وروى مسلم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعون، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ، فقال «لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفّهم الملّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك.
وروى ابن ماجة وأبو داود عن معاوية بن حيدة- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا سأل رسول الله ﷺ ما حقّ الزوجة على الزّوج؟ قال: يطعمها إذا طعم ويكسيها إذا اكتسى؟ ولا يضرب لها وجها، ولا يقبّح ولا يهجر البيت.
وروى أبو داود عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: ما رأيت من ناقصات عقل ولا دين أغلب لذي لبّ منكنّ قالت: وما نقصان الدين والعقل؟ قال أما نقصان العقل: فشهادة امرأتين شهادة رجل، وأمّا نقصان الدّين فإنّ إحداكنّ تفطر رمضان وتقيم أيّاما لا تصلّي.
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: انصرف رسول الله ﷺ من الصّبح يوما، فأتى النساء في المسجد، فوقف عليهن فقال: يا معشر النساء، ما رأيت من نواقص عقل ولا دين أذهب لقلوب ذوي الألباب منكن، وإني قد رأيتكنّ أكثر أهل النّار يوم القيامة فتقرّبن إلى الله ما استطعتنّ وكان في النساء امرأة عبد الله ابن مسعود فأتت إلى عبد الله بن مسعود، فأخبرته بما سمعت من رسول الله ﷺ ، وأخذت حليّا لها، فقال ابن مسعود: فأين تذهبين؟ فقالت: أتقرّب به إلى الله- ورسوله، لعلّ الله لا يجعلني من أهل النار، فقال: ويلك، هلمي فتصدقي به عليّ، وعلى ولدي، فإنا له موضع، فقالت: لا، والله، حتى أذهب به إلى النبي ﷺ فذهبت تستأذن على النبي ﷺ فقالوا للنبي ﷺ : هذه زينب، تستأذن يا رسول الله، فقال: أيّ الزّيانب هي؟ فقالوا: امرأة عبد الله بن مسعود، فقال:
ائذنوا لها، فدخلت على النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني سمعت منك مقالة، فرجعت إلى ابن مسعود، فحدّثته، وأخذت حليّا أتقرب به إلى الله وإليك، رجاء أن لا يجعلني الله من أهل النار، فقال لي ابن مسعود: تصدّقي به عليّ وعلى ولدي، فأنا له موضع، فقلت: حتى أستأذن النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : تصدّقي به عليه وعلى بنيه، فإنهم له موضع، ثم قالت: يا رسول الله، ما سمعت منك حين وقفت علينا ما رأيت من نواقص العقول قطّ ولا دين أذهب بقلوب ذوي الألباب منكن، قالت: يا رسول الله، فما نقصان ديننا وعقولنا، فقال: أما ما ذكرت من نقصان دينكم فالحيضة التي تمكث إحداكنّ ما يشاء الله أن تمكث لا تصلي ولا تصوم فذلك من نقصان دينكن، وأمّا ما ذكرت من نقصان عقولكن وشهادتكن إنّما شهادة المرأة على نصف شهادة الرجل.
стр. 4097
وروى الإمام مالك عن عطاء بن يسار- رحمه الله تعالى- أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: أستأذن على أمي؟ قال: نعم، فقال الرجل إني معها في البيت، فقال رسول الله ﷺ :
استأذن عليها فقال الرجل: إني أخدمها، فقال له رسول الله ﷺ : «استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة» قال: لا، قال: «فاستأذن عليها» .
وروى ابن ماجه عن أبي أيوب- رضي الله تعالى عنه- قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السّلام فما الاستئذان؟ قال: يتكلّم الرّجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح، ويؤذن أهل البيت.
وروى الإمام أحمد والبخاري في الأدب وابن حبان، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: عطس رجلان عند رسول الله ﷺ أحدهما أشرف من الآخر، فعطس الشريف، فلم يحمد الله تعالى، فلم يشمته وعطس الآخر، فحمد الله، فشمته النبي ﷺ فقال الشريف:
عطست عندك، فلم تشمتني، وعطس هذا فشمّته؟ فقال: إن هذا ذكر الله- فذكرته، وأنت نسيت الله تعالى فنسيتك.
وروى الشيخان أبو داود والترمذي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: عطس رجلان عند رسول الله ﷺ فشمّت أحدهما، ولم يشمّت الآخر، فقيل له فقال: هذا حمد الله تعالى، وهذا لم يحمد الله تعالى.
وروى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: عطس رجلان عند رسول الله ﷺ قال: قل: الحمد لله، قال القوم: ما نقول له يا رسول الله؟ قال: قولوا له:
يرحمك الله، قال: ما أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قل لهم: يهديكم الله، ويصلح بالكم والله تعالى أعلم.
السابع والعشرون: في بعض فتاويه ﷺ في المرض والطب وما يتعلّق بهما .
روى الإمام أحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله ﷺ أيّ النّاس أشدّ بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الصالحون.
وروى الحكيم الترمذي والطبراني في الكبير عن سرّاء بنت نبهان الغنوية- رضي الله تعالى عنها-:
سأل غلام النبي ﷺ عن الحيات ما نقتله منها؟ قالت: فسمعته يقول اقتلوا الحيّات صغيرها وكبيرها أبيضها وأسودها، فإن من قتلها من أمتي كانت له فداء من النّار، ومن قتلته كان شهيدا.
стр. 4098
وروى أبو داود والطبراني في الكبير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أن رسول الله ﷺ سئل عن حيّات البيوت، فقال: إذا رأيتم منهن شيئا في مساكنكم، فقولوا:
أنشدكنّ العهد الذي أخذ عليكن نوح أنشدكنّ العهد الذي أخذ عليكن سليمان، أن لا تؤذونا فإن عدن فاقتلوهن.
وروى البيهقي عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو وعك، فوضعت يدي [ (١) ] فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكا شديدا، فقال رسول الله ﷺ : «أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» قال: فقلت: ذلك، أن لك أجرين، فقال رسول الله ﷺ : «أجل» ثم قال: رسول الله ﷺ «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض، فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها» .
وروى الإمام أحمد عن زينب بنت كعب بن عجرة عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله، أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا؟ قال كفارات قال أبي: وإن قلّت؟ قال: وإن شوكة فما فوقها، قال: فدعا أبي على نفسه ألا يفارقه الوعك حتى يموت في أن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة فما مسّه إنسان إلّا وجد حرّه حتى مات.
وروى الطبراني في الأوسط وقال: حسن، وابن عساكر عن أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله ما جزاء الحمّى؟ قال تجدي الحسنات على صاحبها، ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق،
فقال أبي: - رضي الله تعالى عنه- اللهم، إنّي أسألك حمّى لا تمنعني خروجا في سبيلك، ولا خروجا إلى بيتك، ولا إلى مسجد نبيك.
وروى الإمام أحمد- رحمه الله تعالى- عن ذكوان عن رجل من الأنصار قال: عاد رسول الله ﷺ رجلا به جرح، فقال رسول الله ﷺ : ادع لي طبيب بني فلان، قال: فدعوه فجاءه، فقالوا: يا رسول الله، أو يغني الدواء شيئا فقال: سبحان الله، وهل أنزل الله ﵎ من داء في الأرض ألا جعل له شفاء.
وروى الإمام أحمد والبيهقي عن أبي خزامة عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال: يا رسول الله أرأيت دواء نتداوى به؟ ورقى نسترقي بها، واتّقاء نتقيها هل يردّ ذلك من قدر الله من شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : إنّه من قدر الله.
стр. 4099
وروى الشيخان والترمذي عن وائل بن حجر أنّ طارق بن سويد الجعفي- رضي الله تعالى عنه- سأل رسول الله ﷺ عن الخمر فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء.
وروى مسلم عن عوف بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: كنا نرقى في الجاهلية فقلنا يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرّقى ما لم يكن فيه شرك» .
وروى مسلم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: رخص رسول الله ﷺ في رقية الحية لبني عمرو بن حزم، قال أبو الزبير: فسمعت جابرا- رضي الله تعالى عنه- يقول: لدغت رجلا عقرب ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ فقال رجل: يا رسول الله أرقي؟ قال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل، ورواه الإمام أحمد بلفظ كان خالي يرقى من العقرب فنهى رسول الله ﷺ عن الرّقى فأتاه فقال: يا رسول الله، إنّك نهيت عن الرّقى، وإني أرقي من العقرب، فقال: من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل.
وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن عبيد الله بن رفاعة الزرقي- رضي الله تعالى عنه- أنّ أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- قالت: يا رسول الله، إن ولد جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: نعم، فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين.
وروى الإمام مالك عن حميد بن قبيس قال: دخل رجل على رسول الله ﷺ بابني جعفر بن أبي طالب، فقال لحاضنتهما: مالي أراهما ضارعين فقالت حاضنتهما: يا رسول الله، إنّه تسرع إليهما العين. ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنّا لا ندري ما يوافقك من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : استرقوا لهما، فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله ﷺ عن النّشرة، فقال: هي من عمل الشيطان النّشرة حل السّحر للمسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السّحر، وقد قال الحسن- رضي الله تعالى عنه-: لا يطلق السّحر إلا ساحر، فلا يجوز فعل ذلك وقد بسطت الكلام على ذلك في موضعه فيما تقدّم.
وروى ابن أبي شيبة عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام، كأن رأسي قطع فضحك النبي ﷺ وقال: إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه، فلا يحدّثنّ به الناس.
وروى البخاري عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: سئل رسول الله ﷺ عن
стр. 4100
الطّاعون، فقال: كان عذابا يبعثه الله على من كان قبلكم، فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين، ما من عبد يكون في بلد، يكون فيه ويمكث فيه، لا يخرج من البلد صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه، إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد.
وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن فروة بن مسيك قال: قلت: يا رسول الله، عندنا أرض يقال لها أبين، وهي أرض رفقتنا وميراثنا وإنها وبئة أو قال: إنّ بها وباء شديدا فقال رسول الله ﷺ : دعها عنك فإنّ القرف التلف.
وروى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا طيرة، وخيرها الفأل، قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: كلمة طيبة.
وروى الشيخان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: لا عدوى ولا طيرة، وخيرها الفأل، قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال الكلمة الطيبة.
وروى الشيخان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل قال: قيل: وما الفأل قال: الكلمة الطيبة.
