وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله في عباده، والله هو فاعل الجميع.
الحادية والأربعون .
وسير الملائكة معه ﷺ حيث سار خلف ظهره كما رواه الإمام أحمد وابن ماجة وصححه ابن حبان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا مشى مشوا أصحابه أمامه وتركوا ظهره للملائكة.
الثانية والأربعون .
وبإتيانه الكتاب وهو ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب قال الله تعالى: النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ [الأعراف ١٥٧] .
روى ابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج فحدث بنعمة الله فقال: «إن جبريل أتاني فقال: اخرج فحدث بنعمة الله التي أنعم عليك» الحديث وفيه: «ولقاني كلامه وأنا أمي وقد أوتي داود الزبور وموسى الألواح وعيسى الإنجيل» .
الثالثة والأربعون .
وبأن كتابه ﷺ معجز قال تعالى قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء ٨٨] وتقدم بيان ذلك في المعجزات.
الرابعة والأربعون .
وبأنه محفوظ من التبديل والتحريف على مر الدهور قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر ٩] وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت ٤٢] وقال تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ [الإسراء ١٠٦] .
روى البيهقي عن الحسن في الآية الثانية قال: حفظه الله من الشيطان فلا يزيد فيه باطلا ولا ينقص منه حقا.
وروى أيضاً عن يحيى بن أكثم قال: دخل يهودي على المأمون فدعاه المأمون إلى الإسلام فأبى، فلما كان بعد سنة جاءنا مسلما، فتكلم على الفقه فأحسن الكلام.
فقال له المأمون: ما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك، فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، فأدخلتها
стр. 4587
البيعة، فاشتريت مني، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني، وعمدت إلى القرآن، فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الوراقين فتصفحوها فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان، رموا بها فلم يشتروها، فعلمت أن هذا الكتاب محفوظ فكان هذا سبب إسلامي.
قال يحيى بن أكثم: حججت تلك السنة فلقيت سفيان بن عيينة فذكرت له هذا الحديث. فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله، قلت: في أي موضع؟ قال: في قوله ﵎ في التوراة والإنجيل بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ [المائدة ٤٤] فجعل حفظه إليهم وقال في القرآن: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر ٩] فحفظه الله تعالى علينا فلم يضع.
الخامسة والأربعون .
وبأنه مشتمل على ما اشتملت عليه جميع الكتب وزيادة.
روى البيهقي عن الحسن البصري قال: أنزل الله ﵎ مائة كتاب وأربعة كتب أودع علومها أربعة كتب منها التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وأودع علوم التوراة والإنجيل والزبور في القرآن.
السادسة والأربعون .
وبأنه جامع لكل شيء، قال الله تعالى وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل ٨٩] وقال تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام ٣٨] .
روى سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ﵁ قال: من أراد العلم فعليه بالقرآن، فإنّ فيه خبر الأولين والآخرين وأنزل فيه كل علم، وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن.
السابعة والأربعون .
وبأنه مستغن عن غيره.
أخرج الترمذي والدارمي وغيرهما من طريق الحارث الأعور عن علي سمعت رسول الله ﷺ قال: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وهو الحبل المتين وهو الذكر الحكيم حكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل ما تركه من حبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيع به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة
стр. 4588
ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدي إلى صراط المستقيم.
الثامنة والأربعون .
وبأنه ميسر للحفظ، قال الله : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر ١٧] .
التاسعة والأربعون .
وبأنه نزل منجما قال الله : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [الواقعة ٧٥] .
روى ابن أبي شيبة والبيهقي والحاكم من طريق سعيد بن جبير، والنسائي والحاكم والبيهقي من طريق عكرمة بأسانيد صحيحة وابن مردويه والبيهقي من طريق مقسم كلهم عن ابن عباس ﵄ قال: فصل الله القرآن من الذكر وأنزله في ليلة القدر جملة واحدة فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، وكان الله تعالى ينزله على رسوله ﷺ علي مواقع النجوم رسلا في الشهور والأعوام، بعضه إثر بعض بجواب كلام العباد وأفعالهم وأعمالهم، كلما أحدثوا شيئا أحدث الله لهم جوابا. قال أبو شامة، قوله: «رسلا» أي رفقا، وعلى مواقع النجوم: أي على مثل مساقطها، يريد، أنه أنزل مفرقا يتلو بعضه بعضا على تؤدة ورفق.
وقال العلماء [ (١) ] : في نزوله إلى السماء جملة تكريم بني آدم وتعظيم شأنهم عند الملائكة وتعريفهم عناية الله تعالى ورحمته لهم، [ولهذا المعنى أمر سبعين ألفا من الملائكة أن تشيع سورة الأنعام] ، وإن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم قد قربناه إليهم لننزله عليهم، وفيه التسوية بين موسى ونبينا صلى الله عليهما وسلم في إنزال كتابه جملة، والتفضيل لمحمد في إنزاله عليه منجما ليحفظه قال أبو شامة: فإن قيل ما السر في نزوله منجما؟ وهلا نزل كسائر الكتب جملة واحدة! قلنا: هذا سؤال قد تولى الله جوابه، فقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الفرقان ٣٢] يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله: كَذلِكَ أي أنزلناه كذلك مفرَّقاً لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [الفرقان ٣٢] أي لنقوي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليهم، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملائكة إليه، وتجدد العهد به، وما معه من الرسالة الواردة من ذلك الكتاب العزيز، فيحدث له من السرور ما
стр. 4589
تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان، لكثرة لقائه جبريل.
وقيل: معنى لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ أي لنحفظه فإنه ﵊ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ففرق عليه ليثبت عنده حفظه بخلاف غيره من الأنبياء، فإنه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع.
وقال غيره: إنما لم ينزل جملة واحدة، لأن منه الناسخ والمنسوخ ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقا، ومنه ما هو جواب لسؤال، وما هو إنكار على قول قيل، أو فعل فعل، وقد تقدم ذلك في قول ابن عباس: ونزله جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم، وفسر به قوله تعالى:
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [الفرقان ٣٣] رواه عنه ابن أبي حاتم.
فالحاصل أن الآية تضمنت حكمتين لإنزاله مفرقا.
الخمسون .
وبأنه نزل على سبعة أحرف.
الحادية والخمسون .
ومنه سبعة أبواب.
روى الشيخان عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» .
وروى مسلم عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن يا رب هون على أمتي، فأرسل إلي أن أقرأ على حرفين فرددت إليه فقلت: يا رب هون على أمتي فرد الثالثة وما زلت كذلك حتى قيل لي اقرأ على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها فقلت: اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم ﵊» .
وروى الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، زجر وأمر وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه وأمثال ... » .
تنبيه:
ليس المراد بالسبعة الأحرف سبع قراءات، فإن ذلك- كما قال أبو شامة- خلاف إجماع أهل العلم قاطبة وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل بل المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة نحو «أقبل» «وتعال» «وهلم» «وأسرع» وإلى هذا ذهب ابن
стр. 4590
عيينة وابن جرير وابن وهب وخلائق، ونسبه أبو عمرو لأكثر العلماء [ (١) ] .
وقيل المراد: سبع لغات، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة وثعلب والأزهري وآخرون واختاره ابن عطية، وصححه البيهقي في الشعب وتعقب بأن لغات العرب أكثر من سبعة وأجيب بأن المراد أفصحها [ (٢) ] .
قال أبو عبيدة: ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات بل اللغات السبع مفرقة فيه، فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن وغيرهم [قال: وبعض اللغات أسعد بها من بعض، وأكثر نصيبا] .
قال البيهقي: والمراد بالسبعة الأحرف في حديث ابن مسعود ﵁ الأنواع التي نزل عليها، والمراد بها في تلك الأحاديث اللغات التي يقرأ بها.
وقال غيره: من أول الأحرف السبعة بهذا فهو تأويل فاسد، لأنه محال أن يكون الحرف منها حراما لا ما سواه أو حلالا لا ما سواه، ولأنه لا يجوز أن يكون القرآن على أنه حلال كله أو حرام كله أو أمثال كله.
وقال ابن عطية: هذا القول ضعيف، لأن الإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل حلال ولا في تحريم حرام ولا في تغيير شيء من المعاني المذكورة [ (٣) ] .
وقال أبو علي الأهوازي وأبو العلاء الهمداني: أشهد أن قوله في الحديث «زاجر وآمر» الخ استئناف كلام آخر، أي هو زاجر أي القرآن، ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة، وإنما توهم
стр. 4591
ذلك من جهة الاتفاق في العدد، ويؤيده أن في بعض طرقه زاجرا وآمرا بالنصب أي نزل على هذه الصفة في الأبواب السبعة.
وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون التفسير المذكور للأبواب لا للأحرف أي هي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه أي أنزله الله على هذه الأصناف لم يقتصره منها على صنف واحد كغيره من الكتب، وفي هذه المسألة نحو أربعين قولا سردها الشيخ في الاتقان في النوع السادس عشر.
الثانية والخمسون .
وأنه نزله بكل لغة عدّ هذ ابن النقيب قلت: وكذا رواه ابن أبي شيبة عن أبي ميسرة والضحاك وابن المنذر عن وهب بن منبه، قال أبو عمرو: في التمهيد قول من قال إن القرآن نزل بلغة قريش معناه عندي في الأغلب والله أعلم لأن غير لغة قريش موجودة في جميع القراءات من تحقيق الهمزات ونحوها وقريش لا تهمز.
وقال الشيخ جمال الدين بن مالك: أنزل الله تعالى القرآن بلغة الحجازيين إلا قليلا فإنه نزل بلغة التميميين كالإدغام في شاقِقِ اللَّهَ
[الأنفال ١٣] وفي مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [المائدة ٥٤] ، فإن إدغام المجزوم لغة تميم ولهذا قيل، الفك لغة الحجاز، وهذا أكثر نحو وَلْيُمْلِلِ [البقرة ٢٨٢] يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران ٣١] يُمْدِدْكُمْ [آل عمران ١٢٥] اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [طه ٣١] وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي [طه ٨١] قال: وقد أجمع القراء على نصب إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النساء ١٥٧] ، لأن لغة الحجاز بين التزام النصب في المنقطع كما أجمعوا على نصب ما هذا بَشَراً
[يوسف ٣١] ، لأن لغتهم أعمال «ما» وزعم الزمخشري في قوله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل ٦٥] أنه استثناء منقطع جاء على لغة بني تميم.
وقال أبو بكر الواسطي في «الإرشاد في القراءات العشر» في القرآن من اللغات خمسون لغة [ (١) ] ، وسردها الشيخ وذلك في الإتقان في النوع السابع والثلاثين.
تنبيه:
اختلف هل وقع في القرآن شيء بغير لغة العرب، فالأكثرون ومنهم الإمام الشافعي وابن جرير وأبو عبيدة والقاضي أبو بكر وابن فارس إلى عدم وقوع ذلك فيه، بقوله تعالى:
стр. 4592
قُرْآناً عَرَبِيًّا [يوسف ٢] وقوله وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا: لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ، ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [فصلت ٤٤] وقد شدد الشافعي التنكير على القائل بذلك.
وقال أبو عبيدة: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن كذا بالنبطية فقد أكبر القول.
وقال ابن فارس: لو كان فيه من لغة غير العرب شيء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله، لأنه أتى بلغات لا يعرفونها.
وقال ابن جرير: ما ورد عن ابن عباس وغيره في تفسير ألفاظ من القرآن بالفارسية أو (الحبشية) [ (١) ] أو النبطية أو نحو ذلك إنما اتفق فيها توارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد.
