . وسق: [بواو مفتوحة فسين مهملة ساكنة فقاف] .

стр. 3790

ركضه برجله: [ضربه] . الخراج: [بخاء معجمة فراء مفتوحتين فجيم ما يجعل من غلة] . السوق: [بسين مهملة فواو ساكنة يؤنث ويذكر، وسميت به لقيام الناس فيها على سوقهم] . الفاجرة: [بفاء فألف فجيم مكسورة فراء فتاء تأنيث الكاذبة] . الصّفقة: [بصاد مهملة مفتوحة ففاء ساكنة فقاف فتاء العقدة الخاسرة] . البر: [بكسر الموحدة وبالراء الصلة] . السماسرة: [جمع سمسار، وهو القيم بالأمر الحافظ له] . البقيع: [بموحدة مفتوحة فقاف مكسورة فتحتية فعين مهملة المكان المتسع من الأرض] . الغرار: الغش: [بغين معجمة مكسورة فشين معجمة ضد النصح] . الصبرة: [بصاد مهملة مضمومة فموحدة ساكنة فراء فتاء تأنيث الطعام] .

стр. 3791

الباب الثالث في إيجاره- ﷺ واستئجاره وفيه أنواع: الأول: في إيجاره نفسه ﷺ قال في زاد المعاد: أجّر رسول الله ﷺ واستأجر واستئجاره أكثر من إيجاره، وإنما يحفظ عنه أنه أجّر نفسه الكريمة قبل النبوة في رعاية الغنم، وأجّر نفسه من خديجة في سفره بما لها إلى الشام. وروى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ما بعث الله نبيا إلا راعي غنم، فقال الصحابة وأنت؟ فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكّة [ (١) ] . وروى الحاكم عن طريق الربيع بن بدر عن أبي الزبير عن جابر، قال: أجّر رسول الله ﷺ نفسه من خديجة بنت خويلد سفرتين إلى جرش كلّ سفرة [ (٢) ] بقلوص. قلت: الربيع ضعيف، قال ابن العربي: إن صح الحديث فإنما هو المفتوح الذي بالشام. قال في النهاية: جرش بضم الميم وفتح الراء من مخاليف اليمن وهو بفتحها بلد في الشام. الثاني: في استئجاره ﷺ : روى البخاري عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- في حديث العجوة قالت: واستأجر رسول الله ﷺ من بني الدّيل [ (٣) ] . الثالث: في مساقاته ﷺ : روى الإمام أحمد عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنه- وأحمد وأبو داود وابن ماجة والدّارقطنيّ عن ابن عباس وابن ماجة عن أنس أن رسول الله ﷺ لما ظهر على أهل خيبر، أراد إجلاء يهود منها، وكانت الأرض حين ظهر رسول الله ﷺ لله ورسوله وللمسلمين، وأراد إخراج يهود منها، فسألت يهود رسول الله ﷺ أن يقرّهم بها على أن يكفوا أهلها، ولهم النّصف، وفي لفظ فعامل رسول الله ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر وزرع، وقال لهم رسول الله ﷺ ، نقركم بها على ذلك ما شئنا وفي لفظ ما أقركم الله فقرّوا بها حتى أجلاهم عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- [ (٤) ] .

стр. 3792

الباب الرابع في استعارته- ﷺ وإعارته وفيه نوعان: الأول: في استعارته ﷺ : روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي: والدارقطنيّ عن صفوان بن أمية- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ استعار منه أدراعا يوم حنين، فقال أغصب يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة فضاع بعضها، فقال النبي ﷺ إن شئت غرمتها، قال: لا، إن قلبي من الإسلام اليوم غير ما كان يومئذ [ (١) ] . وروى أبو داود عن أناس من آل عبد الله بن صفوان ومسدّد وابن أبي شيبة عن عطاء بن رباح عن أناس عن عبد الله بن صفوان قال: استعار رسول الله ﷺ من صفوان بن أمية سلاحا وفي لفظ: أن رسول الله ﷺ قال: يا صفوان، هل عندك من سلاح؟ فقال له صفوان: أعارية أم غصب؟ قال: بل عارية، فأعاره ما بين ثلاثين إلى أربعين درعا، فغزا رسول الله ﷺ حنينا، فلمّا هزم الله المشركين جمعوا، وفي لفظ: جمعت أدراع صفوان، ففقد من أدراعه وفي لفظ: «منها أدراعا» ، فقال رسول الله ﷺ : «يا صفوان، إن شئت غرمناها لك» ، وفي لفظ: «بل نغرم لك» فقال: يا رسول الله، إن في قلبي من الإيمان، وفي لفظ: «اليوم ما لم يكن حينئذ» [ (٢) ] . وروى الترمذي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ استعار قصعة فضاعت فضمنها لهم [ (٣) ] . وروى الشيخان عنه قال: كان فزع بالمدينة فاستعار رسول الله ﷺ فرسا لأبي طلحة يقال له مندوب فركبه فلما رجع، قال: ما رأينا من شيء وإن وجدناه لبحرا [ (٤) ] وروى عنه البخاريّ أنّ أهل المدينة فزعوا مرة فركب النبي ﷺ فرسا لأبي طلحة، وكان يقطف أو كان به قطاف، فلما رجع قال وجدنا فرسكم هذا بحرا فكان بعد ذلك لا يجاري [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد عن صفوان بن يعلى عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال: قال لي

стр. 3793

النبي ﷺ : «إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا وثلاثين بعيرا» ، قال: فقلت يا رسول الله أعارية مضمونة أو عارية مؤدّاة؟ قال: «بل مؤداة» [ (١) ] . الثاني في إعارته ﷺ : تنبيه في بيان غريب ما سبق. الدرع: تقدم تفسيره وكذلك القصعة. مندوبا: من قوله ندبه لأمر انتدبه له، دعاه له فأجاب، ويقال: فرس ندب بسكون الدال أي ماض، ورجل ندب أي خفيف في الحاجة. القطوف: من الدّوابّ البطيء الشيء، وقيل: الضيق الشيء، قطفت الدّابّة تقطف قطفا والاسم القطاف. [يجارى] : بضم المثناة التحتية وفتح الراء يساير.

стр. 3794

الباب الخامس في مشاركته- ﷺ - روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقيّ عن السائب بن أبي السائب- رضي الله تعالى عنه- أنه كان يشارك رسول الله ﷺ قبل الإسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح جاءه فقال رسول الله ﷺ «مرحبا بأخي وشريكي، كان لا يداري ولا يماري، يا سائب قد كنت تعمل أعمالا في الجاهلية، لا تقبل منك وهي اليوم تقبل منك وكان ذا سيف وصلة» [ (١) ] . وروى أبو يعلى والبزار بإسناد حسن عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فوجد تمرتين، فأخذ تمرة وأعطاني تمرة [ (٢) ] . وروى الطبراني برجال الصحيح غير عبد الله بن الإمام أحمد وهو ثقة مأمون عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ رأى تمرة عائرة فأخذها فناولها سائلا، فقال: «إنك لو لم تأتها لا تأتك» . بيان الغريب مرحبا: بميم مفتوحة فراء ساكنة فحاء مهملة فموحدة مفتوحة أي لتأتي رحبا وسعة. لا يداري: بالهمزة من المدارة، وهي مدافعة الحق فإن ترك الهمزة صارت من المداراة وهي الدفع بالتي هي أحسن. لا يماري: من المماراة وهي المجادلة بغير حق. العائرة: بعين مهملة مفتوحة فهمزة مكسورة فراء فتاء تأنيث، الساقطة.

