← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

عشرون بعد المائة . وبأنه ﷺ وعد بالمغفرة وهو يمشي حيا صحيحا، عد هذه ابن عبد السلام وابن كثير ﵄ قال الله : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح ١، ٢] . روى البزار بسند جيد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلت على الأنبياء بست لم يعطهن أحد قبلي، غفر لي ما تقدم من ذنبي، وما تأخر» .. الحديث. وروى ابن عباس ﵄ قال: ما أمن الله أحدا من خلقه إلا محمدا ﷺ قال: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح ٢] وقال للملائكة: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ: إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [الأنبياء ٢٩] . رواه أبو يعلى والطبراني عن عمر بن الخطاب ﵁: والله ما تدري نفس مغفور لها ليس هذا الرجل الذي بين لنا أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ﷺ . رواه الحاكم. وروى ابن سعد عن مجمع بن جارية ﵁ قال: لما كنا بضجنان حتى توافينا مع رسول الله ﷺ فإذا هو يقرأ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [الفتح ١] فلما نزل بها جبريل ﵇ قال: يهنيك يا رسول الله، فلما هنأه جبريل ﵇ هنأه المسلمون. وقد تقدم الكلام على ذلك في المعجزات. الحادي والعشرون بعد المائة . وبشرح صدره ﷺ . الثانية والعشرون بعد المائة . وبوضع وزره ﷺ . الثالثة والعشرون بعد المائة . وبرفع ذكره ﷺ . قال الله : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ [الإنشراح ١- ٢] . وروى الطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته قلت: يا رب إنه كان قبلي رسل منهم من كان يحيي الموتى، ومنهم من سخرت له الريح، قال: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ ألم أجدك ضالا فهديتك؟ ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب» .

стр. 4622

وروى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الانشراح ٤] قال: «قال لي جبريل: قال الله: إذا ذكرت ذكرت معي» . وروى ابن أبي حاتم عن أبي قتادة ﵁ في الآية قال: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. الرابعة والعشرون بعد المائة . وبأنه ﷺ عرضت عليه أمته بأسرهم حتى رآهم. الخامسة والعشرون بعد المائة . وبأنه ﷺ عرض عليه ما هو كائن في أمته حتى تقوم الساعة. روى الطبراني عن حذيفة بن أسيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عرضت علي أمتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها وآخرها» فقال: يا رسول الله: عرض عليك من خلق، فيكف بمن لم يخلق؟ فقال رسول الله ﷺ : «صوروا لي بالماء والطين حتى إني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه» . وروى الديلمي عن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلت لي أمتي في الماء والطين، وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم الأسماء كلها» . وروى ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار وأبو يعلى والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ في حديث المعراج عن رسول الله ﷺ : «عرضت علي أمتي فلم يخف علي التابع ولا المتبوع منهم، ورأيتهم أتوا على قوم ينتعلون الشعر، ورأيتهم أتوا على قوم عراض الوجوه صغار الأعين كأنما خرمت أعينهم بالخيط فلم يخف علي ما هم لاقون من بعدي» . وروى الإمام أحمد والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وأبو نعيم عن أم حبيبة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «أريت ما تلقى أمتي من بعدي وسفك بعضهم دماء بعض، وكان ذلك سابقا من الله أن يوليني شفاعة فيهم يوم القيامة ففعل» . وتقدم في المعجزات في باب إخباره ﷺ بالكوائن بعده من ذلك شيء كثير. السادسة والعشرون بعد المائة . وبأنه ﷺ عرض عليه الخلق كلهم، آدم فمن بعده كما علم آدم أسماء كل شيء، قاله أبو إسحاق الأسفرايني في تعليقه والعراقي في شرح المهذب.

стр. 4623

السابعة والعشرون بعد المائة . وبأنه ﷺ سيد الناس يوم القيامة. الثامنة والعشرون بعد المائة . وبأنه ﷺ أكرم الخلق على الله فهو أفضل من سائر النبيين والمرسلين والملائكة المقربين. روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا سيد الناس يوم القيامة» فإذا كان سيدهم في الآخرة كان سيدهم في الدنيا من باب أولى، لأن مقام الآخرة أشرف من الدنيا، لاجتماع النبيين والمرسلين وغيرهم، وإنما خص يوم القيامة بالذكر، لظهور سؤدده في ذلك المقام لكل أحد من غير منازع، بخلاف الدنيا فقد نازعه ملوك الكفار وزعماء المشركين، وهذا قريب من قوله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [غافر ١٦] مع أن الملك له قبل ذلك، لكن كان في الدنيا من يدعي الملك، أو من يضاف إليه مجازا فانقطع كل ذلك، قاله النووي، ورواه أبو داود بلفظ: «أنا سيد الناس» ولم يذكر يوم القيامة. ورواه الشيخان بلفظ: «أنا سيد ولد آدم» فكأن النبي ﷺ قاله قبل أن يطلع على أنه سيد الناس، فلما اطلع على ذلك قال: «أنا سيد الناس» . وروى الترمذي وحسنه عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة: «وما من بني آدم فمن دونه إلا تحت لوائي» . وروى الحارث عن مسلم بن سلام ﵁ قال: إن أكرم الناس أو خلق الله تعالى عليه أبو القاسم ﷺ وأن الجنة في السماء، وإن النار في الأرض، فإذ كان يوم القيامة بعث الله الخليقة أمة واحدة ونبيا نبيا، حتى يكون محمد وأمته آخر الأمم من كذا، ثم يوضع جسر جهنم ثم ينادي مناد: أين محمد وأمته؟ فيقوم وتتبعه أمته برها وفاجرها. تنبيه: قال الهروي: السيد هو الذي يفوق قومه في الخير وغيره. وقال غيره: هو الذي يفزع إليه في الشدائد والنوائب، فيقوم بأمورهم، ويتحمل عنهم مكارههم، ويدفعها عنهم، ذكره النووي. وروى أبو نعيم في المعرفة عن عبد الله بن غنم ﵁ قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ في المسجد فإذا سحابة فقال رسول الله ﷺ : «سلم علي ملك، فقال: لم أزل أستأذن ربي في لقائك حتى إذا كان أوان أذن لي أن أبشرك أنه ليس أحد أكرم على الله منك» .

стр. 4624

وروى البيهقي عن ابن مسعود ﵁ قال: «إن محمدا أكرم الخلق على الله يوم القيامة» . وروى أيضاً عن عبد الله بن سلام قال: إن أكرم الخليقة على الله أبو القاسم ﷺ . ولازم هذه الأحاديث تفضيله على جميع الخلائق ﷺ . قال العلماء: ولا يرد على ذلك حديث: «لا تخيروني من بين الأنبياء على موسى» وحديث أنه قيل له: يا خير البرية، قال: «ذاك إبراهيم» وحديث: «لا تفضلوا بين الأنبياء» لأن عن ذلك أجوبة منها: أنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه خير الخلق. ومنها: أنه قاله على سبيل التواضع ونفي الكبر. ومنها: أنه منع للتفضيل في حق النبوة والرسالة، فإن الأنبياء على حد واحد، إذ هي شيء واحد لا يتفاضل وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها وكذلك الرسل ومنهم أولو العزم من الرسل، ومنهم من رفع مكانا عليا، ومنهم من أوتي الحكم صبيا. التاسعة والعشرون بعد المائة . وبأنه ﷺ أفرس العالمين عد هذه ابن سراقة. ثلاثون بعد المائة . وبأنه ﷺ لم يكن أحد يغلبه بالقوة قاله ابن منيع، وتقدم في باب شجاعته ﷺ بيان ذلك. الحادية والثلاثون بعد المائة . وبأنه ﷺ أيد بأربعة وزراء جبريل وميكائيل وأبي بكر وعمر ﵄. روى البزار والطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أن الله تعالى أيدني بأربعة وزراء، اثنين من أهل السماء جبريل وميكائيل، واثنين من أهل الأرض أبي بكر وعمر» . وروى الحاكم عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وزرائي من أهل السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر» . الثانية والثلاثون بعد المائة . وبأنه ﷺ أعطي من أصحابه سبعة عشر مجيبا، وكل نبي أعطي سبعة. روى الحاكم وابن عساكر عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل نبي أعطي سبعة رفقاء، وأعطيت أربعة عشر» قيل لعلي من هم؟ قال: أنا وحمزة وابناي وجعفر وعقيل وأبو بكر وعمر وعثمان والمقداد وسلمان وعمار وطلحة والزبير.

