يطلع؟ قال: لا، قلت: لم؟ فقال: لأن رجلا أسلم في حديقة نخل على عهد رسول الله ﷺ قبل أن يطلع النخل، فلم تطلع النخل شيئا ذلك العام، فقال المشتري: هو لي حتى يطلع، وقال البائع، إنما بعتك النخل هذه السنة، فاختصما إلى رسول الله ﷺ فقال للبائع: «أخذ من نخلك شيئا؟» قال: لا، قال: «لم تستحلّ ماله؟ اردد عليه ما أخذت منه؟ ولا تسلموا في نخل حتى يبدو صلاحه» .
وروى عن محمد بن عبد الله بن جحش- رضي الله تعالى عنه- عن أبيه أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت إن جهدت بنفسي ومالي، فماذا لي؟ قال: الجنة، فلما ولى قال:
إلا الدين سارّني به جبريل- ﵇ آنفا.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن جحش- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ماذا لي إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل؟ قال: الجنة، فلما ولى قال: إلا الدين سارّني به جبريل، ﵇ آنفا.
وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: أرأيت إن جاهدت بنفسي ومالي فقتلت صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر أدخل الجنة قال: نعم فأعاد ذلك مرتين أو ثلاثا قال: نعم أن لم يكن عليك دين ليس عندك وفاؤه.
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أعوذ بالله من الكفر والدّين» ، فقال رجل: يا رسول الله، أيعدل الدين بالكفر فقال رسول الله ﷺ : نعم.
وروى الإمام أحمد عن سلمة بن الأكوع- رضي الله تعالى عنه- قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ إذ أتي بجنازة فقالوا: يا نبي الله، صلّ عليها، قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا، قال: هل ترك عليه دينا؟ قالوا: ألا نصلي عليه؟ ثم أتي بجنازة بعد ذلك، فقال: هل ترك عليه من دين؟ قالوا: لا، قال: هل ترك من شيء؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: ثلاث كيات، قال: فأتى بالثالثة، فقال: هل ترك عليه من دين، قالوا: نعم قال: هل ترك من شيء؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، فقال رجل من الأنصار يقال له أبو قتادة: يا رسول الله، على دينه فصّلّ عليه.
وروى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفّى عليه الدّين فيسأل هل ترك لدينه فضلا؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من توفي وعليه دين، فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته.
وروى البيهقي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر ... » .
стр. 4062
قال البخاري: حدثنا أبو نعيم حدّثنا سفيان عن سلمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان لرجل على النبي ﷺ سنّ من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال ﷺ :
«أعطوه» . فطلبوا سنّه فلم يجدوا إلّا سنّا فوقها، فقال: «أعطوه» . فقال: أوفيتني أوفى الله بك.
قال النبي ﷺ : «أن خياركم أحسنكم قضاء» .
وروى الإمام أحمد والنسائي عن العرياض بن سارية- رضي الله تعالى عنه- قال: بعت من النبي ﷺ بكرا، فأتيته أتقاضاه، فقلت: يا رسول الله، أقضني ثمن بكري؟ فأعطاه رسول الله ﷺ يومئذ جملا قد أسنّ، فقال: يا رسول الله، هذا خير من بكري قال: فقال رسول الله ﷺ : «أن خير القوم أحسنهم قضاء» .
وروى الإمام أحمد والبيهقيّ عن سعد بن الأطول أنّ أخاه مات وترك ثلاثمائة دينار وترك عيالا فأردتّ أن أنفق عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : «أن أخاك محبوس بدينه، فاذهب فاقض عنه» قال: فذهبت فقضيت عنه ثم جئت، فقلت: يا رسول الله قد قضيت عنه، ولم يبق إلا امرأة تدّعي دينارين، وليست لها بيّنة قال: «أعطها فإنها صدقة» .
وروى الإمام أحمد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: غلا السّعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، لو سعّرت، فقال: «إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعّر، وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال» .
وروى الإمام أحمد وأبو داود والبيهقي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله، سعّر، فقال: «إن الله تعالى يسعّر ويخفض ويرفع، ولكن أرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة» ، وفي لفظ: بل الله يخفض ويرفع وإني لأرجو أن ألقى ربّي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة بدم ولا مال.
وروى الإمام أحمد عن الشّريد بن سويد- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله، أرض ليس لأحد فيها شراك ولا قسم ولا استئجار، فقال رسول الله ﷺ : «الجار أحقّ بسقبه» .
وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الظّلم أعظم؟ قال: «ذراع من الأرض ينتقصه من حقّ أخيه، فليست حصاة من الأرض أخذها إلّا طوّقها يوم القيامة، إلى قعر الأرض، ولا يعلم قعرها إلّا الذي خلقها» [ (١) ] .
стр. 4063
وروى أبو داود عن رجل من مزينة- رضي الله تعالى عنه- قال: صنعت امرأة من المسلمين لرسول الله ﷺ طعاما [.....] .
وروى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قالت: الأنصار- رضي الله تعالى عنهم- يا رسول الله، أقسم بيننا، وبين إخواننا النّخيل، قال: لا، فقالوا: تكفوننا المئونة ونشرككم في الثمرة قالوا: سمعنا وأطعنا.
وروى الشيخان عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ خرج إلى أرض تهتز زرعا، فقال: لمن هذه؟ قالوا: اكتراها فلان، فقال: «أمّا إنه لو منحها إيّاه كان خيرا له من أن يأخذ عليها أجرا معلوما» .
الخامس عشر: في بعض فتاويه ﷺ في اللقطة واللّقيط والهبة والهدية والوصية .
وروى الإمامان مالك وأحمد وابن ماجه وأبو داود والشيخان، عن زيد بن خالد الجهني- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ سئل عن اللّقطة فقال: «اعرف وكاءها» ، أو قال:
وعاها وعفاصها ثم عرّفها سنة فإن جاء صاحبها فأدّها إليه قال: فضالّة الإبل؟ فغضب حتى احمرت وجنتاه أو قال: احمرّ وجهه، فقال: مالك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وترعى الشّجر، فذرها حتّى يلقاها ربّها، قال: فضالّة الغنم، قال: هي لك أو لأخيك أو للذّئب، وقيل: فضالّة الإبل؟ قال: مالك ولها، معها سقاؤها، وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر، حتى يلقاها ربّها.
وروى الدارقطني عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللّقطة قال: «لا تحل اللّقطة، من التقط شيئا، فليعرّفه، فإن جاء صاحبها فليردّها إليه، فإن لم يأت فليتصدّق بها، فإن جاء فليخيّره بين الأجر وبين الذي له» .
وروى البيهقي وأبو داود عن المقداد بن عمرو أنه خرج ذات يوم لحاجة، وكان الناس لا يذهب أحدهم في حاجة إلّا لليومين والثّلاثة [.....] .
وروى الإمام أحمد عن عياض بن حمار- رضي الله تعالى عنه- وكان بينه وبين رسول الله ﷺ معرفة قبل أن يبعث فلمّا بعث أهدى له هديّة- أحسبها إبلا- فأبى أن يقبلها، وقال: «إنّي لا أقبل زبد المشركين» ، قلت: وما زبد المشركين؟ قال: «رفدهم هديّتهم» .
وروى البخاري عن النعمان بن بشير- رضي الله تعالى عنهما- قال: إن أباه أتي به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما، فقال: «أكل ولدك نحلت ومثله؟» قال: لا، قال: «فأرجعه» وفي رواية: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا قال: «ألك ولد سواه؟» قال: نعم، قال فأراه، قال: لا تشهدني على جور.
стр. 4064
وفي رواية: لا أشهد على جور.
وروى عبد بن حميد والإمام أحمد والبخاري وأبو داود عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيّهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابا» .
وروى مسلم وأبو داود والبيهقي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة خير وأفضل وأعظم أجرا؟ قال: «أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتّى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا أو لفلان كذا وقد كان لفلان» .
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «أتدري أيّ الصّدقة أفضل؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «المنيحة أن يمنح أحدكم أخاه الدرهم أو ظهر الدّابّة أو لبن الشاة أو لبن البقرة» .
وروى الشيخان عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه- قال جاءني رسول الله ﷺ يعودني في عام حجّة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بمالي كلّه؟ قال: لا، قلت فثلثي مالي؟ قال: لا، قلت فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير، إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة وإنّما تأكل امرأتك من مالك صدقة وإنك أن تدع أهلك بخير خير لك من أن تدعهم يتكفّفون الناس» .
وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- رضي الله تعالى عنهما- أنّ جدّه العاص بن وائل أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فأعتق عنه ابنه هشام خمسين رقبة فأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبي أوصى بعتق مائة رقبة، وإنّ هشاما أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون رقبة، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : «أنه لو كان مسلما فأعتقتم عنه، أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك» .
وروى أبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: إني فقير، وليس لي شيء ولي يتيم، قال فقال:
«كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل» .
السادس عشر: في بعض فتاويه ﷺ في الفرائض والمواريث .
روى الإمام أحمد والدارقطني عن عمران بن الحصين- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا
стр. 4065
أتى رسول الله ﷺ فقال: إن ابني مات فما لي من ميراثه؟ فلما أدبر قال: لك السدس فلمّا أدبر قال: لك سدس آخر فلما ولى دعاه، قال: إن السدس الآخر طعمة.
وروى الطبراني في الأوسط وأبو الشيخ في الفرائض عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال: سألت رسول الله ﷺ كيف قسّم الجدّة؟ قال: «ما سؤالك عن ذلك يا عمر؟
إني أظنك أن تموت قبل أن تعلم ذلك» ، قال: سعيد بن المسيّب- رحمه الله تعالى عليه- فمات قبل أن يعلم ذلك.
وروى ابن راهويه وابن مردويه قال الشيخ وهو صحيح عن ابن المسيب أن عمر- رضي الله تعالى عنه- سأل رسول الله ﷺ كيف تورث الكلالة؟ فقال: وليس قد بين الله تعالى ذلك ثم قال: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً [النساء/ ١٢] إلى آخرها، فكأن عمر لم يفهم فأنزل الله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء/ ١٧٦] إلى آخر الآية، فكأن عمر لم يفهم فقال: لحفصة- رضي الله تعالى عنها- إذا رأيت من رسول الله ﷺ طيب نفس فاسأليه عنها، فرأيت منه طيب نفس فسألته عنها، فقال: أبوك ذكر لك هذا ما أرى أباك يعلمها أبدا فكان يقول: ما أراني أعلمها أبدا، وقد قال رسول الله ﷺ : ما قال.
وروى أبو الشيخ في كتاب الفرائض عن البراء بن عازب- رضي الله تعالى عنهما- قال: سألت رسول الله ﷺ عن الكلالة فقال: «ما خلا الولد والوالد» .
وروي عن زيد بن أسلم- رضي الله تعالى عنه- مثله.
