← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل/ ٧٦] قال القاضي: والوجوه الأربعة الأول هي المعتمد عليها في الإعجاز والباقي يعدّ في خصائصه، وبقي من خصائصه كونه نزل على سبعة أحرف، وكونه نزل مفرّقا منجّما، وكونه ميسّرا للحفظ، وسائر الكتب بخلاف ذلك في الثّلاثة. قال القاضي: وإذ عرفت ما ذكر من وجوه إعجاز القرآن عرفت أنّه لا تحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين ولا أكثر، لأنه ﷺ قد تحدّى به بسورة منه فعجزوا عنها. قال أهل العلم: وأقصر الصّور «إنا أعطيناك الكوثر» فكل آية أو آيات منه بعددها وقدرها معجزة، ثم فيها نفسها معجزات على ما سبق. قال الشيخ- رحمه الله تعالى ورضي الله عنه- وإذا أعددتّ كلمات سورة الكوثر وجدتّها بضع عشرة كلمة، وقد عدّ قوم كلمات القرآن سبعا وسبعين ألف كلمة وتسعمائة وأربعا وثلاثين تقريبا فالقدر المعجز منه يكون في العدد نحو: سبعة آلاف تقريبا تضرب في ثمانية أوجه الأوّلان، والسابع والثامن، والتّاسع، والعاشر، والحادي عشر، والثاني عشر تبلغ ستة وخمسين ألف معجزة، ثمّ تضمّ إلى ذلك ما في بعضه من الثالث، والرابع، والخامس، والسادس جملة وافرة فتصل معجزات القرآن بذلك إلى ستين ألف معجزة أو أكثر. انتهى. وقال القاضي أيضا: معجزات الرّسل، ويرحم الله سيدي محمد وفا حيث قال: له معجز القرآن في غير جمعه ... جوامع آيات بها أفصح الرّشد حديث ثرية عن حدوث منزه ... قديم صفات الذّات ليس له ضدّ بلاغ بلاغ للبلاغة معجز ... له معجزات لا يعدّ لها حدّ تحلّت بروح الوحي حلّت نسجه ... عقود اعتقاد لا يحلّ لها عقد وغاية أرباب البلاغة عجزهم ... لديد وإن كانوا هم الألسن اللدّ ورحم الله السرقسطي حيث قال: عجّزت بالوحي أرباب البلاغة في ... عصر البيان فضلّت أوجه الحيل سألتهم سورة في مثل حكمته ... قتلهم عنه العجز حين تلي ورام رجس كذوب أن يعارضه ... بغي عييّ فلم يحسن ولم يطل مشيح بركيك الإفك ملتبس ... ملهج بذوي الزّور والخطل يمجّ أوّل حرف سمع سامعه ... ويعتريه كلال العجز والملل كأنّ منطق أنورها شدّ به ... لبس من الخيل أو مسّ من الخبل أمرت البين وأعوزت محبته ... فيها وأعمى بصير العين بالنّقل

стр. 4202

وأبيض الدّرع من شؤم راحته ... من بعد إرساله رسل منه منهل برئت من دين قوم لا قوام له ... عقولهم من وقاف الفيّ في عقل يستخبرون فتى الغيب من حجر ... صلد ويرجون غوث النّصر من هبل الأولى: اختلف في قدر المعجزة من القرآن فذهبت بعض المعتزلة إلى أنّه يتعلق بجميع القرآن، والآيتان السابقتان تردّه. وقال القاضي أبو بكر: يتعلق الإعجاز بسورة طويلة كانت أو قصيرة، تشبثا بظاهر قوله: «بسورة» . وقال في موضع آخر: يتعلّق بسورة أو قدرها من الكلام، بحيث يتبين فيه تفاضل قوى البلاغة. قال: فإذا كانت آية بقدر حرف سورة، وإن كانت سورة كسورة الكوثر، فذلك معجز قال: ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر. قال قوم: لا يحصل الإعجاز بآية بل يشترط الآيات الكثيرة. وقال آخرون: يتعلق بقليل القرآن وكثيره لقوله تعالى فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [الطور/ ٣٤] قال القاضي أبو بكر: ولا دلالة في الآية، لأنّ الحديث التامّ لا يتحصل حكايته في أقل من كلمات سورة قصيرة. الثانية: اختلف في أنّه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة. قال القاضي: فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعريّ إلى أنّ ظهور ذلك على النبي ﷺ يعلم ضرورة وكونه معجزا يعلم بالاستدلال، قال: والذي تقوله: أن الأعجميّ لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا، وكذلك من ليس ببليغ، فأمّا البليغ الذي قد أحاط بمذاهب العرب، وغرائب الصّنعة، فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه وعجز غيره عن الإتيان بمثله. الثالثة: اختلف في تفاوت القرآن في مراتب الفصاحة، بعد اتفاقهم على أنّه في أعلى مراتب البلاغة بحيث لا يوجد في التراكيب ما هو أشدّ تناسبا ولا اعتدالا في إفادة ذلك المعنى منه، فاختار القاضي المنع، وأن كلّ كلمة فيه موصوفة بالذّروة العليا، وإن كان بعض النّاس أحسن إحساسا له من بعض، واختار أبو النصر القشيري وغيره التّفاوت، فقال: لا ندّعي أن كل ما في القرآن على أرفع الدّرجات في الفصاحة وكذا قال غيره: في القرآن الأفصح والفصيح، وإلى هذا نحا الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ثم أورد سؤالا، وهو إنه لم يأت القرآن جميعه

стр. 4203

بالأفصح؟، وأجاب عنه الصّدر موهوب الجزريّ بما حاصله أنّه لو جاء القرآن على ذلك لكان على غير النّمط المعتاد في كلام العرب من الجمع بين الأفصح والفصيح، فلا تتم الحجّة في الإعجاز فجاء على نمط كلامهم المعتاد، ليتمّ ظهور العجز عن معارضته، ولا يقولوا مثلا أتيت بما لا قدرة لنا عليه أو على جنسه كما لا يصح للبصير أن يقول للأعمى: قد غلبتك بنظري، لأنّه يقول له: إنّما تتمّ لك الغلبة، لو كنت قادرا على النّظر، وكان نظرك أقوى من نظري، فأمّا إذا فقد أصل النّظر، فكيف يصح من المعارضة والله أعلم. الرابعة: قيل: الحكمة من تنزيه القرآن عن الشّعر الموزون، مع أن الموزون من الكلام رتبته فوق رتبة غيره، أنّ القرآن منبع الحقّ ومجمع الصدق، وقصارى أمر الشاعر التخييل، بتصوير الباطل في صورة الحقّ والإفراط في الإطراء والمبالغة في الذّمّ والإيذاء دون إظهار الحقّ وإثبات الصدق، ولهذا نزه الله- نبيّه عنه، ولأجل شهرة الشّعر بالكذبة سمّى أصحاب البرهان القياسات المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعريّة. وقال بعض الحكماء: لم ير متدين صادق اللهجة مغلقا في شعره، وأما ما وجد في القرآن مما صورته صورة الموزون، فالجواب عنه إن ذلك لا يسمّى شعرا، لأنّ شرط الشّعر القصد، ولو كان شعرا لكان كل من اتّفق في كلامه شيء موزون شاعرا، ولكان الناس كلّهم شعراء، لأنه قلّ أن يخلو كلام احد عن ذلك، وقد ورد ذلك على الفصحاء، فلو اعتقدوه شعرا لبادروا إلى معارضته والطعن عليه، لأنّهم كانوا أحرص شيء على ذلك، وإنّما يقع ذلك لبلوغ الكلام الغاية القصوى في الانسجام. وقيل: البيت الواحد وما كان على وزنه لا يسمّى شعرا، وأقلّ الشّعر بيتان فصاعدا. وقيل: الرّجز لأنه لا يسمى شعرا أصلا، وقيل: أقل ما يكون من الرّجز شعرا أربعة أبيات، وليس ذلك في القرآن بحال. الخامسة: قال بعضهم: التحدي إنما وقع للإنس دون الجنّ، لأنهم ليسوا من أهل اللسان العربيّ الذي جاء القرآن على أساليبه وإنّما ذكروا في قوله قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [الاسراء: ٨٨] تعظيما لإعجازه، لأنّ للهيئة الاجتماعية من القوّة ما ليس للأفراد فإذا فرض اجتماع الثّقلين فيه، وظاهر بعضهم بعضا وعجزوا عن المعارضة، كان الفريق الواحد أعجز. وقال غيره: بل وقع للجن والملائكة منويون في الآية، لأنّهم لا يقدرون أيضا على الإتيان بمثل هذا القرآن.

стр. 4204

وقال الكرماني في «غرائب التفسير» : إنّما اقتصر في الآية على ذكر الإنس والجنّ، لأنه ﷺ كان مبعوثا إلى الثقلين دون الملائكة، قلت: وسيأتي بسط الكلام عن ذلك في الخصائص. السادسة: قال القاضي أبو بكر: فإن قيل هل تقولون: إن غير القرآن من كلام الله تعالى معجز كالتّوراة والإنجيل؟ قلنا: ليس شيء من ذلك بمعجز في النظم والتأليف، وإن كان معجزا كالقرآن فيما يتضمن من الأخبار بالغيوب وإنما لم يكن معجزا، لأن الله تعالى لم يصفه بما وصف به القرآن، ولأنّا قد علمنا أنه لم يقع التّحدي إليه، كما وقع في القرآن، ولأنّ ذلك اللسان لا يتأتى فيه من وجوه الفصاحة ما يقع به التّفاضل الذي ينتهي إلى حدّ الإعجاز. وقد ذكر ابن جني في «الخاطريّات» في قوله تعالى: يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى [طه: ٦٥] إن العدول عن قوله «إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ» لغرض أحدهما: لفظيّ وهو المزاوجة لرؤوس الآي، والآخر معنويّ، وهو أنّه سبحانه أراد أن يخبر عن قوّة نفس السّحرة، واستهانتهم على موسى فجاء عنهم باللّفظ أتمّ وأوفى منه إسنادهم الفعل إليه، ثم أورد سؤالا، وهو أنّا نعلم أنّ السّحرة لم يكونوا أهل لسان، فيذهب هذا المذهب من صنعة الكلام، وأجاب بأن جميع ما ورد في القرآن حكاية عن غير أهل اللّسان من القرون الخالية إنّما هو معرب عن معانيهم وليس بحقيقة ألفاظهم، ولهذا لا يشكّ في أن قوله تعالى: قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى [طه: ٦٣] أنّ هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم. السابعة: سئل الغزاليّ عن معنى قوله تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء/ ٨٢] . فأجاب: الاختلاف لفظ مشترك بين معان، وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه، بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن، يقال: هذا كلام مختلف، أي لا يشبه أوله آخره في الفصاحة، أو هو مختلف الدّعوى، أي بعضه يدعو إلى الدين، وبعضه يدعو إلى الدنيا، وهو مختلف النظم، فبعضه على وزن الشعر، وبعضه منزحف، وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة، وبعضه على أسلوب يخالفه، وكلام الله منزّه عن هذه الاختلافات، فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره، وعلى درجة واحدة في غاية الفصاحة، فليس يشتمل على الغثّ والسمين، ومسوق لمعنى واحد، وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى، وصرفهم عن الدنيا إلى الدّين، وكلام الآدميين تتطرق إليه هذه الاختلافات إذ كلام الشعراء والمترسّلين إذا قيس عليه، وجد فيه اختلاف في منهاج النظم، ثم اختلاف في درجات الفصاحة، بل في أصل الفصاحة،