стр. 3795

الباب السادس في وكالته وتوكيله- ﷺ قال في زاد المعاد: وكان توكيله- ﷺ أكثر من توكّله. وروى الإمام أحمد والتّرمذي وأبو داود والدّارقطني عن عروة البارقي- رضي الله تعالى عنه- قال عرض للنبي ﷺ جلب فأعطاني دينارا، وقال: «أي عروة ائت الجلب، فاشتر لنا شاة» ، فأتيت الجلب، فساومت صاحبه، فاشتريت منه شاتين بدينار فجئت أسوقهما، أو قال أقودهما، فلقيني رجل فساومني فبايعته شاة بدينار فجئت بالدّينار وجئت بالشّاة، فقلت يا رسول الله هذا ديناركم، وهذه شاتكم، قال وصنعت كيف؟ قال: فحدثته الحديث، فقال: اللهم بارك له في صفقة يمينه، فقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي، زاد أحمد وكان يشتري الجواري ويبيع، زاد التّرمذيّ فيربح الربح العظيم، وكان من أكثر أهل الكوفة مالا، زاد الإمام أحمد والبخاري في رواية: فكان لو اشترى التراب لربح فيه [ (١) ] . وروى أبو داود والتّرمذي والدّارقطني عن حكيم بن حزام- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ بعث حكيم بن حزام يشتري له أضحية بدينار، فاشتراها بدينار،. وباعها بدينارين فاشترى أضحية بدينار، وجاء بدينار إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ ضحّ بالشاة، وتصدّق بالدينار، ودعا له أن يبارك له في تجارته [ (٢) ] . وروى البخاري تعليقا عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: وكّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان [ (٣) ] . وروى أبو داود عن جابر قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله ﷺ فسّلّمت عليه، وقلت له: إني أريد الخروج إلى خيبر، فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد في رواية حميد الشامي عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال له: يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الجلب: بجيم فلام مفتوحتين فموحدة ما يجلب من مكان إلى آخر. الترقوة: [العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق] .

стр. 3796

الباب السابع في شرائه- ﷺ - وروى الإمام أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة عن عائشة- ﵂ قالت اشترى رسول الله ﷺ من يهوديّ وأعطاه درعه رهنا وفي رواية: رهنه درعا من حديد [ (١) ] . وروى الإمام أحمد والبخاريّ والبزّار عن أنس قال: لقد رهن رسول الله ﷺ درعا له من يهوديّ بالمدينة وأخذ منه عشرين صاعا من طعام، وفي لفظ «من شعير» لأهله [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد والتّرمذي وصحّحه النّسائيّ وابن ماجة عن ابن عباس- ﵄ قال: قبض رسول الله ﷺ وإنّ درعه مرهون عند يهودي على ثلاثين صاعا من شعير أخذها رزقا لعياله [ (٣) ] . وروى الإمام الشافعي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ رهن درعه عند أبي الشّحم اليهوديّ [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن أسماء بنت يزيد قالت: أن رسول الله ﷺ توفّي يوم توفّي ودرعه مرهون عند رجل من يهود قريش من شعبة [ (٥) ] . وروى الحارث عن أبي زرعة بن عمر وابن جرير أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ يتقاضاه تمرا، فاستنظره رسول الله ﷺ فأبى أن ينتظره، فانتهره أصحاب رسول الله ﷺ فقال: أخرج عليك أن أخرج من المدينة وأنا أطلبك منه بشيء، فإني والله لا أرجع إلى أرضي حتى ينتهب منها أكثر مما أطلبك به فأرسل إلى امرأة من بني سليم يقال لها جدامة، يستلفها تمرا، فقالت اذهب فاكتل واستوفه، ثم قال: هو كان إلى نصرتكم أحوج وأنا إلى ما أمر به ربي بارّا أمانتي أحوج إن الله لا يقدّس أمّة لا ينصر ضعيفها، أو قال: لا يقوى قويها. وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يتقاضاه دينا كان عليه، فاشتد عليه، حتى قال له أخرج عليك إن قضيتني،

стр. 3797

فانتهره أصحابه، وقالوا ويحك أتدري من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي! فقال ﷺ «هلا مع صاحب الحقّ كنتم» ثم أرسل إلى خولة بنت قيس، فقال لها: «إن كان عندك تمر فأقرضينا تمرنا فنقضيك» فقالت: نعم، بأبي أنت يا رسول الله، فأقرضته، فقضى الأعرابيّ وأطعمه، فقال: أوفيت أوفى الله لك، فقال: «أولئك خيار النّاس لا قدّمت أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقّه غير متعتع» [ (١) ] .

стр. 3798

الباب الثامن في استدانته- ﷺ برهن وبغيره وحسن وفائه وروى إسحاق وابن أبي شيبة والطّبرانيّ والبزار عن أبي رافع- ﵁ قال: نزل برسول الله ﷺ ضيف، فبعثني إلى يهوديّ، فقال: قل له: إن رسول الله ﷺ يقول: بعني أو أسلفني إلى رجب، فأتيته، فقلت له ذلك، فقال: والله، لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: والله، لو باعني أو أسلفني إني لأمين في السماء، أمين في الأرض، اذهب بدرع الحديد إليه، قال: فنزلت هذه الآية فيه، تعزية للنبي ﷺ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ (١) ] . وروى الطبراني برجال الصحيح عن أبي حميد الساعدي- رضي الله تعالى عنه- قال استسلف رسول الله ﷺ من رجل تمر لون، فلما جاء يتقاضاه، قال رسول الله ﷺ ليس عندنا اليوم من شيء، فلو تأخّرت عنّا حتى يأتينا شيء، فنقضيك، فقال الرجل: وا غدراه! فقام له عمر، فقال رسول الله ﷺ : «دعه يا عمر فإن لصاحب الحقّ مقالا» ، انطلق إلى خولة بنت حكيم الأنصاريّة، فالتمسوا عندها تمرا، فانطلقوا، فقالت يا رسول الله، ما عندنا إلا تمر الذخيرة، فأخبر رسول الله ﷺ فقال: خذوا فاقضوا فلما قضوه، أقبل إلى رسول الله ﷺ فقال: استوفيت؟ قال: نعم، أوفيت وأطيبت، قال رسول الله ﷺ : «إنّ خيار عباد الله من هذه الأمة الموفون الطّيّبون» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن أبي عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ استلف منه حين غزا حنينا ثلاثين ألفا أو أربعين ألفا وفي لفظ أحمد: ثمانين ألفا أو أربعين ألفا، فلما قدم قضاها إياه ثم قال له رسول الله ﷺ بارك الله في أهلك ومالك، إنما جزاء السّلف الوفاء والحمد ورواه ابن أبي عمر، وابن أبي شيبة عن إسماعيل بن إبراهيم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ استلف [ (٣) ] . .. فذكره. وروى الإمامان الشافعي وأحمد والشّيخان والأربعة إلا أبا داود عن أبي هريرة- ﵁ قال: كان لرجل على رسول الله ﷺ دينار وفي لفظ سنّ من الإبل، فجاءه يتعاطاه، فأغلظ لرسول الله ﷺ حتّى همّ به وفي لفظ: فهمّ به بعض أصحاب رسول الله ﷺ فقال: «دعوه فإنّ لصاحب الحقّ مقالا» ، فأعطوه فطلبوا سنّا فلم يجدوا إلا سنا فوقها وفي لفظ «خيرا