وروى الدارقطني عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله ﷺ عن ميراث العمّة والخالة، فقال: «لا أدري حتى يأتيني جبريل» ، ثم قال: أين السّائل عن ميراث العمة والخالة؟ فأتى الرجل، فقال: سارّني جبريل أنه لا شيء لهما،
لم يسنده غير مسعدة عن محمد بن عمرو وهو ضعيف والصواب مرسل.
وروى أبو داود والترمذي عن تميم الداري- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله: ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين قال: «هو أولى الناس بمحياه ومماته» .
وروى أبو داود والترمذي عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- أنّ امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: كنت تصدّقت على أمّي بوليدة، وإنّها ماتت وتركت تلك الوليدة قال: «قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث» .
روى الإمام أحمد عن ابن عمرو- ﵄ أن رجلا قال: يا رسول الله ﷺ ، إني أعطيت أمي حديقة في حياتها. وإنها توفيت ولم تدع وارثا غيري فقال رسول الله ﷺ :
стр. 4066
أحسبه قال: إن الله- ﵎ رد عليك حديقتك وقبل صدقتك.
السابع عشر: في بعض فتاويه ﷺ في العتق، وما يتعلق به
روى ابن ماجة والبيهقي عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها [ (١) ] وأغلاها ثمنا، ولفظ الإمام أحمد والشيخان والنسائي وابن حبان أفضل الأعمال إيمان بالله تعالى، وجهاد في سبيل الله تعالى، قيل: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمنا قيل: فإن لم أجد؟ قال: تعين صانعا أو تصنع لأخرق، قال: فإن لم أستطع؟ قال: كفّ أذاك عن الناس من الشر فإنها صدقة تصدّق بها على نفسك.
قوله أنفسها عند العلماء: النفيس الجيّد من كل شيء المرغوب فيه وحقيقة الشيء الذي يتنافس فيه النّاس. يعين صانعا أي ذو أتباع من فقر أو عيال، والخرق ضد الرفق يقال:
رجل أخرق إذا لم يتقن ما يحاول فعله والصانع بصاد مهملة فنون، وهو المشهور وروى ضائعا بالعجمة أي ذا ضياع من فقر وعيال ونحو ذلك.
وروى الشيخان عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله، قلت: فأيّ الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنا قال: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعا، أو تصنع لأخرق، قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل، قال: تكفّ أذاك عن الناس.
وروى الإمام أحمد عن البراء- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النّسمة وفكّ الرقبة، قال: يا رسول الله، أو ليستا بواحدة؟
قال: «لا، إن عتق النسمة تفرد بعتقها، وفكّ الرّقبة أن تعين على عتقها» [ (٢) ] .
وروى مسلم عن معاوية بن الحكم السّلمي- رضي الله تعالى عنه- قال: بينا أنا أصلّي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إليّ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلمّا رأيتهم يصمّتونني، لكنّي سكتّ فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمّي ما رأيت معلّما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فو الله ما نهرني ولا ضربني، ولا شتمني، قال: «إن هذه الصّلاة لا
стр. 4067
يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنّما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.
وروى الشيخان عن ميمونة- رضي الله تعالى عنها- أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي ﷺ فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعرت يا رسول الله ﷺ أني أعتقت وليدتي؟ قال: أو فعلت؟ قالت: نعم، قال أما لو أنّك أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كم أعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قال: «اعف عنه في كل يوم سبعين مرة» .
وروى الإمام أحمد وأبو داود والبيهقي عن عمر- رضي الله تعالى عنهما- والبيهقي عن ميمونة بنت سعد مولاة رسول الله ﷺ [......] .
وروى الطبراني والإمام أحمد عن سعد بن عبادة- رضي الله تعالى عنه- أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: إنّ أمي ماتت وعليها [ (١) ] نذر لم تقضه، فقال رسول الله ﷺ : «اقضه عنها» .
وروى الإمام الشافعي والشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنها أرادت أن تشتري بريرة فتعتقها فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق» .
الثامن عشر: في بعض فتاويه ﷺ في النكاح وما يتعلق به .
روى الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله ﷺ أيّ النّساء خير؟ قال: «التي تسرّه إذا نظر وتطيعه، إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها أو ماله» [ (٢) ] .
وروى ابن النجار عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، أيّ النساء أفضل؟ قال: «التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها وماله فيما يكره» .
وروى الترمذي عن ثوبان- رضي الله تعالى عنه- قال: لمّا نزل في الذّهب والفضّة ما نزل قالوا: لو علمنا أي المال خير فنتخذه، قال أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه.
стр. 4068
وروى أبو داود بسند حسن عن معاوية بن حيدة- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتست ولا تضرب الوجه ولا تقبّح ولا تهجر إلا في البيت [ (١) ] .
وروى أبو داود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قال: قلت: يا رسول الله، ما تقول في نسائنا: قال: أطعموهنّ مما تأكلون واكسوهنّ مما تكسون، ولا تضربوهن ولا تقبّحوهنّ [ (٢) ] .
وروى الطبراني عن سعد بن مسعود الليثي قال: أتى عثمان بن مظعون رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، إني لا أحب أن ترى امرأتي عورتي، فقال: إن الله تعالى جعلها لك لباسا، وجعلك لها لباسا وأهلي يرون عورتي وأنا أرى ذلك منهم.
وروى عن معقل بن يسار- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسن وجمال، وإنّها لا تلد أفأتزوجها؟ قال: «لا» ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: «تزوّجوا الودود الولود فإنّي مكاثر بكم الأمم» .
وروى الإمام أحمد عن ابن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي أن أختصي، فقال رسول الله ﷺ : «خصاء أمتي الصيام والقيام» .
وروى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل شابّ وأخاف العنت، ولا أجد ما أتزوج به النساء، فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فسكت عنّي، ثمّ قلت له مثل ذلك، فسكت عنّي، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي ﷺ : «يا أبا هريرة، جفّ القلم بما أنت لاق، فاختصّ على ذلك أوذر» .
وروى مسلم عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «وفي بضع أحدكم صدقة» ، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: «أرأيت لو وضعها في حرام؟ أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: دخل رجل على رسول الله ﷺ يقال له: عكاف بن بشر التيمي فقال له رسول الله ﷺ : «يا عكاف، هل لك من زوجة؟» قال: لا، قال: «ولا جارية؟» قال: لا، قال: «وأنت موسر بخير؟» قال، وأنا موسر بخير، قال: «أنت إذن من إخوان الشياطين، لو كنت من النصارى كنت من رهبانهم، إنّ سنتنا
стр. 4069
النكاح، شراركم عزّابكم، والأذل موتاكم عزابكم، أبالشياطين تمرسون، ما للشياطين سلاح أبلغ، وفي الصّالحين من النساء إلا المتزوجين، أولئك المطهرون المبرؤون من الخنا، ويحك يا عكاف، إنهنّ صواحب أيوب وداود ويوسف وكرسف» ، قال له بشر بن عطية: من كرسف يا رسول الله؟ قال «رجل كان يعبد الله بساحل من سواحل البحر ثلاثمائة عام يصوم النهار، ويقوم الليل، ثم إنّه كفر بالله العظيم في سبب امرأة عشقها، وترك ما كان عليه من عبادة الله- ثم استدركه الله- ببعض، ما كان منه فتاب عليه، ويحك يا عكاف تزوّج، وإلا فأنت من المذبذبين» قال: زوّجني يا رسول الله، قال: «زوجتك كريمة بنت كلثوم الحميري» .
وروى أبو داود الطيالسي والإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح والنسائي عن أبي بن زرعة بن عمرو بن جرير عن جده قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري [ (١) ] .
وروى مسلم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت عند رسول الله ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنّه تزوّج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : «أنظرت إليها؟» قال: لا، قال: «فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئا» يعني حولا.
وروى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجارية ينكحها أهلها، أتستأمر أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم تستأمر» قلت: فإنها تستحي.
وروى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «لا تنكح الأيّم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن» قالوا: يا رسول الله، كيف إذنها قال:
«تسكت» ورواه ابن ماجة عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- مرفوعا.
وروى الدارقطني عن عبد الله بن معقل- رضي الله تعالى عنه- قال: تزوّج رجل من الأنصار امرأة في مرضه، فقالوا: لا يجوز، هذا من الثلث، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال:
«النكاح جائز، ولا يكون من الثّلث» [ (٢) ] .
(وروى الدارقطني عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: سألنا رسول الله ﷺ عن صداق المرأة النساء، قال: هو ما اصطلح عليه أهلوهم [ (٣) ] ) [ (٤) ] .
стр. 4070
وروى الدارقطني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ «أنكحوا اليتامى ثلاثا» قيل: يا رسول الله، ما العلائق بينهم؟ قال: «ما تراضى عليه الأهلون، ولو قضيب من أراك» [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد عن أبي حدرد الأسلمي- رضي الله تعالى عنه- أنه أتى رسول الله ﷺ يستفتيه في مهر امرأة فقال: أمهرها، قال: مائتان قال: «لو كنتم تغترفون من ماء بطحان ما زدتم» [ (٢) ] .
وروى البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل تزوّج امرأة، وفرض لها هل يدخل بها ولم يعطها شيئا؟ فقال: «لا يدخل بها حتى يعطيها شيئا ولو نعليه» .
وروي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرّضاعة بعد أن نزل الحجاب، فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعت «فأمرني أن آذن له» .
وروى مسلم عن أمّ الفضل- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخل أعرابي على رسول الله ﷺ وهو في بيتي، فقال: يا نبي الله! إنّي كانت لي امرأة فتزوّجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى، أنها أرضعت امرأتي الحدثى، رضعة أو رضعتين فقال نبي الله ﷺ :
«لا تحرّم الإملاجة ولا الإملاجتان» .
وروى عبد الرزاق عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: جاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن سالما كان يدعى لأبي حذيفة، وأن الله تعالى قد أنزل في كتابه العزيز ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الأحزاب/ ٥] وكان يدخل عليّ، وأنا فضل ونحن في (مسوب) [ (٣) ] ضيق فقال النبي ﷺ : «أرضعيه تحرمي عليه» [ (٤) ] ،
قال الزّهريّ: قال بعض أزواج النبي ﷺ : لا تدرون لعل هذه كانت رخصة لسالم خاصّة، قال الزهري: - رحمه الله تعالى-: كانت عائشة- رضي الله تعالى عنها- تفتي بأن الرّضاع يحرّم بعد الفصال، حتى ماتت وعنها أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان بدريا، وكان قد تبنى سالما الذي يقال له
стр. 4071
مولى أبي حذيفة كما تبنّى رسول الله ﷺ زيدا وأنكحه فكان أبو حذيفة يرى أنه ابنه فأنكحه ابنة أخته فاطمة بنت الوليد بن عتبة وهي من المهاجرات الأول، وهي يومئذ أفضل أيامي قريش، فلما أنزل الله تعالى ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الأحزاب/ ٥] الآية ردّ كل واحد من أولئك إلى أبيه، فإن لم يعلم أبوه ردّ إلى مواليه،
فجاءت سهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول الله، كنا نرى سالما وليدا أو كان يدخل على، وأنا فضل وليس لنا إلّا بيت واحد، فما ترى؟ قال الزّهريّ: فقال لها فيما بلغنا: أرضعيه، والله تعالى أعلم.