стр. 4625

الثالثة والثلاثون بعد المائة . وبإسلام قرينه. روى مسدد وأبو يعلى والبزار وابن حبان عن شريك بن طارق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا ومعه شيطان» ، قالوا: ومعك؟ قال: «ومعي ألا إن الله تعالى أعانني عليه، فأسلم، وما منكم من أحد يدخله عمله الجنة» ، قالوا: ولا أنت؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» . الرابعة والثلاثون بعد المائة . وبأن أزواجه كن عونا له ﷺ . روى البزار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلت على الأنبياء لخصلتين، كان شيطاني كافرا، فأعانني الله عليه فأسلم، ونسيت الخصلة الأخرى» . وروى البيهقي وأبو نعيم عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلت على آدم بخصلتين: كان شيطاني كافرا فأعانني الله تعالى عليه حتى أسلم، وكن أزواجي عونا لي، وكان شيطان آدم كافرا وزوجته عونا له على خطيئته» . وروى ابن عساكر عن أبي هريرة مثله. وروى مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة» قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي، ولكن أعانني الله عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» . وروى ابن عساكر عن عبد الرحمن بن زيد ﵁ إن آدم ﷺ ذكر محمدا رسول الله، فقال: «إن أفضل ما فضل به علي ابني صاحب البعير، أن زوجته عون له على دينه، وكانت زوجتي عونا لي على الخطيئة» . قال في الروضة: ويفضل زوجاته على سائر النساء. قال السبكي في الحلبيات: المراد بسائر: الباقي لا الجميع لئلا يلزم تفضيلهن على أنفسهن، لأنهن من جملة النساء، والذي يحمل السؤال التردد بين مجموع الباقي وبين كل فرد منه وجه الإكمال أن النساء جمع معرف وهو محتمل لذلك، إذ دلالة العموم ترجيح كل فرد على فرد، وكذا الاحتمالات في زوجاته، لأنه جمع مضاف، والظاهر الحمل على كل فرد من المفضل والمفضل عليه، ولأنه نص في جانب المفضل عليه وهو: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب ٣٢] وعبارة القاضي ﵁: قال الحسن: نساؤه أفضل نساء العالمين.

стр. 4626

والمتولي: نساؤه خير نساء هذه الأمة المذكورة يحتملهما. والآية محتملة أيضاً لظاهر العموم، وقد يحتج له بأن هذه أمة خير الأمم، فنساؤها خير نساء الأمم، والتفضيل على الأفضل تفضيل على من دونه بطريق الأولى. وفي هذا بحث من جهة أن التفضيل تحمله هذه الأمة، وتفضيل الجملة على الجملة لا يقتضي تفضيل كل فرد على كل فرد، فقد يكون في الجملة المفضولة واحد أفضل من كل فرد في الجملة الفاضلة، ويكون في باقي الجملة الفاضلة أفراد كثيرة مجموعها أفضل من باقي الجملة المفضولة، أو من كلها، إذا فهمت هذا فانظر إلى الآية الكريمة تجدها اقتضت التفضيل على كل فرد لا على الجملة، فإن حملناها على العموم اقتضت تفضيل نسائه ﵊ على كل فرد من جميع النساء، فيلزم أن لا يكون في واحد من النساء المتقدمة. تنبيه: الإجماع على أن النبي أفضل من غير النبي، وقد اختلفوا في مريم: هل هي نبية أم لا؟ وكذلك في أم موسى وآسية وحواء وسارة، ولم يصح عندنا في ذلك شيء وقد يشهد لنبوة مريم ذكرها في سورة مريم مع الأنبياء، وهي قرينة فإذا ثبتت نبوة امرأة، فإما أن يكون عاما مخصوصا، وإما أن يكون المراد نساء هذه الأمة وفي الحديث: «لم يكمل من النساء إلا أربع» ذكر منهن مريم وخديجة. ولا شك أن خديجة ليست نبية فلا دلالة في الحديث على كون مريم نبية أو ليست نبية، وبقي بحث وهو أن الآية الكريمة نصت على الإفراد بقوله: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب ٣٢] وهو عام لأنه نكرة في سياق النفي، ولا شك أنه إذا أخذ واحد واحد كان مفضلا عليه، وإذا أخذ المجموع لم يلزم ذلك فيه وإذا أخذت جملة من آحاد المجموع احتمل أن يقال: إن حد العموم يشملها، ولا يخرج عنها إلا المجموع بضرورة التبعيض، فهذا البحث ينبغي أن ينظر فيه ويعمل ما يقتضيه ولا شك أنك إذا قلت: ما جاءني من أحد من النساء اقتضى نفي مجيء كل واحد منهم مطابقة، واقتضى نفي المجموع التزاما، وأما اقتضاؤه لنفي مجيء جملة منهم فهو بالالتزام كالمجموع، وقد قال القرافي: إن الضمائر عامة والظاهر أنه يحسب ما يعود عليه وهي هنا لجمع مضاف، فهي بجنسه وهو عام يدل ظاهرا على كل فرد ويحتمل المجموع، فضميره كذلك، فإن جعلناه للمجموع فمعناه أن جملة نساء النبي ﷺ أفضل من كل جمع من النساء قل أو كثر، وهذا نتيجة البحث المتقدم، فإن أحدا يجيء هنا بمعنى بعض، فهو وإن جعلناه لكل فرد فمعناه أن كل واحدة منهن مفضلة على جمع من النساء، على البحث المتقدم. وأما تفضيل كل واحدة منهن على مجموع النساء سواهن فاللفظ ساكت عنه، وقد ظهر من هذا أن نساء النبي ﷺ مفضلات على نساء هذه الأمة، وكذا على نساء سائر الأمم: إن جعل اللفظ على عمومه إن لم يكن في النساء نبية لكن في هذا إشكال من ثلاثة أوجه:

