الباب الرابع عشر في إكرامه- ﷺ من يستحق إكرامه وتألّفه أهل الشّرف
روى الإمام أحمد برجال الصحيح عن حميد بن هلال، قال: كان رجل من الطفاوة طريقه علينا يأتي على الحي، فحدثهم قال: أتيت المدينة مع عير لنا، فبعنا بضاعتنا، ثم قلت:
لأنطلق إلى هذا الرجل فلآتينّ من بعدي بخبره فانتهيت إلى رسول اللَّه ﷺ فإذا هو يريني بيتا قال: أن امرأة كانت فيه فخرجت في سرية من المسلمين، وتركت اثنتي عشرة عنزا لها وصيصتها كانت تنسج بها، قال: ففقدت عنزا من غنمها وصيصتها، فقالت: يا رب، إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه، وإني قد فقدت عنزا من غنمي وصيصتي، وإنّي أنشدك عنزي وصيصتي، قال: فجعل رسول اللَّه ﷺ يذكر شدة منا شدتها لربها- ﵎ قال رسول اللَّه ﷺ : فأصبحت عنزها ومثلها وصيصيتها ومثلها وهاتيك فائتها فاسألها إن شئت قال: قلت: بل أصدّقك.
وروى أبو الحسن بن الضحاك وأبو الشيخ والخرائطي عن جرير بن عبد اللَّه- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: لما بعث رسول اللَّه ﷺ أتيت لأبايعه، قال: ما جاء بك يا جرير، قلت:
لأسلم على يديك، قال: فألقى إليّ كساء، ثم أقبل على أصحابه فقال: «إن أتاكم كريم قوم فأكرموه» ورواه أبو الشيخ والخرائطي عنه، قال: دخل رسول اللَّه ﷺ بعض بيوته فامتلأ البيت فقعد جرير خارج البيت، فأبصره رسول اللَّه ﷺ فأخذ ثوبه ورمى به إليه، وقال: اجلس على هذا فأخذه جرير فوضعه على وجهه وقبّله.
وروى ابن سعد عن أشياخ من طيء قالوا: أن عدي بن حاتم قدم على رسول اللَّه ﷺ فسلّم عليه، وهو في المسجد، فقال: من الرّجل؟ قال عدي بن حاتم: فانطلق به إلى بيته وألقى إليه وسادة محشوّة بليف، وقال: «اجلس عليها» فجلس رسول اللَّه ﷺ على الأرض، وعرض عليه الإسلام، فأسلم عديّ، واستعمله رسول اللَّه ﷺ على صدقات قومه.
وروى الترمذي عن عكرمة بن أبي جهل- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : يوم جئته «مرحبا بالرّاكب المهاجر»
وذكر الرشاطي إن أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح الأصبحي الحميري، وفد على رسول اللَّه ﷺ ففرش له رداءه، وكان يعد من الحكماء.
стр. 4167
وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير في التهذيب وأبو يعلى وابن منده وابن عساكر عن صفوان بن أمية، قال: لقد أعطاني رسول اللَّه ﷺ يوم حنين وإنه لمن أبغض النّاس إليّ، فما زال يعطيني حتى إنّه لأحبّ الناس إليّ قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في التحقيق:
أعلم أن من المؤلفة قلوبهم ما تألفوا في بدء إسلامهم ثم تمكن الإسلام من قلوبهم، فخرجوا بذلك عن حدّ المؤلّفة، وإنما ذكرهم العلماء في المؤلفة باعتبار ابتداء أحوالهم، وفيهم من لم يعلم منه حسن إسلامه والظاهر بقاؤه على حال الناس، ولا يمكننا أن نفرق بين من حسن إسلامه وبين من لم يحسن إسلامه، لجواز أن يكون من ظننّا به الشّرّ على خلاف ذلك، وأن الإنسان قد يتغيّر حاله، ولا ينقل إلينا أمره فالواجب أن نظن بكل من سمعنا عنه الإسلام خيرا، ومما يقوي ما ذكرت ما رواه الإمام أحمد عن أنس- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: كان الرجل يأتي النبي ﷺ فيسلم لشيء يعطاه من الدنيا، فلا يمشي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها، قال: وأسماء من بلغنا منهم.
الأقرع بن حابس التميمي.
والمجاشعي جبير بن مطعم بن عدي.
المجد بن قيس السهمي والحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي.
وحويطب بن عبد العزى.
حكيم بن حزام بن خويلد.
حكيم بن طليق بن سفيان.
خالد بن قيس السّهمي.
سعيد بن يربوع بن عنكشة.
سهيل بن عمرو وأبو سفيان العباس بن مرداس السلمي.
عبد الرحمن بن يربوع من بني مالك.
علقمة بن علاثة.
عمير بن وهبة الجمحي.
عمرو بن مرداس السلمي.
عمرو بن بعكك أبو السنابل، ويقال اسمه: لبيد.
عيينة بن حصن الفزاري.
قيس بن عدي السهمي.
стр. 4168
قيس بن مخرمة.
مالك بن عوف البصريّ.
مخرمة بن نوفل الزّهريّ.
معاوية بن أبي سفيان.
وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب واسمه المغيرة والنضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة.
هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحرث بن حنيف بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي.
стр. 4169
الباب الخامس عشر في ربطه- ﷺ الخيط في خاتمه وأصبعه إذا أراد أن يتذكر حاجة أن صح الخبر
وروى ابن سعد وابن أبي أسامة وأبو سعيد بن الأعرابي وابن عدي وأبو يعلى من طريق عقبة بن عبد الرحمن وابن عمر والطبراني عن رافع بن خديج وابن عدي عن واثلة بن الأسقع وأبو سعيد بن الأعرابي وابن عدي عن علي- رضي اللَّه تعالى عنه- قالوا: «كان رسول اللَّه ﷺ إذا أشفق من الحاجة أن ينساها ربط في خنصره أو في خاتمه خيطا
وسندها ضعيف كما اقتصر عليه الحافظ في تخريج أحاديث الإحياء ففي سند حديث ابن عمر، وفي سند حديث واثلة بن الأسقع، وفي سند حديث رافع غياث بن إبراهيم وهو ضعيف جدا.
стр. 4170
الباب السادس عشر في احتياطه- ﷺ في نفيّ التهمة عنه
روى الإمام أحمد عن حبة وسواء خالد ابني الخزاعي- رضي اللَّه تعالى عنهما- قال: أتينا رسول اللَّه ﷺ وهو يعمل عملا أو يبني بناء، فأعناه فلما فرغ دعا بنا، وقال: «لا تيأسا من الخير ما تهززت رؤوسكم إنّ الإنسان ولدته أمه أحمر ليس عليه قشر، ثمّ يرزقه اللَّه » .
وروى الشيخان عن صفية بنت حيي قالت: كان رسول اللَّه ﷺ معتكفا فأتيت أزوره ليلا فحدّثته، ثم قمت فانقلبت، فقام معي يقبّلني، وكان مسكنها في دار أم أسامة بن زيد فمرّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول اللَّه ﷺ أسرعا فقال رسول اللَّه ﷺ : «على رسلكما، إنها لصفية بنت حييّ» ، فقالا: سبحان اللَّه! يا رسول اللَّه وكبر عليهما فقال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم، وإنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا أو شيئا» .
وروى الإمام أحمد ومسلم والبخاري في الأدب وأبو الحسن بن الضحاك عن أنس- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: بينما رسول اللَّه ﷺ مع امرأة من نسائه إذ مر به رجل فدعاه النبي ﷺ فقال: «يا فلان هذه زوجتي فلانة» قال: من كنت أظنّ به، فلم أظنّ بك قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم» .
وروى البخاري عن عائشة- رضي اللَّه تعالى عنها- أن رسول اللَّه ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية بقول اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا النَّبي إِذَا جَاءك الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ إلى قوله غَفُورٌ رَحِيمٌ [الممتحنة/ ١٢] فمن أقرت بهذا الشرط من المؤمنات [قال لها رسول اللَّه ﷺ «قد بايعتك كلاما ولا واللَّه ما مست يده امرأة قطّ في المبايعة ما بايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك» ] .
وروى أبو الحسن بن الضحاك بسند ضعيف عن الشّعبي مرسلاً- رحمه اللَّه تعالى- قال: وفد عبد قيس على رسول اللَّه ﷺ وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة، فأجلسه رسول اللَّه ﷺ وراء ظهره.
стр. 4171
الباب السابع عشر في خروجه- ﷺ لبساتين بعض أصحابه ومحبته لرؤية الخضرة وإعجابه
روى ابن السّنيّ وابن عدي وأبو نعيم عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال:
كان أحب الألوان إلى رسول الله ﷺ الخضرة، والماء الجاري، والوجه الحسن.
وروى ابن السني وأبو نعيم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان أحبّ الألوان إلى رسول الله ﷺ الخضرة، وكان يعجبه النظر إلى الخضرة، والماء الجاري والوجه الحسن.
وروى أبو نعيم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله ﷺ يعجبه النّظر إلى الخضرة.
وروى الطبراني وابن السني وأبو نعيم عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول: يا خضرة فقال: لبيك أخذنا فألنا من فيك.
وروى أبو داود الطيالسي والترمذي عن معاذ بن جبل- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ يعجبه، وفي لفظ «يستحب» الصلاة في الحيطان قال أبو داود: يعني:
البساتين.
وروى البخاري في الأدب عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: سألت عائشة- رضي الله تعالى عنها- عن البدو قلت: أكان رسول الله ﷺ يبدو؟ قالت: نعم، كان يبدو إلى هؤلاء التلاع.
وروى الإمام مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ كان يأتي قباء ماشيا وراكبا.
قال أبو عمر- ﵀ في التمهيد: قيل: كان يأتي يتفرج في حيطانها، ويستريح عندهم.
لطيفة: قال بعض العلماء: - رحمهم الله تعالى-: إنّ الطبيعة لتمل الشّيء الواحد إذا دام عليها، ولذلك اتّخذت ألوان الأطعمة وأصناف الشّراب وأنواع الطيب وأطلق التزويج بأربع نسوة ورسم البيت ويتحول من مكان إلى مكان، والاستكثار من الإخوان والتفنن في الأدب والجمع بين الجدّ والهزل والزهد واللهو، وقيل: لأبي سليمان الدّارنيّ- ﵀: ما بالكم يعجبكم الخضرة؟ فقال: لأن القلوب إذا غاصت في بحار الفكرة غشيت الأبصار فإذا نظرت
стр. 4172
إلى الخضرة عاد إليها نسيم الحياة. رواه أبو نعيم
وقال ابن المقري في فوائده: حدثنا عبد الصمد بن سعيد بن العباس بن السعدي، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا أبو الطاهر حدثنا الموقري عن الزهري عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «روّحوا القلوب ساعة فساعة»
وقال وهب بن منبه من حكم آل داود: حق على العاقل أن يشتغل بأربع ساعات: ساعة يناجي ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يجبرونه ويعينونه وينفّسوا عن نفسه، وساعة يخلى بين نفسه ولذاتها فيما يحلّ فإن هذه الساعة عون على باقي الساعات وإجمام للقلوب، حق على العاقل أن لا يطعن إلا في إحدى ثلاث زاد لمعاد أو مرمّة لمعاش أو لذّة في غير محرم رواه البيهقي في الشعب وفي وصية بعض الحكماء: فراغ العلماء إنما يكون في إجمام أنفسهم، إذا كلّت خواطرهم، وضاق ذرعهم في استخراج دقائق الحكمة، فحينئذ يروّح العالم قلبه بالنّزهة، حتى يعود نشاطه ويجتمع رأيه، ويصفو فكره.
وقال أبو عبيدة: ليس شيء أحسن عند العرب من الرياض في المعيشة، ولا أطيب ريحا قال الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل
يوما بأطيب منها نشر رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
وقال بعضهم: ما استدعى عن شارد الشعر بمثل الماء الجاري والشرف والمكان الخضر الخالي.
стр. 4173
الباب الثامن عشر في إعجابه بالأترج والحمام الأحمر إن صح الخبر
روى الطبراني بسند ضعيف عن أبي كبشة الأنماري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعجبه النظر إلى الأترجّ، وكان يعجبه النّظر إلى الحمام الأحمر [ (١) ] .
وروى أبو القاسم البغوي وقاسم بن أصبع وأبو بكر بن أبي خيثمة والدارقطني في غرائب مالك عن أبي كبشة الأنماري- رضي الله تعالى عنه- قال: إن رسول الله ﷺ كان يحب وفي لفظ «كأن يعجبه» النظر إلى الأترجّ وإلى الحمام الأحمر.