وقال آخرون: كل هذا الألفاظ عربية صرفة، ولكن لغة العرب متسعة جدا، ولا يبعد أن يخفى على الأكابر الجلة وقد خفي على ابن عباس معنى «فاطر» و «فاتح» .
وقال الشافعي في الرسالة: لا يحيط باللغة إلا نبي.
وذهب آخرون إلى وقوع ذلك في القرآن، وقد بسط الكلام على ذلك الشيخ في الاتقان [ (٢) ] .
стр. 4593
_________
[ () ] الجميل ويخوّفهم بالعذاب الوبيل، لا يكون حثّه على وجه الحكمة، فالوعد والوعيد نظرا إلى الفصاحة واجب. ثم إن الوعد بما يرغب فيه العقلاء، وذلك منحصر في أمور: الأماكن الطيبة، ثم المآكل الشهيّة، ثم المشارب الهنية، ثم الملابس الرفيعة ثم المناكح اللذيذة، ثم ما بعده مما يختلف فيه الطباع، فإذن ذكر الأماكن الطيبة والوعد به لازم عند الفصيح، ولو تركه لقال من أمر بالعبادة ووعد عليها بالأكل والشرب: إن الأكل والشرب لا ألتذّ به، إذا كنت في حبس أو موضع كريه، فإذن ذكر الله الجنة ومساكن طيبة فيها، وكان ينبغي أن يذكر من الملابس ما هو أرفعها، وأرفع الملابس في الدنيا الحرير، وأما الذهب فليس مما ينسج منه ثوب. ثم إن الثوب الذي من غير الحرير لا يعتبر فيه الوزن والثقل، وربما يكون الصفيق الخفيف أرفع من الثقيل الوزن، وأما الحرير فكلما كان ثوبه أثقل كان أرفع، فحينئذ وجب على الفصيح أن يذكر الأثقل الأثخن، ولا يتركه في الوعد لئلا يقصر في الحث والدعاء. ثم هذا الواجب الذكر، إما أن يذكر بلفظ واحد موضوع له صريح، أو لا يذكر بمثل هذا، ولا شكّ أنّ الذكر باللفظ الواحد الصريح أولى، لأنه أوجز وأظهر في الإفادة، وذلك «إستبرق» فإن أراد الفصيح أن يترك هذا اللفظ، ويأتي بلفظ آخر لم يمكنه، لأنّ ما يقوم مقامه إما لفظ واحد أو ألفاظ متعددة، ولا يجد. العربيّ لفظا واحدا يدّل عليه، لأنّ الثياب من الحرير عرفها العرب من الفرس، ولم يكن لهم بها عهد، ولا وضع في اللغة العربية للدّيباج الثخين اسم، وإنما عرّبوا ما سمعوا من العجم واستغنوا به عن الوضع لقلّة وجوده عندهم ونزرة تلفظهم به، وأما إن ذكره بلفظين فأكثر، فإنه يكون قد أخّل بالبلاغة، لأنّ ذكر لفظين لمعنى يمكن ذكره بلفظ تطويل، فعلم بهذا أن لفظ «إستبرق» يجب على كلّ فصيح أن يتكلم به في موضعه ولا يجد ما يقوم مقامه، وأيّ فصاحة أبلغ من أن لا يوجد غيره مثله!. انتهى.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام بعد أن حكى القول بالوقوع عن الفقهاء والمنع عن العربية: والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب، فعربتها بألسنتها وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال إنها عربية فهو صادق، ومن قال: أعجمية فصادق. ومال إلى هذا القول الجواليقي وابن الجوزيّ وآخرون.
وهذا سرد الألفاظ الواردة في القرآن من ذلك مرتبة على حروف المعجم:
(أباريق) : حكى الثعالبيّ في فقه اللغة أنها فارسية، وقال الجواليقيّ: الإبريق فارسي معرب، ومعناه طريق الماء أو صبّ الماء على هينة.
(أبّ) : قال بعضهم: هو الحشيش بلغة أهل الغرب حكاه شيذلة.
(ابلعي) : أخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه في قوله تعالى: ابْلَعِي ماءَكِ قال: بالحبشية «أزدرديه» . وأخرج أبو الشيخ من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه قال: اشربي بلغة الهند.
(أخلد) : قال الواسطيّ في الإرشاد: أخلد إلى الأرض، ركن بالعبرية.
(الأرائك) : حكى ابن الجوزيّ في فنون الأفنان، أنها السّرر بالحبشية.
(آزر) : عدّ في المعرب على قول من قال: إنه ليس بعلم لأبي إبراهيم ولا للصم. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يقرأ» : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزرُ (١) يعني بالرفع، قال: بلغني أنها أعوج وأنها أشدّ كلمة قالها إبراهيم لأبيه وقال بعضهم: هي بلغتهم يا مخطئ.
(أسباط) : حكى أبو الليث في تفسيره أنّها بلغتهم كالقبائل بلغة العرب.
(إستبرق) : أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه الديباج الغليظ، بلغة العجم.
(أسفار) : قال الواسطيّ في الإرشاد: هي الكتب بالسريانية، وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: هي الكتب بالنّبطية.
(إصري) : قال أبو القاسم في لغات القرآن: معناه عهدي بالنّبطية.
(أكواب) : حكى ابن الجوزي أنها الأكواز بالنّبطية. وأخرج ابن جرير عن الضحاك أنها بالنبطية جرار ليست لها عرى.
(إلّ) : قال ابن جني: ذكروا أنه اسم الله تعالى بالنّبطيّة.
(أليم) : حكى ابن الجوزيّ أنّه الموجع بالزنجية. وقال شيذلة: بالعبرانية.
(إناه) : نضجه بلسان أهل المغرب، ذكره شيذلة، وقال أبو القاسم: بلغة البربر، وقال في قوله تعالى: حَمِيمٍ آنٍ:
стр. 4594
_________
[ () ] هو الذي انتهى حرّه بها، وفي قوله تعالى: مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٣) أي حارّة بها.
(أوّاه) : أخرج أبو الشيخ بن حبّان من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: الأواه الموقن بلسان الحبشة، وأخرج ابن أبي حاتم مثله عن مجاهد وعكرمة. وأخرج عن عمرو بن شرحبيل، قال: الرحيم بلسان الحبشة، وقال الواسطي: الأوّاه الدعاء بالعبرية.
(أوّاب) : أخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن شرحبيل قال: الأوّاب: المسبّح بلسان الحبشة وأخرج ابن جرير عنه في قوله تعالى: أَوِّبِي مَعَهُ، قال: سبّحي بلسان الحبشة.
(الملة الآخرة) : قال شيذلة: الجاهلية الأولى أي الآخرة في الملّة الآخرة، أي الأولى بالقبطية والقبط يسمّون الآخرة الأولى، والأولى الآخرة. وحكاه الزركشي في البرهان (٢) .
(بطائنها) : قال شيذلة في قوله تعالى: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ أي ظواهرها بالقبطية. وحكاه الزركشي.
(بعير) : أخرج الفريابيّ عن مجاهد في قوله تعالى: كَيْلَ بَعِيرٍ، أي كيل حمار، وعن مقاتل: إنّ البعير كلّ ما يحمل عليه بالعبرانية.
(بيع) : قال الجواليقي في كتاب المعرب: البيعة والكنيسة جعلهما بعض العلماء فارسيين معرّبين.
(تنّور) : ذكر الجواليقي والثعالبي أنه فارسي معرب.
(تتبيرا) : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً قال: تبره بالنبطية.
(تحت) : قال أبو القاسم في لغات القرآن في قوله تعالى: فَناداها مِنْ تَحْتِها أي بطنها بالنبطية. ونقل الكرماني في العجائب مثله عن مؤرّج.
(الجبت) : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: الجبت اسم الشيطان بالحبشية. وأخرج عن ابن حميد عن عكرمة، قال: الجبت بلسان الحبشة الشيطان، وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير، قال: الجبت: الساحر، بلسان الحبشة.
(جهنم) : قيل: أعجميّة، وقيل فارسية وعبرانيّة، أصلها «كهنام» .
(حرم) : أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة، قال) : وحرم: وجب بالحبشية.
(حصب) : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله تعالى: حَصَبُ جَهَنَّمَ قال: حطب جهنم، بالزنجية.
(حطّة) : قيل: معناه: قولوا صوابا، بلغتهم.
(حواريون) : أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: الحواريّون: الغسالون بالنبطية، وأصله «هواري» .
(حوب) : تقدم في مسائل نافع بن الأزرق عن ابن عباس، أنه قال: حوبا: إنما بلغة الحبشة.
(دارست) : معناه قارأت بلغة اليهود.
(درّيّ) : معناه المضيء بالحبشية، حكاه شيذلة وأبو القاسم.
(دينار) : ذكر الجواليقي وغيره أن فارسي.
(راعنا) : أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن ابن عباس قال: راعنا سبّ بلسان اليهود.
(ربّانيّون) : قال: الجواليقي: قال أبو عبيدة: العرب لا تعرف الربانيين، وإنما عرفها الفقهاء وأهل العلم قال: وأحسب الكلمة ليست بعربية وإنما هي عبرانية أو سريانية، وجزم القاسم بأنها سريانية.
(ربّيّون) : ذكر أبو حاتم أحمد بن حمدان اللغوي في كتاب الزينة أنّها سريانية.
(الرحمن) : ذهب المبرّد وثعلب إلى أنه عبرانيّ، وأصله بالخاء المعجمة.
(الرس) : في العجائب للكرمانيّ: إنه عجمي ومعناه البئر.
(الرّقيم) : قيل: إنه اللوح بالرّومية حكاه شيذلة، وقال أبو القاسم: هو الكتاب بها، وقال الواسطيّ: هو الدواة بها.
(رمزا) : عدّه ابن الجوزي في فنون الأفنان من المعرّب، وقال الواسطيّ: هو تحريك الشفتين بالعبرية.
(رهوا) : قال أبو القاسم في قوله تعالى: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً أي سهلا دمثا، بلغة النّبط، وقال الواسطي: أي ساكنا، بالسريانية.
(الرّوم) : قال الجواليقيّ: هو أعجميّ. اسم لهذا الجيل من الناس.
стр. 4595
_________
[ () ] (زنجبيل) : ذكر الجواليقيّ والثعالبي أنه فارسي.
(السّجل) : أخرج ابن مردويه من طريق أبي الجوزاء عن ابن عباس، قال: السجلّ بلغة الحبشة الرجل. وفي المحتسب لابن جني السّجلّ: الكتاب. قال قوم: هو فارسي معرب (٤) .
(سجيل) : أخرج الفريابيّ عن مجاهد، قال: سجّيل بالفارسية، أوّلها حجارة، وآخرها طين.
(سجيّن) : ذكرها أبو حاتم في كتاب الزينة أنه غير عربيّ.
(سرادق) : قال الجواليقي: فارسي معرّب، وأصله سرادر، وهو الدهليز. وقال غيره. الصواب أنه بالفارسية سردار، أي ستر الدار.
(سريّ) : أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله تعالى: سَرِيًّا، قال نهرا، بالسريانية وعن سعيد بن جبير بالنّبطية، وحكى شيذلة أنه باليونانية.
(سفرة) : أخرج ابن أبي حاتم: من طريق ابن جريح، عن ابن عباس، في قوله تعالى: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ قال: بالنّبطية:
القرّاء.
(سقر) : ذكر الجواليقي أنها أعجمية.
(سجدا) : قال الواسطي في قوله تعالى: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً، أي مقّنعي الرؤوس، بالسريانية.