стр. 3799

منها» قال: فاشتروه فأعطوه فإن من خياركم أحسنكم قضاء، وفي لفظ: «فأمر له بأفضل من سنّه، فقال: أوفيتني، أوفاك الله، فقال رسول الله ﷺ أن خياركم أحسنكم قضاء» [ (١) ] . وروى البخاري وأبو جعفر عن جرير وأحمد وأبو داود عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: كان لي على رسول الله ﷺ دين فقضاني وزادني [ (٢) ] . وروى البزار عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يتقاضاه وقد استسلف منه شطر وسق فأعطاه وسقا، فقال: نصف وسق لك، ونصف وسق لك منّا [ (٣) ] . وروى البزار برجال ثقات عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: استسلف رسول الله ﷺ من رجل أربعين صاعا فاحتاج الأنصاريّ فأتاه، فقال رسول الله ﷺ «ما جاءنا شيء» فقال الرّجل: وأراد أن يتكلّم، فقال رسول الله ﷺ «لا تقل إلّا خيرا، فأنا خير من تسلف» فأعطاه أربعين وأربعين لسلفه، فأعطاه ثمانين [ (٤) ] . وروى ابن ماجه عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: جاء رجل يطلب نبي الله ﷺ بدين أو بحقّ فتكلم ببعض الكلام، فهمّ به بعض أصحاب رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ «إن صاحب الدّين له سلطان على صاحبه حتى يقضيه» [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد وأبو يعلى عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: بعثني رسول الله ﷺ حليق النصرانيّ ليبعث له أثوابا إلى الميسرة فأتيته فقال: ما الميسرة؟ والله ما لمحمّد ثاغية ولا داعية، فلما أتيت رسول الله ﷺ قال: «كذب عدو الله، أنا خير من باع، لأن يلبس أحدكم من رقاع شتّى خير له من أن يأخذ بأمانته ما ليس عنده» [ (٦) ] . وروى الطبراني عن خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطلب- رضي الله تعالى عنهما- قالت كان على رسول الله ﷺ وسق من تمر لرجل من بني ساعدة فأتاه يقتضيه، فأمر رسول الله ﷺ رجلا من الأنصار أن يقتضيه، فقضاه إياه تمرا دون تمره فأبى أن يقبله، فقال: أتردّ على رسول الله ﷺ ؟ قال، نعم، ومن أحقّ بالعدل من رسول الله ﷺ فاكتحلت عينا رسول الله ﷺ بدموعه، ثم قال: صدق، من أحقّ بالعدل مني، لا قدّس الله أمّة لا يأخذ

стр. 3800

ضعيفها حقّه من قويّها ولا يتعتعه يا خولة عديه واذهبيه واقضيه [ (١) ] . وروى الإمام مالك عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: استلف رسول الله ﷺ من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمرني رسول الله ﷺ أن أقضي الرجل بكرا، فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملا خيارا رباعيا، فقال رسول الله ﷺ : «أعطه إيّاه، فإن خيار النّاس أحسنهم قضاء» [ (٢) ] . وروى الطبراني برجال الصحيح عن عبد الله بن أبي سفيان- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل يهوديّ إلى رسول الله ﷺ يتقاضاه تمرا فأغلظ للرسول ﷺ فهمّ به أصحابه، فقال رسول الله ﷺ «ما قدّس الله، أو ما يرحم الله أمّة لا يأخذون للضّعيف منهم حقّه غير متعتع» ثم أرسل إلى خولة بنت حكيم، فاستقرضها تمرا، فقضاه، ثم قال رسول الله ﷺ : «كذلك يفعل عباد الله الموفون، أما إنه قد كان عنده تمر لكنه كان خيرا» [ (٣) ] . وروى النسائي وابن ماجة عن العرباض بن سارية- رضي الله تعالى عنه- قال كنت عند رسول الله ﷺ فقال أعرابيّ: اقضني بكري فأعطاه بعيرا مسنا، فقال الأعرابيّ: يا رسول الله، هذا أسنّ من بعيري، فقال رسول الله ﷺ خير الناس خيرهم قضاء [ (٤) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: التعزية: بفوقية مفتوحة فعين مهملة ساكنة فزاي مكسورة فتحتية مفتوحة فتاء تأنيث، الحمل على الناس والصبر. لون، بلام مفتوحة فواو ساكنة فنون: نزع. ثاغية: بمثلثة فألف فغين معجمة فتحتية فتاء تأنيث أي ليس لها شيء من الغنم. وا غدراه: [ ... ] . راغية: براء فألف فغين معجمة فتحتية فتاء تأنيث. البكر: بفتح الموحدة وسكون الكاف وبالراء، الناقة والفتيّ منها إلى أن يجزع إلى أن يثنى وابن اللبون أو الذي لم ينزل. الخيار: من الخيرة بخاء معجمة مكسورة فتحتية فراء فتاء تأنيث أي ليس له شيء من الغنم. الرباعي: براء فموحدة مفتوحتين فعين مهملة يقال للذكر من الإبل إذا طلعت رباعيته رباع، والأنثى رباعية إذا دخلا في السنة السابعة.

стр. 3801

الباب التاسع في ضمانه- ﷺ - وفيه أنواع: الأول: في ضمانه ﷺ ضمانا خاصا عن ربه ﵎ على أعمال من أعمال أمته: وروى أبو داود عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «أنا زعيم بيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقّا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وبيت في أعلى الجنة لمن حسّن خلقه» [ (١) ] . وروى الطبراني بسند جيّد عن عبادة بن الصامت- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «اضمنوا ستاّ من أنفسكم أضمن لكم الجنّة اصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتّم، وأدوا إذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد والطبراني برجال الصحيح عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله، إنّ لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها، فقال له النبي ﷺ : «أعطها إياه بنخلة في الجنّة» ، فأبى، فأتاه أبو الدّحداح فقال بعني نخلتك بحائطي، ففعل، فأتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله، إني ابتعت النخلة بحائطي فاجعلها له فقد أعطيتكها، فقال رسول الله ﷺ من عذق راح لأبي الدّحداح، قالها مرارا فأتى امرأته، فقال: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط، فإني قد ابتعته بنخلة في الجنة، فقالت: ربح البيع أو كلمة تشبهها [ (٣) ] . الثاني: في ضمانه- ﷺ دين بعض الصحابة: روى أبو داود وابن ماجة عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير، فقال: والله ما أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني تحميل أجره إلى رسول الله ﷺ قال: كم تنظره؟ قال: شهرا، فقال رسول الله ﷺ : «أنا أحمل» فتحمّل بها رسول الله ﷺ فأتاه بقدر ما وعده، فقال له رسول الله ﷺ من أين أصبت هذا؟ قال: من معدن، قال: لا حاجة لنا فيها، ليس فيها خير فقضاها عنه رسول الله ﷺ [ (٤) ] .

стр. 3802

الثالث: في ضمانه ﷺ عن من مات وعليه دين ولم يترك وفاء [ (١) ] : روى الشيخان عن أبي هريرة- ﵁: «كان رسول الله ﷺ يؤتى بالرّجل المتوفّى عليه الدّين، فيسأل: هل ترك لدينه قضاء؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله عليه الفتوح قام فقال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين، فترك دينا فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته» . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: ربض الجنة: براء فموحدة مفتوحتين فضاد معجمة، ما حولها خارجا عنها. المراء: بميم مكسورة فراء فألف فهمزة، الجدال. غضّوا أبصاركم: بغين وبضاد معجمتين مضمومتين احفظوها. العذق: بعين مهملة مفتوحة فذال معجمة ساكنة، النخلة، وبكسر العين العرجون. الحائط: بحاء مهملة فألف فهمزة مكسورة فطاء مهملة، البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار. المعدن: بميم مفتوحة فعين مهملة ساكنة فدال مهملة فنون، الموضع الذي يستخرج منه جواهر الأرض الذهب والفضة.