وروي عن عائشة زوج النبي ﷺ وأم سلمة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان تبنّى سالما، وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار كما تبنى رسول الله ﷺ زيدا، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث ميراثه، حتى أنزل الله- في ذلك: «ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ» إلى قوله فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ [الأحزاب/ ٥] فردّوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين،
فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالما ولدا، فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني مقتلا، وقد أنزل الله- فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي ﷺ «أرضعيه»
فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة فبذلك كانت عائشة- ﵂ تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبّت عائشة أن يراها، ويدخل عليها، وإن كان كبيرا خمس رضعات، ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة، وسائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن عليهم بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد، وقلت لعائشة: والله ما ندري لعلها كانت رضعة من النبي ﷺ لسالم دون الناس.
وروى الإمام أحمد والبخاري وأبو داود عن عقبة بن الحارث- رضي الله تعالى عنه- أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: إني أرضعتكما، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ .
ولفظ البخاري أنّه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز فأتت امرأة
فقالت: إني أرضعت عقبة، والذي تزوّج بها فقال لها عقبة: لا أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني! فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فسأله؟ فقال رسول الله ﷺ : كيف وقد قيل؟! ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره.
وروى الإمام أحمد والترمذي وصححه عن حجاج بن حجاج الأسلميّ عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، ما يذهب عني مذمّة الرضاع؟ قال: «غرّة عبد أو أمة» .
стр. 4072
وروى الإمام أحمد عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا سأل رسول الله ﷺ ما الذي يجوز من الشهود في الرّضاع؟ فقال: «رجل وامرأة» .
وروى الدارقطني وضعفه عن كعب بن مالك- رضي الله تعالى عنه- أنه أراد أن يتزوج يهودية أو نصرانية فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فنهاه عنها، وقال: «إنها لا تحصنك» .
وروى الإمام الشافعي وأبو داود وابن ماجة عن الضحاك بن فيروز الدّيلميّ عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، إني أسلمت، وتحتي أختان، قال: «طلّق أيتهما شئت» .
وروى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: طلّق رجل زوجته ثلاثا فتزوجت زوجا غيره، فطلّقها قبل أنه يدخل بها فأراد زوجها، الأوّل أن يتزوجها فسئل رسول الله ﷺ فقال: «لا حتّى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول» .
وروى النسائي عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يطلق امرأته، فيتزوجها الرجل، ويغلق الباب ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها قال: «لا تحل للأول حتى يجامعها الأخير» [ (١) ] .
وروى ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: سئل رسول الله ﷺ عن المحلّل قال: «لا نكاح رغبة ولا نكاح ولا استهزاء بكتاب الله- تعالى- حتى يذوق العسيلة» .
وروى ابن ماجه والدّارقطنيّ عن علقمة بن عامر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بالتّيس المستعار؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «هو المحلّل ثمّ لعن المحلّل والمحلّل له» [ (٢) ] .
وروى الإمام الشّافعيّ وأبو داود والدارقطني والطحاوي والبغوي وابن قانع عن الحارث- رضي الله تعالى عنه- قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال:
«اختر منهنّ أربعا، وفارق سائرهنّ» .
وروى الإمام الشافعي عن نوفل بن معاوية الرملي- رضي الله تعالى عنه- قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فسألت النبي ﷺ فقال: «فارق واحدة وأمسك أربعا» فعمدت إلى أقدمهنّ عندي عاقرا منذ ستين سنة ففارقتها.
وروى الإمام أحمد والترمذي، وصححه عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن
стр. 4073
رجلا جاء مسلما على عهد رسول الله ﷺ ثم جاءت امرأته مسلمة بعده، فقال: يا رسول الله، إنها كانت أسلمت معي، فردّها عليه رسول الله ﷺ .
وروى الدارقطني عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رجلا قال: يا رسول الله إن امرأتي لا تردّ يد لامس، فقال النبي ﷺ : «طلّقها» ، فقال: إني أحبها، قال: «فأمسكها إذن» [ (١) ] .
وروى الإمام الشافعي عن خزيمة بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن إتيان النساء في أدبارهن أو عن إتيان الرّجل امرأته في دبرها فقال النبي ﷺ حلال فلمّا ولّى الرّجل دعاه أو أمر به، فدعي فقال: كيف قلت في أي الخرقين أو في أيّ الخرزتين، أو في أيّ الحصفتين أمن دبرها في قبلها، فنعم أم من دبرها، في دبرها، فلا، فإن الله لا يستحي من الحقّ، لا تأتوا النّساء في أدبارهن.
وروى الترمذي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال جاء عمر- رضي الله تعالى عنه- إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: «وما أهلك؟» قال: حوّلت رحلي اللّيلة، قال: فلم يردّ عليه رسول الله ﷺ شيئا
قال: فأوحي إلى رسول الله ﷺ هذه الآية: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة/ ٢٢٣] أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد- رضي الله تعالى عنها- أنها كانت عند رسول الله ﷺ والرجال والنساء قعود عنده فقال: «لعل الرّجل يقول ما يفعله بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها فارم القوم» فقلت: أي والله يا رسول الله، إنهن ليقلن، وإنهم ليفعلون قال: «فلا تفعلوا، فإنّما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق فغشيها والناس ينظرون» .
وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والبيهقي عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزل، ولفظ أحمد: سألنا رسول الله ﷺ عن العزل، فقال:
«اصنعوا ما بدا لكم فما قضى الله- تعالى- فهو كائن، وليس كل الماء يكون الولد» [ (٣) ] .
وروى عبد الرزاق والتّرمذيّ عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء ناس من
стр. 4074
المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أفيكون لنا الإماء فنعزل عنهن؟ وزعمت يهود أنها الموءودة الصغرى، فقال رسول الله ﷺ : «كذبت يهود، كذبت يهود، ولو أراد الله تعالى أن يخلقه لم يردّه» ، وفي لفظ عند عبد الرزّاق: جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي جارية وأنا أعزل عنها، فقال النبي ﷺ : «ما يقدّر يكن» ، فما لبثت أن حملت فجاء إلى النبي ﷺ فقال له: إنها حملت، فقال النبي ﷺ : «ما قضى الله لنفس أن تخرج إلا هي كائنة» [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ سئل عن العزل، فقال: «لا عليكم أن لا تفعلوا، فإن الله تعالى كتب من هو خالق إلى يوم القيامة» [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد بن السكن- رضي الله تعالى عنها- قالت: مر بنا رسول الله ﷺ ونحن في نسوة فسلم علينا وقال: إيّاكن وكفر المنعمين قال: لعلّ إحداكن أن تطول إقامتها بين أبويها، وتعنس فيرزقها الله- زوجا، ويرزقها منه مالا وولدا فتغضب الغضبة فراحت تقول: ما رأيت منه يوما خيرا قطّ وقال: مرّة خيرا قط.
وروى الإمام الشافعي والشيخان والدارقطني عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أن هند بنت عتبة أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم؟ فقال: «خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف» .
وروى البيهقي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال جاء رجل، فقال: يا رسول الله، عندي دينار، قال: «أنفقه على نفسك» ، قال: عندي آخر قال: «أنفقه على ولدك» ، قال: عندي آخر؟ قال: «أنفقه على أهلك» .
وروى الإمام أحمد عن رائطة امرأة عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنها- وكانت امرأة صناعا، وكانت تبيع وتصدق، فقالت لعبد الله يوما: لقد شغلتني أنت وولدك، فما أستطيع أن أتصدق معكم، فقال: ما أحب أن لم يكن في ذلك أجر أن تفعلي فسألا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ : «لك أجر ما أنفقت عليهم» .
стр. 4075
التاسع عشر: في بعض فتاويه ﷺ في «الطلاق» «والخلع» «والإيلاء» «والظّهار» «واللّعان» «وإلحاق الولد» «والعدة» وما يتعلق بذلك .
روى أبو داود والترمذي والدارقطني عن عبد الله بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده- رضي الله تعالى عنه- قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إني طلّقت امرأتي البتّة وو الله، ما أردتّ إلا واحدة، فقال رسول الله ﷺ : «والله، ما أردتّ إلا واحدة؟» فقال ركانة:
والله، ما أردتّ إلا واحدة، فردّها إليه رسول الله ﷺ فطلّقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان.
وروى الدارقطني عن عبادة بن الصامت- رضي الله تعالى عنه- قال: طلّق بعض الأنصار امرأته ألفا فانطلق بنوه إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، أن أبانا طلّق أمّنا ألفا، فهل له من مخرج؟ فقال: «إنّ أباكم لم يتّق الله فيجعل له من أمره مخرجا، بانت منه بثلاث على غير السّنّة وتسعمائة وسبعة وتسعون إثما في عنقه»
وقال الدارقطني: رواته مجهولون، وضعفاء إلا شيخنا وابن عبد الباقي.
وروى الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أنه طلق امرأته، وهي حائض، فذكر ذلك عمر- رضي الله تعالى عنه- لرسول الله ﷺ فتغيّظ فيه، ثم قال: «ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر وإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسّها، فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» ثم قرأ رسول الله ﷺ : إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق/ ١] أي قبل عدتهن.
وروى الدارقطني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ يشكو، أن مولاه زوّجه، وهو يريد أن يفرق بينه وبين امرأته، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه ثم قال: «ما بال قوم يزوّجون عبيدهم إماءهم ثم يريدون أن يفرقوا بينهم؟ ألا، إنّما يملك الطلاق من أخذ بالسّاق.
وروى الإمام أحمد وغيره عن أبي ذر والدارقطني عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال قال رجل: يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ [البقرة/ ٢٢٩] فأين الثالثة قال: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [البقرة/ ٢٢٩] .
وروى الشيخان عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ حلف لا يدخل على بعض أهله شهرا، فلمّا مضى تسعة وعشرون يوما- غدا عليهنّ أو راح- فقيل له: يا نبيّ الله، حلفت أن لا تدخل علينا شهرا، فقال: «إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما» .
стр. 4076
وروى البيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قال: أقسم رسول الله ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرا ... الحديث.
وروى الترمذي والبيهقي والدارقطني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا أتى رسول الله ﷺ وقد ظاهر من امرأته، فوقع عليها فقال: يا رسول الله، إني قد ظاهرت من زوجتي، فوقعت عليها قبل أن أكفّر، فقال: «وما حملك على ذلك، يرحمك الله» ؟ قال: رأيت خلخلها في ضوء القمر. قال: «فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به» .