وهذه الأسانيد ضعيفة جدا.
وروى الطبراني وابن قانع وابن السّني وأبو نعيم كلاهما في الطّبّ النّبويّ بسند ضعيف عن حبيب بن عبيد الله عن أبي كبشة عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كان يعجبه النظر إلى الأترج ويعجبه النظر إلى الحمام الأحمر [ (١) ] .
وروى الحاكم في التاريخ وأبو نعيم في الطب النبوي بسند ضعيف عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله ﷺ يعجبه النظر إلى الخضرة وإلى الحمام الأحمر.
وروى ابن حبان في الضعفاء وابن السني وأبو نعيم معا في الطب عن علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- قال كان رسول الله ﷺ يعجبه النظر إلى الحمام الأحمر وإلى الأترج.
شرح غريب ما سبق.
التّلاع: بمثناة ففوقية فلام فألف وعين مهملة مسائل الماء من علو إلى أسفل واحدها تلعة، وقيل: هو من الأضداد، يقع على ما انحدر من الأرض، وأشرف منها.
الأترج- بهمزة مضمومة ومثناة ساكنة وراء وجيم- والأترج والترنجة والترنج معروف.
стр. 4174
الباب التاسع عشر في عومه- ﷺ -
وروى ابن سعد عن الزهري عن عاصم بن عمر بن قتادة عن ابن عباس دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: لما بلغ رسول الله ﷺ ستّ سنين خرجت به أمّه إلى أخواله من بني عدي بن النّجّار بالمدينة يزورهم ومعه أم أيمن، فنزلت به في دار النابغة، فأقامت به عندهم شهرا،
فكأن النبي ﷺ يذكر أمورا كانت في مقامه ذلك، ونظر إلى الدّار فقال: «ها هنا نزلت بي أمي، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النّجّار» .
وروى أبو القاسم البغوي حدثنا أبو داود عمرو حدثنا عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة قال: دخل رسول الله ﷺ غدير ماء، فقال: يسبح كلّ رجل إلى صاحبه، فسبح كل رجل منهم إلى صاحبه، حتى بقي رسول الله ﷺ وأبو بكر، فسبّح رسول الله ﷺ إلى أبي بكر حتّى اعتنقه، وقال: لو كنت متخذاً خليلا حتّى ألقى الله- لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه صاحبي.
تابعه وكيع عن عبد الجبار رواه ابن عساكر في تاريخه وعبد الجبّار ثقة، وكذا شيخه إلا أنه مرسل، وقد روي موصولا قال ابن شاهين: في السّنّة: حدثنا عبد الله بن سليمان حدثنا محمد بن عثمان حدثنا عبد الله بن مروان بن معاوية حدثنا أبي حدثنا سليمان بن جرير عن عكرمة عن ابن عباس بن نحوه، وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبد العزيز بن مروان بن معاوية الفزاري (حدثني ابن أبي غريب بن حديرية) [ (١) ] وقال: في آخره أنا إلى صاحبي.
стр. 4175
الباب العشرون في مسابقته- ﷺ بنفسه على الأقدام
روى النسائي عن أنس بن مالك قال: سابق رسول الله ﷺ أعرابيّ، فسبقه فكأن أصحاب رسول الله ﷺ وجدوا في أنفسهم من ذلك، فقيل له في ذلك: فقال «حقّ على الله أن لا يرفع شيء نفسه في الدنيا إلا وضعه الله» .
الباب الحادي والعشرون في جلوسه- ﷺ على شفير البئر وتدليته رجليه وكشفه عن فخذيه
روى الشيخان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قدم خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، - وقد قتل زوجها، وكانت عروسا- فاصطفاها النبي ﷺ لنفسه، فخرج بها، حتى بلغنا سدّ الروحاء حلّت، فبنى بها رسول الله ﷺ ، ثم صنع حيسا في نطع صغير، ثم قال لي: آذن من حولك، فكانت تلك وليمته على صفية ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبي ﷺ يحوّي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب.
وروى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه وساقيه.
وروى الإمام أحمد عن حفصة- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخل رسول الله ﷺ فوضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر يستأذن فأذن له.
وروى البخاري عن أبي موسى- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ كان قاعدا في مكان فيه ماء قد كشف عن ركبتيه، فلما دخل عثمان غطاهما.
وروى عبد الله بن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- قال: صلينا مع رسول الله ﷺ فرجع من رجع وعقب من عقب.
стр. 4176
الباب الثاني والعشرون في آداب متفرقة صدرت منه- ﷺ غير ما تقدم
وفيه أنواع:
الأول: روي في مشاورته ﷺ أصحابه
قال تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ الآية [آل عمران ١٥٩] .
وروى سعيد بن منصور وابن المنذر عن الحسن في الآية قال: قد علم الله أنّ ما به إليهم من حاجة، ولكن أراد ليستن به من بعده.
وروى ابن جرير وابن أبي خيثمة عن قتادة قال: أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يشاور أصحابه- رضي الله تعالى عنهم- في الأمور، وهو يأتيه الوحيّ من السّماء- لأنّه أطيب لأنفس القوم، وأن القوم إذا شاور بعضهم بعضا، وأرادوا بذلك وجه الله تعالى عزم عليهم على أرشده.
وروى ابن أبي شيبة عن الضّحّاك قال: ما أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالمشاورة لما فيها من الفضل والبركة.
وروى ابن أبي حاتم والخرائطي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: ما رأيت من الناس أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ .
وروى الطبراني بسند جيد عن عمر، وقال كتب أبو بكر الصديق إلى عمر أن رسول الله ﷺ كان يشاور في الحرب فعليك به.
وقد تقدم في باب الجهاد شيء من ذلك.
وروى ابن سعد عن يحيى بن سعد- رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ استشار النّاس يوم بدر، فقام الحباب بن المنذر، فقال: نحن أهل الحرب أرى أن تعوّر المياه إلا ماء واحدا نلقاهم عليه قال: واستشارهم يوم قريظة والنضير، فقام الحباب بن المنذر فقال: أرى أن ننزل بين القصور، فنقطع خبر هؤلاء عن هؤلاء، وخبر هؤلاء عن هؤلاء، فأخذ رسول الله ﷺ بقوله.
وروى الحاكم عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كنت مستخلفا أحدا من غير مشورة لاستخلفت ابن أمّ عبد» .
قال العلامة شرف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد المرسي، الأمور الممكنة على ضربين الضرب الأول: ما جعل الله فيه عادة مطردة لا تنخرم، فهذا مالا يستشار فيه بل من علم السيادة كان أعلم ممن لا يعلمها.
стр. 4177
والضرب الثاني: ما كانت العادة فيه أكثرية، فهذا الذي يستشار فيه، فإن من حاول تلك الأمور أكثر كان عليه بها أكثر ورأيه فيها صواب، ألا ترى أن من حاول التجارة علم وقت رخصها وغلائها وما يصلح منها للنشر وما لا يصلح فهذا يستشار فيها، لأن علمه بها أكثر.
الثاني: في أنه ﷺ كان كثير الصمت، كثير الذكر، قليل اللّغو .
وروى أبو بكر بن أبي خيثمة والبيهقي عن هند بن أبي هالة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان دائم الذكر، ليست له راحة لا يتكلم في غير حاجة طويل السكوت.
وروى مسلم والبيهقي عن سماك بن حرب- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ طويل الصّمت، قليل الضّحك انتهى.
وروى الإمام أحمد والشيخان عن جابر بن سمرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ طويل الصّمت، قليل الضّحك.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عبد الله بن أبي أوفى- رضي الله تعالى عنه- قال:
كان رسول الله ﷺ يكثر الذّكر، ويقلّل اللّغو، ويطيل الصّلاة، ويقصّر الخطبة ولا يأنف، ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين.
الثالث: في عدم مواجهته أحدا بما يكره وأدابه مع خدمه وما كان يقوله، ويفعله إذا اهتم، وما يطرأ عليه من السرور عند فرحه، وأنه كان يلمح الأشياء بمؤخر عينه، ولا يلتفت ولا يصرف وجهه عن أحد إذا استقبله، وصافحه، وأنّه لا يبثّ بصره في وجه أحد، ومصافحته، وما كان يقوله إذا أراد دخول قرية وغير ذلك غير ما سبق.
روى النسائي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ قل ما يواجه أحدا بشيء يكرهه، ودخل عليه رجل يوما، وعليه أثر خلوف، فلما خرج الرجل قال: لو أمرتم هذا بغسله.
وروى ابن عدي عن محمد بن سلمة- رضي الله تعالى عنه- قال: قدمت من سفر فأخذ رسول الله ﷺ بيدي فما ترك يدي حتى تركت يده.
وروى أبو داود عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: ما رأيت أحدا التقم أذن رسول الله ﷺ فينحي رأسه حتّى يكون الرجل، هو الذي ينحي رأسه، وما رأيت رجلا أخذ بيده فترك يده حتى يكون الرّجل هو الذي يدع يده.
وروى عنه أيضاً قال: كان رسول الله ﷺ إذا صافح الرّجل لم ينزع يده حتى يكون
стр. 4178
الرجل هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرف وجهه.
روى الطيالسي والنّسائي في الكبير وابن حبان عن ابن مسعود وابن أبي شيبة عن جابر أن رسول الله ﷺ خط خطا هكذا أمامه فقال: «هذا سبيل الله- ثم خطّ خطوطا» ، ولقط جابر وخط عن يمينه وخط عن شماله فقال: «هذا سبيل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم وضع يده في الخطّ الأوسط
ثم تلا هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ذكره أبو الحسن بن الضّحّاك عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله ﷺ يلمح بمؤخّرة عينه، ولا يلتفت.
وروى عبد الله بن المبارك عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ إذا استقبل الرّجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرّجل هو الذي ينزع ولا يصرف وجهه حتّى يكون الرّجل هو الذي يصرف، ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس.
وروى الطبراني بسند جيد عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى قرية يريد دخولها، قال: «اللهم بارك لنا فيها» ثلاثا «اللهم ارزقنا حياها وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا» .
وروى الطبراني بسند جيد عن أبي لبابة بن عبد المنذر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد دخول قرية لم يدخلها، حتى يقول: «اللهم، رب السموات السبع وما أظلت وربّ الأرضين السّبع وما أقلت ورب الرّياح وما أذرت ورب الشياطين وما أضلّت إنّي أسألك خيرها وخير ما فيها وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها» .
وروى النسائي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: والله ما ضرب رسول الله ﷺ بيده امرأة ولا خادما ولا ضرب بيده شيئا قطّ. ورواه الخلعيّ وزاد «إلا أن يجاهد في سبيل الله» .
وروى الترمذي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: خدمت رسول الله ﷺ تسع:
وفي لفظ عشر سنين فما قال لي أفّ، وما قال لشيء صنعته: لم صنعته ولا بئس ما صنعت وفي لفظ «ما قال لي: لم فعلت؟ وألا فعلت هذا» .
وروى أبو داود عنه قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً فأرسلني يوما لحاجة فقلت: والله لا أذهب وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله ﷺ فخرجت أمّر على صبيان، وهم يلعبون في السّوق فإذا رسول الله ﷺ قابض بقفاي من ورائي فنظرت إليه، وهو
стр. 4179
يضحك، فقال: يا أنس، اذهب حيث أمرتك، قلت: نعم يا رسول الله.
وروى الشيخان عنه قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أن أنسا غلاما كيّسا، فليخدمك، قال:
فخدمته في السفر والحضر فو الله، ما قال لي لشيء قد صنعته: لم صنعت كذا؟ ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع هذا. هكذا رواه الإمام أحمد بلفظ «أخذت أم سليم بيدي مقدم رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله هذا ابني وهو غلام يخدمك قال: فخدمته تسع سنين، فما قال لي لشيء قطّ صنعته، أسأت أو بئس ما صنعت.
وروى أبو ذر الهرويّ وأبو الحسن بن الضحاك عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: دعا رسول الله ﷺ وصيفة له فأبطأت عليه، فقال: «لولا مخافة القصاص لأوجعتك بهذا السّواك» .
وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ إذا اهتمّ أكثر من مسّ لحيته وفي رواية: يقبض عليها أو يخللها.
وروي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ كان إذا اهتمّ أكثر من مس لحيته، وفي رواية «يقبض عليها أو يخللها» .
وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ كان إذا اهتمّ أكثر، أدخل يده في لحيته.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة والبزّار والحسن بن عرفة عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: شهدت مع المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي من ملء الأرض من شيء كان رسول الله ﷺ إذا غضب احمرّت وجنتاه فجأة وهو على تلك الحال، فقال: يا رسول الله، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل «اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون» ولكن، والذي بعثك بالحق لنكونن من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك، أو يفتح الله لك فرأيت وجه رسول الله ﷺ يشرق لذلك.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان إذا أتاه أمر يسرّه خرّ ساجدا لله تعالى.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى الرّجل مغيّر الخلق خرّ ساجدا وإذا رأى القرد خرّ ساجدا وإذا قام من منامه خرّ ساجدا شكراً لله تعالى.
стр. 4180
وروى النسائي عن كعب بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ إذا استبشر استنار وجهه كأنه قطعة من القمر.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات» وإذا رأى ما يكره قال:
«الحمد لله على كل حال» .
وروى ابن أبي خيثمة وأبو الحسن بن الضحاك عن عبد الله بن بريدة عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ كان لا يتطيّر من شيء، وكان إذا بعث عاملا سأله عن اسمه، فإن أعجبه اسمه فرح به ورؤي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسما رؤي كراهية ذلك في وجهه، وإذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإن أعجبه اسمها فرح بها، ورؤي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رؤي كراهية ذلك في وجهه.
وروى الطبراني بسند جيد عن أبي أيوب- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، فسقطت على لحيته ريشة، فابتدر إليه أبو أيوب فأخذها فقال له النبي ﷺ : «نزع الله عنك ما تكره» .
وروى الإمام أحمد عن نافع أن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- سمع مزمار راع، فوضع إصبعيه في أذنيه وعدل براحلته عن الطّريق «وهو يقول: يا نافع، هل تسمع شيئا فأقول:
نعم، فيمضي حتى قلت: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق» [ (١) ] وقال: رأيت رسول الله ﷺ سمع مزمار راع ففعل مثل هذا، رواه أبو داود وزاد الترمذي، قال: نافع وكنت إذ ذاك صغيرا.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن محمد بن عجلان قال: بلغني أن رسول الله ﷺ أصاب قدمه شوكة أو شيء، فاسترجع لذلك، فقال له بعض أصحابه، ما هذا يا رسول الله؟
قال: «إن الله إذا أراد أن يكبر الصغير كبر» .
وروى الإمام أحمد عن عمير بن إسحق قال: كنت مع الحسن بن علي فلقينا أبو هريرة فقال: اكشف لي عن بطنك حيث رأيت رسول الله ﷺ يقبل منك فقال فكشف له عن بطنه فقبّله.
وروى مسدد وابن أبي شيبة وأبو يعلى والإمام أحمد بسند صحيح عن علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- أن امرأة الوليد بن عقبة جاءت رسول الله ﷺ تشكو الوليد أنّه ضربها فقال: «ارجعي، فقولي له: أن رسول الله ﷺ أجارني» قال: فانطلقت فمكثت ساعة، ثم جاءت فقالت: يا رسول الله، ما أقلع عنّي، قالت: فقطع رسول الله ﷺ هدبة من ثوبه
стр. 4181
فأعطاها إياها، فقال: «قولي أن رسول الله ﷺ قد أجارني، هذه هدبة من ثوبه» فمكثت ساعة، ثم إنّها رجعت، فقالت: يا رسول الله ما زادني إلا ضربا، فرفع رسول الله ﷺ يده فقال:
«اللهم عليك بالوليد مرتين أو ثلاثا» .
وروى الطبراني برجال ثقات عن واثلة بن الأسقع- رضي الله تعالى عنه- قال: خرجت مهاجرا إلى رسول الله ﷺ والناس من بين خارج وقائم، فجعل رسول الله ﷺ لا يرى جالسا إلا دنا إليه فسأله «هل لك من حاجة» وبدأ بالصف الأول، ثم الثاني، ثم الثالث حتى دنا إليّ فقال: «هل لك من حاجة» فقلت: نعم، يا رسول الله، قال: «وما حاجتك» ؟ قلت: الإسلام، قال: «هو خير لك» .
.. الحديث والله أعلم.
стр. 4182
جماع أبواب معجزاته- ﷺ السماوية
الباب الأول
وفيه فصول
الأول: في الكلام على المعجزة والكرامة والسّحر
قال القاضي- رحمه الله تعالى-: إذا تأمل المنصف ما قدمناه من جميل أثره وحميد سيره وبراعة علمه ورجاحة عقله، وجملة كمالاته وجميع خصاله المرضية وشاهد حاله وصواب مقاله لم يمتر في صحّة نبوّته وصدق دعوته الخلق إلى الحقّ، وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه والإيمان به، روى الترمذي وابن قانع عن عبد الله بن سلام- رضي الله تعالى عنه- قال: لمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة جئته لأنظر إليه، فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب.
وعن أبي رمثة- رضي الله تعالى عنه- قال: أتيت رسول الله ﷺ ومعي ابن لي فأريته فلمّا رأيته قلت: هذا نبي الله ﷺ رواه ابن سعد قال ذلك لما ظهر عليه من ملابس الصّدق، وعلامات الحق.
وروى مسلم وغيره أن ضمادا لمّا وفد عليه فقال له ﷺ وقد سمع بعض قريش وفي لفظ «بعض الكفّار» يقول: محمد مجنون فقال: يا محمد، إنّي راق هل بك شيء أرقيك؟
فقال ﷺ نفيا لما نسب إليه: «إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمداً عبده ورسوله» ،
قال له: أعد عليّ كلماتك هؤلاء فلقد بلغني قاموس البحر، هات يدك أبايعك، قال ذلك تعجبا من بلاغتها، وإيرادها مطابقة لمقتضى الحال.
وروى البيهقي عن جامع بن شدّاد، قال: كان رجلا منافقا يقال له: طارق، فأخبر أنه رأى رسول الله ﷺ بالمدينة فقال النبي ﷺ : «هل معكم شيء تبيعونه؟» فقلنا هذا البعير قال:
بكم؟ قلنا: بكذا وكذا وسقا من تمر، فأخذ بخطامه وسار إلى المدينة فقلنا بعنا من رجل، ما ندري من هو ومعنا ظعينة، فقالت: أنا ضامنة لثمن البعير، رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة البدر لا يخيس فيكم، فأصبحنا، فجاء رجل بتمر فقال: أنا رسول الله ﷺ إليكم يأمركم أن تأكلوا من هذا التّمر، وتكتالوا حتى تستوفوا ففعلنا
انتهى. قالت ذلك لما ظهر لها عليه من مخائل الصدق، وملابس الوفاء.
وروى ابن موسى في كتاب الرّدّة عن ابن إسحاق في خبر الجلندى ملك عمان لما بلغه أن رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام، فقال الجلندى: والله لقد دلّني على هذا النبي
стр. 4183
الأميّ أنه لا يأمر بخير إلا كان أوّل آخذ به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أوّل تارك له وأنّه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يفجر، ويفي بالعهد وينجز الوعد، وأشهد أنه نبي جمّلته هذه المحاسن، فتأمله لها على الإقرار بنبوّته.
وقال نفطويه في قوله تعالى يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [النور/ ٣٥] هذا مثل ضربة الله تعالى لنبيه ﷺ يقول: يكاد منظره يدل على نبوته وإن لم يتل قرآنا كما قال ابن رواحة- رضي الله تعالى عنه-.
لو لم تكن فيه آياتٌ مبيّنةٌ ... لكان منظره ينبيك بالخبر
قال المحققون: المعجزة هي الأمر الخارق للعادة المقرون بالتّحدّي الدّالّ على صدق الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- الواقع على وفق دعوى المتحدّى بها مع أمن المعارضة وسميت معجزة لعجز البشر عن الإتيان بمثلها فعلم أن لها شروطا:
أحدها:
أن تكون خارقة للعادة كانشقاق القمر، وانفجار الماء من بين الأصابع، وقلب العصا حية، وإخراج ناقة من صخرة، فخرج غير الخارق للعادة كطلوع الشمس كل يوم.
الثاني:
أن تكون مقرونة بالتّحدّي، ولم يشترط بعضهم التحدي، قال: لأن أكثر الخوارق الصادرة من النبي ﷺ خالية من التحدي، وعلى القول بالتحدي يسمى معجزة وذلك باطل، وأجيب بأنه ﷺ لما ادّعى النبوة استجيب على هذا الخارق دعوى النبوة من حين ابتداء الدعوة فكلما وقع له من الخوارق كان معجزة لاقترانه بدعوى النبوة حكما وكأنه يقول في كل وقت أنا رسول الله إلى الخلق، وأنه يقول في كل وقت وقع فيه الخارق للعادة هذا دليل صدقي ذكره الشيخ كمال الدين بن الهمام في المسايرة وتلميذ الشيخ كمال الدين بن أبي شريف في شرحهما.
الثالث:
أن لا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدّي مع أمن المعارضة، وهو أحسن من التعبير بعدم المعارضة، لأنه لا يلزم من عدم المعارضة امتناعها، والشرط إنما هو عدم إمكانها وخرج بقيد «التحدي» الخارق من غير تحدّ، وهو الكراهة للوليّ، وبالمقارنة الخارق المتقدم على التحدّي كإظلال الغمام وشق الصدر الواقعين لنبينا ﷺ قبل دعوى الرسالة، وكلام عيسى ﷺ في المهد، فإنها ليست معجزات وإنما هي كرامات ظهورها على الأولياء جائز، والأنبياء قبل نبوتهم لا يقتصرون عن درجة الأولياء فيجوز ظهورها عليهم أيضا، وحينئذ يسمى إرهاصا أي تأسيسا للنبوة، وخرج أيضا بالمقارن المتأخر عن التحدي بما يخرجه عن المقارنة العرفيّة، نحو ما رؤي بعد وفاته ﷺ من نطق بعض الموتى بالشهادتين، بما تواترت به الأخبار.
стр. 4184
وخرج أيضا بأمن المعارضة، السحر المقرون بالتّحدّي، فإنّه تمكن معارضته بمثله من المرسل إليهم.
الرابع:
أن تقع عليّ وفق دعوى المتحدي بها، فلو قال مدعي الرسالة آية نبوتي أن تنطق يدي أو هذه الدابة، فنطقت يده أو الدابة بكذبه، فقالت: كذب وليس هو نبي، فإن الكلام الذي خلقه الله- دالّ على كذب ذلك المدّعي، لأن ما فعله الله تعالى لم يقع على وفق دعوى المدّعي كما روي أن مسلمة الكذاب لعنه الله تعالى، تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت، وذهب ما فيها من الماء.
فمتى اختل شرط من هذه الشروط لم تكن معجزة، ولا يقال: قضية ما قلتم أنّ ما توفرت فيه الشروط الأربعة من المعجزات، لا يظهر إلا على أيدي العارفين، وليس كذلك أن المسيخ الدجّال يظهر على يديه من الآيات العظام ما هو مشهور كما وردت به الأخبار الصحيحة، لأن ما ذكره فيمن يدعي الرسالة، وهذا يدعي الربوبية وقد قام الدليل العقلي على أن بعثته بعض الخلق غير مستحيل، فلم يبعد أن يقيم الله- الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة ودلت القواطع على كذب المسيخ الدجال فيما يدعيه للتغير من حال إلى حال، وغير ذلك من الأوصاف التي تليق بالمحدثات، ويتعالى عنها ربّ البريات- وها هنا فصول من كلام القاضي- رحمه الله تعالى-.
الفصل الأول ويؤخر هذا عنه الفصل الثاني .