(سكر) : أخرج ابن مردويه، من طريق العوفيّ، عن ابن عباس، قال: السّكر بلسان الحبشة الخلّ.
(سلسبيل) : حكى الجواليقيّ أنه عجميّ.
(سنا) : عدّه الحافظ ابن حجر في نظمه، ولم أقف عليه لغيره.
(سندس) : قال الجواليقي هو رقيق الديباج بالفارسية، وقال الليث: لم يختلف أهل اللغة والمفسرون في أنّه معرّب.
وقال شيذلة: هو بالهنديّة.
(سيّدها) : قال الواسطي في قوله تعالى: وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ، أي زوجها بلسان القبط: قال أبو عمرو: لا أعرفها في لغة العرب.
(سينين) : أخرج ابن أبي حاتم، وابن جرير عن عكرمة قال: سينين: الحسن بلسان الحبشة.
(سيناء) : أخرج ابن أبي حاتم، عن الضّحاك، قال: سيناء بالنّبطية الحسن.
(شطر) : أخرج ابن أبي حاتم، عن رقيع في قوله تعالى: شَطْرَ الْمَسْجِدِ، قال: تلقاء، بلسان الحبش.
(شهر) : قال الجواليقي: ذكر بعض أهل اللغة أنه بالسريانية.
(الصراط) : حكى النقّاش وابن الجوزي أنه الطريق بلغة الرّوم، ثم رأيته في كتاب الزّينة لأبي حاتم.
(صرهن) : أخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله تعالى: فَصُرْهُنَّ، قال: هي نبطية، فشقّقهن. وأخرج مثله عن الضحاك، وأخرج ابن المنذر عن وهب بن منبه قال: ما من اللغة شيء إلا منها في القرآن شيء، قيل: وما فيه من الرومية؟ قال: فَصُرْهُنَّ يقول: قطّعهن.
(صلوات) : قال الجواليقي: هي بالعبرانية كنائس اليهود، وأصلها «صلوتا» وأخرج ابن أبي حاتم نحوه عن الضحاك.
(طه) : أخرج الحاكم في المستدرك، من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: طه قال: هو كقولك: يا محمد، بلسان الحبش، وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: طه بالنّبطية.
وأخرج عن سعيد بن جبير قال: طه يا رجل، بالنّبطية، وأخرج عن عكرمة قال: طه يا رجل بلسان الحبشة.
(الطاغوت) : هو الكاهن بالحبشية.
(طفقا) : قال بعضهم: معناه قصدا بالرومية، وحكاه شيذلة.
(طوبى) : أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير، قال: بالهندية.
(طور) : أخرج الفريابي، عن مجاهد. قال: الطّور: الجبل بالسريانية. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، أنه بالنّبطية.
(عبدت) : قال أبو القاسم في قوله تعالى: عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ، معناه قتلت بلغة النبط.
(عدن) : أخرج ابن جرير، عن ابن عباس أنه سأل كعبا عن قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ قال: كروم وأعناب بالسريانية، ومن تفسير جويبر أنه بالرّومية.
стр. 4596
_________
[ () ] (العرم) : أخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، قال: العرم بالحبشية، وهي المسنّاة التي يجمع فيها الماء ثم ينبثق.
(غسّاق) : قال الجواليقي والواسطيّ: هو البارد المنتن بلسان الترك. وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن بريدة قال:
الغسّاق: المنتن، وهو بالطخاريّة.
(غيض) : قال أبو القاسم: غيض: نقص، بلغة الحبشة.
(فردوس) : أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد، وقال: الفردوس بستان بالرومية. وأخرج عن السديّ، قال: الكرم بالنبطية.
وأصله «فرداسا» .
(فوم) : قال الواسطيّ: هو الحنطة بالعبرية.
(قراطيس) : قال الجواليقي: يقال إن القرطاس أصله غير عربي.
(قسط) : أخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: القسط العدل، بالرومية.
(قسطاس) : أخرج الفريابيّ، عن مجاهد، قال: القسطاس: العدل بالرومية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، قال: القسطاس بلغة الروم: الميزان.
(قسورة) : أخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال: الأسد، يقال له بالحبشية: قسورة.
(قطنا) : قال أبو القاسم: معناه كتابنا، بالنبطية.
(قفل) : حكى الجواليقيّ عن بعضهم أنه فارس معرب.
(قمّل) : قال الواسطيّ: الدّبا (٥) بلسان العبرية والسريانية. قال أبو عمرو: لا أعرفه في لغة أحد من العرب.
(قنطار) : ذكر الثعالبي في فقه اللغة أنه بالرومية اثنتا عشرة ألف أوقيّة: وقال الخليل: زعموا أنه بالسريانية ملء جلد ثور ذهبا أو فضة. وقال بعضهم: إنه بلغة بربر ألف مثقال، وقال ابن قتيبة: قيل إنه ثمانية آلاف مثقال، بلسان أهل إفريقية.
(القيوم) : قال الواسطيّ: هو الذي لا ينام بالسّريانية.
(كافور) : ذكر الجواليقيّ وغيره أنه فارسي معرب.
(كفّر) : قال ابن الجوزي: كفّر عنا معناه: امح عنا بالنّبطية. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجونيّ في قوله تعالى: كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ قال: بالعبرانية.
(كفلين) : أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي موسى الأشعري، قال: كفلين: ضعفين بالحبشية.
(كنز) : ذكر الجواليقي أنه فارسي معرب.
(كوّرت) : أخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير: كورت: غوّرت، وهي بالفارسية.
(لينة) : في الإرشاد للواسطي: هي النّخلة، وقال الكلبيّ: لا أعلمها إلا بلسان يهود يثرب.
(متّكأ) : أخرج ابن أبي حاتم، عن سلمة بن تمام الشقريّ، قال: متكأ بلسان الحبش يسمون التّرنج متّكأ.
(مجوس) : ذكر الجواليقي أنه أعجمي.
(مرجان) : حكى الجواليقي عن بعض أهل اللغة أنه أعجمي.
(مشكاة) : أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: المشكاة: الكوّة، بلغة الحبشة.
(مقاليد) : أخرج الفريابيّ عن مجاهد: قال: مقاليد: مفاتيح بالفارسية. وقال ابن دريد والجواليقيّ: الإقليد والمقليد:
المفتاح فارسيّ معرب.
(مرقوم) : قال الواسطيّ في قوله تعالى: كِتابٌ مَرْقُومٌ، أي مكتوب، بلسان العبرية.
(مزجاة) : قال الواسطي: مزجاة: قليلة، بلسان العجم، وقيل بلسان القبط.
(ملكوت) : أخرج بن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله تعالى: مَلَكُوتَ، قال: هو الملك، ولكنه بكلام النّبطيّة «ملكوتا» .
وأخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس وقال الواسطي في الإرشاد: هو الملك بلسان النّبط.
(مناص) : قال: أبو القاسم: معناه فرار بالنّبطيّة.
(منسأة) : أخرج ابن جرير عن السّديّ قال: المنسأة: العصا بلسان الحبشة.
(منفطر) : أخرج ابن جرير عن ابن عباس، في قوله تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ قال: ممتلئة به، بلسان الحبشة.
стр. 4597
_________
[ () ] (مهل) : قيل: هو عكر الزيت بلسان أهل المغرب، حكاة شيذلة وقال أبو القاسم: بلغة البربر.
(ناشئة) : أخرج الحاكم في مستدركه عن ابن مسعود، قال: ناشئة الليل: قيام الليل بالحبشية. وأخرج البيهقي عن ابن عباس مثله.
(ن) : حكى الكرماني في العجائب، عن الضحاك أنه فارسيّ، أصله النون، ومعناه: اصنع ما شئت.
(هدنا) : قيل معناه تبنا بالعبرانية، حكاه شيذلة وغيره.
(هود) : قال الجواليقيّ: الهود اليهود، أعجمي.
(هون) : أخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران في قوله تعالى: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً قال: حكماء بالسّريانية، وأخرج عن الضّحاك مثله، وأخرج عن أبي عمران الجونيّ أنه بالعبرانية.
(هيت لك) : أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: هيت لك، هلمّ لك بالقبطية. وقال الحسن: هي بالسريانية كذلك، أخرجه ابن جرير. وقال عكرمة: هي بالحورانية، كذلك أخرجه أبو الشيخ. وقال أبو زيد الأنصاريّ: هي بالعبرانية، وأصله «هيتلج» أي تعالى.
(وراء) : قيل: معناه أمام بالنبطيّة، وحكاه شيذلة وأبو القاسم، وذكر الجواليقي أنها غير عربية.
(وردة) : ذكر الجواليقي أنها غير عربية.
(وزر) : قال أبو القاسم: هو الحبل والملجأ، بالنّبطية.
(ياقوت) : ذكر الجواليقي والثعالبي وآخرون أنه فارسي.
(يحور) : أخرج ابن أبي حاتم، عن داود بن هند، في قوله تعالى: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (٤) ، قال: بلغة الحبشة «يرجع» . وأخرج مثله عن عكرمة، وتقدم في أسئلة نافع بن الأزرق عن ابن عباس.
(يس) : أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله تعالى: يس قال: يا إنسان بالحبشية، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: يس: يا رجل بلغة الحبشة.
(يصدّون) قال ابن الجوزي: معناه يضجّون بالحبشية.
(يصهر) : قيل معناه ينضج، بلسان أهل المغرب، حكاه شيذلة.
(اليم) : قال ابن قتيبة: اليّم البحر بالسريانية، وقال ابن الجوزيّ: بالعبرانية، وقال شيذلة: بالقبطية.
(اليهود) : قال الجواليقي: أعجمي معرّب، منسوبون إلى يهوذا بن يعقوب، فعرّب بإهمال الدال.
(فهذا ما وقفت من الألفاظ المعرّبة في القرآن بعد الفحص الشديد سنين، ولم تجتمع قبل في كتاب قبل هذا.
وقد نظم القاضي تاج الدين بن السبكي منها سبعة وعشرين لفظا في أبيات، وذيل عليها الحافظ أبو الفضل بن حجر بأبيات فيها أربعة وعشرون لفظا وذيّلت عليها بالباقي، وهو بضع وستون، فتمت أكثر من مائة لفظة. فقال ابن السبكي.
السّلسبيل وطه كوّرت بيع ... روم وطوبى وسجيل وكافور
والزنجبيل ومشكاة سرادق مع ... إستبرق صلوات سندس طور
كذا قراطيس ربانيهم وغى ... ودينار والقسطاس مشهور
كذاك قسورة واليم ناشئة ... ويوت كفلين مذكور ومسطور
له مقاليد فردوس يعد كذا ... فيما حكى ابن دريد منه تنّور
وقال ابن حجر:
وزدت حرم ومهل والسّجل كذا ... السّريّ والأبّ ثم الجبت مذكور
وقطنا وإناه ثمّ متّكئا ... دارست يصهر منه فهو مصهور
وهيت والسّكر الأوّاه مع حصب ... وأوبى معه والطّاغوت مسطور
صرهنّ إصري وغيض الماء مع وزر ... ثمّ الرقيم مناص والسنا النّور
وقلت أيضا:
وزدت يس والرّحمن مع ملكو ... ت ثم سينين شطر البيت مشهور
ثم الصراط ودريّ يحور ومر ... جان ويمّ مع القنطار مذكور
стр. 4598
الثالثة والخمسون .
وجعل بقراءته لكل حرف عشر حسنات عد هذا الزركشي.
قلت:
روى البخاري في تاريخه والترمذي ومحمد بن نصر وأبو جعفر النحاس والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» ولفظ ابن نصر والنحاس: ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر، فتلك ثلاثون [ (١) ] .