وروى ابن عساكر عن النعمان بن الرازية- رضي الله تعالى عنه- أنه قال: يا رسول الله إنّا كنّا نتغاول في الجاهلية، وقد جاء الله تعالى بالإسلام فما تأمرنا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : نفى الإسلام أحد من يتغوّل ولكن لا يمنعنّ أحدكم من سفر الفأل، هو مثل أن يكون مريضا فيسمع آخر يقول: يا سالم أو يكون طالب ضالة فيسمع يا واجد فيستبشر بذلك الكلام، فالفأل ترجى الخيرة، والطيرة ترجى الشر ووقوعه.
وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ لا عدوى ولا طيرة ولا هامّة، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت البعير يكون فيه الجرب فتجرب به الإبل؟ قال: ذلك القدر فمن أجرب الأول.
وروي ابن النجار عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، النقبة تكون بمشفر البعير أو بعجمه فتشمل الإبل كلّها جربا فقال رسول الله ﷺ : فما أعدى الأوّل ثم قال: لا عدوى ولا هامّة ولا صفر، خلق الله تعالى كلّ نفس فكتب حياتها ومصيباتها ورزقها.
وروى الإمام مالك مرسلا عن يحيى بن سعيد الأنصاري- رحمه الله تعالى- قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: دار سكنّاها والعدد كثير والمال كثير وافر فقلّ العدد، وذهب المال فقال: دعوها ذميمة.
стр. 4101
وروى الإمام أحمد عن ابن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : من ردّته الطّيرة عن حاجته، فقد أشرك قالوا: يا رسول الله ما كفّارة ذلك؟ قال: أن يقول: اللهم، لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، والله تعالى أعلم.
الثامن والعشرون: في بعض فتاويه ﷺ في الرّقاق، وما يلتحق بها وغير ذلك .
روى الإمام أحمد والترمذي وصححه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّي أصبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟ قال: هل لك من أمّ؟ قال: لا، قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم، قال: فبرّها.
وروى النسائي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثمّ ندم فجاء قومه إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: هل له من توبة؟ فنزلت: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ [آل عمران/ ٨٦] إلى قوله تعالى «غَفُورٌ رَحِيمٌ» فأرسل إليه، فأسلم.
وروى ابن أبي الدنيا في التوبة عن أبي رافع- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ سئل كم للمؤمنين من ستر؟ قال: هي أكثر من أن يحصى، ولكن المؤمن إذا عمل خطيئة هتك منها سترا، فإذا تاب رجع إليه ذلك السّتر وتسعة معه، وإذا لم يتب هتك عنه منها ستر واحد حتى إذا لم يبق عليه منها شيء قال الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: إنّ بني آدم يعيرون ولا يغفرون، فحفوه بأجنحتكم، فيفعلون به ذلك، فإن تاب رجعت إليه الأستار كلها، وإن لم يتب عجبت منه الملائكة، فيقول الله لهم، أسلموه، فيسلموه حتى لا يستر منه عورة.
وروى الطبراني والبزار عن عقبة بن عامر- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله، أحدنا يذنب قال: يكتب عليه، قال: ثمّ يستغفر منه، ويتوب، قال: يغفر له، ويتاب عليه، قال: فيعود فيذنب، قال: فيكتب عليه قال ثم يستغفر منه ويتوب. قال: يغفر له ويتاب عليه ولا يملّ الله حتّى تملّوا.
وروى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي- رضي الله تعالى عنه- قال: مر رجل على رسول الله ﷺ فقال: لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا؟ فقال رجل من أشراف الناس: هذا- والله حريّ- إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفّع، قال: فسكت رسول الله ﷺ ثم مرّ رجل، فقال رسول الله ﷺ : ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفّع وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا.
стр. 4102
وروى الإمام أحمد عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ له:
انظر أرفع رجل في المسجد، قال: فنظرت فإذا رجل عليه حلّة، قال: قلت هذا، قال: انظر أوضع رجل في المسجد، قال: فنظرت فإذا رجل عليه أخلاق، قال: قلت: هذا، فقال رسول الله ﷺ : لهذا عند الله أخير يوم القيامة من ملء الأرض من مثل هذا.
وروى الترمذي عن ثوبان- رضي الله تعالى عنه- قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة/ ٣٤] قال: كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره. فقال بعض أصحابه: أنزل في الذّهب والفضّة ما أنزل، لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟
فقال: أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه.
وروى ابن النجار عن ثوبان- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، ما يكفيني من الدّنيا، قال: ما سدّ جوعتك ووارى عورتك، فإن كان لك بيت يظلّك فذاك وإن كانت لك دابة تركبها فبخ.
وروى الترمذي وقال: حسن وابن أبي الدنيا في العزلة والبيهقي في الشعب وأبو نعيم في الحلية عن عقبة بن عامر- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال:
أملك عليك لسانك، وابك على خطيئتك، وليسعك بيتك.
وروى أبو نعيم عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جدّه إن رجلا من الأنصار، قال: يا رسول الله أوصني وأوجز قال: عليك بالإياس مما في أيدي الناس، وإيّاك والطّمع، فإنّه فقر حاضر، وصلّ صلاتك، وأنت مودّع، وإياك وما تعتذر منه.
وروى ابن ماجة بسند حسن عن سهل بن سعد الساعدي- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، دلّني على عمل إذا عملته أحبّني الله، وأحبّني الناس، قال: ازهد في الدّنيا يحبّك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبّك الناس.
وروى أبو نعيم وابن عساكر عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هل في الجنّة خيل؟ قال: إن يدخلك الله الجنّة فلا تشأ أن تركب على فرس من ياقوتة حمراء، يطير بك في الجنّة، حيث شئت، فجاء رجل آخر، فقال: يا رسول الله، هل في الجنّة إبل؟ فلم يقل: له مثل الذي قال لصاحبه، قال: إن يدخلك الله الجنّة يكن لك فيها، ما اشتهت نفسك ولذّت عينك.
وروى الإمام أحمد عن ابن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ طوبي للغرباء، فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: ناس صالحون قليل من ناس سوء كثير من بعصيهم أكثر ممن يطيعهم.
стр. 4103
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو كنا عند رسول الله ﷺ حين طلعت الشّمس، فقال رسول الله ﷺ سيأتي ناس من أمتي يوم القيامة نورهم كضوء الشّمس، قلنا:
من أولئك يا رسول الله؟ فقال: فقراء المهاجرين الذين تتّقى بهم المكاره يموت أحدهم، وحاجته في صدره يحشرون من أقطار الأرض.
وروى الترمذي عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ إذا طلع مصعب بن عمير ما عليه إلّا بردة له مرقوعة بفرو فلما رآه رسول الله ﷺ بكى للذي كان فيه من النعمة، والذي هو اليوم فيه ثم قال رسول الله ﷺ : كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلّة، وراح في حلّة، ووضعت بين يديه صحفة ورفعت أخرى وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟ قالوا: يا رسول الله، نحن يومئذ خير منّا اليوم نتفرغ للعبادة، ونكفى المؤنة، فقال رسول الله ﷺ : لأنتم اليوم خير منكم يومئذ.
وروى الترمذي وابن النجار عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قلنا: يا رسول الله، مالنا إذا كنّا عندك رقّت قلوبنا، وزهدنا في الدنيا، ورغبنا في الآخرة، فقال: لو تكونون على الحال التي تكونون عندي لزارتكم الملائكة، ولصافحتكم في الطّرقات، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون حتى تبلغ خطاياهم عنان السّماء، فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم على ما كان منهم ولا يبالي.
وروى الترمذي واستغربه عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: ذكر رجل عند رسول الله ﷺ بعبادة واجتهاد وذكر آخر بورعه، فقال رسول الله ﷺ : لا تعدل بالرّعة.
وروي عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله، فقال: إنما أخاف عليكم بعدي، ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها فقال رجل: أو يأتي الخير بالشّرّ فسكت، فقيل له: ما شأنك تكلم النبي ﷺ ولا يكلّمك، ورأينا أنّه ينزل عليه، فأفاق يمسح عن الرّحضاء، فقال: أين السّائل، وكأنّه حمده، فقال: إنه لا يأتي الخير بالشّرّ، وإنّ ممّا ينبت الربيع ما يقتل أو يسلم الأكلة الخضر فإنها أكلت حتى امتلأت خاصرتها، ثم استقبلت عين الشمس فبالت وتلطّت وارتعت، وإنّ هذا المال خضر حلو، ونعم مال المسلم هو لمن أعطي منه المسكين واليتيم وابن السبيل أو كالذي قال رسول الله ﷺ وإنّه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدا يوم القيامة.
وروى الترمذي واستغربه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رجل لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: اعقلها وتوكّل.
стр. 4104
وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسول الله ﷺ أيّ النّاس أفضل؟
قال: «كلّ مخموم القلب صدوق اللّسان» . قالوا: صدوق اللسان، نعرفه، فما مخموم القلب؟
قال: «هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غلّ ولا حسد» .
وروى ابن عساكر عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن أبا ريحانة قال: يا رسول الله، إني لأحب الجمال، حتى إني أجعله في شراك نعلي وعلاق سوطي أفمن الكبر ذاك؟ فقال رسول الله ﷺ إن الله جميل يحبّ الجمال ويحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده.
وروى الإمام أحمد والترمذي وصححه عن أبي بكر- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: من طال عمره، وحسن عمله، قال: فأيّ الناس شرّ؟
قال: من طال عمره وساء عمله.
وروى ابن ماجه عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف آية لو أخذتم بها لكفتكم، قالوا: يا رسول الله، أيّ آية؟ قال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق/ ٢] .
وروى مسلم وأبو داود عن تميم الداري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ الدّين النّصيحة، زاد أبو داود: الدّين النّصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال:
لله، ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم.
وروى الترمذي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون/ ٦٠] هم الذين يشربون الخمر ويسرقون، قال: لا، يا بنت الصديق، ولكن هم الذين يصومون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات.
وروى سعيد وابن أبي شيبة عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الأنبياء أوّل؟ قال: آدم قلت: أو كان نبيّا؟ قال: نعم، نبي مكلّم قلت: فكم المرسلون؟ قال:
ثلاثمائة وبضعة عشر.
وروى الإمام أحمد، والترمذي والبخاري في التاريخ عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : استحيوا من الله حقّ الحياء، فإن الله تعالى قسّم بينكم أخلاقكم، كما قسّم بينكم أرزاقكم.
وروى الإمام أحمد والترمذي، وقال: غريب والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب
стр. 4105
عن ابن مسعود والخرائطي في مكارم الأخلاق عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال: استحيوا من الله حقّ الحياء قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي، والحمد لله، قال: ليس من استحيا من الله حق الحياء ذلك ولكن الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حقّ الحياء.