قال القاضي- رحمه الله تعالى-: أعلم أن الله- قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده، والعلم بذاته أي كونها موجودة وأسمائه الحسنى الدالة على أحسن المعاني، وصفاته وجميع تكليفاته التي ألزمها عباده، فيعلمون أن لهم ربا موجودا ذا أسماء وصفة كمال ابتداء دون واسطة، لو شاء خلق ذلك فيهم ابتداء بلا مرشد إليه ومبين لهم إياه كما حكي عن سنة بعض الأنبياء إذ خلق فيهم ذلك إلهاما أو إلقاء في الرّوع أو رؤيا، كما رأى إبراهيم مناما يذبح ولده ورؤياهم وحي وذكره بعض أهل التفسير في قوله تعالى وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى ٥١] أي وحي إلهام أو رؤيا بشهادة وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ أي يلقيه في قلبها دون واسطة وكما هو تعالى قادر على خلق ما ذكر في قلوبهم ابتداء بدون واسطة جائز أن يوصل إليهم جميع ذلك بواسطة تبلّغهم ما أمر بتبليغه إليهم مما يدل على ذلك من كلام يهدى إليه، ويكون ذلك الواسطة، إما بغير البشر كالملائكة مع الأنبياء- ﵈ يوحون إليهم ما أرسلوا به أو من جنسهم كالأنبياء مع الأمم ينبئونهم ما أنزل إليهم، ولا مانع لهذا الذي ذكر يمنع وصوله إلى عباده بواحدة من حالتي
стр. 4185
الابتداء والواسطة من دليل العقل بتجويزه إياه إذا جاز هذا ولم يستحل، وجاءت الرسل- عليهم الصلاة والسلام- بما دل على صدقهم من معجزات وجب على المرسل إليهم تصديقهم في جميع ما أتوا به مما كلفوا بتبليغه لأن المعجزة مع التحدي من النبي قائم مقام قول الله: صدق عبدي فأطيعوه واتّبعوه وشاهد على صدقه فيما يقوله من دعواه النبوة والرسالة إلى من أرسل إليهم، وهذا كان في قضائه بإمكان ما ذكر وأن المعجز مؤذن بصدق النبي ﷺ لقيامه مقام إخبار الله تعالى بأنه صادق تجري عادته في خلق العلم بصدقهم علما ضروريا.
الفصل الثالث
قال القاضي- رحمه الله تعالى-: أعلم أن تسميتنا ما جاءت به الأنبياء من الآيات الخارقة للعادة معجزة هو أنّ الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها، فكان عجزهم عنها سببا لتسميتها معجزة من العجز المقابل للقدرة، وحقيقة الإعجاز إثبات عجز المرسل إليهم، استعير لإظهار عجزهم ثم استند إلى ما هو سبب لإظهاره من الخوارق، والمعجزة على ضربين: من حيث كونها مقدورة للبشر وغير مقدورة، وله ضرب هو من نوع ما يمكن دخوله تحت قدرة البشر ويمكنهم الإتيان به فعجزوا عنه فتعجيز الله إياهم عنه فعل لله تعالى دل على صدق نبيه ﷺ لأنه كصريح قوله: صدق عبدي في دعواه الرسالة لجري العادة بخلقه تعالى علما ضروريا بصدقه كمن قال لجمع أنا رسول الله- تعالى- إليكم ثم نتق فوقهم جبلا، ثم قال: إن كذبتموني وقع عليكم وإلا انصرف عنكم فكلما هموا بتصديقه بعد عنهم أو تكذيبه قرب منهم، فإنهم يعلمون ضرورة صدقه مع قضاء العادة بامتناع صدور ذلك من الكاذب منهم، كصرف اليهود عن تمني الموت إذ يعجزهم عن تمنيه مع إمكانه فيعلمون ضرورة أنه صادق.
وضرب من المعجزة وهو خارج عن قدرتهم، فلم يقدروا على الإتيان بمثله كإحياء الموتى، إذ ليس من جنس أفعالهم وأما إحياؤهم على يد عيسى ﷺ معجزةً له، فكأنما كان من الله تعالى لأمّته شهادة، وإحياء الموتى بإذن الله تعالى «وأن تخرج الموتى بإذني» وقلب العصا حية تسمى معجزة لموسى ﷺ ، وإخراج ناقة من صخرة بلا واسطة وأسباب معهودة معجزة لصالح ﷺ ، وكلام الشجرة، ونبع الماء من بين الأصابع وانشقاق القمر معجزات لنبينا ﷺ مما لا يمكن أن يفعله أحد إلا الله فيكون ذلك على يد النبي ﷺ من فعل الله تعالى حقيقة وتحدّيه من يكذبه إن طلب منه أن يأتي بمثله تعجيز له عن ذلك.
واعلم أن المعجزات التي ظهرت على يد نبينا ﷺ ودلائل نبوته وبراهين صدقه من هذين النوعين معا أي لما هو من نوع قدرة البشر، وما هو خارج عنها، وهو ﷺ أكثر الأنبياء معجزة، وأبهرهم آية وأظهرهم برهانا، وهي مع كثرتها لا يحيط بها ضبط فإن واحدا منها وهو
стр. 4186
القرآن لا يحصي عدد معجزاته بألف ولا ألفين ولا أكثر لأن النبي ﷺ قد تحدى بسورة منه فعجزوا عنها قال أهل العلم: وأقصر سور القرآن إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر/ ١] لأنها ثلاث آيات حروفها أقل من حروف آيات سورة هي ثلاث مثل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص/ ١] وكل آية منه طويلة بعدد آياتها كلمات وحروفا أو آيات منه بعددها آيات وحروفا كلمات معجزة لا تتعارض موازاة ومداناة ثم في سورة الكوثر نفسها معجزات على ما سنفصله فيما اشتمل عليه القرآن من المعجزات التي فاقت الحصر.
الفصل الرابع
قال القاضي- رحمه الله تعالى- أيضا: معجزاته ﷺ علي قسمين.
الأول: ما علم قطعا، ونقل إلينا متواترا كالقرآن فلا مرية ولا خلاف في مجيء النبي ﷺ به وظهوره من قبله واستدلاله به على ثبوت نبوته ﷺ وكونه رسولا إلى الناس كافة ونحو ذلك، وإن أنكر مجيئه به وظهوره من قبله واستدلاله به معاند حائر عن منهج القصد باغ يردّ الحق مع علمه جاحد له منكر، فإنكاره كإنكاره وجود محمد ﷺ في الدنيا، وإنما جاء اعتراض الجاحدين في كونه حجة ﷺ كما ورد في كونه كلام الله إذ قالوا: «أساطير الأوّلين» «ما أنزل على بشر من شيء» «هذا سحر مبين» فالقرآن في نفسه وجميع ما تضمنه من معجز معلوم ضرورة، وكما شهدت به الأعداء كالوليد بن المغيرة، إذ قال حين تلي عليه منه: إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أسفله مغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو من كلام البشر. ووجه إعجازه معلوم ضرورة بجزالة لفظه، وفخامة تأليفه، وبلوغه أقصى درجات مراتب البلاغة والفصاحة وحسن التئام كلماته ونظم آياته وبراعة إيجازه وغرابة فنونه وفصاحة وجوه فواتحه وخواتمه، فلا يحتاج العلم به إلى دليل.
قال بعض الأئمة- رحمهم الله تعالى-: ويجري هذا القسم من معجزاته الذي علم قطعا ونقل إلينا متواترا أنه قد جرى على يديه ﷺ آيات وخوارق عادات إن لم يبلغ واحد منها معيّنا القطع فيبلغه جميعها، فلا مرية في جريان جميع معانيها على يديه ﷺ ناطقة بصدقه شاهدة بنبوته، ولا يختلف مؤمن ولا كافر أنه قد جرت على يديه ﷺ عجائب، وإنما صدر خلاف المعاند في كون العجائب فائضة من قبل الله تعالى من حيث أن ذلك المعجز مع التّحدّي من النبي ﷺ بمثابة قوله تعالى: يا عبدي، صدقت فيما تدّعيه من الرّسالة! فقد علم وقوع مثل هذا من نبينا ﷺ ضرورة لاتّفاق معانيها في كونها خوارق عادات مفحم من تصدّى لمعارضتها كما يعلم ضرورة جود حاتم الطائي وشجاعة عنترة العبسي وحلم أحنف بن قيس- رضي الله تعالى عنه- لاتّفاق الأخبار الواردة عن كل واحد منهم على كرم
стр. 4187
حاتم وشجاعة عنترة وحلم أحنف، وإن كان كل خبر من أخبارهم الثلاثة لا يوجب العلم، ولا يقطع بصحته لعدم تواتر كل واحد منها منفردا في كل عصر.
القسم الثاني من معجزاته ﷺ لم يبلغ مبلغ الضرورة والقطع وهو على نوعين:
الأول: ما اشتهر وانتشر ورواه العدد الكثير، وشاع الخبر به عند المحدثين والرواة، ونقلته السير والأخبار كنبع الماء من بين أصابعه ﷺ وتكثير الطعام.
الثاني: ما لم يشتهر ولا ينتشر اختص به الواحد والاثنان ورواه العدد اليسير واشتهر اشتهار غيره لكنه إذا جمع إلى مثله، اتفقا في المعنى المقصود به الإعجاز، واتفقا على الإتيان بالمعجزة كما قدمنا من أنه لا مرية في جريان معانيها على يديه، وأنه إذا انضم بعضها إلى بعض أفاد القطع.
تنبيهات
الأول: قال ابن الصلاح- رحمه الله تعالى- في «فتاويه» : انتدب بعض العلماء لاستقصاء معجزاته ﷺ فجمع منها ألف معجزة، وعددناه مقصرا إذ هي فوق ذلك بأضعاف لا تحصى فإنّها ليست محصورة على ما وجدناه منها في عصره ﷺ بل لم تزل تتجدّد بعده ﷺ علي تعاقب العصور وتتلاحق كرامات الأولياء من أمته وإجابات المتوسلين به في حربهم ومعوناتهم عقب توسلهم به في شدائد براهين له قواطع ومعجزات له سواطع لا يعدّها عادّ ولا يحصرها حاصر.
الثاني: فرق جماعة بين المعجزة والسحر والكرامة قال الإمام المازري: الفرق بينهما أنّ السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للسّاحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك بل إنّما تقع غالبا اتفاقا، أمّا المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي، ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن السّحر لا يظهر إلّا من فاسق، وأن الكرامة لا تظهر على فاسق. ونقل النووي في زيادات الروضة عن المتولي نحو ذلك، وينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه، فإن كان متمسّكا بالشريعة متجنبا للموبقات فالذي يظهر على يديه من الخوارق كرامة وإلّا فهو سحر، لأنّه ينشأ عن أحد أنواعه كإعانة الشياطين غير أنها لدقتها لا يتوصّل إليها إلا آحاد الناس، ومادّته الوقوف على خواصّ الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأوقاته، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف/ ١١٦] مع أن حبالهم وعصيّهم لم تخرج عن كونها حبالا وعصيا، ثم قال: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرا في القلوب كالحبّ والبغض وإلقاء
стр. 4188
الخير والشّرّ، وفي الأبدان بالألم والسّقم، وإنما المنكور أن الجماد ينقلب حيوانا أو عكسه بسحر السّاحر ونحو ذلك.
وقال القرطبي: السحر حبل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب.
الثالث: التحدي بطلب المعارضة والمقابلة.
قال الجوهري: تحدّيت فلانا إذا باريته في فعل ونازعته الغلبة وحدأ حدوا هو حادي الإبل، وأحدى بها حداء إذا غنّى، ومن المجاز: تحدّى أقرانه إذا باراهم ونازعهم الغلبة، وأصله في الحدا يتبارى فيه الحاديان ويتعارضان فيتحدى كل واحد منهما صاحبه أي طلب حداه، وفي حواشي الكشاف: كانوا عند الحدو يقوم حاد عن يمين العطّار، وحاد عن يساره يتحدّى كل واحد منهما صاحبه المعنى يمتحديه أي يطلب منه حداه ثم اتسع فيه، حتى استعمل في كل مباراة ذكره الإمام الطيبي- رحمه الله تعالى-.
الرابع: الهاء في المعجزة للمبالغة وتوكيد الصفة، كما في علاّمة ونسابة، وأضيفت الهاء لهذا المعنى دون باقي الحروف، لأنّها كما قال السهيلي في روضه: غاية الصّوت ومنتهاه، لأنها من أقصى الحلق، إمّا قبلها أو معها أو بعدها، وقبل الألف أو معها أو بعدها أيضا كما هو مذهب سيبويه، ومن ثمّ لا يكسّر لما هي فيه فلا يقال في علاّمة ونسابة، علاليم ونساسيب لئلّا يذهب اللفظ الدالّ على المبالغة كما لم يكسّر المصغّر لذلك، وقيل: الهاء فيه للنّقل من الوضعيّة كما في الحقيقة، لأنّها مأخوذة من العجز وجعل الدلالة.
الخامس: قال بعضهم: إنّ كبار الأئمة يسمّون معجزات الأنبياء دلائل النبوة، وآيات النبوة، ولم يرد في القرآن ولا في السنة لفظ المعجزة، وإنّما فيهما لفظ الآية والبيّنة والبرهان، فأمّا لفظ الآية فكثير ولفظ المعجزة إذا أطلق لا يدل على كون ذلك آية إلّا إذا فسّر المراد به، وذكرت شرائطه، والحاكم في توجيه ذلك وتصنيف التعيين بالمعجزة.