الرابعة والخمسون .
ويتفضل القرآن على سائر الكتب المنزلة بثلاثين خصلة لم تكن في غيره، قاله صاحب التحرير [ (٢) ] قلت: ونقله الشيخ في الكبرى عن الإمام الرازي.
الخامسة والخمسون .
وبأنه نزل مع بعضه ما سد الأفق.
روى الإسماعيلي في «معجمه» والحاكم وصححه عن جابر ﵁ قال: لما أنزلت سورة الأنعام سبح رسول الله ﷺ وقال: لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق [ (٣) ] » .
وروى الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة [ (٤) ] يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد» .
стр. 4599
وروى الطبراني وابن المنذر عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة، وحولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد ومحمد بن نصر والطبراني بسند صحيح عن معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «البقرة سنام القرآن وذروته نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا استخرجت اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة ٢٥٥] من تحت العرش فوصلت بها [ (٢) ] .
وروى الطبراني عن أنس وابن المنذر عن أبي جحيفة وعبد بن حميد عن ابن المنكدر والفريابي وابن راهويه عن شهر بن حوشب وابن مردويه عن ابن مسعود والطبراني وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد والبيهقي والخطيب عن علي نحوه، ولم يقف الإمام النووي على هذه الأحاديث فأنكر نزول الأنعام جملة وتعقبه الحافظ في أماليه رحمه الله تعالى وهذه المسألة من زياداتي والله تعالى أعلم.
السادسة والخمسون .
وبأنه دعوة وحجة ولم يكن لمثل هذا النبي قط منهم إنما يكون لكل نبي منهم دعوة، ثم تكون له حجة غيرها، وقد جمعها الله تعالى لرسول الله ﷺ في القرآن فهو دعوة بمعانيه حجة بألفاظه، وكفى الدعوة شرفا أن تكون حجتها معها، وكفى الحجة شرفا أن لا تفصل الدعوة عنها قاله الحليمي رحمه الله تعالى.
السابعة والخمسون .
وبأنه أعطى من كنز العرش ولم يعط أحد منه.
الثامنة والخمسون .
وبالفاتحة.
التاسعة والخمسون .
وبآية الكرسي.
الستون .
وبخواتيم سورة البقرة
стр. 4600
الحادية والستون .
وبالسبع الطوال- بكسر المهملة وفتح الواو-.
الثانية والستون .
وبالمفصل..
روى أبو عبيد وابن الضريس كلاهما في «الفضائل» عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أعطى رسول الله ﷺ آية الكرسي من كنز تحت العرش ولم يعطها نبي قبل نبيكم [ (١) ] .
وروى أبو عبيد عن كعب قال: إن محمدا أعطي أربع آيات لم يعطها موسى لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [البقرة ٢٨٤] حتى ختم البقرة فتلك ثلاث آيات وآية الكرسي.
روى الإمام أحمد والطبراني والبيهقي عن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطها نبي قبلي [ (٢) ] » .
وروى مسلم والنسائي وابن حبان عن ابن عباس ﵄ قال: بينما النبي ﷺ جالس وعنده جبريل إذا سمع نقيضا من السماء من فوق فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: يا محمد هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف إلا أوتيته.
وروى الحاكم عن معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش والمفصل نافلة [ (٣) ] » .
وروى البيهقي عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، مكان الزبور المبين، ومكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل [ (٤) ] .
وروى أبو الشيخ في الثواب والطبراني والضياء في المختارة عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع أنزلت من كنز تحت العرش لم ينزل منه شيء غيرهن، أم
стр. 4601
الكتاب، وآية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة، والكوثر [ (١) ] » .
وروى ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر ٨٧] قال: هي السبع الطوال ولم يعطهن أحد إلا النبي ﷺ وأعطي موسى منهن اثنتين [ (٢) ] .
وروى ابن مردويه عنه في الآية قال: ادخرت لنبيكم ﷺ ولم تدخر لنبي سواه.
الثالثة والستون .
وبالبسملة.
قلت: الصحيح المشاركة لما في القرآن من سورة النمل.
الرابعة والستون .
وبأن معجزاته ﷺ مستمرة إلى يوم القيامة، وهي القرآن ومعجزات سائر الأنبياء انقرضت لوقتها كما تقدم في أول المعجزات عد هذه ابن عبد السلام ﵁.
الخامسة والستون .
وبأنه ﷺ أكثر الأنبياء معجزات، فقد قيل: إنها تبلغ ألفا، قاله البيهقي، وقيل: ألفا ومائتين، نقلة النووي، وقيل: ثلاثة آلاف سوى القرآن، ذكره البيهقي ونقله الزاهري من الحنفية سوى القرآن، فإن فيه ستين ألف معجزة تقريبا، وأظن أن كتاب الشيخ أصل هذا الكتاب، لا يقتصر عن ذلك، وتقدم بيان ذلك في أول المعجزات.
السادسة والستون .
وبأن في معجزاته ﷺ معنى آخر هو أنه ليس في شيء من معجزاته غيره ما ينحو نحو اختراع الأجسام، وإنما ذلك في معجزات لنبينا ﷺ خاصة، قاله الحليمي، قلت: وذلك كتكثيره التمر والأطعمة كما تقدم بيان ذلك في المعجزات.
السابعة والستون .
وبأنه جمع له كل ما أوتيه الأنبياء من معجزات وفضائل ولم يجمع ذلك لغيره بل اختص بكل نوع.
стр. 4602
وقال بعضهم: اختص الله تعالى بعضا بمعجزات في الأفعال كموسى، وبعضا بالصفات كعيسى، ونبينا بالمجموع لتمييزه.
وروى البيهقي في مناقب الإمام الشافعي ﵁ عن عمرو بن سوار السروجي، قال: ما أعطى الله نبيا قط شيئا إلا وقد أعطى محمدا ﷺ أكثر، قال عمرو: فقلت له قد أعطى الله عيسى أكثر منه أن يحيي الموتى، قال الشافعي: فالجذع الذي كان يخطب جنبه قبل أن يجعل له المنبر حين حن إلى النبي ﷺ يعني فهذا أكبر من ذلك وتقدّم بيان هذا في موازنة معجزات الأنبياء بمعجزاته ﷺ .
الثامنة والستون .
وبانشقاق القمر.
التاسعة والستون .
وبتسليم الحجر.
السبعون .
وبحنين الجذع.
الحادية والسبعون .
وبنبع الماء من بين الأصابع ولم يثبت لواحد من الأنبياء مثل ذلك، ذكره سلطان العلماء ابن عبد السلام.
الثانية والسبعون .
وبكلام الشجر.
الثالثة والسبعون .
وبشهادتها له بالنبوة.
الرابعة والسبعون .
وبإجابتها دعوته.
الخامسة والسبعون .
وبإحياء الموتى وكلامهم.
السادسة والسبعون .
وبكلام الصبيان والمراضع.
стр. 4603
السابعة والسبعون .
وشهادتهم له بالنبوة ذكره الدماسي وتقدم الكلام على ذلك في المعجزات.
الثامنة والسبعون .
وبأنه خاتم النبيين وآخرهم بعثا فلا نبي بعده، قال ﵎: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ، وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب ٤٠] .
روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأكمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين [ (١) ] »
والأحاديث في هذا كثيرة شهيرة.
ولا يقال: «عيسى» ينزل في آخر الزمان، فإنه كان نبيا قبله ورفعه الله تعالى لحكمة اقتضتها الإرادة الإلهية وإذا نزل لا يأتي بشريعة مستقلة ناسخة لشريعة نبينا ﷺ بل إنما يحكم بشريعتنا وللشيخ رحمه الله تعالى في ذلك مصنف حافل.
التاسعة والسبعون .
وبأن شرعه ﷺ مؤبد لا ينسخ.
الثمانون .
وبأنه ناسخ لجميع الشرائع قبله قال الله : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ [المائدة ٤٨] بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة ٣٣] .
الحادية والثمانون .
ولو أدركه الأنبياء لوجب عليهم إتباعه
قال ﷺ فيما رواه أبو نعيم: «لو كان موسى حيا اليوم لما وسعه إلا أن يتبعني»
وتقدم بيان ذلك في الباب السادس.
الثانية والثمانون .
وبأن في كتابه وشرعه الناسخ والمنسوخ قال الله ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [البقرة ١٠٦] ليس في سائر الكتب مثل ذلك ولهذا كان اليهود ينكرون النسخ، والسر في ذلك أن سائر الكتب نزلت دفعة واحدة فلا يتصور أن يقع فيها
стр. 4604
الناسخ والمنسوخ، لأن شرط الناسخ أن يتأخر إنزاله عن المنسوخ.
الثالثة والثمانون .
وبعموم الدعوة للناس كافة. قال الله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ ٢٨] وقال ﵎ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان ١] .
روى الشيخان عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة»
قال الإمام أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي: الجن داخلون في مسمى الناس وصرح به أئمة اللغة.
وروى أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: إن الله فضل محمدا على أهل السماء، وعلى الأنبياء. قال ابن عباس، ما فضله على أهل السماء؟ قال:
إن الله تعالى قال لأهل السماء: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [الأنبياء ٢٩] قال لمحمد: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح ١] فقد كتب له براءة، قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: «إن الله تعالى قال:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم ٤] وقال لمحمد: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ ٢٨] فأرسله إلى الإنس والجن.
وروى البخاري في تاريخه والبزار والبيهقي وأبو نعيم عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت أنا إلى الجن والإنس»
فإن قيل: كان نوح مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان، لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا معه، وقد كان مرسلا إليهم فالجواب:
أن عموم هذا الإرسال من نوح لم يكن من أصل البعثة وإنما اتفق بالحادث الذي وقع، وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد إهلاك سائر الناس.
وذكر ابن الجوزي أنه كان في الزمن الأول إذا بعث نبي إلى قوم بعث غيره إلى آخرين وكان يجتمع في الزمن الأول جماعة من الرسل وأما نبينا ﷺ فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك وأما قول أهل الموقف لنوح كما صح في حديث الشفاعة: أنه أوّل رسول الله إلى أهل الأرض فليس المراد به عموم بعثه بل أولية الرسالة، وعلى تقدير أن يكون مرادا فهو بخصوص تخصيصه في عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه، ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم، واستدل بعضهم بعموم بعثته بكونه دعا على جميع من في الأرض وأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة ولو لم يكن مبعوثا إليهم لما أهلكوا، لقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء ١٥] وقد ثبت أنه أول الرسل، وأجيب بجواز أن يكون
стр. 4605
غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح، وعلم نوح أنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه، ومن غيرهم فأجيب، قال الحافظ: وهذا جواب حسن، لكن لم ينقل أنه نبئ في زمن نوح غيره ويحتمل أن يكون معنى الخصوصية لنبينا ﷺ بقاء شريعته إلى يوم القيامة، ونوح وغيره بصدد أن يبعث نبي في زمانه أو بعده فينسخ بعض شريعته ويحتمل أن يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بلغ بقية الناس فتمادوا على الشرك فاستحقوا العذاب، وإلى هذا نحا ابن عطية في تفسير سورة هود، قال: وغير ممكن أن تكون نبوته لم تبلغ القريب والبعيد بطول المدة، ووجهه ابن دقيق العيد بأن توحيد الله تعالى يجوز أن يكون في حق بعض الأنبياء وإن كان التزام فروع شريعته ليس عاما لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازما لهم لم يقاتلهم ويحتمل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح فبعثته خاصة لكونها إلى قومه فقط وهي عامة في الصورة: لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثا إليهم، قال العيني: وفيه نظر لا يخفى لأنه تكون بعثته عامة لقومه لكونهم هم الموجودين ثم قال العيني: وعندي جواب آخر، وهو جيد إن شاء الله تعالى وهو أن الطوفان لم يرسل إلا على قومه فقط الذين هو فيهم ولم يكن عاما انتهى وهو كلام من ليس له اطلاع على أخبار الطوفان فإنه عم الأرض بأسرها ولم ينج منه إلا من كان في السفينة.