وروى الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن الحكم بن عمير- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: استحيوا من الله حقّ الحياء، احفظوا الرّأس وما حوى، والبطن وما وعى، واذكروا الموت والبلى فمن فعل ذلك، ثوابه جنّة المأوى.
وروى الطحاوي والدارقطني عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: استحيوا، فإنّ الله لا يستحي من الحق.
وروى الإمام أحمد عن أسامة بن شريك- رضي الله تعالى عنه- قال: أتيت رسول الله ﷺ وأصحابه عنده، وعليهم السّكينة كأنّما على رؤوسهم الطّير، فسلّمت ثمّ قعدت فجاءت الأعراب من هاهنا، ومن هاهنا يسألونه، فقالوا: يا رسول الله، ما خير ما أعطي النّاس؟ قال: حسن الخلق.
وروى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل- رضي الله تعالى عنه- قال مر رسول الله ﷺ برجل، وهو يقول: اللهم، إنّي أسألك الصّبر، قال: سألت البلاء فسل الله تعالى العافية ومرّ برجل، وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام، قال: قد استجيب لك فسل.
وروى الإمام أحمد عن محمود بن لبيد- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشّرك الأصغر، قالوا: وما الشّرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:
الرّياء، يقول الله- لهم يوم القيامة إذا جزي النّاس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟.
وروى الإمام أحمد والطبراني عن أبي موسى- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ خطبنا ذات يوم، فقال: أيّها الناس، اتّقوا هذا الشّرك، فإنه أخفى من دبيب النمل قالوا: وكيف نتّقيه، يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم، إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه.
وروي عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد، فجلست فقال: يا أبا ذر، هل صليت، فقلت: لا، قال: قم، فصلّ قال: فقمت،
стр. 4106
فصليت، ثم جلست، فقال: يا أباذر، تعوّذ بالله من شر شياطين الأنس والجن، قال: قلت: يا رسول الله، أو للإنس شياطين؟ قال: نعم، قلت: يا رسول الله، الصّلاة، قال: خير موضوع من شاء أقلّ، ومن شاء أكثر، قال: قلت: يا رسول الله، فالصّوم؟ قال: فرض مجزيّ وعند الله مزيد، قال: قلت: يا رسول الله، الصّدقة؟ قال: أضعاف مضاعفة قال: قلت، فأيّها أفضل؟ قال: جهد من مقلّ أو سر إلى فقير، قلت: يا رسول الله، أيّ الأنبياء كان أوّل؟ قال: آدم، قلت: يا رسول الله، ونبيّا كان؟ قال: نعم، نبيّ مكلّم، قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر جمّا غفيرا أو قال مرة خمسة عشر، قلت: يا رسول الله، آدم نبي، قال: نعم، مكلّم قال: قلت: يا رسول الله، أيما أنزل عليك أعظم، قال: آية الكرسي اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة/ ٢٥٥] .
وروى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أنه قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، قال رسول الله ﷺ لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث، أوّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث: أسعد النّاس بشفاعتي من قال «لا إله إلا الله» مخلصا من قلبه أو نفسه.
الباب التاسع والعشرون: في بعض فتاويه- ﷺ في التّفسير:
أخرج ابن مردويه عن أبي ذرّ: سألت النبي ﷺ عن المغضوب عليهم، قال: اليهود، قلت: الضالين؟ قال: النصارى.
وأخرج ابن مردويه والحاكم في مستدركه وصححه من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبي ﷺ في قوله: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ... [البقرة/ ٢٥] قال: «من الحيض والغائط، والنخامة والبزاق» .
وأخرج الطبراني وغيره عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ سئل عن الرّاسخين في العلم، فقال: «من برّت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعفّ بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عائشة عن النبي ﷺ في قوله:
ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا [النساء/ ٣] قال: ألّا تجوروا،
وقال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف.
وأخرج أبو الشيخ في الفرائض عن البراء سألت رسول الله ﷺ عن الكلالة، فقال:
ما عدا الولد والوالد.
стр. 4107
وأخرج الحاكم، وصححه عن عياض الأشعري قال: لما نزلت فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة/ ٥٤] .
وأخرج أحمد والشيخان وغيرهم عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام/ ٨٢] شقّ ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم نفسه! قال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان/ ١٣] ! إنما هو الشرك.
وأخرج ابن أبي حاتم وغيره بسند ضعيف، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام/ ١٠٣] ، قال: لو أنّ الجنّ والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفّوا صفا واحدا، ما أحاطوا بالله أبدا.
أخرج ابن مردويه وغيره بسند ضعيف، عن أنس، عن النبي ﷺ في قوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف/ ٣١] قال: «صلوا في نعالكم»
له شاهد من حديث أبي هريرة عند أبي الشيخ.
وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم وغيرهم عن البراء بن عازب، أن رسول الله ﷺ ذكر العبد الكافر إذا قبضت روحه، قال: فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا:
ما هذا الروح الخبيث؟ حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح فلا يفتح له،
ثم قرأ رسول الله ﷺ : لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ [الأعراف/ ٤٠] ، فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجّين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ رسول الله ﷺ : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [الحج/ ٣١] .
وأخرج ابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، قال: سئل رسول الله ﷺ عمن استوت حسناته وسيئاته، فقال: «أولئك أصحاب الأعراف»
له شواهد.
وأخرج الطبراني والبيهقي وسعيد بن منصور وغيرهم، عن عبد الرحمن المزني، قال: سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف، فقال: «هم أناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم، ومنعهم من النار قتلهم في سبيل الله» .
له شاهد من حديث أبي هريرة عند البيهقي، ومن حديث أبي سعيد عند الطبراني.
وأخرج البيهقي بسند ضعيف عن أنس مرفوعا أنهم مؤمنو الجن.
وأخرج ابن جرير عن عائشة، قالت، قال رسول الله ﷺ : «الطوفان الموت» .
وأخرج أحمد والترمذي والحاكم- وصححه عن أنس- أن النبي ﷺ قرأ فَلَمَّا تَجَلَّى
стр. 4108
رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف/ ١٤٣] ، قال: هكذا، وأشار بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمني، فساخ الجبل، وخرّ موسى صعقاً.
وأخرج أبو الشيخ بلفظ «وأشار بالخنصر، فمن نورها جعله دكا» .
وأخرج أبو الشيخ من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ، قال: «الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة، كان طول اللوح اثني عشر ذراعا» .
وأخرج أحمد والنسائي والحاكم- وصححه عن ابن عباس- عن النبي ﷺ قال: «إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة» ، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرّاها فنشرها بين يديه، ثم كلمهم، فقال: «ألست بربّكم؟» قالوا بلى.
أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ في قوله: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ [الأنفال/ ٢٦] ، قيل: يا رسول الله، ومن الناس؟ قال: «أهل فارس» .
وأخرج الترمذي- وضعّفه- عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ «أنزل الله عليّ أمانين لأمتي: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال/ ٣٣] ، فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة» .
وأخرج مسلم وغيره عن عقبه بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، وهو على المنبر: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال/ ٦٠] ، إلا وإنّ القوة الرمي.
أخرج مسلم عن صهيب، أن النبي ﷺ قال في قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس/ ٢٦] الحسنى الجنة، والزيادة النّظر إلى ربهم.
وفي الباب عن أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وكعب بن عجرة وأنس وأبي هريرة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا [يونس/ ٢٦] قال: شهادة أن لا إله إلا الله، الحسنى: الجنة، وزيادة النظر إلى الله تعالى.
وأخرج أبو الشيخ وغيره عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ [يونس/ ٥٨] ، قال: القرآن، وَبِرَحْمَتِهِ، أن جعلكم من أهله.
أخرج ابن مردويه بسند ضعيف، عن ابن عمر، قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية:
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود/ ٧] ، فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال: «أيّكم أحسن عملا، وأحسنكم عقلا أورعكم عن محارم الله تعالى، وأعملكم بطاعة الله تعالى» .
стр. 4109
وأخرج الطبراني بسند ضعيف، عن ابن عباس عن النبي ﷺ لم أر شيئا أحسن طلبا، ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لسيّئة قديمة، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود/
١١٤] .
وأخرج أحمد عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله، أوصني، قال: «إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها» ، قلت: يا رسول الله، أمن الحسنات «لا إله إلا الله» ؟ قال: «هي من أفضل الحسنات» .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ عن جرير بن عبد الله، قال: لما نزلت وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ [هود/ ١١٧] ، قال رسول الله ﷺ «وأهلها ينصف بعضهم بعضا» .
أخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى والحاكم- وصححه- والبيهقي في الدلائل، عن جابر بن عبد الله قال: جاء يهودي إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، أخبرني عن النجوم التي رآها يوسف ساجدة له، ما أسماؤها؟ فلم يجبه بشيء، حتى أتاه جبريل، فأخبره، فأرسل إلى اليهودي، فقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بها؟ قال: نعم، فقال: خرثان وطارق والذيال وذو الكيعان وذو الفرع ووثّاب وعمودان وقابس والضّروح والمصبّح والفيلق والضياء والنور- يعني أباه وأمه- رآها في أفق السماء ساجدة له فلما قصّ رؤياه على أبيه، قال: أرى أمرا متشتتا يجمعه الله.
وأخرج ابن مردويه عن أنس، عن النبي ﷺ قال: لما قال يوسف: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [يوسف/ ٥٢] ، قال له جبريل: يا يوسف، اذكر همّك، قال: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي [يوسف/ ٥٣] .
أخرج الترمذي- وحسنه- والحاكم- وصححه- عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الرعد/ ٤] ، قال: الدّقل والفارسي والحلو والحامض.
وأخرج أحمد والترمذي- وصححه- والنسائي، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود إلى النبي ﷺ ، فقالوا: أخبرنا عن الرّعد ما هو؟ قال: «ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب، بيده مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله» ، قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟
قال: «صوته» .
وأخرج ابن مردويه، عن عمرو بن بجاد الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : «الرعد ملك يزجر السحاب، والبرق طرف ملك يقال له روفيل» .
стр. 4110
أخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعطى الشكر لم يحرم الزيادة، لأن الله تعالى يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم/ ٧] .
وأخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم- وصححه- وغيرهم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ في قوله: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ [إبراهيم/ ١٧] ، قال يقرب إليه فيتكرّهه، فإذا أدنى منه شوي وجهه، ووقع فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره، يقول الله تعالى: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد/ ١٥] وقال تعالى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف/ ٢٩] .
أخرج الطبراني وابن مردويه وابن حبان عن أبي سعيد الخدري أنّه سئل: هل سمعت من رسول الله ﷺ يقول في هذه الآية: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر/ ٢] ، قال: نعم، سمعته يقول: يخرج الله ناسا من المؤمنين من النار بعد ما يأخذ نقمته منهم، لما أدخلهم النار مع المشركين قال لهم المشركون: تدعون بأنكم أولياء الله في الدنيا، فما بالكم معنا في النار! فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم، فتشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله تعالى، فإذا رأى المشركون ذلك، قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم، فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم، فذلك قول الله: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ.
[الحجر/ ٢] وله شاهد من حديث أبي موسى الأشعري وجابر بن عبد الله وعلي.
وأخرج ابن مردويه، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر/ ٤٤] قال: جزء أشركوا، وجزء شكّوا في الله تعالى، وجزء غفلوا عن الله تعالى.
وأخرج البخاري والترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم» .
أخرج ابن مردويه، عن البراء، أن النبي ﷺ سئل عن قول الله: زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ [النحل/ ٨٨] ، قال: عقارب أمثال النخل الطوال، ينهشونهم في جهنم.
أخرج البيهقي في الدلائل، عن سعيد المقبري، أن عبد الله بن سلام سأل النبي ﷺ عن السواد الذي في القمر، فقال: كانا شمسين، فقال الله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ [الإسراء/ ١٢] ، فالسواد الذي رأيت هو المحو.
وأخرج الحاكم في التاريخ، والديلمي عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [الإسراء/ ٧٠] ، قال: الكرامة الأكل بالأصابع.
وأخرج ابن مردويه عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَ
стр. 4111
أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء/ ٧١] ، قال: يدعى كل قوم بإمام لهم وكتاب ربهم.
وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء/ ٧٨] ، قال: لزوال الشمس.
أخرج أحمد والترمذي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ ، قال: «لسرداق النار أربعة أجدر، كثافة كلّ جدار مثل مسافة أربعين سنة» .
وأخرجا عنه أيضا عن رسول الله ﷺ في قوله: بِماءٍ كَالْمُهْلِ [الكهف/ ٢٩] قال: «كعكر الزيت، فإذا قرّبه إليه سقطت فروة وجهه فيه» .
وأخرج أحمد عنه أيضاً عن رسول الله ﷺ قال: الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ [الكهف/ ٤٦] ، التكبير والتهليل والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أخرج مسلم وغيره عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران، فقالوا:
أرأيت ما تقرؤون: يا أُخْتَ هارُونَ [مريم/ ٢٨] ، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا! فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم» .
أخرج ابن أبي حاتم والترمذي عن جندب بن عبد اللَّه البجلي، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إذا وجدتم الساحر فاقتلوه» ، ثم قرأ: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى [طه/ ٦٩] ، قال: «لا يؤمّن حيث وجد» .
وأخرج البزار بسند جيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه/ ١٢٤] ، قال: عذاب القبر.
أخرج أحمد عن أبي هريرة، قال قلت: يا رسول اللَّه، أنبئني عن كل شيء، قال: «كل شيء خلق من الماء» .
أخرج ابن أبي حاتم، عن يعلى بن أمية، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «احتكار الطعام بمكة إلحاد» .
أخرج ابن أبي حاتم، عن مرة البهزي، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لرجل: «إنك تموت بالربوة فمات بالرملة» ،
قال ابن كثير: غريب جدا.
وأخرج أحمد عن عائشة، أنها قالت: يا رسول اللَّه وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون/ ٦٠] ، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف اللَّه؟ قال: «لا يا
стр. 4112
بنت الصديق، ولكنه الذي يصوم ويصلي ويتصدّق ويخاف اللَّه» .
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي سورة ابن أخي أيوب، قال: قلت: يا رسول اللَّه، هذا السلام، فما الاستئناس؟ قال: يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة، ويتنحنح فيؤذن أهل البيت.
أخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي أسيد برفع الحديث إلى رسول اللَّه ﷺ سئل عن قوله: وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ [الفرقان/ ١٣] ، قال: «والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار، كما يستكره الوتد في الحائط» .
أخرج البزار عن أبي ذرّ، أن النبي ﷺ سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أوفاهما وأبرّهما» ، قال: وإن سئلت، أيّ المرأتين تزوّج؟ فقل: الصغرى منهما» .
إسناده ضعيف، ولكن له شواهد موصولة ومرسلة.
أخرج أحمد والترمذي- وحسنه- وغيرهما عن أم هانئ، قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ عن قوله: وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [العنكبوت/ ٢٩] ، قال: كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم، فهو المنكر الذي كانوا يأتون.
أخرج الترمذي وغيره عن أبي أمامة، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: «لا تبيعوا القينات ولا تشتروهنّ ولا تعلموهنّ، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام» ،
في مثل هذا أنزلت: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... [لقمان/ ٦] الآية إسناده ضعيف.
أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في قوله: أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، قال: «أما إن است القردة ليست بحسنة، ولكنه أحكم خلقها» .
وأخرج الترمذي عن معاوية: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «طلحة ممن قضى نحبه» .
أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس، أن رجلا سأل رسول اللَّه ﷺ عن سبأ، أرجل هو، أم امرأة، أم أرض؟ فقال: «بل هو رجل، ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة وبالشام منهم أربعة» .
أخرج أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: في هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [فاطر/ ٣٢] ، قال: هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة.
وأخرج أحمد وغيره عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: قال اللَّه:
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ
стр. 4113
سابِقٌ بِالْخَيْراتِ، [فاطر/ ٣٢] فأما الذي سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابا يسيرا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم اللَّه برحمته، فهم الذين يقولون: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ...
الآية [فاطر/ ٣٤] .
أخرج الشيخان، عن أبي ذر، قال: سألت رسول اللَّه ﷺ عن قوله: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها [يس/ ٣٨] ، قال: «مستقرها تحت العرش» .
أخرج ابن جرير عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول اللَّه، أخبرني عن قوله: وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة/ ٢٢] ، قال: «العين: الضخام العيون شفر الحوراء، مثل جناح النّسر» ، قلت: يا رسول اللَّه، أخبرني عن قول اللَّه: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات/ ٤٩] ، قال: «رقتهن كرقة الجلدة التي في داخل البيضة التي تلي القشر» .
أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم، عن عثمان بن عفان، أنه سأل رسول اللَّه ﷺ عن تفسير لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الزمر/ ٦٣] ، فقال: تفسيرها: «لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، وسبحان اللَّه وبحمده، أستغفر اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، بيده الخير يحيى ويميت» .
الحديث غريب وفيه نكارة شديدة.
أخرج أحمد وأصحاب السنن والحاكم وابن حبان عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : أن الدعاء هو العبادة،
ثم قرأ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر/ ٦٠] .
أخرج النسائي والبزار وأبو يعلى وغيرهم عن أنس، قال: قرأ علينا رسول اللَّه ﷺ هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [فصلت/ ٣٠] ، قد قالها ناس من الناس ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حتى يموت فهو ممن استقام عليها.
أخرج أحمد وغيره عن عليّ، قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب اللَّه، وحدثنا به رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى/ ٣٠] ، «وسأفسرها لك يا علي، ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، واللَّه أحلم من أن يثنّي عليه العقوبة في الآخرة، وما عفا اللَّه عنه في الدنيا، فاللَّه أكرم من أن يعود بعد عفوه» .
أخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي أمامة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» ،
ثم تلى: ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف/ ٥٨] .
стр. 4114
أخرج الطبراني وابن جرير بسند جيد، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إن ربكم أنذركم ثلاثا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال» .
له شواهد.
أخرج أحمد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف/ ٤] قال: الخط.
أخرج الترمذي وابن جرير، عن أبي بن كعب، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى [الفتح/ ٢٦] قال: لا إله إلا اللَّه.
أخرج أبو داود والترمذي، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول اللَّه ما الغيبة؟ قال: «ذكرك أخاك بما يكره» ، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» .
أخرج البخاري عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «يلقى في النار وتقول: هل من مزيد، حتى يضع قدمه فيها فتقول: قط قط» .
أخرج البزار عن عمر بن الخطاب، قال: الذَّارِياتِ ذَرْواً [الذاريات/ ١] هي الرياح، فَالْجارِياتِ يُسْراً [الذاريات/ ٣] هي السفن، فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً هي الملائكة، ولولا إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقوله ما قلته.
أخرج عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند، عن علي، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إن المؤمنين وأولادهم في الجنة وإن المشركين وأولادهم في النار»
ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ... [الطور: ٢١] الآية.
وأخرجا عن معاذ بن أنس، عن رسول اللَّه ﷺ قال: ألا أخبركم لم سمّى اللَّه إبراهيم خليله الَّذِي وَفَّى؟ أنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ... [الروم/ ١٧] حتى ختم الآية.
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن/ ٢٩] ، قال: من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين.
أخرج أبو بكر النجار، عن سليم بن عامر، قال: أقبل أعرابي فقال: يا رسول اللَّه، ذكر اللَّه في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، قال: وما هي؟ قال: السّدر، فإن له شوكا مؤذيا، فقال رسول اللَّه ﷺ «أليس يقول اللَّه: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ [الواقعة/ ٢٨] ؟ خضد اللَّه شوكه،
стр. 4115
فجعل مكان كل شوكة ثمرة» .
وله شاهد من حديث عتبة بن عبد السلمي أخرجه ابن أبي داود في البعث.
أخرج الترمذي- وحسّنه- وابن جرير عن أم سلمة عن رسول اللَّه ﷺ في قوله: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [الممتحنة/ ١٢] قال: النّوح.
أخرج الطبراني عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ «أن أول ما خلق اللَّه القلم والحوت» ، قال: اكتب: قال ما أكتب؟ قال: كل شيء كائن يوم القيامة،
ثم قرأ ن وَالْقَلَمِ [ن/ ١] والنون الحوت، والقلم القلم.
أخرج أحمد عن أبي سعيد، قال: قيل لرسول اللَّه ﷺ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج/ ٤] ما أطول هذا اليوم! فقال: والذي نفسي بيده إنه ليخفّف عن المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا.