стр. 4627

الأول: أن فاطمة ﵂ أفضل كما سنبينه. دل اللفظ بها أو نقول: إنها داخلة في نساء النبي ﷺ لأنها ابنته وهي داخلة معهن في اسم النساء في الجملة، والإضافة مختلفة فيها معنى النبوة وفيهن بمعنى الزوجية. الثاني: أن الخطاب للنساء الموجودات حين نزول الآية، فيلزم أنهن أفضل من خديجة، ولا خلاف أن خديجة ﵁ أفضل منهن بعد عائشة، وجوابه: أن خديجة داخلة في جملة نساء النبي ﷺ وإن لم تكن مخاطبة لكن دل الخطاب على أن التفضيل إنما حصل للمخاطبات لكونهنّ نساء النبي حاصل فيها فلا تخرج عن حكمه. الثالث: أن يلزم تفضيل حفصة وأم سلمة وزينب وميمونة وسودة وجويرية، وأم حبيبة على نساء سائر الأمم إذا جعلنا النساء للعموم ولا شك أن مريم أفضل من هؤلاء الثمان للحديث: «لم يكمل من النساء أربع» فذكر مريم وخديجة وجوابه: إنا نلتزم التخصيص لذلك، وعند هذا أقول: أن الآية تضمنت تعظيم قدر النبي ﷺ بأمور منها: أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [الأحزاب ٢٩] وكلهن محسنات فعلمنا أن الله أعد لهن أجرا عظيما عنده، ويصغر في عين العظيم العظائم فمعظم الأجر المعد لهن لا يعلمه إلا الله. ومنها أنهن يؤتين أجرهن مرتين، ولهذا لم يحصل لغيرهن إلا للثلاثة المذكورات في القرآن والحديث. ومنها إعداد الله لهن رزقا كريما، والشهداء أثنى عليهم بأنهم عند ربهم يرزقون، وهؤلاء زادهن مع الرزق كونه كريما. ومنها المعاونة (بينهن وبين) [ (١) ] غيرهن وإرادته تعال بإذهاب الرجس عنهن، وتطهيرهن تطهيرا مؤكدا، وما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، وليس في الآية إلا ذلك، وشرفهن بانتسابهن إليه ﵊ وأناقة قدرهن بذلك حتى تفارق صفاتهن صفات غيرهن، وليس في الآية تصريح بما أراده الفقهاء، وتكلفوا فيه من التفضيل حتى يتكلف النظر بينهن وبين مريم، فنقول ما قاله الله تعالى بقوله، ونسكت عما سكت عنه، وزعم بعضهم أن أفضل الصحابة زوجاته ﵊، لأنهن معه في درجته التي هي أعلى الدرجات، وهذا قول ساقط مردود، وأما فاطمة وخديجة ثم عائشة، ﵅ فقال البلقيني في «فتاويه» : الذي نختاره أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة، للحديث الصحيح، وأنه قال لفاطمة: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة وسيدة نساء المؤمنين» وفي النسائي مرفوعا: «أفضل

стр. 4628

نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد» سنده صحيح، فالحديث صريح في أنها وأمها أفضل نساء أهل الجنة، والحديث الأول يقتضي فضل فاطمة على أمها، وفي حديث آخر «فاطمة بضعة مني» وهو يقتضي تفضيل فاطمة على جميع نساء العالم ومنهن خديجة وعائشة ﵂ وبقية بنات النبي ﷺ . وروي عن الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: حدثتني فاطمة، قالت: أسر إلى رسول الله ﷺ قال: «إن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا قد حضر أجلي وإنك أول أهل بيتي لحوقا بي، ونعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت، فقال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة ونساء المؤمنين؟ فضحكت» . وروى البزار عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال عن فاطمة: «هي خير بناتي إنها أصيبت في» . وأما تفضيل خديجة على عائشة فقد جاء فيه أحاديث بسطتها في «الفيض الجاري» . وأما بقية بنات النبي ﷺ مع بقية نسائه فبقية بناته أفضل، ويشهد لذلك ما ذكره ابن عبد البر في ترجمة رقية بنت رسول الله ﷺ فقال: في الحديث الصحيح عن سعيد بن المسيب قال: أم عثمان من رقية، وأم حفصة من زوجها. انتهى وفي الصحيح: خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة بنت خويلد والضمير قيل: إنه للسماء والأرض ويؤيده ما ورد من الإشارة إليهما ويحتمل أن الضمير لمريم، وخديجة على أنهما سيدتان وإضافة النساء إليهم كإضافتهن في قوله: أو نسائهن. ويعود شرحه إلى معنى نساء زمانها وفي الصحيح: «ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة» وفي غير الصحيح: «ما أبدلني الله خير منها، وهي أول من آمن بي، وظهر عنها من النور والخير ما لا خفاء فيه» ، وفي الحديث: «إني رزقت حبها» وبقيت [ (١) ] المفاضلة بينها وبين مريم بنت عمران، فإن قلنا بنبوة مريم كانت أفضل من فاطمة وإن قلنا: ليس بنبية احتمل أنها أفضل، للاختلاف في نبوتها، واحتمل التسوية بينهما، تخصيصا لهما بأدلتهما الخاصة من بين النساء، واحتمل تفضيل فاطمة عليها، وعلى غيرها لما تقدم، وسيأتي لهذا مزيد بيان في الكلام على زوجاته ﷺ . الخامسة والثلاثون بعد المائة . وبأن بناته ﷺ أفضل نساء العالمين.

стр. 4629

روى الترمذي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير نسائها مريم، وخير نسائها فاطمة» . وروى الحارث بن أبي أسامة عن عروة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مريم خير نساء عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها» . وروى أبو يعلى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «تزوج حفصة خير من عثمان، وتزوج عثمان خيرا من حفصة» قال الحافظ وهذا الحديث مما يستدل به على تفضيل بناته على رفقائه [ (١) ] . وروى أبو نعيم عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران» . قال ابن دحية في «مرج البحرين» سئل العالم الكبير أبو بكر بن داود بن علي رحمه الله تعالى: من أفضل خديجة أم فاطمة ﵄؟ فقال: «إن فاطمة بضعة مني» ولا أعدل ببضعة رسول الله ﷺ أحدا. وقال السهيلي: وهذا استقراء حسن ويشهد بصحة هذا الاستقراء أن أبا لبابة حين ربط نفسه، وحلف أن لا يحله إلا رسول الله ﷺ فجاءت فاطمة لتحله فأبى لأجل قسمه، فقال رسول الله ﷺ : «إنما فاطمة بضعة مني» . السادسة والثلاثون بعد المائة . وبأن ثواب أزواجه ﷺ وعقابهن يضاعف تفضيلا لهن وتكريما، قال الله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ، مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً، وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً [الأحزاب ٣٠، ٣١] . وروى الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعة يؤتون أجرهم مرتين: أزواج رسول الله ﷺ » الحديث. قال العلماء: الأجر مرتين في الآخرة. وقيل: أحدهما في الدنيا، والآخر في الآخرة. واختلف في مضاعفة العذاب فقيل: عذاب في الدنيا وعذاب في الآخرة، وغيرهن إذا عوقب في الدنيا لم يعاقب في الآخرة، لأن الحدود كفّارات.

стр. 4630

وقال مجاهد: حدان في الدنيا. قال سعيد بن جبير: وكذا عذاب من قذفهن يضرب في الدنيا فيجلد مائة وستين جلدة. قال القاضي: وعن بعضهم أن ذلك خاص بغير عائشة، فإن قاذفها يقتل، ولا يقتل من قذف واحدة من سائرهن. قال الماوردي: إن قتل فما في مضاعفة العذاب عليهن من تفضيل انتهى. السابعة والثلاثون بعد المائة . وبأن أصحابه أفضل العالمين إلا النبيين. روى ابن جرير في كتاب السنة عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعلي فجعلهم خير أصحابي كلهم خير واختار أمتي على سائر الأمم، واختار من أمتي أربعة قرون، الأول والثاني والثالث تترى والرابع مرادي» . وروى عن بلال بن سعد أبيه ﵁ وكانت له صحبة قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: «أنا وقرني» ثم قلنا: ثم من؟ قال: «القرن الثاني ثم القرن الثالث» الحديث. الثامنة والثلاثون بعد المائة . وبأنهم يقاربون عدد الأنبياء، وكلهم مجتهدون ولهذا قال: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» . التاسعة والثلاثون بعد المائة . وبأن مسجده أفضل المساجد وبأن الصلاة فيه تضاعف. الأربعون بعد المائة . وبأن البلد الذي ولد فيه ﷺ أفضل بقاع الأرض ثم مهاجره على قول الجمهور، وقيل: إن مهاجره ﷺ أفضل البلاد، واختاره الشيخ وتقدم بيان ذلك في باب فضل المدينة. الحادية والأربعون بعد المائة . وبأن تربتها مؤمنة. روى ابن زبالة في حديث: «والذي نفسي بيده، إن تربتها لمؤمنة» . الثانية والأربعون بعد المائة . وأنها مكتوبة في التوراة مؤمنة، وذلك إما لتصديقها بالله حقيقة كذوي العقول إذ لا