стр. 4205

حتى يشتمل على الغثّ والسمين، فلا تتساوى رسالتان ولا قصيدتان، بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة وأبيات سخيفة، وكذلك تشتمل القصائد والأشعار على أغراض مختلفة، لأن الشعراء والفصحاء في كل واد يهيمون، فتارة يمدحون الدنيا، وتارة يذمونها، وتارة يمدحون الجبن ويسمونه حزما، وتارة يذمونه ويسمونه ضعفا، وتارة يمدحون الشجاعة ويسمونها صرامة، وتارة يذمّونها ويسمّونها تهوّرا، ولا ينفك كلام آدمي عن هذه الاختلافات، لأن منشأها اختلاف الأغراض والأحوال، والإنسان تختلف أحواله فتساعده الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه، وتتعذر عليه عند الانقباض، وكذلك تختلف أغراضه، فيميل إلى الشيء مرّة، ويميل عنه أخرى، فيوجب ذلك اختلافا في كلامه بالضرورة، فلا يصادف إنسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة- وهي مدة نزول القرآن- فيتكلم على غرض واحد ومنهاج واحد، ولقد كان النبي ﷺ بشرا تختلف أحواله. فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. الثامنة: قال البارزي في أول كتابه «أنوار التحصيل في أسرار التنزيل» : اعلم أنّ المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض، وكذلك كل واحد من جزأي الجملة، قد يعبّر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر، ولا بد من استحضار معاني الجمل، أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها، واستحضار هذا متعذّر على البشر في أكثر الأحوال، وذلك عتيد حاصل في علم الله تعالى، فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه، وإن كان مشتملا على الفصيح والأفصح، والمليح والأملح، ولذلك أمثلة، منها قوله تعالى: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ، [الرحمن/ ٥٤] لو قال مكانه: «وثمر الجنتين قريب» ، لم يقم مقامه من جهة الجناس بين الجني والجنتين، ومن جهة أن الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يجنى فيها، ومن جهة مؤاخاة الفواصل. ومنها قوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ [العنكبوت/ ٤٨] ، أحسن من التعبير ب «تقرأ» لثقله بالهمزة. ومنها لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة/ ٢] أحسن من «لا شك فيه» لثقل الإدغام، ولهذا كثر ذكر الريب منها. وَلا تَهِنُوا [آل عمران/ ١٣٩] ، أحسن من «ولا تضعفوا» لخفته. ووَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي [مريم/ ٤] أحسن من «ضعف» لأن الفتحة أخف من الضمة. ومنها آمَنَ أخفّ من «صدق» ، ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق وآثَرَكَ اللَّهُ [يوسف/ ٩١] أخفّ من «فضلك» وآتَى أخف من «أعطى» . وأُنْذِرَ [يس/ ٦] أخفّ من «خوف» . وخَيْرٌ لَكُمْ [البقرة/ ٥٤] أخفّ من «أفضل لكم» ، والمصدر في نحو هذا خَلْقُ اللَّهِ [لقمان/ ١١] ، يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة/ ٣] ، أخف من «مخلوق» و «الغائب» ، وتَنْكِحَ [البقرة/ ٢٣٠] أخف من «تتزوج» ، لأن «تفعل» أخف من «تفعّل» ، ولهذا كان ذكر النكاح فيه أكثر.

стр. 4206

التاسع في بيان غريب ما سبق. الخطباء: بالمد جمع خطيب وهو الحسن الخطبة من الكلام المنثور. الرّصف: براء مفتوحة فصاد مهملة ساكنة ففاء: الشّد والضم. العذبة: القريض وهو الشعر. ذرابة اللّسان: من ذرب ككتف حدّته. الألباب: جمع لب بضم اللام والموحدة العقل. المآرب: كفاعل جمع مأرب الحاجة. أنسجم: بهمزة فنون ساكنة فسين مهملة فجيم فميم مفتوحات. سمط اللآل: أصل السمط السلك ما دام فيه الخرز. إحن: بهمزة مكسورة فحاء مهملة مفتوحة فنون جمع إحنة وهي الحقد. الدّمن: بدال مهملة مكسورة فميم مفتوحة فنون جمع دمنة وهي مبارك الإبل وهي في الأصل ما في مبارك الإبل من بعرها المتلبد. الجعد: بجيم مفتوحة فعين مهملة الندم فدال للمجتمع. البنان: بموحدة تنوين بينهما ألف الأصابع، وقيل: أطرافها وواحدها بنان. الجزل: بجيم مفتوحة فراء ساكنة الكلام التام القوي الشديد. الرونق: الحسن واللطافة. الدامغة: بدال مهملة وألف فميم مكسورة غير معجمة فتاء تأنيث المهلك من دمغه إذا أصاب دماغه. ألهمه: ما ألقى في روعه. بدايع- بموحدة فدال مهملة مفتوحتين فألف فتحتية فعين مهملة- أي نجائهم بغتة من غير موعد ومعرفة فراعهم ذلك وأفزعهم. المجال.... الاتجال.... التوبيخ.... الإحجام: بهمزة مكسورة فحاء مهملة ساكنة فجيم فألف فميم التأخر عن الشيء والهيبة من أخذه.

стр. 4207

بهرت- بموحدة فهاء فراء مفتوحات فتاء تأنيث- غلبت بلاغتها. ناكصون:.... تلهم- بمثناة فوقية فلام مفتوحتين فهاء فميم- التهمه. حين- بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية- الهلاك. الرجز: براء مكسوة فجيم ساكنة فمهملة كالنجس. بعي- بعين مهملة مكسورة- العجز. الغي- بغين معجمة مفتوحة فمثناة تحتية مشددة. يزرى- بزاء فراء التحقير. الخطل- بخاء معجمة فطاء مهملة مفتوحتين فلام- المنطق الفاسد. الكلال: العي والتعب. الورهاء- بواو مفتوحة فراء ساكنة فهاء ممدودة ذا الخرقاء. شذّبه- بشين وذال معجمتين فموحدة- فرّقه ونقبه. لبس- بلام مفتوحة فموحدة ساكنة فسين مهملة اختلاط. الخبل- بخاء معجمة وموحدة ساكنة- الفساد وبفتحها الجنون. أمرّت- بهمزة وميم مفتوحتين وراء شدت أي صار ماؤها مرّ أو أعمى بصير العين. والتفل: بمثناة مفتوحة وفاء محركة: هو البصاق.

стр. 4208

في سؤال قريش- رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر قال الله- : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر/ ١] أي وقع انشقاقه ويؤيده قول الله- بعد ذلك بآية: يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر/ ٢] ، فإنّ ذلك ظاهر في أن المراد وقوع انشقاقه، لأنّ الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة، وإذا تبيّن أنّ قولهم ذلك إنما هو في الدّنيا يتبيّن وقوع الانشقاق وأنه المراد بالآية التي زعموا أنّها سحر. وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود، وكان يقول: خمس قد مضين: الروم، واللزوم والبطشة، والدّخان، والقمر، وقد وردت قصّة انشقاق القمر من حديث ابن مسعود، رواه الإمام أحمد والشيخان والبيهقي وأبو نعيم من طرق عن ابن عمر، ورواه الشيخان والبيهقي عن جبير بن مطعم ورواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والحاكم والبيهقي عن حذيفة بن اليمان ورواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم ببعض هذه القصة عن ابن عباس ورواه الإمام أحمد والشيخان وابن جرير وأبو نعيم من طرق وأنس بن مالك ورواه الإمام أحمد والشيخان وأبو نعيم من طرق متقاربة المعنى أدخلت بعضها في بعض عن أهل مكة قال ابن عباس ﵄ كما عند أبي نعيم اجتمع المشركون على عهد رسول الله ﷺ منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل هشام والعاصي ابن وائل والأسود بن حبر يغوث والأسود بن عبد المطلب والنضر بن الحرث ونظراؤهم فسألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، وقالوا: إن كنت صادقا فشقّ لنا القمر فرقتين نصفا على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان وفي لفظ: حتى راوحوا من بينهما قدر ما بين العصر إلى الليل فقال رسول الله ﷺ : «اشهدوا» ، فنظر الكفّار ثم مالوا بأبصارهم فمحوها ثم أعادوا النّظر فنظروا ثم مسحوا أعينهم ثم نظروا فقالوا: سحر محمد أعيننا، فقال بعضهم لبعض: لئن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر النّاس كلّهم، فانظروا إلى السّفّار، فإن أخبروكم أنّهم رأوا مثل ما رأيتم، فقد صدق فكانوا يلتقون الرّكب فيخبرونهم أنّهم رأوا مثل ما رأوا فيكذبونهم فأنزل الله «اقتربت السّاعة» . تنبيهات الأول: لم ينشقّ القمر لأحد غير نبينا ﷺ . الثاني: وقع في بعض الروايات عن أنس: فأراهم انشقاق القمر بمكة مرّتين رواه الإمام أحمد ومسلم.