أخرج الطبراني عن ابن عباس، عن النبي ﷺ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل/ ٢٠] ، قال: مائة آية،
قال ابن كثير: غريب جدا.
أخرج أحمد والترمذي عن أبي سعيد، عن رسول اللَّه ﷺ قال: «الصعود: جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفا، ثم يهوي به كذلك» .
أخرج البزار عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «واللَّه لا يخرج من النار أحد حتى يمكث فيها أحقابا، والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما مما تعدون» .
أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي بريد بن أبي مريم عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال في قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير/ ١- ٣] قال: كورت في جهنم وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ [التكوير/ ٢] ، قال: في جهنم.
أخرج ابن جرير والطبراني بسند ضعيف، من طريق موسى بن عليّ بن رباح، عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال له: «ما ولد لك؟» قال: ما عسى أن يولد لي! إما غلام أو جارية! قال: «فمن يشبه؟» قال: من عسى أن يشبه! إما أباه وإما أمه! فقال النبي ﷺ : «مه لا تقولن هذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها اللَّه تعالى كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت:
فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار/ ٨] قال: سلكك» .
أخرج الشيخان عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [المطففين/ ٦] ، حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه.
стр. 4116
أخرج أحمد والشيخان وغيرهما عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : «من نوقش الحساب عذّب» ، وفي لفظ عند ابن جرير: «ليس يحاسب أحد إلا عذّب» قلت: أليس يقول اللَّه: فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً [الانشقاق/ ٨] ؟ قال: «ليس ذلك بالحساب ولكن ذاك العرض» .
أخرج ابن جرير عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «اليوم الموعود يوم القيامة وشاهد يوم الجمعة، ومشهود يوم عرفة» .
له شواهد.
أخرج البزار عن جابر بن عبد اللَّه عن النبي ﷺ : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى/ ١٤] ، قال: «من شهد أن لا إله إلا اللَّه وخلع الأنداد، وشهد أني رسول اللَّه، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى/ ١٥] ، قال: هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها.
وأخرج أحمد والترمذي عن عمران بن حصين أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن الشفع والوتر، فقال: «الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر» .
أخرج أحمد عن البراء، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: علّمني عملا يدخلني الجنة قال: «عتق النسمة، وفك الرقبة» ، قال: أو ليستا بواحدة؟ قال: إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها.
أخرج ابن أبي حاتم من طريق جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في قول اللَّه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [الشمس/ ٩] أفلحت نفس زكاها اللَّه تعالى.
أخرج أبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد، عن رسول اللَّه ﷺ قال: «أتاني جبريل فقال: إن ربك يقول: أتدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: اللَّه أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي» .
أخرج أحمد عن أبي هريرة، قال: قرأ رسول اللَّه ﷺ هذه الآية يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها [الزلزلة/ ٤] ، قال: أتدرون، ما «أخبارها» ؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: «أن تشهد على كلّ عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا» .
أخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف، عن أبي أمامة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات/ ٦] قال: «الكنود الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده» .
стр. 4117
أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم مرسلا، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «ألهاكم التكاثر عن الطاعة، حتى زرتم المقابر حتى يأتيكم الموت» .
أخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ [الهمزة/ ٨] قال: مطبقة.
أخرج ابن جرير وأبو يعلى عن سعد بن أبي وقاص قال: سألت رسول اللَّه ﷺ عن الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [الماعون/ ٥] ، قال: «هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها» .
أخرج أحمد ومسلم عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «الكوثر نهر أعطانيه ربّي في الجنة»
له طرق لا تحصى.
أخرج أحمد عن ابن عباس قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، [النصر/ ١] قال رسول اللَّه ﷺ «نعيت إليّ نفسي» .
أخرج ابن جرير عن بريدة لا أعلمه إلا رفعه، قال: «الصمد الذي لا جوف له» .
وأخرج أحمد والترمذي، وصححه النسائي عن عائشة، قالت: أخذ رسول اللَّه ﷺ بيدي، فأراني القمر حين طلع، وقال: «تعوّذي باللَّه من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب» .
أخرج أبو يعلى عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إن الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم، فإن ذكر اللَّه خنس أي سكن، وإن نسى التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس» .
تنبيهات
الأول: قوله ﷺ فيمن سرّه أن يطلع على عمله له أجران أجر لسّر وأجر لعلانية قال الترمذي: قد فسّر بعض أهل العلم هذا الحديث، إذا اطّلع عليه، وأعجبه إنما معناه يعجبه ثناء الناس عليه بالخير،
لقول رسول اللَّه ﷺ «أنتم شهداء اللَّه تعالى في الأرض»
فيعجبه ثناء الناس عليه بهذا، فأما إذا أعجبه ليعلم الناس منه الخير فيكرم ويعظّم على ذلك فهو رياء.
وقال بعض أهل العلم: إذا اطلع عليه فأعجبه رجاء أن يعمل به من الخير، فيكون له مثل أجورهم، فهذا له مذهب أيضا. انتهى.
الثاني:
قوله ﷺ فيمن جامع ولم ينزل «يغسل ما مسّ المرأة منه ثم يتوضأ»
قال العلماء رحمهم اللَّه تعالى أنه منسوخ بحديث التقاء الختانين.
الثالث: قول الرجل لرسول اللَّه ﷺ «أصبت حدا» قال النووي- رحمه اللَّه تعالى-
стр. 4118
معناه معصية توجب التّعزير وليس المراد الحد الشرعيّ الحقيقيّ كحد الزنا والخمر وغيرهما، فإن هذه الحدود لا تسقط بالصّلاة، ولا يجوز للإمام تركها.
الرابع: الرّقوب براء مفتوحة فقاف فواو موحدة قال أبو عبيد: معناه في كلامهم إنما هو على فقد الأولاد في الدنيا فجعل اللَّه تعالى فقدهم في الآخرة فكأنّه حوّل الموضع إلى غيره.
قال في النهاية: هو الرجل والمرأة، إذا لم يعش لهما ولد، لأنه يرقب موته ويرصده خوفا عليه فنقله ﷺ إلى الذي لم يقدّم من الولد شيئا: أي يموت قبله، تعريفا أن الأجر والثواب لمن قدّم شيئا من الأولاد، وأنّ الاعتداد به أكثر والنّفع به أعظم، وأنّ فقدهم وإن كان في الدنيا عظيما، فإنّ فقد الأجر والثواب على الصبر والتسليم للقضاء في الآخرة أعظم، وأنّ المسلم ولده في الحقيقة من قدّمه، واحتسبه، ومن لم يرزق ذلك فهو كالذي لا ولد له، ولم يقله ﷺ إبطالا لتفسيره اللّغوي كما قال: إنّما المحروب من حرب دينه. ومثله كما قال الحافظ الدمياطي رحمه اللَّه تعالى: «ما تعدّون المفلس؟ قالوا: الذي لا درهم له ولا متاع، قال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأخذ مال هذا» .
وهذا ومن الألفاظ التي نقلها عن وضعها اللّغويّ لضرب من التّوسّع والمجاز.
والعائل: الفقير، فنقله ﷺ أيضا [ (١) ] .
الخامس: أمره ﷺ بالقيام للجنازة منسوخ بما تقدّم في جماع أبواب سيرته ﷺ في المريض والمحتضرين.
السادس:
قوله ﷺ في قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص/ ١] إنها تعدل ثلث القرآن
قال بعض أهل العلم رحمهم اللَّه تعالى: إن القرآن ثلاثة أقسام: قسم توحيد اللَّه تعالى ومعرفة صفاته، وقسم قصص الماضين، وقسم تشريع وأحكام، فهي قسم التوحيد وليس فيها قصص ولا تشريع، فصارت تعدل ثلث القرآن.
السابع: قوله ﷺ في المعتدة ترمي بالبعرة إلى آخره «كانت المرأة المتوفّى عنها زوجها في الجاهليّة تدخل بيتا مظلما ضيّقا، وتلبس شر ثياب ولا تمسّ طيبا حتى يمرّ عليها سنة، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثمّ ترجع بعدها فتضع من طيب أو غيره» .
الثامن: في قوله ﷺ فيمن قتل من قال لا إله إلا اللَّه بعد ما أسلم فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته، قبل أن يقول كلمته التي قال: أي في إباحة الدم، لأن الكافر قبل أن يسلم مباح الدّم فإذا أسلم، فقتله أحد فإن قاتله مباح الدم بحق القصاص فكأنه بمنزلته في الكفر.
стр. 4119
التاسع: في قوله «يعجبه الفأل» هو مثل أن يكون مريضا، فيسمع آخر يقول: يا سالم أو يكون طالب ضالّة، فيسمع من يقول: يا واجد، فيستبشر بذلك الكلام، فالفأل يرجي الخير، والطّيرة ترجي الشّرّ ووقوعه.
العاشر: قال بعض العلماء رحمهم الله تعالى في الجمع بين حديثي سهل بن سعد وأبي ذر [ (١) ] : أن الحديث الذي تقدم فيه سؤال رسول الله ﷺ لصاحبه والجواب، وهذا الحديث يقصد ذلك، فإن بعض الناس يقول: إن ذلك الغني كان كافرا فهؤلاء كانوا في المسجد، ولا يجلس في المسجد إلا المسلم، قلت: الظاهر والله تعالى أعلم أن من قال كان كافرا أراد به أنه كان منافقا والله أعلم.
الحادي عشر: في بيان غريب ما سبق:
البهم بموحدة مضمومة فهاء ساكنة فميم جمع بهيم (وهو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه، قال الخطابي- رحمه الله تعالى-: أراد برعاة الإبل والبهم الأعراب، وأهل البوادي وجاء في رواية البهم- بضم الموحدة والهاء- على الرّعاة، وهم السود والبهم جمع البهم) [ (٢) ] وهو المجهول الذي لا يعرف.
الحممة: بحاء مهملة فميمين مفتوحات الفحمة.
جهد المقل- بجيم مضمومة فهاء ساكنة فدال مهملة- أي قدر ما يحتمله حال القليل المال.
غبر- بغين معجمة فموحدة فراء- أي بقي.
كسل: بكاف فسين مهملة فلام إذا جامع أدركه الفتور ولم ينزل ومعناه صار ذا كسل. [ (٣) ]
الاستطابة- بهمزة مكسورة فسين مهملة فمثناة ففوقية فطاء فألف فموحدة الاستنجاء فإن الإنسان إذا فعل ذلك طابت نفسه.