وروى ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا من الأنصار جاء فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا، فتكلم جلدتموه أو قال: قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ والله لأسألنّ عنه رسول الله ﷺ فلما كان من الغد أتى رسول الله ﷺ فسأله فقال: لو أنّ رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه أو قال: قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ، فقال:
«اللهمّ افتح» وجعل يدعو، فنزلت آيتي اللعان: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ [النور/ ٦] هذه الآيات فابتلى به ذلك الرجل من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله ﷺ فتلاعنا فشهد الرّجل أربع شهادات بالله، إنّه لمن الصّادقين، ثمّ لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فذهبت لتلعن فقال لها رسول الله ﷺ : «مه» فأبت، فلعنت فلمّا أدبرا قال «لعلّها أن تجيء به أسود جعدا» فجاءت به أسود جعدا.
وروى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أنّ رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام أسود، وإنّي أنكرته؟ فقال له رسول الله ﷺ : «هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «فما ألوانها؟» قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق؟» قال: إنّ فيها لورقا، قال: «فأنّى ترى ذلك جاءها؟» قال: عرق نزعها، قال: «ولعل هذا عرق نزعه» ! ولم يرخص له في الانتفاء منه.
وروى الإمام أحمد عن مولى آل الزبير قال: إن بنت زمعة قالت: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن أبي زمعة مات، وترك أمّ ولد له وإنا كنّا نظنها برجل، وإنها ولدت فخرج ولدها يشبه الرجل الذي ظننّاها به، قال: فقال لها: «أما أنت فاحتجبي منه، فليس بأخيك وله الميراث» .
وروى أبو داود عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، أن فلانا ابني عاهر بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : «لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الحجر» .
العاهر يعني الزاني والمعنى، أنه لا حظّ للزاني في الولد وإنّما هو لصاحب الفراش وهو الزوج أو السّيّد، ولها الحجر أي ترجم بالحجارة، أو ليس لها إلا الحجارة أي ليس له ولا لها
стр. 4077
إلا الخيبة ولحوق الولد، وذكره ﷺ للحجر استعارة عن الرجم.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن رافع بن سنان- رضي الله تعالى عنه- أنه أسلم، وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي ﷺ فقالت: ابنتي، وهي فطيم أو شبهه وقال رافع: ابنتي، فقال له النبي ﷺ : «اقعد ناحية» وقال لها: «اقعدي ناحية» قال: وأقعد الصّبيّة بينهما، ثم قال:
«ادعواها» فمالت الصّبيّة إلى أمّها فقال النبي ﷺ : «اللهم اهدها» فمالت الصّبيّة إلى أبيها فأخذها.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإنّ أباه طلقني وأراد أن ينتزعه منّي، فقال لها رسول الله ﷺ : «أنت أحقّ به ما لم تنكحي» .
وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن امرأة ثابت بن قيس بن شمّاس اختلعت من زوجها فجعل النبي ﷺ عدّتها حيضة.
وروى الإمامان الشافعي وأحمد والبخاري عن المسور بن مخرمة- رضي الله تعالى عنه- أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال فجاءت النبي، فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت.
وروى الإمامان الشافعي وأحمد والبخاري عن المسور بن مخرمة- رضي الله تعالى عنه- أنه سأل رسول الله ﷺ عن ذوات الأحمال قال: «أجلهنّ أن يضعن حملهنّ» .
وروى مسلم عن أبي الدرداء- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ أتي بامرأة مجحّ على باب فسطاط فقال: «لعلّه يريد أن يلمّ بها» فقالوا: نعم، فقال رسول الله ﷺ : «لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره. كيف يورّثه وهو لا يحلّ له؟ كيف يستخدمه، وهو لا يحلّ له؟» .
وتحجج بالجيم والحاء المهملة المشددة الحامل التي دنت ولادتها.
وروى البيهقي عن الزبير- رضي الله تعالى عنه- أنه كان عنده أم كلثوم بنت عقبة، فقالت له، وهي حامل إني أحب أن تطيب نفسي بتطليق ففعل، فذهب إلى المسجد فجاء وقد وضعت ما في بطنها فأتى النبي ﷺ فذكر له ما صنع، فقال: «بلغ الكتاب أجله، فاخطبها إلى نفسها» ، فقال خدعتني، خدعها الله.
وروى مسلم عن سلمة بن عبد الرحمن أن فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس
стр. 4078
أخبرته، أن أبا حفص بن المغيرة المخزوميّ طلّقها ثلاثا، ثم انطلق إلى اليمن، فقال لها أهله:
ليس لك علينا نفقة، فانطلق خالد بن الوليد في نفر. فأتوا رسول الله ﷺ في بيت ميمونة، فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثا، فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله ﷺ : «ليست لها نفقة، وعليها العدّة» وأرسل إليها «أن لا تسبقيني بنفسك» وأمرها أن تنتقل إلى أمّ شريك، ثم أرسل إليها «أن أمّ شريك يأتيها المهاجرون الأوّلون. فانطلقي إلى ابن أم مكتوم الأعمى، فإنّك إذا وضعت خمارك، لم يرك» فانطلقت إليه. فلما مضت عدّتها أنكحها رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة.
وروى مسلم عن جابر بن عبد الله يقول: طلقت خالتي فأرادت أن تجدّ نخلها: فزجرها رجل أن تخرج. فأتت النبي ﷺ فقال: «بلى فجدّي نخلك. فإنّك عسى أن تصدّقي أو تفعلي معروفا» .
وروى البيهقي عن زينب بنت كعب بن عجرة- رضي الله تعالى عنهما- وكانت تحت سعيد أن أخته الفريعة بنت مالك كانت مع زوجها في قرية من قرى المدينة فتبع أعلاجا، فقتلوه فأتت النبي ﷺ فشكت الوحشة في منزله، وذكرت أنها في منزل ليس لها، واستأذنت أن تأتي منزل إخوتها بالمدينة، فأذن لها، ثم دعا أو دعيت له، فقال: «اسكني في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك حتّى يبلغ الكتاب أجله» .
وروى الشيخان عن زينب بنت أبي سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، أن ابنتي توفّي عنها زوّجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: لا، ثم قال رسول الله ﷺ : «إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول» .
وروى الشيخان والبيهقي عن زينب أنها سمعت أم سلمة وأم حبيبة تذكران أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فذكرت له أنّ بنتا لها توفّي عنها زوجها، فاشتكت عينها، فهي تريد أن تكحلها، فقال رسول الله ﷺ : «قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة عند رأس الحول، وإنما هي أربعة أشهر وعشر» .
وروى أبو داود عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخلت على رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت على عيني صبرا، فقال: «ما هذا يا أم سلمة؟» فقلت: إنما هو صبر ليس فيه طيب، قال: «إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل
стр. 4079
وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء، فإنه خضاب» ، قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: «بالسدر تغلفين به رأسك» .
العشرون: في بعض فتاويه ﷺ في الجنايات والحدود .
روى الإمام أحمد عن مربد بن عبد الله عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الآمر والقاتل قال: «قسمت النار سبعين جزءا فللآمر تسع وستون وللقاتل جزء وحسبه» .
وروى الشيخان عن عدي بن الخيار قال: إن المقداد بن عمرو الكنديّ أخبره أنه قال لرسول الله ﷺ : أرأيت إن لقيت رجلا من الكفّار فاقتتلنا فضرب إحدى يديّ بالسّيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال: «لا تقتله» فقال: يا رسول الله، إنه قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها، فقال رسول الله ﷺ :
«لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال»
أي إباحة الدم، لأن الكافر قبل أن يسلم مباح الدم، فإذا أسلم فقتله أحد فإن قاتله مباح الدم. بحق القصاص، لأنه بمنزلته في الكفر.
وروى النسائي عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن هذا قتل أخي، قال: «اذهب، فاقتله كما قتل أخاك» ، فقال له الرجل: اتّق الله، واعف عني، فإنه أعظم لأجرك، وخير لك ولأخيك يوم القيامة، قال: «فخلّى عنه» ، قال: فأخبر النبي ﷺ فسأله فأخبره بما قال له قال: فأعنفه أما إنه كان خيرا مما هو صانع بك يوم القيامة يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني.
وروى البيهقي عن ابن حارثة- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا ضرب رجلا على ساعده.
وروى الإمام أحمد والشيخان والبيهقي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- وزيد بن خالد الجهني قالا: سئل رسول الله ﷺ عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها» . ثم بيعوها ولو بضفير.
وروى الإمام أحمد عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا من أسلم جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه زنى بامرأة سماها فأرسل النبي ﷺ إلى المرأة فدعاها فسألها عما قال فأنكرت فحده وتركها.
وروى مسلم عن بريدة بن الحصيب- رضي الله تعالى عنه- قال: أتى ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، طهّرني، فقال: «ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه» ، قال:
стр. 4080
فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله، طهّرني، فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة، قال له رسول الله: «ممّ أطهّرك؟» قال: من الزنا، فسأل رسول الله ﷺ أبه جنون؟
فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: أشرب خمرا؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، فقال: أزنيت؟ قال: نعم، فأمر به فرجم، فلبثوا يومين أو ثلاثة، ثمّ جاء رسول الله ﷺ فقال:
«استغفروا لماعز بن مالك، لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم» ، ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله، طهّرني، فقال: «ويحك ارجعي، فاستغفري الله وتوبي إليه» ، فقالت: تريد أن تردّني كما رددت ماعز بن مالك، إنها حبلى من الزنا! فقال: أنت؟ قالت:
نعم، قال لها: حتى تضعي ما في بطنك، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، فأتى النبي ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: «إذن لا نرجمها، وندع ولدها صغيرا، ليس له من ترضعه؟» فقام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه يا نبي الله، قال فرجمها» .
وروى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال سعد بن عبادة- رضي الله تعالى عنه-: يا رسول الله، أرأيت إن وجدتّ مع أهلي رجلا لم أمسّه حتّى آتي بأربعة شهود قال رسول الله ﷺ «نعم» قال: كلّا، والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسّيف قبل ذلك، قال رسول الله ﷺ : «اسمعوا إلى ما يقول سيّدكم. إنّه لغيور وأنا أغير منه. والله أغير مني» .
وروى الشيخان عن سهل بن سعد، قال جاء عويمر إلى عاصم بن عدي- رضي الله تعالى عنه- فقال: أسأل رسول الله ﷺ أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله ﷺ فقال: إنه قد أنزل القرآن فيك وفي صاحبتك، فأمرها رسول الله ﷺ بالملاعنة بما سمّى الله في كتابه فلاعنها، ثم قال: يا رسول الله، أن حبستها فقد ظلمتها، فطّلقها فكانت سنّة لمن بعدهما في المتلاعنين ثم قال رسول الله ﷺ :
انظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خدلج السّاقين، فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنّه وحرة، فلا أحسب عويمرا إلا قد كذب عليها
فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله ﷺ من تصديق عويمر فكان بعد ينسب إلى أمّه.