стр. 4209

قال الحافظ ابن كثير: في ذلك نظر، والظّاهر أنّه أراد فرقتين وتكلم ابن القيم على هذه الرّواية فقال: المرات يراد بها الأفعال تارة والأعيان أخرى والأوّل أكثر ومن الثّاني «انشقّ القمر مرّتين» أي شقّتين وفرقتين، وقد خفي على بعض النّاس فادّعى أنّ انشقاق القمر وقع مرّتين، وهذا مما يعلم أهل الحديث والسّير أنه غلط، لأنه لم يقع إلّا مرّة واحدة وقال البيهقي: قد حفظ ثلاثة من أصحاب قتادة وهم سعيد بن أبي عروبة ومعمر بن راشد، وشعبة لكن اختلف عن كلّ منهم في هذه اللّفظة، ولم يختلف على شعبة وهو أحفظهم، ولم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بلفظ مرتين، إنّما فيه «فرقتين أو فلقتين» بالراء أو اللام وكذا في حديث ابن عمر «فلقتين» وفي حديث جبير بن مطعم «فرقتين» وفي لفظ عنه «فانشقّ باثنتين» وفي رواية عن ابن عباس عن أبي نعيم في «الدلائل» «فصار قمرين» وفي لفظ: «شقّتين» وعند الطبراني من حديثه «حتّى رأوا شقّين» قال: ووقع في النّظم لشيخنا الحافظ أبي الفضل: وانشقّ مرّتين بالإجماع، ولا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه ﷺ ولم يتعرض لذلك أحد من شرّاح الصحيحين ثم ذكر كلام ابن القيم وابن كثير قال: وهذا لا يتجه غيره جمعا بين الروايات قال: ثم راجعت نظم شيخنا فوجدته يحتمل التأويل المذكور ولفظه: فصار فرقتين فرقة علت ... وفرقة للطود منه نزلت وذاك مرتين بالإجماع ... والنص والتواتر السّماع فجمع بين قوله «فرقتين» وبين قوله «مرتين» فيمكن أن يتعلق قوله بالإجماع بأصل الانشقاق لا بالتعدد، ووقع في بعض الروايات عن ابن مسعود «وانشقّ القمر ونحن مع رسول الله ﷺ بمنى جزأين» وهذا لا يعارض قول أنس أنّه كان بمكة، لأنّه لم يصرح بأن النبي ﷺ كان ليلة بمكة، وعلى تقدير تصريحه فمنى من جملة مكة، فلا تعارض وقد وقع عند الطبراني من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود ﵁ قال «فرأيته فرقتين» . قال الحافظ: وإنما قال انشق القمر بمكة يعني أن الانشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، وقول ابن مسعود «انشق القمر نصفين نصفا على جبل أبي قبيس ونصفا على قعيقعان. قال الحافظ: وهو محمول على ما ذكرت، وكذا ما وقع في غير هذه الرّواية ومثله روايته عن عبد الله بن مسعود وقد وقع عند ابن مردويه بيان المراد فأخرج من وجه آخر عن ابن مسعود وقال: «انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ ونحن بمكة قبل أن نصير إلى المدينة فوضع أنّ مراده بذكر مكة الإشارة إلى أن ذلك وقع قبل الهجرة، ونحرر أن ذلك وقع وهم ليلتئذ بمنى.

стр. 4210

وقال في موضع آخر في الكلام على الجمع بين روايتي ابن مسعود والجمع بين قول ابن مسعود تارة بمنى وتارة بمكة إمّا باعتبار التعدد إن ثبت، وإمّا بالجمل على أنه كان بمنى ومن قال كان بمكة لا ينافيه لأن من كان بمنى كان بمكة من غير عكس، ويؤيده أن الرواية التي فيها بمنى قال فيها: «ونحن بمنى» ، والرواية التي فيها «مكة» لم يقل فيها ونحن وإنما قال: «انشق بمكة» يعني أن الإنشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، وقول ابن مسعود ﵁ انشق القمر نصفين نصف على أبي قبيس ونصف على قعيقعان وأن لفظ السويد قال الحافظ: كان ليلتئذ بمكة، وعلى تقدير تصريحه فمنى من جملة مكة فلا تعارض، وقد وقع عند الطبراني من طريق ذر بن حبيش عن ابن مسعود قال: «انشق القمر بمكة فرأيته فرقتين، وفي لفظ «السويداء» قال الحافظ: يحتمل أن يكون رآه كذلك وهو بمنى كأن يكون على جبل مرتفع بحيث رأى طرف جبل أبي قبيس، قال: ويحتمل أن يكون القمر استمر منشقا حتى رجع ابن مسعود من منى إلى مكة فرآه كذلك وفيه بعد، والذي يقتضيه غالب الروايات أنّ الإنشقاق كان قرب غروبه يؤيد ذلك إسنادهم الرواية إلى جهة الجبل ثم قال الحافظ: ويحتمل أن يكون الإنشقاق وقع أول طلوعه فإن في بعض الروايات أن ذلك كان ليلة البدر، أو التعبير بأبي قبيس من تغيير الرواة، لأن الفرض ثبوت رؤيته منشقا إحدى الشقتين على جبل والأخرى على جبل آخر ولا يغير ذلك قول الراوي الآخر «رأيت الجبل بينهما» أي بين الفرقتين، لأنه إذا ذهبت فرقة عن يمين الجبل وفرقة عن يساره مثلا صدق أن بينهما أي جبل آخر كان من جهة يمينه أو يساره صدق أنّها عليه أيضا. قال: وقد أنكر جمهور الفلاسفة انشقاق القمر متمسكين أن الآيات العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام وكذا قالوا في فتح أبواب السّماء ليلة الاسراء إلى غير ذلك من إنكارهم ما يكون يوم القيامة من تكوير الشمس وغير ذلك وجواب هؤلاء إن كانوا كفارا أن يناظروا أولا على ثبوت دين الإسلام ثم يشركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المسلمين، ومتى سلم المسلم بعض ذلك دون بعض ألزم التناقض ولا سبيل إلى انكار ما ثبت في القرآن من الانخراق والالتئام في القيامة فيستلزم جواز وقوع ذلك معجزة للنبي ﷺ فقد أجاب القدماء عن ذلك فقال أبو إسحاق الزجاج في المعاني: أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر ولا انكار للعقل فيه، لأن القمر مخلوق لله يفعل فيه ما يشاء كما يكوره يوم البعث ويفنيه. وأما قول بعضهم لو وقع لجاء متواترا واشترك أهل الأرض في معرفته ولما اختص بها أهل مكة فجوابه أن ذلك وقع ليلا وأكثر الناس نيام وقل من يراصد السماء إلا النادر وقد يقع بالمشاهدة في العادة أي ينكشف القمر وتبدو الكواكب العظام وغير ذلك في الليل ولا

стр. 4211

يشاهدها إلا الآحاد فكذلك الانشقاق كان آية وقعت في الليل لقوم سألوا واقترحوا فلم يتأهب غيرهم لها. قال ذهب بعض أهل العلم من القدماء إلى أن المراد بقوله تعالى «وانشق القمر» أي سينشق. كما قال تعالى أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل/ ١] أي سيأتي والنكتة في ذلك إرادة المبالغة في تحقق وقوع ذلك فنزل منزلة الواقع الذي ذهب إليه الجمهور أصح، كما جزم به ابن مسعود وحذيفة وغيرهما ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر/ ٢] كما تقدم تقريره في أول الباب، وذكر الإمام الحليمي أنّ القمر انشقّ في عصره وأنّه شاهد الهلال في الليلة الثالثة منشقا نصفين عرض كل واحد كعرض القمر ليلة أربع أو خمس ثم اتّصل فصار في شكل أترجه إلى أن غاب.

стр. 4212

الباب الرابع حبس الشمس له- ﷺ - روى الطبراني وحسنه الحافظ أبو الحسن الهيثمي في «مجمع الزوائد» وأبو الفضل بن حجر في فتح الباري وأبو زرعة العراقي في شرح تقريب والده عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ أمر الشمس أن تتأخر ساعة في النهار فتأخرت ساعة من النهار. روى البيهقي من طريق يونس بن بكير عن أسباط بن نصر عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي قال: «لما أسرى برسول الله ﷺ وأخبر قومه بالرفقة والعلامة في العير، قالوا فمتى يجيء قال: يوم الأربعاء فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولى النهار ولم يجيء فدعا النبي ﷺ فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس فلم تردّ الشمس على أحد إلا على رسول الله ﷺ يومئذ وعلى يوشع بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة فلما أدبرت الشمس فخاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فيه فدعا الله فرد عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم» وقد قال الحافظ أبي الفتح ابن سيّد الناس في قصيدة من كتابه «بشرى اللبيب بذكرى الحبيب» . وقفت له شمس النهار كرامة ... كما وقفت شمس النّهار ليوشعا وروّت عليه الشمس بعد غروبها ... وهذا من الإتقان أعظم موقعا والعلّامة بهاء الدين بن السبكي رحمهما الله تعالى في قصيدته المسماة بهدية المسافر إلى الفور المسافر فقال شعرا: وشمس الضحى طاعته وقت مغيبها ... فما غربت بل وافقتك بوقفة وردت عليك الشمس بعد مغيبها ... كما أنّها قدما ليوشع ردت

стр. 4213

الباب الخامس في ردّ الشمس بعد غروبها ببركة دعائه- ﷺ - قال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في «معجمه الكبير» حدثنا جعفر بن أحمد بن سنان الواسطي حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى الجرادي بالموصل حدثنا علي بن المنذر حدثنا محمد بن فضيل حدثنا الفضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين بن علي عن أسماء بنت عميس قالت: كان رسول الله ﷺ إذا نزل الوحي يكاد يغشى عليه فأنزل عليه يوما ورأسه في حجر علي فقال له رسول الله ﷺ صليت العصر يا علي قال: لا يا رسول الله فدعى الله فرد عليه الشمس حتى صلى العصر قالت: فرأيت الشمس طلعت بعدها غابت حين ردت حتى صلّى العصر. قال الحافظ أبو الحسن الهيثمي ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحسن وهو ثقة وثقه ابن حبان، قلت: وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه حرجا وأورده الذهبي في المغني في الضعفاء وقال الحافظ ابن حجر في «تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الاربعة» ولم يذكر لذكره فيه مستندا قلت: إنّما ذكره لأجل الحديث ولم ينفرد به إبراهيم بل تابعه عليه عروة بن عبد الله بن قشير عن فاطمة بنت علي كما سيأتي وقال الهيثمي وفاطمة بنت علي بن أبي طالب لا أعرفها قلت: فاطمة هذه روى لها النسائي وابن ماجة في التفسير ووثقها الحافظ ابن حجر في «تقريب التهذيب» وتابعها أبو جعفر بن محمد وجعفر بن أبي طالب، وقال الطبراني حدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا عثمان بن أبي شيبة (ح) وحدثنا عبيد بن سنام حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا عبيد الله بن أبي موسى عن فضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين عن أسماء بنت عميس فذكر نحوه الحسين بن إسحاق قال الذهبي في تاريخ الإسلام: محدث ثقة، وعبيد بن غنام وهو ابن حفص بن غياث وثقّه مسلم بن قاسم، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة من رجال الصحيحين، وعبيد الله بن موسى من رجال الصحيحين وثقوه، وفضيل بن مرزوق روى له مسلم والأربعة. قال الحافظ ابن حجر في تقريبه صدوق بهم، وإبراهيم بن الحسن ثقة وأنّ ابن حبّان وثّقه وفاطمة بنت الحسين روى لها أبو داود في المراسيل وثقها الحافظ في التقريب. تنبيه قال في الرواية السابقة عن إبراهيم بن الحسن عن فاطمة بنت علي عن أسماء وفي هذه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها وقد جمع كل من فاطمة بنت علي وفاطمة بنت الحسين عن