الرابعة والثمانون .
وبأنه أكثر الأنبياء تابعا.
روى مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أكثر الناس تابعا» .
وروى عنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : «ما صدق نبي من الأنبياء ما صدقت، إن من الأنبياء من لم يصدقه من أمته إلا الرجل الواحد» .
وروى البزار عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يأتي معي من أمتي يوم القيامة مثل السيل والليل فتحطم الناس حطمة فتقول الملائكة لما جاء مع محمد أكثر مما جاء مع سائر الأمم والأنبياء» .
الخامسة والثمانون .
وبإرساله إلى الخلق كافة من لدن آدم والأنبياء نواب له بعثوا بشرائع له مغيبات فهو نبي الأنبياء قاله السبكي والبارزي في التوفيق وتقدم مبسوطا في الباب أول الكتاب.
السادسة والثمانون .
وأرسل إلى الجن بالإجماع، وإلى الملائكة في أحد قولين رجحه السبكي والبارزي
стр. 4606
وابن حزم والشيخ قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان ١] العالمون شامل للملائكة كما هو شامل للإنس والجن، وقد أجمع المفسرون على أن قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة ٢] شامل لهؤلاء الثلاثة، فكذلك هذا، والأصل بقاء اللفظ على عمومه حتى يدل الدليل على إخراج شيء منه، ولم يدل هنا دليل على إخراج الملائكة، ولا سبيل إلى وجوده، لا من القرآن ولا من الحديث، وقد نوزع من ادعى الإجماع على عدم إرساله إليهم، فمن أين تخصيصه بالإنس والجن فقط دون الملائكة؟ وكذا قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء ١٠٧] فإنه شامل للملائكة ومما يدل على ذلك قوله تعالى: وَقالُوا: اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء ٢٦] يعني الملائكة لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ، وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ: إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [الأنبياء ٢٧، ٢٨، ٢٩] .
كذلك روى ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ قال: يعني الملائكة.
وروى ابن المنذر نحوه عن ابن جريج ﵁ وفي حديث ابن عباس فهذه الآية إنذار للملائكة على لسان النبي ﷺ في القرآن الذي أنزل عليه وقد قال تعالى وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام ١٩] قال الشيخ ولم أقف إلى الآن على إنذار، وقع في القرآن للملائكة سوى هذه الآية. والحكمة في ذلك واضحة، لأن غالب المعاصي راجعة إلى البطن والفرج، وذلك يمتنع عليهم من حيث الخلقة فاستغنى عن إنذارهم فيه، ولما وقع من إبليس، وكان منهم على ما رجحه غير واحد، منهم النووي أو فيهم نظير هذه المعصية أنذروا فيها، وقد أفرد الشيخ رحمه الله تعالى الكلام على هذه المسألة مؤلفا سماه «تزيين الأرائك في إرسال النبي إلى الملائك» بسط فيه الأدلة، فليراجعه من أراده.
أعطى الله تعالى محمدا ﷺ من الملائكة أمورا لم يعطها أحد من الأنبياء، وقال الشيخ جلال الدين المحلي في شرح «جمع الجوامع» ، وفي تفسير الإمام الرازي والبرهان للنسفي: حكاية الإجماع في تفسير الآية الثانية، يعني آية الفرقان على أنه لم يكن مرسلا إليهم وعبارة الإمام قالوا: هذه الآية تدل على أحكام.
الأول: أن العالم كل ما سوى الله فيتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة لكنا أجمعنا على أن قوله «أجمعنا» ليس صريحا في إجماع الأمة، لأن مثل هذه العبارة تستعمل لإجماع الخصمين المتناظرين بل لو صرح به لمنع فقد قال الإمام السبكي في جواب السؤال
стр. 4607
عن رسالته إلى الجن في تعداد الآيات الدالة عليه، الآية العاشرة لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان ١] قال المفسرون كلهم في تفسيرها للجن والإنس وقال بعضهم: والملائكة انتهى.
وبالجملة فالاعتماد على تفسير الرّازيّ والنّسفي في حكاية الإجماع حكاية أمر لا تنهض حجته على طريق علماء النقل لأن مدارك نقل الإجماع من كلام الأئمة وحفاظ الأمة كابن المنذر، وابن عبد البر ومن فوقهما في الاطلاع كالأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة من يلتحق بهم في سعة دائرة الاطلاع والحفظ والإتقان.
السابعة والثمانون .
وبإرساله إلى الحيوانات والجمادات والحجر والشجر قاله البارزي واستدل بشهادة الضب والشجر والحجر له والرسالة.
الثامنة والثمانون .
وبإرساله رحمة للعالمين حتى للكفار بتأخير العذاب ولم يعاجلوا بالعقوبة كسائر الأمم المكذبة.
قال الله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً [الأنبياء ١٠٧] وقال ﵎:
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال ٣٣] .
روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، ألا تدعو على المشركين؟ قال: «إنما بعثت رحمة، ولم أبعث عذابا» .
روى ابن جرير والطبراني عن ابن عباس ﵄ في الآية الأولى قال: من آمن به تمت له الرحمة على الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن به عوفي مما كان يصيب الأمم من عاجل الدنيا من العذاب، والخسف، والمسخ، والقذف.
روى أبو نعيم عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين» .
وروى الإمام العلامة أبو الثناء محمود جمال الدين بن محمد بن جملة في كتاب الصلاة على النبي ﷺ : كونه ﷺ رحمة لأهل الدنيا بأجمعهم واضح وأما الملائكة فهو رحمة لهم من وجوه:
أحدها: صلاتهم عليه رحمة لهم فقد ثبت
في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا»
وأي فائدة أنفع من هذه؟.
الثاني:
قال القاضي عياض في الشفاء: حكي أن النبي ﷺ قال لجبريل ﷺ : «هل
стр. 4608
أصابك من هذه الرحمة شيء؟» قال: نعم كنت أخشى العاقبة فأمنت، لثناء الله تعالى على بقوله: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير ٢٠، ٢١] .
الثالث: مقامه المحمود يوم القيامة يحمده فيه الأولون والآخرون، والملائكة وغيرهم والأنبياء وأتباعهم.
قال ﷺ في حديث رواه مسلم: «وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم» .
ثم نقل عن عمه قاضي القضاة أبي العباس أحمد ﵁ أن الحكمة في تخصيص إبراهيم أن الله تعالى أمر نبينا ﷺ بإتباعه وهو مع هذا فهو يرغب إليه في ذلك اليوم.
انتهى.
الرابع: قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ [الأحزاب ٥٦] ولم يقل: «والملائكة» تعظيماً لشأنهم لعظم شأن من يصلي عليه ثم في تأخيره الخبر رحمة لهم واضحة حين جمعهم معه في خبر، واحتمل أن يكون وقد قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [آل عمران ١٨] الآية فذكر ما شهد به، ثم عطف شهادة الملائكة، وأولي العلم عليه، ولا كذلك في هذه الآية فانظر إلى هذا التعظيم العظيم، بسبب صلاتهم على النبي ﷺ .
التاسعة والثمانون .
وبأن الله أقسم بحياته قال الله تعالى: لَعَمْرُكَ، إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر ٧٢] .
روى أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عباس ﵄ قال: ما خلق الله تعالى وما ذرأ نفسا أكرم عليه من محمد ﷺ وما حلف بحياة أحد قط إلا بحياة محمد، فقال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر ٧٢] .
وروى ابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا بحياة محمد ﷺ قال: لَعَمْرُكَ، إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ»
[الحجر ٧٢] .
العمر: بفتح العين وضمها واحد لكنه في القسم بالفتح لكثرة الاستعمال.
التسعون .
وبإقسام الله ﵎ على رسالته قال: يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس ١، ٣] .
стр. 4609
الحادية والتسعون .
وبتولي الله سبحانه تعالى الرد على أعدائه عنه ﷺ بخلاف من تقدمه من الأنبياء، كانوا يدافعون عن أنفسهم ويردون على أعدائهم لقول نوح: يا قَوْمِ، لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ [الأعراف ٦١] وقول هود: يا قَوْمِ، لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ [الأعراف ٦٧] وأشباه ذلك ونبينا ﷺ تولى الله تبرئته عما نسب إليه أعداؤه ورد عليهم بنفسه. فأجاب حين قالوا: «مجنون» : ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم ٢] وأجاب عنه تعالى حين قالوا: «هو شاعر» فقال: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس ٦٩] فنفى الله ﵎ عنه الشعر بسائر الأوزان.
وأجاب عنه حين قالوا: «افترى القرآن» ، فقال : وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس ٣٧] .
الافتراء: الكذب.
وأجاب ﵎ اسمه عنه حين قالوا: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ فقال : لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل ١٠٣] وأجاب تقدس اسمه عنه حين قال العاص بن وائل، إنه أبتر، فقال : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر ٣] .
الثانية والتسعون .
وبمخاطبته له بألطف ما خاطب به الأنبياء، فإن الله تعالى قال لداود ع: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص ٢٦] وقال عن نبينا ﷺ : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم ٣] ، تنزيها له عن ذلك بعد الإقسام عليه، وقال عن موسى:
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ [الشعراء ٢١] وقال عن نبينا ﷺ : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال ٣٠] الآية فكنى عن خروجه وهجرته بأحسن العبارات ولم يذكره بالفرار الذي فيه نوع من الغضاضة.
الثالثة والتسعون .
وبأنه تعالى قرن اسمه ﷺ باسمه في كتابه في ثمانية مواضع:
أولها: الطاعة، قال الله ﵎: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء ٨٠] وقال : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [آل عمران ٣٢] وآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحديد ٧] فجمع بينهما بواو العطف المشركة، ولا يجوز جمع هذا الكلام في حق غيره ﷺ .
ففي سنن أبي داود عن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقولن
стр. 4610
أحدكم: ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن: ما شاء الله، ثم شاء فلان»
فالواو تقتضي الجمع دون الترتيب على الصحيح وثم: تقتضي الترتيب مع التراخي.
ثانيها: المحبة قال الله ﷻ : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران ٣١] فجعل علامة محبته اتباع رسوله ﷺ فيما أمر به ونهى عنه وشرط مع ذلك محبته إياهم ومغفرة ذنوبهم.
ثالثها: في المعصية، قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء ١٤] .
رابعها: في العزة، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ [المنافقون ٨] أي الامتناع وجلالة القدرة.
خامسها: في الولاية، قال الله : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة ٥٥] والولاية إذا كانت بمعنى الولاء جاز فيها الفتح والكسر والولاية بكسر الواو الإمارة.
وسادسها: في الإجابة قال تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ [الأنفال ٢٤] .
سابعها: في التسمية، قال الله : إِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحديد ٩] وقال في حق نبيه ﷺ : حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة ١٢٨] ولهذه تتمة تقدمت في آخر باب أسمائه الشريفة.
ثامنها: في الرضى، قال الله : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة ٦٢] فالله رفع بالابتداء ورسوله عطف عليه وأحق أن يرضوه الخبر فإن قيل: جاز رد الضمير الواحد في الله وفي رسوله أحق أن يرضوه ولم يقل يرضوهما، فالجواب أن رضا رسول الله ﷺ رضا الله، فترك، لأنه دال عليه مع الاتحاد.