стр. 4631

تبعد أن يكون قد خلق الله تعالى في الجماد قوة قابلة للتصديق وقوة للتكذيب، وقد سمع تسبيح الحصى في كفه ﷺ أو مجازا لاتصاف أهلها بذلك ولانتشار الإيمان منها، واشتمالها على أوصاف المؤمنين من النفع والبركة، وعدم الضر والمسكنة، وإما لإدخال أهلها في الإيمان من الأعداء وأمنهم من الدجال والطاعون. الثالثة والأربعون بعد المائة . وبأن غبارها يطفئ الجذام. روى ابن الجوزي في الوفاء وابن البخار عن إبراهيم بلاغا أن رسول الله ﷺ قال: «غبار المدينة شفاء من الجذام» [ (١) ] . روى رزين عن سعد ﵁ قال: لما رجع رسول الله ﷺ من تبوك تلقاه رجال من المتخلفين من المؤمنين فأثاروا غبارا فخمروا فغطى بعض من كان معه فأزال رسول الله ﷺ اللثام عن وجهه، وقال: «والذي نفسي بيده، إن في غبارها شفاء من كل داء» . قال: وأراه ذكر من الجذام والبرص. وروى ابن زبالة عن صيفي بن أبي عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، إن تربتها لمؤمنة، وإنها شفاء من الجذام» ، قال السيد: وقد رأينا من استشفى بغبارها من الجذام، وكان أضر به كثيرا، فصار يخرج إلى الكوفة البيضاء ببطحان بطريق قباء، ويتمرغ بها ويتخذ فيها مرقدة فنفعه ذلك جدا. قال الإمام الحجة يحيى بن الحسن بن جعفر العلوي عن [......] أن رسول الله ﷺ قال: «أتانا الجرب، فإذا هم روباء، فقال: ما لكم يا بني الحارث روباء؟ قالوا أصابتنا يا رسول الله هذه الحمى، قال: فأين أنتم من صعيب؟ قالوا: يا رسول الله، ما نصنع به؟ قال: تأخذون من ترابه فتجعلونه في ماء ثم يتفل عليه أحدكم، ويقول: بسم الله، تراب أرضنا، بريق بعضنا شفاء لمريضنا، بإذن ربنا، ففعلوا فتركتهم الحمى» . قال أبو القاسم طاهر بن يحيى، فصعيب وادي ببطحان دون الماجشونية، وفيه حفرة مما يأخذ الناس منها اليوم، إذا وبأ إنسان أخذ منه، قال السيد: والماجشونية في الحديبية المعروفة اليوم بالدشنوية، وذكر المجد اللغوي: أن جماعات من العلماء ذكروا أنهم جربوا تراب صعيب للحمى فوجدوه صحيحا. قال: وأنا بنفسي سقيته غلاما لي مريضا من نحو سنة فانقطعت عنه من يومه وقال:

стр. 4632

[....] : وكيفية الاستشفاء به أن يجعل في الماء ويغسل به من الحمى. قال السيد: وينبغي أن يجعل في الماء ثم يتفل عليه ويقال عليه الرقية الواردة ثم يجمع بين الشرب والغسل. الأربعة والأربعون بعد المائة . وبأن من تصبح بسبع ثمرات عجوة على الريق من بين لابتي المدينة حتى يصبح لم يضره شيء حتى يمسي وإن أكلها حين يمسي لم يضره شيء حتى يصبح. روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أن في عجوة العالية شفاء، وإنها ترياق أول البكرة» . وروى النسائي والطيالسي والطبراني بسند جيد «العجوة من الجنة وهي شفاء من السم» . وروى الإمام أحمد والشيخان عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من تصبح بسبع تمرات عجوة [ (١) ] من بين لابتي المدينة على الريق لم يضره شيء في ذلك اليوم سم ولا سحر» . ولفظ أحمد: «لا شيء حتى يمسي» . قال النووي تخصيصها دون غيرها، وعدد السبع من الأمور التي علمها الشارع، ولا نعلم نحن حكمتها، فيجب الإيمان بها واعتقاد فضلها، وما ذكره القاضي والمازري في هذا باطل وقصدت بذلك (التحذير) [ (٢) ] من الاغترار به انتهى، وكذلك ما ذكره ابن التين، وهو مردود لأن سوق الأحاديث وإيراد العلماء لها وإطباق العلماء على التبرك بعجوة المدينة وغيرها، يرد التخصيص بزمنه مع أن الأصل عدمه ولم تزل العجوة معروفة بالمدينة يأبرها الخلف عن السلف، ويعلمها كبيرهم وصغيرهم علما لا يقبل التشكيك. قال ابن الأثير: العجوة ضرب من التمر أكبر من الصيحاني يضرب إلى السواد وهو مما غرسه النبي ﷺ بيده وذكر الأخير القزاز، فنقل الأرداء التي كاتب سلمان الفارسي عليها أهله وغرسها رسول الله ﷺ بيده الشريفة بالعقير وغيره من العالية كانت عجوة، والعجوة توجد بالعقير إلى يومنا هذا، ويبعد أن يكون المراد أن هذا النوع إنما حدث بعد زمانه ﷺ وأن جميع ما يوجد منه من غرسه ﷺ كما لا يخفى، قاله السيد.

стр. 4633

الخامسة والأربعون بعد المائة . وبأن نصف فراس الغنم فيها مثل مثلها في غيرها من البلاد. السادسة والأربعون بعد المائة . وبأنه لا يدخلها الدجال. السابعة والأربعون بعد المائة . ولا الطاعون. الثامنة والأربعون بعد المائة . وبأنه ﷺ صرف الحمى عنها أول ما قدمها ونقلها إلى الجحفة، ثم لما أتاه جبريل بالحمى والطاعون أمسك الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام. روى الإمام أحمد برجال ثقات عن أبي عسيب أن رسول الله ﷺ قال: أتاني جبريل بالحمّى والطاعون فأمسك الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام فالطاعون شهادة لأمتي ورحمة ورجز على الكافر» . قال السيد: والأقرب أن هذا كان في آخر الأمر بعد نقل الحمى بالكلية، لكن قال الحافظ: لما دخل النبي ﷺ المدينة كان في قلة من أصحابه، فاختار الحمى لقلة الموت بها على الطاعون لما فيها من الأجر الجزيل، وقضيتها إضعاف الأجسام فلما أمر بالجهاد دعا بنقل الحمى إلى الجحفة، ثم كانوا حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون لما حصلت له بالقتل في سبيل الله، ومن فاته ذلك دخلت له الحمى التي هي حظ المؤمن من النار ثم استمر ذلك بالمدينة، يعني بعد كثرة المسلمين تمييزا لها عن غيرها. قال السيد: وهو يقتضي عود شيء من الحمى إليها بآخرة الأمر، والمشاهد في زماننا عدم خلوها منها أصلا، لكن ليس كما وصف أولا بخلاف الطاعون، فإنها محفوظة عنه الكلية، فالأقرب أنه ﷺ لما سأل ربه تعالى لأمته أن لا يلبسهم شيئا ولا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعه ذلك، فقال في دعائه: «فحمى إذن أو طاعونا» أراد بالدعاء بالحمى الموضع الذي لا يدخله طاعون، فيكون ما بالمدينة اليوم ليس هو حمى الوباء، بل هي رحمة بدعائه ﷺ ، وقد استشكل قرن الدجال بالطاعون مع أن الطاعون شهادة ورحمة فكيف يمتدح بعدمه؟ وقد يشكل من وجوه: الأول: أن كونه كذلك ليس لذاته، وإنما المراد ترتب ذلك عليه، وقد ثبت ذلك من رواية الإمام أحمد «يؤخذ أعداؤكم من الجن» فيكون الإشارة بذلك إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من الطعن به، كما أن الدجال ممنوع منه، ألا ترى أن قتل الكافر المسلم شهادة، ولو ثبت ذلك أن الكفار لا تسلط عليه لحاز غاية الشرف.

