الباب السادس في تكثيره ﷺ ماء قطيعة برهاط باليمن
روى أبو نعيم عن راشد بن عبد ربّه السّلميّ قال: كان الصنم الذي يقال له سواع بالمعلاة قال: فأرسلتني بنو ظفر بهدية إليه فألفيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع، وإذا صارخ يصرخ من جوفه العجب كل العجب من خروج نبيّ من بني عبد المطلب يحرم الزنا والرّبا والذبح للأصنام وحرست السّماء ورمينا بالشّهب، ثم هتف هاتف من جوف صنم آخر ترك الضماد وكان يعبد خرج أحمد نبي يصلي الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام والبر والصّلة للأرحام، ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف إنّ الذي ورث النبوة والهدى بعد ابن مريم من قريش مهتدي نبي يخبر بما سبق، وما يكون في غد، قال راشد: فألقيت سواعا مع الفجر وثعلبان يلحسان ما حوله ويأكلان ما يهدى له ثم يعرجان عليه ببولهما فعند ذلك أقول في ذلك:
أربّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب
وذلك عند مخرج رسول الله ﷺ إلى المدينة
فخرج راشد حتى أتى إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فأسلم وبايعه، ثم طلب منه قطيعة برهاط فأقطعه إيّاها وأعطاه إداوة مملوءة من ماء، وتفل فيها، وقال له: «أفرغها في أعلى القطيعة ولا تمنع الناس فضولها» ففعل فجاء الماء عينا جمة إلى اليوم فغرس عليها النّخل
ويقال: إن رهاط كلّها تشرب منه وسماه الناس ماء الرسول وأهل رهاط يغتسلون منه ويستقون به [ (١) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:.
القطيعة: طائفة من أرض الخراج.
رهاط: اسم موضع.
стр. 4237
الباب السابع في تكثيره ﷺ ماء بئر أنس بن مالك ﵁
روى أبو نعيم البزار عن أنس ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ منزلنا فسقيناه من بئر كانت لنا في دارنا وكانت تسمى في الجاهلية «النزور» فتفل فيها فكانت لا تنزح بعد.
الباب الثامن في تكثيره ﷺ ماء بئر الحديبية
روى البخاري عن البراء ومسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ الحديبية ونحن أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فقعد رسول الله ﷺ على شفيرها، قال البراء: وأتي بدلو فيه ماء فبصق ودعا. ثم قال: «دعوها ساعة» وقال سلمة: فجاشت فأرووا أنفسهم وركابهم بالماء فسقينا واستقينا.
وفي غير هاتين الروايتين من طريق ابن شهاب فأخرج سهما من كنانته فوضعه في قليب بئر ليس فيه ماء فروّى النّاس حتى ضربوا بعطن خيامها.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:.
خيامها: بالفتح ما حول البئر، وبالكسرة جميع ما فيها من الماء.
فجاشت: بجيم معجمة: فارت وارتفعت.
القليب: بئر لم تطو تذكر وتؤنث.
العطن: بفتح المهملتين مبرك الإبل حول الماء فإما دعا وإما بزق فيها فجاشت فسقينا واستقينا [ (١) ] .
وروى الدارميّ في مسنده عن أنس عن جابر مثله وقد تقدم في غزوتها بأبسط مما هنا.
стр. 4238
الباب التاسع في تكثيره ﷺ ماء بئر غرس
روى ابن سعد عن سعيد بن رقيش عن أنس ﵁ قال: جئنا مع رسول الله ﷺ إلى قباء فانتهى إلى بئر غرس وإنه ليستقى منه على حمار ثم نقوم عامّة النّهار ما نجد فيها ماء فمضمض في الدلو ورده فجاشت بالرواء.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:.
بئر غرس: بغين معجمة فراء ساكنة فسين مهملة: بئر بالمدينة.
стр. 4239
الباب العاشر في تكثيره ﷺ ماء المزادتين
روى الإمام أحمد والشيخان [ (١) ] والطبراني والبيهقي عن عمران بن حصين ﵁: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فاشتكى إليه الناس العطش، فنزل ثم دعا عليّا، ورجلا آخر وفي رواية: وعمران بن حصين، فقال: «اذهبا فابغيا الماء فإنّكما ستجدان امرأة بمكان كذا وكذا معها بعير عليه مزادتان فأتيا بها» فانطلقا فلقيا امرأة بين مزادتين من ماء على بعير لها فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة. فقالا لها: انطلقي إذا، قالت: إلى أين؟
قالا: إلى رسول الله ﷺ قالت: الذي يقال له الصّابئ؟ قالا: هو الذي تعنين، فانطلقا فجاءا بها إلى النبي ﷺ وحدثاه بالحديث، قال: فاستنزلوها عن بعيرها ودعا النبي ﷺ بإناء، فأفرغ فيه من أفواه المزادتين فمضمض في الماء وأعاده في أفواه المزادتين وأوكأ أفواههما، وأطلق الغرارتين ونودي في الناس اسقوا واستقوا فسقى من شاء واستقى من شاء وملأنا كل قربة معنا وإداوة وهي قائمة تنظر ما يفعل بمائها وأيم الله، لقد أقلع عنها وإنها ليخيل إليها أنها أشد ملئة منها حيث ابتدأ فيها فقال النبي ﷺ : «اجمعوا لها طعاما» فجمعوا لها ما بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعاما فجعلوه في ثوب وحملوها على بعيرها ووضعوا الثوب بين يديها
وقالوا لها: تعلمين ما رزأنا من مائك شيئا ولكن الله هو الذي أسقانا الحديث وفيه أنها أسلمت وقومها بعد ذلك.
تنبيهات
الأول: في قول سيدنا عليّ ورفيقه لها لما قالت: الصّابئ: (هو الذي تعنين) أدب حسن ولو قالا لها: لا، لفات المقصود أو نعم لما يحسن بهما إذ فيه طلب تقرير ذلك فتخلّصا أحسن تخليص.
الثاني: قال بعض العلماء: إنما أخذوها واستجازوا أخذ ما بها لأنها كانت كافرة حربية وعلى تقدير أن يكون لها عهد فضرورة العطش تبيح للمسلم إمّا المملوك لغيره على عوض وإلّا فنفس الشّارع تفدى بكل شيء على سبيل الوجوب.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
ابغيا: بغين معجمة: اطلبا.
стр. 4240
المزادتان: بفتح الميم والزاي تثنية مزادة وهي قربة كبيرة يزاد فيه جلد من غيرها ويسمى أيضا السطيحة والمراد بها الرواية.
البعير: بموحدة فمهملة فتحتية فراء يطلق على الذكر والأنثى وجمعه أبرعة وبعران.
أمس: خبر المبتدأ.
السّاعة: بالنصب على الظرفية.
النّفر: ما دون العشرة وعن كراع الناس قال الحافظ وهو اللاتي هنا، لأنها أرادت أن رجالها تخلفوا لطلب الماء.
الخلوف: بضم المعجمة واللام جمع خالف قال ابن فارس: الخالف المستقي ويقال أيضا غاب ولعله المراد هنا أي أن رجالها غابوا عن الحي ويكون قولها معربا خلوف جملة مستقلة زائدة على جواب السؤال.
الصابئ: بلا همز المائل وبالهمز من صبا يصبو إذ خرج من دين إلى دين.
أوكأ: أي ربط.
أطلق: فتح.
العزالي: بفتح المهملة والزّاي وكسر اللام ويجوز فتحها: جمع عزلا بإسكان الزاي هي مصب الماء من الرواية ولكل مزادة عزلاوان من أسفلها.
أشد ملئه: بكسر الميم وسكون اللام بعدها همزة أي إنهم يظنون أن ما بقي من الماء أكثر مما كان أوّلا.
تعلمي: بفتح أوله وثانية وتشديد اللام: أي اعلمي.
ما رزأنا: بفتح الراء وكسر الزاي ويجوز فتحها وبعدها همزة ساكنة أي نقصنا، وظاهره أن جميع ما أخذوه من ماء زاده الله تعالى، وأوجده وأنه لم يختلط فيه شيء من مائها في الحقيقة وإن كان في الظاهر مختلطا، وهذا أبدع وأغرب في المعجزة، وهو ظاهر قوله: «ولكن الله سقانا» ويحتمل أن يكون المراد ما نقصنا من مائك شيئا.
стр. 4241
الباب الحادي عشر في عذوبة ماء بئر باليمن ببركته ﷺ
روى ابن السّكن عن همّام بن نقيد السّعديّ قال: قدمت على رسول الله ﷺ فقلت:
يا رسول الله: حفرنا لنا بئرا فخرجت مالحة فدفع إليّ إداوة فيها ماء، فقال: «صبّه» ، فصببته فيها، فعذبت فهي أعذب ماء بئر باليمن.
الباب الثاني عشر في نبع الماء من الأرض له ﷺ
روى ابن سعد [ (١) ] عن عمرو بن سعيد قال: قال أبو طالب: أن أول ما أنكرت من ابن أخي أنا كنا بذي المجاز في إبلنا، وكان رديفي في يوم صائف فأصابني عطش شديد فقلت له: يا ابن أخي أذاني العطش فثنى رجله، فنزل، فقال: «يا عمّ، أتريد ماء؟ قلت: نعم، فقال:
«انزل» فنزلت، فانتهيت إلى صخرة فركضها برجله، وقال شيئا فنبعت ماء لم أر مثله فشربت حتى رويت فقال: «أرويت» ، قلت: «نعم، فركضها ثانية فعادة كما كانت [ (٢) ] .
قصة أخرى.