الرابعة والتسعون .
وبإقسام الله تعالى ببلده، قال تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ [البلد ١، ٢] .
الخامسة والتسعون .
وبإقسام الله ﵎ بعصره، قال : وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر ١، ٢] نقل الرازي والبيضاوي وغيرهما، أن المراد بالعصر هنا زمان النبي ﷺ وهذه المسألة من زيادتي.
стр. 4611
السادسة والتسعون .
وبأن الله تعالى فرض على العالم طاعته والتأسي به فرضا مطلقا لا شرط فيه ولا استثناء فقال جل اسمه: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر ٧] وقال:
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء ٨٠] وقال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب ٢١] واستثنى في التأسي بخليله، فقال: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ إلى أن قال: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الممتحنة ٤] الآية.
وبأنه تعالى وصفه في كتابه عضوا عضوا فقال في وجهه: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ [البقرة ١٤٤] وفي عينيه: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ [طه ١٣١] وفي لسانه: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ [الدخان ٥٨] وفي يده وعنقه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [الإسراء ٢٩] وفي صدره وظهره: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح ١، ٢، ٣] وفي قلبه: نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ [البقرة ٩٧] وفي خلقه:
إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم ٤] .
السابعة والتسعون .
وبأنه ﷺ فضل الله ﵎ مخاطبته من مخاطبة الأنبياء قبله تشريفا له وإجلالا وذلك أن الأمم كانوا يقولون لأنبيائهم: راعنا سمعك فنهى الله هذه الأمة إن يخاطبوا نبيهم بهذه المخاطبة فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا، وَقُولُوا: انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ [البقرة ١٠٤] .
الثامنة والتسعون .
وبأنه تعالى لم يخاطبه في القرآن باسمه بل: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ بخلاف غيره من الأنبياء فلم ينادهم إلا بأسمائهم كما قال تعالى في حق غيره: يا آدَمُ، اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة ٣٥] يا نُوحُ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود ٤٦] أَنْ يا إِبْراهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [الصافات ١٠٥] يا لُوطُ، إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ [هود ٨١] يا داوُدُ، إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ص ٢٦] يا مُوسى، إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [القصص ٣٠] يا زَكَرِيَّا، إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى [مريم ٧] يا يَحْيى، خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ [مريم ١٢] يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ [المائدة ١١٠] وجمع في الذكر بين اسمه واسم خليله إبراهيم فسمى الخليل، وكنى محمدا ﷺ فقال:
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، وَهذَا النَّبِيُّ [آل عمران ٦٨] فهذا غاية الإجلال
стр. 4612
والتعظيم صلى الله وسلم عليهما. فإن قيل: قد ذكر باسمه في قوله تعالى: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف ٦] وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ [محمد ٢] وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [آل عمران ١٤٤] مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح ٢٩] ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [الأحزاب ٤٠] وغير ذلك فكيف يتم ما تقدم؟ فالجواب أنه إنما ذكر باسمه للتعريف بأنه الذي أخذ الله عهده على الأنبياء بالإيمان به، ولو لم يسمه لم يعرفوه بذلك والنداء إنما هو بالإجلال والتعظيم، والتسمية في مقام الخبر، فإن قيل: فقد ناداه ب: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل ١] وب: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر ١] فالجواب: أن هذا من باب التلطيف والرفق.
وقال الإمام العلامة جمال الدين محمود بن محمد بن جملة: إن قيل: والحكمة في التصريح باسمه في حديث الأعمى الذي علمه النبي ﷺ أن يسأل ربه برفع العمى عنه فعلمه أن يقول: «اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي» إلى آخره فيمكن أن يقال في الأول: إنه إنما كان كذلك، لأنه لما كان التعليم من جهته تواضع لربه فصرح باسمه إلى آخره.
وأما الثاني: فلم يذكر الاسم فيه إلا مقترنا بالتعظيم، وهو وصفه للنبي بالرحمة، إذ المقام يقتضي ذلك، وظهر لي هاهنا معنى حسن وهو أن النبي ﷺ يوم القيامة إذا ألجم الناس العرق وسألوا عن من يشفع لهم إلى ربهم فسألوا آدم فمن بعده إلى أن ينتهوا إلى عيسى، فيقول: اذهبوا إلى محمد، فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فذكره باسمه الدال على الصفة التي يحمده بها جميع الخلائق، وكأنه ﷺ في المقام المحمود الذي يطلب فيه الشفاعة له علمهم أن يذكروا هذا الاسم الذي هو صفته في عرصات القيامة، ولهذا قال في آخره: اللهم فشفعه في وحين يأتي في ذلك اليوم، ويخر لربه ساجدا، يقول له ربه : يا محمد ارفع رأسك، وقل تسمع إلى آخره فيناديه باسمه يا محمد، لما تقدم من المعنى، وفي الدنيا يناديه البارئ تعالى ب: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ يا أَيُّهَا الرَّسُولُ فانظر إلى هذا التعظيم العظيم ينادي في كل مقام بأشرف تعظيم يناسبه ذلك المقام ففي الدنيا بالنبوة والرسالة يشهد له بهما، وفي الآخرة لما تحقق الخلائق ناداه باسمه لما اشتمل عليه من المعنى المناسب لذلك المقام، وخص هذا الاسم من بين الأسماء، ليشهد له أيضاً بما دل عليه من المعنى المناسب لذلك اليوم وكيفا بما دل على صفة يحمده بها الخلق ليستدل بالنداء بها ﷺ علي قبول شفاعته ثم عقّب ذلك بقوله: قل تسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه فهو تكريم بعد تكريم، وتعظيم بعد تعظيم، وتفخيم بعد تفخيم.
стр. 4613
التاسعة والتسعون .
وبأنه تعالى حرم على الأمة نداءه باسمه بخلاف سائر الأمم، فإن أممهم كانت تخاطبهم بأس مائه م كما حكاه الله تعالى عنهم في القرآن، فقال تعالى لهذه الأمة: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً
[النور ٦٣] .
روى أبو نعيم عن ابن عباس ﵄ في الآية قال: كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فناهم الله تعالى عن ذلك إعظاما لنبيه فقالوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وروى البيهقي عن علقمة بن الأسود ﵁ في الآية قال: لا تقولوا: يا محمد، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله.
وروى أبو نعيم في الآية قال: أمر الله أن يهاب نبيه ﷺ وأن يعظم، ويسود، وأما قول حماد أن ثعلبة قال له: يا محمد، فلعله كان قبل النهي عن مخاطبته باسمه، إذ رأى إنما جاء لأسباب الرسالة ولوازمها فلهذا لم يخاطبه بها.
مائة.
وبأنه يكره أن يقال في حقه الرسول، بل رسول الله، لأنه ليس فيه من التعظيم ما في الإضافة قاله الشافعي ﵁.
الواحدة بعد المائة .
وبأنه فرض على من ناجاه أن يقدم بين يدي نجواه صدقة ثم نسخ ذلك، قال الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [المجادلة ١٢] .
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في الآية قال: إن المسلمين أكثروا المسألة على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه فلما قال ذلك خف كثير من الناس وكفوا عن المسألة فأنزل الله ﵎: أَأَشْفَقْتُمْ [المجادلة ١٣] الآية فوسع الله عليهم ولم يضيق.
روى سعيد بن منصور عن مجاهد قال: كان من ناجى رسول الله ﷺ تصدق بدينار، وكان أول من صنع ذلك علي بن أبي طالب، ثم نزلت الرّخصة فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا، وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [المجادلة ١٣] .
الثانية بعد المائة .
وبأنه لم يره الله تعالى في أمته شيئا يسوءه حتى قبضه بخلاف سائر الأنبياء.
стр. 4614
الثالثة بعد المائة .
وبأنه حبيب الرحمن.
الرابعة بعد المائة .
وبأنه جمع له بين المحبة والخلة.
روى البيهقي وابن عساكر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اتخذ الله إبراهيم خليلا، وموسى نجيا، واتخذني حبيبا، ثم قال: وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي» .
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو يعلى عن أبي هريرة في حديث المعراج «فقال له ربه: قد اتخذتك خليلا، وهو مكتوب في التوراة محمد حبيب الرحمن»
وتقدم بيان ذلك كله في أسمائه الشريفة.
الخامسة بعد المائة .
وبأنه جمع له بين الكلام والرؤية.
السادسة بعد المائة .
وبأنه كلمه عند سدرة المنتهى وكلم موسى بالجبل، عد هذه ابن عبد السلام، وتقدم بيان ذلك في باب المعراج.
السابعة بعد المائة .
وبأنه جمع له بين القبلتين كما تقدم بيان ذلك في الحوادث، والله أعلم.
الثامنة بعد المائة .
وبأنه جمع له بين الهجرتين [والقبلتين] قلت: النبي ﷺ لم يهاجر إلا هجرة واحدة إلى المدينة فقط، ولم أفهم ما المراد بالهجرة الثانية، فإن أريد بها هجرة أصحابه إلى الحبشة ففيه نظر، والله تعالى أعلم.
التاسعة بعد المائة .
وبأنه جمع له بين الحكم بالظاهر والباطن والعمل بمقتضى كل منهما خصوصية له تفرد بها عن سائر الخلق. أما أولياء أمته فليس لهم العمل بالحقيقة ولا الحكم بمقتضاها بإجماع المسلمين، وإنما يعملون بالشريعة فقط.
قال القرطبي: أجمع العلماء على بكرة أبيهم إنه لا يجوز للحاكم أن يقتل بعلمه، وقال
стр. 4615
ابن دحية: اختص النبي ﷺ بأنه كان له قتل من اتهمه بالزنى من غير بينة، ولا يجوز ذلك لغيره انتهى.
ولو رفع إلينا ولي قتل غلاما أبواه مؤمنان، واحتج على ذلك بأنه كشف له أنه طيع كافرا لقتلناه، قصاصا بحكم الشرع بالإجماع، لأنه ﷺ لم يأذن لأحد من أمته أن يقتل بحكم الحقيقة في قتل ولا غيره، ولو أراد أحد من أرباب الكشف أن يقتدي بإمام بينه وبينه حائل في غير المسجد لمنع صحة الاقتداء، لحكمنا ببطلان صلاته، ولم نعرج على ما يقع له من الكشف الذي يرفع فيه الجدر وتزال فيه الحجب، لأن الأولياء وغيرهم مكلفون بالعمل بالشرع وقد نص أهل الحقيقة على أنه لا يعمل بالحقيقة، وإنما هي علم لا عمل فلم يكن لأحد من الأولياء مساواة بالنبي ﷺ وأما الأنبياء فمنهم من بعثه تعالى ليحكم بالشريعة فقط، ويعمل بها، كموسى ﵊، ولم يأذن له أن يحكم بالحقيقة، ولا يعمل بها، وإن علمها، ومنهم من بعثه ليحكم بالحقيقة فقط، ويعمل بها كالخضر ﵊، ولم يأذن له أن يحكم بالشريعة، وإن علمها ويبعث الله تعالى من يشاء من أنبيائه بما يشاء.
وقال شيخ الإسلام البلقيني في «شرح البخاري» في قول الخضر لموسى: إني على علم من الله علمنيه لا ينبغي لك أن تعلمه، وأنا على علم من علم الله علمكه الله لا ينبغي لي أن أعلمه.