стр. 4214

أسماء وفاطمة بنت الحسين هي أم إبراهيم بن الحسن بن الراوي عنهما فكأنه سمعه من أمّه وعمته فاطمة بنت عليّ فرواه مرة عن أمّه ومرة عن عمتها وقد عد ذاك ابن الجوزي وغيره اضطرابا وليس كذلك. وقال الطبراني: حدثنا إسماعيل بن الحسن الخفاف حدثنا شاذان بن الفضل حدثنا أبو الفضل محمد بن عبيد الله القصار بمصر حدثنا يحيى بن أيوب العلاف قال حدثنا أحمد بن صالح عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أخبرني محمد بن محمد بن موسى القطري عن عون بن محمد عن أمه أم جعفر عن أسماء بنت عميس فذكر نحوه. وقال شاذان حدثنا أبو الحسن أحمد بن عمير حدثنا أحمد بن الوليد بن برد الأنطاكي حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك به عن إسماعيل بن الحسن بن الخفاف وثّقه ابن يونس، ويحيى بن أيوب من رجال النسائي قال الحافظ في «التقريب» : صدوق وأحمد بن صالح من رجال البخاري وأبو داود، وقال في التقريب ثقة حافظ، تكلم فيه النسائي بلا حجة، وأبو الحسن أحمد بن عمير بن جوصاء وثقّه الطبراني وقال أبو علي الحافظ: كان ركنا من أركان الحديث. واماما من أئمة المسلمين قد جاز القنطرة وقال الحافظ في الكشاف: صدوق وقال الدارقطني: ليس بالقوي، قال الذهبي في «تاريخ الإسلام هو ثقه ليس له غرائب فما للضعف عليه من علة. علة أحمد بن الوليد بن برد وثقه ابن حبان وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه حرجا وقال كتب عن أبي محمد بن إسماعيل بن أبي فديك نعم القاص روى عنه الأئمة والأربعة وذكره البخاري في التاريخ ولم يخرجه، وقال الحافظ في التقريب صدوقا رمي بالتشيع. وعون بن محمد بن علي بن أبي طالب وثقه ابن حبان وذكره البخاري في «التاريخ» ولم يضعفه وأم جعفر ويقال لها أم عون بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب من رجال ابن ماجة قال في «التقريب» مقبولة ولهذا أورد الذهبي هذا الطريق في مختصر الموضوعات وابن الجوزي قال غريب عجيب تفرد به ابن أبي فديك وهو صدوق، شيخه القطري صدوق واعترض على هذا فذكر حديث «لم تحبس الشمس لأحد إلا ليوشع بن نون» وسيأتي الجواب عنه ولم يذكر علة غير ذلك. وقال شاذان الفضلي حدثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن إسماعيل بن كعب الدقاق بالموصل ثنا علي بن جابر الأودي حدثنا عبد الرحمن بن شريك حدثنا أبي حدثنا عروة بن قشير دخلت على فاطمة بنت علي الأكبر فقالت حدثتني أسماء بنت عميس فذكره.

стр. 4215

علي بن إبراهيم وثّقه الأزدي نقله الخطيب في التاريخ وعلي بن جابر الأودي بفتح الألف وسكون الواو ودال مهملة وثقه ابن حبان وعبد الرحمن بن شريك روى له البخاري في الأدب المفرد قال الحافظ في التقريب صدوق وأبوه من رجال مسلم والأربعة، وروى له البخاري تعليقا قال في «التقريب» صدوق يخطئ كثيرا، وعروة بن قشير: بضم القاف وفتح الشين المعجمة من رجال أبي داود والترمذي في الشمائل ووثّقه الحافظ في التقريب، وفاطمة بنت علي تقدمت ولهذا الحديث طرق أخرى عن أسماء أوردت بعضها في كتابي «مزيل اللبس عن حديث رّدّ الشمس» وورد من حديث علي ورواه شاذان ومن حديث ابن الحسين بن علي رواه الدولابي في «الذرية الطاهرة» والخطيب في «تلخيص المتشابه» ومن حديث أبي سعيد رواه الحافظ أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد بن حسكان بمهملتين وفتح أوله الفقيه الحنفي القاضي النيسابوري فيما أملاه من طرق هذا الحديث نقله الذهبي في موضوعات ابن الجوزي من حديث أبي هريرة وابن مردويه وابن شاهين وابن مندة وحسنه شيخنا في «الدر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة» وقد سبقت أحاديثهم وتكلمت على رجالها في كتابي «مزيل اللبس من حديث رد الشمس» وحديثا مما رواه الطحاوي من طريقين في كتابه «مشكل الآثار» وقال هذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات، ونقله عن القاضي عياض في الشفاء والحافظ به سير الناس في كتابه «بشرى اللبيب» . وقال في قصيدة ذكرها في شعره. ورد عليه الشمس بعد غروبها ... وهذا من الإيقان أعظم موقعا والحافظ علاء الدين بن مغلطاي في كتابه «الزهر الباسم» واللاذري في «توثيقه عرى الإيمان» والنووي في «شرح مسلم» في باب حل الغنائم لهذه الأمة ونقله عنه الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي في باب الآذان كما في النسخ المعتمدة وأقره وصححه الحافظ أبو الفتح الأزدي ونقله ابن العديم في تواريخ حلب وحسنه الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ أبي الفضل العراقي في تكملته لشرح تقريب والده وقال الإمام أحمد وناهيك ولا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حديث اسماء لأنه من أجل علامات النبوة رواه الطحاوي فقد أنكر الحفاظ على ابن الجوزي إيراده لهذا الحديث في الموضوعات فقال الحافظ ابن حجر: في باب قول النبي ﷺ «أحلت لكم الغنائم» من «فتح الباري» بعد أن أورد الحديث أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في الموضوعات انتهى. ومن خطّه نقلت وقال الحافظ مغلطاي في الزهر الباسم بعد أن أورد الحديث من عند جماعة لا يلتفت إليهم لما أغل به ابن الجوزي من حيث إنه لم يقع له الإسناد الذي وقع لهؤلاء وقال شيخنا في مختصر الموضوعات أفرط بإيراده له هنا.

стр. 4216

تنبيهات الأول: نقل ابن كثير عن الإمام أحمد وجماعة من الحفاظ أنّهم صرحوا بوضع هذا الحديث. قلت: والظاهر أنّه وقع له من طريق بعض الكذابين ولم يقع له من الطرق السابقة وإلا فالطرق السابقة يتعذر معها الحكم عليه بالضعف فضلا عن الوضع، ولو عرضت عليهم أسانيدها لاعترفوا بأنّ للحديث أصلا وليس هو بموضوع وما مهدوه من القواعد وذكر جماعة من الحفاظ في كتبهم المعتمدة أو تقوية من قواه كما تقدم ويردّ على من حكم عليها بالوضع. التنبيه الثاني: قد علمت رحمني الله وإياك ما أسلفنا من كلام الحفاظ في حكم هذا الحديث وتبيّن لك ثقات رجاله وأنّه ليس فيهم متهم ولا من أجمع على تركه ولا لك ثبوت الحديث وعدم بطلانه فلم يبق إلا الجواب عما أعل به وقد أعل بأمور. الأمر الأول: من جهة بعض رجال طرقه فرواه ابن الجوزي من طريق فضيل بن مرزوق وأعله به ثم نقل عنه ابن معين تضعيفه وان ابن حبان قال فيه كان يخطئ على الثقات ويأتي بالموضوعات انتهى، وفضيل من رجال مسلم ووثقه السفيانيين وابن معين كما نقله عن ابن أبي خثيمة وقال عبد الخالق بن منصور أنه قال فيه صالح الحديث، وقال الإمام أحمد لا أعلم إلا خيرا وقال العجلي جائز الحديث صدوق. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وذكره البخاري في التاريخ ولم يضعفه وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح الحديث صدوق يهم كثيرا نقل جميع ذلك شيخ الإسلام ابن حجر في «تهذيب التهذيب» ومن قيل فيه ذلك لا يحكم على حديثه بالوضع ثم ذكر ابن الجوزي ان ابن شاهين رواه عن شيخه ابن عبده من طريق عبد الرحمن شريك قال وعبد الرحمن قال فيه أبو حاتم واهي الحديث انتهى، وعبد الرحمن هذا ذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ، وقال الحافظ ابن حجر في «التقريب» صدوق ثم قال ابن الجوزي وأنا لا أتهم بهذا إلا ابن عقدة أنه كان رافضيا انتهى، فإن كان يتهمه بأصل الحديث فالحديث معروف قبل وجود ابن عقدة وقال الذهبي في مختصر منهاج الاعتدال لشيخه ابن تيمية لا ريب أن ابن شريك حدّث به وجاء من وجه آخر قوي عنه انتهى. أراد الطريق الذي رواه ابن شاهين منه فابن عقدة لم ينفرد به بل تابعه غيره، قال شاذان: حدثنا أبو الحسن عليّ بن سعيد بن كعب الدقاق بالموصل حدثنا علي بن جابر الأودي حدثنا عبد الرحمن بن شريك به حدثنا علي بن سعيد، وعلي بن سعيد، وعليّ بن جابر ثقتان، وثق الأول أبو الفتح الأسدي، والثاني ابن حبان. الأمر الثاني: قال الجوزقاني وابن الجوزي وغيرهما يقدح في صحة هذا الحديث ما في الأحاديث الصحيحة أنّ الشمس لم تحبس إلّا ليوشع بن نون. انتهى..

стр. 4217

وأجاب الطحاوي في مشكل الآثار، وأقرها ابن رشد في مختصره بأن حبسها غير ما في حديث أسماء من ردها بعد الغروب، وقال الحافظ: في باب قول النبي ﷺ «أحلت لكم الغنائم» من «فتح الباري» بعد أن أورد حديث حبس الشمس صبح ليلة الإسراء ولا يعارضه ما رواه أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة «لم تحبس الشمس إلّا ليوشع بن نون» إلى آخره، ووجه الجمع أن لمصر محمول على ما معنى للأنبياء قبل نبينا ﷺ ، وقوله: «لم تحبس الشمس إلّا ليوشع بن نون فيه نفي، إنّما قد تحبس بعد ذلك لنبينا ﷺ » . الأمر الثالث: في الاضطراب، وتقدم ردّ ذلك في التنبيه المتقدم أول الكتاب. الأمر الرابع: قال الجوزقاني ومن تبعه لو ردت الشمس لكان ردها يوم الخندق للنبي ﷺ بطريق الأولى. قلت: رد الشمس لعليّ إنما كان بدعاء النبي ﷺ ، ولم يجيء في خبر قط أن النبي ﷺ دعا في واقعة الخندق أن تردّ فلم تردّ بل لم يدع على أن القاضي عياض ذكر في الإكمال أن الشمس ردّت على النبي ﷺ في واقعة الخندق فالله أعلم، وقد بينت ضعفه في كتاب «مزيل اللبس» . الأمر الخامس: أعل ابن تيمية حديث أسماء بأنها كانت مع زوجها بالحبشة وقلت: هو وهم بلا شك، وبلا أدنى خلاف أن جعفر قدم من الحبشة هو وامرأته اسماء على رسول الله ﷺ وهو بخيبر بعد فتحها، وقسم لهما ولأصحاب سفينتهما. الأمر السادس: قال ابن الجوزي: ومن تغفيل واضع هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضيلة ولم يتلمح إلى عدم الفائدة فإن صلاة العصر لغيبوبة الشمس صارت قضاء ورجوع الشمس لا يعيدها أداء. انتهى. قلت: لثبوت الحديث على أنّ الصلاة وقعت أداء بذلك صرح القرطبي في التذكرة قال: فلو لم يكن رجوع الشمس نافعا وأنه لا يتجدد الوقت لما ردّها عليه ذكره في باب «ما يذكر الموت والآخرة» من أوائل التذكرة ووجهه أن الشمس لما عادت كأنها لم تغب والله أعلم. التنبيه الثالث: ليحذر من يقف على كلامي هنا أن يظن بي أني أميل إلى التشيع والله يعلم أن الأمر ليس كذلك والحامل لي على هذا الكلام أن الذهبي ذكر في ترجمة الحافظ الجسكاني أنّه كان يميل إلى التشيع، لأنه أملى جزءا في طرق حديث رد الشمس وهذا الرجل ترجمه تلميذه الحافظ عبد الغفار بن إسماعيل الفارسي في «ذيل تاريخ نيسابور» فلم يسعفه بذلك بل أثنى عليه ثناء حسنا وكذلك غيره من المؤرخين نسأل الله تعالى السلامة من الخوض في أعراض الناس بما نعلم وبما لا نعلم.