стр. 4634

الثاني: أن أسباب الرحمة لا تنحصر في الطاعون وقد عوضهم النبي ﷺ عنه الحمى حيث اختارها عند ما عرضها عليه كما تقدم، وهي طهرة للمؤمن، وحظه من النار، والطاعون يأتي في بعض الأعوام، والحمى تتكرر في كل حين، فتعادلا، وفيه نظر، لأن تكثير أسباب الرحمة مطلوب، ولأنه لا يرفع إشكال التمدح بعدمه. الثالث: أنه وإن اشتمل على الرحمة والشهادة، فقد ورد أن سببه أشياء تقع من الأمة كظهور بعض المعاصي، وقد روى الإمام أحمد بأسانيد حسان صحاح عن شرحبيل بن حسنة وغيره «أنه- يعني الطاعون- رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم» . وروى الإمام أحمد تفسير كونه دعوة نبيكم عن أبي قلابة ﵁ بأنه ﷺ سأل ربه أن لا يهلك أمته السنة، فأعطانيها، وسأله أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم، فأعطانيها، وسأله أن لا يلبسهم شيئا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعه، فقال النبي ﷺ في دعائه: «فحمى إذا أو طاعونا» ثلاثا، فقد تضمن الطاعون نوعا من المؤاخذة، لأنه ﷺ دعا به لتحصل كفاية إذاقة بعضهم بأس بعض، ويكون هلاكهم حينئذ بسبب لا يعصون به فحفظ الله تعالى بلد نبيه ﷺ من الطاعون المشتمل على الانتقام إكراما لنبيه ﷺ وجعل لهم الحمى المضعفة للأبدان عن إذاقة بعضهم بأس بعض، والمطهرة لهم، بقوله ﷺ : «فحمى إذا» أي للموضع الذي لا يدخله الطاعون بل عصم منه، وهو جواره الشريف. وقوله: «أو طاعونا» أي للموضع الذي لم يعصم منه وهو سائر البلاد، هذا ما قال السيد نور الدين، وهذا ما ظهر لي في فهم هذه الأحاديث وهو يقتضي شرف الحمى الواقعة بالمدينة، وفضلها، لأنها دعوة نبينا ﷺ ورحمة بنا أيضاً، لأنها من لازم دعوته ولأنها جعلت في مقابلة الطاعون الذي هو رحمة لغيرهم فتكون الحمّى رحمة لهم فهي غير حمى الوباء الذاهبة من المدينة، والله تعالى أعلم. قال الحافظ: والحق أن المراد بالطاعون في هذه الأحاديث الذي ينشأ عن طعن الجن فيهيج به الدم في البدن، فهذا لم يدخل المدينة قط. التاسعة والأربعون بعد المائة . وبأنه ﷺ لما عادت الحمى إلى المدينة باختياره إياها، لم تستطع أن تأتي أحدا من أهلها حين جاءت ووقفت ببابه، واستأذنته فيمن يبعثها إليه فأرسلها إلى الأنصار. روى الإمام أحمد برجال الصحيح وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في صحيحه عن جابر ﵁ قال: استأذنت الحمى على رسول الله ﷺ فقال: «من هذه؟» قالت: أم ملدم، فأمر بها إلى أهل قباء، فلقوا ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فأتوه، فشكوا ذلك إليه فقال: «ما

стр. 4635

شئتم إن شئتم [ (١) ] دعوت الله فيكشفها عنكم، وإن شئتم تكون لكم طهورا» وفي لفظ: «طهرت ذنوبكم» قالوا: أو تفعل؟ قال: «نعم» ، قالوا: فدعها. انتهى. الخمسون بعد المائة . وبإحلال مكة له ساعة من نهار لم تحل لأحد قبله ﷺ . الحادية والخمسون بعد المائة . وبأنه ﷺ حرم ما بين لابتي المدينة. روى الإمام أحمد ومسلم والنسائي عن جابر بن عبد الله ﵁ ومسلم وابن جرير عن رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت ما بين لابتيها» . زاد جابر: «فلا يعضد شوكها ولا يقطع عضاهها» . وروى الشيخان عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أشرف على المدينة، فقال: «اللهم إني حرمت ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة» . .. الحديث. الثانية والخمسون بعد المائة . وبأنه لا يقتل حيات المدينة إلا بالإنذار. والحديث الوارد في القتل بالإنذار خاص بها. الثالثة والخمسون بعد المائة . وبأنه يسأل ﷺ عنه الميت في قبره. روى الإمام أحمد والبيهقي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «أما فتنة القبر فبي تفتنون، وعني تسألون، فإذا كان الرجل الصالح أجلس، فيقال له: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله» الحديث. قال الحكيم الترمذي وابن عبد البر: سؤال المقبور خاص بهذه الأمة. تنبيه: ذكر بعض من لا علم عنده أن النبي ﷺ يكون حاضرا حين سؤال الميت، واستند إلى قول: «ما تقول في هذا الرجل» قال الحافظ: [....] . الرابعة والخمسون بعد المائة . باستئذان ملك الموت عليه ﷺ ولم يستأذن على نبي قبله، وسيأتي بيان ذلك في الوفاة إن شاء الله تعالى.

стр. 4636

الخامسة والخمسون بعد المائة . وبتحريم نكاح أزواجه من بعده ﷺ وأمة وطئها، قال الله : وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ، وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً [الأحزاب ٥٣] ولم يثبت ذلك لأحد من الأنبياء، بل قصة سارة مع الجبار، وقول إبراهيم له: هذه أختي وأنه هم أن يطلقها ليتزوجها الجبار قد يستدل به على أن ذلك لم يكن لسائر الأنبياء، وما قيل في تعليل ذلك: إنهن أمهات المؤمنين، وإن في ذلك غضاضة ينزه عنها منصبه الشريف، وأنه ﷺ حي في قبره، ولهذا حكى الماوردي وجها أنه لا يجب عليهن عدة الوفاة، وفيمن فارقها في الحياة كالمستعيذة والتي رأى بكشحها بياضا، أوجه:. أحدها: يحرمن أيضاً، وهو الذي نص عليه الشافعي، وصححه في الروضة، لعموم الآية وليس المراد «بمن بعده» بعدية الموت بل بعدية النكاح. وقيل: لا. والثالث: وصححه إمام الحرمين والرافعي في «الشرح الصغير» تحرم المدخول بها فقط، والخلاف جار أيضاً فيمن اختارت الفراق لكن الأصح فيها عند إمام الحرمين والغزالي الحل، وبه قطع جماعة، لتحصل به فائدة التخيير، وهو التمكن من زينة الدنيا، وفي أمة فارقها بعد وطئها أوجه:. ثالثها: تحرم إن فارقها بالموت كمارية، ولا تحرم إن باعها في الحياة، قيل: وسبب نزول هذه الآية أن رجلا قال: لو مات محمد لتزوجت عائشة أو أم سلمة فنزلت، رواه الطبراني بسند ضعيف جدا عن ابن عباس ﵄ ورواه أيضاً ابن بشكوال من طريق الكلبي عنه وسمى القائل طلحة بن عبيد الله القرشي، وقد غلط جماعة من العلماء في طلحة هذا فظنوه طلحة بن عبيد الله أحد العشرة، وليس هو كذلك، إنما هو آخر، شاركه في اسمه واسم أبيه ونسبه، فإن طلحة المشهور الذي هو أحد العشرة طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمر بن كعب بن سعد بن تميم التيمي، وطلحة صاحب القصة طلحة بن عبيد الله بن شافع بن عياض ابن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن كعب بن تميم التيميّ. روى موسى في الذيل نقلا عن ابن شاهين في ترجمة طلحة هذا: هو الذي نزل فيه: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب ٥٣] الآية نبه على ذلك ابن شاهين، وأبو موسى المديني والحافظ والشيخ وغيرهم ﵃. السادسة والخمسون بعد المائة . وبأن البقعة التي دفن فيها ﷺ أفضل من الكعبة ومن العرش.