وروى الشيخان عن زيد بن خالد الجهني وأبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ وهو جالس، فقال: يا رسول الله، اقض بكتاب الله فقام خصمه فقال: صدق، اقض له يا رسول الله بكتاب الله، إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرّجم، فافتديت بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فزعموا إن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام. فقال: والذي نفسي بيده، لأقضيّن بينكما بكتاب الله،
стр. 4081
أمّا الغنم والوليدة فردّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وأما أنت يا أنيس، فاغد على امرأة هذا، فارجمها فغدا أنيس فرجمها.
وروى أبو داود عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال جاءت اليهود برجل وامرأة منهما قد زنيا فقال: «ائتوني بأعلم رجلين منكم» فأتوه بابني صوريا، فنشدهما كيف أمر هذين في التوراة؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنّهم رأوا ذكره في فرجها، مثل الميل في المكحلة رجما، قال: «فما يمنعكما أن ترجموهما؟» قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، فدعا رسول الله ﷺ بالشّهود فجاءوا بأربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها، مثل الميل في المكحلة، فأمر النبي ﷺ برجمهما.
وروى أبو داود عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا من بكر بن ليث أتى رسول الله ﷺ فأقرّ بأنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده مائة وكان بكرا، ثم سأله النبي ﷺ فأقرّ أنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده مائة، وكان بكرا، ثم سأله البيّنة على المرأة، فقالت: كذب والله يا رسول الله، فجلده رسول الله ﷺ حدّ الفرية ثمانين.
وروى الإمام أحمد عن أبي أمية المخزومي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ أتي بلصّ فاعترف، ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول الله ﷺ ما أخالك سرقت؟ قال: بلى، مرتين أو ثلاثا، قال: فقال رسول الله ﷺ اقطعوه، ثم جاءوا به قال فقطعوه، ثم جاءوا به، فقال له رسول الله ﷺ قل: أستغفر الله، وأتوب إليه قال: أستغفر الله، وأتوب إليه، فقال رسول الله ﷺ اللهمّ، تب عليه.
وروى الإمام أحمد والبيهقي عن مسعود بن الأسود- رضي الله تعالى عنه- أنه قال لرسول الله ﷺ في المخزومية التي سرقت قطيفة: يفديها يعني بأربعين أوقية، فقال رسول الله ﷺ لأن تطهر خير لها، فأمر بها، فقطعت يدها، وهي من بني عبد الأسد.
وروى الإمام أحمد عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: سئل رسول الله ﷺ في كم تقطع يد السّارق، قال: لا تقطع في ثمرة معلّقة، فإذا ضمّه الجرين قطع في ثمن مجن ولا تقطع في حريسة الجبل فإذا ضمها المراح قطعت في ثمن مجن.
وروى أبو داود والنسائي عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: سئل رسول الله ﷺ عن الثّمر المعلّق؟ قال: من سرق شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع.
وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن صفوان بن أمية- رضي الله تعالى عنه- قال: بينا أنا راقد إذ جاء سارق، فأخذ ثوبي فرفعناه إلى النبي ﷺ فأمر بقطعه، فقلت: يا
стр. 4082
رسول الله، أفي حميصة ثمن ثلاثين درهما أنا أهبها له أو أبيعها له قال: فهلّا كان قبل أن تأتيني به.
وروى أبو داود والنسائي عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار أنه اشتكى رجل حتى أضنى فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهشّ لها، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله ﷺ فإني قد وقعت على جارية دخلت عليّ، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضّرّ مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسّخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله ﷺ أن يأخذوا له مائة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة.
وروى النسائي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن قوما قتلوا، فأكثروا وزنوا فأكثروا وانتهكوا، فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، إن الذي تقول وتدعونا إليه حسن لو تخبرنا أنّ لما عملنا كفّارة فأنزل الله وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً [الفرقان/ ٦٨] إلى آخر.. إلى فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان/ ٧٠] قال يبدل الله شركهم إيمانا، وزناهم إحصانا ونزلت قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر/ ٥٣] الآية.
الحادي والعشرون: في بعض فتاويه ﷺ في الأيمان والنذور .
روى الإمام أحمد والنسائي عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه- قال: حلفت باللات والعزّى فقال: أصحابي قد قلت هجرا، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، واتفل عن يسارك ثلاثا، وتعوّذ بالله من الشيطان ثمّ لا تعد.
وروى مسلم عن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: من اقتطع حقّ مسلم بيمينه، حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النّار، قالوا:
وإن كان شيئا يسيرا، قال: وإن كان قضيبا من أراك.
وروى مسلم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه قال: أعتم رجل عند رسول الله ﷺ ثم رجع إلى أهله (فوجد الصّبية قد ناموا) فأتاه أهله بطعام فحلف لا يأكل من أجل الصّبية، ثم بدا له فأكل فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له،
قال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها فليأتها، وليكفّر عن يمينه» .
وروى النسائي عن أبي الأحوص الجشمي عن أبيه مالك بن نضلة- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت ابن عمّ لي أتيته أسأله فلا يعطيني ولا يصلني، ثم يحتاج
стр. 4083
إليّ فيأتيني، فيسألني وقد حلف أن لا أعطيه، ولا أصله؟ فأمرني أن آتي الذي هو خير، وأكفّر عن يميني.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن سويد بن حنظلة- رضي الله تعالى عنه- قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدوّ له فتحرّج الناس أن يحلفوا، وحلفت إنه أخي فخلى عنه، فأتينا رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: أنت كنت أبرهم وأصدقهم، صدقت، المسلم أخو المسلم.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فسأل رسول الله ﷺ عن البينة، فلم تكن له بينة، فاستحلف المطلوب فحلف بالله تعالى الذي لا إله إلا هو ما فعلت، فقال رسول الله ﷺ : قد فعلت، لكن الله تعالى قد غفر لك بإخلاص قول لا إله إلا الله.
وروى البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظلّ ولا يتكلّم، ويصوم فقال النبي ﷺ : «مروه فليتكلّم وليستظلّ وليقعد وليتمّ صومه» .
وروى الشيخان عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما أو قال: ليلة في المسجد الحرام قال: أوف بنذرك.
وروى ابن أبي شيبة عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: نذرت نذرا في الجاهلية فسألت رسول الله ﷺ بعد ما أسلمت فأمرني أن أفي بنذري.
وروى الشيخان والإمام أحمد والنسائي عن عقبه بن عامر- رضي الله تعالى عنه- قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية غير معتمرة، فأمرتني أن أستفتي رسول الله ﷺ فاستفتيته، فقال: مر أختك فلتركب، ولتختمر ولتصم ثلاثة أيام.
وروى البغوي وضعفه والإسماعيلي وابن قانع وأبو نعيم عن بشير الثقفي- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت لرسول الله ﷺ : إني نذرت في الجاهلية نذرا أن لا آكل لحم الجزور ولا أشرب الخمر فقال رسول الله ﷺ : «أما لحوم الإبل فكلها وأما الخمر فلا تشرب» .
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن أخت عقبه بن عامر- رضي الله تعالى عنه- نذرت أن تحج ماشية، فسئل النبي ﷺ وقيل: إنها لا تطيق ذلك، فقال: إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ولتهد بدنة.
وروى الإمام أحمد عن ابن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ نظر،
стр. 4084
وهو يخطب إلى أعرابي قائم في الشمس، قال: ما شأنك؟ قال: قد نذرت يا رسول الله أن لا أزال في الشمس حتّى تفرغ فقال رسول الله ﷺ : ليس هذا بنذر، إنما النّذر فيما ابتغي به وجه الله- .
وروى عن ابن عمرو أيضا أن رسول الله ﷺ أدرك رجلين مقرنين يمشيان إلى البيت فقال رسول الله ﷺ ما بال القرآن؟ قالا: يا رسول الله، نذرنا بأن نمشي إلى البيت مقترنين، فقال رسول الله ﷺ ليس هذا نذرا، فقطع قرانهما،
قال سريج في حديثه: إنما النذر ما ابتغي به وجه الله- .
وروى البيهقي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت:
إنّ أمي توفّيت [.....] .
وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدّفّ، قال: أوف بنذرك.
الثاني والعشرون: في بعض فتاويه ﷺ في الصّيد والذبائح .
روى الشيخان والنسائي عن عدي بن حاتم- رضي الله تعالى عنه- قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: إنّا قوم نصيد بهذه الكلاب، فقال: إذا أرسلت كلبك المعلّم، فقتل فكل، وإذا أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، فقلت: أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر، قال: فلا تأكل، فإنّما سميت على كلبك، ولم تسمّ على كلب آخر.
وروى الإمام أحمد والدارقطني عنه أنّه سأل النبي ﷺ قال: أرمي بسهمي فأصيب، فلا أقدر عليه إلا بعد يوم أو يومين، فقال: إذا قدرت عليه، وليس فيه أثر ولا خدش إلا رميتك، فكل، وإن وجدت فيه أثر غير رميتك فلا تأكله، أو قال: لا تطعمه، فإنّك لا تدري أنت فعلته أو غيرك، وإذا أرسلت كلبك، فأخذ، فأدركته فذكّه، وإن وجدته قد أخذ، ولم يأكل شيئا منه فكله، وإن وجدته قد قتله، فأكل منه فلا تأكل منه شيئا أو قال: لا تأكله، فإنّما أمسك على نفسه،
قال عدي: فإنّي أرسل كلابي، وأذكر اسم الله، فتختلط بكلاب غيري، فيأخذن الصيد فيقتلنه، قال: لا تأكله، فإنّك لا تدري أكلابك قتلته، أو كلاب غيرك؟.
وروى البخاري عن أبي ثعلبة الخشفي- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلّم، وبكلبي المعلّم، فما يصلح لي؟ قال: أمّا ما ذكرت من آنية أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها، فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك
стр. 4085
فذكرت اسم الله فكل، وما صدّت بكلبك المعلّم فذكرت اسم الله، فكل وما صدتّ بكلبك غير معلّم، فأدركت ذكاته فكل.
وروى الترمذي والنسائي وأبو داود عن عدي بن حاتم- رضي الله تعالى عنه- قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصّيد فقال: إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله- فإن وجدته قد قتل فكل إلّا أن تجده قد وقع في ماء، ولا تدري الماء قتله أو سهمك.
وروى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا ثعلبة الخشينيّ أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي كلابا مكلبة، فأفتني في صيدها، فقال: إن كانت لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكت عليك، فقال: يا رسول الله، ذكيّ وغير ذكيّ؟ قال: ذكيّ وغير ذكيّ، قال: وإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه، قال: يا رسول الله، أفتني في قوسي، قال: كل ما أمسكت عليك قوسك، قال: ذكيّ وغير ذكيّ؟ قال: ذكي وغير ذكي، قال: وإن تغيّب عنّي؟
قال: وإن تغيّب عنك ما لم يصل يعني يتغير أو تجد فيه أثر غير سهمك، قال: يا رسول الله، أفتنا في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها، قال: إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء واطحنوا فيها.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي العشراء عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلّا في الحلق واللبة؟ قال: لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك.
