← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

رسول اللَّه ﷺ أنشد قول أميّة بن أبي الصلت: زحل وثور تحت رجل يمينه ... والنّسر للأخرى وليث موصد فقال: صدق هذا. صفة حمله العرش فقال: والشّمس تطلع كلّ آخر ليلة ... حمراء يصبح لونها يتورّد فقال رسول اللَّه ﷺ : صدق. وروى البخاري عن أبي هريرة- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ... الحديث. الباب الخامس فيما طلب إنشاده من غيره- ﷺ - روى الإمام أحمد والبخاري في الأدب ومسلم وابن ماجه عن الشريد بن سويد الثقفي- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: أردفني رسول اللَّه ﷺ يوما خلفه فقال هل معك من شعر أميّة بن أبي الصّلت؟ قلت: نعم قال أنشدني فأنشدته بيتا فقال: هيه فلم يزل يقول هيه حتى أنشدته مائة بيت وفي لفظ مائة قافية، فقال: لقد كاد أن يسلم، واللَّه أعلم [ (١) ] .

стр. 4132

جماع أبواب هديه- ﷺ وسمته ودله غير ما سبق الباب الأول في استحبابه- ﷺ التيامن روى الجماعة عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يعجبه التّيمّن في ترجّله وتنعّله وطهوره وفي شأنه كلّه، وفي رواية كان يحبّ التّيمّن ما استطاع وذكر بعضهم «وفي سواكه» . وروى ابن الجوزي عنها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أخذ شيئا أخذ بيمينه، وإذا أعطى شيئا أعطاه بيمينه، ويبدأ بميامينه في كل شيء. وروى أبو داود عنها قالت: كانت يد رسول اللَّه ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه، وما به من أذّى.

стр. 4133

الباب الثاني في محبته- ﷺ للفأل الحسن وتركه الطيرة روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن بريدة- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: كان رسول اللَّه ﷺ لا يتطير من شيء، ولكنّه كان إذا أراد أن يأتي أرضا سأل عن اسمها، فإن كان حسنا فرح به، ورؤي البشر في وجهه، وإن كان قبيحا رؤي كراهية ذلك في وجهه، فكان إذا بعث رجلا وفي لفظ عاملا سأل عن اسمه فإن كان حسن فرح له، ورؤي البشر في وجهه، وإن كان قبيحا رؤي كراهية ذلك في وجهه [ (١) ] . وروى الإمام أحمد عن ابن عباس- رضي اللَّه تعالى عنهما- قال: كان رسول اللَّه ﷺ يتفأل ولا يتطير، ويعجبه كلّ اسم حسن. وروى أبو داود وابن حبان عن أبي هريرة- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ سمع كلمة فأعجبته فقال: «أخذنا فألك من فيك» . وروى الترمذي وصحّحه عن أنس- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ كان يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع يا راشد، يا نجيح. وروى البخاري في الأدب عن أبي حدرة- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : من يسوق إبلنا هذه؟ أو قال: من يبلغ هذه؟ قال رجل: أنا فقال ما اسمك؟ قال: فلان. قال: اجلس ثمّ قام آخر، فقال فلان فقال اجلس ثم قام آخر، فقال: ما اسمك؟ قال: ناجية، قال: أنت لها فسقها. وروى محمد بن يحيى بن أبي عمر عن الحضرمي بن لاحق والبزار عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إذا أبردتم بريدا، فأبردوه حسن الوجه حسن الاسم» . وروى الطبراني- رحمه اللَّه تعالى- برجال ثقات غير سعيد بن أسد بن موسى فيحرر حاله عن عقبة بن عامر- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «من يبلغنا من لقاحنا؟» فقام رجل، فقال: أنا، فقال له رسول اللَّه ﷺ : ما اسمك؟ قال: صخر أو جندل، فقال له رسول اللَّه ﷺ : اجلس، ثم قال: «من يبلّغنا من لقاحنا؟» فقام رجل آخر، فقال: أنا، فقال له رسول اللَّه ﷺ : ما اسمك؟ قال: يعيش، قال: «بلغنا من لقاحنا» . وروى الإمام مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد موقوفا عليه أن رسول اللَّه ﷺ دعا ناقة يوما فقال من يحلب هذه؟ فقام رجل، فقال: أنا، فقال له: ما اسمك؟ فقال الرجل: مرة فقال له: اجلس، ثم قال: «من يحلب هذه؟» فقال رجل آخر: أنا، فقال: «ما اسمك؟» فقال:

стр. 4134

جمرة، فقال له: اجلس، ثم قال: «من يحلب هذه؟» فقال رجل: أنا فقال له رسول اللَّه ﷺ : ما اسمك؟ فقال: يعيش، فقال له رسول اللَّه ﷺ «احلبها» . وروى الحكيم الترمذي والقاسم بن أصبع عن عبد اللَّه بن بريدة نحوه قال: كان رسول اللَّه ﷺ لا يتطير ولكن يتفاءل، وكانت قريش جعلت مائة من الإبل لمن يأخذ رسول اللَّه ﷺ حيث توجه إلى المدينة، فرد إليهم، فركب بريدة في سبعين راكبا من قريش، فتلقّى رسول اللَّه ﷺ فقال له نبي اللَّه ﷺ : من أنت؟ قال: أنا بريدة، فالتفت إلى أبي بكر- رضي اللَّه تعالى عنه- فقال: يا أبا بكر، برّد أمرنا وصلّح قال وممن أنت؟ قال: من أسلم، فقال لأبي بكر: سلمنا، قال: وممن؟ قال: من بني سهم، قال: خرج سهمك، فأسلم بريدة، وأسلم الذين معه، وتقدمت القصة في حديث الهجرة. وروى الطبراني برجال ثقات غير كثير بن عبد اللَّه ضعيف، وحسّن له الترمذي عن عمرو بن عوف المزني- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ سمع رجلا يقول: هاكها خضرة، فقال رسول اللَّه: «يا لبّيك، نحن أخذنا ذلك من فيك اخرجوا بنا إلى خضرة» ، فخرجوا إليها فما سلّ فيها سيف ورواه أبو نعيم في الطّبّ من حديث عبد اللَّه بن كثير المزني عن أبيه عن جدّه. وروى الشيخان عن أنس- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصّالح، والكلمة الطّيّبة» . تنبيهات الأول: قال ابن القيّم في المفتاح في قوله «لا عدوى» هذا يحتمل أن يكون نفيا وأن يكون نهيا أي: لا تطيّروا، ولكن قوله في الحديث «لا عدوى ولا صفر ولا هامّة يدل على أن المراد النّهي وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعنيها، والنفي في هذا أبلغ، لأن النفي يدل على بطلان ذلك، وعدم تأثيره، والنهي يدل على المنع منه انتهى. وروي: والفأل الصالح أي هو من تتمة الحديث المرفوع، وليس مدرجا بذلك الأثر قاله الخطابي وابن الأثير. قال الخطابي: قد أعلم النبي ﷺ أن الفأل هو أن يسمع الإنسان الكلمة الحسنة، فيفأل بها أي يتبرّك بها، ويتأوّلها على المعنى الذي يطابق اسمها وأن الطّيرة بخلافها، وإنما أخذت من اسم الطّير، وذلك أن العرب كانت تتشاءم ببروح الطّير إذا كانت في سفر أو مسير

стр. 4135

ومنهم من كان يتطير بسنوحها فيصدهم ذلك عن المسير ويردهم عن بلوغ ما يتمنّونه من مقاصدهم، فأبطل ذلك ﷺ أن يكون لشيء منها تأثير في اجتلاب ضرر أو نفع، واستحب الفأل بالكلمة الحسنة يسمعها من ناحية حسن الظّنّ باللَّه- . وروى عن الأصمعي- رحمه اللَّه تعالى عليه- أنه قال: سألت بن عون عن الفأل فقال: هو أن تكون مريضا، فتسمع يا سالم، أو تكون طالب ضالّة، فتسمع يا نجيح، أو يا واجد قال: في النهاية: فيقع في ظنّه أن يبرأ من مرضه وأنه يجد ضالته قال: وإنما أحبّ رسول اللَّه ﷺ الفأل، لأن الناس إذا أمّلوا فائدة من اللَّه تعالى ورجوا عائدته عند كلّ سبب ضعيف أو قويّ، فهم على خير، ولو غلطوا في جهة الرجاء فإنّ الرّجاء لهم خير، فإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من اللَّه تعالى كان ذلك من الشر. وأما الطّيرة فإنّ فيها سوء الظّنّ باللَّه تعالى وتوقّع البلاء. الثاني في بيان غريب ما سبق: «الفأل» بالهمزة وتركه من تفاءلت بالشيء. وتفألت على التخفيف والقلب: استعمل فيما يسرّ ويسوء.

стр. 4136

الباب الثالث في سيرته- ﷺ في الأسماء والكنى وتسميته بعض أولاد أصحابه وتغييره الاسم القبيح وفيه أنواع: الأول: في دعائه الرّجل بأحبّ أسمائه إليه . روى البخاري في الأدب وأبو نعيم عن حنظلة بن حذيم- بكسر الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح التحتانية- رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعجبه أن يدعى الرّجل بأحبّ أسمائه إليه وأحبّ كناه. الثاني: في تغييره الاسم إلى اسم آخر . روى الترمذي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله ﷺ يغير الإسم القبيح، إلى ما هو أحسن منه. وروى الإمام أحمد والبخاري في الأدب ومسلم وأبو داود والترمذي، وابن أبي شيبة وابن سعد عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن بنتا لعمر كانت: يقال لها عاصية فسمّاها رسول اللَّه ﷺ جميلة. وروى الشيخان وابن ماجة عن أبي هريرة- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: أن زينب بنت أبي سلمة كان اسمها برّة، فقال: تزكّي نفسها، فسماها رسول اللَّه ﷺ زينب. وروى مسلم عن زينب بنت أم سلمة أن زينب بنت جحش دخلت على رسول اللَّه ﷺ واسمها برّة فسماها زينب. وروى البخاري في الأدب ومسلم عن سعد وابن أبي شيبة عن ابن عباس- رضي اللَّه تعالى عنهما- قال: كان اسم جويرية بنت الحارث برّة، فحول رسول اللَّه ﷺ اسمها إلى جويرية وكان يكره أن يقال خرج من عند برّة. وروى البخاري في الأدب عن محمد بن عمرو بن عطاء- رحمهم اللَّه تعالى- أنه دخل على زينب بنت أبي سلمة فسألته عن اسم أخت له عنده، فقال: اسمها برّة، قالت: غيّر اسمها، فإن رسول اللَّه ﷺ نكح زينب بنت جحش، واسمها برّة فغير اسمها إلى زينب فدخل على أم سلمة حين تزوجها واسمي برّة فسمعها تدعوني برّة فقال: لا تزكوا أنفسكم، فإن اللَّه تعالى هو أعلم بالبرّة منكنّ والفاجرة، سميها زينب، فقلت لها: اسمي فقالت: غير إلى ما غيّر إليه رسول اللَّه ﷺ فسمّاها زينب.