قلت: لفظ المعجزة وضعه المتكلمون على ما اشتمل على الشروط الأربعة السابقة من آيات الأنبياء صلى الله عليهم وسلم ولا صيغة لذلك خلافاً لما زعمه والتعيين بالآية والبرهان والبينة لا ينافس ذلك. وكل معجزة آية وبرهان وبينة ولا عكس كما يظهر في الكلام على حدّ المعجزة.
السادس: أنه ﷺ كون الحمد لله في خبر ضماد بأن اسمية الجملة التي هي في الأصل إخبارية أريد بها الإنشاء تنزيلا للسلامة منزلة المذكر كونه «الحمد لله» بالذات لله إزالة لما عسى يكون عنده من الإنكار وأردف ﷺ بكل الجملة بجملة فعلية تلويحا بأنه مقام تجديد نعم يؤذّن الحمد بازديادها، فناسب أن يورد ما يدل على تجدّد، والحدوث أو حمد الله- ﵎ بهما مبالغة من حمده لما مرّ عليه من شرائف النعم وكرائم التتميم أو حملا
стр. 4189
للأولى على الخبر، وهذه على الإنشاء، وهي بكون العظمة إخطار لملزومها الذي هو ما أنعم عليه ربّه به، تعظيما وتبجيلا امتثالاً لقوله تعالى وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى/ ١١] فلم يقل وشهّد ليجري على ما قبله تفنّنا من الكلام، فإنّه نقله من أسلوب إلى آخر يزيده حسن نظرته، أي إحداثا وتجديدا لنشاط السّامع وإيقاظا لإصغائه أكثر.
السابع: في بيان غريب ما سبق:
آثر وجمع أثرة- بفتح الهمزة والمثلثة- وتقدم تفسيرها.
برع: بموحدة وراء وعين مهملتين فاق أقرانه.
رجاحة:.....
لم يمتر:....
أبو رمثة: براء مكسورة فميم ساكنة فمثلثة فتاء تأنيث اسم.
ضماد: بضاد معجمة مكسورة فميم فألف فدال مهملة أصله الشد.
قابوس البحر: وسطه والجّنة.
الوسق: بفتح الواو وكسرها ستون صاعا.
الخطام: بكسر الخاء المعجمة وبالطاء المهملة ما يقاد به البعير.
الظعينة: بفتح الظاء المعجمة وكسر العين المهملة وسكون التحتية وبالنون وتاء التأنيث.
الجلندى: بضم الجيم وفتح اللّام والدال المهملة بينهما نون ساكنة.
عمّان: بفتح العين المهملة وتشديد الميم مدينة قديمة بالشام في أرض البلقاء فأما عمان: بالضم والتخفيف فموضع عند البحرين.
لا يبطر: لا يبغي إذا انتصر عليهم بل يسلك فيهم ما أمر به.
لا يفجر: لا ينهي عن شيء من مكروه ببنيته بالبناء للفاعلية أو المفعولية.
стр. 4190
الباب الثاني في إعجاز القرآن واعتراف مشركي قريش بإعجازه، وأنه لا يشبه شيئاً من كلام البشر، ومن أسلم لذلك
قال الله قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [الإسراء/ ٨٨] منهم العرب العاربة وأرباب البيان وتفانوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن من بلاغته وحسن نظمه وقوله لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء: ٨٨] جواب قسم محذوف وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: ٨٨] معينا على الإتيان بمثله، ولم يدرج الملائكة في الفريقين مع عجزهم أيضا عنه، لأنهما هما المتحدّيان، ومن ثمّ تعجبت الجنّ من حسن نظمه وبلاغته البالغة أقصى درجاتها، فقالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [الجن: ١- ٢]
وقال النبي ﷺ : «ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله- فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا» رواه الشيخان.
قال الحافظ- ﵀ قوله: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطى» هذا دالّ علي أن النبي ﷺ لا بد له من معجزة تقتضي إيمان من شاهدها بصدقه، ولا يضرّه من أصرّ على المعاندة قال ابن قرقول: «من» الأولى بيانية والثانية زائدة، و «ما» موصولة أو نكرة موصوفة، ووقعت مفعولا ثانيا «لأعطى» و «مثله» مبتدأ آمن خبره، والجملة صفة للنكرة صلة الموصول والراجع إلى الموصول ضمير المجرور في «عليه» أي مغلوبا عليه في التحدّي والمباراة، والمراد بالآيات المعجزات وموقع المثل هنا موقعه في قوله فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة/ ٢٣] أي ممّا يبيّن عليه صفته في البيان وعلوّ الطبقة في حسن النظم، والمثل يطلق ويراد به عين الشّيء وما يساويه، والمعنى إن كل نبي من الأنبياء قد أعطاه الله تعالى من المعجزات الدالة على نبوته الشيء الذي من صفته، أنه إذا شوهد اضطر الشاهد إلى الإيمان به.
وتحريره: إن كل نبي اختص بما يثبت دعواه من خوارق العادات حسب زمانه، فإذا انقطع زمانه انقطعت تلك المعجزة فكانت تلقف ما صنعوا كقلب العصا ثعبانا في زمن موسى فخصّ كل نبي بما أثبت به دعواه من خوارق العادات المناسبة لحال قومه، وإخراج اليد بيضاء وإنما كان كذلك، لأنه الغالب في زمانه السحر، إذ كان ماشيا عند فرعون فأتاهم بما هو فوقه فاضطرّهم إلى الإيمان به ولم يقع ذلك لغيره، وفي زمن عيسى الطب، فجاءهم بما هو أعلى منه من إبراء الأكمه والأبرص بما ليس في قدرة بشر وهو إحياء الميّت، وأمّا النبي ﷺ فأرسله في العرب العرباء أصل الفصاحة والبلاغة وتأليف الكلام على أعلى طبقاتها ومحاسن بدايتها باسم القرآن فأعجزهم عن الإتيان بأقصر سورة منه وقوله «آمن» وقع في رواية حكاها ابن قرقول
стр. 4191
«أومن» بضم الهمزة ثم واو وقوله «عليه» هنا بمعنى اللّام أو الباء الموحدة والنكتة في التعبير بها تضمنها معنى الغلبة، أي يؤمن بذلك مغلوبا عليه بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه لكنه قد يجحد فيعاند، كما قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً [النمل/ ١٤] وقال الطّيبيّ: المجرور في «عليه» حال، أي مقلوبا عليه في التحدي، وموقع المثل موقعه من قوله فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة/ ٢٣] أي من صفته من البيان وعلوّ الطبقة في البلاغة، وقوله: «وإنّما كان الّذي أوتيته وحيا» إلخ معناه معظم الذي أوتيته وإلّا فقد أوتي من المعجزات مالا ينحصر والمراد به القرآن وقد تقدم أنه المعجزة الباقية على وجه الدوام إلى يوم القيامة لبلوغه أعلى طبقات البلاغة وأقصى غايات الإعجاز، فلا يتأتى لأحد أن يأتي بأقصر سورة منه لجزالة تركيبه، وفخامة ترتيبه الخارج عن طوق البشر، وليس المراد حصر معجزاته فيه ولا أنّه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدّمه، المراد به المعجزة العظمى التي اختصّه بها دون غيره، لأنّ كل نبي أعطي معجزة خاصة به لم يعطها بعينها غيره تحدّى بها قومه، ولذلك رتب على قوله: «وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» يريد لاضطرار الناس إلى الإيمان به إلى يوم القيامة وذكر ذلك على وجه الرجاء لعدم العلم بما في الأقدار السابقة وقيل المعنى أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعمارهم، فلم يشاهدها إلّا من حضرها ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرق العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، فلا يمرّ عصر من الأعصار إلّا ويظهر فيه شيء مما أخبر أنه سيكون يدل على صحة دعواه، ولهذا قال «وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» .
قال الحافظ: هذا أقوى المحتملات وتكميله في الذي بعده.
وقيل: المعنى أنّ المعجزات الماضية كانت حسّيّة تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة مرّة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر، لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل يشاهده كل من جاء بعد الأوّل مستمرا، قال الحافظ- رحمه الله تعالى-: ويمكن نظم هذه الأقوال كلها في كلام واحد، فإنّ محصلها لا ينافي بعضه بعضا، رتب ﷺ قوله: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» على ما تقدم من معجزة القرآن المستمرة لكثرة فائدته وعموم نفعه، لاشتماله على الدّعوة والحجة والإخبار بما سيكون فعمّ نفعه من حضر ومن غاب ومن وجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرجوى المذكورة على ذلك وهذه الرجوى قد تحقّقت فيه فإنّه أكثر الأنبياء تابعا ولا خلاف بين الفقهاء أنّ كتاب الله- معجز لم يقدر أحد على معارضته مع تحديهم بذلك قال تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة: ٦] فلولا
стр. 4192
أنّ سماعه حجّة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا يكون حجّة وإلّا فهو معجزة.
وقال الله تعالى: وقالوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ [العنكبوت/ ٥٠] أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ [العنكبوت/ ٥١] فأخبر أنّ الكتاب آية من آياته كان في الدّلالة قائم مقام معجزات غيره، وآيات من سواه من الأنبياء وقد جاءهم به النبي ﷺ إليهم، وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء، وتحدّاهم على أن يأتوا بمثله، وأمهلهم طول السّنين، فلم يقدروا ثم تحداهم بعشر سور منه، ثم تحدّاهم بسورة، فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن، هذا وهم الفصحاء الذين كانوا أحرص شيء على إطفاء نوره، وإخفاء أمره، فلو كان في مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها قطعا للحجّة، ولم ينقل عن أحد منهم أن حدّث نفسه بشيء من ذلك ولا رامه بل عدلوا إلى العناد تارة وإلى الاستهزاء أخرى، فتارة قالوا: «سحر» للطافته، وتارة قالوا: «سحر» لحسن نظمه وفصاحته، وقال آخرون إنّه أساطير الأولين، لاستغرابهم معانيه، وقال آخرون: «قول الكهنة» لتحيّرهم فيه، كل ذلك من التحيّر والانقطاع، ثم رضوا بتحكيم السيف في أعناقهم وسبي ذراريهم وحرمهم واستباحة أموالهم، وقد كانوا آنف شيء وأشدّه حمية، فلو علموا أن الإتيان بمثله من قدرتهم لبادروا إليه، لأنّه كان أهون عليهم.
وقال بعض العلماء: الذي أورده ﷺ على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الإتيان بمثله أعجب في الآية وأوضح في الدلالة من فلق البحر وإحياء الموتى وإبراء الأكمه، لأنّه أتى أهل البلاغة وأرباب الفصاحة ورواد البيان والمتقدمة في اللغز بكلام مفهوم المعنى وكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد عيسى ﷺ عند إحياء الموتى لأنّهم كانوا لا يطمعون فيه، ولا في إبراء الأكمه والأبرص ولا يتعاطون علمه، وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة، وقال القاضي: معجزات الرسل كانت واردة على أيديهم بقدر أحوال أهل زمانهم، وكانت بحسب المعنى الذي علا واشتهر فيه، فلما كان زمن موسى ﷺ غاية علم أهل السّحر بعث إليهم بمعجزة تشبه ما يدعون قدرتهم عليه، فجاءهم على يديه ﷺ منها ما خرق عادتهم من انقلاب العصا حيّة واليد السمراء يدا بيضاء من غير سوء لم يكن ذلك المعجز في قدرتهم، وقد أبطل ما جاءهم منها بسحرهم، وكذلك زمن عيسى ﷺ كان انتهاء ما كان عليه أهل الطب، وأوفر ما كان في أهله فجاءهم على يديه ﷺ أمر لا يقدرون عليه لاستحالة إتيانهم كغيرهم به وأتاهم بما لم يخطر لهم ببال من إحياء الموتى وإبراء الأكمه الذي ولد ممسوح العين والأبرص، وهو الذي بيده بياض فكان يأتيه من أطاق
стр. 4193
الإتيان، ومن لم يطق ذهب به إليه فربما اجتمع عنده الألفان يظهر لهم ذلك، فيداويهم من دون معالجة، وذلك بالدعاء، وهكذا سائر معجزات الأنبياء بقدر علم أهل زمانهم، فإن كان نبي مرسل إلى قومه بمعجزة من جنس ما عاينوه من علم وصناعة وغيرها. ثم بعث الله تعالى محمدا ﷺ ، وجملة معارف العرب وعلومها أربعة: البلاغة: وهي ملكة يبلغ بها المتكلّم من تأدية المعاني حدا يوزن بتوفيته خاصية كل تركيب حقّها.