روى أبو نعيم عن خديج بن سدرة بن عليّ السّلميّ من أهل قباء عن أبيه عن جدّه قال:
خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا القاحة وهي التي تسمى اليوم السّقيا، لم يكن بها ماء، فبعث رسول الله ﷺ إلى مياه بني غفار على ميل من القاحة ونزل رسول الله ﷺ في صدر الوادي واضطجع بعض أصحابه ببطن الوادي فبحث بيده في البطحاء فنديت فجلس ففحص، فانبعث عليه الماء، فأخبر النبي ﷺ فسقى واستقى جميع من معه حتى اكتفوا
فقال رسول الله ﷺ : «هذه سقيا سقاكموها الله »
فسمّيت السّقيا.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:.
ذو المجاز: بفتح الميم فجيم فألف فزاي سوق على فرسخ من عرفة.
يوم صائف: بصاد مهملة فهمزة مكسورة ففاء: حارّ.
ركضها: براء فكاف فضاد معجمة فهاء مفتوحات: ضربها برجله.
стр. 4242
القاحة: بقاف فألف فحاء مهملة.
الميل: بميم مكسورة فتحتية ساكنة فلام: مد البصر ومسافة من الأرض متراخية بلا حدّ أو مائة ألف أصبع إلا أربعة آلاف أصبع أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ هل هو ستة آلاف كل أصبع ذراع بذراع القدم أو اثنا عشر ألف ذراع بذراع المحدثين.
بحث: بموحدة فمهملة مفتوحتين فمثلثة: نبش.
فحص: بفاء فحاء فصاد مهملتين مفتوحتين: بحث.
السّقيا: تقدّمت.
стр. 4243
جماع أبواب معجزاته ﷺ في الأطعمة
الباب الأول في تكثيره ﷺ اللبن في القدح
روى الإمام أحمد والشيخان والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع وإني كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدتّ يوما على طريقهم الذي يخرجون فيه فمر بي أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلّا ليستتبعني فمرّ ولم يفعل ثم مر عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فمر ولم يفعل، فمر أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: «يا أبا هرّ» فقلت: لبيك يا رسول الله، فقال:
«الحق» ومضى فتبعته، فدخل واستأذنت فأذن لي، فدخلت فوجدت لبنا في قدح، فقال: «من أين هذا اللّبن؟» فقالوا: أهدى ذلك فلان أو فلانة، فقال: «يا أبا هرّ» ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «الحق بأهل الصّفّة فادعهم لي» وقال: وأهل الصّفّة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، فأصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللّبن في أهل الصّفّة؟ كنت أرجو أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها بقية يومي وليلتي، وإني لرسول فإذا جاءوا أمرني أن أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فأتيتهم، فدعوتهم، فأقبلوا وأخذوا مجالسهم من البيت، فقال: «يا أبا هرّ» ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «خذ فأعطهم فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرّجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح أعطيه الآخر فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى رسول الله ﷺ وقد روي القوم كلّهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إليّ وتبسّم، وقال: «يا أبا هرّ» ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «بقيت أنا وأنت» ، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: «اقعد فاشرب» فشربت فقال: «اشرب» فشربت حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا فأعطيته القدح فحمد الله وسمّى وشرب الفضلة [ (١) ] .
стр. 4244
الباب الثاني في تكثيره ﷺ لبن الشاة
روى الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وابن سعد والطّبرانيّ عن ابنة خبّاب بن الأرثّ قالت: خرج خبّاب في سريّة فكان رسول الله ﷺ يتعاهدنا حتى كان يحلب عنزا لنا، فكان يحلبها في جفنة لنا فتمتلئ فلما قدم خبّاب حلبها، فعاد حلابها كما كان، فقالت أمي:
أفسدتّ علينا شاتنا، قال: وما ذاك؟ قالت: إن كانت لتحلب ملء هذه الجفنة، قال: ومن كان يحلبها؟ قالت: رسول الله ﷺ قال: وقد عدلتيني به؟ هو والله أعظم بركة [ (١) ] .
قصة أخرى.
روى البيهقيّ عن نضلة بن عمر والغفاري أنه حلب لرسول الله ﷺ إناء فشرب ثم شرب نضلة فامتلأ، فقال: يا رسول الله، إني كنت لأشرب السقية فما أمتلئ، فقال رسول الله ﷺ : «إنّ المؤمن ليشرب في معاء واحد، وإنّ الكافر ليشرب في سبعة أمعاء» [ (٢) ] .
قصة أخرى.
روى البيهقي عن أبي العالية قال: بعث النبي ﷺ إلى أزواجه التّسع يطلب طعاما، وعنده ناس من أصحابه، فلم يوجد، فنظر إلى عناق في الدار ما نتجت [ (٣) ] قطّ فمسح مكان الضّرع، قال: فدفعت بضرع مليء بين رجليها فدعى بقف فحلب فيه فبعث إلى أبياته بعثا ثم حلب فشرب وشربوا.
تنبيهان الأول: معنى قوله: إنّ الكافر ليشرب في سبعة أمعاء.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:.
الجفنة: بجيم ففاء ساكنة فنون فتاء تأنيث [القصعة] .
المعا: [هذا مثل ضربه للمؤمن وزهده في الدنيا والكافر وحرصه عليها وليس معناه كثرة الأكل دون الاتساع في الدنيا] .
الضرع: [تقدم] .
стр. 4245
الباب الثالث في معجزاته ﷺ في عكّة أم سليم وأم أوس البهزية وأم شريك الدوسية ونحى حمزة الأسلمي وأم مالك البهزية الأنصارية ﵃ .
روى أبو يعلى والطبراني وأبو نعيم وابن عساكر عن أم أنس ﵄، قالت: كانت لنا شاة فجمعت من سمنها في عكّة فملأتها العكّة وبعثت بها مع الجارية فقالت: أبلغي هذه العكّة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله هذه عكة سمن بعثت بها إليك أمّ سليم، قال:
«فرّغوا لها عكّتها» ففرغت العكّة فدفعت إليها فانطلقت وجاءت أم سليم، فرأت العكّة ممتلئة تقطر فقالت أم سليم: أليس قد أمرتك أن تنطلقي بها إلى رسول الله ﷺ فقالت: قد فعلت فإن لم تصدّقيني فانطلقي فسلي رسول الله ﷺ فانطلقت أم سليم، فقالت: يا رسول الله إني بعثت إليك بعكّة سمن قال: «قد فعلت جاءت بها» ، قالت: والذي بعثك بالهدى ودين الحق إنها للممتلئة تقطر سمنا فقال لها رسول الله ﷺ : «يا أمّ سليم أتعجبين إن كان الله أطعمك كما أطعمت نبيه كلي وأطعمي» ، فجاءت إلى البيت، ففتت لنا كذا وكذا وتركت فيها ما ائتدمنا شهرا أو شهرين [ (١) ] .
قصة أخرى.
روى الطبراني والبيهقي عن أمّ أوس البهزيّة ﵂ قالت: سليت سمنا لي فجعلته في عكة فأهديته إلى رسول الله ﷺ فقبله، وترك في العكّة قليلا ونفخ فيه، ودعا بالبركة، ثم قال: «ردّوا عليها عكّتها» فردوها عليها وهي ممتلئة سمنا، قالت: فظننت أن رسول الله ﷺ لم يقبلها فجاءت ولها صراخ فقالت: يا رسول الله إنما سلّيته لك لتأكله فعلم أنه قد استجيب له، فقال: «اذهبوا فقولوا لها لتأكل سمنها وتدعو بالبركة» ،
فأكلت بقية عمر رسول الله ﷺ وولاية أبي بكر وولاية عمر وولاية عثمان حتى كان من أمر عليّ ومعاوية ما كان [ (٢) ] .
قصة أخرى.
روى البيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال كانت امرأة من دوس يقال لها أمّ شريك أسلمت فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول الله ﷺ فلقيت رجلاً من اليهود، فقال: تعالي
стр. 4246
أنا أصحبك، قالت: انظرني حتى أملأ سقائي ماء، قال: معى ماء فانطلقت معه، فساروا حتى أمسوا، فنزل اليهودي ووضع سفرته وتعشّى، وقال: يا أم شريك، تعالي إلى العشاء، قالت:
اسقني، فإني عطشى ولا أستطيع أن آكل حتى أشرب، قال: لا أسقيك قطرة حتى تهوّدي، قالت: والله لا أتهوّد أبدا فأقبلت إلى بعيرها فعقلته ووضعت رأسها على ركبته، قالت: فما أيقظني إلا برد دلو قد وقع على جبيني فرفعت رأسي فنظرت إلى ماء أشدّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل فشربت حتى رويت ثم نضحت على سقائي حتى ابتلّ ثم ملأته ثم رفع بين يديّ وأنا أنظر حتى توارى منّي في السماء فلما أصبحت جاء اليهوديّ، فقال: يا أم شريك قلت: والله قد سقاني الله. قال: من أين؟ أنزل عليك من السماء ماء؟ قالت: نعم، والله لقد أنزل على من السماء ماء ثم رفع بين يدي حتى توارى عنّي في السماء
ثم أقبلت حتى دخلت على رسول الله ﷺ فوهبت نفسها له فزوجها زيدا وأمر لها بثلاثين صاعا وقال: «كلوا ولا تكيلوا» ، وكان معها عكّة سمن هدية لرسول الله ﷺ فأمرت جاريتها أن تحملها إلى رسول الله ﷺ فانطلقت فأخذوها، فأفرغوها، وأمرها رسول الله ﷺ إذا ردّتها أن تعلّقها ولا توكئها فدخلت أمّ شريك فوجدتها ملأى، فقالت: للجارية: ألم آمرك أن تذهبي إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: قد فعلت ثم أقبلت بها ما ينظر منها شيء، ولكنه قال: «علّقوها ولا توكئوها» ، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأمرهم أن لا يوكئوها،
فلم تزل حتى أوكأتها أمّ شريك ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعا لم ينقص منه شيء.
قصة أخرى.