وروى الإمام أحمد والبيهقي وأبو داود عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: سألنا رسول الله ﷺ عن الجنين يكون في بطن أمه أنلقيه، أم نأكله؟ قال: كلوه إن شئتم فإنّ ذكاته ذكاة أمّه.
وروى الإمام الشافعي عن رافع بن خديج- رضي الله تعالى عنهما- قال: قلنا: يا رسول الله، إنّا ملاقو العدو غدا، وليست معنا مدى أنذكّي باللّيط فقال النبي ﷺ «ما أنهر الدّم وذكر عليه اسم الله تعالى، فكلوا إلا ما كان من سن أو ظفر، فإن السّنّ عظم من الإنسان والظفر هذا من مدى الحبش» .
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عدي بن حاتم- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، إن أحدنا أصاب صيدا، وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقّة العصا؟ فقال: أمرر الدّم بما شئت؟ واذكر اسم الله.
وروي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: إن قوما قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتون باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليها، أم لم يذكروا، أنأكل منها؟ فقال رسول الله ﷺ : «سمّوا الله وكلوا» وكانوا حديثي عهد بكفر.
وروى الدارقطنيّ عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: سأل رجل
стр. 4086
رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي؟ فقال رسول الله ﷺ اسم الله على كل مسلم.
وروى أبو داود عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: أنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام/ ١٢١] إلى آخر الآية.
وروى الترمذي عن خزيمة بن جزء- رضي الله تعالى عنه- قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع فقال: أو يأكل الضّبع أحد؟ وسألته عن أكل الذّئب، فقال: أو يأكل الذّئب أحد فيه خير.
وروى ابن جرير عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: سئل رسول الله ﷺ وهو على المنبر عن الضب، فقال: لا أحلّه ولا أحرّمه.
وروى الإمام أحمد والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي عن أبي واقد أن رجلا قال: يا رسول الله، أنا بأرض تصيبنا بها مخمصة فماذا يصلح لنا من الميتة؟ قال: إذا لم تصطبحوا، أو لم تغتبقوا ولم تحتفوا فشأنكم بها.
وروى عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: دخلت أنا، وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فرفع رسول الله ﷺ يده عن الضّبّ، فقال خالد: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه.
قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر إليّ.
روي أيضا بلفظ أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: لا آمر به ولا أنهي عنه، أو قال: لا أحله ولا أحرمه.
وروى الترمذي وحسنه عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا قال: يا رسول الله إنّي إذا أصبت اللّحم انتشرت للنّساء، وأخذتني شهوتي، فحرّمت عليّ اللّحم فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً [المائدة/ ٨٧، ٨٨] .
وروى مسلم عن أبي أيوب- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام أكل منه، وبعث بفضلة إلي وإنه بعث إلي يوما بفضلة لم يأكل منها، لأن فيها ثوما.
فسألته: أحرام هو؟ قال: «لا ولكني أكرهه من أجل ريحه» .
وروى الإمام أحمد عنه قال أتى رسول الله ﷺ بقصعة فيها بصل فقال: كلوا وأبى أن يأكل، وقال: إني لست كمثلكم.
стр. 4087
وروى ابن ماجة عن سلمان- رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله ﷺ عن السّمن والجبن والفراء فقال: الحلال ما أحل الله تعالى في كتابه، والحرام ما حرم الله تعالى في كتابه، وما سكت عنه فهو ما عفا عنه.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن قبيصة بن هلب عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: وسأله رجل فقال: إن من الطّعام طعاما أتحرّج منه فقال: طعام لا يختلجن في نفسك شيء ضارعت فيه النّصرانية.
المضارعة المشابهة والمقاربة، وذلك أنه سأله على طعام النصارى، فكأنه أراد أن لا يحركنّ في نفسك شك، أن ما شبهت فيه النصارى حرام أو مكروه.
وروى البخاري والترمذي عن عقبة بن عامر- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت للنبي ﷺ : إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا فما ترى فيه؟ فقال لنا: إن نزلتم بقوم فأمر لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقّ الضّيف.
وروى الترمذي عن عوف بن مالك الجشمي- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن مررت برجل، فلم يقرني ولم يضفني، ثمّ مرّ بي بعد ذلك أقريه أم أجزيه؟ قال: بل أقره.
وروى الإمامان مالك وأحمد عن رجل من ضمرة عن أبيه قال سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة، قال: لا أحبّ العقوق، وكأنّه كره الاسم، وقال: من ولد له مولود فأحبّ أن ينسك عنه، فليفعل.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة، فقال: لا يحبّ الله تعالى العقوق، كأنه كره الاسم.
وقال: «من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتين مكافئتين، وعن الجارية شاة» وسئل عن الفرع قال: «والفرع حق وأن تتركوه حتّى يكون بكرا شغزبّا ابن مخاض أو ابن لبون فتعطيه أرملة أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه، فيلزق لحمه بوبره، وتكفئ إناءك وتولّه ناقتك» .
الثالث والعشرون: في بعض فتاويه ﷺ في الأشربة، وما يحل منها وما يحرم .
روى الطبراني والترمذي عن أبي المثنى الجهني قال: كنت عند مروان بن الحكم فدخل عليه أبو سعيد،
فقال له مروان: سمعت رسول الله ﷺ ينهي عن النفخ في الشراب،
فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ قال أهرقها قال: فإني لا أروي من نفس واحد؟ قال: فأبن القدح إذن عن فيك.
стр. 4088
وروى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه، فقال: كلّ شراب أسكر فهو حرام.
البتع- بكسر الموحدة وسكون المثناة الفوقية- شراب يتخذ من العسل وفتحها لغة يمنية.
وروى الشيخان عن أبي موسى- رضي الله تعالى عنه- قال: بعثني رسول الله ﷺ ومعاذا إلى اليمن فقال ادعوا النّاس فقال أبو موسى: يا نبي الله إن أرضنا بها شراب من الشّعير المزر، وشراب من العسل: البتع. فقال: كل مسكر حرام، فانطلقنا،
فقال معاذ لأبي موسى:
كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائما وقاعدا وعلى راحلتي، وأتفوّقه تفوّقا. قال: أما أنا فأنام وأقوم، فأحتسب نومتي كما أحتسب راحلتي، وأتفوّقه تفوّقا. قال: أما أنا فأنام وأقوم، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، وضربا فسطاطا فجعلا يتزاوران، فزار معاذ أبا موسى، فإذا رجل موثق فقال: ما هذا؟ فقال: أبو موسى: يهودي أسلم ثم ارتد فقال معاذ: لأضربن عنقه.
(جوامع الكلم: أراد بجوامع الكلم الإيجاز والبلاغة، فتكون ألفاظه قليلة ومعاني كلامه كثيرة، وكذلك كانت ألفاظه ﷺ [ (١) ] .
روى مسلم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أنّ رجلا قدم من جيشان (وجيشان من اليمن) سأل رسول الله ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذّرة يقال له المزر؟ فقال النبي ﷺ : «أو مسكر هو؟» قال: نعم. قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر حرام، إن على الله- عهدا، لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال» قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النّار، أو عصارة أهل النار» .
وروى الإمام أحمد عن طلق بن علي- رضي الله تعالى عنه- أنه كان عند رسول الله ﷺ جالسا فجاء عبد القيس فقال: ما لكم قد اصفرّت ألوانكم وعظمت بطونكم، وظهرت عروقكم قالوا: أتاك سيدنا، فسألك عن شراب كان لنا موافقا، فنهيته عنه وكنّا بأرض وبيئة وخمة، قال: فاشربوا ما بدا لكم [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد ومسلم والبيهقي عن طارق بن سويد- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول إن بأرضنا أعنابا نعتصرها، فنشرب منها قال: لا فعاودته فقال لا، فقلت إنا نستشفي بها للمريض، فقال: إن ذاك ليس شفاء ولكنه داء.
стр. 4089
وروى مسلم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله ﷺ عن الخمر أتتّخذ خلّا قال: لا.
وروى الإمام أحمد عنه أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا فقال: أهرقها، قال: أفلا نجعلها خلّا؟ قال: لا.
وروى الدارقطني عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال جاء قوم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا ننبذ النبيذ، فنشربه على غذائنا وعشائنا، قال: اشربوا، وكلّ مسكر حرام، فقالوا: يا رسول الله، إنا نكسره بالماء، فقال: «حرام قليل ما أسكر كثيره» .
وروى الإمام أحمد والنسائي عن عبد الله بن فيروز الدّيلمي عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال: قدمت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنا أصحاب أعناب وكرم، وقد نزل تحريم الخمر، فما نصنع بها قال: تتخذونه زبيبا قال فنصنع بالزبيب ماذا؟ قال: تنفقونه على غذائكم وتشربونه على عشائكم، وتنقعونه على عشائكم وتشربونه على غذائكم قال: قلت: يا رسول الله، نحن من قد علمت، ونحن نزول بين ظهراني من قد علمت فمن ولينا، قال: الله ورسوله قال: قلت: حسبي يا رسول الله.
الرابع والعشرون: في بعض فتاويه ﷺ في الإمارة وما يتعلق بها .
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : يكون عليكم أمراء تطمئن إليهم القلوب، وتلين لهم الجلود ويكون عليكم أمراء تشمئزّ منهم القلوب، وتقشعر منهم الجلود، قالوا: أفلا نقتلهم؟ قال: لا ما أقاموا الصلاة.
وروى مسلم عن عوف بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خيار أئمتكم الذّين تحبّونهم ويحبونكم وتصلّون عليهم، ويصلّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصّلاة إلا ما أقاموا فيكم الصلاة! ألا من ولّي عليه وال، فرآه يأتى شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة الله.
وروى مسلم عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال: إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، من كره فقد برئ، ومن أنكر، فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلّوا. أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه.
وروى الترمذي عن وائل بن حجر- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ورجل سأله فقال: أرأيت إن قامت علينا أمراء يمنعوننا حقّنا، يسألوننا حقّهم؟ فقال رسول الله ﷺ : اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حمّلتم.
стр. 4090
وروى الإمام أحمد والبخاري عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنّما ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟
قال: أدّوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم.
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى وابن ماجه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قيل: يا رسول الله، متى ندع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: إذا ظهر فيكم مثل، ما ظهر في بني إسرائيل، قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في بني إسرائيل؟ قال: إذا كانت الفاحشة في كبارهم، والملك في صغارهم والعلم في رذالتكم ولفظ أبي يعلى- رحمه الله تعالى- إذا ظهر الادّهان في خياركم والفاحشة في أشراركم، وتحول الملك في صغاركم والفقه في رذالكم.
الخامس والعشرون: في بعض فتاويه ﷺ في الجهاد والغزو وما يتعلق بذلك .
روى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله، دلّني على عمل يعدل الجهاد قال: لا أجده، ثم قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم، ولا تفطر، فقال: ومن يستطيع ذلك؟ قال: أبو هريرة، إنّ فرس المجاهد ليستنّ في طوله، فيكتب له حسنات.