والشّعر: وهو كلام موزون مقفى مراد به الوزن.
والخبر والكهانة: الخبر عن الكائنات وادّعاء معرفة الأسرار كان متفشيا فأنزل الله سبحانه عليه القرآن الخارق لهذه الأربعة الفصول من أجل الفصاحة والإيجاز والبلاغة الخارجة عن نوعه وطريقته، وكان العرب يتباهون بالفصاحة، ويتباهون في تحبير الشّعر والبلاغة، وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء، فأنزله تعالى على نبيه ﷺ قرآنا عربيا مبينا يشتمل على مذاهب لغة العرب، فتلا عليهم كلاما متشابه الرصف متجانس الوصف، سهل الموضوع، عذب المسموع، خارجا عن موضوع القريض والأسماع مستعذبا لأفهام الأسماع فلما سمعوه استبعدوه فقالوا فيه ما قالوا، فتحدّاهم على أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم تحدّاهم بعشر سور من مثله فعجزوا، ثمّ تحدّاهم بسورة من مثله، فآلوا عند العجز إلى القتل والقتال، وسبقوا العصور إلى الجحود والجدال، فلمّا عدلوا عن معارضته التي لو تمّت كان يدل على كذبه إلى قتاله الذي لو تم موضعهم فيه لم يدلّ على كذبه كان الإعجاز باديا ظاهرا وعجزهم عن معارضته وانتحاله معلوم، فالقرآن أفضل المعجزات لبقائه بعد وفاة النبي ﷺ ، ولم يبق معجز غيره بعد وفاته، آمنّا به، ولأن الأحكام الشرعيّة مستنبطة منه ولم تستنبط من معجز سواه، فالقرآن بحر لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وحكى أبو عبيد: أنّ أعرابيا سمع رجلا يقول فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤] ضحك وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام، وسمع رجلا آخر يقرأ فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [يوسف: ٨٠] فقال: أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام.
وحكى الأصمعي: أنّه سمع كلام جارية، وهي تقول: أستغفر الله من ذنوبي، فقلت لها:
لم تستغفرين، ولم يجر عليك القلم؟ قال: فقالت: أستغفر الله لذنبي كلّه: قتلت إنسانا لغير حلّه مثل غزال نائم في دلّه، انتصف اللّيل ولم أصلّه فقلت لها: لماذا تبكي، ما أفصحك، فقالت: أو يعد هذا فصاحة، بعد قوله تعالى وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ، فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
стр. 4194
[القصص: ٧] فجمع في آية واحدة بين أمرين، ونهيين، وخبرين وبشارتين، والآثار في هذا النوع كثيرة.
وقال القاضي- رحمه الله تعالى-: وحقا، إن العرب قد خصّوا من البلاغة والحكم بما لم يخصّ به غيرهم من الأمم وأتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان، ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب عن أن تلهج بتراكيب صناعتهم وتبهيج أساليب صياغتهم أفانين الكلام، فجعل الله- تعالى- ذلك لهم طبعا وخلقة وفيهم غريزة وقوة يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كلّ سبب، فيخطبون بديهة في المقامات شديد الخطب، ويرتجزون به بين الطّعن والضّرب، ويمدحون ويقدحون، ويتوسّلون به إلى ما يرومونه من نجاح مآربهم، ويتوصّلون به إلى الفوز بمطالبهم، ويرفعون ويضعون من أرادوا، فيأتون من ذلك بالسّحر الحلال الّذي انسجم لفظه، ولطف معناه في مواسمهم ومقاصدهم، ويطوّقون من أوصافهم الحميدة وسماتهم الحميدة ما رأوه أهلا من أوصافهم أجمل سمط اللآل، فيخدعون الألباب، ويذلّلون الصّعاب، ويذهبون الأحن، ويهجون الرتن ويجرّئون الجبان، ويبسطون الجعد البنان، ويصيرون الناقص كاملا، ويتركون النّبيه خاملا، منهم البدويّ ذو اللّفظ الجزل، والقول الفصل والكلام الفخم، والطبع الجوهريّ والمنزع القويّ، ومنهم الحضري، ذو البلاغة البارعة، والألفاظ التابعة، والكلمات الجامعة، والطبع السهل، والتصرف في القول، القليل الكلفة، الكثير الرونق، الرقيق الحاشية، وكلا البابين لهما في البلاغة الحجّة البالغة، والقوة الدامغة، والقدح الفالج، والمهيع الناهج، لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، يتصرفون في معاني أفانين الكلام، فيقلدون بجوز الأذهان روائع طرائفه، ويسترقون الأسماع ببدائع عوارفه، وقد حووا فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها فقالوا في الخطير والمهين، وتفننوا في الغث والسمين وتفاولوا في القلّ والكثير وتساجلوا في النظم والنثر، فما راعهم إلا رسول كريم منهم، بكتاب عزيز بلسانهم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، أحكمت آياته وفصّلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كلّ مقول، وتظاهر إيجازه، وإعجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتبارت في الحسن مطالعه، ومقاطعه، وحوت كلّ البيان جوامعه، وبدائعه واعتدل مع إيجازه، حسن نظمه، وانطبق على كثرة فوائده، مختار لفظه أزلا لله تعالى، فارقا لعلومهم الأربعة، من الفصاحة والإيجاز والبلاغة الخارجة عن نوع كلامهم، ومن النّظم الغريب، والأسلوب العجيب، الذي لم يهتدوا في المنظوم إلى طريقته، ولا علموا في أساليب الكلام والأوزان مثلا، ومن الإخبار عن الكوائن والحوادث والأسرار والمجنات والضمائر، فيوجد على ما كانت عليه ويعترف المخبر عنها نصحه ذلك وصدقه، وإن كان أعدى العدو
стр. 4195
إذا أبطل الكهانة الذي تصدق مرة وتكذب عشرا، ثم ليجتثّها من أصلها برجم الشّهب ورسل النجوم، وجاء من القرآن من الأخبار عن القرون السّالفة، عن الأنبياء والأمم البائدة من الحوادث الماضية ما ينجز من تفرّغ لهذا العلم عن بعضه، وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا، وأشهر في الخطابة رجالا، وأكثر في السجع والشعر سجالا، وأوسع في اللّغة والغريب مقالا، بلغتهم التي بها يتحاورون، ومنازعهم التي عنها يناضلون صارخين بها في كل حين ومقرعا لهم بضعا وعشرين عاما على رءوس أشرافهم ورؤسائهم أجمعين، فتحدّاهم أوّلا بكلّ القرآن، ثم تحدّاهم بعشر سور، فقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ: افْتَراهُ [يونس: ٣٨] أي بل يقولون اختلقه، والهمزة إشارة لقولهم، أو تقرير لإلزام الحجّة عليهم، وهما متقاربان، لأنّ مآلهما واحد وهو إبطال قولهم وتثبيت التقرير بما يؤذن به قل على سبيل التهكّم عليهم، والتقريع لهم، والمناداة على كمال عجزهم، وإلزام الحجّة عليهم، إن كان الأمر كما زعمتم على وجه الافتراء بعشر سور مثله في البيان وحسن النظم مفتريات مختلفات من عند أنفسكم، «وادعوا من استطعتم من دون الله» أي استعينوا بغير الله ممّن يمكن استعانتكم به على الإتيان بذلك، لأنّه تعالى هو القادر عليه وحده «إن كنتم صادقين» في أنّه افتراه، فعجزوا عن ذلك فتحدّاهم بسورة واحدة منها، كما قرّ عليهم، فقال الله- : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [البقرة/ ٢٣] أي مماثلة للقرآن في البلاغة وحسن النّظم وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [البقرة/ ٢٣] أي استظهروا لمعارضته من حضركم، أو ارجوا معونة غير الله تعالى، فإنّه هو القادر عليه إن كنتم صادقين في أنّنا لم ننزله عليه، فلمّا عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشهد عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن، وكانوا أحرص شيء على إخفاء نوره، فلو كان في مقدرتهم معارضته، لعدلوا إليها قطعا للحجّة، فلم يزل ﷺ يقرعهم أشد التقريع، ويوبّخهم غاية التوبيخ، ويسفه أحلامهم، ويحطّ أعلامهم، ويشتت نظامهم، ويذم آلهتهم، ويستبيح أرضهم، وديارهم، وأموالهم، وهم في كلّ هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته يخادعون أنفسهم بالتشغيب، والتكذيب، والإغراء بالافتراء، كقولهم إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر/ ٢٤] وسِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر/ ٢] وإِفْكٌ افْتَراهُ [الفرقان/ ٤] وأساطير الأوّلين والمباهتة، والرضا بالدنية كقولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ [البقرة/ ٨٨] فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فصلت/ ٥] ، لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه بخرافات وسواقط الكلم رافعين أصواتهم بها، تشويشا على قارئه، والادّعاء مع العجز بقولهم: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال/ ٣١] وقاحة وفرحا وعنادا وإلا فما منعكم لو ساعدتهم الاستطاعة إن شاءوا ذلك أن تحدّاهم وقرعهم بالعجز ليفوزوا للغلبة فرحا بأنفسهم واستنكافهم أن يغلبوا فيها في باب البيان وقد قال تعالى وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة/ ٢٤] فما فعلوا،
стр. 4196
وما قدروا على أن يأتوا بمقدار سورة توازيه وتدانيه، مع علمهم في مضادّته ومضارعته.
فصل: لما أثبت كون القرآن معجزة لنبينا ﷺ وجب الاهتمام بمعرفة وجه الإعجاز، وقد خاض النّاس في ذلك كثيرا بين محسن ومسيء فزعم قوم أنّ التحدّي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذّات وأنّ العرب كلّفت في ذلك ما لا يطاق، وبه وقع عجزها وهو مردود، لأن ما لا يمكن الوقوف عليه لا يتصوّر التحدي به والصّواب ما قاله الجمهور أنه وقع بالدّالّ على القديم الذي يوصف به الذّات، وأنّ العرب كلّفت في ذلك مالا يطاق، وهو الألفاظ، ثم زعم النظّام من «المعتزلة» أنّ إعجازه بالصّرفة أي أن الله تعالى صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم، وكان مقدورا لهم، لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات، وهذا قول فاسد، بدليل قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [الإسراء/ ٨٨] الآية، فإنه على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة لم يبق لهم فائدة لاجتماعهم لمنزلة منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى ممّا يحتفل بذكره، هذا مع أن الإجماع منعقد على أنّ الإضافة للإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزا، وليس فيه صفة إعجاز، بل المعجز هو الله تعالى، حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله، وأيضا فيلزم من القول بالصّرفة زوال الإعجاز بزوال زمان التّحدّي وخلوّ القرآن من الإعجاز، وفي ذلك خرق إجماع الأمة، فإن معجزة رسول الله ﷺ العظمى باقية ولا معجزة له باقية سوى القرآن، قال قاضي أهل الحقّ أبو بكر الباقلاني: وممّا يبطل القول بالصّرفة أنّه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع عنها الصّرف لم يكن الكلام معجزا، وإنّما يكون بالمنع معجزا فلا يتضمّن الكلام فضيلة على غيره في نفسه قال: وليس هذا بأعجب من قول فريق منهم أنّ الكلّ قادرون على الإتيان بمثله، وإنّما تأخّروا عنه لعدم العلم بوجه ترتيبه، ولو تعلّموه لوصلوا إليه به، ولا أعجب من قول آخرين أنّ العجز وقع منهم، وأما من بعدهم ففي قدرته الإتيان بمثله، وكلّ هذا لا يعتدّ به، ومن الأول قول القاضي أبي بكر: وجه إعجازه ما فيه من النّظم والتأليف والتّرصيف وأنه خارج عن جميع وجوه النّظم المعتاد في كلام العرب، ومباين لأساليب خطاباتهم، قال: ولهذا لم يمكنهم معارضته.
قال: ولا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من أصناف البديع التي أودعوها في الشّعر، لأنّه ليس مما يخرق العادة، بل يمكن استدراكه بالعلم والتّدريب والتّصنّع به، كقول الشّعر ورصف الخطب، وصناعة الرسالة، والحذق في البلاغة، وله طريق تسلك، فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذي عليه، ولا إمام يقتدى به، ولا يصح وقوع مثله اتّفاقا، ونحن نعتقد أنّ الإعجاز في بعض القرآن أظهر، وفي بعض أدقّ وأغمض.