стр. 4137

وروى البخاري في الأدب وابن أبي شيبة عن أبي هريرة- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: كان اسم ميمونة برّة، فسمّاها رسول اللَّه ﷺ ميمونة. وروى الإمام أحمد والبخاري في الأدب عن علي- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: لما ولد الحسن فقال: أروني ابني، ما سميتموه؟ قلنا: حربا قال: بل هو حسن فلما ولد الحسين سميته حربا قال: هو حسين فلما ولد محسنا سميته حربا، قال: هو محسن، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : «إنّي سميت بني هؤلاء بتسمية هرون بنيه شبر وشبير ومشبر» ، وفي رواية أخرى لما ولد الحسن سمّاه جعفرا فلما ولد الحسين سمّاه بعمه جعفر، فدعاني رسول اللَّه ﷺ فقال: إني أمرت أن أغير اسم هذين فقلت: اللَّه ورسوله أعلم، فسماهما حسنا وحسينا. وروى البخاري- رحمه اللَّه تعالى- في الأدب وأبو داود وابن السكن والطبراني والحاكم وابن أبي شيبة عن أسامة بن أخدري- رضي اللَّه تعالى عنه- أنه ابتاع عبدا حبشيا، فقال: يا رسول اللَّه، سمّه وادع له، قال: ما اسمك؟ قال: أحرم قال: بل زرعة. وقال لمولاه: فما تريده؟ قال: راعيا، فقبض أصابعه، وفي لفظ: وقبض كفه وقال: هو عاصم. وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود وابن سعد عن سعيد بن المسيب والبخاري عن الزهري عن سعيد بن المسيّب- رحمه اللَّه تعالى- عن أبيه أن جدّه حزنا قدم على رسول اللَّه ﷺ فقال: ما اسمك؟ قال: حزن، قال: بل أنت سهل، قال: ما أنا بمغيّر اسما سمّانيه أبي، السّهل يوطأ ويمتهن قال سعيد: فظننت أنه سيصيبنا بعده حزونة. وفي لفظ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لجدي حزن، أنت سهل قال: يا رسول اللَّه اسم سماني به أبواي فعرفت به في الناس قال: فسكت عنه النبي ﵇ فتعرف فينا الحزونة. وروى الإمام أحمد عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- أن رسول اللَّه ﷺ قال لرجل: ما اسمك؟ قال: شهاب قال: «أنت هشام» . وروى الإمام أحمد وابن سعد وابن أبي شيبة عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة أن أباه عبد الرحمن ذهب مع جدّه إلى رسول اللَّه ﷺ فقال له رسول اللَّه ﷺ : ما اسم ابنك؟ قال: عزيز، فقال رسول اللَّه ﷺ : «لا تسمّه عزيزا، ولكن سمّه عبد الرحمن» ، قال: خير الأسماء عبد اللَّه وعبد الرّحمن، وفي لفظ قال: لا عزيز إلا اللَّه. وروى الإمام أحمد والبخاري في الأدب وفي تاريخه وابن أبي شيبة عن بشير ابن الخصاصية- رضي اللَّه تعالى عنه- وكان قد أتى رسول اللَّه ﷺ واسمه زحم «فسماه النبي ﷺ بشيرا» .

стр. 4138

وروى الشيخان عن سهل بن سعد قال «أتى بالمنذر بن أبي أسيد إلى النبي ﷺ حين ولد فوضعه على فخذه فقال: ما اسمه؟ قال: فلان، قال: لكن اسمه المنذر» . وروى الإمام أحمد عن سعيد بن جهمان قال: لقيت سفينة ببطن نخلة فقلت له: ما اسمك؟ قال: ما أنا بمخبرك عن اسمي، سماني رسول اللَّه ﷺ سفينة قلت: ولم سمّاك سفينة؟ قال: خرج رسول اللَّه ﷺ ومعه أصحابه، فثقل عليهم متاعهم، فقال: ابسط رداءك فبسطه، فحطّوا فيه متاعهم، ثم حملوه عليّ، فقال رسول اللَّه ﷺ احمل، فإنما أنت سفينة، فلو حملت يومئذ، وقر بعير وبعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل عليّ. وروى البزار بسند حسن عن بريدة- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: كنت مع رسول اللَّه ﷺ في سفر فكان كلّما بقي شيء حمله عليّ وسماني الزّاملة. وروى البخاري في الأدب وأبو يعلى والبزار عن رائطة بنت مسلم عن أبيها- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: شهدت مع رسول اللَّه ﷺ حنينا، فقال: ما اسمك؟ قلت غراب، قال: لا بل اسمك مسلم. وروى البخاري في الأدب والإمام أحمد برجال ثقات وابن أبي شيبة عن مطيع بن الأسود- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: كان اسمي العاص فسماني رسول اللَّه ﷺ مطيعا. وروى الطبراني عن زيادة عن جدّه مسعود- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ سماه مطاعا وقال: يا مطاع، أنت مطاع في قومك وحمله على فرس أبلق وأعطاه الراية، وقال: يا مطاع امض إلى أصحابك، فمن دخل تحت رايتي هذه، فقد أمن من العذاب. وروى محمد بن أبي عمر برجال ثقات عن أنس- رضي اللَّه تعالى عنه- أن أمّة لعمر بن الخطاب- رضي اللَّه تعالى عنه- كان لها اسم من أسماء العجم، فسماها عمر- رضي اللَّه تعالى عنه- جميلة فقال عمر: بيني وبينك رسول اللَّه ﷺ فأتيا رسول اللَّه ﷺ فقال لها: أنت جميلة، فقال عمر- رضي اللَّه تعالى عنه-: خذيها على رغم أنفك. وروى الطبراني بسند ضعيف عن عبد الرحمن بن أبي سبرة قال: دخلت أنا وأبي على رسول اللَّه ﷺ فقال لأبي: هذا ابنك؟ قال: نعم، قال: ما اسمه؟ قال: الحباب، قال: «لا تسمه الحباب، فإن الحباب شيطان، ولكن هو عبد الرحمن» ، الحديث. وقد غير النبي ﷺ أسماء جماعة: منهم عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول وكان يسمى الحباب وقال: حباب اسم شيطان رواه ابن سعد، والحصين بن سلّام الحبر عالم أهل الكتاب سماه عبد اللَّه رواه ابن أبي شيبة، والحكم بن سعيد بن العاص سماه عبد اللَّه، وعبد الحجر سماه عبد اللَّه رواه البخاري في الأدب ورواه الإمام أحمد والبخاري في تاريخه، وجبار بن

стр. 4139

الحارث سماه عبد الجبار رواه أبو نعيم في المعرفة، وعبد عمرو ويقال عبد الكعبة أحد العشرة سمّاه عبد الرحمن رواه ابن سعد وابن مندة، وغراب سماه مسلما رواه ابن أبي شيبة، وعبد شرّ من ذوي ظليم سمّاه عبد خير رواه أبو نعيم، وأبو الحكم بن هانئ بن يزيد سماه أبا شريح بأكبر أولاده رواه ابن أبي شيبة، وحرب سماه مسلما، والمضجع سمّاه المنبعث. وروى أبو يعلى برجال ثقات عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- أن رسول اللَّه ﷺ مرّ بأرض، يقال لها غدرة فسمّاها خضرة. وشعب الضلالة: شعب الهدى وبني الزّينة: بني الرشدة. وبني مغويّة- بالمعجمة- بني رشدة رواها أبو داود. وأرضا تسمى بجدبة مخضرة رواه بقي بن مخلد عن عائشة. الثالث: في تسميته ﷺ بعض أولاد أصحابه . روى الطبراني عن ياسر بن سويد الجهني- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ وجّهه في خيل أو سرية وامرأته حامل، فولدت مولودا فحملته أمه إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه، قد ولد هذا المولود، وأبوه في الخيل فسمّه فأخذه رسول اللَّه ﷺ وأمر يده عليه وقال: «اللهمّ، أكثر رجالهم، وأقل أياماهم، ولا تحوجهم، ولا تر أحدا منهم خصاصة» ، فقال: سميه مسرعا قد أسرع في الإسلام فهو مسرع بني ياسر. وروى الترمذي عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- قالت: أن رسول اللَّه ﷺ رأى في بيت الزّبير صياحا، فقال: يا عائشة [ (١) ] ما أرى أسماء إلّا قد نفست، فلا تسموه حتى أسمّه فسمّاه عبد اللَّه، وحنّكه بتمر بيده. وروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: ولد لي غلام فأتيت به رسول اللَّه ﷺ فسمّاه إبراهيم وحنّكه بتمر، ودعا له بالبركة ودفعه إليّ، وكان أكبر ولد أبي موسى. وروى مسلم وأبو داود عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يؤتى بالصبيان، فيدعو لهم بالبركة، ويحنّكهم. وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود عن أنس- رضي اللَّه تعالى عنه- أن أمة ولدت غلاما من أبي طلحة، فقال أبو طلحة: احتمله حتّى تأتي به رسول اللَّه ﷺ وبعث معه