وروى البخاري عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ قال: أن يجاهد الرّجل نفسه وهواه [ (١) ] .
وروى الشيخان عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أحبّ إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أيّ؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله تعالى.
وروى الشيخان وأبو داود والترمذي وأبو سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: أيّ النّاس أفضل؟ قال: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قالوا: ثم من؟ قال: مؤمن في شعب من الشّعاب يتقي الله ويدع الناس من شره.
وروى أبو داود الطيالسي عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت عند رسول الله ﷺ وعنده قبص من الناس، فقال: يا رسول الله، أي الناس خير عند الله منزلة يوم القيامة بعد أنبيائه وأصفيائه؟ قال: المجاهد في سبيل الله بنفسه، وماله حتى يأتيه دعوة الله، وهو على متن فرسه آخذا بعنانه فقال: ثم من؟ قال: امرؤ بناحية أحسن عبادة الله تعالى، وترك
стр. 4091
الناس من شره، قال: يا رسول الله، فأيّ النّاس شرّ منزلة عند الله تعالى يوم القيامة؟ قال:
المشرك، قال: ثم من؟ قال: إمام جائر يحول عن الحق، وقد بان له، وحضر رسول الله ﷺ ألغين، فقال اسألوني ولا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به، فقلت: رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبك نبيّا وحسبنا ما أتانا فسرّي عنه.
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قام رسول الله ﷺ يخطب النّاس فذكر الإيمان بالله تعالى، والجهاد في سبيل الله من أفضل عند الله قال: فقام رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله مقبلا غير مدبر كفّر الله عني خطاياي؟ قال: نعم، إلّا الدّين فإنّ جبريل سارّني بذلك.
وروى النسائي عن أبي بن سعد- رضي الله تعالى عنه- عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلّا الشّهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة.
وروى الإمام أحمد عن نعيم بن همار وقيل: هباء وقيل غير ذلك- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أيّ الشّهداء أفضل؟ قال: الذين إن يلقوا في الصّف يلفتوا وجوههم، حتّى يقتلوا، أولئك ينطلقون في الغرف العلى من الجنة ويضحك إليهم ربهم، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدّنيا فلا حساب عليه.
وروى الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي موسى- رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حميّة، ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟
فقال رسول الله ﷺ : من قاتل لتكون كلمة الله تعالى هي العليا، فهو في سبيل الله.
وروى أبو داود عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو يبتغي عرضا من عرض الدّنيا فقال رسول الله ﷺ «لا أجر له» فأعظم ذلك الناس، وقالوا للرجل: عد لرسول الله ﷺ ، فلعلّك لم تفهمه فقال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا قال: «لا أجر له» فقال للرجل: عد لرسول الله ﷺ فقال: له الثالثة فقال له: «لا أجر له» .
وروى النسائي عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذّكر ماله؟ فقال رسول الله ﷺ لا شيء له، فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله ﷺ : لا شيء له، ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا، وابتغي به وجهه.
стр. 4092
وروى الإمام أحمد عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت: يا رسول الله تغزو الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميزان، فأنزل الله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ [النساء/ ٣٢] .
وروى مسلم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ما تعدّون الشّهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد.
قال: «إن شهداء أمتي إذا لقليل» قالوا: فمن هم؟ يا رسول الله، قال: «من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد» .
قال ابن مقسم: أشهد على أبيك في هذا الحديث، أنه قال: «والغريق شهيد» .
السادس والعشرون: في بعض فتاويه ﷺ في الحبّ في الله تعالى والتضحية ومخالطة الناس .
وروى الإمام أحمد عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ قال: أتدرون أي الأعمال أحبّ إلى الله تعالى؟ قال قائل: الصّلاة والزّكاة، وقال قائل: الجهاد، قال: إنّ أحب الأعمال إلى الله- الحبّ في الله والبغض في الله.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، الرجل يحب القوم، ولا يستطيع أن يعمل بأعمالهم، قال: أنت يا أبا ذر مع من أحببت، قال: قلت: فإني أحبّ الله ورسوله، فقال: إنّك مع من أحببت يعيدها مرتين.
وروى الشيخان عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قوما، ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ المرء مع من أحبّ.
وروى الترمذي وصحّحه عن صفوان بن عسال- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء أعرابي جهوري الصّوت، فقال: يا محمد، الرجل يحبّ القوم، ولم يلحق بهم، فقال رسول الله ﷺ : المرء مع من أحبّ.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت جالسا في المسجد عند رسول الله ﷺ إذ مرّ رجل فقال رجل من القوم: يا رسول الله، إني أحب هذا، قال: هل أعلمته بذلك؟ قال: لا، قال: قم، فأعلمه، فقام إليه، فقال: يا هذا، والله إنّي لأحبّك في الله قال: أحبّك الذي أحببتني له.
стр. 4093
وروى العسكري في الأمثال عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال قيل: يا رسول الله، من نجالس؟ وأي جلسائنا خير؟ قال: من ذكركم الله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكّركم بالآخرة عمله [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله، إنّ فلانة تذكر من كثرة صيامها وصلاتها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها. قال: هي في النار، قال: يا رسول الله، فإنّ فلانة تذكر من قلة صيامها وصلاتها، وإنها تصدّق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي بلسانها، قال: هي في الجنة.
وروى البخاري عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت: يا رسول الله لي جارات فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابا.
وروى الإمام أحمد والترمذي وصححه عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة بنت الحارث فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فدخل علينا، فقال: احتجبا فقلنا: يا رسول الله، أليس أعمى لا يبصر، ولا يعرفنا؟
قال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه.
وروى مسلم عن جرير- رضي الله تعالى عنه- قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة، فقال: اصرف بصرك.
وروى الإمام أحمد عن أبي شريح بن عمرو الخزاعي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : إياكم والجلوس على الصعدات، فمن جلس منكم على الصّعيد فليعله حقّه، قلنا: يا رسول الله، وما حقّه؟ قال: غضّ البصر، وأداء التحية، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر [ (٢) ] .
وروى الشيخان عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا: يا رسول الله، مالنا من مجالسنا بدّ نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقّه؟ قالوا: وما حقّ الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وروى أبو داود والحاكم والبزار والطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : إياكم والجلوس بالطرقات، قالوا: يا رسول الله، ما بدّ لنا من مجالسنا، نتحدث فيها، فقال رسول الله ﷺ : «إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حقّ الطريق يا
стр. 4094
رسول الله؟ قال: «غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. زاد وفي رواية «وإرشاد السبيل» وفي رواية «وتغيثوا الملهوف وتهدوا الضالّ»
فهذه ثمانية آداب.
وزاد في حديث الحاكم- رحمه الله تعالى- «وتشميت العاطس إذا حمد» .
وفي حديث البزّار «وأعينوا على الحمولة» .
وفي حديث الطبراني وأعينوا المظلوم، واذكروا الله كثيرا فتحصل من ذلك ثلاثة عشر أدبا، وقد جمعها الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في قوله:
جمعت آداب من رام الجلوس على الطّر ... يق من قول خير الخلق إنسانا
أفش السّلام وأحسن في الكلام تفز ... وشمّت العاطس الحمّاد إيمانا
في الحمل عاون ومظلوما أعن وأغث ... لهفان ردّ سلاما واهد حيرانا
وأمر بعرف إنه عن نكر وكفّ أذى ... وغضّ طرفا وأكثر ذكر مولانا
وروي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك، وفي رواية أمّك، ثم أمّك ثم أبوك ثم أدناك فأدناك.
وروى ابن ماجه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله، من أبرّ؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟
قال: أبوك، قال: ثم من؟ قال الأدنى فالأدنى.
وروى أبو داود والبغوي وابن قانع والطبراني في الكبير والبيهقي عن كليب بن منفعة عن جدّه بكر بن الحارث الأنصاري- رضي الله تعالى عنه- أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أبرّ؟ قال: أمك وأبوك وأختك وأخوك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة.
وروى أبو داود والشيخان عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: يا رسول الله، ألي أجر أن أنفق على بني أبي سلمة؟ إنما هم بنيّ. فقال: أنفقي عليهم فلك أجر ما أنفقت عليهم [ (١) ] .
وروى أبو داود عن معاوية بن حيدة، قال: قلت: يا رسول الله، من أبرّ؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك ثم الأقرب فالأقرب.
стр. 4095
وروى أبو داود عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ أتاه رجل، فقال: يا رسول الله، أن لي مالا وولدا، وإنّ أبي يحتاج مالي، فقال: أنت ومالك لوالدك وإن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم.
وروى الإمام الشافعي مرسلا عن محمد بن المنكدر أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن لي عيالا، وإن لأبي مالا وعيالا، وإنه يريد أن يأخذ مالي فيطعمه عياله، فقال رسول الله ﷺ أنت ومالك لأبيك.
وروى مسلم عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: أقبل رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله- تعالى- فقال: هل من والديك أحد حيّ؟ فقال: نعم كلاهما حيّ، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما.
وروى البيهقي عن معاوية بن جاهمة السّلمي- رضي الله تعالى عنه- قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله تعالى، والدار والآخرة قال: ويحك أحيّة أمك؟ قال نعم، يا رسول الله، قال: «ويحك! الزم رجلها، فثمّ الجنة» .
وروى الشيخان وأبو داود عن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله تعالى عنها- قال: قدمت عليّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت عليّ، وهي راغبة، أفأصلها قال: نعم، صليها.
وروى الإمام أحمد عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، هل بقي عليّ من برّ أبويّ شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: نعم، خصال أربعة، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما.
وروى ابن ماجه عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله، ما حق الوالد على الوالد؟ قال: هما جنتك ونارك يعني يوصيه بالإحسان إليهما، وكفّ الإساءة عنهما، فإنه إذا أحسن إليهما دخل الجنة، وإن أساء إليهما دخل النار.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي ذوي أرحام أصل، ويقطعون وأعفو ويظلمون وأحسن ويسيئون، أفأكافئهم؟
قال: لا إذن تتركون جميعا ولكن خذ الفضل، وصلهم، فإنّه لن يزال معك ظهير من الله- ما كنت على ذلك.
стр. 4096
وروى مسلم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعون، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ، فقال «لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفّهم الملّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك.
وروى ابن ماجة وأبو داود عن معاوية بن حيدة- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا سأل رسول الله ﷺ ما حقّ الزوجة على الزّوج؟ قال: يطعمها إذا طعم ويكسيها إذا اكتسى؟ ولا يضرب لها وجها، ولا يقبّح ولا يهجر البيت.
وروى أبو داود عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: ما رأيت من ناقصات عقل ولا دين أغلب لذي لبّ منكنّ قالت: وما نقصان الدين والعقل؟ قال أما نقصان العقل: فشهادة امرأتين شهادة رجل، وأمّا نقصان الدّين فإنّ إحداكنّ تفطر رمضان وتقيم أيّاما لا تصلّي.