стр. 3803

جماع أبواب سيرته- ﷺ في الهدايا والعطايا والإقطاعات الباب الأول في سيرته- ﷺ في الهدية وفيه أنواع: الأول: في أمره ﷺ بالتهادي: روى إبراهيم الحربيّ وأبو بكر أحمد بن أبي عاصم في (كتاب الأموال) عن أبي هريرة- ﵁ قال- قال رسول الله ﷺ : الهديّة تذهب وحر الصّدر [ (١) ] . الثاني: في قبوله ﷺ الهدية ولو قلت وإثابته عليها: روى الإمام أحمد والبخاريّ وأبو داود والترمذي عن عائشة- ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل الهديّة ويثيب عليها [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد والترمذي وصححه ابن سعد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «لو أهدي إليّ كراع لقبلت ولو دعيت عليه لأجبت» وفي لفظ «إذا دعيت إلى ذراع» وفي لفظ «إلى كراع لأجبت» ورواه البخاري عن أبي هريرة [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد والطبراني برجال الصحيح وابن سعد عن عبد الله بن بسر ﵁ قال: كانت أمّي وفي لفظ «أختي» تبعثني بالهديّة إلى رسول الله ﷺ وفي لفظ بالشيء فيقبلها مني وروى الطبراني عنه قال: [ (٤) ] بعثتني أمي إلى رسول الله ﷺ بقطف من عنب فأكلته، فقالت أمّي: هل أتاك عبد الله بقطف؟ قال: لا، فجعل رسول الله ﷺ إذا رآني قال: «غدر غدر» ورواه تمام بن محمد الرّازيّ بلفظ: بقطف من العنب، فناولت منه فأكلته قبل أن أبلّغه إلى النبي ﷺ فلمّا جئته مسح على رأسي، وقال: «يا غدر!» [ (٥) ] .

стр. 3804

وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن سرجس- رضي الله تعالى عنه- قال: كانت أختي ربّما تبعثني بالشّيء إلى النبي ﷺ تطرقه إياه فيقبله مني [ (١) ] . وروى الإمام أحمد والبزار عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن أعرابيا أهدى إلى رسول الله ﷺ هديّة فأثابه عليها، قال، أرضيت؟، قال: لا، فزاده، قال: أرضيت؟ قال: لا، فزاده، قال: أرضيت؟ قال: نعم؟ [ (٢) ] . وروى أبو يعلى برجال الصحيح وأبو بكر أحمد بن عمر بن أبي عاصم بسند صحيح عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا كان يلقّب حمارا وكان يهدي لرسول الله ﷺ العكّة من السّمن والعكّة من العسل، فإذا جاء صاحبها يتقاضاه جاء به إلى رسول الله ﷺ ، فيقول: يا رسول الله، أعط هذا ثمن متاعه فما يزيد رسول الله ﷺ على أن يتبسم أو يأمر به فيعطى [ (٣) ] . وروى الطبراني عن أم سلمة والإمام أحمد برجال الصحيح وأبو يعلى والبزار عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت أمّ سنبلة أتيت رسول الله ﷺ بهديّة وقالت عائشة: أهدت أم سنبلة لرسول الله ﷺ لبنا فلم تجده، فقلت لها: إن رسول الله ﷺ قد نهانا أن نأكل من طعام الأعراب، فدخل رسول الله ﷺ وأبو بكر معه، فقال: «ما هذا معك يا أمّ سنبلة» فقالت: لبنا أهديته لك يا رسول الله، فقال: «اسكبي، أمّ سنبلة» ، فسكبت فنادى عائشة، فناولها فشربت فقال: «اسكبي أمّ سنبلة» ، فسكبت فناولته رسول الله ﷺ فشرب، فقالت عائشة: فشرب رسول الله ﷺ من لبن أسلم، ثم قالت: قد كنت حدّثت أنّك قد نهيت عن طعام الأعراب، فقال: يا عائشة، هم ليسوا بأعراب، هم أهل باديتنا، ونحن أهل حاضرتهم، وإذا دعوا أجابوا، فليسوا بأعراب، زاد الطبراني: وأعطاها كذا وكذا واديا وزود فاشترى عبد الله بن حسن الوادي منهم [ (٤) ] . وروى الطبراني برجال الصحيح عن عياض بن عبد الله عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال: رأيت رسول الله ﷺ أهدى له رجل عكّة من عسل فقبلها وقال إحم شعبي فحماه وكتب له كتابا [ (٥) ] .

стр. 3805

وروى عبد الرزاق عن زيد بن أسلم مرسلا قال: لقي النبي ﷺ امرأة تخرج من عند عائشة، ومعها شيء تحمله، فقال لها: طعاما هذا؟ قالت: أهديت لعائشة، فأبت أن تقبله، فقال النبي ﷺ «ألا قبلته منها مرة واحدة؟» قالت: يا رسول الله، إنها محتاجة وإنّها كانت أحوج إليه مني، قال: «فهلّا قبلته منها وأعطيتها خيرا» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد وابن حبان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهر وكان يهدي للنبي ﷺ الهديّة من البادية فيجهّزه رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله ﷺ «إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه» [ (٢) ] . وروى ابن أبي شيبة عن الربيع بنت معوذ- رضي الله تعالى عنها- قالت أتيت رسول لله ﷺ بقناع من رطب وآخر من ذغب فأكل منها، وأعطاني ملء كفّي حليّا أو ذهبا، وقال: تحلّي [ (٣) ] به وروى الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن الحجّاج بن غلاط السّلّميّ أهدى لرسول لله ﷺ سيفه ذات الفقار ودحية أهدى له بغلة شهباء [ (٤) ] . وروى أبو يعلى عن أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- قال: نزل رسول الله ﷺ منزلا فبعث له امرأة مع ابن لها بشاة، فحلب ثم قال: انطلق به إلى أمّك، فشربت حتى رويت، ثم جاء بشاة أخرى فحلب ثم شرب [ (٥) ] . الثالث: في قبوله ﷺ جرّة من جماعة من ملوك أهل الكتاب: وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال أهدى كسرى لرسول الله ﷺ فقبل منه، وأهدى له قيصر فقبل منه، وأهدت له الملوك فقبل منهم. وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال أهدى كسرى لرسول الله ﷺ جرّة من منّ فجعل رسول الله ﷺ يعطي أصحابه منها قطعة قطعة، وأعطى جابرا قطعة ثم عاد، فأعطاه قطعة أخرى، فقال: يا رسول الله، لقد أعطيتني، فقال: هذا لبنات عبد الله يعني أخواته [ (٦) ] .