стр. 4140

بتمرات فقال: أمعه شيء؟ فقلت: نعم فأخذها رسول اللَّه ﷺ فمضغها، ثم أخذها في فيه، فجعلها في في الصّبيّ، ثم حنكّه، وسماه عبد اللَّه وفي لفظ ذهبت بعبد اللَّه بن أبي طلحة إلى رسول اللَّه ﷺ يوم ولد والنبي ﷺ في عباءة يهنأ بعيرا له فقال: أمعك تمرات؟ قلت: نعم، فناولته تمرات فألقاهن في فيه فلاكهن ثم فغرنا الصّبي فمجّه في فيه فجعل الصبي يتلمظه فقال رسول اللَّه ﷺ حب الأنصار التمر وسماه عبد اللَّه. وروى الإمام أحمد عن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام- رضي اللَّه تعالى عنهما- قال أجلسني رسول اللَّه ﷺ في حجره، ومسح على رأسي، وسمّاني يوسف. الرابع: في سيرته ﷺ في الكنى . روى البخاري في الأدب عن هانئ بن يزيد- رضي اللَّه تعالى عنه- أنه لما وفد إلى رسول اللَّه ﷺ ومعه قومه فسمعهم رسول اللَّه ﷺ وهم يكنونه بأبي الحكم، فدعا النبي ﷺ فقال: إن اللَّه هو الحكم وإليه الحكم كلّه، فلم تكنّيت بأبي الحكم؟ قال: لا، ولكن قومي إذا اختلفوا في شيء فأتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، قال: ما أحسن هذا ثم قال مالك من الولد، قلت له: شريح وعبد اللَّه ومسلم بنو هانئ فقال: من أكبرهم؟ قلت: شريح، قال: فأنت أبو شريح، ودعا له ولولده، وسمع رسول اللَّه ﷺ يسمّون رجلا منهم عبد الحجر، فقال رسول اللَّه ﷺ : ما اسمك؟ فقال عبد الحجر قال: لا أنت عبد اللَّه. قال شريح: وإنّ هانئ لما حضر رجوعه إلى بلاده أتى النبي ﷺ فقال: أخبرني أيّ شيء يوجب لي الجنة، قال: عليك بحسن الكلام، وبذل الطّعام. وروى الشيخان عن أبي حازم أن رجلا جاء إلى سهل بن سعد- رضي اللَّه تعالى عنه- فقال: هذا فلان، لأمير المدينة يذكر عليا عند المنبر، فقال: فماذا يقول. قال: يقول، أبو تراب، فضحك وقال: واللَّه ما سمّاه به إلا النبي ﷺ وذكره بتمامه في مناقب سيدنا علي- رضي اللَّه تعالى عنه-. [ (١) ] وروى البخاري في الأدب عن سهل بن سعد- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: إن كان أحبّ أسماء علي إليه لأبا تراب، وكان ليفرح أن يدعى بها، وما كنّاه أبا تراب، إلا النبي ﷺ غاضب يوما فاطمة فاضطجع إلى جدار المسجد، وجاءه رسول اللَّه ﷺ يتبعه فقال: هوذا مضطجع في الجدار فجاء إلى النبي ﷺ وقد امتلأ ظهره ترابا، فجعل رسول اللَّه ﷺ يمسح

стр. 4141

التراب عن ظهره ويقول: اجلس أبا تراب. وروى أبو داود عن المغيرة بن شعبة- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ كنّاه (بأبي عيسى) [ (١) ] . وروى أحمد والترمذي عن أنس- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: كنّاني رسول اللَّه ﷺ أبا حمزة ببقلة كنت أجتنيها. وروى ابن ماجه عن صهيب- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ كنّاه بأبي يحيى. وروى الإمام أحمد عن حمزة بن صهيب- رضي اللَّه تعالى عنه- أن صهيبا كان يكنى أبا يحيى فقال عمر بن الخطاب، - رضي اللَّه تعالى عنه-: يا صهيب، مالك تكنى أبا يحيى، وليس لك ولد؟ فقال صهيب: أن رسول اللَّه ﷺ كنّاني بأبي يحيى. وروى البخاري في الأدب عن أنس- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: كان رسول اللَّه ﷺ يدخل علينا، ولي أخ صغير، يكنى أبا عمير، وكانت له نغر يلعب به، فمات فدخل رسول اللَّه ﷺ علينا فرآه حزينا، فقال: ما شأنه؟ فقال: مات نغيره، فقال: يا أبا عمير، ما فعل النّغير؟. وروى البخاري في الأدب عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- قالت: قلت: يا رسول اللَّه كنيّت نساءك، وما كنّيتني؟ فقال: تكني بابن أختك عبد اللَّه يعني ابن الزبير، وكانت تكنى بأمّ عبد اللَّه. وروى البزّار برجال ثقات غير أبي المنهال البكراوي فيحرر رجاله عن أبي بكرة- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: لما كان يوم الطائف، تدليت على رسول اللَّه ﷺ ببكرة فقال: أنت أبو بكرة. روى البخاري عن أسامة بن زيد- رضي اللَّه تعالى عنهما- أن رسول اللَّه ﷺ ركب على حمار على إكاف على قطيفة فدكية، وأردف أسامة وراءه، يعود سعد بن عبادة قبل واقعة بدر، فسار حتى مرّ بمجلس فيه عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد اللَّه وفي المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين وعباد الأوثان واليهود، وفي المجلس عبد اللَّه بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمّر عبد اللَّه بن أبي أنفه بردائه قال: لا تغيروا علينا. فسلم النبي ﷺ ووقف ونزل، فدعاهم إلى اللَّه، فقرأ عليهم القرآن فقال له عبد اللَّه بن أبي: يا أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا، فلا تؤذنا به في مجالسنا وارجع إلى

стр. 4142

رحلك فمن جاءك منّا فاقصص عليه. قال ابن رواحة: بلى يا رسول اللَّه، فاغشنا به في مجالسنا، فإنّا نحبّ ذلك. فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتّى كادوا يتثاورون فلم يزل النبي ﷺ يخفّضهم حتى سكتوا، فركب النبي ﷺ دابّته حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: أي سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب- يريد عبد اللَّه ابن أبيّ- قال سعد: يا رسول اللَّه، اعف عنه، واصفح، فلقد أعطاك اللَّه ما أعطاك، ولقد اجتمع أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه، فلما ردّ ذلك بالحق الذي أعطاك اللَّه شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت. الخامس: في اختصاره ﷺ بعض أسماء أصحابه . روى البخاري في الأدب عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- أن رسول اللَّه ﷺ قال: يا عائش، هذا جبريل، يقرأ عليك السلام قالت: وعليه السلام ورحمة اللَّه وبركاته [ (١) ] . وروى البخاري في الأدب عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- أن رسول اللَّه ﷺ قال لعثمان- رضي اللَّه تعالى عنه- اكتب يا عثم [ (٢) ] .

стр. 4143

الباب الرابع في آدابه- ﷺ عند العطاس والبزاق والتثاؤب روى أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح عن أبي هريرة- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا عطس وضع يده، أو ثوبه على وجهه وخفّض، أو قال: غضّ بها صوته. ورواه ابن سعد بلفظ «إذا عطس غض صوته، وغطّى وجهه» . وروى الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن جعفر- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا عطس حمد اللَّه تعالى، فيقال له: يرحمك اللَّه، فيقول: يهديكم اللَّه ويصلح بالكم. وروى الترمذي والبخاري في الأدب ومسلم وأبو داود عن سلمة بن الأكوع- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رجلا عطس عند رسول اللَّه ﷺ فقال له: «يرحمك اللَّه» ثم عطس أخرى، فقال له: «يرحمك اللَّه» ثم عطس أخرى، فقال: «الرجل مزكوم» وعند غير الترمذي أنه قال له «ذلك في الثانية» . وروى البخاري في الأدب وأبو داود والترمذي والحاكم عن أبي موسى- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: كان اليهود يتعاطسون عند رسول اللَّه ﷺ رجاء أن يقول لهم: يرحمكم اللَّه، فكان يقول «يهديكم اللَّه، ويصلح بالكم» . وروى البخاري في الأدب وأبو نعيم عن الحارث بن عامر السهمي- رضي اللَّه تعالى عنه- أن النبي ﷺ كان بمنى أو بعرفات، فذهب يبزق فقام بيده فأخذ بها بزاقه، فمسح بها نعله كراهة أن يصيب أحدا من إخوانه. وروى بن سعد عن يزيد بن الأصم قال ما رأى النبي ﷺ متثائبا في صلاة قطّ. وروى البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «أن اللَّه يحب العطاس، ويكره التثاؤب» ، الحديث. وفيه أن التثاؤب إنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليردّه ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب يضحك منه الشّيطان. وروى مسلم والإمام أحمد والبيهقي وأبو داود عن أبي سعيد- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ في التثاؤب: «إذا تثاءب أحدكم، فليضع يده على فمه، فإن الشيطان يدخل» .

стр. 4144

وروى الحكيم الترمذي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «من حدّث حديثا، فعطس فهو حقّ» . تنبيهات الأول: الظاهر أن اليهود كانوا يحمدون وإلا لما شمّتهم النبي ﷺ . الثاني: قال النوري: - رحمه الله تعالى- يستحب وضع اليد على الفم إذا حصل التثاؤب في الصلاة، أو خارجها، وإنما يكره للمصلي وضع يده على فمه إذا لم يكن حاجته لها كالتثاؤب ونحوه. الثالث: قوله «فإن الشيطان يدخل» : قال الحافظ: يحتمل أن يراد به الدخول حقيقة، ويحتمل أن يراد بالدخول: التمكن منه. الرابع: قال ابن بطال: إضافة التثاؤب إلى الشيطان بمعنى إضافة الرضى والإرادة أي: أن الشيطان يحبّ أن يرى الإنسان متثائبا، لأنها حالة تتغير فيها صورته، فيضحك منه إلا أن المراد أن الشيطان فعل التثاؤب. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: قد بيّنا أن كل فعل مكروه أضافه الشرع إلى الشيطان، لأنه واسطة، وأن كل فعل حسن نسبه الشرع إلى الملك، لأنه واسطة، قال: والتثاؤب من الامتلاء وينشأ عنه التكاسل، وذلك بواسطة الشيطان، والعطاس من تقليل الغذاء وينشأ عنه النّشاط، وذلك بواسطة الملك. وقال النووي: - رحمه الله تعالى- أضيف التثاؤب إلى الشيطان، لأنه يدعو إلى الشّهوات إذ يكون عن ثقل البدن، واسترخائه وامتلائه، والمراد التحذير من السبب الذي يتولد عنه ذلك، وهو التوسع في المآكل. قال العلماء: ومعنى «إن الله يحبّ العطاس» أن سببه محمود، وهو خفّة الجسم التي تكون لقلة الأخلاط وتخفيف الغذاء، وهو أمر مندوب إليه، لأنه يضعّف الشّهوة، ويسهّل الطاعة والتثاؤب بضد ذلك، وفي فتاوى شيخنا- رحمه الله تعالى- الجمع بين قوله ﷺ «العطاس في الصلاة والنعاس والتثاؤب من الشيطان» كما رواه الترمذي وحديث «إن الله يحبّ العطاس في الصلاة» رواه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- موقوفاً بسند ضعيف بأن المقام مقامان مقام إطلاق ومقام نسبي، فأما مقام الإطلاق، فإن التثاؤب والعطاس في الصلاة كلاهما من الشيطان، وعليه يحمل حديث الترمذي الأول، وأما المقام النسبي، فإذا وقعا في الصلاة مع كونهما من الشيطان فالعطاس أحبّ إلى الله تعالى من التّثاؤب، والتثاؤب