стр. 4637

قال العلماء: محل الخلاف في التفضيل بين مكة والمدينة في غير قبره ﷺ . السابعة والخمسون بعد المائة . وبأنه يحرم التكني بكنيته ﷺ وقد تقدم بيان ذلك في آخر باب أسمائه الشريفة. الثامنة والخمسون بعد المائة . وبأنه يجوز التسمي باسمه محمد. التاسعة والخمسون بعد المائة . والتسمي بالقاسم فلا يكنى أبوه أبا القاسم، حكاهما النووي في شرح مسلم. قال الشيخ: قال سراج الدين بن الملقن في خصائصه: شذ جماعة فمنعوا التسمية باسم النبي ﷺ جملة كيف ما تكنى حكاه الشيخ زكي الدين المنذري. وروى ابن سعد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن عمر بن الخطاب جمع كل غلام اسمه اسم نبي فأدخلهم الدار ليغير أسماءهم، فجاء آباؤهم فأقاموا البينة أن النبي ﷺ سمي عامتهم فخلى عنهم، قال أبو بكر: وكان أبي فيهم. الستون بعد المائة . وبأنه يجوز أن يقسم على الله به ﷺ وليس ذلك لأحد كما في حديث عثمان بن حنيف في قصة الضرير وفيه «اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد» ، قال ابن عبد السلام: ينبغي أن يكون هذا مقصورا على رسول الله ﷺ لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء، لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون مما خص به ﷺ تنبيها على علو درجته ومرتبته. الحادية والستون بعد المائة . وبأنه لم تر عورته قط، ولو رآها أحد طمست عيناه، وتقدم في باب حياته حديث عائشة ويأتي الكلام على ذلك في الوفاة. الثانية والستون بعد المائة . وبأنه لا يجوز عليه الخطأ، عد هذه ابن أبي هريرة والماوردي ﵁ وعلى هذا القول باجتهاده، لأنه خاتم النبيين، فليس بعده نبي يستدرك خطؤه بخلافهم، فلذلك عصمه الله تعالى منه. وقال الإمام الشيرازي رحمه الله تعالى: إنه لا يخطئ اجتهاده، وجزم به البيضاوي، وقال ابن السبكي: إنه الصواب وهو ما نعتقده وندين به.

стр. 4638

الثالثة والستون بعد المائة . بأنه لا يجوز عليه النسيان ﷺ حكاه النووي في شرح مسلم. الرابعة والستون بعد المائة . وبأنه ما من نبي له خاصة نبوة في أمته إلا وفي هذه الأمة عالم من علمائه، يقوم في قومه مقام ذلك النبي في أمته، وينحو منحاه في زمانه، ولذا ورد «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» وورد «العالم في قومه كالنبي في أمته» قاله البارزي قلت: الحديث الأول، قال الحافظ وغيره: إنه موضوع وإنما الوارد «العلماء ورثة الأنبياء» . الحديث الأول رواه أبو نعيم بسند ضعيف بلفظ «أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد» والثاني رواه الديلمي بلفظ «الشيخ في بيته كالنبي في قومه» . الخامسة والستون بعد المائة . وبتسميته ﷺ عبد الله ولم يطلقها على أحد سواه، وإنما قال ذلك إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [الإسراء ٣] نِعْمَ الْعَبْدُ [ص ٣٠] قاله البارزي. السادسة والستون بعد المائة . وبأنه ليس في القرآن ولا في غيره صلاة من الله على غيره، فهي خصيصة اختصه الله تعالى بها دون سائر الأنبياء، قاله البارزي. السابعة والستون بعد المائة . وبأنه من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشرا. الثامنة والستون بعد المائة . وبأن من صلى عليه عشرا صلى الله عليه مائة. التاسعة والستون بعد المائة . وبأن من صلى عليه مائة صلى الله عليه ألفا كما سيأتي بيان ذلك في باب فضل الصلاة عليه ﷺ . السبعون بعد المائة . وبأن الدعاء يتوقف إجابته حتى يصلى عليه، كما سيأتي بيانه في باب مواطن الصلاة عليه ﷺ [ (١) ] .

стр. 4639

الحادية والسبعون بعد المائة . وبأن صلاة أمته تعرض عليه في قبره وسلامهم. الثانية والسبعون بعد المائة . وبأنه رغم أنف من ذكر عنده فلم يصل عليه. الثالثة والسبعون بعد المائة . وبأنه ما جلس قوم مجلسا ولم يصلوا عليه إلا كان عليهم ترة وحسرة يوم القيامة وقاموا على أنتن من جيفة. الرابعة والسبعون بعد المائة . وبأن التحذير لمن ذكر عنده فلم يصل عليه وسيأتي بيان ذلك في باب التحذير من ترك الصلاة عليه ﷺ . الخامسة والسبعون بعد المائة . وبأنه من نسي الصلاة عليه فقد أخطأ طريق الجنة. السادسة والسبعون بعد المائة . وبأن من صلى عليه في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب أو لم تزل الصلاة جارية له. السابعة والسبعون بعد المائة . وبأن الصلاة عليه زكاة وطهارة وكفارة. الثامنة والسبعون بعد المائة . وموجبة للشفاعة. التاسعة والسبعون بعد المائة . وسبب للمغفرة. الثمانون بعد المائة . وبأنه من يصلي عليه في يوم ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة. الحادية والثمانون بعد المائة . وبأن من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا. الثانية والثمانون بعد المائة . ورفع له عشر درجات.

стр. 4640

الثالثة والثمانون بعد المائة . وكتب له عشر حسنات. الرابعة والثمانون بعد المائة . ومحى عنه عشر سيئات. الخامسة والثمانون بعد المائة . ويرجى إجابة دعاء من صلى عليه أوله وآخره. السادسة والثمانون بعد المائة . وبأنه ﷺ سبب كفاية الله تعالى المصلي عليه ما أهمه. السابعة والثمانون بعد المائة . وقرب المصلي عليه منه يوم القيامة. الثامنة والثمانون بعد المائة . وبأنها تقوم للمعسر مقام الصدقة. التاسعة والثمانون بعد المائة . وبأنها سبب لقضاء الحوائج. التسعون بعد المائة . وللبشارة بالجنة قبل موت المصلي عليه. الحادية والتسعون بعد المائة . وللنجاة من أهوال يوم القيامة. الثانية والتسعون بعد المائة . ولرد النبي ﷺ على المصلي عليه. الثالثة والتسعون بعد المائة . تذكر المصلي ما نسيه. الرابعة والتسعون بعد المائة . وسبب لطيب مجلس المصلي عليه، وأنه لا يعود عليه حسرة، ولا علي من كان منه يوم القيامة.