стр. 4218

الباب السادس في استسقائه- ﷺ ربه- لأمته حين تأخر عنهم المطر وكذلك استصحاؤه- ﷺ - قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه رسول الله ﷺ يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب. وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل رواه البخاري وابن ماجه وقال أنس أنّ رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان وجاه منبر رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يخطب على المنبر فاستقبل رسول الله ﷺ قائما فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم أغثنا اللهم أغثنا مرتين قال أنس وأيم الله لا نرى في السماء من سحاب ولا قرحة وما بينا وبين سلع من بيت ولا دار قال فطلعت من ورائه سحابة كأمثال الجبال ثم لم ينزل عن المنبر حتى رأيت الماء يتحادر على لحيته متوالية وما رأيت الشمس صبحا وما زالت تمطر إلى الجمعة المقبلة ثم دخل ذلك الرجل من ذلك الباب ورسول الله ﷺ قائم يخطب واستقبله رسول الله ﷺ قائما وقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل ادع الله أن يمسكها قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهمّ حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والجبال والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر فما جعل يسير إلى ناحية من السحاب إلّا تمزقت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة حتى سال الوادي شهرا ولم يجيء أحد إلا حدث بالجود رواه الإمام أحمد والشيخان من طرق. قصة أخرى . قال أنس: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، لقد أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يصيح وأنشد: أتيناك والعذراء يدمى لبانها ... وقد شغلت أمّ الصبيّ عن الطّفل وألقى بكفّيه الصّبيّ استكانة ... من الجوع ضعفا ما يمرّ وما يحلي ولا شيء ممّا يأكل النّاس عندنا ... سوى الحنظل القاميّ والعلهز الغسل وليس لنا إلّا إليك فرارنا ... وأين فرار النّاس إلّا إلى الرسل فقام رسول الله ﷺ حتى صعد المنبر ثم رفع يديه فقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا غدقا طبقا عاجلا غير رائث نافعا غير ضار تملأ به الضّرع وتنبت به الزرع وتحيي به الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون فو الله ما ردّ يديه إلى نحره حتى ألقت السماء بأردافها وجاء أهل

стр. 4219

الوطابة يضجون يا رسول الله الغرق فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم حوالينا ولا علينا فانجاب السحاب من المدينة فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قال لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه فقال علي كأنك أردت يا رسول الله قوله. وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل وقام رجل من كنانة فقال: لك الحمد والحمد لمن شكر ... سقينا بوجه النّبيّ المطر دعا الله خالقه دعوة ... إليه وأشخص منه البصر أغاث به الله عليا مضر ... وهذا العيان لذاك الخبر فلم تك إلّا ككفّ الرّدا ... وأسرع حتّى رأينا الدّرر وكان كما قال عمه أبو طالب: أبيض ذو غرر. به الله يسقي صوب الغمام ... ومن يكفر الله يلقى الغير فقال النبي ﷺ إن يك شاعرا يحسن فقد أحسنت رواه البيهقي وابن عساكر. قصة أخرى . قال أبو أمامة- رضي الله تعالى عنه- قام رسول الله ﷺ ضحى في المسجد فكبر ثلاث تكبيرات ثم قال: اللهم ارزقنا سمنا ولبنا وشحما ولحما وما نرى في السماء من سحاب فثارت ريح وغبرة ثم اجتمع السحاب فصبت السماء فصاح أهل الأسواق ورسول الله ﷺ قائم فسالت في الطرق فما رأيت عاما كان أكثر لبنا وسمنا وشحما ولحما منه إن هو إلا في الطرق ما يشتريه أحد رواه أبو نعيم والبيهقي. قصة أخرى. قالت الربيع بنت معوذ بن عفراء: بينا نحن عند رسول الله ﷺ في بعض أسفاره إذا احتاج الناس إليّ فالتمسوا في الركب ماء فلم يجدوا فدعا رسول الله ﷺ فأمطرت حتى استقى النّاس وسقوا رواه أبو نعيم. قصة أخرى. قالت عائشة: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فخرج إلى المصلى وقعد على المنبر ورفع يديه حتى رأى بياض إبطيه فأنشأ الله سبحانه فرعدت وبرقت ثم أمطرت فلم يأت المسجد حتى سالت السّيول فقال: أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله. رواه أبو نعيم.

стр. 4220

قصة أخرى . قال كعب بن مرة أو مرة بن كعب البهزي: دعا رسول الله ﷺ على مضر فأتاه أبو سفيان فقال: إنّ قومك قد هلكوا فادع الله لهم فقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا غدقا طبقا مريعا نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث، فما لبثنا إلّا جمعة حتى مطرنا فأتوه فشكوا إليه المطر فقالوا: لقد تهدمت البيوت فقال: اللهمّ حوالينا ولا علينا فجعل السحاب يتقطع يمينا وشمالا رواه ابن ماجة والبيهقي. قصة أخرى. روى أبو الشيخ عن يزيد بن عبيد الله السّلمي والبيهقي بإسناد حسن عن أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري: أن وفد بني فزارة أتوا رسول الله ﷺ لما فصل من غزوة تبوك مقرين بالإسلام، وقدموا على إبل ضعاف عجاف فسألهم رسول الله ﷺ عن بلادهم فقالوا: يا رسول الله أسنت بلادنا، وأجدبت جنانا، وعزر عيالنا، وهلكت مواشينا فادع الله لنا أن يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله!! ويلك أن اشفع إلى ربي فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه لا إله إلا الله العليّ العظيم، وسع كرسيه السموات والأرض، تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرجل الحديد. وقال رسول الله ﷺ : «إن الله ليضحك من شعثكم، وقرب غياثكم» ، فقال الأعرابيّ: أو يضحك ربنا يا رسول الله قال: نعم فقال الأعرابيّ: لن نعدم من ربّ يضحك خيرا فضحك رسول الله ﷺ من قوله. فقام رسول الله ﷺ فصعد المنبر وتكلم بكلمات، ورفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه وكان مما حفظ من دعائه قال: «اللهم اسق بلدك وبهائمك وانشر رحمتك، وأحيي بلدك الميت. اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل، نافعا غير ضارّ. اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» فقام أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري فقال: يا رسول الله ﷺ أن التمر في المرابد ثلاث مرات فقال رسول الله ﷺ اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره قال فلا والله ما في السماء سحاب ولا قزعة وما بين المسجد وبين سلع من بناء ولا دار فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت وهم ينظرون ثم أمطرت فو الله ما رأوا الشمس ستا وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه فجاء ذلك الرّجل أو غيره فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فصعد رسول الله ﷺ المنبر فدعا ورفع يديه مدا حتى رؤي بياض إبطيه ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر» فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب.

стр. 4221

قصة أخرى . قال ابن عباس: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لقد جئتك من عند قوم ما يتزود لهم راع ولا يحصد لهم فحل فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا طبقا مريعا غدقا عاجلا غير رائث ثم نزل فما يأتيه أحد من وجه من وجوه إلا قالوا أحينا رواه ابن ماجة. قصة أخرى. قال عمر بن الخطاب خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستقطع حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربها به ويجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله أن الله قد عوّدك في الدعاء خيرا فادع الله لنا فقال أتحب ذلك قال نعم فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعها حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر. رواه ابن خزيمة وابن جرير وابن حبان والحاكم وصححه. قال الواقدي كان مع المسلمين في هذه الغزوة اثنا عشر ألف بعير ومثلها من الخيل وكانوا ثلاثين ألفا من المقاتلة. قصة أخرى. روى ابن سعيد وأبو نعيم عن عبد الرحمن بن إبراهيم المزي عن أشياخهم قالوا قدم وفد بني مرة على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : كيف البلاد قالوا: والله إنّا لمسنتون وما في المال مخ فادع الله لنا فقال اللهم اسقهم الغيث فرجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد مطرت في اليوم الذي دعى لهم رسول الله ﷺ فقدم عليه قادم وهو متجهز لحجة الوداع فقال يا رسول الله: رجعنا إلى بلادنا فوجدناها مصبوبة مطرا لذلك اليوم الذي دعوت لنا فيه ثم قلدتنا أقلاد الزرع في كل خمسة عشرة مطيرة جودا وقد رأيت الإبل تأكل وهي برك وإنّ غنمنا ما توارى من أبياتها، فترجع، فتقيل في أهلنا، فقال رسول الله ﷺ : «الحمد لله الذي هو صنع ذلك» رواه أبو نعيم. قصة أخرى. قال ابن عباس: إن ناسا من مضر أتوا رسول الله ﷺ فسألوه أن يدعو الله أن يسقيهم فقال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا مريعا غدقا طبقا نافعا غير ضار عاجلا غير رائث فأطبقت عليهم حتى مطروا سبعا» رواه أبو نعيم.