стр. 4145

فيها أكره إلى الله تعالى من العطاس فيها، وعلى هذا يحمل أثر ابن أبي شيبة، فهو راجع إلى تفاوت رتب بعض المكروه على بعض، هذا على تقدير ثبوت لفظ في الصلاة في الأثر. الخامس: قال الحافظ أبو الفضل العراقيّ: أكثر الروايات فيها أن التثاؤب من الشيطان، ووقع في رواية تقيدها بحالة الصلاة فيحتمل أن يحمل المطلق على المقيد في الأمر لا في النهي، ويحتمل أن يكون كراهته في الصلاة أشد، ولا يلزم من ذلك أن لا يكره في غير حالة الصلاة، ويؤكد ذلك كونه من الشيطان، وقد صرح النووي- رحمه الله تعالى- في «التحقيق» بكراهة التثاؤب أيضا في غير الصلاة ويؤيد ذلك لكونه من الشيطان. السادس: قال القاضي أبو بكر بن العربي: ينبغي كظم التثاؤب في كل حال ما استطاع وإنما خص الصلاة، لأنها أولى الأحوال بدفعه لما فيه من الخروج عن اعتدال الهيئة واعوجاج الخلقة انتهى. السابع: قال الحافظ أبو الفضل العراقيّ: قد جاء في الأثر نسب الشيطان في التثاؤب للمصلّي. روى ابن أبي شيبة في المصنف بسند صحيح عن عبد الرحمن بن زيد أحد التابعين عن كعب قال: نبّئت أنّ للشّيطان قارورة يشمها القوم في الصلاة كي يتثاءبوا، وفي رواية قال: إن للشيطان قارورة فيها تفوح، فإذا قاموا للصلاة تنشقوها، فأمروا عند ذلك بالانتشار. الثامن: من الخصائص النبوية عدم التثاؤب. روى البخاري في الأدب وفي التاريخ وابن أبي شيبة في مصنّفه عن يزيد بن الأصم- رضي الله تعالى عنه- قال: «ما تثاءب النبي ﷺ قطّ» . وروى الخطّابيّ عن سلمة بن عبد الملك بن مروان وقد أدرك بعض الصحابة، وهو صدوق «ما تثاءب نبيّ قطّ» . التاسع: في بيان غريب ما سبق. يكظم: - بفتح الياء التحتية، وكسر الظاء المعجمة- أي: يحبسه ما أمكنه.

стр. 4146

الباب الخامس في سيرته- ﷺ في الأطفال ومحبته لهم ومداعبته إياهم وسيرته في النساء غير نسائه وفي أنواع: الأول: في سيرته ﷺ في المولود . روى الطبراني عن أبي رافع- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ أذّن في أذن الحسن والحسين حين ولدا وأمر به. وروى الطبراني عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: أما حسن وحسين ومحسن، فإنما سماهم رسول الله ﷺ وعقّ عنهم، وحلق رؤوسهم وتصدّق بوزنها وأمر بهم فسروا وختنوا. وروى الطبراني والبزار بسند جيد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ أمر برأس الحسن والحسين يوم سابعة أن يحلق ويتصدق بوزنه فضّة وسبق لهذا مزيد بيان في باب سيرته ﷺ في العقيقة. الثاني: في سيرته ﷺ في الأطفال. روى البخاري في الأدب المفرد عن البراء- رضي الله تعالى عنه- قال: رأيت رسول الله ﷺ والحسن بن علي على عاتقه وهو يقول: «اللهم، إني أحبه فأحبه» . وروى أحمد بن منيع برجال ثقات عن الحسن بن علي أو الحسين بن علي قال حدثتنا امرأة من أهلي، قالت: بينا رسول الله ﷺ مستلقيا على ظهره يلاعب صبيا على صدره، إذ بال فقامت لتأخذه فقال: دعوه ... الحديث. وروى ابن أبي شيبة عن أبي ليلى- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت عند رسول الله ﷺ وعلى صدره أو بطنه الحسن، والحسين فبال: فرأيت بوله أساريع فقمت إليه فقال: دعوا ابني، فلا تفزعوه. وعن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: أتقبّلون صبيانكم؟ فقال: فما نقبلهم، فقال رسول الله ﷺ : «أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة» . وعن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قبل الحسن بن علي- رضي الله تعالى عنه- وعنده الأقرع بن حابس التيمي، فقال الأقرع: إن لي عشرةً من الولد ما قبّلت أحدا منهم فنظر إليه ﷺ ثم قال: «إن من لا يرحم لا يرحم» .

стр. 4147

وعنه أيضا أن رسول الله ﷺ أخذ بيديه جميعا بكفّي الحسن والحسين وقدماهما على قدمي رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يقول: «ارق، فرقى الغلام» حتى وضع الغلام قدميه على صدر رسول الله ﷺ ثم قال رسول الله ﷺ افتح فاك، ثم قبله ثم قال: «اللهمّ، أحبّه، فإنّي أحبّه» رواه البخاري في الأدب. وروى الإمام أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة عن محمود بن الربيع- رضي الله تعالى عنه- قال: عقلت من رسول الله ﷺ مجة مجّها في وجهي من دلو، وفي لفظ: «بئر» في دارنا وأنا ابن خمس سنين. روى الطبراني عن موسى بن طلحة- رضي الله تعالى عنهما- قال: دخلت على رسول الله ﷺ أنا وعلقمة معي، فوجدناه يأكل تمرا في قناع، ومعه ناس من أصحابه فقبض لنا من ذلك قبضة، ومسح على رؤوسنا، وروى الطبراني عن كثير بن العباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول الله ﷺ يجمعنا أنا وعبد الله وعبيد الله فيفرّج يديه هكذا يمد باعه ويقول: «من سبق إليّ فله كذا وكذا» . وروى الإمام أحمد بسند جيد عن عبد الله بن الحارث- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ يصف عبد الله وعبيد الله، وكثير بن العباس ثم يقول «من سبق إليّ فله كذا وكذا» فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره، فيقبلهم ويلتزمهم. وروى البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: ما رأيت حسنا- رضي الله تعالى عنه- إلا فاضت عيناي دموعا، وذلك أن رسول الله ﷺ خرج يوما فوجدني في المسجد فأخذ بيدي، فانطلقت معه فما كلمني حتى جئنا سوق بني قينقاع فطاف فيه ونظر ثم انصرف وأنا معه حتى جئنا المسجد فجلس فينا، فقال: أين لكاع، ادع لي لكاع فجاء حسن يشتد، فوقع في حجره، ثم أدخل يده في لحيته، ثم جعل رسول الله ﷺ يفتح فاه فيدخل فاه في فيه ثم قال: «اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبّه» . وروى البخاري عن أمّ خالد- رضي الله تعالى عنهما- قالت: أتيت رسول الله ﷺ مع أبي وعليّ قميص أصفر، فقال رسول الله ﷺ : سنه سنه. وهي بالحبشيّة: حسنة حسنة قالت: فذهبت ألعب بخاتم النّبوّة فزبرني أبي، فقال رسول الله ﷺ : دعها. ثم قال رسول الله ﷺ : «أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي» قال عبد الله: فبقيت حتى ذكر. وروى البخاري في الأدب عن يعلى بن مرة- رضي الله تعالى عنه- قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ودعينا إلى طعام فإذا بحسين يلعب في الطريق، فأسرع رسول الله ﷺ أمام

стр. 4148

القوم ثم بسط يديه، فجعل يمره مرا هاهنا، مرة هاهنا يضحكه حتى أخذه، فجعل إحدى يديه في ذقنه، والأخرى بين رأسه ثم اعتنقه فقبّله ثم قال رسول الله ﷺ : «حسين مني وأنا منه، أحب الله من أحبّ الحسين، والحسن والحسين سبطان من الأسباط» . وروى الطبراني بسند حسن عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كانت لي ذؤابة وكان رسول الله ﷺ يمدّها، ويأخذ منها. وروى أبو يعلى بسند حسن عن أبي يحيى الكلاعيّ، قال: أتيت المقدام بن معد يكرب في المسجد، فقلت له: يا أبا كريمة، إن الناس يزعمون أنّك لم تر رسول الله ﷺ قال: سبحان الله! لقد رأيته وإني لأمشي مع عم لي فأخذ بأذني هذه، وقال لعمي: أترى هذا يذكر أمّه وأباه؟ الحديث. وروى مسلم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أنه كان يمشي مع رسول الله ﷺ فيمر بصبيان، فيسلم عليهم. وروى النّسائيّ عنه أيضاً قال: كان رسول الله ﷺ يزور الأنصار فيسلم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم، ويدعو لهم. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن الوليد بن عقبة قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة جعل أهل مكّة يأتونه بصبيانهم، فيمسح على رؤوسهم، ويدعو لهم. وروى ابن مردويه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ بينما هو يخطب النّاس على المنبر، خرج حسين بن علي فوطئ في ثوب كان عليه فسقط، فبكى فنزل رسول الله ﷺ عن المنبر، فلما رآه الناس سعوا إلى الحسين يتعاطونه بعطيّة بعضهم بعضا، حتى وقع في يد رسول الله ﷺ فقال: «قاتل الله الشّيطان، إن الولد لفتنة، والذي نفسي بيده، ما دريت أنّي نزلت عن منبري» . وروى ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير مرسلا قال: سمع رسول الله ﷺ بكاء حسن أو حسين فقال النبي ﷺ : «الولد فتنة، لقد قمت إليه، وما أعقل» . الثالث: في سيرته ﷺ مع النّساء غير زوجاته . روى الترمذي عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ مرّ في المسجد وعصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتّسليم، وأشار عبد الحميد بيده. وروى الحميديّ عنها قالت: مر رسول الله ﷺ وأنا في نسوة، فسلّم علينا. وروى ابن أبي شيبة ومسلم والبرقاني عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن امرأة أتت

стр. 4149

رسول الله ﷺ في عقلها شيء فقالت: إن لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان، انظري أيّ الطريق شئت قومي فيه، حتى أقوم معك فقام معها، فناجاها حتى قضى حاجتها وروى البخاري عنه أيضا قال: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة تأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت. وروى عن عبد الله بن أبي أوفى- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين في قضاء الحاجة. وروى عبد بن حميد عن عدي بن حاتم- رضي الله تعالى عنه- قال: أتينا رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم، وجب بغير أمان ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وقد كنت قبل ذلك لا أرجو أن يجعل الله تعالى يده في يدي، قال: فقام إلى بيته فلقيته امرأة وصبيّ معها، فقالا: إن بنا إليك حاجة فقام معها، حتّى قضى حاجتها. وروى النسائي عن أبي موسى- رضي الله تعالى عنه- قال: بينما رسول الله ﷺ يمشي وامرأة بين يديه، فقلت: الطريق للنبي ﷺ قالت: الطريق معترض إن شاء أخذ يمينا، وإن شاء أخذ شمالا، فقال رسول الله ﷺ : «دعها فإنّها جبّارة» انتهى والله أعلم.