التّغوّط- بمثناة ففوقية فغين معجمة فواو فطاء مهملة: قضاء الحاجة.
يتنكّب القبلة- أي لا يستقبلها ولا يستدبرها.
الرّجيع- براء فجيم فمثناة تحتية فعين مهملة- الرّوث والعذرة سمّي رجيعا، لأنه صار للذي رجع إليه بعد أن كان طعاما أو علفا.
стр. 4120
الحيضة- بحاء مهملة فتحتية ساكنة فضاد معجمة مفتوحة فتاء تأنيث- المرة من الحيض وبكسر الحاء الاسم من الحيض والحال التي تلزمها الحائض من التجنب.
المركن- بميم مكسورة فراء ساكنة فكاف فنون- الإجانة التي يغسل فيها الثياب، والميم زائدة.
الدّرع- بدال وعين مهملتين بينهما راء القميص.
القرن- بقاف فراء مفتوحتين فنون: الجعبة يجعل فيها النشاب، وإنما أمره بطرحها لاحتمال أن تكون من جلد غير مزكي ولا مدبوغ، فلا تصح الصلاة مع حملها لأنها نجسة والقوس معروف.
الحدق- بحاء فدال مهملتين مفتوحتين- فقاف: جمع حدقة، وهي العين.
الاختلاس- بخاء معجمة فمثناة وآخره سين مهملة سلب الشّيء بسرعة.
الخلال- بخاء معجمة مكسورة فلامين بينهما ألف أولاهما مفتوحة- الخصلة.
الشّفع- بشين معجمة ففاء فعين مهملة الزوج، والوتر الفرد الواحد.
القنوت- بقاف فنون فواو آخره مثناة ففوقية- المراد به هنا القيام في الصلاة.
الفجاءة بفاء مضمومة فجيم مفتوحة فألف فهمزة فتاء تأنيث: الهجوم على غفلة.
الفوات- بفاء فواو فألف وآخره تاء مثناة ففوقية هو موت الفجأة، من قولك فاتني فلان بكذا، أي سبقني به.
انفحي: بالحاء المهملة، وانفحي بمعني أنفقي المنيحة- بميم فنون مكسورة فتحتية- هي الشاة التي تقاد لينتفع بلبنها، وتعاد إلى صاحبها، إذا طلبها، وهذا هو المراد، ولها معنى آخر أن يهب له أصلها فيملّكه إيّاها.
العتود: بعين مهملة ففوقية فواو فدال مهملة: الشابّ من أولاد المعز وقد دخل في السنة الثانية.
أوجب- أي عمل عملا توجب له به الجنة والله تعالى أعلم.
يستحسر: أي يستنكف عن السؤال، وأصله من حسر الطرف إذا كلّ وضعف يعني أن الداعي إذا دعا وتأخّرت إجابته، تضجّر وملّ، وترك الدعاء، واستنكف عنه.
وقطيعة الرحم: الهجران، للأهل، والأقارب.
стр. 4121
رياض الجنّة- براء مكسورة فتحتيّة مفتوحة فألف فضاد معجمة- المراد به الذّكر.
ارتعوا: بهمزة فراء ساكنة فمثناة فوقية فعين مهملة فواو خوضوا شبه الخوض بالرّتع في الخصب وهو الطواف حوله والإشباع منه.
«الهن» - بفتح الهاء وتخفيف النون- من ألفاظ الكنايات، وأكثر ما يطلق على ما يستحي من التلفظ به هنا الفرج، ولذا قال مني يريد به النّطفة.
مبرور: مقبول ليس فيه إثم يقال بر وإثم.
يحتاج- يهلك ويتلف في الإنفاق.
الإشراف: بالشين المعجمة التطلع إلى العطاء والرغبة فيه.
القسامة- بضم القاف- ما يأخذه القسام من رأس المال عن أجرته لنفسه كما يأخذ السماسرة رسما مرسوما، لا أجرا معلوما، وقيل: إنما هو من يأخذ سهم من ولي عليه بغير إذنه، فيستأمر به عليه [ (١) ] .
التعيل: أريد به القوى على الشيء وقطع الأرض والسقاء.
أهويت بيدك أي: مددت يدك إليه والمعنى: أنه لو فعل ذلك كان قد صار ذلك ركازا لا يكون قد أخذه بشيء من فعله، فحينئذ كان يجب فيه الخمس وإنما جعله رسول الله ﷺ في حكم اللقطة لما لم يباشر الحجر بيده، والحجر هو الثقب وترك أخذ الزكاة منها، لأنه لم يكن نصابا، ولو كان نصابا لم يكن حال عليها الحول.
الحلقوم- بحاء مهملة مضمومة فلام ساكنة فقاف مضمومة فواو- فميم الخلق المبادر.
المنابل- بميم الذي يدخر المال ويقنيه، أنفسها عند أهلها، النفيس الجيد من كل شيء المرغوب فيه، وحقيقته الشيء الذي يتنافس فيه الناس.
قوله «يعين ضائعا» أي: ذا ضياع من فقر وعيال، أو نحو ذلك أو حال فقير عن القيام به، والخرق ضد الرفق، يقال: رجل أخرق إذا لم يتيقن ما يحاول.
والصنائع- بصاد مهملة فنون- هو المشهور.
وروي «ضايعا» بالمعجمة أي ذا ضياع من فقر وعيال ونحو ذلك.
стр. 4122
الوليدة: الأمة والحديث محمول على أن أخوالها كان بهم حاجة شديدة إلى الخادم، وهم فقراء البضع.
الغصن: الأراك.
العلائق- بعين مهملة وآخره قاف المهور وأحدها علاقة.
مذّمة الرضاع- بتثليث الذال المعجمة وبالكسر من الذمام وبالضم من الذم والمذمة الحق والحرمة التي يذّم مضيعها، والمراد بمذمّة الرّضاع الحقّ اللّازم بسبب الرّضاع، أو حق ذات الرضاع فحذف المضاف، قال النخعي: - رحمه الله تعالى- كانوا يستحبون أن يعطوا عند فصال الصبي للمرضعة شيئا سوى الأجرة.
الغرة: خيار المال وأصله غرة الوجه، فكنى بالغرة عن الذات فكأنه قال: عبد أو أمة.
التيس- بمثناة فوقية فمثناة تحتية فسين مهملة- معروف في المعز، يقال: العاهر بعين مهملة وآخره راء الزاني، والمعنى أنه لا حظ للزاني في الولد، وإنما هو لصاحب الفراش، وهو الزوج والسيد وله الحجر أي يرجم بالحجارة، أو ليس له إلا الحجارة أو ليس له شيء، ولا له إلا الخيبة من لحوق الولد من لعنه وذكر الحجر استعارة أي لا منفعة له فيه.
يسلم بها: أي يطأها.
الحجّ- بالجيم والحاء المهملة المشددة هي الحامل التي دنت ولادتها.
«تجد» بمثناة فجيم فدال مهملة يقطع ويجني.
أعلاج: جمع علج الرجال من كبار العجم.
القدوم: بالتشديد موضع بينه وبين المدينة ستة أميال.
النّعي: بنون فعين مهملة النداء على الميت وإخبار الناس بموته.
المجس: تقدم الحريسة: تقدمت.
أعتم: أظلم الليل عليه، ومضى منه طائفة.
الدف: تقدم.
المروة: حجر أبيض يبرق والمراد به جنس الحجر أي بأي حجر كان إذا كان له حد يذبح، وكذلك شق العصا.
стр. 4123
المضارعة: بالضاد المعجمة المشابهة والمقاربة، وذلك أنه سأله عن طعام النصارى فكأنه أراد لا يتحركن في نفسك شك، أن ما شبهت فيه النصارى حرام، ومكروه.
جوامع الكلم: أي لا يجاوز البلاغة فتكون ألفاظه قليلة ومعاني كلامه كثيرة، وكذلك كانت ألفاظه ﷺ .
الصعدات: [ ... ] .
إنفاذ عهدهما: أي إمضاء وصيتهما، وما عهدا إليه قبل موتهما.
الملّ- بفتح الميم وتشديد اللام الحجارة التي تخير عليها العرب، أي تلقي في أفواههم.
تقبّح: أي تقول قبحك الله.
الحرج: الإثم والضيق والجناح الإثم والميل.
والهرم: الضعف من كبر السن.
النّشرة: بنون مضمومة فشين معجمة ساكنة فراء حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر، وقد قال الحسن: - رحمه الله تعالى- لا يطلق السحر إلا ساحر، فلا يجوز فعل ذلك، ولهذا نهى عنه، وقد بسطت الكلام على ذلك في «لا عدوى ولا طيرة» .
طوبى- بطاء مهملة فواو فموحدة الطيب وجمع الطيبة، وتأنيث الأطيب- والحسنى والخير والخيرة شجرة في الجنة والجنة بالهندية.
الرّعة: بكسر الراء مع الورع، وهو الكف.
مخموم: بالخاء المعجمة، وذكر تفسيره في الحديث، وأصله من خميت البيت إذا كنسته، ونظفته.
النصيحة: تفعيلة نصح له، أخلص له، ولم يغشه.
عاجلته بالسيف: ضربته، وهو من المعالجة، وهي مزاولة الشيء ومحاولته والله تعالى أعلم.
стр. 4124
جماع أبواب سيرته- ﷺ في الشعر
الباب الأول في مدحه- ﷺ لحسن الشعر وذمّه لقبيحه وتنفيره من الإكثار منه
روى الإمام الشافعي وأبو يعلى عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- والإمام الشافعي عن عروة مرسلا والدارقطني مرسلا بذكر عائشة قالت: ذكر عند رسول الله ﷺ الشعر فقال:
كلام فحسنه حسن، وقبيحه قبيح.
وروى البخاري في الأدب والدارقطني عن عبد الله بن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام» .
وروى الحارث بن أبي أسامة عن رجل من أهل اليمن عن رجل من هذيل عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا الشّعر جزل من كلام العرب، به يعطي السّائل، وبه يكظم الغيظ، وبه يتبلّع القوم في ناديهم» .
وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجة عن أبي بن كعب وابن عباس- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله ﷺ قال: «إن من الشعر لحكمة» .
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ فتكلم بكلام بيّن، فقال رسول الله ﷺ إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة.
وروى البخاري عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من الشعر لحكمة» .
وروى مسدد والدارقطنيّ عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- والإمام أحمد والبخاري عن ابن عمر والإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن سعد بن أبي وقاص، والإمام أحمد ومسلم عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله ﷺ قال: «أن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا» .
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «امرؤ القيس صاحب لواء الشعر إلى النار» .