стр. 4222

قصة أخرى . روى أبو نعيم عن محمد بن عمر الأسلمي عن أشياخه: أن وفد سلامان قدموا في شوال سنة عشر فقال لهم رسول الله ﷺ : كيف البلاد عندكم؟ قالوا: مجدبة فادع الله أن يسقينا في أوطاننا فقال: «اللهم اسقهم الغيث في بلادهم» فقالوا: يا رسول الله ارفع يديك فإنه أكثر وأطيب فتبسم ورفع يديه حتى بدا بياض إبطيه ثم رجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول الله ﷺ في تلك الساعة وفي هذا الباب أحاديث كثيرة، وفيما ذكر كفاية ويرحم الله- السرقسطي فلقد أحسن حيث قال: دعوت للخلق عام الحل مبتهلا ... أفديك بالخلق من داع ومبتهل صعّدت كفّيك إذ كفّ الغمام فما ... صوّبت إلّا بصوب الواكف الهطل أراق بالأرض شجا صوب ريقته ... فحلّ بالأرض شجا رائق الحلل زهو من النّور حلّت روض أرضهم ... زهرا من النّور صافي النّبت مكتمل من كلّ عصر نضير مورق خضر ... وكلّ نور نضيد موثق خضل تحية أحيت الأحياء من مضر ... بعد المضرّة تروي السّبل بالسّيل دامت على الأرض سبعا غير مقلعة ... لولا دعاؤك بالإقبال لم تزل تبيه في غريب ما سبق . السبل: بسين مهملة فموحدة فلام مضمومات جمع سبيل، وهو في الأصل الطريق الموصل إلى المراد من كل شيء، والمراد به هنا طريق التقرّب إلى الله تعالى. وأيم الله:.... القزعة: بقاف فزاي فعين مهملة مفتوحات واحده القزع، وهي قطع من السحاب دقيقة، وقيل: هي السحاب المتفرق. سلع الإكام: بهمزة مكسورة فكاف فألف فميم جمع أكمه وهي الرابية. الظراب: جمع ظرب ككتف ما اقنا من الحجارة، وحد طرفه، أو الجبل المنبسط أو الصغير. الجوبة: بجيم مفتوحة بواو ساكنة فموحدة فتاء تأنيث: الحفرة المستديرة الواسعة، وكل منفتح بلا بناء أي حتى صار الغيم والسحاب محيطا بآفاق المدينة. الجود: بجيم مفتوحة فواو ساكنة فدال مهملة المطر الغزير.

стр. 4223

يئط: بمثناة تحتية مفتوحة فهمزة مكسورة فطاء أي تصوت. وأطيط الإبل: صوتها وحنينها. العذراء تدمى لبانها: أي يدمى صدرها لامتهانها نفسها في الخدمة، لا تجد ما تعطيه من يحذنها من الجدب وشدة الزمان، وأصل اللبان موضع اللبيب ثم استعير للناس. وقوله «وما يجر وما يحلى» : أي ما ينطق بخير ولا شر من الجوع والضعف. وقوله: «سوى الحنظل العاص» نسبة إلى العام لأنه يتخذ في عام الجدب كما قالوا للجدب سنة. انتهى. الاستكانة: بهمزة فسين مهملة ساكنة ففوقية مكسورة فكاف فنون فتاء تأنيث: الخضوع. العلهز: بالكسر طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر الإبل في سني المجاعة. الغياسة: بكسر الغين المعجمة وسكون السين المهملة واللام الرذل. الدرر: بدال مكسورة فراءين أولاهما مفتوحة. غير رائث: براء مفتوحة فهمزة مكسورة فمثلثة غير محبوس ولا متفرق. أسنت بلادنا: بهمزة مفتوحة فمهملة ساكنة فنون فتاء تأنيث أي أجدبت. أجدبت جنانا: بهمزة فجيم فدال مهملة فموحدة فتاء تأنيث. الفرث: بفاء مفتوحة فراء ساكنة فمثلثة المسرجين من الكرش. مسنتون: مجدبون. الابتهال: بهمزة فموحدة ساكنة فمثناة فوقية فهاء فألف فلام التضرع والمبالغة في السؤال، والمراد به كل مدّ اليدين جميعا لذلك. صعدت بكفيك: رفعتهما. صوبت: جاءت بالمطر كمجيء السماء بالمطر. الواكف: [ ... ] . الهطل: [ ... ] . الثج: بمثلثة مفتوحة فجيم أي سائلا كثيرا. الزهر: بزاي مضمومة فهاء ساكنة فراء جمع أزهر وهو الأبيض المستنير. النور الزهر: بفتح الزاي والزهرة الحسن والبهجة وكثرة الخير.

стр. 4224

الخضل: بخاء معجمة مفتوحة فضاد معجمة مكسورة فلام. السبل: جمع سبيل، السبل: بسين مهملة فموحدة مفتوحتين فلام المراد به هنا المطر الهاطل الغزير والسبل الثياب المسبلة.

стр. 4225

جماع أبواب معجزاته ﷺ في المياه وعذوبة ما كان منها مالحا الباب الأول في نبع الماء الطّهور من بين أصابعه ﷺ وهو أشرف المياه كما قال البلقيني في «التدريب» قال: قال أبو العباس القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه [ (١) ] ﷺ تكررت منه في عدة مواطن في مشاهد عظيمة ووردت عنه من طرق كثيرة يفيد عمومها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، قال: ولم يسمع بمثل هذه المعجزة العظيمة من غير نبينا- ﷺ حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه. ونقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابع النبي- ﷺ أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى- ﷺ بالعصا [ (٢) ] فتفجرت منه المياه، لأن خروج (الماء) [ (٣) ] من الحجارة معهود، بخلاف خروجه من بين اللحم والدم. قال قتادة وغيره عن أنس: كان رسول الله ﷺ بالزوراء وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوا ماء، فأتى رسول الله ﷺ بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ يده في ذلك الإناء فحين بسط يده فيه فضمّ أصابعه فأمر الناس أن يتوضأوا منه فرأيت الماء ينبع من بين أصابع النبي ﷺ فتوضأوا من عند آخرهم. قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: كنا زهاء ثلاثمائة رواه الشيخان [ (٤) ] . قصة أخرى. قال عبد الله بن مسعود ﵁: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ليس معنا ماء، فقال: اطلبوا من معه فضل ماء، فأتى بماء فوضعه في إناء، فوضع يده فيه، فجعل الماء يجري، وفي لفظ يخرج من بين أصابعه، ثم قال: «حيّ على الطّهور المبارك، البركة من الله» فتوضأوا

стр. 4226

وشربوا، قال عبد الله: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل رواه النسائيّ والبيهقيّ وابن مردويه [ (١) ] . قصة أخرى. روى الحسن البصري: عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم لبعض مخارجه، معه ناس من أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحضرت الصلاة فلم يجد القوم ماء يتوضئون به، فقالوا: يا رسول الله: والله ما نجد ماء نتوضأ به، ورأى في وجوه أصحابه كراهية ذلك، فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح فيه ماء يسير، فأخذ رسول الله ﷺ فتوضأ منه ثم مدّ أصابعه الأربع في القدح ثم قال: «هلموا فتوضأوا» فتوضأ القوم حتى بلغوا ما يريدون، قال الحسن: سئل أنس كم بلغوا؟ قال: سبعين أو ثمانين رواه الإمام أحمد والشيخان [ (٢) ] . قصة أخرى. قال زياد بن الحارث: أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال له: «هل معك من ماء؟» فقلت: لا إلا شيء قليل لا يكفيك، فقال: «اجعله في إناء وائتني به» ، ففعلت فوضع كفه في الماء، فرأيت الماء بين أصبعين من أصابعه عينا تفور، فقال: «ناد في أصحابي من كان له حاجة في الماء» ، فناديت فيهم فأخذ من أراد منهم رواه الحارث بن أبي أسامة والطبراني [ (٣) ] وأبو نعيم والبيهقي. قصة أخرى. روى الشيخان من طريق سالم بن أبي الجعد ومن طريق الأعمش عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: عطش النّاس يوم الحديبية، وكان الذي بين يديه ركوة يتوضّأ منها وجهش الناس نحوه، قال: «ما لكم؟» قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا ماء نشربه إلا ما بين يديك، فوضع يده في الرّكوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قال سالم: قلت لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة [ (٤) ] ، قال بعضهم: وحديث جابر هذا مخالف لما رواه البخاري عن البراء بن عازب قال: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة ماء فبلغ رسول الله ﷺ

стр. 4227

فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فمضمض وبخّ في البئر، فمكث غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وصررنا ركائبنا [ (١) ] وجمع ابن حبّان بينهما بأن ذلك في وقتين. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون الماء لما انفجر من بين أصابعه ويده في الرّكوة وتوضئوا كلهم وشربوا أمر حينئذ بصبّ الماء الذي بقي في الركوة في البئر، فتكاثر الماء فيها. وفي صحيح البخاري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم عن أصحاب رسول الله ﷺ في حديث الحديبية الطويل فعدل رسول الله ﷺ على ثمد قليل الماء يتربص الماء تربصا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته، وأمرهم أن يجعلوه فيه، فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. والجمع بينه وبين حديث البراء بأن الأمرين وقعا معا. وقد روى الواقديّ من طريق أوس بن خولي أنه ﷺ توضأ في الدلو، ثم أفرغه فيها وانتزع السهم، فوضعه فيها هكذا ذكر أبو الأسود في روايته عن عروة أنه ﷺ توضأ في الدلو، وصبه في البئر، ونزع سهما من كنانته، فألقاه فيها ودعا ففارت، زاد ابن سعد «حتى اغترفوا بآنيتهم جلوسا على شفير البئر» كذا في رواية الأسود عن عروة. قال الحافظ: وهذه القصّة غير حديث جابر وكان ذلك قبل قصة البئر. قصة أخرى. قال أبو قتادة: بينما نحن مع رسول الله ﷺ نسير في الجيش إذ لحقهم عطش كاد يقطع أعناق الرجال والخيل والركاب عطشا فدعا بركوة فيها ماء فوضع أصابعه عليها، فنبع الماء من بين أصابعه، فاستقى النّاس، وفاض الماء حتى رووا خيلهم وركابهم، وكان من العسكر اثنا عشر ألف بعير، والناس ثلاثون ألفا، والخيل اثنا عشر ألف فرس رواه أبو نعيم. قصة أخرى. قال ابن عباس ﵁: أصبح رسول الله ﷺ ذات يوم وليس في العسكر ماء، فقال رجل: يا رسول الله، ليس في العسكر ماء، قال: هل عندك شيء؟ قال: نعم فأتي بإناء فيه شيء من ماء فجعل رسول الله ﷺ أصابعه في الإناء وفتح أصابعه، قال: فرأيت العيون تنبع من بين أصابع النبي ﷺ فأمر بلالا ينادي في الناس بالوضوء المبارك. رواه الإمام أحمد والبزّار وروى الدّارميّ وأبو نعيم عنه قال: دعا رسول الله ﷺ بلالا،