стр. 4150

الباب السادس في سيرته- ﷺ عند الغضب وفيه أنواع: الأول: فيما يقال ويفعل . روي عن سليمان بن صرد- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت جالسا مع رسول الله ﷺ وقد استبّ رجلان عند النبي ﷺ فجعل أحدهما يغضب وقد احمرّ وجهه، وانتفخت أوداجه، فنظر إليه رسول الله ﷺ [ (١) ] فقال: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه، «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» فقام رجل إلى ذلك الرجل، فقال: أتدري ما قال؟ قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال الرجل: أمجنونا تراني؟. وعن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «علّموا ويسّروا، علّموا ويسّروا» ، قالها: ثلاثا، وإذا غضبت فاسكت رواهما البخاري في الأدب. وروى أبو داود وابن حبان عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «إذا غضب أحدكم، وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلّا فليضطجع» . وروى أبو داود عن ابن المسيب- رحمه الله تعالى- قال: بينما رسول الله ﷺ جالس، ومع أصحابه، وقع رجل بأبي بكر فأذاه، فصمت عنه أبو بكر. ثم آذاه الثانية، فصمت عنه أبو بكر، ثم آذاه الثّالثة، فانتصر منه أبو بكر، فقام رسول الله ﷺ حين انتصر أبو بكر، فقال أبو بكر: أوجدتّ علي يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «نزل ملك من السماء يكذبه بما قال لك، فلما انتصرت وقع الشيطان فلم أكن لأجلس، إذ وقع الشّيطان» .

стр. 4151

الباب السابع في شفاعته- ﷺ والشفاعة إليه وفيه أنواع: الأول: في ردّ بريرة- رضي الله تعالى عنها- بشفاعته وعدم غضبه عليها، وعدم مؤاخذته لها . الثاني: في أمره بالشفاعة إليه ﷺ . روى مسدد عن معاوية- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «اشفعوا تؤجروا، فإني لأريد الأمر فأؤخره كيما تشفعوا فتؤجروا» . الثالث: في شفاعته ﷺ . روى الطبراني برجال الصحيح عن ابن كعب بن مالك قال: كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا من خير شباب قومه لا يسأل شيئاً إلا أعطاه حتى ادّان دينا أغلق ماله قال: فكلم رسول الله ﷺ أن يكلّم غرماءه ففعل، فلم يضعوا له شيئا، فلو ترك لأحد بكلام أحد لترك لمعاذ بكلام رسول الله ﷺ ، فدعاه رسول الله ﷺ فلم يبرح حتى باع ماله وقسّمه بين غرمائه، فقام معاذ لا مال له فلمّا حجّ بعثه النبي ﷺ إلى اليمن ليجبر قال وكان أول من بحر في هذا المال معاذ فقدم على أبي من اليمن وقد توفي رسول الله ﷺ .

стр. 4152

الباب الثامن في زيارته- ﷺ لأصحابه وإصلاحه بينهم روى الإمام أحمد وأبو داود عن قيس بن سعد بن عبادة- رضي الله تعالى عنهما- قال: زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا.... وتقدم بتمامه في أبواب هديه في الاستئذان. وروى أبو إسحاق وأبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم. وروى الإمام أحمد وأبو داد وعن جابر- رضي الله تعالى عنه- فقال: أتانا رسول الله ﷺ زائرا في منزلنا..... وذكر الحديث. وروى الإمام أحمد والنسائي عن أبي رافع- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث عندهم حتّى ينحدر للمغرب. وروى أبو داود عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ يزور أم سليم فتدركه الصلاة، فيصلي أحيانا على بساط لنا، وهو حصير لنا ننضحه بالماء. وروى الإمام أحمد والنسائيّ والدّارقطني وأبو داود عن الفضل بن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: زار رسول الله ﷺ العباس في بادية له، الحديث. وروى الإمام أحمد وأبو داود والدّارقطني عن أم ورقة بنت نوفل أن رسول الله ﷺ لما غزا بدرا قالت: قلت له: يا رسول الله، ائذن لي في الغزو معك أمرّض مرضاكم، لعل الله أن يرزقني شهادة، قال: «قري في بيتك، فإن الله- يرزقك الشهادة» قال: فكانت تسمى الشهيدة، قال: وكانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في دارها مؤذّنا، فأذن لها، قال: وكانت قد دبرت غلاما لها وجارية، فقاما إليها باللّيل فغماها بقطيفة لها حتّى ماتت وذهبا، فأصبح عمر، فقام في الناس فقال: من كان عنده من هذين علم، أو من رآهما فليجئ بهما، فأمر بهما فصلبا، فكانا أول مصلوب بالمدينة. وروى ابن أبي شيبة عن أم بشر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ دخل عليها، وهي تطبخ حشيشا، الحديث. وروى البخاري عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله ﷺ فقال: «اذهبوا بنا نصلح بينهم» .

стр. 4153

الباب التاسع في سؤاله الدعاء من بعض أصحابه وتأمينه على دعاء بعضهم- ﷺ - روى الحاكم في المستدرك عن زيد بن ثابت- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند رسول اللَّه ﷺ فقال: ادعوا فدعوت أنا، وصاحبي وأمّن النبي ﷺ ثم دعا أبو هريرة- رضي اللَّه تعالى عنه- فقال: «اللهم، إني أسألك مثل ما سألك صاحبي، وأسألك علما لا ينسى» فأمّن النبي ﷺ فقلنا: ونحن كذلك يا رسول اللَّه، قال: سبقكما الغلام الدّوسيّ. الباب العاشر في تهنئته- ﷺ - وفيه أنواع: الأول: في تمنيه ﷺ الشهادة . روى البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده، لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلّفت عن سريّة تغدو في سبيل اللَّه، والذي نفسي بيده لوددتّ أنّي أقتل في سبيل اللَّه ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا، ثمّ أقتل» . الثاني: في قوله ﷺ : «لو استقبلت من أمري ما استدبرت» . روى البخاري عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وأهللت مع الناس» . الثالث: في قوله ﷺ ذات ليلة ليت رجلا من أصحابي يحرسني اللّيلة قال: فبينا أنا على ذلك، إذ سمعت صوت السّلاح فقال: من هذا قال: أنا سعد يا رسول اللَّه، جئت أحرسك فنام رسول اللَّه ﷺ حتّى سمعنا غطيطه.

стр. 4154

الباب الحادي عشر في سيرته- ﷺ في العذر والاعتذار وفيه أنواع: الأول: في تحذيره ﷺ من عدم قبول العذر . روى ابن ماجة عن جوذان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «من اعتذر إلى أخيه بمعذرة، فلم يقبلها، كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس» . والثاني: في اعتذاره ﷺ إلى بعض أصحابه- رضي اللَّه تعالى عنهم -. وروى الشيخان عن جابر- رضي اللَّه تعالى عنه- أنه سلّم على رسول اللَّه ﷺ وهو يصلي فلم يرد عليه فلما انصرف، قال: إنّه لم يمنعني أن أرّد عليك إلا أني كنت أصلّي. الثالث: في قبوله ﷺ عذر من اعتذر إليه . [روى مسلم عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، أن عبد اللَّه بن كعب كان قائد كعب، من بنيه، حين عمي. قال: سمعت بن مالك يحدّث حديثه حين تخلّف عن رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول اللَّه ﷺ في غزوة غزاها قطّ. إلّا في غزوة تبوك. غير أنّي قد تخلّفت في غزوة بدر. ولم يعاتب أحدا تخلّف عنه. إنّما خرج رسول اللَّه ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش. حتّى جمع اللَّه بينهم وبين عدوّهم، على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول اللَّه ﷺ ليلة العقبة. حين تواثقنا على الإسلام. وما أحبّ أنّ لي بها مشهد بدر. وإن كانت بدر أذكر في النّاس منها. وكان من خبري، حين تخلّفت عن رسول اللَّه ﷺ ، في غزوة تبوك، أني لم أكن قطّ أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنه في تلك الغزوة. واللَّه! ما جمعت قبلها راحلتين قطّ. حتّى جمعتهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول اللَّه ﷺ في حر شديد. واستقبل سفرا بعيدا ومفازا. واستقبل عدوّا كثيرا. فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة غزوهم. فأخبرهم بوجههم الذي يريد. والمسلمون مع رسول اللَّه ﷺ كثير. ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد بذلك الدّيوان. قال كعب: فقلّ رجل يريد أن يتغيّب، يظنّ أنّ ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من اللَّه . وغزا رسول اللَّه ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثّمار والظّلال. فأنا إليها أصعر. فتجهّز رسول اللَّه ﷺ والمسلمون معه. وطفقت أغدو لكي أتجهّز معهم. فأرجع ولم أقض شيئا. وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك، إذا أردت. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتّى استمرّ بالنّاس الجدّ. فأصبح رسول اللَّه ﷺ غاديا والمسلمون معه. ولم أقض من جهازي شيئا. ثمّ غدوت