روى الطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن محمد بن عمرو بن حمزة الأسلميّ عن أبيه عن جدّه قال: خرج رسول الله ﷺ إلى تبوك، وخرجت على خدمته ذلك السّفر، فنظرت إلى نحي السّمن قد قلّ ما فيه وهيّأت للنبي ﷺ طعاما ووضعت السمن في الشمس ونمت فانتبهت بخرير النحي فقمت فأخذت برأسه بيدي فقال رسول الله ﷺ : «لو تركته لسال واديا سمنا» [ (١) ] .
قصة أخرى.
روى الإمام أحمد ومسلم عن جابر ﵁ قال: إن البهزية أم مالك كانت تهدي لرسول الله ﷺ في عكّة لها سمنا، فيأتيها بنوها يسألونها عن إدام وليس عندها شيء فعمدت إلى العكة التي كانت تهدي فيها إلى النبي ﷺ فوجدت فيها سمنا فما زال يقيم لها إدام بنيها
стр. 4247
حتى عصرته فأتت النبي ﷺ فقال: «أعصرتيها؟» قالت: نعم، قال: «لو تركتها ما زال قائما» [ (١) ] .
قصة أخرى.
روى ابن أبي شيبة عن رجل عن أم مالك الأنصارية قالت: جاءت أمّ مالك بعكة سمن إلى رسول الله ﷺ فأمر رسول الله ﷺ بلالا بعصرها، ثم دفعها إليه فرجعت فإذا هي مملوءة فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، نزل في شيء؟ قال: «وما ذاك يا أم مالك؟» قالت: رددت هديتي فدعا بلالا، فسأله عن ذلك، فقال: والذي بعثك بالحق لقد عصرتها حتى استحييت، فقال رسول الله ﷺ : «هنيئا لك يا أم مالك، هذه بركة عجّل الله تعالى لك ثوابها» .
الحديث [ (٢) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:.
العكّة: بمهملة مضمومة فكاف مشددة: إناء من جلد.
الوتد: بفتح الواو والمثناة الفوقية ودال مهملة ككتف: بارز في الأرض والحائط من خشب.
стр. 4248
الباب الرابع في تكثيره ﷺ الشعير
روى الإمام أحمد ومسلم عن جابر ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال يأكل منه هو وامرأته ومن ضيفهما حتى كالوه فأخبر النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم» [ (١) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:.
شطر: بمعجمة فمهملة نصف، والوسق بفتح الواو: ستون صاعا ثلاثمائة وعشرون رطلا حجازية وأربعمائة وثمانون رطلا عراقية على اختلافهم في قدر زنة الصاع والمدّ.
قصة أخرى.
روى الحاكم والبيهقي عن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه استعان رسول الله ﷺ في التزويج فأنكحه امرأة فالتمس شيئا فلم يجده فبعث رسول الله ﷺ أبا رافع وأبا أيّوب بدرعه فرهناه عند يهوديّ بثلاثين صاعا من شعير، فدفعه رسول الله ﷺ إليه، قال: فطعمنا منه نصف سنة ثم كلناه فوجدناه كما أدخلناه، قال نوفل: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «لو لم تكله لأكلت منه ما عشت» [ (٢) ] .
قصة أخرى.
روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: لقد توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلّا شطر وسق من شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال عليّ فكلته ففني [ (٣) ] .
وتقدمت قصة أم شريك في الباب قبله.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:.
الشّطر: بشين معجمة مفتوحة فطاء ساكنة فراء: الشطر النصف.
والوسق: بواو مفتوحة فسين مهملة ساكنة فقال: ستون صاعا أو حمل البعير.
الرّف: براء ففاء مفتوحتين: خشب يرفع عن الأرض إلى جنب الجدار يرقى له ما يوضع عليه، وجمعه رفوف ورفاف.
стр. 4249
الباب الخامس في تكثيره ﷺ التمر
روى الإمام أحمد وابن سعد والترمذي وابن حبّان والبيهقي من طرق عن أبي هريرة ﵁ قال: أصبت بثلاث مصيبات في الإسلام لم أصب بمثلهن: موت رسول الله ﷺ ، وقتل عثمان، والمزود
قال زيد بن أبي منصور عن أبيه: فقلت: وما المزود يا أبا هريرة؟ قال: كان رسول الله ﷺ في غزاة فأصابهم عوز من الطعام فقال: «يا أبا هريرة عندك شيء؟» قلت: شيء من تمر في مزود لي قال: «جيء به» قال فجئت بالمزود، قال: «هات نطعا» ، فجئت بالنّطع فبسطته، فأدخل يده فقبض على التمر، فإذا هو إحدى وعشرون تمرة فجعل يضع كلّ تمرة ويسمّي الله حتى أتى على التّمر، فقال به هكذا فجمعه فقال:
«ادع عشرة» ، فدعوت عشرة، فأكلوا حتى شبعوا وكذلك حتى أكل الجيش كله وفضل تمرات، فقلت: يا رسول الله، ادع لي فيهنّ بالبركة فقال: فقبضهنّ ثم دعا فيهنّ بالبركة ثم قال:
«خذهنّ فاجعلهنّ في المزود، وإذا أردتّ أن تأخذ منهن شيئا فأدخل يدك فيه ولا تكفأ فيكفأ عليك»
قال: فما كنت أريد تمرا إلا أدخلت يدي فأخذت منه، ولقد حملت منه خمسين وسقا في سبيل الله، ونأكل ونطعم منه حياة رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وحياة عثمان وكان معلّقا خلف رحلي فلما قتل عثمان انتهب ما في بيتي وانتهب المزود وفي رواية فلم نزل نأكل منه حتى كان آخر إصابة أهل الشام حين غاروا بالمدينة ألا أخبركم كم أكلت منه أكثر من مائتي وسق [ (١) ] .
قصة أخرى.
روى أبو نعيم وابن عساكر عن العرباص بن سارية ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ بتبوك، فقال ليلة لبلال: «هل من عشاء؟» فقال: والذي بعثك بالحقّ لقد نفضنا جرابنا، قال: «انظر عسى تجد شيئا» ، فأخذ الجرب ينفضها جرابا جرابا. فتقع التمرة والتمرتان حتى رأيت في يده سبع تمرات ثم دعا بصحفة فوضع التمر فيها ثم وضع يده على التمرات وقال: «كلوا باسم الله» فأكلنا ثلاثة أنفس فأحصيته أربعا وخمسين تمرة أعدها عدّا ونواها في يدي الأخرى وصاحبيّ يصنعان كذلك فشبعنا ورفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هن فقال:
«يا بلال ارفعهن، فإنه لا يأكل منها أحد إلا نهل منها شبعا» فلما كان من الغد دعا بلالا بالتمرات فوضع يده عليها ثم قال «كلوا باسم الله» ، فأكلنا حتى شبعنا وإنا لعشرة ثم رفعنا أيدينا
стр. 4250
وإذا التمرات كما هي، فقال رسول الله ﷺ : «لولا أني مستح من ربي لأكلنا من هذه التمرات حتى نرد إلى المدينة عن آخرنا» فأعطاهن غلاما فولّى يلوكهنّ [ (١) ] .
قصة أخرى.
روى أبو نعيم معضلا عن محمد بن عمرو الأسلمي قال: قال رجل من بني سعد: جئت مع رسول الله ﷺ وهو في نفر من أصحابه وهو سابعهم، فأسلمت، فقال: «يا بلال، أطعمنا» ، فبسط نطعا ثم جعل يخرج شيئا له فأخرج شيئا من تمر معجون بالسّمن والأقط، فقال رسول الله ﷺ : «كلوا» فأكلنا حتى شبعنا فقلت: يا رسول الله، إني كنت آكل هذا وحدي، ثم جئته من الغد، فإذا عشرة نفر حوله فقال: «أطعمنا يا بلال» ، فجل يخرج من جراب تمرا بكفّه قبضه قبضة، فقال: «أخرج ولا تخف من ذي العرش إقلالا» فجاء بالجراب فنثره فحزرته مدّين فوضع النبي ﷺ يده على التمر ثم قال: «كلوا باسم الله» ، فأكل القوم، وأكلت معهم حتى ما أجد له مسلكا وبقي على النّطع مثل الذي جاء به كأنا لم نأكل منه تمرة واحدة ثم غدونا من الغد وعاد نفر عشرة يزيدون رجلا أو رجلين، فقال: «يا بلال، أطعمنا» فجاء بذلك الجراب بعينه فنثره فوضع يده عليه، وقال: «كلوا باسم الله» فأكلنا، ثم رفع مثل الذي صب ففعل ذلك ثلاثة أيام [ (٢) ] .
قصة أخرى.
روى الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان عن دلين بن سعيد الخثعمي والنعمان بن مقرن قالا: أتينا رسول الله ﷺ ونحن أربعون وأربعمائة نسأله الطعام، فقال النبي ﷺ لعمر: «قم فأعطهم» ، فقال: يا رسول الله، ما عندي إلا ما يقيظني والصبية، قال: «قم فأعطهم» ، قال: يا رسول الله، سمعا وطاعة،
فقام عمر وقمنا معه وصعد بنا إلى غرفة له فإذا فيها من التمر مثل الفصيل الرابض قال: شأنكم. فأخذ كلّ رجل منا حاجته ما شاء قال: وإني لمن آخرهم فكأنّا لم نرزأ منه تمرة [ (٣) ] .
قصة أخرى.
روى الطبراني وأبو نعيم وابن عساكر بسند لا بأس به عن أبي رجاء قال: خرج رسول الله ﷺ حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فإذا هو يسنو فيه فقال: «ما تجعل لي إن أرويت حائطك هذا» ، قال: إني أجهد أن أرويه فلا أطيق ذلك فقال له رسول الله ﷺ : «تجعل
стр. 4251
لي مائة تمرة أختارها من تمرك» قال: نعم، فأخذ رسول الله ﷺ الترب فما لبث أن أرواه حتى قال الرجل: غرقت على حائطي فاختار رسول الله ﷺ من تمره مائة تمرة، قال: فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه حتى شبعوا ثم رد عليه مائة تمرة كما أخذها [ (١) ] .