стр. 3806

وروى أحمد ومسلم عن البراء بن عازب قال: أهدى البدر لرسول الله ﷺ حلة من سندس وكان ينهى عن الحرير فعجب الناس منها، فقال: والذي نفسي بيده، إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا [ (١) ] . وروى الحارث بن أبي أسامة والبزّار والطّبراني وابن خزيمة وإبراهيم الحربي وأبو بكر أحمد بن عمر بن أبي شيبة بسند صحيح عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- قال أهدى أمير القيط إلى النبي ﷺ جاريتين أختين، وبغلة فكان يركب البغلة بالمدينة واتّخذ إحدى الجاريتين لنفسه، فولدت له إبراهيم، ووهب الأخرى لحسان بن ثابت، فولدت له محمدا [ (٢) ] . وروى البزار عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن ملك ذي يزن أهدى لرسول الله ﷺ جرّة من منّ فقبلها [ (٣) ] . وروى الطبراني برجال ثقات عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت أهدى المقوقس ملك القيط إلى رسول الله ﷺ مكحلة عيدان شامية ومرآة ومشطا [ (٤) ] . وروى البزار عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: أهدى المقوقس لرسول الله ﷺ قدح قوارير [ (٥) ] . وروى أبو الحسن بن الضحاك عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: كساني رسول الله ﷺ حلّة من حلّة السيراء أهداها له فيروز [ (٦) ] . وروى البخاري عن أبي حميد الساعدي- رضي الله تعالى عنه- قال غزونا مع رسول الله ﷺ تبوك وأهدى ملك أيلة للنبي ﷺ بغلة بيضاء وكساه بردا وكتب له ببحرهم [ (٧) ] . ورواه مسلم بلفظ: جاء رسول صاحب أيلة إلى رسول الله ﷺ بكتاب وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب له رسول الله ﷺ وأهدى له بردا. وروى إبراهيم الحربي في كتاب هدي الأموال عن علي- رضي الله تعالى عنه قال: أهدى يوحنا بن رؤبة- إلى رسول الله ﷺ بغلة بيضاء. وروى أبو داود عن أنس- رضي الله

стр. 3807

عنه- أن ملك الرّوم أهدى إلى رسول الله ﷺ جبّة من سندس كما تقدم في رواية أحمد ومسلم أو شقّية فليحرر. الرابع: في رده ﷺ الهديّة لأمير وسيرته في هدية الأمراء وعدم قبوله الصدقة: وروى الإمامان الشافعي وأحمد والشيخان عن الصعب بن جثامة- رضي الله تعالى عنه- أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارا وحشيّا وهو بالأبراء أو بودان فرده عليه فلما رأى ما في وجهه، وفي رواية ما في وجهي من الكراهة قال: «ليس بنا ردّ عليك» وفي رواية «إنا لم نردّه إليك إلا أنّا حرم» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنه- أنه قد أهدى لرسول الله ﷺ وشيقة ظبي فردها، ولم يأكلها [ (٢) ] . وروى الشيخان عن أبي حميد الساعدي- رضي الله تعالى عنه- قال استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأزد يقال له ابن اللّتبيّة فلمّا قدم، قال: هذا لكم وهذا أهدي إليّ، قال: فهلّا جلس في بيت أبيه أو بيت أمّه، فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تبعر ثم رفع يديه حتى رأينا غفرة إبطيه: اللهمّ هل بلغت ثلاثا [ (٣) ] . وروى ابن سعد عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- وعون بن عبد الله عن حبيب بن عبيد الرّجيّ، ورشيد بن مالك، قالوا: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام أو غيره، قال: صدقة أم هدية فإن قيل من صدقة صرفها إلى أهل الصّدقة، أو قال كلوا ولم يأكل، وإن قيل هدية أمر بها، فوضعت ثم أهدى أهل الصدقة منها ولفظ أبي هريرة قبل الهدية ولم يقبل الصدقة [ (٤) ] وتقدمت قصة سلمان في أوائل الكتاب. الخامس في رده ﷺ هدية المشركين: وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصحّحه وأبو بكر وأحمد بن عمر بن أبي عاصم في كتاب (الهدايا) عن عياض بن حمار المجاشعيّ- رضي الله تعالى عنه- وكان بينه وبين رسول الله ﷺ معرفة قبل أن يبعث فلما بعث أهدى إليه هدية أحسبها إبلا فأبى أن يقبلها، وقال: إنا لا نقبل زبد المشركين، قال: قلت: وما زبد المشركين؟ قال: وفدهم هديتهم

стр. 3808

وفي لفظ أهديت لرسول الله ﷺ ناقة أو هديّة فقال لي: أسلمت؟ قلت: لا قال: إني نهيت أن أقبل زبد المشركين [ (١) ] . وروى موسى بن عقبة- رضي الله تعالى عنه- بسند رجاله ثقات عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ورجاله من أهل الكتاب مرسلا أن عامر بن مالك الّذي يدعى ملاعب الأسنة قدم على رسول الله ﷺ وهو مشرك فأهدى له فقال: إني لا أقبل هدية المشركين [ (٢) ] . وروى البزار عن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة رضي الله تعالى عنه قال: قدمت على رسول الله ﷺ بهدية فقال: إنّا لا نقبل هدية المشرك [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد والطبراني برجال ثقات عن عراك بن مالك أن حكيم بن حزام- رضي الله تعالى عنه- قال: كان محمدا أحبّ رجل في الناس إليّ في الجاهلية، فلما تنبّأ وخرج إلى المدينة شهد حكيم بن حزام الموسم وهو كافر، فوجد حلّة لذي يزن تباع فاشتراها بخمسين دينارا ليهديها لرسول الله ﷺ فقدم بها عليه المدينة فأراده على قبضها هدية فأبى، قال عبيد الله حسبت أنه قال أنا لا نقبل شيئا من المشركين ولكن إن شئت أخذناها بالثّمن، فأعطيته إياها حين أبى الهديّة زاد الطبراني، فلبسها فرأيتها عليه على المنبر فلم أر شيئا أحسن منه فيها يومئذ ثم أعطاها أسامة بن زيد فرآها حكيم على أسامة، فقال: يا أسامة، أنت تلبس حلّة ذي يزن فقال نعم، والله لأنا خير من ذي يزن ولأبي خير من أبيه، فانطلقت إلى أهل مكة أعجبهم بقول أسامة [ (٤) ] . السادس: في امتناعه من قبول الهديّة من غير قريش والأنصار وثقيف ودوس وأسلم وأمره- ﷺ بعد قصة الشاة المسمومة من أهدى له هديّة ولم يثق به أن يأكل منها وسؤاله بعض أصحابه أن يهب له دابة أو رقيقا: روى الإمام أحمد والتّرمذي والحارث ابن أبي أسامة والبخاري في الأدب عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: أهدى رجل من بني فزارة، وفي لفظ أن أعرابيا أهدى لرسول الله ﷺ ناقة «وفي لفظ بكرة فعوّضه، فسخطه وفي لفظ فعوّضه منها ستّ بكرات فسخطه» فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّ فلانا أهدى إليّ ناقة