стр. 4155

فرجعت ولم أقض شيئا. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتّى أسرعوا وتفارط الغزو. فهممت أن أرتحل فأدركهم. فيا ليتني فعلت. ثمّ لم يقدّر ذلك لي. فطفقت، إذا خرجت في النّاس، بعد خروج رسول اللَّه ﷺ ، يحزنني أنّي لا أرى لي أسوة. إلّا رجلا مغموصا عليه في النّفاق. أو رجلا ممّن عذر اللَّه من الضعفاء. ولم يذكرني رسول اللَّه ﷺ حتّى بلغ تبوكا فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟» قال رجل من بني سلمة: يا رسول اللَّه! حبسه برداه والنّظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت. واللَّه! يا رسول اللَّه! ما علمنا عليه إلّا خيرا. فسكت رسول اللَّه ﷺ . فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيّضا يزول به السّراب فقال رسول اللَّه ﷺ «كن أبا خيثمة» فإذا هو أبو خيثمة الأنصاريّ. وهو الذي تصدّق بصاع التّمر حين لمزه المنافقون. فقال كعب بن مالك: فلمّا بلغني أن رسول اللَّه ﷺ قد توجّه قافلا من تبوك، حضرني بثّي. فطفقت أتذكّر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي. فلمّا قيل لي: أن رسول اللَّه ﷺ قد أظلّ قادما، زاح عنّي الباطل. حتّى عرفت أنّي لن أنجو منه بشيء أبدا. فأجمعت صدقه. وصبّح رسول اللَّه ﷺ قادما. وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثمّ جلس للنّاس. فلمّا فعل ذلك جاءه المخلّفون. فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له. وكانوا بضعة وثمانين رجلا. فقبل منهم رسول اللَّه ﷺ علانيتهم. وبايعهم واستغفر لهم. ووكل سرائرهم إلى اللَّه. حتى جئت. فلمّا سلّمت، تبسّم تبسّم المغضب ثمّ قال «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه. فقال لي «ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» قال قلت: يا رسول اللَّه! إني، واللَّه! لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر. ولقد أعطيت جدلا. ولكنيّ، واللَّه! لقد علمت، لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي، ليوشكنّ اللَّه أن يسخطك عليّ. ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إنّي لأرجو فيه عقبى اللَّه. واللَّه! ما كان لي عذر. واللَّه! ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك. قال رسول اللَّه ﷺ «أمّا هذا، فقد صدق. فقم حتى يقضي اللَّه فيك» فقمت. وثار رجال من بني سلمة فاتّبعوني. فقالوا لي: واللَّه! ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا. لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللَّه ﷺ ، بما اعتذر به إليه المخلّفون. فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول اللَّه ﷺ لك. قال: فو اللَّه! ما زالوا يؤنّبونني حتّى أردت أن أرجع إلى رسول اللَّه ﷺ . فأكذّب نفسي. قال ثمّ قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم. لقيه معك رجلان. قالا مثل ما قلت. فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامري، وهلال بن أميّة

стр. 4156

الواقفيّ. قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة. قال فمضيت حين ذكروهما لي. قال ونهى رسول اللَّه ﷺ المسلمين عن كلامنا، أيّها الثّلاثة، من بين من تخلّف عنه. قال، فاجتنبنا النّاس. وقال، تغيّروا لنا حتّى تنكّرت لي في نفسي الأرض. فما هي بالأرض التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأمّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان. وأمّا أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم. فكنت أخرج فأشهد الصّلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلّمني أحد. وأتى رسول اللَّه ﷺ فأسلّم عليه، وهو في مجلسه بعد الصّلاة. فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السّلام، أم لا؟ ثم أصلّي قريبا منه وأسارقه النّظر. فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ. وإذا التفتّ نحوه أعرض عنّي حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين، مشيت حتّى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمّي، وأحبّ النّاس إليّ. فسلّمت عليه. فو اللَّه! ما ردّ عليّ السّلام. فقلت له: يا أبا قتادة! أنشدك باللَّه! هل تعلمنّ أنّي أحبّ اللَّه ورسوله؟ قال فسكت. فعدت فناشدته. فسكت فعدت فناشدته. فقال: اللَّه ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتولّيت، حتى تسوّرت الجدار. فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطيّ من نبط أهل الشّام، ممّن قدم بالطّعام يبيعه بالمدينة. يقول: من يدل على كعب بن مالك. قال فطفق النّاس يشيرون له إليّ. حتّى جاءني فدفع إليّ كتابا من ملك غسّان. وكنت كاتبا. فقرأته فإذا فيه: أمّا بعد. فإنّه قد بلغنا إن صاحبك قد جفاك. ولم يجعلك اللَّه بدار هوان ولا مضيعة. فالحق بنا نواسك. قال فقلت، حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء. فتياممت بها التّنور فسجرتها بها. حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، إذا رسول رسول اللَّه ﷺ يأتيني فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال فقلت: أطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا. بل اعتزلها. فلا تقربنّها. قال فأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك. قال فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي اللَّه في هذا الأمر. قال فجاءت امرأة هلال بن أميّة رسول اللَّه ﷺ . فقالت له: يا رسول اللَّه! إنّ هلال بن أميّة شيخ ضائع ليس له خادم. فهل تكره أن أخدمه؟ قال «لا. ولكن لا يقربنّك» فقالت: إنّه، واللَّه! ما به حركة إلى شيء. وو اللَّه! ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان. إلى يومه هذا. قال فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول اللَّه ﷺ في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول اللَّه ﷺ . وما يدريني ماذا يقول رسول اللَّه ﷺ ، إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب. قال فلبثت بذلك عشر ليال. فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال ثمّ صلّيت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة، على

стр. 4157

ظهر بيت من بيوتنا. فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللَّه منّا. قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول، بأعلى صوته: يا كعب بن مالك! أبشر. قال فخررت ساجدا. وعرفت أن قد جاء فرج. قال فآذن رسول اللَّه ﷺ النّاس بتوبة اللَّه علينا، حين صلّى صلاة الفجر، فذهب النّاس يبشّروننا. فذهب قبل صاحبيّ مبشّرون. وركض رجل إليّ فرسا. وسعى ساع من أسلم قبلي. وأوفى الجبل. فكان الصّوت أسرع من الفرس. فلمّا جاءني الّذي سمعت صوته يبشّرني. فنزعت له ثوبيّ فكسوتهما إيّاه ببشارته. واللَّه! ما أملك غيرهما يومئذ،. واستعرت ثوبين فلبستهما. فانطلقت أتأمّم رسول اللَّه ﷺ يتلقّاني النّاس فوجا فوجا، يهنّئوني بالتّوبة ويقولون: لتهنئك توبة اللَّه عليك. حتّى دخلت المسجد، فإذا رسول اللَّه ﷺ جالس في المسجد، وحوله النّاس. فقام طلحة بن عبيد اللَّه يهرول حتّى صافحني وهنّأني. واللَّه! ما قام رجل من المهاجرين غيره. قال فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلمّا سلّمت على رسول اللَّه ﷺ قال، وهو يبرق وجهه من السّرور ويقول: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» قال فقلت: أمن عندك؟ يا رسول اللَّه! أم من عند اللَّه؟ فقال: «لا. بل من عند اللَّه» وكان رسول اللَّه ﷺ إذا سرّ استنار وجهه. كأنّ وجهه قطعة قمر. قال وكنّا نعرف ذلك. قال فلمّا جلست بين يديه قلت: يا رسول اللَّه! إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللَّه وإلى رسوله ﷺ . فقال رسول اللَّه ﷺ : «أمسك بعض مالك. فهو خير لك» قال فقلت: فإنّي أمسك سهمي الذي بخيبر. قال وقلت: يا رسول اللَّه! إنّ اللَّه إنّما أنجاني بالصّدق وإنّ من توبتي أن لا أحدّث إلّا صدقا ما بقيت. قال فو اللَّه! ما علمت أنّ أحدا من المسلمين أبلاه اللَّه في صدق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ إلى يومي هذا، أحسن ممّا أبلاني اللَّه به. واللَّه! ما تعمّدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، إلى يومي هذا. وإني لأرجو أن يحفظني اللَّه فيما بقي. قال: فأنزل اللَّه لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ، إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ [التوبة/ ١١٧ و ١١٨] حتّى بلغ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة/ ١١٩] .

стр. 4158

قال كعب: واللَّه! ما أنعم اللَّه على من نعمة قطّ، بعد إذ هداني اللَّه للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول اللَّه ﷺ . أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا. إنّ اللَّه قال للّذين كذبوا، حين أنزل الوحي، شرّ ما قال لأحد. وقال اللَّه: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ، وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [التوبة/ ٩٥ و ٩٦] . قال كعب: كنّا خلّفنا، أيّها الثّلاثة، عن أمر أولئك الّذين قبل منهم رسول اللَّه ﷺ حين حلفوا له. فبايعهم واستغفر لهم. وأرجأ رسول اللَّه ﷺ أمرنا حتّى قضى اللَّه فيه. فبذلك قال اللَّه : وعلى الثّلاثة الذين خلّفوا. وليس الذي ذكر اللَّه ممّا خلّفنا، تخلّفنا عن الغزو. وإنّما هو تخليفه إيّانا، وإرجاؤه أمرنا، عمّن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.