قصة أخرى.
روى الإمام أحمد والشيخان من طرق وألفاظه متقاربة هذا حاصلها عن جابر ﵁ أن أباه توفّي وعليه ديون ليهوديّ منها ثلاثون وسقا فاستعنت بالنبي ﷺ علي غرمائه أن يضعوا من دينه، فطلب إليهم فلم يفعلوا فاستنظرهم فلم يفعلوا فعرضت عليهم أن يأخذوا تمري كله فأبوا ولم يروا أن فيه وفاء، فطاف رسول الله ﷺ في النّخل ودعا في تمره بالبركة، ثم قال: «إذا جددته فوضعته في المربد فاجعله أصنافا، العجوة على حدة، وعذق ابن زيد على حدة» ، ثم أرسل إليّ» ففعلت فلما وضعته في المربد أرسلت إليه فجاء أبو بكر وعمر فطاف حول أعظمها بيدرا ثلاث مرات ثم جلس عليه ودعا بالبركة ثم قال: «ادع غرماءك فأوفهم» فما تركت أحدا له عليّ دين إلا قضيته وأنا أرضى أن يرد الله أمانة والدي ولا أرجع إلى إخوتي منه بتمرة فسلم والله البيادر كلّها، حتى إني لأنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله ﷺ كأنّه لم تنقص منه تمرة واحدة فقلت: يا رسول الله ألا ترى أنى كلت لغريمي تمره فوفاه الله وفضل من التمر كذا وكذا فقال ابن عمر بن الخطاب: فجاء يهرول فقال: سل جابر بن عبد الله عن غريمه وغيره، فقال: ما أنا بسائله قد علمت أن الله سوف يوفيه إذا أجزت فيه فكرر عليه الكلمة ثلاث مرات كل ذلك يقول: ما أنا بسائله، وكان لا يراجع بعد المرة الثالثة، فقال: «يا جابر، ما فعل غريمك وتمرتك» ، قال: قلت: وفّاه الله وفضل لنا من التمر كذا وكذا [ (٢) ] .
قصة أخرى.
روى ابن سعد عن ابنة بشير بن سعد قالت: دعتني أمي فأعطتني جفنة من تمر في ثوبي ثم قالت: يا بنيّة، اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بغدائهما، قالت: فأخذته ثم انطلقت بها فمررت برسول الله ﷺ فقال: «تعالي ما معك؟» فقلت: يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغدّيانه فقال: «هاتيه» ، فصببته في كفّي رسول الله ﷺ فما ملأها ثم أمر بثوب فبسط ثم دعا بالتمر فصبه فوق الثّوب ثم قال لإنسان
стр. 4252
عنده: «اخرج في أهل الخندق أن هلمّوا إلى الغداء فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنّه ليسقط من أطراف الثوب
[ (١) ] .
قصة أخرى.
روى ابن سعد عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجت يوما من بيتي إلى المسجد لم يخرجني إلا الجوع فوجدت نفرا قالوا: ما أخرجنا إلا الجوع فدخلنا على رسول الله ﷺ فأخبرناه فدعا بطبق فيه تمر فأعطى كلّ رجل منّا تمرتين فقال: «كلوا هاتين التمرتين واشربوا عليهما فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا» [ (٢) ] .
قصة أخرى.
روى البيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ أتاه غلام فقال: بأبي أنت يا رسول الله غلام يتيم وأخت له يتيمة وأمّ له أرملة أطعمنا أطعمك الله مما عنده، فقال النبي ﷺ : «انطلق إلى أهلنا فأتنا بما وجدت عندهم» فأتى بواحدة وعشرين تمرة فوضعها في كفّ النبي ﷺ فأشار النبي ﷺ بكفّه إلى فيه، ونحن نرى أنه يدعو بالبركة ثم قال: «يا غلام، سبعا لك وسبعا لأمك، وسبعا لأختك فتعشى بتمرة وتغدى بأخرى» [ (٣) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:.
المزود: بميم مكسورة فزاي فواو مفتوحة وعاء من جلد يجعل فيه الزاد.
البيدر: بموحدة فمثناة تحتية فمهملة فراء الموضع الذي يداس فيه الطعام ليخلص من تينه.
القبضة: بقاف مفتوحة فموحدة ساكنة فمعجمة مفتوحة: المقبوضة كالفرقة بمعنى المفروقة وهو الأخذ بجميع الكف وبالضم اسم للمقبوض.
يلوكهنّ: من اللّوك بفتح اللام وسكون الواو: أهون المضغ أو مضغ صلب أو علك نيء.
النّطع: بكسر النون وفتح الطاء.
جربا: بجيم فراء مضمومة فموحدة فألف جمع جراب.
الصحفة: بصاد مفتوحة فحاء مهملتين ساكنة ففاء دون الجفنة وفوق الكيلة.
стр. 4253
الإقفار: بهمزة مكسورة فقاف ساكنة ففاء فألف فراء: ذهاب الطعام.
حزرته: بحاء مهملة فزاي مفتوحتين فراء: قدّرته.
الفصيل: بفاء مفتوحة فصاد مهملة مكسورة فتحتية فلام: ولد الناقة إذا فصل عن أمه.
الرّابض: براء فألف فموحدة مكسورة فضاد معجمة: الجالس المقيم.
شأنكم: بشين معجمة فألف فنون الحظر من الأمر والحال.
نرزأ: بنون مفتوحة فمهملة ساكنة فزاي فهمزة ساكنة: ننقص.
جذذته: بجيم فذالين معجمتين: قطعته.
المربد: بميم مفتوحة فراء ساكنة فموحدة مفتوحة فدال مهملة: الجرين.
العجوة: ضرب من التمر.
عذق زيد: بعين مهملة مكسورة فذال معجمة ساكنة فقاف: نوع من التمر وأطم بالمدينة لبني أمية بن زيد.
стр. 4254
الباب السادس في تكثيره ﷺ البيض
روى أبو نعيم عن جابر ﵄ قال: لمّا أراد رسول الله ﷺ غزو ذات الرّقاع جاء له علبة زيد بثلاث بيضات أداحي، فقال: يا رسول الله، وجدت هذه البيضات في مفحص نعام، فقال: «دونك يا جابر، فاعمل هذه البيضات»
فعملتهن ثمّ جئت بهنّ في قصعة، فجعلت أطلب خبزا فلا أجده، فجعل رسول الله ﷺ وأصحابه يأكلون من ذلك البيض بغير خبز حتى انتهى إلى حاجته، والبيض في القصعة كما هو ثمّ قام فأكل منه عامّة أصحابه ثم رحلنا مبردين قال ابن سعد: وكانوا أربعمائة ويقال: سبعمائة.
الباب السابع في تكثيره ﷺ اللحم
روى ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي وأبو نعيم من طرق عن علي وابن مردويه وأبو نعيم عن البراء ﵄ ان الله تعالى لما أنزل وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [سورة الشعراء ٢١٤] جمع رسول الله ﷺ بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا يأكلون المسنة ويشربون العس فأمر عليّا أن يصنع لهم طعاما وأن يجعل عليه رجل شاة فصنعها ثم قربها إلى رسول الله ﷺ فأخذ منها بضعة فأكل منها ثم تتبع بها جوانب القصعة ثم قال:
«ادنوا باسم الله» فدنا القوم فأكلوا عشرة عشرة، فأكلوا حتى صدروا ما نرى إلا أثر أصابعهم، والله إن كان الرّجل ليأكل مثل ما قدم لجميعهم، ثم قال: «يا عليّ، اسق القوم» فجاءهم بذلك العس فشرب منه ثم ناولهم، وقال: «اشربوا باسم الله» فشربوا حتى رووا عن آخرهم، وايم الله، إن كان الرجل منهم ليشرب مثله فذكر الحديث [ (١) ] .
قصة أخرى.
روى الحسن بن سفيان والنّسائيّ في الكنى والطبراني والبيهقي عن خالد بن عبد العزى بن سلامة أن النبي ﷺ أجزره شاة وكان عيال خالد كثيرا يذبح الشّاة فلا يبدّ عياله عظما عظما وأن النبي ﷺ أكل منها ثمّ قال: «أرني دلوك يا أبا حباش» فوضع فيه فضلة الشّاة، ثم قال: «اللهم بارك لأبي حباش» فانقلب به، فنثره لهم، وقال: «تواسوا فيه فأكل منه عياله وأفضلوا [ (٢) ] .
стр. 4255
قصة أخرى.
روى الطبراني عن مسعود بن خالد، قال: بعثت إلى رسول الله ﷺ شاة ثم ذهبت في حاجة فردّ رسول الله ﷺ شطرها فرجعت فإذا لحم فقلت: يا أمّ خناس ما هذا اللحم؟ قالت:
رد رسول الله ﷺ من الشاة التي بعثت بها إليه شطرها، قلت: ما لك لا تطعمينه عيالك، قالت: هذا سؤرهم، وكلّهم قد أطعمت، وكانوا يذبحون الشاتين والثلاثة فلا تجزئهم [ (١) ] .
قصة أخرى.
روى الحاكم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: لما قتل أبي ترك دينا.. الحديث وفيه:
فقلت لامرأتي: أن رسول الله ﷺ يحب النوم نصف النهار فدخلت وفرشت له فنام فذبحت له عناقا فلما استيقظ وضعتها بين يديه، فقال: «ادع أبا بكر» ، ثم دعا الذين كانوا معه، فدخلوا فأكلوا حتى شبعوا وفضل منا لحم كثير [ (٢) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
العس: بمهملتين الأولى مضمومة: قدح كبير من خشب.
القصعة: بفتح القاف ولا تكسر.