стр. 4125
وروى إسحاق بن راهويه بسند حسن عن سلمة بن الأكوع- رضي الله تعالى عنه- قال: كنا عند رسول الله ﷺ فتكلم بعض القوم بكلام «فيه شبه» الرجز، فقال رسول الله ﷺ : «قم يا سلمة» .
وروى أبو الحسن بن الضّحّاك وابن جرير عن كعب بن مالك- رضي الله تعالى عنه- أنه قال: يا رسول الله، ماذا ترى في الشعر؟ فقال: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه» .
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن مالك بن عمير- رضي الله تعالى عنه- قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الفتح وخيبر والطائف، فقلت: يا رسول الله إني امرؤ شاعر فأفتني في الشّعر فقال: «لأن يمتلئ ما بين لبتك إلى عاتقك قيحا خير لك من أن تمتلئ شعرا» قال: قلت:
يا رسول الله، فامسح عنّي الخطيئة، قال: فوضع يده على رأسي ثمّ أمرّها على كبدي، ثم على بطني، حتّى إنّي لأحتشم من مبلغ يد رسول الله ﷺ ثم قال: «إن أتاك منه شيء فشبّب بامرأتك، وامدح راحلتك» ، قال: فما قلت شيئا بعد ذاك
ومالك الذي يقول:
ومن ينتزع ما ليس من شوس نفسه ... يدعه ويغلبه على النّفس خيمها
فشاب بن مالك رأسه ولحيته غير موضع يد رسول الله ﷺ .
стр. 4126
الباب الثاني في استماعه- ﷺ لشعر أصحابه في المسجد وخارجه
روى الإمام أحمد والترمذي وصحّحه وأبو بكر بن أبي خيثمة عن سماك بن حرب- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت لجابر بن سمرة- رضي الله تعالى عنه-: أكنت تجالس رسول الله ﷺ قال: نعم كان أصحابه يتناشدون الشّعر، ويتذاكرون شيئاً من أمر الجاهليّة، وهو ساكت وربما تبسّم معهم.
وروى الإمام أحمد والشيخان عن جابر بن سمرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ طويل الصّمت، قليل الضّحك، وكان أصحابه- رضي الله تعالى عنهم- يذكرون عنده الشّعر، وأشياء من أمورهم فيضحكون، وربما تبسّم.
وروي أيضا عنه قال: شهدت رسول الله ﷺ أكثر من مائة مرة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشّعر، وأشياء من الجاهلية، فربما تبسّم معهم.
وروى الإمام أحمد وأبو داود موصولا عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن عمر- رضي الله تعالى عنه- مر بحسّان، وهو ينشد الشّعر في المسجد، فلحظ إليه شرارا فقال: قد كنت أنشد الشّعر فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: أجب عني، اللهم أيّده بروح القدس، قال:
اللهم نعم.
وروى الإمام أحمد والنسائي عن الأسود بن سريع- رضي الله تعالى عنه- قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنّي حمدتّ ربي- بمحامد ومدح وإياك فقال رسول الله ﷺ : أما إن ربّك يحب المدح، هات ما حمدت به ربك تعالى، قال: فجعلت أنشده
وذكر الحديث ويأتي بتمامه في مناقب عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه-
عن الحسن بن عبيد الله، قال: حدثني من سمع النّابغة الجعدي، يقول: أتيت رسول الله ﷺ فأنشدني قولي:
وإنّا لقوم ما نعوّد خيلنا ... إذا ما التقينا أن نحيد وتنفرا
وننكر يوم الرّوع ألوان خيلنا ... من الطّعن حتّى نحسب الجون أشقرا
وليس بمعروف لنا أن نردّها ... صحاحا ولا مستنكر أن تعقّرا
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنّا لنبغي فوق ذلك مظهرا
قال: فقال النبي ﷺ : «إلى أين؟» قلت: إلى الجنة، قال: «نعم! إن شاء الله» قال: فأنشدته:
стр. 4127
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... أريب إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال النبي ﷺ : «لا يفضض الله فاك» قال: فكان أحسن الناس ثغرا، فكان إذا سقطت له سنّ نبت له مكانها أخرى.
وروى البيهقي من طريق يعلى بن الأشدق، قال: سمعت النابغة الجعديّ يقول: أنشدت النبي ﷺ :
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال: أين المظهر يا أبا ليلى؟ قلت الجنة، قال: أجل إن شاء الله تعالى ثم قال:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال لي رسول الله ﷺ : «لا يفضض الله فاك مرّتين» .
وروى أبو يعلى بسند صحيح عن الأعشى المازني- رضي الله تعالى عنه- قال: أتيت النبي ﷺ فأنشدته:
يا مالك النّاس وديّان العرب ... إنّي لقيت ذربة من الذّرب
غدوت أبغيها الطّعام في رجب ... فخلّفتني بنزاع وحرب
اخلفت العهد ولطّت بالذّنب ... وهنّ شرّ غالب لمن غلب
فجعل النبي ﷺ يتمثّلها ويقول: «وهنّ شرّ غالب لمن غلب» .
وروى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : أن أخا لكم لا يقول الرّفث-
يعني بذلك ابن رواحة- قال:
فينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشقّ معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أنّ ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
стр. 4128
الباب الثالث في أمره- ﷺ بعض أصحابه بهجاء المشركين
روى الإمام أحمد والشيخان عن البراء بن عازب- رضي اللَّه تعالى عنهما- أن رسول اللَّه ﷺ قال يوم قريظة لحسان- رضي اللَّه تعالى عنه-: اهج المشركين وفي لفظ:
هاجهم وجبريل معك وفي لفظ: فإن روح القدس معك.
وروى ابن سعد عن جابر- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : من يحمي أعراض المسلمين؟ فقال عبد اللَّه بن رواحة: أنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : «إنك لا تحسن الشعر» ، فقال حسان بن ثابت- رضي اللَّه تعالى عنه- أنا، فقال رسول اللَّه ﷺ «اهجهم، فإنّ روح القدس سيعينك» .
وروى ابن سعد عن ابن سيرين مرسلا أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إذا نصر القوم بسلاحهم أنفسهم، فألسنتهم أحقّ» فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه، أنا، فقال: لست هناك، فجلس فقام آخر فقال: يا رسول اللَّه أنا، فقال بيده: يعني لا أجلس
فقام حسان- رضي اللَّه تعالى عنه- فقال: يا رسول اللَّه، ما يسرني به مقولا بين صنعاء وبصرى، وإنك واللَّه، ما سببت قوما قطّ هو أشد عليهم من شيء يعرفونه فمرّ بي إلى من يعرف أيامهم وبيوتاتهم حتى أضع لساني فأمر به إلى أبي بكر- رضي اللَّه تعالى عنه-.
وروى مسلم والبرقاني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنّه سمع حسان بن ثابت يستشهد بأبي هريرة، أنشدك اللَّه، هل سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: يا حسّان أجب عني، اللهم، أيّده بروح القدس؟ قال أبو هريرة- رضي اللَّه تعالى عنه-: نعم.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن حسان- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إذا حارب أصحابي بالسّلاح، فحارب أنت بلسانك» .
وروى الإمام أحمد عن عمار بن ياسر- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: لما هجانا المشركون شكونا ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: «قولوا لهم كما يقولون لكم» قال: فلقد رأيتنا تعمله إماء أهل المدينة.
وروى أبو الحسن بن الضّحاك، وقال هذا غريب من حديث يسار من مسند حسان بن ثابت ورجاله ثقات، والمحفوظ أنه من مسند البراء بن عازب- رضي اللَّه تعالى عنهما- قال: سمعت حسان بن ثابت- رضي اللَّه تعالى عنه- يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : «اهجهم، أو هاجمهم يعني المشركين، وجبريل- ﵇ معك» .
стр. 4129
وروى مسلم عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنهما- أن رسول اللَّه ﷺ قال: «اهجوا قريشا، فإنه أشدّ عليها من رشق النّبل» فأرسل إلى ابن رواحة، قال: اهجهم فهاجهم، فلم يرض فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت فلما دخل عليه حسّان، قال: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه، فجعل يحرّكه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينّهم بلساني فري الأديم، فقال رسول اللَّه ﷺ : «لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم نسبا حتى يخلص لك نسبي» فأتاه حسّان، ثم رجع، فقال: يا رسول اللَّه، قد محّص لي نسبك، والذي بعثك بالحق، لأسلّنّك منهم كما تسلّ الشعرة من العجين، قالت عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- فسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لحسان بن ثابت- رضي اللَّه تعالى عنه-: «إن روح القدس لا يزال يؤيّدك ما نافحت عن اللَّه ورسوله» قالت:
وسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: هجاهم حسان فشفى وأشفى
قال حسان- رضي اللَّه تعالى عنه-:
هجوت محمّدا فأجبت عنه ... وعند اللَّه في ذاك الجزاء
وروى ابن وهب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن- رحمه اللَّه تعالى- أن قريشا لما هجت رسول اللَّه ﷺ أرسل إلى ابن رواحة فذكر نحو ما تقدم وزاد، فكان لا يحسن إلا في الحرب فهجاهم، فلم يرض رسول اللَّه ﷺ ثم أرسل إلى حسّان، وكان يكره أن يرسل إليه، فما جاء الرّسول، قال: «أما واللَّه لأفرينهم بلساني فري الأديم» فقالت عائشة: - رضي اللَّه تعالى عنهما- فأخرج لسانه كأنه لسان حيّة على طرفه خال أسود، فقال رسول اللَّه ﷺ : «كيف لي بهم» فقال: والذي نفسي بيده، لأسلّنّك منهم سلّ الشعرة من العجين،
وذكر نحو ما تقدم.
وروى مسدد وابن أبي شيبة والنسائي في السنن الكبرى عن الأسود بن سريع- رضي اللَّه تعالى عنه- أنه قال: يا رسول اللَّه، إني مدحت اللَّه- مدحة ومدحتك بأخرى، فقال: «هات وابدأ بمدحة اللَّه » .