стр. 4159

الباب الثاني عشر في صفة دخوله بيته وخروجه منه ومخالطته الناس وحديث أصحابه بين يديه واستماعه لهم وحديثه معهم وسمره- ﷺ - وفيه أنواع: الأول: في سيرته ﷺ وسلم- في دخوله بيته وخروجه منه . روى الترمذي والبيهقي عن الحسن بن علي- رضي اللَّه تعالى عنهما- قال: سألت أبي عن مدخل رسول اللَّه ﷺ قال: كان مدخله لنفسه مأذونا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء، جزءا للَّه تعالى، وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه ثم جزّأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامّة والخاصّة، ولا يدّخر عنهم شيئا، وكان من سيرته ﷺ في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما يصلحهم والأمة من مساءلتهم عنه وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: ليبلّغ الشّاهد منكم الغائب وبلّغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي عن حاجته وفي لفظ «إبلاغها» «فإن من بلّغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبّت اللَّه تعالى قدميه يوم القيامة» لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون عليه روّادا ولا يتفرقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلة يعني على الخير وفي لفظ يعني فقها. وقوله: «فيرد ذلك على العامة والخاصة أراد أن العامة كانت لا تصل إليه في هذا الوقت، وكانت الخاصة غير العامة بما سمعت منه فكأنه أوصل الفوائد إلى العامّة بالخاصّة. وقيل: إن الباء في «بالخاصّة» بمعنى من أي: فجعل وقت الخاصة بعد وقت العامة، وبدلا منهم. والروّاد: جمع رائد، وهو الذي يتقدم القوم يكشف لهم حال الماء والمرعى قبل وصولهم له. ويخرجون أدلة أي: يدلون الناس بما قد علموه منه وعرفوه، يريد أنهم يخرجون من عنده فقهاء. ومن قال: «أذلّة» بذال معجمة جمع ذليل أي: يخرجون من عنده متواضعين. وقوله: «ولا يتفرّقون من عنده إلا عن ذواق» ضرب الذّواق مثالا لما ينالون عنده من

стр. 4160

الخير أي لا يتفرقون إلا عن علم يتعلّمونه يقوم لهم مقام الطّعام والشّراب، لأنّه يحفظ الأرواح كما يحفظ الأجسام. وروى الطبراني عن زيد بن عبد اللَّه بن خصيفة عن أبيه عن جده- رضي اللَّه تعالى عنه- أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته قال: «بسم اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه ما شاء اللَّه توكّلت على اللَّه، حسبي اللَّه ونعم الوكيل» . روى الطبراني عن ميمونة- رضي اللَّه تعالى عنها- قالت: ما خرج رسول اللَّه ﷺ من بيتي قطّ إلا رفع طرفه إلى السماء، فقال: «اللهم إني أعوذ بك من أن أضلّ أو أضلّ أو أزلّ أو أزلّ أو أجهل أو يجهل عليّ أو أظلم أو أظلم» . وروى الشيخان عن أنس- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رجلا اطّلع في بعض حجر النبي ﷺ فقام إليه بمشقص أو بمشاقص، وجعل يختله ليطعنه. وروي عن سهل بن سعد الساعدي- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رجلا اطّلع في حجر في باب رسول اللَّه ﷺ ومع رسول اللَّه ﷺ مدرى يحكّ به رأسه- فلما رآه رسول اللَّه ﷺ قال: لو أعلم أنّك تنتظرني لطعنت به في عينيك قال رسول اللَّه ﷺ : «إنّما جعل الإذن من قبل البصر» . الثاني: في مخاطبته ﷺ للناس . وروى أبو داود وأبو الشيخ عن ابن مسعود- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «لا يبلّغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا، فإنّي أحبّ أن أخرج إليهم، وأنا سليم الصّدر» . ورواه التّرمذيّ وزاد «قال عبد اللَّه: فأتى رسول اللَّه ﷺ بمال فقسّمه النبي ﷺ فانتهيت إلى رجلين جالسين وهما يقولان: ما أراد محمد بالقسمة التي قسمها، وجه اللَّه تعالى، ولا الدّار الآخرة فتثبّت حين سمعتها فأتيته فأخبرته فقال: «دعني عنك فقد أوذى موسى بأكثر من ذلك فصبر» . وروى البيهقي عن علي- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: كان رسول اللَّه ﷺ أجود الناس كفا وأصدقهم لهجة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبّه يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ . وروى الترمذي عنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ يخزن لسانه إلّا فيما يعنيه دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا فحّاش، ولا عيّاب ولا مشاحّ، يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه.

стр. 4161

وترك النّاس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا ولا يعيره ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلّم إلّا فيما رجا ثوابه، إذا تكلّم أطرق جلساؤه، وكأنما على رؤوسهم الطّير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب مما يتعجّبون منه. ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ويقول: «إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرفدوه ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتّى يجوز فيه فيقطعه بنهي أو قيام» ويؤلّفهم ولا ينفرهم ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويحذّر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسّن الحسن ويقويه، ويقبّح القبيح ويوهيه معتدل الأمر غير مختلف، ولا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة لا يقوم من مجلسه إلّا على ذكر، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك ولا يوطّن المواطن وينهى عن إيطانها، يعطي كلّ جلسائه بنصيبه ولا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، ومن سأله حاجة لم يردّه إلّا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس علم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته متعادلين، يتفاضلون فيه بالتّقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب» . وروى الإمام أحمد وابن سعد عن جابر بن سمرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ طويل الصّمت، وكان أصحابه يتناشدون الأشعار في المسجد وأشياء من أمور الجاهلية فيضحكون ويتبسم. وروى ابن سعد والترمذي في الشمائل عن زيد بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكرنا الدّنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا. وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت عند رسول الله ﷺ في رجال من قريش، فذكروا النّساء فتحدثوا فيهن، فتحدث معهم حتى أحببت أن يسكت. وروى الخرائطي عن أبي حازم وحفص بن عبد الله بن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ كان يحدث أصحابه عن أمر الآخرة، فإذا رآهم قد كسلوا عرف ذلك فيهم

стр. 4162

حدّثهم في بعض أحاديث الدّنيا، حتى إذا نشطوا أقبل يحدثهم في حديث الآخرة. شرح غريب ما سبق. البشر: بكسر الباء الموحدة طلاقة الوجه وبشاشته. الصخاب: من الصخب وهو الضجة، واختلاط الأصوات للخصام. الفحاش والعياب: فعال من الفحش في القول وعيب الناس والوقيعة فيهم. تؤبن: بضم المثناة الفوقية وبهمزة ساكنة وموحدة ونون أي لا يقذف، ولا يرمي بعيب. الحرم: جمع حرمة وهي المرأة. لا تنثى فلتاته: بضم المثناة الفوقية ونون فمثلثة أي لا يتحدث بهفوة أو نزلة كانت في مجلسه من بعض القوم، يقال: نثوت الحديث أنثوه نثوا إذا ادعيته والفلتات جمع فلتة، وهو ها هنا السقطة والزلة. وقوله: كأنما على رؤسهم الطير يريد أنهم يسكنون ولا يتحركون ويغضّون أبصارهم، والطير لا تسقط إلا على ساكن. وقوله: «لا يقبل الثناء إلا من مكافئ» إلى آخره يريد أنه إذا ابتدأ بثناء ومدح عرف ذلك إذا اصطنع معروفا فاثنى عليه مثن، وشكر له قبل ثناء وأنكر ابن الأعرابي هذا التأويل، وقال: المعنى لا يقبل الثناء عليه ممن يعرف حقيقة إسلامه، ويكون من المنافقين الذين يقولون بأفواههم، ما ليس في قلوبهم. وقال الأزهري: معناه لا يقبل إلا من مقارب غير مجاوز حد مثله، ولا يقتصر عما دفعه الله تعالى إليه. والمكافأة: المجاوزة على الشيء. وروى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، كيف أصبحت؟ قال: «بخير من رجل لم يصبح صائما، ولم يعد سقيما» . الثالث: في حديث أصحابه بين يديه واستماعه لهم ﷺ . روى ابن أبي شيبة وأبو الحسن بن الضحاك عن سماك بن حرب- رحمه اللَّه تعالى- قال قلت: لجابر بن سمرة أكنت تجالس رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم كثيرا: كان يطيل الصّمت، وكان يصلي الصبح، فيجلس ونجلس معه، فيتذاكرون الشّعر وأمر الجاهليّة فيضحكون، ويتبسم الرسول ﷺ ورواه الإمام احمد وابن سعد عن جابر. وروى الحارث بن أبي أسامة وأبو الحسن بن الضحاك عن خارجة بن زيد بن ثابت- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: دخل نفر على أبي زيد بن ثابت، فقالوا: حدّثنا عن بعض أخلاق

стр. 4163

رسول اللَّه ﷺ ، قال: كنت جاره، وكان إذا نزل عليه الوحي بعث إليّ فأكتب الوحي، وكنّا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا فكل هذا أحدثكم عن رسول اللَّه ﷺ ورواه ابن سعد والترمذي عن زيد مختصرا. وروى الإمام أحمد عن عمران بن حصين والبزّار عن ابن عمر- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: كان رسول اللَّه ﷺ يحدّثنا ليلة عامّة عن بني إسرائيل حتى يصبح، لا يقوم فيها إلا لعظم صلاة. وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عن عثمان بن عبد اللَّه بن أوس عن جده أنه كان في الوفد الذين قدموا على رسول اللَّه ﷺ من بني مالك فأنزلهم رسول اللَّه ﷺ في قبة له بين المسجد وأهله، فكان يختلف إليهم فيحدثهم، بعد العشاء الآخرة. وروى أبو داود الطيالسي عنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ يأتينا فيحدّثنا بعد عشاء الآخرة، فاحتبس عنّا ليلة عن الوقت الذي كان، يأتينا فيه، فقال رسول اللَّه ﷺ : «إنه طرأ عليّ حزبي من القرآن، فأحببت أن لا أخرج حتّى أقرأه» ، أو قال أقضيه ... الحديث. وروى أبو سعيد بن الأعرابي عن عبد اللَّه بن عمرو- رضي اللَّه تعالى عنهما- قال: كان رسول اللَّه ﷺ كثيرا ما يحدثنا هذا الحديث، عن امرأة كانت ترضع صبيا لها على سفح جبل، فقال: يا أمّه من خلقك؟ قالت: اللَّه؟ قال: فمن خلق أبي؟ قالت: اللَّه قال: فمن خلق السّماء؟ قالت: اللَّه، قال: فمن خلق الأرض؟ قالت: اللَّه، قال: فمن خلق الجبل؟ قالت: اللَّه، قال: فمن خلق البقر؟ قالت: اللَّه، قال: فمن خلق الغنم؟ قالت: اللَّه، قال الطفل: إنّي لا أسمع للَّه شأنا فألقى نفسه من الجبل فتقطع انتهى.