стр. 4641

الخامسة والتسعون بعد المائة . وبأنها تنفي الفقر. السادسة والتسعون بعد المائة . وبأنها تنفي عن المصلي عليه إذا ذكر اسم البخل. السابعة والتسعون بعد المائة . وبأنها نجاة للمصلي عليه عند ذكره من الدعاء عليه برغم الأنف. الثامنة والتسعون بعد المائة . وبأنها تمر بالمصلي عليه عن طريق الجنة، وسيأتي بيان ذلك في باب التحذير من ترك الصلاة عليه ﷺ . التاسعة والتسعون بعد المائة . وبأنها تنجي من فتن المجلس. المائتين . وبأنها سبب لتمام الكلام الذي ابتدأ فيه مع حمد الله تعالى. الحادية بعد المائتين . ولزيادة نور المصلي إذا جاز على الصراط. الثانية بعد المائتين . ولإلقاء الله تعالى الثناء الحسن على المصلي عليه بين أهل السماء وأهل الأرض. الثالثة بعد المائتين . وللتزكية في ذات المصلي عليه، وفي عمره وفي عمله وفي أسباب مصالحه. الرابعة بعد المائتين . ولنيل المصلي عليه رحمة الله تعالى له. الخامسة بعد المائتين . ولدوام محبة المصلي عليه له، وزيادتها وتضاعفها، وذلك أن العبد كلما أكثر من ذكر محبوبه ومن استحضاره في قلبه واستجلاء محاسنه ويذكر معانيه الجالبة لحبه تضاعف حبه إليه وتزايد شوقه. السادسة بعد المائتين . ومحبته ﷺ للمصلي عليه.

стр. 4642

السابعة بعد المائتين . وبهداية المصلي عليه. الثامنة بعد المائتين . وحياة قلبه. التاسعة بعد المائتين . وبأن أسماءه توقيفية جزم به أبو الفتوح الطائي في أربعينه. العاشرة بعد المائتين . وبأن التسمي باسمه مبارك ميمون. روى ابن أبي عاصم من طريق ابن أبي فديك عن جهم بن عثمان عن جشيب عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «من تسمى باسمي يرجو بركتي غدت عليه البركة، وراحت إلى يوم القيامة» . وروى الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ولد له ثلاث، فلم يسم أحدهم محمدا فقد جهل» . الحادية عشرة بعد المائتين . وبكراهة سب من اسمه محمد وضربه. روى البزار وأبو يعلى وابن عدي والحاكم عن أنس ﵁ قال: تسمون أولادكم محمدا ثم تلعنونهم. وروى البزار عن أبي رافع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سميتم محمدا فلا تضربوه ولا تحرموه» . الثانية عشرة بعد المائتين . وبمطابقة اسمه لمعناه الذي هو سمته وأخلاقه، فكان اسمه يدل على مسماه، وكانت خلائقه [ (١) ] إنما هي تفضيل جملة اسمه وشرح معناه، وذلك أن أشهر أسمائه ﷺ محمد، وتقدم الكلام في باب أسمائه الشريفة بتسميته ﷺ بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مسماه، وهو الحمد، فإنه ﷺ محمود عند الله، محمود عند الملائكة، محمود عند إخوانه من الأنبياء، محمود عند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم، فإن ما فيه من صفات الكمال

стр. 4643

محمودة عند كل عاقل، وإن كابر عقله جحود أو عناد أو جهل باتصافه بها، ولو علم اتصافه بها لحمده، فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال ويجهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامد له ﷺ وقد اختص ﷺ من معنى الحمد بما لم يجتمع لغيره، فإن اسمه محمد وأحمد، وأمته الحمادون يحمدون الله في السراء والضراء، وصلاته وصلاة أمته مفتتحة بالحمد، وخطبه مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد، وبيده ﷺ لواء الحمد يوم القيامة، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وإذا سجد بين يدي الله تعالى في طلب الشفاعة يحمده ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وإذا قام في ذلك المقام حمده حينئذ أهل الموقف كلهم مؤمنهم وكافرهم أولهم وآخرهم، وهو محمود بما ملأ به الأرض من الهدى والإيمان، والعلم النافع والعمل الصالح، وما حمله عليه من محاسن الأخلاق ومكارم الشيم، وإن من نظر في أخلاقه وشيمه علم أنه خير أخلاق، وقد تقدم ذكر شيء منها. الثالثة عشرة بعد المائتين . وبأنه الله كلمه بأنواع الوحي وهي ثلاثة: الرؤيا الصادقة، والكلام بغير واسطة، والتكلم بواسطة جبريل ﷺ ذكره ابن عبد السلام، وتقدم بيان ذلك في أول البعثة.

стр. 4644

الباب الثاني فيما اختص به عن الأنبياء ﷺ عليهم في شرعه وأمته وفيه مسائل الأولى: اختص ﷺ بإحلال الغنائم. الثانية: وبجعل الأرض كلها مسجدا ولم تكن الأمم تصلي إلا في البيع والكنائس. الثالثة: وبالتّراب طهورا وهو التيمم. روى الشيخان عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد بعدي» الحديث. وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلت على الناس بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا» . وروى الطبراني عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: «فضلت أنا وأمتي في الصلاة تصف كما تصف الملائكة، وجعل الصعيد لي وضوءا، وجعلت لي الأرض مسجدا، وأحلت لي الغنائم» . وروى البخاري في «التاريخ» والبزار والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «كان الأنبياء يقربون الخمس، فتجيء النار فتأكله وأمرت أنا أن أقسمه في فقراء أمتي» . قال الخطابي: كان من تقدم على ضربين: من لم يؤذن له في الجهاد، فلم تكن له غنائم، ومنهم من أذن له فيها، لكن كانوا إذا غنموا أشياء لم تحل لهم أن يأكلوه وجاءت نار فأحرقته كما في الصحيح عن أبي هريرة: «غزا نبي من الأنبياء» فذكر القصة إلى أن قال: فجمع الغنائم فجاءت- يعني النار- فلم تطعمها. وعند أحمد ومسلم «فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار. زاد في رواية سعيد بن المسيب ﵁ فكانوا إذا غنموا غنيمة بعث الله النار فأكلتها فذكر القصة، وقد تقدمت بكمالها في أواخر شرح قصة المعراج، وفي المعجزات في رد الشمس وفيها: «أحل الله لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا، فأحلها لنا انتهى فكان من قبلنا يغزون ويأخذون أموال أعدائهم وأسلابهم لكن لا يتصرفون فيها بل يجمعونها وعلامة قبول ذلك أن تنزل النار فتأكلها، وعلامة عدم القبول أن لا تنزل.