وروى مسدد عن محمد بن علي- رحمه اللَّه تعالى- أن رجلا مدح اللَّه تعالى، ومدح رسول اللَّه ﷺ فأعطاه لمدحه اللَّه تعالى الذي خلقه، ولم يعطه لمدحه نفسه، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 4130
الباب الرابع فيما تمثل به رسول اللَّه- ﷺ من الشعر
روى الإمام أحمد والشيخان والطبراني عن جندب بن عبد اللَّه- رضي اللَّه تعالى عنه- قال أصابت أصبع النبي ﷺ شيئا فدميت،
وفي لفظ قال: بينما نحن جلوس مع رسول اللَّه ﷺ في بعض المشاهد إذ أصابه حجر فعثر فدميت أصبعه فقال:
هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل اللَّه ما لقيت
وروى بن سعد عن الحسن البصري- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ كان يتمثل بهذا:
............... ........ ... كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا
فقال أبو بكر- رضي اللَّه تعالى عنه- يا رسول اللَّه إنما قال الشاعر:
............... ....... ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
ورسول اللَّه ﷺ يقول: «كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا»
فقال أبو بكر: - رضي اللَّه تعالى عنه- أشهد أنك رسول اللَّه ما علّمك اللَّه الشعر وما ينبغي لك.
وروى الإمام أحمد والترمذي وصححه عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- والطبراني في الأوسط عن عكرمة قال: سئلت عائشة- ﵂ هل سمعت رسول اللَّه ﷺ يتمثل شعرا قطّ؟ قالت: كان أحيانا إذا دخل بيته وفي لفظ إذا استراث الخبر تمثل فيه ببيت طرفة.
............... .... ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وروى أنشد «من لم تزوّده الأخبار» .
رواه البزار عن ابن عباس- رضي اللَّه تعالى عنهما-.
وروى الإمام أحمد وابن ماجة والشيخان عن أبي هريرة- رضي اللَّه تعالى عنه- قال:
قال رسول اللَّه ﷺ : أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل............... ......
وللشيخين وللترمذي أشعر كلمة قالتها العرب كلمة لبيد.
ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل................
وكاد أميّة بن أبي الصلت أن يسلم.
وروى الإمام أحمد وابن السكن عن ابن عباس- رضي اللَّه تعالى عنهما- أن
стр. 4131
رسول اللَّه ﷺ أنشد قول أميّة بن أبي الصلت:
زحل وثور تحت رجل يمينه ... والنّسر للأخرى وليث موصد
فقال: صدق هذا. صفة حمله العرش فقال:
والشّمس تطلع كلّ آخر ليلة ... حمراء يصبح لونها يتورّد
فقال رسول اللَّه ﷺ : صدق.
وروى البخاري عن أبي هريرة- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ... الحديث.
الباب الخامس فيما طلب إنشاده من غيره- ﷺ -
روى الإمام أحمد والبخاري في الأدب ومسلم وابن ماجه عن الشريد بن سويد الثقفي- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: أردفني رسول اللَّه ﷺ يوما خلفه فقال هل معك من شعر أميّة بن أبي الصّلت؟ قلت: نعم قال أنشدني فأنشدته بيتا فقال: هيه فلم يزل يقول هيه حتى أنشدته مائة بيت وفي لفظ مائة قافية، فقال: لقد كاد أن يسلم، واللَّه أعلم [ (١) ] .
стр. 4132
جماع أبواب هديه- ﷺ وسمته ودله غير ما سبق
الباب الأول في استحبابه- ﷺ التيامن
روى الجماعة عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يعجبه التّيمّن في ترجّله وتنعّله وطهوره وفي شأنه كلّه، وفي رواية كان يحبّ التّيمّن ما استطاع وذكر بعضهم «وفي سواكه» .
وروى ابن الجوزي عنها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أخذ شيئا أخذ بيمينه، وإذا أعطى شيئا أعطاه بيمينه، ويبدأ بميامينه في كل شيء.
وروى أبو داود عنها قالت: كانت يد رسول اللَّه ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه، وما به من أذّى.
стр. 4133
الباب الثاني في محبته- ﷺ للفأل الحسن وتركه الطيرة
روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن بريدة- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: كان رسول اللَّه ﷺ لا يتطير من شيء، ولكنّه كان إذا أراد أن يأتي أرضا سأل عن اسمها، فإن كان حسنا فرح به، ورؤي البشر في وجهه، وإن كان قبيحا رؤي كراهية ذلك في وجهه، فكان إذا بعث رجلا وفي لفظ عاملا سأل عن اسمه فإن كان حسن فرح له، ورؤي البشر في وجهه، وإن كان قبيحا رؤي كراهية ذلك في وجهه [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس- رضي اللَّه تعالى عنهما- قال: كان رسول اللَّه ﷺ يتفأل ولا يتطير، ويعجبه كلّ اسم حسن.
وروى أبو داود وابن حبان عن أبي هريرة- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ سمع كلمة فأعجبته فقال: «أخذنا فألك من فيك» .
وروى الترمذي وصحّحه عن أنس- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ كان يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع يا راشد، يا نجيح.
وروى البخاري في الأدب عن أبي حدرة- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : من يسوق إبلنا هذه؟ أو قال: من يبلغ هذه؟ قال رجل: أنا فقال ما اسمك؟
قال: فلان. قال: اجلس ثمّ قام آخر، فقال فلان فقال اجلس ثم قام آخر، فقال: ما اسمك؟ قال:
ناجية، قال: أنت لها فسقها.
وروى محمد بن يحيى بن أبي عمر عن الحضرمي بن لاحق والبزار عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إذا أبردتم بريدا، فأبردوه حسن الوجه حسن الاسم» .
وروى الطبراني- رحمه اللَّه تعالى- برجال ثقات غير سعيد بن أسد بن موسى فيحرر حاله عن عقبة بن عامر- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «من يبلغنا من لقاحنا؟» فقام رجل، فقال: أنا، فقال له رسول اللَّه ﷺ : ما اسمك؟ قال: صخر أو جندل، فقال له رسول اللَّه ﷺ : اجلس، ثم قال: «من يبلّغنا من لقاحنا؟» فقام رجل آخر، فقال: أنا، فقال له رسول اللَّه ﷺ : ما اسمك؟ قال: يعيش، قال: «بلغنا من لقاحنا» .
وروى الإمام مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد موقوفا عليه أن رسول اللَّه ﷺ دعا ناقة يوما فقال من يحلب هذه؟ فقام رجل، فقال: أنا، فقال له: ما اسمك؟ فقال الرجل: مرة فقال له: اجلس، ثم قال: «من يحلب هذه؟» فقال رجل آخر: أنا، فقال: «ما اسمك؟» فقال:
стр. 4134
جمرة، فقال له: اجلس، ثم قال: «من يحلب هذه؟» فقال رجل: أنا فقال له رسول اللَّه ﷺ :
ما اسمك؟ فقال: يعيش، فقال له رسول اللَّه ﷺ «احلبها» .
وروى الحكيم الترمذي والقاسم بن أصبع عن عبد اللَّه بن بريدة نحوه قال: كان رسول اللَّه ﷺ لا يتطير ولكن يتفاءل، وكانت قريش جعلت مائة من الإبل لمن يأخذ رسول اللَّه ﷺ حيث توجه إلى المدينة، فرد إليهم، فركب بريدة في سبعين راكبا من قريش، فتلقّى رسول اللَّه ﷺ فقال له نبي اللَّه ﷺ : من أنت؟ قال: أنا بريدة، فالتفت إلى أبي بكر- رضي اللَّه تعالى عنه- فقال: يا أبا بكر، برّد أمرنا وصلّح قال وممن أنت؟ قال: من أسلم، فقال لأبي بكر: سلمنا، قال: وممن؟ قال: من بني سهم، قال: خرج سهمك، فأسلم بريدة، وأسلم الذين معه،
وتقدمت القصة في حديث الهجرة.
وروى الطبراني برجال ثقات غير كثير بن عبد اللَّه ضعيف، وحسّن له الترمذي عن عمرو بن عوف المزني- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ سمع رجلا يقول: هاكها خضرة، فقال رسول اللَّه: «يا لبّيك، نحن أخذنا ذلك من فيك اخرجوا بنا إلى خضرة» ، فخرجوا إليها فما سلّ فيها سيف ورواه أبو نعيم في الطّبّ من حديث عبد اللَّه بن كثير المزني عن أبيه عن جدّه.
وروى الشيخان عن أنس- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصّالح، والكلمة الطّيّبة» .
تنبيهات
الأول: قال ابن القيّم في المفتاح في قوله «لا عدوى» هذا يحتمل أن يكون نفيا وأن يكون نهيا أي: لا تطيّروا، ولكن قوله في الحديث «لا عدوى ولا صفر ولا هامّة يدل على أن المراد النّهي وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعنيها، والنفي في هذا أبلغ، لأن النفي يدل على بطلان ذلك، وعدم تأثيره، والنهي يدل على المنع منه انتهى.
وروي: والفأل الصالح أي هو من تتمة الحديث المرفوع، وليس مدرجا بذلك الأثر قاله الخطابي وابن الأثير.
قال الخطابي: قد أعلم النبي ﷺ أن الفأل هو أن يسمع الإنسان الكلمة الحسنة، فيفأل بها أي يتبرّك بها، ويتأوّلها على المعنى الذي يطابق اسمها وأن الطّيرة بخلافها، وإنما أخذت من اسم الطّير، وذلك أن العرب كانت تتشاءم ببروح الطّير إذا كانت في سفر أو مسير
стр. 4135
ومنهم من كان يتطير بسنوحها فيصدهم ذلك عن المسير ويردهم عن بلوغ ما يتمنّونه من مقاصدهم، فأبطل ذلك ﷺ أن يكون لشيء منها تأثير في اجتلاب ضرر أو نفع، واستحب الفأل بالكلمة الحسنة يسمعها من ناحية حسن الظّنّ باللَّه- .
وروى عن الأصمعي- رحمه اللَّه تعالى عليه- أنه قال: سألت بن عون عن الفأل فقال:
هو أن تكون مريضا، فتسمع يا سالم، أو تكون طالب ضالّة، فتسمع يا نجيح، أو يا واجد قال:
في النهاية: فيقع في ظنّه أن يبرأ من مرضه وأنه يجد ضالته قال: وإنما أحبّ رسول اللَّه ﷺ الفأل، لأن الناس إذا أمّلوا فائدة من اللَّه تعالى ورجوا عائدته عند كلّ سبب ضعيف أو قويّ، فهم على خير، ولو غلطوا في جهة الرجاء فإنّ الرّجاء لهم خير، فإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من اللَّه تعالى كان ذلك من الشر.
وأما الطّيرة فإنّ فيها سوء الظّنّ باللَّه تعالى وتوقّع البلاء.
الثاني في بيان غريب ما سبق:
«الفأل» بالهمزة وتركه من تفاءلت بالشيء.
وتفألت على التخفيف والقلب: استعمل فيما يسرّ ويسوء.