стр. 4256
الباب الثامن في تكثيره ﷺ طعام أبي طلحة رضي الله تعالى عنه
روى الإمام أحمد والشيخان وأبو يعلى والبغوي من طرق كثيرة متواترة عن مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس أنه كان شاهد أبا طلحة قال لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: ما عندنا إلا نحو من مدّ شعير، قال: فاعجنيه وأصلحيه، عسى أن ندعو رسول الله ﷺ فيأكل عندنا، قالت:
فعجنته وخبزته، فجاء قرصا، فقال: ادع لي رسول الله ﷺ قال أنس: فذهبت فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس، قال مبارك بن فضالة، فأحسبه قال: بضعة وثمانون، فقمت عليهم فقال رسول الله ﷺ : «أرسلك أبو طلحة؟» فقلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: «قوموا» فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة:
فضحتنا، قلت: إني لم أستطع أن أرد على رسول الله ﷺ أمرا، فتلقّاه أبو طلحة فدهش لمن أقبل مع رسول الله ﷺ فمشى جنبه، فقال: يا رسول الله، إنما هو قرص فقال: «إن الله سيبارك فيه» ، فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى الباب قال لهم: «اقعدوا» ودخل رسول الله ﷺ فقال أبو طلحة: يا أمّ سليم قد جاء رسول الله ﷺ والناس وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فدعا رسول الله ﷺ بالقرص، ودعا بجفنة فوضعه فيها، وقال: «هل من سمن» قال أبو طلحة: قد كان في العكّة شيء قال: فجاء بها فجعل هو ورسول الله ﷺ يعصرانها حتى خرج شيء مسح رسول الله ﷺ به سبابته ثم مسح القرص فانتفخ، وقال: «باسم الله» فانتفخ فلم يزل يصنع كذلك والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة ثم قال: «ادع عشرة من أصحابي» ، فدعوت له عشرة، قال: فوضع رسول الله ﷺ يده وسط القرص، وقال: «كلوا باسم الله» فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا فلم يزل يدعو عشرة بعشرة يأكلون من ذلك القرص حتى أكل منه بضعة وثمانون من حوالي القرص حتى شبعوا، وإنّ وسط القرص حيث وضع رسول الله ﷺ يده كما هو، وأكل رسول الله ﷺ وأبو طلحة وأم سليم وأنا حتى شبعنا وفضلت فضلة أهديناها لجيران لنا [ (١) ] .
стр. 4257
الباب التاسع في تكثيره ﷺ طعام جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما
روى الإمام أحمد والبخاري والإسماعيليّ والبيهقي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا يوم الخندق مع رسول الله ﷺ فعرضت كدية شديدة فجاؤوا النبي ﷺ ، فقالوا: هذه كدية من الجبل عرضت فقال: «أنا نازل» ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ رسول الله ﷺ المعول فضرب فعادت كثيبا مهيلا. فقلت: يا رسول الله، ائذن لي إلى البيت، فأذن لي فقلت لامرأتي: إني رأيت من رسول الله ﷺ خمصا شديدا ما في ذلك صبر فعندك شيء؟ فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير ولنا عناق فذبحتها وطحنت ففرغت إلى فراغي وقطعتها في برمتها والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج ثم وليت إلى رسول الله ﷺ فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، فجئته فساررته فقلت: اطعم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان قال: «كم هو؟» فذكرت له، قال: «كثير طيب» ، قل لها: لا تنزع البرمة والخبز من التّنّور حتى آتيكم واستعر صحافا» ثم صاح رسول الله ﷺ فقال: «يا أهل الخندق إن جابرا صنع لكم سؤرا فحيهلا بكم» ، فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلّا الله فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس حتى جئت امرأتي فقلت: ويحك جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم فقالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم، قال: فكشفت عنّي غمّا شديدا، فدخل رسول الله ﷺ فقال: «ادخلوا ولا تضاغطوا فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك ثم قال: «يا جابر، ادع خبازة فلتخبز معك واقدح من برمتكم ولا تنزلوها» وجعل رسول الله ﷺ يبرد ويغرف اللحم ويخمر هذا ويخمر هذا فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا فكلما فرغ قوم جاء قوم حتى صدر أهل الخندق وهم ألف حتى تركوه، وانحرفوا وإن برمتنا لتغطّ كما هي، وإن عجيننا ليختبز كما هو ثم قال رسول الله ﷺ : «كلي وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة» فلم نزل نأكل ونهدي يومنا [ (١) ] .
تنبيهان
الأول: وقوله «وهم ألف» كذا في الصحيح وفي غيره تسعمائة أو ثمانمائة أو ثلاثمائة، قال الحافظ والحكم الزائد لمزيد علمه ولأن القصة متحدة.
стр. 4258
الثاني: في بيان غريب ما سبق:.
كدية: بضم الكاف وهي القطعة الصلبة الصّمّاء.
الذواق: بذال معجمة مفتوحة فواو فألف فقاف: أي ما ذيق منها.
المعول: كبير الحديدة ينقر بها في الجبال.
كثيبا مهيلا: رملا سائلا.
والعجين قد انكسر أي لان ورطب وتمكن من الخبز.
البرمة: بموحدة فراء فميم إناء من حجر أو مدر يطبخ فيه الطعام.
الأثافي: بمثلثة وفاء: الحجارة التي توضع عليها القدر.
سورا: بضم السين المهملة وسكون الواو بغير همزة هو ها هنا ما يصنع بالحيسة.
فحيهلا بكم: كلمة استدعاء فيها حث أي هلموا مسرعين بكّ وبكّ.
ولا تضاغطوا: بضاء وغين معجمتين وطاء مهملة مشالة أي لا تزدحموا.
اقدحي: اغرفي والمقدحة: المغرفة.
خمّر البرمة: غطّاها.
انحرفوا: أي مالوا عن الطعام.
تغط: بكسر الغين المعجمة وتشديد الطاء أي تغلي وتفور.
стр. 4259
الباب العاشر في تكثيره ﷺ حيس أم سليم رضي الله تعالى عنها
روى أبو يعلى وأبو نعيم وابن عساكر عن ثابت عن أنس ﵁ قال: لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش قالت لي أمي: يا أنس أن رسول الله ﷺ أصبح عروسا ولا أدري أصح له (غذاء) فهلمّ تلك العكّة فأتيتها بالعكّة وبتمر فجعلت منه حيسا فقالت: يا أنس:
اذهب بهذا إلى النبي ﷺ وامرأته، فلما أتيت رسول الله ﷺ بتور من حجارة فيه ذلك الحيس قال: «دعه ناحية البيت وادع أبا بكر، وعمر وعليّا وعثمان ونفرا من أصحابه ثم ادع لي أهل المسجد ومن رأيت في الطّريق» فجعلت أتعجب من قلة الطعام وكثرة ما يأمرني أن أدعو النّاس وكرهت أن أعصيه حتى امتلأ البيت والحجرة، فقال: «هات ذلك التور» فجئت به فوضعه قدّامه فعمس ثلاث أصابع في التور فجعل التّمر يربو فجعلوا يتغدّون ويخرجون حتى إذا فرغوا أجمعون، وبقي في التور نحو ما جئت به، فقال: «ضعه قدّام زينب» ، قال ثابت: يا حمزة، كم ترى كان الذين أكلوا من ذلك التور؟ قال: واحدا وسبعين أو اثنين وسبعين [ (١) ] .
الحيس- بمهملة فمثناة تحتية فمهملة- سمن وأقط وربما جعل عوض الأقط دقيق.
التور: بمثناة فوقية إناء من مدر أو حجارة.
стр. 4260
الباب الحادي عشر في تكثيره ﷺ طعام أبي أيّوب
روى جعفر الفريابي والبيهقي وأبو نعيم عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: صنعت لرسول الله ﷺ وأبي بكر طعاما قدر ما يكفيهما، فأتيتهما به فقال رسول الله ﷺ :
«اذهب فادع ثلاثين من أشراف الأنصار،» قال: فشقّ ذلك علي، وقلت: ما عندي شيء أزيده، قال: فكأني تثاقلت، فقال: «اذهب فأدع لي ثلاثين من أشراف الأنصار [ (١) ] » فدعوتهم فجاؤوا، فقال: أطعموا فأكلوا حتىّ صدروا ثمّ شهدوا أنه رسول الله ﷺ وبايعوه قبل أن يخرجوا ثم قال: اذهب فادع لي ستين من أشراف الأنصار، قال أبو أيوب: فو الله لأنا بالستين أجود مني بالثلاثين، قال: فدعوتهم فقال رسول الله ﷺ : «أطعموا فأكلوا حتى صدروا» ثم شهدوا أنه رسول الله وبايعوه قبل أن يخرجوا، ثم قال: «اذهب فادع لي تسعين من الأنصار فلأنا أجود بالتسعين مني بالثلاثين» ،
قال: فدعوتهم فأكلوا حتّى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله ﷺ وبايعوه قبل أن يخرجوا فأكل من طعامي ذلك مائة وثمانون رجلا كلهم من الأنصار [ (٢) ] .
стр. 4261
الباب الثاني عشر في تكثيره ﷺ طعام ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها
روى أبو يعلى عن جابر ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ أياما لم يطعم طعاما حتى شق ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئاً، فأتى فاطمة، فقال: «يا بنية، هل عندك شيء أكلة، فإني جائع» فقالت: لا والله، فلما خرج من عندها رسول الله ﷺ بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها فوضعته في جفنة لها وغطت عليها، وقالت: والله، لأوثرنّ بهذا رسول الله ﷺ على نفسي ومن عندي فكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول الله ﷺ فرجع إليها فقالت له: قد آتى الله بشيء فخبأته لك، قال: «هلمي يا بنية» ، فكشفت عن الجفنة، فإذا هي مملؤة خبزا ولحما، فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله ، فحمدت الله وصلت على نبيه- ﷺ وقدّمته إلى رسول الله ﷺ فلما رآه حمد الله ، وقال: «من أين لك هذا يا بنيّة؟» قالت: يا أبت، هذا من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فقال: «الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل فإنها كانت إذا رزقها الله شيئا فسئلت عنه قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب،» فبعث رسول الله ﷺ إلى علي ثم أكل رسول الله ﷺ وعلى وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي ﷺ وأهل بيته حتى شبعوا وبقيت الجفنة كما هي فأوسعت بقيّتها على جميع جيرانها، وجعل الله فيها بركة وخيراً كثيراً [ (١) ] .