стр. 4164

الباب الثالث عشر في وفائه بالعهد والوعد- ﷺ - روى البخاري عن أبي سفيان بن حرب- رضي اللَّه تعالى عنه- أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش ... الحديث، وفيه: وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرّسل لا تغدر. وروى ابن أبي خيثمة وأبو داود والخرائطيّ عن عبد اللَّه بن أبي الحسماء- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: بايعت رسول اللَّه ﷺ ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقية فوعدتّه أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاث، فجئت فإذا هو في مكانه فقال: يا أخي وفي لفظ يا فتى «لقد شفقت عليّ أنا ها هنا من منذ ثلاث أنتظرك» . وروى ابن العربي والحاكم، وقال على شرطهما وأقرّه الذهبي عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- قالت: جاءت عجوز إلى النبي ﷺ وهو عندي، فقال لها: من أنت؟ فقالت: أنا جثامة المزنيّة، قال: «بل أنت حسّانة المزنية كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟» قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، فلما خرجت، قلت: يا رسول اللَّه، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: «إنّها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان» . وروى الشيخان والترمذي عنها قالت: ما غرت على أحد من أزواج النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها ولقد هلكت قبل أن يتزوجني رسول اللَّه ﷺ بثلاث سنين لما كنت أسمعه يذكرها، وفي لفظ «وما بي أن أكون أدركتها، وما ذاك إلا لكثرة ذكر رسول اللَّه ﷺ لها» وقد أمره ربه- ﵎ أن يبشرها ببيت في الجنّة من قصب وإن كان ليذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائلها، وفي لفظ: «في صدائقها» ، وفي لفظ: «فيتبع بها صدائق خديجة فيهديها لهنّ» فربما قلت: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد فأغضبته يوما فقلت: «لقد أبلغك اللَّه» وفي لفظ «لقد أعقبك اللَّه من عجوز من عجائز قريش حمراء الشّدقين هلكت في الدهر الأول، قالت: فتغيّر وجهه ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي وإذا رأى مخيلة الرعد حين ينظر أرحمة هي أم عذاب؟ وفي لفظ: «كأن رسول اللَّه ﷺ إذا ذكر خديجة أحسن الثّناء عليها فقلت: ما تريحني منها، وقد أبد لك اللَّه خيرا منها، قال ﷺ : «ما أبدلني اللَّه خيرا منها آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذّبني النّاس، وواستني بما لها إذ حرمني الناس، ورزقني منها اللَّه الولد، إذ لم يكن لي من غيرها» .

стр. 4165

وروى الحاكم وصححه عن أنس- رضي اللَّه تعالى عنه- أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا أتى بشيء يقول: «اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة خديجة اذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت تحب خديجة» . «وروى البخاري عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- أنها قالت: استأذنت هالة بنت خويلد» [ (١) ]- أخت خديجة- على رسول اللَّه ﷺ فعرف النبي ﷺ استئذان خديجة، فارتاع لذلك، وفي لفظ «فارتاح لذلك» فقال: اللهمّ، هالة بنت خويلد قالت: فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر، قد أبدلك اللَّه خيرا منها.

стр. 4166

الباب الرابع عشر في إكرامه- ﷺ من يستحق إكرامه وتألّفه أهل الشّرف روى الإمام أحمد برجال الصحيح عن حميد بن هلال، قال: كان رجل من الطفاوة طريقه علينا يأتي على الحي، فحدثهم قال: أتيت المدينة مع عير لنا، فبعنا بضاعتنا، ثم قلت: لأنطلق إلى هذا الرجل فلآتينّ من بعدي بخبره فانتهيت إلى رسول اللَّه ﷺ فإذا هو يريني بيتا قال: أن امرأة كانت فيه فخرجت في سرية من المسلمين، وتركت اثنتي عشرة عنزا لها وصيصتها كانت تنسج بها، قال: ففقدت عنزا من غنمها وصيصتها، فقالت: يا رب، إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه، وإني قد فقدت عنزا من غنمي وصيصتي، وإنّي أنشدك عنزي وصيصتي، قال: فجعل رسول اللَّه ﷺ يذكر شدة منا شدتها لربها- ﵎ قال رسول اللَّه ﷺ : فأصبحت عنزها ومثلها وصيصيتها ومثلها وهاتيك فائتها فاسألها إن شئت قال: قلت: بل أصدّقك. وروى أبو الحسن بن الضحاك وأبو الشيخ والخرائطي عن جرير بن عبد اللَّه- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: لما بعث رسول اللَّه ﷺ أتيت لأبايعه، قال: ما جاء بك يا جرير، قلت: لأسلم على يديك، قال: فألقى إليّ كساء، ثم أقبل على أصحابه فقال: «إن أتاكم كريم قوم فأكرموه» ورواه أبو الشيخ والخرائطي عنه، قال: دخل رسول اللَّه ﷺ بعض بيوته فامتلأ البيت فقعد جرير خارج البيت، فأبصره رسول اللَّه ﷺ فأخذ ثوبه ورمى به إليه، وقال: اجلس على هذا فأخذه جرير فوضعه على وجهه وقبّله. وروى ابن سعد عن أشياخ من طيء قالوا: أن عدي بن حاتم قدم على رسول اللَّه ﷺ فسلّم عليه، وهو في المسجد، فقال: من الرّجل؟ قال عدي بن حاتم: فانطلق به إلى بيته وألقى إليه وسادة محشوّة بليف، وقال: «اجلس عليها» فجلس رسول اللَّه ﷺ على الأرض، وعرض عليه الإسلام، فأسلم عديّ، واستعمله رسول اللَّه ﷺ على صدقات قومه. وروى الترمذي عن عكرمة بن أبي جهل- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : يوم جئته «مرحبا بالرّاكب المهاجر» وذكر الرشاطي إن أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح الأصبحي الحميري، وفد على رسول اللَّه ﷺ ففرش له رداءه، وكان يعد من الحكماء.

стр. 4167

وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير في التهذيب وأبو يعلى وابن منده وابن عساكر عن صفوان بن أمية، قال: لقد أعطاني رسول اللَّه ﷺ يوم حنين وإنه لمن أبغض النّاس إليّ، فما زال يعطيني حتى إنّه لأحبّ الناس إليّ قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في التحقيق: أعلم أن من المؤلفة قلوبهم ما تألفوا في بدء إسلامهم ثم تمكن الإسلام من قلوبهم، فخرجوا بذلك عن حدّ المؤلّفة، وإنما ذكرهم العلماء في المؤلفة باعتبار ابتداء أحوالهم، وفيهم من لم يعلم منه حسن إسلامه والظاهر بقاؤه على حال الناس، ولا يمكننا أن نفرق بين من حسن إسلامه وبين من لم يحسن إسلامه، لجواز أن يكون من ظننّا به الشّرّ على خلاف ذلك، وأن الإنسان قد يتغيّر حاله، ولا ينقل إلينا أمره فالواجب أن نظن بكل من سمعنا عنه الإسلام خيرا، ومما يقوي ما ذكرت ما رواه الإمام أحمد عن أنس- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: كان الرجل يأتي النبي ﷺ فيسلم لشيء يعطاه من الدنيا، فلا يمشي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها، قال: وأسماء من بلغنا منهم. الأقرع بن حابس التميمي. والمجاشعي جبير بن مطعم بن عدي. المجد بن قيس السهمي والحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي. وحويطب بن عبد العزى. حكيم بن حزام بن خويلد. حكيم بن طليق بن سفيان. خالد بن قيس السّهمي. سعيد بن يربوع بن عنكشة. سهيل بن عمرو وأبو سفيان العباس بن مرداس السلمي. عبد الرحمن بن يربوع من بني مالك. علقمة بن علاثة. عمير بن وهبة الجمحي. عمرو بن مرداس السلمي. عمرو بن بعكك أبو السنابل، ويقال اسمه: لبيد. عيينة بن حصن الفزاري. قيس بن عدي السهمي.

стр. 4168

قيس بن مخرمة. مالك بن عوف البصريّ. مخرمة بن نوفل الزّهريّ. معاوية بن أبي سفيان. وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب واسمه المغيرة والنضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة. هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحرث بن حنيف بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي.

стр. 4169

الباب الخامس عشر في ربطه- ﷺ الخيط في خاتمه وأصبعه إذا أراد أن يتذكر حاجة أن صح الخبر وروى ابن سعد وابن أبي أسامة وأبو سعيد بن الأعرابي وابن عدي وأبو يعلى من طريق عقبة بن عبد الرحمن وابن عمر والطبراني عن رافع بن خديج وابن عدي عن واثلة بن الأسقع وأبو سعيد بن الأعرابي وابن عدي عن علي- رضي اللَّه تعالى عنه- قالوا: «كان رسول اللَّه ﷺ إذا أشفق من الحاجة أن ينساها ربط في خنصره أو في خاتمه خيطا وسندها ضعيف كما اقتصر عليه الحافظ في تخريج أحاديث الإحياء ففي سند حديث ابن عمر، وفي سند حديث واثلة بن الأسقع، وفي سند حديث رافع غياث بن إبراهيم وهو ضعيف جدا.

стр. 4170

الباب السادس عشر في احتياطه- ﷺ في نفيّ التهمة عنه روى الإمام أحمد عن حبة وسواء خالد ابني الخزاعي- رضي اللَّه تعالى عنهما- قال: أتينا رسول اللَّه ﷺ وهو يعمل عملا أو يبني بناء، فأعناه فلما فرغ دعا بنا، وقال: «لا تيأسا من الخير ما تهززت رؤوسكم إنّ الإنسان ولدته أمه أحمر ليس عليه قشر، ثمّ يرزقه اللَّه » . وروى الشيخان عن صفية بنت حيي قالت: كان رسول اللَّه ﷺ معتكفا فأتيت أزوره ليلا فحدّثته، ثم قمت فانقلبت، فقام معي يقبّلني، وكان مسكنها في دار أم أسامة بن زيد فمرّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول اللَّه ﷺ أسرعا فقال رسول اللَّه ﷺ : «على رسلكما، إنها لصفية بنت حييّ» ، فقالا: سبحان اللَّه! يا رسول اللَّه وكبر عليهما فقال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم، وإنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا أو شيئا» . وروى الإمام أحمد ومسلم والبخاري في الأدب وأبو الحسن بن الضحاك عن أنس- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: بينما رسول اللَّه ﷺ مع امرأة من نسائه إذ مر به رجل فدعاه النبي ﷺ فقال: «يا فلان هذه زوجتي فلانة» قال: من كنت أظنّ به، فلم أظنّ بك قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم» . وروى البخاري عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- أن رسول اللَّه ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية بقول اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا النَّبي إِذَا جَاءك الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ إلى قوله غَفُورٌ رَحِيمٌ [الممتحنة/ ١٢] فمن أقرت بهذا الشرط من المؤمنات [قال لها رسول اللَّه ﷺ «قد بايعتك كلاما ولا واللَّه ما مست يده امرأة قطّ في المبايعة ما بايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك» ] . وروى أبو الحسن بن الضحاك بسند ضعيف عن الشّعبي مرسلاً- رحمه اللَّه تعالى- قال: وفد عبد قيس على رسول اللَّه ﷺ وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة، فأجلسه رسول اللَّه ﷺ وراء ظهره.
следующие страницы →