وقال الإمام الرّازيّ: وجه الإعجاز الفصاحة، وغرابة الأسلوب، والسلامة من جميع العيوب.
стр. 4197
وقال الزّملكانيّ: وجه الإعجاز راجع إلى التأليف الخاصّ به، لا مطلق التّأليف، بأن اعتدلت مفرداته تركيبا وزنة وعلت مركباته معنى بأن يوقّع كلّ فنّ في مرتبته العليا في اللفظ والمعنى.
وقال حازم في «منهاج البلغاء» : وجه الإعجاز في القرآن، من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارا لا يوجد له فترة، ولا يقدر عليه أحد من البشر، وكلام العرب ومن تكلّم بلغتهم لا تستمرّ الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلّا في الشّيء اليسير المعدود ثمّ تعرض الفترات الإنسانية فينقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمرّ لذلك الفصاحة في جميعه، بل توجد في تفاريقه وأجزاء منه.
وقال ابن عطية الصحيح والّذي عليه الجمهور والحذّاق في وجه إعجازه، أنّه وصحّة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه، وذلك بأنّه- أحاط بالكلام كلّه علما، فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أيّ لفظة تصلح أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أوّل القرآن إلى آخره، والبشر يعمّهم الجهل والنّسيان والذّهول، ومعلوم ضرورة أنّ أحدا من البشر لا يحيط بذلك، فبهذا جاء نظم القران في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا يبطل قول من قال: إنّ العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله فصرفوا عن ذلك، والصّحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قطّ، ولهذا ترى البليغ ينقّح القصيدة أو الخطبة حولا ثمّ ينظر فيها فيغيّر فيها، وهلمّ جرّا، وكتاب الله سبحانه لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد، ونحن تتبيّن لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذّوق وجودة القريحة، وقامت الحجّة على العالم بالعرب، إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة، كما قامت الحجة في معجزة موسى بالسحرة، وفي معجزة عيسى بالأطبّاء، فإن الله- إنّما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشّهير أبرع ما يكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره، فكان السحر قد انتهى في مدّة موسى إلى غايته، وكذلك الطّبّ في زمن عيسى، والفصاحة في زمن محمد ﷺ .
وقال الخطّابيّ: ذهب الأكثرون من علماء النظر إلى أنّ وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة لكن صعب عليهم تفصيلها، وصغوا فيه إلى حكم الذوق، قال: والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في درجات البيان متفاوتة، فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح الغريب السّهل، ومنها الجائز الطلق الرّسل، وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، فالأول أعلاها، والثاني أوسطها، والثالث أدناها وأقربها، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصّة، وأخذت من كل نوع شعبة، فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام،
стр. 4198
بجمع صفتي الفخامة والعذوبة وهما على الانفراد في نعوتهما، كالمتضادين، لأن العذوبة تتابع السهولة، والجزالة والمتانة يعالجان نوعا من الزعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبوّ كل واحد منهما على الآخر فضيلة خصّ بها القرآن، ليكون آية بينة لنبيه ﷺ وإنما تعذّر على البشر الإتيان بمثله لأمور.
منها: أنّ علمه لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية، وأوضاعها التي هي ظروف المعاني ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض فيتوصلوا باختيار الأفضل من الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله، وإنّما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة، لفظ حاصل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم، وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسن تأليفا، وأشد تلاؤما، وتشاكلا من نظمه، وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه والتّرقي إلى أعلى درجاته، وقد توجد هذه الفضائل الثلاثة، على التفرّق في أنواع الكلام، فأمّا أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلّا في كلام العليم القدير، فخرج من هذا أن القرآن إنّما صار معجزا، لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التآليف مضمنا أصحّ المعاني، من توحيد الله تعالى، وتنزيهه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته وبيان لطريق عبادته، في تحليل وتحريم وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر بالمعروف، ونهي عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساويها، واضعا كلّ شيء منها موضعه الذي لا يرى شيئا أولى منه، ولا يتوهّم في صورة العقل أليق به منه مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل منه مثلات الله تعالى بمن مضى وعاند منهم منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الآتية من الزمان جامعا في ذلك بين الحجّة والمحتجّ له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أكبر للزوم ما دعا عليه وإنباء عن وجوب ما أمر به، ونهى عنه، ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتّى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله، أو مناقضته في شكله، ثم صار المعاندون له يقولون مرّة إنه شعر لمّا رأوه منظوما، ومرّة إنّه سحر لمّا رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب، وفزعا في النفوس يريبهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف، ولذلك قالوا إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة، وكانوا مرّة بجهلهم، يقولون أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: ٥] مع علمهم أنّ صاحبهم أمّيّ وليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ذلك، من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز، ثم قال: وقد قلت في إعجاز القرآن وجها ذهب عنه الناس، وهو صنيعه في
стр. 4199
القلوب، وتأثيره في النفوس، فإنّك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما، ولا منثورا إذا قرع السّمع خلص له إلى القلب من اللّذّة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في حال آخر، ما يخلص منه إليه قال الله- لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر: ٢١] وقال نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر/ ٢٣] .
وقال ابن سراقة اختلف أهل العلم في وجه إعجاز القرآن، فذكروا في ذلك وجوها كثيرة كلّها حكمة وصواب، وما بلغوا في وجوه إعجازه جزءا واحدا من عشر معشاره.
فقال قوم: هو الإيجاز مع البلاغة. وقال آخرون: هو البيان والفصاحة.
وقال آخرون: هو الرّصف والنّظم وقال آخرون: فهو كونه خارجا عن جنس كلام العرب من النّظم والنّثر والخطب والشّعر مع كون حروفه في كلامهم ومعانيه في خطابهم وألفاظه من جنس كلماتهم، وهو بذاته قبيل غير قبيل كلامهم، وجنس آخر متميز عن أجناس خطابهم، حتى إن من اقتصر على معانيه، وغيّر حروفه، أذهب رونقه، ومن اقتصر على حروفه وغير معانيه، أبطل فائدته، فكان في ذلك أبلغ دلالة على إعجازه، وقال آخرون: هو كون قارئه لا يكلّ، وسامعه لا يملّ، وإن تكرّرت عليه تلاوته.
وقال آخرون: هو ما فيه من الإخبار عن الأمور الماضية.
وقال آخرون: هو ما فيه من علم الغيب، والحكم على الأمور بالقطع.
وقال آخرون: هو كونه جامعا لعلوم يطول شرحها ويشق حصرها. قال الزركشي في «البرهان» : أجمع أهل التحقيق على أنّ الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال لا بكل واحد على انفراده، فإنه جمع ذلك كلّه، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع، بل وغير ذلك مما لم يسبق، فمنها الرّوعة التي له في قلوب السّامعين وأسماعهم سواء المقرّ والجاحد، ومنها: أنه لم يزل ولا يزال غضا طريّا في أسماع السامعين وعلى السنة القارئين، ومنها: جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادّين لا يجتمعان غالبا في كلام البشر.
ومنها جعله آخر الكتب غنيا عن غيره، وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه، كما قال إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل/ ٧٦] وقال القاضي وغيره من العلماء: [....] اختلف الناس في الوجه الذي وقع به إعجاز القرآن على أقوال حاصلها: أنّه وقع بعدّة وجوه منها: يخصّ حسن تأليفه، ومنها: التئام كلمه، وفصاحته ووجوه إيجازه، من قصر وحذف جزء جملة مضاف أو موصوف أو صفة في نحو «واسأل القرية» أي أهلها ومنادون أي برجال، و «يأخذ كلّ
стр. 4200
سفينة غصبا» أي سفينة صالحة وغير ذلك مما استدل عليه من وجوه الإعجاز، وبلاغته الخارقة لعادة العرب في عجائب تراكيبهم ومنها صورة نظمة العجيب، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب، ومنهاج نظمها ونثرها، الذي جاء عليه ووقفت عليه مقاطع آياته، وانتهت إليه فواصل كلماته، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ومنها: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغّيبات، وما لم يكن موجوداً فوجد كما ورد.
ومنها إنباؤه عن أخبار القرون الماضية والأمم البائدة والشرائع السالفة ما كان لا يعلم منه القصّة الواحدة إلا الفذّ من إخبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلّم ذلك، فيورده سيدنا محمد ﷺ على وجهه، ويأتي به على نصّه، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب.
ومنها: ما تضمّنه عن الأخبار بالضمائر كقوله تعالى إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ [آل عمران/ ١٢٢] وقوله: يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ [المجادلة: ٨] .
ومنها آي وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنّهم لا يفعلونها، فما فعلوا، ولا قدروا على ذلك كقوله في اليهود: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة/ ٩٥] .
ومنها ترك المعارضة مع توفّر الدواعي وشدة الحاجة.
ومنها: الرّوعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته، كما وقع لجبير بن مطعم أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب والطور، فلما بلغ هذه الآية أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ إلى قوله الْمُصَيْطِرُونَ [الطور/ ٣٥- ٣٧] كاد قلبي [....] أن يطير، قال: وذلك أوّل ما وقر الإسلام في قلبي، وقد سمع غير واحد آيات منه، فمات لوقته، وألّف بعضهم كتابا فيمن قتله القرآن.
ومنها: أن قارئه لا يملّه، وسامعه لا يمجّه، بل الإكباب على تلاوته، يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبّة وغيره من الكلام يعادى إذا أعيد، ويملّ مع الترديد، ولهذا وصف رسول الله ﷺ القرآن بأنّه لا يخلق على كثرة «الترداد» .
ومنها: كونه آية باقية لا يعدم ما بقيت الدنيا مع تكفّل الله بحفظه، ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب، ولا أحاط بعلمها أحد، في كلمات قليلة، وأحرف معدودة.
ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة، وهما كالمتضادين لا يجتمعان في كلام البشر غالبا.
ومنها جعله آخر الكتب غنيّا عن غيره، وجعل غيره من الكتب قد يحتاج إليه كما قال
стр. 4201
تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل/ ٧٦] قال القاضي: والوجوه الأربعة الأول هي المعتمد عليها في الإعجاز والباقي يعدّ في خصائصه، وبقي من خصائصه كونه نزل على سبعة أحرف، وكونه نزل مفرّقا منجّما، وكونه ميسّرا للحفظ، وسائر الكتب بخلاف ذلك في الثّلاثة.
قال القاضي: وإذ عرفت ما ذكر من وجوه إعجاز القرآن عرفت أنّه لا تحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين ولا أكثر، لأنه ﷺ قد تحدّى به بسورة منه فعجزوا عنها.
قال أهل العلم: وأقصر الصّور «إنا أعطيناك الكوثر» فكل آية أو آيات منه بعددها وقدرها معجزة، ثم فيها نفسها معجزات على ما سبق.
قال الشيخ- رحمه الله تعالى ورضي الله عنه- وإذا أعددتّ كلمات سورة الكوثر وجدتّها بضع عشرة كلمة، وقد عدّ قوم كلمات القرآن سبعا وسبعين ألف كلمة وتسعمائة وأربعا وثلاثين تقريبا فالقدر المعجز منه يكون في العدد نحو: سبعة آلاف تقريبا تضرب في ثمانية أوجه الأوّلان، والسابع والثامن، والتّاسع، والعاشر، والحادي عشر، والثاني عشر تبلغ ستة وخمسين ألف معجزة، ثمّ تضمّ إلى ذلك ما في بعضه من الثالث، والرابع، والخامس، والسادس جملة وافرة فتصل معجزات القرآن بذلك إلى ستين ألف معجزة أو أكثر. انتهى.