стр. 4262
الباب الثالث عشر في تكثيره ﷺ فضلة أزواد أصحابه رضي الله تعالى عنهم
روى الشيخان عن سلمة بن الأكوع والإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة وأحمد عن أبي الحسين الغفاريّ وابن سعد والحاكم وصححه عن أبي عمرة الأنصاريّ والبزّار والطبراني والبيهقي عن أبي الحسين العبديّ وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى وأبو نعيم عن عمر بن الخطاب ﵃ قالوا:.
كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة بتبوك فأصاب الناس مخمصة شديدة، فاستأذن الناس رسول الله ﷺ في نحر بعض ظهورهم، وقالوا يبلغنا الله فأذن لهم، فأخبر عمر ﵁ فجاء رسول الله ﷺ فقال: يا نبيّ الله، ماذا صنعت؟ أمرت الناس أن ينحروا ظهورهم فعلى ماذا يركبون؟، قال: «فما ترى يا ابن الخطّاب؟» قال: أرى أن تأمرهم أن يأتوا بفضل أزوادهم فتجمعه في ثوب، ثم تدعو الله بالبركة، فإن الله سيبلغنا بدعوتك، فدعا النبي ﷺ ببقايا أزوادهم، فجعل الناس يجيئون بالحثية من الطعام وفوق ذلك فكان أعلاهم من جاء بالصّاع من التمر، فجمعها رسول الله ﷺ في ثوب ثم دعا لهم، ثم قال: «ائتوني بأوعيتكم» فملأ كلّ إنسان وعاءه ولم يبق في الجيش وعاء إلّا ملؤوه حتى إن الرجل ليعقد قميصه فيأخذ فيه وبقي مثله، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله لا يلقى الله عبد مؤمن بها إلا حجبت عنه النّار [ (١) ] » .
قصة أخرى.
روى الطبرانيّ عن صفية أمّ المؤمنين ﵂ قالت: جاءني رسول الله ﷺ يوما، فقال: «هل عندك شيء، فإني جائع» ، قلت لا، إلا مدّين من طحين قال: «فاسخنيه» فجعلته في القدر وأنضجته، فقلت: قد نضج ثم دعا ينحي ليس فيه إلا القليل فعصر حافتيه في القدر موضع يده فقال: «بسم الله ادعي أخواتك، فإني أعلم أنهن يجدن مثل ما أجد» فدعوتهنّ فأكلنا حتى شبعنا ثم جاء أبو بكر فدخل ثم عمر فدخل ثم جاء رجل فأكلوا حتى شبعوا وفضل عنهم [ (٢) ] .
قصة أخرى.
روى الإمام أحمد والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لمّا نزل
стр. 4263
رسول الله ﷺ مر الظهران في عمرته بلغ أصحابه أن قريشا تقول ما يتباعثون من العجف، فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهورنا، فأكلنا من لحمه وحسونا من مرقة لاصبحنا غدا ندخل على القوم وبنا جمامة فقال: «لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم» فجمعوا له وبسطوا الأنطاع، فأكلوا حتى تولّوا وحثا كل واحد منهم في جرابه [ (١) ] .
стр. 4264
الباب الرابع عشر في تكثيره ﷺ أطعمة مختلفة غير ما تقدم
روى أبو جعفر الفريابي وابن سعد وابن أبي شيبة والطبراني عن أبي هريرة ﵁ قال قال لي رسول الله ﷺ : ادع لي أصحابك فجعلت أتتبعهم رجلا رجلا، فجئنا باب النبي ﷺ فاستأذنا فأذن لنا، قال أبو هريرة فوضعت بين أيدينا صحفة صنيع قدر مدّ من شعير فوضع رسول الله ﷺ عليها يده وقال: «كلوا باسم الله» فأكلنا ما شئنا وكنا ما بين السّبعين إلى الثمانين، ثم رفعنا أيدينا، فقال رسول الله ﷺ حين وضعت الصحفة: «والذي نفسي بيده ما أمسى لآل محمد طعام» .
قيل لأنس: كم كانت حين فرغتم منها؟ قال مثلها حين وضعت إلّا أن فيها أثر الأصابع [ (١) ] .
قصة أخرى.
روى الطّبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم وابن عساكر عن واثلة بن الأسقع، قال: بعثني أهل الصّفّة إلى رسول الله ﷺ يشكون الجوع فالتفت في بيته، فقال: «هل من شيء؟» قالوا:
نعم، كسرة أو كسرتين وشيء من لبن فأتي به ففتوه فتا دقيقا، ثم صبّ عليه اللّبن ثم حلبه بيده حتى جعله كالثريد ثم قال: «يا واثلة، ادع عشرة من أصحابك» ففعلت، فقال رسول الله ﷺ : «كلوا باسم الله من حواليها، وأبقوا رأسها فإن البركة تأتيها من فوقها وإنها تمدّ» فرأيتهم يأكلون ويتخلّلون أصابعه حتى تمثلوا شبعا ثم ذهبوا، فقال: «جيء بعشرة» ، فقال لهم مثل ذلك، فأكلوا حتى شبعوا ثم قال: «هل بقي أحد» ، قلت: نعم، عشرة، قال: «جى بهم» ، فقال لهم مثل ما قال لمن قبلهم فأكلوا حتى شبعوا، وحتى انتهوا وإن فيها فضلة، فقمت متعجبا مما رأيت [ (٢) ] .
قصة أخرى.
روى ابن سعد عن علي ﵁ قال: نمنا ليلة بغير عشاء فأصبحت فالتمست فأصبت ما أشتري به طعاما ولحما بدرهم ثم أتيت به فاطمة فخبزت وطبخت فلما فرغت، قالت: لو أتيت أبي، فدعوته، فجئت إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: «أعوذ بالله من الجوع ضجيعا» ، فقلت: يا رسول الله، عندنا طعام فهلمّ، فجاءوا والقدر تفور، فقال: «اغرفي لعائشة في صحفة» حتى غرفت لجميع نسائه، ثم قال: «اغرفي لأبيك وزوجك» ، فغرفت، فقال:
«اغرفي فكلي،» ، فغرفت ثم رفعت القدر، وإنها لتفيض فأكلنا منها ما شاء الله [ (٣) ] .
стр. 4265
قصة أخرى.
روى الطبراني وأبو نعيم والبيهقي عن حمزة بن عمرو الأسلمي، قال: عملت طعاما للنبي ﷺ ثم ذهبت به فتحرّك به النّحي فأهريق ما فيه فقلت: على يدي أهريق طعام رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «ادنه» فقلت: يا رسول الله لا أستطيع فرجعت مكاني فإذا النّحي يقول قب قب، فقلت: مه قد أهريق فضلة فضلت فيه، فاجتذبته، فإذا هو قد ملي إلى يديه فأوكيته ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: «أما إنك لو تركته لمليء إلى فيه ثم أوكى [ (١) ] » .
قصة أخرى.
روى الطبراني بسند حسن عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: صنعت أميّ طعاما إلى رسول الله ﷺ قالت: ادعه، فجئت فساررته، فقال لأصحابه: «قوموا» ، فقام معه خمسون رجلا، فقال: «ادخلوا عشرة عشرة» فأكلوا حتى شبعوا وفضل نحو ما كان
[ (٢) ] .
قصة أخرى.
روى أبو نعيم عن صهيب ﵁ قال: صنعت لرسول الله ﷺ طعاما فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقمت حياله، فلما نظر إلى أومأت إليه، فقال: «وهؤلاء» قلت لا مرتين يفعل ذلك أو ثلاثا فقلت: نعم، وهؤلاء وإنما كان شيئا يسيرا صنعته لك فأكلوا وفضل منهم [ (٣) ] .
قصة أخرى.
روى ابن سعد عن أم عامر أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: رأيت رسول الله ﷺ صلى في مسجدنا المغرب، فجئت إلى منزلي فجئته بعرق وأرغفة فقلت: بأبي وأمي تعشّ، فقال: لأصحابه: «كلوا باسم الله» ، فأكل هو وأصحابه الذين جاءوا معه، ومن كان حاضرا من أهل الدار، فو الذي نفسي بيده [ (٤) ] لرأيت بعض العرق لم يتعرقه وعامّة الخبز وإنّ القوم أربعون رجلا.
قصة أخرى.
روى الإمام احمد وابن سعد وأبو نعيم عن عبد الله بن طهفة قال: كان رسول الله ﷺ إذا اجتمع الضيفان قال: «لينقلب كل رجل مع جليسه» ، فكنت أنا ممّن انقلب مع
стр. 4266
رسول الله ﷺ فقال: «يا عائشة، هل من شيء» ، قالت: حويسة كنت أعددتّها لإفطارك، فأتي بها في قعبة فأكل منها رسول الله ﷺ شيئا ثم قدمها إلينا ثمّ قال: «بسم الله كلوا» فأكلنا منها حتى والله ما ننظر إليها، ثم قال: «هل من شراب؟» فقالت لبينة: أعددتّها لإفطارك، فجاءت بها فشرب منها شيئاً، ثم قال: «باسم الله اشربوا» ، فشربنا حتى والله ما ننظر إليها [ (١) ] .