стр. 3809

أعرفها كما أعرف (بعض) [ (١) ] أهلي ذهبت مني يوم زغابات فعوّضته ستّ بكرات، فظلّ ساخطا، لقد هممت أن لا أقبل هديّة إلا من قرشيّ أو أنصاريّ أو ثقفيّ أو دوسيّ وفي لفظ: فسمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول «يهدي أحدكم فأعوّضه بقدر ما عندي ثم يسخطه وأيم الله لا أقبل بعد عامي هذا هدية إلا من قرشي أو أنصاريّ أو ثقفي أو دوسي» ورواه أبو داود والنّسائيّ مختصرا [ (١) ] . وروى أبو يعلى عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا أقبل هديّة من أعرابي» فجاءته أم سنبلة الأعرابيّة، الحديث المتقدم أول الباب. وروى الإمام أحمد والطبراني وابن أبي شيبة عن يعلى بن مرّة الثقفي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «هب لي هذا البعير أو بعنيه» قال: هو لك يا رسول الله، فوسمه سمة الصّدقة ثم بعث به [ (٢) ] . تنبيهات الأول: عياض، بكسر العين المهملة وتخفيف المثناة التحتية وبضاد معجمة، ابن حمار، - بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم- في رده ﷺ هديته مع قبوله لهدية غيره من الكفّار مخالفة، قال الخطّابي: يشبه أن يكون الحديث منسوخا، لأنّه قبل هدية غير واحد من المشركين، وأهدى له المقوقس مارية والبغلة وأهدى له البدر دومة فقبل منهما، فقيل إنما ردّ هديتّه، ليغيظه بردها، فيحمله على الإسلام وقيل: ردها لأن المهدى موضعا من القلب وقد روي. تهادوا تحابّوا، ولا يجوز ﵊ أن يميل بقلبه إلى مشرك فردها قطعا لسبب الميل وليس ذلك مخالفا لقبوله هديّة المقوقس والبدر ومارية ودومة ونحوهما، لأنهم أهل كتاب وليسوا بمشركين، وقد أبيح له طعام أهل الكتاب ونكاحهم، وذلك خلاف حكم أهل الشرك، وقال البيهقي: يحتمل ردّ هديته التّحريم ويحتمل قصد به التنزيه، والأخبار في قبول هداياهم أصحّ وأكثر، وقال الحافظ: جمع الطّبري بين هذه الأحاديث بأن الامتناع فيما أهدى له خاصة، والقبول فيما أهدي للمسلمين وفيه نظر، لأن جملة أدلة الجواز ما وقفت الهدية له خاصّة، وجمع غيره بأن الامتناع في حق من يريد بهديته والموالاة والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام، وهذا أقوى من الأول، وقيل: يحمل القبول في حق من كان من أهل الكتاب والرّدّ علي من كان من أهل الأوثان، وقيل: يمتنع ذلك لغيره من

стр. 3810

الأمراء وأن ذلك من خصائصه، وادّعى بعضهم نسخ المنع بأحاديث القبول، ومنهم من عكس، وهذه الأوجه الثلاثة ضعيفة فالنّسخ لا يثبت بالاحتمال ولا التخصيص. الثاني: في بيان غريب ما سبق: «كراع» بكاف فراء فألف فعين مهملة، قيل هو اسم مكان ولا يثبت ويرده حديث أنس الآتي بعده. «القطف» بقاف مكسورة فطاء مهملة ساكنة ففاء، العنقود. «غدر» بغين معجمة مضمومة فدال مهملة مفتوحة، معدول عن غادر للمبالغة وللأنثى، غدار كقطام وهما مختصان بالنداء في الغالب. «العكّة» بعين مهملة مضمومة فكاف مفتوحة فتاء تأنيث وعاء من جلد مختص بالسّمن والعسل. «البادية» الصّحراء وقد تقدم تفسيرها مرارا. «الحاضرة» بحاء مهملة فألف معجمة مكسورة فراء فتاء تأنيث، خلاف البادية. «الأعراب» بفتح الهمزة وسكون العين والراء وألف وآخره موحدة، ساكنة البادية لا واحد له وجمعه أعاريب. «القناع» بقاف مكسورة فنون فألف فعين مهملة الطبق الذي يؤكل عليه ويقال له قنع بالكسر والضم. «الزّغب» بزاي مضمومة فغين معجمة ساكنة فموحدة صغار القثّاء. «الجرة» بجيم مفتوحة فراء مشددة فتاء تأنيث، إناء من خزف والجمح جرار. «المنّ» بميم مفتوحة فنون، العسل العفو الذي ينزل من السماء عفوا بلا علاج. «السّندس» بسين مهملة مضمومة فنون ساكنة فدال مهملة فسين مهملة، ما رق من الديباج ورقع المنديل. «القيط» بقاف مكسورة فموحدة ساكنة وطاء مهملة أهل مصر. «القدح» بقاف فدال مفتوحتين فحاء مهملتين. «القوارير» [إناء من زجاج رقيق] . الحلّة- بحاء مهملة مضمومة فلام مفتوحة فتاء تأنيث-، برود اليمن، ولا يسمى حلّة إلا أن يكون لونين من جنس واحد.

стр. 3811

السّيراء: - بسين مهملة مكسورة فتحتية مفتوحة فراء مفتوحة فألف فهمزة، نوع من البرود يخالطه حرير كالسّيور وهو فعلاء من السير، يقال: حلّة سيراء على الإضافة. أيلة: بفتح الهمزة وسكون التحتية، بلد معروف بساحل البحر بطريقة المسافرين إلى مكّة وهي الآن خراب. «يحرهم» أي يملدهم تقدم معناه مرارا. وكذلك ودّان: [هي موضع قريب من الجحفة] . وشيق ظبي [الوشيقة أن يؤخذ اللحم فيغلي قليلا ولا ينضج ويحمل في الأسفار] . الرّغاء: - براء مضمومة فغين معجمة فألف فهمزة- صوت الإبل. الخوار: - بخاء معجمة مضمومة فواو فألف فراء- صوت البقر. «زبد المشركين» بفتح الزاي وسكون الباء الموحدة، الرّفد والعطاء. البكرة: الفتى من الإبل تقدمت.

стр. 3812

الباب الثاني في العطايا وفيه أنواع: الأول: في وعظه من أعطاه شيئا فرده: والثاني: في إعطائه ﷺ شيئا لقوم يتألفهم للإيمان وتركه الآخرين لوثوقه بإيمانهم: عن عمرو بن ثعلبة أن رسول الله ﷺ أتى بشيء فقسمه فأعطى رجلا وترك رجلا فبلغه. الثالث: في إهدائه ﷺ لجماعة من أصحابه وغيرهم: وروى الإمام أحمد والطبراني عن أم كلثوم بنت أبي سلمة قالت لما تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة، قال لها: «إني قد أهديت إلى النّجاشي حلة وأواقي من مسك ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى هديّتي إلا مردودة عليّ، فإن ردّت عليّ فهي لك» فكان كما قال ﷺ وردت عليه هديته، فأعطى كلّ امرأة من نسائه أوقية مسك، وأعطى أمّ سلمة بقية المسك والحلّة، ورواه مسدد والإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها-[ (١) ] .

стр. 3813

الباب الثالث في سيرته- ﷺ في الإقطاع وفيه أنواع: الأول: في إقطاعه ﷺ جماعة: وروى الإمام أحمد والترمذي وأبو داود عن وائل بن حجر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ أقطعه أرضا، بحضرموت وأرسل معه معاوية، ليقتطعه إياها، فقال له معاوية: أردفني خلفك، قال لست من إرداف الملوك، فقلت، أعطني نعلك، فقلت: انتعل ظلّ ناقتي فلما استخلف معاوية أتيته فأقعدني معه على البساط [ (١) ] . وروى الإمام الشافعي عن يحيى بن جعدة- رحمه الله تعالى- قال: لمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة أقطع الناس الدّور، فقال حيّ من بني زهرة يقال لهم بنو عبد زهرة نكب عنّا ابن أمّ عبد، فقال رسول الله ﷺ : فلم ابتعثني الله إذن؟ إن الله لا يقدّس أمّة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقّه [ (٢) ] . وروى البخاري عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: دعا رسول الله ﷺ الأنصار ليقطع لهم بالبحرين، فقالت الأنصار حتى تقطع لإخواننا المهاجرين مثل الذي تقطع لنا، فلم يكن ذلك عند رسول الله ﷺ ، فقال: «سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني» [ (٣) ] . وروى الطبراني عن بلال بن الحارث- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ أقطعه هذه القطعة وكتب له بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله ﷺ بلال بن الحارث المزني أعطاه معادن القبلية غوريّها وجلسيّها عشبة وذات النصب وحيث يصلح الزرع من قدس إن كان صادقا وكتب معاوية [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد عن عمر بن عوف المزنيّ وابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزنيّ معادن القبلية جلسيّها وغوريها وحيث يصلح الزّرع من قدس ولم يقطعه حقّ مسلم [ (٥) ] .