стр. 4228

فطلب الماء، فقال: لا والله ما وجدتّ. قال: «هل من شيء؟» فأتاه بشيء فبسط كفه فيه، فانبعث تحت يده عين فكان ابن مسعود يشرب وغيره يتوضأ [ (١) ] . قصة أخرى. قال أبو ليلى الأنصاري: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأصابنا عطش فشكونا إليه، فأمره بحفرة فوضع عليها نطعا ووضع يده عليها، وقال: «هل من ماء؟» فأتي بماء، فقال لصاحب الإداوة: «صبّ الماء على كفّي واذكر اسم الله» ، ففعل. قال أبو ليلى: فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع النبي ﷺ حتى روى القوم وسقى ركابهم رواه الطبراني وأبو نعيم [ (٢) ] . قصة أخرى. قال جابر أيضا: غزونا مع رسول الله ﷺ ونحن يومئذ بضع عشرة مائة فحضرت الصلاة فقال رسول الله ﷺ : «وهل في القوم من ماء؟» فجاءه ماء وعبّه رسول الله ﷺ في قدح وتوضأ رسول الله ﷺ فأحسن الوضوء، ثم انصرف وترك القدح فركب الناس القدح وقالوا: تمسحوا تمسحوا، فقال رسول الله ﷺ : على رسلكم حين سمعهم يقولون ذلك، قال: فوضع رسول الله ﷺ كفه في الماء ثم قال: «سبحان الله» ، ثم قال: «أسبغوا الوضوء» قال جابر: والذي ابتلاني ببصري، فلقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابع النبي ﷺ فما رفعهما حتى توضئوا أجمعون رواه الإمام أحمد والشيخان [ (٣) ] . قال الحافظ ابن كثير: وظاهره أنها قصة أخرى غير ما تقدم. قصة أخرى. قال أبو رافع: أنه خرج مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال: «يا قوم كلّ رجل يلتمس من إداوته» ، فلم يجدوا غير واحد فصبه في إناء ثم قال: «توضئوا» فنظرت إلى الماء وهو يفور من بين أصابع النبي ﷺ حتى توضأ الركب أجمعون ثم جمع كفيه فما خلتها إلا النطفة التي صب أول مرة رواه أبو نعيم. قصة أخرى. قال: أبو عمرة الأنصاري ﵁: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها وأصاب الناس مخمصة ثم دعا بركوة فوضعت بين يديه، ثم دعا بماء، وصبه فيها، ثم مسح فيها بما شاء الله أن يتكلم، ثم أدخل خنصره فيها، فأقسم بالله لقد رأيت أصابع النبي ﷺ

стр. 4229

تفجر ماء مع الماء، ثم أمر الناس فشربوا وملأوا قربهم وإداواتهم، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله لا يلقى الله بهما أحد يوم القيامة إلا دخل الجنة» رواه أبو نعيم. قصة أخرى. قال جابر: أن رسول الله ﷺ قال له في غزوة ذات الرّقاع: «يا جابر، ناد بوضوء» ، فقلت: ألا وضوء، ألا وضوء، قلت: يا رسول الله، ما وجدت في الرّكب من قطرة، وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله ﷺ الماء، فقال لي: «انطلق إلى فلان الأنصاري فانظر هل في أشجابه من شيء» ، فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة من عزلاء شجب منها لو أني أفرغه لشربة يابسة فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: «اذهب فأتيني به، فذهبت فأتيته به فأخذه بيده فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو ويغمزه بيده، ثم أعطانيه، فقال: «يا جابر، ناد بجفنة الركب» فقلت يا جفنة الركب فأتيته بها فوضعت بين يدي رسول الله فقام رسول الله ﷺ بيده في الجفنة هكذا، فبسطها في الجفنة وفرّق بين أصابعه ثم وضعها في قعر الجفنة وقال: «خذ يا جابر، فصبّ عليّ، وقل: بسم الله» ، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ففارت الجفنة، ودارت حتى امتلأت، فقال: «يا جابر، ناد من كانت له حاجة بماء» فأتى الناس فاستقوا حتى رووا ورفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى رواه مسلم والبيهقي وأبو نعيم [ (١) ] . روي عن حبّان- وهو بكسر المهملة وفتح الباء المشددة- ابن بحّ- بضم الباء الموحدة وتشديد الحاء- الصدائيّ قال: كفر قومي، فأخبرت أن النبي ﷺ جهز جيشا لهم، فأتيته، فقلت: إن قومي على الإسلام، قال: كذلك، قلت: نعم، واتبعته ليلتي إلى الصباح، فأذنت بالصلاة لما أصبحت وأعطاني إناء فتوضأت منه، فجعل النبي ﷺ أصابعه في الإناء فنبع عيون، فقال: «من أراد منكم أن يتوضأ فليتوضأ» ، فتوضأت وصلّيت فأمرني عليهم وأعطاني صدقتهم، فقال رجل: يا رسول الله أن فلانا ظلمني فقال رسول الله ﷺ : «لا خير في الإمارة لرجل مسلم» ، ثم جاء رجل يسأل الصدقة، فقال رسول الله ﷺ : «إن الصدقة صداع في الرأس وحريق في البطن أو داء» فأعطيته صحيفتي أو صحيفة أمرتي وصدقني، فقال: «ما شأنك؟» فقلت: كيف أقبلها وقد سمعت منك ما سمعت فقال: «هو ما سمعت [ (٢) ] » .

стр. 4230

تنبيهان الأول: حديث نبع الماء جاء من حديث ابن عباس رواه الإمام أحمد والطبراني من طريقين، ومن حديث ابن مسعود رواه البخاريّ والتّرمذي، ومن حديث أبي ليلى والد عبد الرحمن رواه الطبراني، وجابر بن عبد الله عن قصة الحديبية رواه مسلم وحبان رواه الإمام أحمد وأبي رافع رواه أبو نعيم، وأبي عمرة الأنصاري رواه أبو نعيم وتقدمت أحاديثهم. الثاني: في بيان غريب ما سبق: الزوراء- بزاي فواو فراء-: موضع بالمدينة قرب المسجد. حانت الصلاة بحاء مهملة فألف فنون: قربت أي قرب وقتها، ودخل إذ الحين: الوقت. من عند آخرهم: أي جميعهم. زهاء ثلاثمائة (بزاي مضمومة فهاء فهمزة ممدودة) : قدر، من زهوت القوم إذا حذرتهم وهو ملازم البناء للمفعول ك [دعى] . بينما نحن: بين بالنون زيدت عليها «ما» عوضا عن المضاف إليه أي أوقات أو أحيان. حالون منبع بتثليث الباء، أي جميعهم. الثّمد: بفتح المثلثة والميم: أي حفرة فيها ماء قليل وقوله «قليل الماء» تأكيد، لدفع توهم أن يراد لغة من يقول: إن الثمد الماء الكثير قيل: الثمد ما يظهر من الماء في الشتاء، ويذهب في الصيف، وقوله: «فيتربصّنه الناس» (بالموحدة والتشديد والضاد المعجمة) هو الأخذ قليلا قليلا، وقوله: «فلم تلبث» (بضم أوله وسكون اللام) من الإلباث، وقال ابن التّين (بفتح التاء وكسر الموحدة) أي لم يتركوه، ويلبث: أي يقيم وقوله: «يجش» (بفتح أوله وكسر الجيم وآخره معجمة) أي: يفور، وقوله: «بالرّيّ» بكسر الراء ويجوز فتحها وقوله: «صدروا عنه» أي نهلوا بعد ورودهم. الرّكاب: ككتاب لا واحد له من لفظه، وواحده راحلة. «الرّكوة» (براء مهملة مثلثة فكاف فواو) وزورق صغير إذا الأنياب والتي تلي الأنياب أو الأضراس كلها واحدها ناجذ إذا جعلته قيد. وفي رواية قال لأبي قتادة: احفظ عليّ مضابك، فإنه سيكون لها شأن.

стр. 4231

«نفث» بنون ففاء فمثلثة حذفت همزته تخفيفا وحى وألقى من النّفث بالفم، وهو أقل من التفل، لأن التفل لا يكون إلا معه شيء من الريق. «النبأ» بنون فموحدة الخبر العظيم. «الإداوة» : بهمزة مكسورة فمهملة فألف فواو المطهرة. «المخمصة» : (بميم فمعجمة فميم فمهملة: المجاعة. «الخنصر» (بفتح الصاد) الأصبع الصغرى أو الوسطى. «النواجذ» (بنون فواو فألف فجيم فدال معجمة) أقصى [الأسنان] : «أشجابه» جمع شجب (بفتح المعجمة وسكون الجيم) سقاء يقطع نصفه، فيتخذ أسفله دلوا. عزلاء (بعين مهملة فزاي فلام فألف ممدودة كجفنة) . «الشّربة» (بشين معجمة مفتوحة فراء ساكنة فموحدة) شيء يسقى به. «جفنة الركب» (بجيم مفتوحة ففاء فنون) القصعة.

стр. 4232

الباب الثاني في تكثيره ﷺ ماء الميضاة والقدح روى الإمام أحمد والشيخان وأبو محمد بن جرير الطبريّ (عن أبي قتادة والبيهقي عن أنس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان في سفر، فقال لأبي قتادة: «أمعكم ماء؟» قلت: نعم، في ميضاة فيها شيء من ماء، قال: «ائت بها» قال: فأتيته بها فقال لأصحابه: «تعالوا مسّوا منها فتوضئوا» ، وجعل يصبّ عليهم، فتوضأ القوم، وبقيت جرعة، فقال: «يا أبا قتادة، احفظها، فإنها ستكون لها نبأ» فذكر الحديث إلى أن قال: فقالوا: يا رسول الله، هلكنا عطشنا، انقطعت الأعناق، فقال: «لا هلك عليكم» ثم قال: «يا أبا قتادة، ائت بالميضاة» فأتيته بها، فقال: «أطلقوا لي غمري» - يعني قدحي- فحللته فأتيته به، فجعل يصب فيه ويسقي الناس، فازدحم الناس، فقال رسول الله ﷺ : «أيها الناس [ (١) ] أحسنوا الملأ، فكلكم سيروى» ، فشرب القوم، وسقوا دوابّهم وركابهم وملئوا ما كان معهم من إداوة وقربة ومزادة حتى لم يبق غيري وغيره، قال: «اشرب يا أبا قتادة» ، قلت: اشرب أنت يا رسول الله، قال: «ساقي القوم آخرهم شربا» فشربت، وشرب بعدي، وبقي في الميضاة نحو مما كان فيها وهم يومئذ ثلاثمائة [ (٢) ] . قصة أخرى. روى عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن فأصابنا جهد شديد فأتى بشيء من ماء في إداوة، فأمر بها فصبّت في قدح، فجعلنا نتطهّر حتى تطهرنا جميعا، وفي لفظ: فأفرغها في قدح فتوضأنا كلّنا ندغفقه دغفقة وكنا أربع عشرة مائة [ (٣) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. الميضاة: بكسر الميم والقصر وقد تمد وزنها مفعلة ومفعال وميمها زائدة: مطهرة كبيرة. الجرعة: بجيم مضمومة فراء ساكنة فعين مهملة: الاسم من الشرب اليسير وبفتح الجيم المرة الواحدة منه. غمري: بضم الغين المعجمة أي احلل لي قدحي.

стр. 4233

الملء: بفتح الميم وكسرها وسكون اللام والهمز. نطفة: بنون مهملة ففاء شيء يسير من الماء وقد يقال للكثير. ودغفقة: بمعجمة ففاء فقاف يدفعه ويصبه صبا كثيرا. سيصدر: سيرجع. المزادة: بميم فزاي مفتوحة فألف فدال وعاء الزاد.