قصة أخرى.
روى الطبراني بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: دعاني رسول الله ﷺ ليلة فانطلق إلى المنزل فقال: «هلموا إلى الطعام الذّي عندكم فأعطوني صحفة فيها عصيدة بتمر» فأتيته بها، فقال: «ادع أهل المسجد» فقلت في نفسي: الويل لي مما أرى من قلة الطعام والويل لي من المعصية، فدعوتهم، فاجتمعوا، فوضع النبي ﷺ أصابعه فيها وغمز نواحيها وقال: «كلوا بسم الله» فأكلوا حتى شبعوا وأكلت حتّى شبعت ورفعتها فإذا هي كهيئتها حين وضعتها إلا أن فيها أثر الأصابع [ (٢) ] .
قصة أخرى.
روى ابن عساكر عن عبد الله بن مغيث أبي بردة الأنصاري قال: أرسلت أم عامر الأشهليّة بقصعة فيها حيس إلى رسول الله ﷺ وهو في قبته وعنده أم سلمة فأكلت أمّ سلمة حاجتها ثم خرجت بالقعبة، فنادى منادي رسول الله ﷺ إلى عشائه فأكل أهل الخندق وهي كما هي.
قصة أخرى.
روى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: أتت عليّ ثلاثة أيام لم أطعم فجئت أريد الصّفّة فجعلت أسقط فجعل الصبيان يقولون: جنّ أبو هريرة، قال فجعلت أناديهم، وأقول: بل أنتم المجانين حتى انتهينا إلى الصّفّة، فوافقت رسول الله ﷺ أتى بقصعة من ثريد، فدعا عليها أهل الصّفّة وهم يأكلون منها، فجعلت أتطاول كي يدعوني حتى قام القوم وليس في القصعة إلا شيء في نواحي القصعة،
فجمعه رسول الله ﷺ فصارت لقمة فوضعه على أصابعه، فقال لي: «كل باسم الله» ، فو الذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت [ (٣) ] .
قصة أخرى.
روى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: جئت رسول الله ﷺ فوجدته جالسا
стр. 4267
مع أصحابه يحدثهم قد عصب بطنه بعصابة، فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله ﷺ بطنه فقالوا: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة فأخبرته فدخل على أمي فقال: هل من شيء؟
قالت: نعم عندي كسر من خبز وتمرات، فإن جاءنا رسول الله ﷺ وحده أشبعناه وإن جاء معه بأحد قلّ عنهم، فقال لي أبو طلحة: قم قريبا من رسول الله ﷺ فإذا قام فدعه حتى يتفرق عنه أصحابه ثم اتبعه حتى إذا قام على عتبة بابه، فقل: أبي يدعوك، ففعلت ذلك، فلما قلت:
أبي يدعوك، قال لأصحابه: «يا هؤلاء تعالوا» ثم أخذ بيدي فشدها، ثم أقبل بأصحابه حتى إذا دنونا من بيتنا أرسل يدي فدخلت وأنا حزين لكثرة من جاء به، فقلت: يا أبتاه، قد قلت لرسول الله ﷺ الذي قلت لي فدعا أصحابه، وقد جاء بهم، فخرج أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك ولم يكن عندي ما يشبع من أرى، فقال:
رسول الله ﷺ ادخل، فإن الله سيبارك فيما عندك، فدخلت فقال: «اجمعوا ما عندكم ثم قربوه» فقرّبنا ما كان عندنا من خبز وتمر، فجعلناه على حصير فدعا فيه بالبركة، فقال: «يدخل عليّ ثمانية» فأدخلت عليه ثمانية، فجعل كفّه فوق الطعام، فقال: «كلوا وسمّوا الله » فأكلوا من بين أصابعه حتى شبعوا، ثم أمرني أن أدخل عليه ثمانية فما زال ذلك أمره حتى دخل عليه ثمانون رجلا كلّهم يأكل حتى يشبع، ثم دعاني وأمي وأبا طلحة، فقال: «كلوا» ، فأكلنا حتى شبعنا، ثم رفع يده، فقال: يا أمّ سليم، أين هذا من طعامك حين قدّمتيه؟ فقالت:
بأبي أنت وأمي، لولا أني رأيتهم يأكلون لقلت: ما نقص من طعامنا شيء [ (١) ] .
قصة أخرى.
روى الإمام أحمد في الزهد والبزار والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ليسأله عن شيء فدخل يطلب له فأصابه لقمة في بعض حجره، فأخذها، ففتها أجزاء، ووضع يده عليها ثم قال: «كل» ، فأكل الأعرابي حتى شبع وفضلت منه فضلة فجعل الأعرابي ينظر إليه ويقول: إنك لرجل صالح فقال رسول الله ﷺ : «أسلم» فجعل يأبى الإسلام ويقول إنك لرجل صالح [ (٢) ] .
تنبيه في بيان غريب ما سبق:.
العرق [.....] .
الأرغفة [قطعة من العجين تخبز] .
стр. 4268
الباب الخامس عشر في قصة الذراع
روى الإمام أحمد وأبو يعلى من طرق عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: أهديت لنا شاة، فجعلتها في قدر، فدخل رسول الله ﷺ فقال: «ما هذا يا أبا رافع؟ فقلت: شاة أهديت لنا، فطبختها في القدر، فقال: «ناولني الذراع» فناولته ثم قال: «ناولني الذراع يا أبا رافع» ، فناولته ثم قال: «ناولني الذراع الآخر» فقلت: يا رسول الله، إنما للشاة ذراعان فقال رسول الله ﷺ : «أما إنك لو مسكت لناولتني ذراعا ما دعوت به [ (١) ] » .
قصة أخرى.
روى الإمام أحمد وأبو نعيم عن أبي هريرة ﵁ أن شاة طبخت فقال رسول الله ﷺ : «أعطني الذراع» ، فناولته إياه، ثم قال: «الذراع» زاد أبو نعيم من وجه آخر فناولته إياه، ثم دعا بذراع آخر، فقلت: يا رسول الله، إنما للشاة ذراعان، قال: «أما إنك لو التمستها لوجدتها» [ (٢) ] .
قصة أخرى.
روى أبو يعلى وأبو نعيم بسند حسنه الحافظ ابن حجر عن أسامة بن زيد ﵁ أن امرأة جاءت بابن لها فذكر الحديث وفيه: فأهدت للنبي ﷺ شاة مشوية، فقال: «خذ الشاة منها» ، ثم قال: «ناولني ذراعها» ، فناولته ثم قال: «ناولني ذراعها» ، فقلت يا رسول الله إنما هما ذراعان، وقد ناولتك فقال: «والذي نفسي بيده، لو سكتّ ما زلت تناولني ذراعا ما قلت لك ناولني ذراعا [ (٣) ] » .
قصة أخرى.
روى الإمام أحمد والدّراميّ عن أبي عبيد مولى رسول الله ﷺ أنه طبخ للنبي ﷺ قدرا فيه لحم، فقال: «ناولني ذراعها» فناوله ثم قال: «ناولني ذراعها» فناوله، ثم قال: «ناولني ذراعها» ، فقلت: يا رسول الله، كم للشاة من ذراع، فقال: «والذي نفسي بيده، لو سكتّ لأعطتك ذراعا ما دعوت به» [ (٤) ] .
стр. 4269
الباب السادس عشر في تكثيره ﷺ سواد البطن
روى الشيخان عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ ثلاثين ومائة فقال: «هل مع أحد منكم من طعام؟» فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه، فعجن ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها، فاشترى منه رسول الله ﷺ شاة، فصنعت، وأمر رسول الله ﷺ بسواد البطن أن يشوى،
قال: وايم الله، ما من الثلاثين ومائة إلا وقد حز له رسول الله ﷺ حزّة حزّة من سواد بطنها. إن كان شاهدا أعطاه، وإن كان غائبا خبّأ له، وجعل منها قصعتين فأكلنا منها أجمعون، وشبعنا وفضل في القصعتين، فحملته على البعير [ (١) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:.
سواد البطن: بسين مهملة فواو مخففة: الكبد، وقيل حشوه كله.
مشعان: بضم أوله وسكون الشين المعجمة بعدها مهملة وآخره نون: فسره البخاري بأنه الطويل جدا فوق الطّول ونحوه، زاد غيره: مع إفراط في الطّول، شعث في الرّأس قال الحافظ:
ويحتمل أن قوله أقوى لأن في الأطعمة من وجه آخر بلفظ مشعان طويل، وقال القزاز:
المشعان: الطويل الجافي الثائر الرأس.
стр. 4270
الباب السابع عشر في الطعام الذي أتاه ﷺ من السماء
روى الإمام أحمد والنّسائيّ والدّارميّ والحاكم وصححه، وقال الذهبي في مختصر المستدرك: إنه من غرائب الصّحاح عن أبي سلمة بن نفيل السكوني رضي الله تعالى عنه قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ إذ قال له قائل: يا رسول الله هل أتيت بطعام من السماء، وفي لفظ: من الجنة؟ قال: «نعم» ، قال: وبماذا؟ قال: «بطعام مسخنة» ، قالوا: فهل كان فيها فضل عنك؟ قال: «نعم» ، قال: فما فعل به؟ قال: «رفع إلى السماء» [ (١) ] .
وروى ابن عساكر عن الحراث بن عجد حدثني رجل يقال له أبو سعيد، قال: قدمت المدينة، فسمعت رجلا يقول لصاحبه: أن رسول الله ﷺ قرى الليلة، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله بلغني أنك قريت الليلة، قال: «أجل» ، قلت: وما ذاك؟ قال: «طعام فيه مسخنة» ، قلت: فما جعل في فضله؟ قال: «رفع» [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد والنّسائيّ والتّرمذيّ وابن حبان والحاكم والبيهقيّ وصححوه والذهبيّ عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ أتى بقصعة فيها ثريد، فأكل وأكل القوم، فلم يزالوا يتداولونها إلى قريب من الظهر، يأكل قوم ثم يقومون، ويجيء قوم فيتعاقبونه. فقال له رجل: هل كانت تمدّ بطعام؟ قال: أمّا من الأرض فلا، إلا أن تكون كانت تمدّ من السماء [ (٣) ] .