стр. 3814

وكتب له النبي ﷺ : «هذا ما أعطى النبي ﷺ بلال بن الحارث المزني، أعطاه معادن القبلية غوريها وحيث يصلح الزّرع من قدس» [ (١) ] (وكتب إلى أبي بن كعب) . وروى الإمام مالك عن ربيعة بن عبد الرحمن- رحمه الله تعالى- عن غير واحد من علمائهم أن رسول الله ﷺ قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية وهي من ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة [ (٢) ] . وروى أبو يعلى عن يحيى بن عمرو بن يحيى بن سلمة الهمداني عن أبيه عن جدّه عن أبيه أن رسول الله ﷺ كتب إلى قيس بن مالك: «سلام عليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته أما بعد، فإني استعملتك على قومك عربيّهم وجمهورهم، ومواليهم وحواشيهم وأعطيتك من ذرّة بسار مائتي صاع من زبيب خيران، مائتي صاع جاري ذلك لك ولعقبك من بعدك أبدا أبدا، أحب إلي أن لا أرجو أن يبقى عقبي أبدا، عربهم أهل البادية وجمهورهم أهل القرى» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه بأرض يقال لها داوي، فأجرى الفرس حتّى قام ثم رمى بسوطه ثم قال أعطوه من حيث بلغ السوط [ (٤) ] . وروى إسحاق بن راهويه برجال ثقات منقطعا عن أبي جعفر- رحمه الله تعالى- قال: جاء العباس إلى عمر- ﵄ فقال: إن رسول الله ﷺ أقطعني البحرين، قال: من يشهد لك؟ قال: المغيرة بن شعبة. وروى أبو داود عن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ أقطع الزبير نخلا [ (٥) ] . وروى الشيخان عنهما أن رسول الله ﷺ أقطع الزبير أرضا من أموال بني النضير وهي على ثلاثة فراسخ [ (٦) ] . وروى البخاري عن عروة- رحمه الله تعالى- أن رسول الله ﷺ أقطع الزبير أرضاً من أرض بني النضير [ (٧) ] .

стр. 3815

وروى أيضا عن عمرو بن حريث- رضي الله تعالى عنه- قال: خطّ رسول الله ﷺ بالمدينة بقوس، وقال: أزيدك أزيدك [ (١) ] . وروى الطبراني والبغويّ برجال ثقات عن مجاعة بن مرارة- رضي الله تعالى عنه- قال: أعطى رسول الله ﷺ مجاعة بن مرارة أرضا باليمامة يقال لها العوذة وكتب له بذلك كتابا: من محمد رسول الله ﷺ لمجاعة بن مرارة من بني سلمى إني قد أعطيتك العوذة فمن خالفني فيها فالنار، وكتب يزيد [ (٢) ] . وروى ابن أبي حاتم والطبراني وسمّاه عن عثير بمثلثة، ويقال بالفوقية مصغّر ويقال عسّير بضم العين المهملة وتشديد السين المهملة أي لبيد العدوي- رضي الله تعالى عنه- أنه استقطع رسول الله ﷺ أرضا بوادي القرى فأقطعه إياها فهي إلى الآن تسمّى بويرة عثير [ (٣) ] . وروى الطبراني عن أبي السائب عن جدّته- رضي الله تعالى عنها- وكانت من المهاجرات إلى رسول الله ﷺ أقطعها بئرا بالعقيق [ (٤) ] . وروى الطبراني وابن مرة عن أوفى بن موله قال: أتيت النبي ﷺ فأقطعني العميم، وشرط عليّ ابن السبيل أوّل ريان، وأقطع ساعدة رجل منّا بئرا بالفلاة يقال لها: الجعوبية وهي بئر يخبأ فيها المال، وليست بالماء العذب، وأقطع الناس معادة العرى، وهي دون اليمامة، وكنا أتيناه جميعا، وكتب لكل رجل منا بذلك في أديم [ (٥) ] . وروى البخاري عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة- رحمه الله تعالى- أن بني صهيب مولى بني جدعان ادّعوا ببيتين وحجرة وأن النبي ﷺ أعطى ذلك صهيبا، فقال مروان: من يشهد لكم على ذلك؟ فقالوا: ابن عمر فدعاه فشهد لعطاء رسول الله ﷺ صهيبا بيتين وحجرة فقضى مروان بشهادته لهم. وروى الإمام أحمد عن ربيعة الأسلمي- ﵁ قال: أعطاني رسول الله ﷺ وأعطى أبا بكر أرضا. وروى أبو داود عن سبذة بن عبد العزيز بن الربيع الجهني عن أبيه عن جده- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ نزل في موضع المسجد تحت دومة فأقام ثلاثا ثم خرج إلى

стр. 3816

تبوك وإن جهينة لحقوه بالرحبة فقال لهم: من أهل ذي المروة؟ فقالوا: بنو رفاعة بن جهينة، فقال لهم: قد أقطعتها لبني رفاعة فاقتسموها فمنهم من باع ومنهم من أمسك [ (١) ] . وروى أبو بكر أحمد بن عمر بن عاصم النبيل عن مجاعة بن مرارة من بني سلمة اليماني- رضي الله تعالى عنه- قال: أتيت رسول الله ﷺ فأقطعني الغورة وعوانة والجبل وكتب لي: بسم الله الرحمن الرحيم إني أقطعتك العورة والعوانة والجبل فمن حاجّك فإليّ ثم أتيت أبا بكر بعد رسول الله ﷺ فأقطعني الغواة ثم أتيت عمر بعد أبي بكر فأقطعني. وروى أيضا عن سراج بن هلال بن سراج بن مجّاعة قال: وفدتّ إلى عمر بن عبد العزيز فأخرجت إليه هذا الكتاب فقبّله ووضعه على عينيه [ (٢) ] . الثاني: في ارتجاعه ﷺ بعد ما أقطعه إذا تبين له أنه لا يقطع: وروى الباوردي عن أبيض بن حمال- رضي الله تعالى عنه- أنه وفد إلى رسول الله ﷺ وسلم فاستقطعه الملح الذي يقال له شدا بمأرب فأقطعه له فلما ولى قال الأقرع بن حابس: يا رسول الله، إني قد وردتّ الملح في الجاهلية، وهي بأرض ليس بها ماء ومن ورده أخذه، وهو مثل الماء العذب فانتزعه منه وفي رواية واستقال رسول الله ﷺ أبيض بن حمال في قطيعته في الملح، فقال: لقد أقلتك منه على أن تجعله صدقة، فقال رسول الله ﷺ : «هو منك صدقة وهو مثل العدّ» [ (٣) ] وهو مثل الماء العذب من ورده أخذه فقطع له النبي ﷺ أرضا وغيلا بالجوف جوف مراد حين أقاله منه. وروى الدارمي وأبو داود والترمذي وقال غريب والنسائي وابن ماجة وابن حبّان والدّارقطنيّ والطبراني في الكبير وابن أبي عاصم والباوردي وابن قانع وأبو نعيم في الصحابة عن أبيض بن حمال أنه وفد إلى رسول الله ﷺ فاستقطعه الملح الذي بمأرب فقطعه له فلمّا أن ولى، قال رجل من المجلس: أتدري ما أقطعت له الماء العد فانتزع منه؟ قال وسأله عن ما يحمى من الأراك، قال: ما لم تنله خفاف الإبل ورواه البغويّ إلى قوله «العد» فقال رسول الله ﷺ فلا إذن. وروى أبو داود عن محمد بن الحسن المخزومي «ما لا تنله أخفاف الإبل- يعني أنّ الإبل تأكل منتهى رؤوسها ويحمى ما فوقه» .