стр. 4234

الباب الثالث في تكثيره ﷺ ماء عين تبوك روى مسلم عن جابر والإمامان مالك وأحمد عن معاذ بن جبل ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: في غزوة تبوك: «إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار فمن جاءها فلا يمسّ من مائها شيئا حتى آتي» فجئنا وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبضّ بشيء من ماء، فسألهما رسول الله ﷺ : «هل مسيتما من مائها شيئا؟» قالا: نعم، فسبهما وقال لهما: «ما شاء الله أن يقول» ، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله ﷺ وجهه ويديه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس، ثم قال رسول الله ﷺ : «يا معاذ، يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ماء ههنا قد ملئ جنانا» [ (١) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. شراك: بكسر المعجمة ثم راء فكاف أحد سور النعل التي تكون على وجهه شبه به لقلته لا للتحديد. تبض: بمثناة فوقية فموحدة فمعجمة: تقطر وتسيل. يوشك: أي يسرع ويدنو ويقرب، والوشيك السريع القريب [ (٢) ] . الجنان: بجيم مكسورة جمع جنّة وهي البستان الكثير الأشجار من الاجتنان وهو الستر أو لتكاثر أشجارها وتظليلها لاتفاق أصولها وأغصانها، سميت جنّة.

стр. 4235

الباب الرابع في تكثيره ﷺ ماء بئر بقباء روى ابن [ (١) ] سعد والبيهقي عن يحيى بن سعيد [ (٢) ] أن أنس بن مالك أتاهم بقباء، فسأله عن بئر هناك قال: فدللته عليها فقال: لقد كانت هذه وإن الرجل لينضح على حماره فتنزح، فجاء رسول الله ﷺ وأمر بذنوب فسقى فإما أن يكون توضأ منه وإما أن يكون تفل فيه ثم أمر به فأعيد في البئر فما نزحت بعد. وروى البيهقي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ سكب من فضل وضوئه في بئر قباء فما نزحت بعد. تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. نزح: بفتح النون والزاي: فني أي لم يفنى بعد. الباب الخامس في تكثيره ﷺ ماء بئر باليمن روى الحارث بن أبي أسامة وأبو نعيم البيهقي عن زياد بن الحارث الصّدائيّ قال: قلت: يا رسول الله، أن بئرنا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها، وإذا كان في الصيف قل: ماؤها وتفرقنا عن مياه حولنا وقد أسلمنا وكل من حولنا لنا عدوّ، فادع الله لنا في بئرنا فيسقينا ماؤها فنجتمع عليها ولا نتفرق فدعا بسبع حصيات فعرّكهن بيده ودعا فيهن، ثم قال: «اذهبوا بهذه الحصيات، فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واحدة واذكروا اسم الله » ، قال: ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا أن ننظر إلى قعرها- يعني البئر-[ (٣) ] .

стр. 4236

الباب السادس في تكثيره ﷺ ماء قطيعة برهاط باليمن روى أبو نعيم عن راشد بن عبد ربّه السّلميّ قال: كان الصنم الذي يقال له سواع بالمعلاة قال: فأرسلتني بنو ظفر بهدية إليه فألفيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع، وإذا صارخ يصرخ من جوفه العجب كل العجب من خروج نبيّ من بني عبد المطلب يحرم الزنا والرّبا والذبح للأصنام وحرست السّماء ورمينا بالشّهب، ثم هتف هاتف من جوف صنم آخر ترك الضماد وكان يعبد خرج أحمد نبي يصلي الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام والبر والصّلة للأرحام، ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف إنّ الذي ورث النبوة والهدى بعد ابن مريم من قريش مهتدي نبي يخبر بما سبق، وما يكون في غد، قال راشد: فألقيت سواعا مع الفجر وثعلبان يلحسان ما حوله ويأكلان ما يهدى له ثم يعرجان عليه ببولهما فعند ذلك أقول في ذلك: أربّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب وذلك عند مخرج رسول الله ﷺ إلى المدينة فخرج راشد حتى أتى إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فأسلم وبايعه، ثم طلب منه قطيعة برهاط فأقطعه إيّاها وأعطاه إداوة مملوءة من ماء، وتفل فيها، وقال له: «أفرغها في أعلى القطيعة ولا تمنع الناس فضولها» ففعل فجاء الماء عينا جمة إلى اليوم فغرس عليها النّخل ويقال: إن رهاط كلّها تشرب منه وسماه الناس ماء الرسول وأهل رهاط يغتسلون منه ويستقون به [ (١) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. القطيعة: طائفة من أرض الخراج. رهاط: اسم موضع.

стр. 4237

الباب السابع في تكثيره ﷺ ماء بئر أنس بن مالك ﵁ روى أبو نعيم البزار عن أنس ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ منزلنا فسقيناه من بئر كانت لنا في دارنا وكانت تسمى في الجاهلية «النزور» فتفل فيها فكانت لا تنزح بعد. الباب الثامن في تكثيره ﷺ ماء بئر الحديبية روى البخاري عن البراء ومسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ الحديبية ونحن أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فقعد رسول الله ﷺ على شفيرها، قال البراء: وأتي بدلو فيه ماء فبصق ودعا. ثم قال: «دعوها ساعة» وقال سلمة: فجاشت فأرووا أنفسهم وركابهم بالماء فسقينا واستقينا. وفي غير هاتين الروايتين من طريق ابن شهاب فأخرج سهما من كنانته فوضعه في قليب بئر ليس فيه ماء فروّى النّاس حتى ضربوا بعطن خيامها. تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. خيامها: بالفتح ما حول البئر، وبالكسرة جميع ما فيها من الماء. فجاشت: بجيم معجمة: فارت وارتفعت. القليب: بئر لم تطو تذكر وتؤنث. العطن: بفتح المهملتين مبرك الإبل حول الماء فإما دعا وإما بزق فيها فجاشت فسقينا واستقينا [ (١) ] . وروى الدارميّ في مسنده عن أنس عن جابر مثله وقد تقدم في غزوتها بأبسط مما هنا.

стр. 4238

الباب التاسع في تكثيره ﷺ ماء بئر غرس روى ابن سعد عن سعيد بن رقيش عن أنس ﵁ قال: جئنا مع رسول الله ﷺ إلى قباء فانتهى إلى بئر غرس وإنه ليستقى منه على حمار ثم نقوم عامّة النّهار ما نجد فيها ماء فمضمض في الدلو ورده فجاشت بالرواء. تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. بئر غرس: بغين معجمة فراء ساكنة فسين مهملة: بئر بالمدينة.

стр. 4239

الباب العاشر في تكثيره ﷺ ماء المزادتين روى الإمام أحمد والشيخان [ (١) ] والطبراني والبيهقي عن عمران بن حصين ﵁: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فاشتكى إليه الناس العطش، فنزل ثم دعا عليّا، ورجلا آخر وفي رواية: وعمران بن حصين، فقال: «اذهبا فابغيا الماء فإنّكما ستجدان امرأة بمكان كذا وكذا معها بعير عليه مزادتان فأتيا بها» فانطلقا فلقيا امرأة بين مزادتين من ماء على بعير لها فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة. فقالا لها: انطلقي إذا، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ قالت: الذي يقال له الصّابئ؟ قالا: هو الذي تعنين، فانطلقا فجاءا بها إلى النبي ﷺ وحدثاه بالحديث، قال: فاستنزلوها عن بعيرها ودعا النبي ﷺ بإناء، فأفرغ فيه من أفواه المزادتين فمضمض في الماء وأعاده في أفواه المزادتين وأوكأ أفواههما، وأطلق الغرارتين ونودي في الناس اسقوا واستقوا فسقى من شاء واستقى من شاء وملأنا كل قربة معنا وإداوة وهي قائمة تنظر ما يفعل بمائها وأيم الله، لقد أقلع عنها وإنها ليخيل إليها أنها أشد ملئة منها حيث ابتدأ فيها فقال النبي ﷺ : «اجمعوا لها طعاما» فجمعوا لها ما بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعاما فجعلوه في ثوب وحملوها على بعيرها ووضعوا الثوب بين يديها وقالوا لها: تعلمين ما رزأنا من مائك شيئا ولكن الله هو الذي أسقانا الحديث وفيه أنها أسلمت وقومها بعد ذلك. تنبيهات الأول: في قول سيدنا عليّ ورفيقه لها لما قالت: الصّابئ: (هو الذي تعنين) أدب حسن ولو قالا لها: لا، لفات المقصود أو نعم لما يحسن بهما إذ فيه طلب تقرير ذلك فتخلّصا أحسن تخليص. الثاني: قال بعض العلماء: إنما أخذوها واستجازوا أخذ ما بها لأنها كانت كافرة حربية وعلى تقدير أن يكون لها عهد فضرورة العطش تبيح للمسلم إمّا المملوك لغيره على عوض وإلّا فنفس الشّارع تفدى بكل شيء على سبيل الوجوب. الثالث: في بيان غريب ما سبق: ابغيا: بغين معجمة: اطلبا.

стр. 4240

المزادتان: بفتح الميم والزاي تثنية مزادة وهي قربة كبيرة يزاد فيه جلد من غيرها ويسمى أيضا السطيحة والمراد بها الرواية. البعير: بموحدة فمهملة فتحتية فراء يطلق على الذكر والأنثى وجمعه أبرعة وبعران. أمس: خبر المبتدأ. السّاعة: بالنصب على الظرفية. النّفر: ما دون العشرة وعن كراع الناس قال الحافظ وهو اللاتي هنا، لأنها أرادت أن رجالها تخلفوا لطلب الماء. الخلوف: بضم المعجمة واللام جمع خالف قال ابن فارس: الخالف المستقي ويقال أيضا غاب ولعله المراد هنا أي أن رجالها غابوا عن الحي ويكون قولها معربا خلوف جملة مستقلة زائدة على جواب السؤال. الصابئ: بلا همز المائل وبالهمز من صبا يصبو إذ خرج من دين إلى دين. أوكأ: أي ربط. أطلق: فتح. العزالي: بفتح المهملة والزّاي وكسر اللام ويجوز فتحها: جمع عزلا بإسكان الزاي هي مصب الماء من الرواية ولكل مزادة عزلاوان من أسفلها. أشد ملئه: بكسر الميم وسكون اللام بعدها همزة أي إنهم يظنون أن ما بقي من الماء أكثر مما كان أوّلا. تعلمي: بفتح أوله وثانية وتشديد اللام: أي اعلمي. ما رزأنا: بفتح الراء وكسر الزاي ويجوز فتحها وبعدها همزة ساكنة أي نقصنا، وظاهره أن جميع ما أخذوه من ماء زاده الله تعالى، وأوجده وأنه لم يختلط فيه شيء من مائها في الحقيقة وإن كان في الظاهر مختلطا، وهذا أبدع وأغرب في المعجزة، وهو ظاهر قوله: «ولكن الله سقانا» ويحتمل أن يكون المراد ما نقصنا من مائك شيئا.
следующие страницы →