تنبيهان
الأول: خبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أتى جبريل إلى النبي ﷺ فقال: إن ربك يقرئك السلام، وأرسلني إليك بهذا القطف لتأكله، فأخذه رسول الله ﷺ . رواه ابن عساكر من طريق حفص بن عمر الدّمشقيّ عرف بصاحب القطف، قال البخاري: لا يتابع عليه، وقال الذهبيّ: خبر منكر، وأما
خبر حوط بن مرّة، قيل: يا رسول الله هل أتيت من طعام الجنة بشيء؟ قال: «نعم، أتاني جبريل بخبيصة من خبيص الجنة فأكلتها» ،
قال الحافظ بن حجر في الإصابة: هذا حديث موضوع.
стр. 4271
الثاني: في بيان غريب ما سبق:.
مسخنة: وهي قدر كالتّور يسخّن فيها الطعام.
قريت الليلة: قريت الضيف قرا أي أحسنت إليه.
الباب الثامن عشر في تسبيح الطعام والشراب بين يديه ﷺ
روى الشيخان والترمذيّ وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنا نأكل مع رسول الله ﷺ فنسمع تسبيح الطعام، وهو يؤكل [ (١) ] .
وروى أبو الشيخ عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بطعام ثريد، فقال: «إن هذا الطعام يسبّح» ، قالوا: يا رسول الله، وتفقه تسبيحه، قال: «نعم» ، ثم قال لرجل: «ادن هذه القصعة من هذا الرجل» ، فأدناها منه فقال: نعم، يا رسول الله، هذا الطعام يسبح فقال: «ادنها من آخر» وأدناها منه فقال: هذا الطعام يسبح ثم قال: «ردها» فقال رجل: يا رسول الله، لو أمرّت على القوم جميعا، فقال: «لا إنها لو سكتت عند رجل لقالوا: من ذنب ردّها» ، فردّها،
وروى أبو الشيخ عن خيثمة قال: كان أبو الدرداء يطبخ قدرا، فوقعت على وجهها فجعلت تسبح [ (٢) ] .
وروى البيهقي وأبو نعيم عن قيس، قال: بينا أبو الدرداء وسلمان يأكلان من صحفة إذ سبّحت وما فيها.
وروى النّسائيّ وابن مردويه عن ابن مسعود ﵁، قال: كنا نسمع صوت الماء وتسبيحه وهو يشرب، الحديث وتقدم في باب نبع الماء من بين أصابع النبي ﷺ .
стр. 4272
جماع أبواب معجزاته ﷺ في الأشجار
الباب الأول في حنين الجذع شوقاً إليه ﷺ
روى الإمام الشافعيّ حنين الجذع أكبر من إحياء الموتى، زاد البيهقي [ما أعطى الله- نبيا ما أعطى محمدا ﷺ الجذع الذي كان يخطب إلى جنبه حتى هيّء له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته فهذا أكبر من ذاك] وسيأتي توجيهه في الخصائص أن شاء الله تعالى.
وقد روى القصة أبي بن كعب رواه الإمام الشافعي وأحمد وابن ماجة والبغوي وابن عساكر وأنس بن مالك رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه وأبو يعلى والبزار وابن ماجه وأبو نعيم من طرق على شرط مسلم وبريدة، رواه الدارميّ، وجابر بن عبد الله، رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي، والمطلب بن أبي وداعة، رواه الزبير بن بكار، وأبو سعيد الخدري، رواه عبد بن حميد وابن أبي شيبة، وأبو يعلى وأبو نعيم بسند على شرط مسلم، وعائشة رواه الطبراني والبيهقي، وأم سلمة رواه أبو نعيم والبيهقي بإسناد جيد بألفاظ متقاربة المعنى أدخلت بعضها في بعض أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع نخلة، فاتّخذ له منبر، فلما فارق الجذع، وغدا إلى المنبر الذي صنع له جزع الجذع فحنّ له كما تحنّ الناقة، وفي لفظ: فخار كخوار الثّور، وفي لفظ: فصاحت النخلة صياح الصبيّ حتى تصدع وانشق فنزل النبي ﷺ فاحتضنه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكن فسكن وقال: «اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت، وإن شئت أن أغرسك في الجنة، فتشرب من أنهارها وعيونها، فيحسن نبتك وتثمر فيأكل منك الصالحون» فاختار الآخرة على الدنيا، قال النبي ﷺ : «لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة» ،
وقال: لا تلوموه فإن رسول الله ﷺ لا يفارق شيئا إلا وجد [ (١) ] ، ولقد أبدع من قال:
وألقى له الرحمن في الجمد حبّه ... فكانت لإهداء السّلام له تهدا
وفارق جذعا كان يخطب عنده ... فأنّ أنين الأمّ إذ تجد الفقدا
стр. 4273
يحنّ إليه الجذع يا قوم هكذا ... أما نحن أولى أن نحنّ له وجدا
إذا كان جذع لم يطق بعد ساعة ... فليس وفاء أن نطيق له بعدا
стр. 4274
الباب الثاني في انقياد الشجر له ﷺ
روى مسلم وأبو نعيم والبيهقي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا نزلنا واديا أفيح فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فاتّبعته بإداوة من ماء، فنظر فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: «انقادي علي بإذن الله» ، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى أتى إلى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها، وقال:
«انقادي عليّ بإذن الله تعالى» ، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده كذلك، حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما لأم بينهما يعني جمعهما: فقال: «التئما عليّ بإذن الله» ، فالتأمتا،
قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول الله ﷺ بقربي فيبتعد وقال محمد ابن عباد فيتبعد فجلست أحدّث نفسي، فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلا، وإذا الشجرتان قد افترقتا. فقامت كلّ واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول الله ﷺ وقف وقفة، فقال برأسه هكذا يمينا وشمالا [ (١) ] .
قصة أخرى.
روى أبو نعيم عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر فأراد أن يتبرّز، فقال: «يا عبد الله، انظر هل ترى شيئا» ، فنظرت فإذا شجرة واحدة، فأخبرته، فقال: «انظر هل ترى شيئا؟» فنظرت شجرة أخرى متباعدة عن صاحبتها فأخبرته، فقال: «قل لهما: رسول الله ﷺ يأمركما أن تجتمعا» ، فقلت لهما، فاجتمعتا ثم أتاهما فاستتر بهما ثم قام فانطلقت كلّ واحدة منهما إلى مكانها. رواه ابن سعد عن عطاء مرسلا
[ (٢) ] .
قصة أخرى.
روى الإمام احمد وابن سعد وابن أبي شيبة برجال ثقات والحاكم وصححه عن يعلى بن مرة ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فنزل منزلا فقال لي: «ائت تلك الأشاءتين (يعني نخلتين) فقل لهما: أن رسول الله ﷺ يأمركما أن تجتمعا» ، فأتيتهما، فقلت لهما ذلك، فوثبت إحداهما إلى الأخرى، فاجتمعتا، فخرج رسول الله ﷺ فاستتر بهما فقضى حاجته ثم وثبت كل واحدة منهما إلى مكانها [ (٣) ] .
стр. 4275
قصة أخرى.
روى أبو نعيم وابن عساكر عن غيلان بن سلمة الثقفي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فرأينا منه عجبا، مررنا بأرض فيها إشات متفرق فقال: «يا غلام، ائت هاتين الأشاءتين فمر إحداهما تنضم إلى صاحبتها» ، فانطلقت، فقمت بينهما، فقلت: إن نبي الله ﷺ يأمر إحداكما أن تنضم إلى صاحبتها فنزل فتوضأ خلفهما ثم ركب وعادت تخد في الأرض إلى موضعها
[ (١) ] .
قصة أخرى.
روى أبو يعلى وأبو نعيم عن أسامة بن زيد ﵄ أن رسول الله ﷺ قال له في حجة الوداع: «انظر هل ترى من نخل أو حجارة؟» فقلت: رأيت شجرات متفرقات ورضخا من حجارة، قال: «انطلق إلى النّخلات فقل لهنّ أن رسول الله ﷺ يأمركن أن تدانين لمخرج رسول الله ﷺ وقل للحجارة مثل ذلك» ، فأتيتهن، فقلت لهن ذلك، فو الذي بعثه بالحق لقد جعلت أنظر إلى النخلات يخددن الأرض خدّا حتى اجتمعن وإلى الحجارة يتقافزن حتى صرن رضخا خلف النخلات، فلما قضى رسول الله ﷺ حاجته، وانصرف قال: «عد للنخلات والحجارة، فقل لهن: أن رسول الله ﷺ يأمركنّ أن ترجعن إلى مواضعكنّ» [ (٢) ] .
قصة أخرى.
روى الإمام أحمد والدارمي والبيهقيّ واللفظ له ورجاله ثقات عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ في سفر وكان إذا أراد البراز تباعد حتى لا يراه أحد، فنزلنا منزلا بفلاة من الأرض ليس فيها علم ولا شجر ولا حجر، فقال لي: «يا جابر، خذ الإداوة وانطلق بنا» فملأت الإداوة ماء وانطلقنا، فمشينا حتى لا نكاد نرى فإذا شجرتان بينهما أربعة أذرع، فقال رسول الله ﷺ : «انطلق، فقل لهذه الشجرة: يقول لك رسول الله الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما» ، ففعلت فرجفت حتى لحقت بصاحبتها فجلس خلفهما حتى قضى حاجته ثم رجعتا إلى مكانهما [ (٣) ] .