стр. 3817

الثالث: في إقطاعه ﷺ ما لم يفتحه قبل فتحه: وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن أبي ثعلبة الخشني- رضي الله تعالى عنه- قال أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله اكتب لي بكذا وكذا الأرض من الشام لم يظهر عليها رسول الله ﷺ حينئذ، فقال رسول الله ﷺ وقال أبو ثعلبة: والذي نفسي بيده ليظهرنّ عليها، قال فكتب لي بها الحديث. وروى الطبراني برجال ثقات عن تميم الداري- رضي الله تعالى عنه- قال استقطعت رسول الله ﷺ أرضا بالشّام قبل أن تفتح فأعطانيها فاستفتحها عمر في زمانه فقلت: أن رسول الله ﷺ أعطاني أرضا من كذا فجعل عمر- رضي الله تعالى عنه- ثلثها لابن السبيل وثلثها لعماريها وثلثها لنا. الرابع: في بعض ما حمى لله: روى الطبراني والبزار برجال الصحيح عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حمى إلا لله ولرسوله» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ حمى البقيع لخيل المسلمين [ (٢) ] . وروى الطبراني برجال الصحيح عنه أن رسول الله ﷺ حمى الربذة لإبل الصدقة [ (٣) ] . تنبيهات الأول: قال الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدّمشقيّ: قال الصاحب الإمام سفير الخلافة أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي الحسن البادرائي- رحمه الله تعالى-، قلت وهو صاحب المدرسة البادرائية العظيمة بدمشق: إنه شاهد صورة بخط أمير المؤمنين علي- رضي الله تعالى عنه- الذي كتبه بإذن رسول الله ﷺ هذا ما أعطى محمد رسول الله تميما الدّاريّ وأخواته [ (٤) ] ، عيرون والمرطوم وبنت عينون وبنت إبراهيم وما فيهنّ عطيّة البيت برمتهم، ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم، فمن أذاهم أذاه الله، ومن أذاهم لعنه الله شهد عتيق بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان وكتب علي بن أبي طالب وشهدتّ، قلت (أبو) في الموضعين بالواو على الحكاية.

стр. 3818

الثاني: قد تواردت الحكايات أن رسول الله ﷺ أقطع تميما وأخاه نعيما وأصحابهما وذريتهم قرى بأرض بيت المقدس وكتب لهم بذلك كتابا، ولعن فيه من عارضهم ولم يزل هذا الكتاب بأيديهم إلى وقتنا هذا، وقد ألف الحافظ أبو الفضل بن حجر والحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدّمشقي وشيخنا الحافظ أبو الفضل جلال الدين السّيوطيّ في صحّة ذلك مؤلّفا وفي كل ما ليس في الآخر، ومن أراد الزيادة على ما هنا فليراجع ذلك. الثالث: نازع بعض الظلمة من زمن الإمام الغزّاليّ لما كان بدمشق ذرّيّة تميم الداريّ في ذلك وأراد نزعه منهم فأفتى الإمام الغزّاليّ بكفره. الرابع: في بيان غريب ما سبق: البساط: [ضرب من الفرش ينسج من الصوف ونحوه] . نكب: - بنون فكاف فموحدة مفتوحات- عدل. البحرين: تقدم تفسيره. الأثرة: بهمزة فمثلثة فراء مفتوحات فتاء تأنيث- الاسم من آثر يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفيء. معادن: جمع معدن قد تقدم. القبليّة: بقاف فموحدة مفتوحتين فلام فتحتية مشددة فتاء تأنيث موضع من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام. غوريّها: بغين معجمة مفتوحة فواو ساكنة فراء مكسورة فتحتية من الغور ما ارتفع من الأرض. ذات النصب: بنون فصاد مهملتين مضمومتين فموحدة موضع على أربعة برد من المدينة. قدس: بقاف مضمومة فدال ساكنة فسين مهملتين. الفرع: بفاء مضمومة فراء ساكنة فعين مهملة موضع معروف بين مكة والمدينة. الأرحى: بهمزة مفتوحة فراء ساكنة فحاء مهملة مفتوحة جبل معروف، وقيل: هي الموضع المرتفع الذي يصلح للزراعة. الحضر: بحاء مهملة مضمومة فضاد معجمة ساكنة فراء العدد. الفرسخ: بفاء مفتوحة فراء ساكنة فسين مهملة مفتوحة فخاء معجمة.

стр. 3819

اليمامة: بتحتية فميمين بينهما ألف مفتوحات فتاء تأنيث الموضع المعروف شرقي الحجاز، ومدينتها العظمى حجر اليمامة. العوزة: وادي، القرى والعقيق، تقدم الكلام عليها. الغميم: بغين معجمة فميمين بينهما مثناة تحتية موضع رابع. الرحبة: حركة ناحية بين المدينة والشام. ثعلبة: بمثلثة مفتوحة فعين مهملة ساكنة فلام فموحدة فتاء تأنيث. الخشف: بخاء معجمة مضمومة فشين معجمة ساكنة. الحمى: بحاء مهملة في اللغة الموضع الذي فيه كلأ يحمى والله أعلم.

стр. 3820

جماع أبواب سيرته ﷺ في النكاح والطلاق والإيلاء الباب الأول في آداب متفرقة وفيه أنواع: الأول: في حثه ﷺ على النكاح ونهيه عن التبتل: روى ابن أبي الدّنيا عن أبي أيوب- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «سنن المسلمين الحياء والنّكاح والتّعطر والسّواك» ورواه ابن عدي عن جابر وعن ابن عباس بلفظ من سنن المرسلين الحلم والحياة والتعطر وكثرة الأزواج [ (١) ] . وروى أن النبي ﷺ قال: «يا معشر الشّباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم فإنه له وجاء» [ (٢) ] . الثاني: في أمره ﷺ بالنظر إلى المخطوبة وصرفه وجهه من نظر إلى غير زوجته ومحارمه: وروى الإمام أحمد وأبو داود، والعقيلي في الضعفاء والطحاويّ والحاكم والبيهقي والضياء عن جابر أن النبي ﷺ قال: «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه من نكاحها فليفعل» [ (٣) ] . وروى أبو داود عن جابر والإمام أحمد والطبراني عن أبي حميد السّاعديّ، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته وإن كانت لا تعلم» [ (٤) ] . وروى الدّبليّ عن علي- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خطب أحدكم المرأة فليسأل عن شعرها كما يسأل عن جمالها، فإن الشّعر أحد الجمالين» [ (٥) ] . وروي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت قال رسول الله ﷺ : «إذا خطب
следующие страницы →