هذا قد يشكل بأن العلم المذكور في الجهتين، كيف لا ينبغي أن يعلمه قال: وجواب هذا حمل العلم على تنفيذه والمعنى لا ينبغي لك أن تعلمه لتعمل به، لأن العمل به مناف لمقتضى الشرع، ولا ينبغي لي أن أعلمه فأعمل بمقتضاه، لأنه مناف (لمقتضى) [ (١) ] الحقيقة، (قال: فعلى هذا لا يجوز للولي التابع للنبي ﷺ إذا اطلع على الحقيقة أن ينفذ ذلك بمقتضى الحقيقة) [ (٢) ] وإنما عليه أن ينفذ الظاهر.
قال الحافظ في «الإصابة» : قال أبو حيان في تفسيره: الجمهور على أن الخضر نبي وكان علمه بمعرفة بواطن أوحيت إليه، وعلم موسى الحكم بالظاهر، فأشار إلى أن المراد في الحديث بالعلمين الحكم بالظاهر والباطن لا أمر آخر.
وقد قال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي: إن الذي بعث به الخضر ﵇ شريعة له فالكل شريعة، وأما نبينا ﷺ فإنه أمر أولا أن يحكم بالظاهر دون ما اطلع عليه من الباطن
стр. 4616
والحقيقة، كغالب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولهذا
قال: «نحن نحكم بالظاهر» وفي لفظ: «إنما أقضي بالظاهر والله يتولى السرائر» .
وقال: «إنما أقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فإنما هي قطعة من النار»
وقال للعباس: «أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك فإلى الله تعالى»
وقال في تلك المرأة: «لو كنت راجما أحدا من غير بينة لرجمتها»
وقال أيضاً: «لولا القرآن لكان لي ولها شأن»
فهذا كله صريح في أنه إنما يحكم بظاهر الشرع بالبينة أو الاعتراف دون ما أطلعه الله عليه من بواطن الأمور وحقائقها، ثم إن الله ﵎ زاده شرفا، وأذن له أن يحكم بالباطن، وما اطلع عليه من حقائق الأمور، فجمع له بين ما كان للأنبياء، وما كان للخضر خصوصية خصه الله بها ولم يجمع الأمران لغيره.
العاشرة بعد المائة .
وبأنه نصر بالرعب مسيرة شهر أمامه وشهر خلفه.
الحادية عشر بعد المائة .
وبأنه ﷺ أوتي جوامع الكلم وفواتحه وخواتمه.
روى الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵁ والطبراني عن أبي سعيد الخدري ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر» الحديث.
وروى أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم» .
وروى الطبراني عن ابن عباس ﵁ قال: نصر رسول الله ﷺ بالرعب على عدوه مسيرة شهرين.
وروى أيضا عن السائب بن يزيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نصرت بالرعب شهرا أمامي وشهرا خلفي» .
وروى الطبراني بسند حسن عن معاوية بن حيدة القشيري ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فلما دفعت إليه قال: «أما إني سألت الله أن يعينني بالسنة تخيفكم، وبالرعب أن يجعله في قلوبكم» قال: فقال بيديه جميعا: أما إني قد خلقت هذا، وهكذا ألا أومن بك، ولا أتبعك، فما زالت السنة تخيفني وما زال الرعب يجعل في قلبي حتى قمت بين يديك
стр. 4617
[أفبالله الذي أرسلك، أهو أرسلك بما تقول؟ قال: «نعم ... » الحديث.
وروى النسائي نحوه مختصرا.
وروى البزار برجال الصحيح عن ابن عباس ﵄ قال: أتت الصباء الشمال ليلة الأحزاب فقالت: مري حتى تنصري رسول الله ﷺ فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل وتقدم الحديث في غزوة الخندق.
وقوله: «مسيرة شهر» مفهومه أنه لا يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن
في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن الإمام أحمد: «ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر»
فالظاهر اختصاصه بها مطلقا.
وروى ابن أبي شيبة في مسنده، وأبو يعلى عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت فواتح الكلم، وجوامعه وخواتمه» .
قال الحافظ: وإنما جعل الغاية شهرا لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه.
وقال تلميذه الخضري: وهذا فيه نظر، بل دعوته بلغت أطراف البلاد البعيدة مما مسيرته أكثر من شهر، وكل من لم يجبه إلى الإسلام، فهو عدوه اللهم إلا أن تحمل العداوة على من راسله واستمر على المخالفة والمنابذة. قلت: الظاهر أن مراد الحافظ بالعداوة هنا من تصدى لقتال، والله تعالى أعلم.
وهذه الخصوصية حاصلة له ﷺ على الإطلاق حتى لو كان وحده بغير عسكر، ويرحم الله البوصيري حيث قال:
كأنه وهو فرد من جلالته ... في عسكر حين تلقاه وفي حشم
تنبيه:
في حديث جابر وأبي هريرة ﵄ مسيرة شهر وفي حديث لابن عباس مسيرة شهرين والرواية الأولى مقدمة على الثانية بالصحة. قلت: لا مخالفة بينهما.
قال محمد بن شهاب الزّهري: بلغني أن [إيتاءه ﷺ جوامع الكلم] أن جوامع الكلم أن يجمع الله تعالى له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين وقال الهروي: هي القرآن، جمع الله فيه الألفاظ الشهيرة من المعاني الكثيرة وكلامه ﷺ كان بالجوامع قليل اللفظ كثير المعاني ومن تأمل الأحاديث الصحيحة ظهر له ذلك وقد ذكرت شيئا من ذلك في باب فصاحته ﷺ .
قال الإمام القاضي أبو بكر محمد بن أبي الوليد أحمد بن عيسى بن حجاج الأشبيلي
стр. 4618
قاضي مراكش رحمه الله تعالى
قوله ﷺ : «بين يدي»
يشعر أنه يريد إذا شرعت في حركة لعدو يقدمني الرعب إليهم، وبيني وبينهم مسيرة شهر، ولا شك أن كل متوجه لقتال قوم لا بد من وقوع خوف منه لأول سماعهم، بتوجهه إليهم على مسيرة شهر، أو على أكثر، أو على أقل، هذا الذي خص به سيدنا محمد ﷺ والذي يظهر والله تعالى أعلم أن الرعب اللاحق للمقصود على مراتب، رعب يلحق على البعد، ورعب يلحق على القرب [....] . ثم قال:
إن الرعب الذي يلحق بالمشاهدة يلحق من توجهه ﷺ علي مسيرة شهر، ومن هنا يعرف حكمة التخصيص بشهر وذلك أن سليمان ﷺ سخر له الجن والريح تجري به من غدوته وروحته مسيرة شهر فكان إذا توجه نحو عدو كانت مرحلته إليه مسيرة شهر لغيره فكان رعب المشاهدة يأتي منه على مسيرة شهر لقطعه إياه في الرحلة الواحدة، فأعطى سيدنا رسول الله ﷺ رعب المشاهدة على مقدار تلك المسافة، وإن لم يكن يلحق إياه بعد قطعها، والله تعالى أعلم. انتهى كلامه وظاهر حديث السائب ﵁ أن العدو الواحد لا يكون في جهتين بعيدتين وإنما يكون في إحدى الجهات، إما أمامه أو خلفه فهو يرعب ولو لم يقابله، فأطلق الشهر باعتبار إحدى الجهتين، وكذا لو كانا عدوين في جهتين أمامه وخلفه فالشهر نهاية مسافة الخوف، ولم أر من نبه على هذا وهو بديع والله تعالى أعلم.
الثانية عشر بعد المائة .
وبأنه نصر بالصبا وأهلكت عاد بالدبور وكانت عذابا على من قبله كما رواه الإمام الشافعي.
روى الطبراني بإسناد رجاله ثقات عن أنس وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» [ (١) ] .
الثالثة عشر بعد المائة .
وبأنه ﷺ أوتي مفاتيح خزائن الأرض على فرس أبلق عليه قطيفة من سندس عد هذه ابن عبد السلام ﵁.
الرابع عشر بعد المائة .
وبهبوط إسرافيل عليه ولم يهبط على أحد قبله. عد هذه ابن منيع ﵁.
روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت بين يدي»
قال أبو هريرة: فقد ذهب رسول الله ﷺ وأنتم تنتثلونها.
стр. 4619
وروى الإمام أحمد وابن حبان عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أوتيت مقاليد الدنيا على فرس أبلق، جاء به جبريل عليه قطيفة من سندس» .
وروى الطبراني بسند حسن عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ذات يوم على الصفا فقال: «يا جبريل، ما أمسى لآل محمد سفة من دقيق ولا كفة من سويق» ، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هذه من السماء، فأتاه إسرافيل فقال: إن الله سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة، فعلت: فإن شئت نبيا ملكا، وإن شئت نبيا عبدا فأومأ إليه جبريل أن تواضع فقال: «بل نبيا عبدا» .
وروى الطبراني عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لقد هبط علي ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي، ولا يهبط على أحد بعدي وهو إسرافيل، فقال: أنا رسول ربك إليك، أمرني أن أخيرك، إن شئت نبيا عبدا، وإن شئت نبيا ملكا، فنظرت إلى جبريل، فأومأ إلي أن تواضع، فلو أني قلت: نبيا ملكا لسارت الجبال معي ذهبا» .
وسبقت أحاديث من هذا النمط في باب زهده ﷺ وقال الإمام الخطابي: المراد بخزائن الأرض ما فتح على الأمة من الغنائم من ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما، ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة، وقيل: يحمل على ما سواهم من ذلك. قلت: وهو أظهر، والأحاديث تشعر به وقيل: المراد بمفاتيح خزائن الأرض بلادها التي ستفتح له ولأمته ويصل إليها دينه وشرعه فصار حكمه فيها كحكم الملك على ما تحت يده يتصرف فيها بأمر ربه ﵎ كيف أمره، وقيل: أراد الله تعالى تنبيهه على ذلك وإعلامه بأن دينه سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وكذلك وقع، ولله الحمد على ذلك، وهذا معنى بديع يتعين اعتقاده وتكون الخصوصية له ﷺ وهي أن بلاده التي تدخل في طاعته، وتصير تحت حكمه تسلم مفاتيحها في يده عطية من الله ﵎، ولذلك أخبر أمته ﷺ بفتح كثير من البلاد كما تقدم في المعجزات.
الخامسة عشر بعد المائة:
وبأنه ﷺ جمع له بين النبوة والسلطان.
عد هذه الغزالي رحمه الله تعالى ونصه لأجل اجتماع النبوة والملك والسلطنة لنبينا ﷺ كان أفضل من سائر الأنبياء، فإنه أكمل الله به صلاح الدين والدنيا ولم يكن السيف والملك لغيره من الأنبياء.
روى البيهقي عن قتادة ﵁ في قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء ٨٠] قال:
أخرجه من مكة مخرج صدق وأدخله المدينة مدخل صدق، قال: وعلم النبي ﷺ أنه لا طاقة
стр. 4620
له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله وحدوده وفرائضه ولإقامة كتاب الله، فإن السلطان عزة من الله جعلها بين أظهر عباده، لولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، وأكل شديدهم ضعيفهم، قلت: وقد يشكل على كلام الغزالي.
السادسة عشر بعد المائة .
وبأنه ﷺ أوتي علم كل شيء إلا الخمس.
روى الإمام أحمد والطبراني بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
[لقمان ٣٤] الآية.
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى عن ابن مسعود قال: أوتي نبيكم مفاتيح كل شيء غير الخمس، إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... الآية.
وروى الإمام أحمد وسعيد بن منصور والبخاري في الأدب عن ربعي بن حراش قال:
حدثني رجل من بني عامر أنه قال: يا رسول الله، هل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ قال: «لقد علمني خيرا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله تعالى: الخمس: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية.