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: انصرف رسول الله ﷺ من الصّبح يوما، فأتى النساء في المسجد، فوقف عليهن فقال: يا معشر النساء، ما رأيت من نواقص عقل ولا دين أذهب لقلوب ذوي الألباب منكن، وإني قد رأيتكنّ أكثر أهل النّار يوم القيامة فتقرّبن إلى الله ما استطعتنّ وكان في النساء امرأة عبد الله ابن مسعود فأتت إلى عبد الله بن مسعود، فأخبرته بما سمعت من رسول الله ﷺ ، وأخذت حليّا لها، فقال ابن مسعود: فأين تذهبين؟ فقالت: أتقرّب به إلى الله- ورسوله، لعلّ الله لا يجعلني من أهل النار، فقال: ويلك، هلمي فتصدقي به عليّ، وعلى ولدي، فإنا له موضع، فقالت: لا، والله، حتى أذهب به إلى النبي ﷺ فذهبت تستأذن على النبي ﷺ فقالوا للنبي ﷺ : هذه زينب، تستأذن يا رسول الله، فقال: أيّ الزّيانب هي؟ فقالوا: امرأة عبد الله بن مسعود، فقال:
ائذنوا لها، فدخلت على النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني سمعت منك مقالة، فرجعت إلى ابن مسعود، فحدّثته، وأخذت حليّا أتقرب به إلى الله وإليك، رجاء أن لا يجعلني الله من أهل النار، فقال لي ابن مسعود: تصدّقي به عليّ وعلى ولدي، فأنا له موضع، فقلت: حتى أستأذن النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : تصدّقي به عليه وعلى بنيه، فإنهم له موضع، ثم قالت: يا رسول الله، ما سمعت منك حين وقفت علينا ما رأيت من نواقص العقول قطّ ولا دين أذهب بقلوب ذوي الألباب منكن، قالت: يا رسول الله، فما نقصان ديننا وعقولنا، فقال: أما ما ذكرت من نقصان دينكم فالحيضة التي تمكث إحداكنّ ما يشاء الله أن تمكث لا تصلي ولا تصوم فذلك من نقصان دينكن، وأمّا ما ذكرت من نقصان عقولكن وشهادتكن إنّما شهادة المرأة على نصف شهادة الرجل.
стр. 4097
وروى الإمام مالك عن عطاء بن يسار- رحمه الله تعالى- أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: أستأذن على أمي؟ قال: نعم، فقال الرجل إني معها في البيت، فقال رسول الله ﷺ :
استأذن عليها فقال الرجل: إني أخدمها، فقال له رسول الله ﷺ : «استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة» قال: لا، قال: «فاستأذن عليها» .
وروى ابن ماجه عن أبي أيوب- رضي الله تعالى عنه- قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السّلام فما الاستئذان؟ قال: يتكلّم الرّجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح، ويؤذن أهل البيت.
وروى الإمام أحمد والبخاري في الأدب وابن حبان، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: عطس رجلان عند رسول الله ﷺ أحدهما أشرف من الآخر، فعطس الشريف، فلم يحمد الله تعالى، فلم يشمته وعطس الآخر، فحمد الله، فشمته النبي ﷺ فقال الشريف:
عطست عندك، فلم تشمتني، وعطس هذا فشمّته؟ فقال: إن هذا ذكر الله- فذكرته، وأنت نسيت الله تعالى فنسيتك.
وروى الشيخان أبو داود والترمذي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: عطس رجلان عند رسول الله ﷺ فشمّت أحدهما، ولم يشمّت الآخر، فقيل له فقال: هذا حمد الله تعالى، وهذا لم يحمد الله تعالى.
وروى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: عطس رجلان عند رسول الله ﷺ قال: قل: الحمد لله، قال القوم: ما نقول له يا رسول الله؟ قال: قولوا له:
يرحمك الله، قال: ما أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قل لهم: يهديكم الله، ويصلح بالكم والله تعالى أعلم.
السابع والعشرون: في بعض فتاويه ﷺ في المرض والطب وما يتعلّق بهما .
روى الإمام أحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله ﷺ أيّ النّاس أشدّ بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الصالحون.
وروى الحكيم الترمذي والطبراني في الكبير عن سرّاء بنت نبهان الغنوية- رضي الله تعالى عنها-:
سأل غلام النبي ﷺ عن الحيات ما نقتله منها؟ قالت: فسمعته يقول اقتلوا الحيّات صغيرها وكبيرها أبيضها وأسودها، فإن من قتلها من أمتي كانت له فداء من النّار، ومن قتلته كان شهيدا.
стр. 4098
وروى أبو داود والطبراني في الكبير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أن رسول الله ﷺ سئل عن حيّات البيوت، فقال: إذا رأيتم منهن شيئا في مساكنكم، فقولوا:
أنشدكنّ العهد الذي أخذ عليكن نوح أنشدكنّ العهد الذي أخذ عليكن سليمان، أن لا تؤذونا فإن عدن فاقتلوهن.
وروى البيهقي عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو وعك، فوضعت يدي [ (١) ] فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكا شديدا، فقال رسول الله ﷺ : «أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» قال: فقلت: ذلك، أن لك أجرين، فقال رسول الله ﷺ : «أجل» ثم قال: رسول الله ﷺ «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض، فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها» .
وروى الإمام أحمد عن زينب بنت كعب بن عجرة عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله، أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا؟ قال كفارات قال أبي: وإن قلّت؟ قال: وإن شوكة فما فوقها، قال: فدعا أبي على نفسه ألا يفارقه الوعك حتى يموت في أن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة فما مسّه إنسان إلّا وجد حرّه حتى مات.
وروى الطبراني في الأوسط وقال: حسن، وابن عساكر عن أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله ما جزاء الحمّى؟ قال تجدي الحسنات على صاحبها، ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق،
فقال أبي: - رضي الله تعالى عنه- اللهم، إنّي أسألك حمّى لا تمنعني خروجا في سبيلك، ولا خروجا إلى بيتك، ولا إلى مسجد نبيك.
وروى الإمام أحمد- رحمه الله تعالى- عن ذكوان عن رجل من الأنصار قال: عاد رسول الله ﷺ رجلا به جرح، فقال رسول الله ﷺ : ادع لي طبيب بني فلان، قال: فدعوه فجاءه، فقالوا: يا رسول الله، أو يغني الدواء شيئا فقال: سبحان الله، وهل أنزل الله ﵎ من داء في الأرض ألا جعل له شفاء.
وروى الإمام أحمد والبيهقي عن أبي خزامة عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال: يا رسول الله أرأيت دواء نتداوى به؟ ورقى نسترقي بها، واتّقاء نتقيها هل يردّ ذلك من قدر الله من شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : إنّه من قدر الله.
стр. 4099
وروى الشيخان والترمذي عن وائل بن حجر أنّ طارق بن سويد الجعفي- رضي الله تعالى عنه- سأل رسول الله ﷺ عن الخمر فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء.
وروى مسلم عن عوف بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: كنا نرقى في الجاهلية فقلنا يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرّقى ما لم يكن فيه شرك» .
وروى مسلم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: رخص رسول الله ﷺ في رقية الحية لبني عمرو بن حزم، قال أبو الزبير: فسمعت جابرا- رضي الله تعالى عنه- يقول: لدغت رجلا عقرب ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ فقال رجل: يا رسول الله أرقي؟ قال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل، ورواه الإمام أحمد بلفظ كان خالي يرقى من العقرب فنهى رسول الله ﷺ عن الرّقى فأتاه فقال: يا رسول الله، إنّك نهيت عن الرّقى، وإني أرقي من العقرب، فقال: من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل.
وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن عبيد الله بن رفاعة الزرقي- رضي الله تعالى عنه- أنّ أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- قالت: يا رسول الله، إن ولد جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: نعم، فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين.
وروى الإمام مالك عن حميد بن قبيس قال: دخل رجل على رسول الله ﷺ بابني جعفر بن أبي طالب، فقال لحاضنتهما: مالي أراهما ضارعين فقالت حاضنتهما: يا رسول الله، إنّه تسرع إليهما العين. ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنّا لا ندري ما يوافقك من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : استرقوا لهما، فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله ﷺ عن النّشرة، فقال: هي من عمل الشيطان النّشرة حل السّحر للمسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السّحر، وقد قال الحسن- رضي الله تعالى عنه-: لا يطلق السّحر إلا ساحر، فلا يجوز فعل ذلك وقد بسطت الكلام على ذلك في موضعه فيما تقدّم.
وروى ابن أبي شيبة عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام، كأن رأسي قطع فضحك النبي ﷺ وقال: إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه، فلا يحدّثنّ به الناس.
وروى البخاري عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: سئل رسول الله ﷺ عن
стр. 4100
الطّاعون، فقال: كان عذابا يبعثه الله على من كان قبلكم، فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين، ما من عبد يكون في بلد، يكون فيه ويمكث فيه، لا يخرج من البلد صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه، إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد.
وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن فروة بن مسيك قال: قلت: يا رسول الله، عندنا أرض يقال لها أبين، وهي أرض رفقتنا وميراثنا وإنها وبئة أو قال: إنّ بها وباء شديدا فقال رسول الله ﷺ : دعها عنك فإنّ القرف التلف.
وروى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا طيرة، وخيرها الفأل، قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: كلمة طيبة.
وروى الشيخان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: لا عدوى ولا طيرة، وخيرها الفأل، قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال الكلمة الطيبة.
وروى الشيخان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل قال: قيل: وما الفأل قال: الكلمة الطيبة.
وروى ابن عساكر عن النعمان بن الرازية- رضي الله تعالى عنه- أنه قال: يا رسول الله إنّا كنّا نتغاول في الجاهلية، وقد جاء الله تعالى بالإسلام فما تأمرنا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : نفى الإسلام أحد من يتغوّل ولكن لا يمنعنّ أحدكم من سفر الفأل، هو مثل أن يكون مريضا فيسمع آخر يقول: يا سالم أو يكون طالب ضالة فيسمع يا واجد فيستبشر بذلك الكلام، فالفأل ترجى الخيرة، والطيرة ترجى الشر ووقوعه.
وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ لا عدوى ولا طيرة ولا هامّة، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت البعير يكون فيه الجرب فتجرب به الإبل؟ قال: ذلك القدر فمن أجرب الأول.
وروي ابن النجار عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، النقبة تكون بمشفر البعير أو بعجمه فتشمل الإبل كلّها جربا فقال رسول الله ﷺ : فما أعدى الأوّل ثم قال: لا عدوى ولا هامّة ولا صفر، خلق الله تعالى كلّ نفس فكتب حياتها ومصيباتها ورزقها.
وروى الإمام مالك مرسلا عن يحيى بن سعيد الأنصاري- رحمه الله تعالى- قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: دار سكنّاها والعدد كثير والمال كثير وافر فقلّ العدد، وذهب المال فقال: دعوها ذميمة.