وقال القاضي أيضا: معجزات الرّسل، ويرحم الله سيدي محمد وفا حيث قال:
له معجز القرآن في غير جمعه ... جوامع آيات بها أفصح الرّشد
حديث ثرية عن حدوث منزه ... قديم صفات الذّات ليس له ضدّ
بلاغ بلاغ للبلاغة معجز ... له معجزات لا يعدّ لها حدّ
تحلّت بروح الوحي حلّت نسجه ... عقود اعتقاد لا يحلّ لها عقد
وغاية أرباب البلاغة عجزهم ... لديد وإن كانوا هم الألسن اللدّ
ورحم الله السرقسطي حيث قال:
عجّزت بالوحي أرباب البلاغة في ... عصر البيان فضلّت أوجه الحيل
سألتهم سورة في مثل حكمته ... قتلهم عنه العجز حين تلي
ورام رجس كذوب أن يعارضه ... بغي عييّ فلم يحسن ولم يطل
مشيح بركيك الإفك ملتبس ... ملهج بذوي الزّور والخطل
يمجّ أوّل حرف سمع سامعه ... ويعتريه كلال العجز والملل
كأنّ منطق أنورها شدّ به ... لبس من الخيل أو مسّ من الخبل
أمرت البين وأعوزت محبته ... فيها وأعمى بصير العين بالنّقل
стр. 4202
وأبيض الدّرع من شؤم راحته ... من بعد إرساله رسل منه منهل
برئت من دين قوم لا قوام له ... عقولهم من وقاف الفيّ في عقل
يستخبرون فتى الغيب من حجر ... صلد ويرجون غوث النّصر من هبل
الأولى: اختلف في قدر المعجزة من القرآن فذهبت بعض المعتزلة إلى أنّه يتعلق بجميع القرآن، والآيتان السابقتان تردّه.
وقال القاضي أبو بكر: يتعلق الإعجاز بسورة طويلة كانت أو قصيرة، تشبثا بظاهر قوله:
«بسورة» .
وقال في موضع آخر: يتعلّق بسورة أو قدرها من الكلام، بحيث يتبين فيه تفاضل قوى البلاغة.
قال: فإذا كانت آية بقدر حرف سورة، وإن كانت سورة كسورة الكوثر، فذلك معجز قال: ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر.
قال قوم: لا يحصل الإعجاز بآية بل يشترط الآيات الكثيرة.
وقال آخرون: يتعلق بقليل القرآن وكثيره لقوله تعالى فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [الطور/ ٣٤] قال القاضي أبو بكر: ولا دلالة في الآية، لأنّ الحديث التامّ لا يتحصل حكايته في أقل من كلمات سورة قصيرة.
الثانية: اختلف في أنّه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة.
قال القاضي: فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعريّ إلى أنّ ظهور ذلك على النبي ﷺ يعلم ضرورة وكونه معجزا يعلم بالاستدلال، قال: والذي تقوله: أن الأعجميّ لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا، وكذلك من ليس ببليغ، فأمّا البليغ الذي قد أحاط بمذاهب العرب، وغرائب الصّنعة، فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه وعجز غيره عن الإتيان بمثله.
الثالثة: اختلف في تفاوت القرآن في مراتب الفصاحة، بعد اتفاقهم على أنّه في أعلى مراتب البلاغة بحيث لا يوجد في التراكيب ما هو أشدّ تناسبا ولا اعتدالا في إفادة ذلك المعنى منه، فاختار القاضي المنع، وأن كلّ كلمة فيه موصوفة بالذّروة العليا، وإن كان بعض النّاس أحسن إحساسا له من بعض، واختار أبو النصر القشيري وغيره التّفاوت، فقال: لا ندّعي أن كل ما في القرآن على أرفع الدّرجات في الفصاحة وكذا قال غيره: في القرآن الأفصح والفصيح، وإلى هذا نحا الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ثم أورد سؤالا، وهو إنه لم يأت القرآن جميعه
стр. 4203
بالأفصح؟، وأجاب عنه الصّدر موهوب الجزريّ بما حاصله أنّه لو جاء القرآن على ذلك لكان على غير النّمط المعتاد في كلام العرب من الجمع بين الأفصح والفصيح، فلا تتم الحجّة في الإعجاز فجاء على نمط كلامهم المعتاد، ليتمّ ظهور العجز عن معارضته، ولا يقولوا مثلا أتيت بما لا قدرة لنا عليه أو على جنسه كما لا يصح للبصير أن يقول للأعمى: قد غلبتك بنظري، لأنّه يقول له: إنّما تتمّ لك الغلبة، لو كنت قادرا على النّظر، وكان نظرك أقوى من نظري، فأمّا إذا فقد أصل النّظر، فكيف يصح من المعارضة والله أعلم.
الرابعة: قيل: الحكمة من تنزيه القرآن عن الشّعر الموزون، مع أن الموزون من الكلام رتبته فوق رتبة غيره، أنّ القرآن منبع الحقّ ومجمع الصدق، وقصارى أمر الشاعر التخييل، بتصوير الباطل في صورة الحقّ والإفراط في الإطراء والمبالغة في الذّمّ والإيذاء دون إظهار الحقّ وإثبات الصدق، ولهذا نزه الله- نبيّه عنه، ولأجل شهرة الشّعر بالكذبة سمّى أصحاب البرهان القياسات المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعريّة.
وقال بعض الحكماء: لم ير متدين صادق اللهجة مغلقا في شعره، وأما ما وجد في القرآن مما صورته صورة الموزون، فالجواب عنه إن ذلك لا يسمّى شعرا، لأنّ شرط الشّعر القصد، ولو كان شعرا لكان كل من اتّفق في كلامه شيء موزون شاعرا، ولكان الناس كلّهم شعراء، لأنه قلّ أن يخلو كلام احد عن ذلك، وقد ورد ذلك على الفصحاء، فلو اعتقدوه شعرا لبادروا إلى معارضته والطعن عليه، لأنّهم كانوا أحرص شيء على ذلك، وإنّما يقع ذلك لبلوغ الكلام الغاية القصوى في الانسجام. وقيل: البيت الواحد وما كان على وزنه لا يسمّى شعرا، وأقلّ الشّعر بيتان فصاعدا.
وقيل: الرّجز لأنه لا يسمى شعرا أصلا، وقيل: أقل ما يكون من الرّجز شعرا أربعة أبيات، وليس ذلك في القرآن بحال.
الخامسة: قال بعضهم: التحدي إنما وقع للإنس دون الجنّ، لأنهم ليسوا من أهل اللسان العربيّ الذي جاء القرآن على أساليبه وإنّما ذكروا في قوله قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [الاسراء: ٨٨] تعظيما لإعجازه، لأنّ للهيئة الاجتماعية من القوّة ما ليس للأفراد فإذا فرض اجتماع الثّقلين فيه، وظاهر بعضهم بعضا وعجزوا عن المعارضة، كان الفريق الواحد أعجز.
وقال غيره: بل وقع للجن والملائكة منويون في الآية، لأنّهم لا يقدرون أيضا على الإتيان بمثل هذا القرآن.
стр. 4204
وقال الكرماني في «غرائب التفسير» : إنّما اقتصر في الآية على ذكر الإنس والجنّ، لأنه ﷺ كان مبعوثا إلى الثقلين دون الملائكة، قلت: وسيأتي بسط الكلام عن ذلك في الخصائص.
السادسة: قال القاضي أبو بكر: فإن قيل هل تقولون: إن غير القرآن من كلام الله تعالى معجز كالتّوراة والإنجيل؟ قلنا: ليس شيء من ذلك بمعجز في النظم والتأليف، وإن كان معجزا كالقرآن فيما يتضمن من الأخبار بالغيوب وإنما لم يكن معجزا، لأن الله تعالى لم يصفه بما وصف به القرآن، ولأنّا قد علمنا أنه لم يقع التّحدي إليه، كما وقع في القرآن، ولأنّ ذلك اللسان لا يتأتى فيه من وجوه الفصاحة ما يقع به التّفاضل الذي ينتهي إلى حدّ الإعجاز.
وقد ذكر ابن جني في «الخاطريّات» في قوله تعالى: يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى [طه: ٦٥] إن العدول عن قوله «إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ» لغرض أحدهما: لفظيّ وهو المزاوجة لرؤوس الآي، والآخر معنويّ، وهو أنّه سبحانه أراد أن يخبر عن قوّة نفس السّحرة، واستهانتهم على موسى فجاء عنهم باللّفظ أتمّ وأوفى منه إسنادهم الفعل إليه، ثم أورد سؤالا، وهو أنّا نعلم أنّ السّحرة لم يكونوا أهل لسان، فيذهب هذا المذهب من صنعة الكلام، وأجاب بأن جميع ما ورد في القرآن حكاية عن غير أهل اللّسان من القرون الخالية إنّما هو معرب عن معانيهم وليس بحقيقة ألفاظهم، ولهذا لا يشكّ في أن قوله تعالى: قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى [طه:
٦٣] أنّ هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم.
السابعة: سئل الغزاليّ عن معنى قوله تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء/ ٨٢] .
فأجاب: الاختلاف لفظ مشترك بين معان، وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه، بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن، يقال: هذا كلام مختلف، أي لا يشبه أوله آخره في الفصاحة، أو هو مختلف الدّعوى، أي بعضه يدعو إلى الدين، وبعضه يدعو إلى الدنيا، وهو مختلف النظم، فبعضه على وزن الشعر، وبعضه منزحف، وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة، وبعضه على أسلوب يخالفه، وكلام الله منزّه عن هذه الاختلافات، فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره، وعلى درجة واحدة في غاية الفصاحة، فليس يشتمل على الغثّ والسمين، ومسوق لمعنى واحد، وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى، وصرفهم عن الدنيا إلى الدّين، وكلام الآدميين تتطرق إليه هذه الاختلافات إذ كلام الشعراء والمترسّلين إذا قيس عليه، وجد فيه اختلاف في منهاج النظم، ثم اختلاف في درجات الفصاحة، بل في أصل الفصاحة،
стр. 4205
حتى يشتمل على الغثّ والسمين، فلا تتساوى رسالتان ولا قصيدتان، بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة وأبيات سخيفة، وكذلك تشتمل القصائد والأشعار على أغراض مختلفة، لأن الشعراء والفصحاء في كل واد يهيمون، فتارة يمدحون الدنيا، وتارة يذمونها، وتارة يمدحون الجبن ويسمونه حزما، وتارة يذمونه ويسمونه ضعفا، وتارة يمدحون الشجاعة ويسمونها صرامة، وتارة يذمّونها ويسمّونها تهوّرا، ولا ينفك كلام آدمي عن هذه الاختلافات، لأن منشأها اختلاف الأغراض والأحوال، والإنسان تختلف أحواله فتساعده الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه، وتتعذر عليه عند الانقباض، وكذلك تختلف أغراضه، فيميل إلى الشيء مرّة، ويميل عنه أخرى، فيوجب ذلك اختلافا في كلامه بالضرورة، فلا يصادف إنسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة- وهي مدة نزول القرآن- فيتكلم على غرض واحد ومنهاج واحد، ولقد كان النبي ﷺ بشرا تختلف أحواله. فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
الثامنة: قال البارزي في أول كتابه «أنوار التحصيل في أسرار التنزيل» : اعلم أنّ المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض، وكذلك كل واحد من جزأي الجملة، قد يعبّر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر، ولا بد من استحضار معاني الجمل، أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها، واستحضار هذا متعذّر على البشر في أكثر الأحوال، وذلك عتيد حاصل في علم الله تعالى، فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه، وإن كان مشتملا على الفصيح والأفصح، والمليح والأملح، ولذلك أمثلة، منها قوله تعالى: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ، [الرحمن/ ٥٤] لو قال مكانه: «وثمر الجنتين قريب» ، لم يقم مقامه من جهة الجناس بين الجني والجنتين، ومن جهة أن الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يجنى فيها، ومن جهة مؤاخاة الفواصل. ومنها قوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ [العنكبوت/ ٤٨] ، أحسن من التعبير ب «تقرأ» لثقله بالهمزة. ومنها لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة/ ٢] أحسن من «لا شك فيه» لثقل الإدغام، ولهذا كثر ذكر الريب منها. وَلا تَهِنُوا [آل عمران/ ١٣٩] ، أحسن من «ولا تضعفوا» لخفته. ووَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي [مريم/ ٤] أحسن من «ضعف» لأن الفتحة أخف من الضمة. ومنها آمَنَ أخفّ من «صدق» ، ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق وآثَرَكَ اللَّهُ [يوسف/ ٩١] أخفّ من «فضلك» وآتَى أخف من «أعطى» . وأُنْذِرَ [يس/ ٦] أخفّ من «خوف» . وخَيْرٌ لَكُمْ [البقرة/ ٥٤] أخفّ من «أفضل لكم» ، والمصدر في نحو هذا خَلْقُ اللَّهِ [لقمان/ ١١] ، يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة/ ٣] ، أخف من «مخلوق» و «الغائب» ، وتَنْكِحَ [البقرة/ ٢٣٠] أخف من «تتزوج» ، لأن «تفعل» أخف من «تفعّل» ، ولهذا كان ذكر النكاح فيه أكثر.