وروى الفريابي والشيخان عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، لا يعلم في غد إلا الله، ولا متى تقوم الساعة إلا الله، ولا ما في الأرحام إلا الله، ولا متى ينزل الغيث إلا الله، وما تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله وما تدري نفس ماذا تكسب إلا الله» .
السابعة عشر بعد المائة .
وبأنه أوتي علم الخمس وأمر بكتمها، قاله بعضهم، قلت: والأحاديث السابقة تبين أن ذلك خلاف الصواب ولذلك سقتها.
الثامنة عشر بعد المائدة .
وبأنه ﷺ اطلع على الروح فيما قاله بعضهم.
التاسعة عشر بعد المائة .
وبأنه بين له ﷺ في أمر الدجال ما لم يبين لأحد.
روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بعث نبي إلا حذر أمته الدجال وإني قد بين لي في أمره ما لم يبين لأحد، إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور» .
стр. 4621
عشرون بعد المائة .
وبأنه ﷺ وعد بالمغفرة وهو يمشي حيا صحيحا، عد هذه ابن عبد السلام وابن كثير ﵄ قال الله : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح ١، ٢] .
روى البزار بسند جيد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلت على الأنبياء بست لم يعطهن أحد قبلي، غفر لي ما تقدم من ذنبي، وما تأخر» .. الحديث.
وروى ابن عباس ﵄ قال: ما أمن الله أحدا من خلقه إلا محمدا ﷺ قال:
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح ٢] وقال للملائكة: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ:
إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [الأنبياء ٢٩] .
رواه أبو يعلى والطبراني عن عمر بن الخطاب ﵁: والله ما تدري نفس مغفور لها ليس هذا الرجل الذي بين لنا أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ﷺ . رواه الحاكم.
وروى ابن سعد عن مجمع بن جارية ﵁ قال: لما كنا بضجنان حتى توافينا مع رسول الله ﷺ فإذا هو يقرأ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [الفتح ١] فلما نزل بها جبريل ﵇ قال: يهنيك يا رسول الله، فلما هنأه جبريل ﵇ هنأه المسلمون. وقد تقدم الكلام على ذلك في المعجزات.
الحادي والعشرون بعد المائة .
وبشرح صدره ﷺ .
الثانية والعشرون بعد المائة .
وبوضع وزره ﷺ .
الثالثة والعشرون بعد المائة .
وبرفع ذكره ﷺ . قال الله : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ [الإنشراح ١- ٢] .
وروى الطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته قلت: يا رب إنه كان قبلي رسل منهم من كان يحيي الموتى، ومنهم من سخرت له الريح، قال: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ ألم أجدك ضالا فهديتك؟ ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب» .
стр. 4622
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الانشراح ٤] قال: «قال لي جبريل:
قال الله: إذا ذكرت ذكرت معي» .
وروى ابن أبي حاتم عن أبي قتادة ﵁ في الآية قال: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله.
الرابعة والعشرون بعد المائة .
وبأنه ﷺ عرضت عليه أمته بأسرهم حتى رآهم.
الخامسة والعشرون بعد المائة .
وبأنه ﷺ عرض عليه ما هو كائن في أمته حتى تقوم الساعة.
روى الطبراني عن حذيفة بن أسيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عرضت علي أمتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها وآخرها» فقال: يا رسول الله: عرض عليك من خلق، فيكف بمن لم يخلق؟ فقال رسول الله ﷺ : «صوروا لي بالماء والطين حتى إني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه» .
وروى الديلمي عن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلت لي أمتي في الماء والطين، وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم الأسماء كلها» .
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار وأبو يعلى والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ في حديث المعراج عن رسول الله ﷺ : «عرضت علي أمتي فلم يخف علي التابع ولا المتبوع منهم، ورأيتهم أتوا على قوم ينتعلون الشعر، ورأيتهم أتوا على قوم عراض الوجوه صغار الأعين كأنما خرمت أعينهم بالخيط فلم يخف علي ما هم لاقون من بعدي» .
وروى الإمام أحمد والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وأبو نعيم عن أم حبيبة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «أريت ما تلقى أمتي من بعدي وسفك بعضهم دماء بعض، وكان ذلك سابقا من الله أن يوليني شفاعة فيهم يوم القيامة ففعل» .
وتقدم في المعجزات في باب إخباره ﷺ بالكوائن بعده من ذلك شيء كثير.
السادسة والعشرون بعد المائة .
وبأنه ﷺ عرض عليه الخلق كلهم، آدم فمن بعده كما علم آدم أسماء كل شيء، قاله أبو إسحاق الأسفرايني في تعليقه والعراقي في شرح المهذب.
стр. 4623
السابعة والعشرون بعد المائة .
وبأنه ﷺ سيد الناس يوم القيامة.
الثامنة والعشرون بعد المائة .
وبأنه ﷺ أكرم الخلق على الله فهو أفضل من سائر النبيين والمرسلين والملائكة المقربين.
روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا سيد الناس يوم القيامة»
فإذا كان سيدهم في الآخرة كان سيدهم في الدنيا من باب أولى، لأن مقام الآخرة أشرف من الدنيا، لاجتماع النبيين والمرسلين وغيرهم، وإنما خص يوم القيامة بالذكر، لظهور سؤدده في ذلك المقام لكل أحد من غير منازع، بخلاف الدنيا فقد نازعه ملوك الكفار وزعماء المشركين، وهذا قريب من قوله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [غافر ١٦] مع أن الملك له قبل ذلك، لكن كان في الدنيا من يدعي الملك، أو من يضاف إليه مجازا فانقطع كل ذلك، قاله النووي،
ورواه أبو داود بلفظ: «أنا سيد الناس»
ولم يذكر يوم القيامة.
ورواه الشيخان بلفظ: «أنا سيد ولد آدم» فكأن النبي ﷺ قاله قبل أن يطلع على أنه سيد الناس، فلما اطلع على ذلك قال: «أنا سيد الناس» .
وروى الترمذي وحسنه عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة: «وما من بني آدم فمن دونه إلا تحت لوائي» .
وروى الحارث عن مسلم بن سلام ﵁ قال: إن أكرم الناس أو خلق الله تعالى عليه أبو القاسم ﷺ وأن الجنة في السماء، وإن النار في الأرض، فإذ كان يوم القيامة بعث الله الخليقة أمة واحدة ونبيا نبيا، حتى يكون محمد وأمته آخر الأمم من كذا، ثم يوضع جسر جهنم ثم ينادي مناد: أين محمد وأمته؟ فيقوم وتتبعه أمته برها وفاجرها.
تنبيه:
قال الهروي: السيد هو الذي يفوق قومه في الخير وغيره.
وقال غيره: هو الذي يفزع إليه في الشدائد والنوائب، فيقوم بأمورهم، ويتحمل عنهم مكارههم، ويدفعها عنهم، ذكره النووي.
وروى أبو نعيم في المعرفة عن عبد الله بن غنم ﵁ قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ في المسجد فإذا سحابة فقال رسول الله ﷺ : «سلم علي ملك، فقال: لم أزل أستأذن ربي في لقائك حتى إذا كان أوان أذن لي أن أبشرك أنه ليس أحد أكرم على الله منك» .
стр. 4624
وروى البيهقي عن ابن مسعود ﵁ قال: «إن محمدا أكرم الخلق على الله يوم القيامة» .
وروى أيضاً عن عبد الله بن سلام قال: إن أكرم الخليقة على الله أبو القاسم ﷺ .
ولازم هذه الأحاديث تفضيله على جميع الخلائق ﷺ .
قال العلماء: ولا يرد على ذلك حديث: «لا تخيروني من بين الأنبياء على موسى» وحديث أنه قيل له: يا خير البرية، قال: «ذاك إبراهيم» وحديث: «لا تفضلوا بين الأنبياء» لأن عن ذلك أجوبة منها: أنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه خير الخلق.
ومنها: أنه قاله على سبيل التواضع ونفي الكبر.
ومنها: أنه منع للتفضيل في حق النبوة والرسالة، فإن الأنبياء على حد واحد، إذ هي شيء واحد لا يتفاضل وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها وكذلك الرسل ومنهم أولو العزم من الرسل، ومنهم من رفع مكانا عليا، ومنهم من أوتي الحكم صبيا.
التاسعة والعشرون بعد المائة .
وبأنه ﷺ أفرس العالمين عد هذه ابن سراقة.
ثلاثون بعد المائة .
وبأنه ﷺ لم يكن أحد يغلبه بالقوة قاله ابن منيع، وتقدم في باب شجاعته ﷺ بيان ذلك.
الحادية والثلاثون بعد المائة .
وبأنه ﷺ أيد بأربعة وزراء جبريل وميكائيل وأبي بكر وعمر ﵄.
روى البزار والطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أن الله تعالى أيدني بأربعة وزراء، اثنين من أهل السماء جبريل وميكائيل، واثنين من أهل الأرض أبي بكر وعمر» .
وروى الحاكم عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وزرائي من أهل السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر» .
الثانية والثلاثون بعد المائة .
وبأنه ﷺ أعطي من أصحابه سبعة عشر مجيبا، وكل نبي أعطي سبعة.
روى الحاكم وابن عساكر عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل نبي أعطي سبعة رفقاء، وأعطيت أربعة عشر» قيل لعلي من هم؟ قال: أنا وحمزة وابناي وجعفر وعقيل وأبو بكر وعمر وعثمان والمقداد وسلمان وعمار وطلحة والزبير.
стр. 4625
الثالثة والثلاثون بعد المائة .
وبإسلام قرينه.
روى مسدد وأبو يعلى والبزار وابن حبان عن شريك بن طارق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا ومعه شيطان» ، قالوا: ومعك؟ قال: «ومعي ألا إن الله تعالى أعانني عليه، فأسلم، وما منكم من أحد يدخله عمله الجنة» ، قالوا: ولا أنت؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» .
الرابعة والثلاثون بعد المائة .
وبأن أزواجه كن عونا له ﷺ .
روى البزار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلت على الأنبياء لخصلتين، كان شيطاني كافرا، فأعانني الله عليه فأسلم، ونسيت الخصلة الأخرى» .
وروى البيهقي وأبو نعيم عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلت على آدم بخصلتين: كان شيطاني كافرا فأعانني الله تعالى عليه حتى أسلم، وكن أزواجي عونا لي، وكان شيطان آدم كافرا وزوجته عونا له على خطيئته» .
وروى ابن عساكر عن أبي هريرة مثله.
وروى مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة» قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي، ولكن أعانني الله عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» .
وروى ابن عساكر عن عبد الرحمن بن زيد ﵁ إن آدم ﷺ ذكر محمدا رسول الله، فقال: «إن أفضل ما فضل به علي ابني صاحب البعير، أن زوجته عون له على دينه، وكانت زوجتي عونا لي على الخطيئة» .
قال في الروضة: ويفضل زوجاته على سائر النساء.
قال السبكي في الحلبيات: المراد بسائر: الباقي لا الجميع لئلا يلزم تفضيلهن على أنفسهن، لأنهن من جملة النساء، والذي يحمل السؤال التردد بين مجموع الباقي وبين كل فرد منه وجه الإكمال أن النساء جمع معرف وهو محتمل لذلك، إذ دلالة العموم ترجيح كل فرد على فرد، وكذا الاحتمالات في زوجاته، لأنه جمع مضاف، والظاهر الحمل على كل فرد من المفضل والمفضل عليه، ولأنه نص في جانب المفضل عليه وهو: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب ٣٢] وعبارة القاضي ﵁: قال الحسن: نساؤه أفضل نساء العالمين.