стр. 4645

قوله: «مسجدا» يعني موضع سجوده، وهو وضع الجبهة على الأرض، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويحتمل أن يكون مجازا عن المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز القرآن، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد، قال الخطابي والقاضي: من كان قبل نبينا ﷺ من الأنبياء إنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد، بلفظ: «وكان مما قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم» وهذا نص في موضع النزاع، فثبتت الخصوصية، ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس ﵁ نحو حديث جابر وفيه: «ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه» . الرابعة: وبالوضوء في أحد القولين، وهو الأصح، فلم يكن إلا للأنبياء دون أممهم، وبه جزم الحليمي رحمه الله تعالى، واستدل له بحديث الصحيحين «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء» ورد بأن الذي اختصت به الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء، كيف، وفي الحديث: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» . قال الحافظ: والجواب إن هذا الحديث ضعيف، وعلى تقدير ثبوته يحتمل أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة. قال الشيخ: هذا الاحتمال قد ورد ما يؤيده فقد تقدم في باب ذكره في التوراة والإنجيل في صفة أمته ﷺ يوضئون أطرافهم رواه أبو نعيم عن ابن مسعود مرفوعا والدارمي عن كعب الأحبار والبيهقي عن وهب: «افترضت عليهم أن يتطهروا في كل صلاة، كما افترضت على الأنبياء» . ثم رأيت الطبراني روى في الأوسط بسند فيه ابن لهيعة عن بريدة قال: دعا رسول الله ﷺ بوضوء فتوضأ واحدة واحدة، ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به» ثم توضأ مرتين مرتين فقال: «هذا وضوء الأمم قبلكم» ، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا، فقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي» . وفي هذا تصريح بكون الوضوء للأمم السابقة، نعم فيه خصوصية لنا عنهم وهو التثليث كما كان للأنبياء، ويرشد إلى ذلك قول ابن سراقة: خصوا بكمال الوضوء. قلت: الصحيح بخلاف ما صححه الشيخ في الصغرى، وخلاف احتمال الحافظ، ففي البخاري في قصة سارة مع الملك الذي أعطاها هاجر، أن سارة لما هم الملك بأن يدنو منها، قامت تتوضأ، وفي قصة جريج فيه أيضاً أنه قام فتوضأ ثم كلم الغلام. وروى الإمام أحمد من طريق زيد العمي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من

стр. 4646

توضأ واحدة فتلك وظيفة الوضوء الذي لا بدّ منها، ومن توضأ مرتين فله كفلان من الأجر، ومن توضأ ثلاثا فذاك وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي» . وروى ابن ماجة والدّارقطني عن أبي بن كعب نحوه. الخامسة: وبمسح الخفّ. السادسة: وبجعل الماء مزيلا للنجاسة ويأتي ذلك. السابعة: وبأن كثير الماء لا يؤثر فيه نجاسة. الثامنة: وبالاستنجاء بالجامد، ذكر ذلك أبو سعيد النيسابوري في الشرف، وابن سراقة في الأعداد. التاسعة: وبالجمع فيه بين الماء والحجر. العاشرة: وبمجموع الصلوات الخمس. الحادية عشرة: وبأنه أول من صلى العشاء. روى الطحاوي عن عبيد الله بن محمد عن عائشة ﵂ قالت: إن آدم لما تيب عليه عند الفجر، صلى ركعتين، فصارت الصبح، وفدي إسحاق عند الظهر، فصلى إبراهيم الظهر أربعا، فصارت الظهر، وبعث عزير، فقيل له: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما، فرأى الشمس، فقال: أو بعض يوم، فصلى أربع ركعات، فصارت العصر، وغفر لداود عند المغرب فقام فصلى أربع ركعات، فجهد فجلس في الثالثة، فصارت المغرب ثلاثا، وأول من صلى العشاء نبينا ﷺ . وروى ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في سننه عن معاذ ﵁ قال: أخر رسول الله ﷺ صلاة العتمة ليلا، حتى ظن الظان أنه قد صلى ثم خرج، فقال: «أعتموا بهذه الصلاة، فإنكم فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم» . وروى الشيخان عن أبي موسى ﵁ قال: أعتم رسول الله ﷺ بالعشاء حتى ابهار الليل، ثم خرج فصلى فلما قضى صلاته، قال لمن حضر: «أبشروا فإن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم» [أو قال: «ما صلى هذه الساعة أحد غيركم» ] . تنبيه: قال الإمام الرافعي في شرح المسند في قول جبريل للنبي ﷺ : «هذا وقت الأنبياء قبلك» فذاك يمكن حمله على ما روى من نسبة كل صلاة من الصلوات الخمس إلى نبي من الأنبياء، فعن عائشة ﵂ سئل عن هذه الصلوات الخمس فقال: «هذه

стр. 4647

مواريث آبائي وإخواني، أما صلاة الهاجرة فتاب الله على داود حين زالت الشمس، فصلى لله أربع ركعات، فجعلها الله تعالى لي ولأمتي تمحيصا، ودرجات، ونسب العصر إلى سليمان، والمغرب إلى يعقوب، وصلاة العشاء إلى يونس، وصلاة الفجر إلى آدم فكان المعنى أن كل واحد منهم صلى الصلاة المنسوبة إليه في الوقت الذي يبده انتهى. رواه ابن عساكر بسند ضعيف. قال شيخنا في «شرح الموطأ» : صحت الأحاديث المتعددة في الصحيح وغيره أنه لم يصل أحد صلاة العشاء قبل هذه الأمة، فيمكن حمل قوله: «وقت الأنبياء» على أكثر الصلوات، وذلك ما عدا العشاء، وتبقى على ظاهرها، ويكون ذلك النبي صلاها دون أمته، كما قيل ذلك في قوله: «هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء من قبلي» . الثانية عشرة: وبالأذان. الثالثة عشرة: وبالإقامة. روى سعيد بن منصور عن أبي عمير عن أنس قال: أخبرني عمومة لي من الأنصار، قالوا: اهتم النبي ﷺ بالصلاة، (كيف يجمع) [ (١) ] الناس، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة فلم يعجبه ذلك، فذكر له القبع، فلم يعجبه ذلك، وقال: «هو من أمر اليهود» ، فذكر له الناقوس، فلم يعجبه ذلك، وقال: «هو من أمر النصارى» ، فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم فأري الأذان والإقامة في منامه انتهى. والقصة مشهورة في الصحاح وغيرها. الرابعة عشرة: وبأن مفتاح الصلاة التكبير. روى عبد الرزاق في المصنف عن معمر عن أبان قال: لم يعط التكبير لأحد إلا هذه الأمة. الخامسة عشرة: وبالتأمين. السادسة عشرة: وبقول: اللهم ربنا لك الحمد. السابعة عشرة: وبالصف في الصلاة كصفوف الملائكة. الثامنة عشرة: وبتحية الإسلام، وهي تحية الملائكة وأهل الجنة. التاسعة عشرة: وباستقبال الكعبة.

стр. 4648

العشرون: وبيوم الجمعة عيدا له ولأمته. روى ابن ماجة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على آمين، فأكثروا من قول آمين» . وروى البيهقي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لم تحسدنا اليهود بشيء حسدنا بثلاث: التسليم، والتأمين، واللهم ربنا لك الحمد» . وروى ابن أبي شيبة والبيهقي عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلت على الناس بثلاث، ... » الحديث وفيه «وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة» . وروى الحارث بن أبي أسامة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت ثلاث خصال: أعطيت صلاة في الصفوف، وأعطيت السلام، وهو تحية أهل الجنة، وأعطيت آمين ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم، إلا أن يكون الله، أعطاها هارون، فإن موسى كان يدعو ويؤمن هارون» . وروى الإمام أحمد والبيهقي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إنهم لا يحسدوننا على شيء كما حسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين» . وروى مسلم عن حذيفة وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أضل الله تعالى عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة ونحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق» . فإن قلت: لم يبين كيفية صفوف الملائكة المشبه بها في هذا الحديث؟ فالجواب: قد بين ذلك في حديث جابر بن سمرة الذي رواه مسلم وأبو داود، قال: قال رسول الله ﷺ : «إلا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟» قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصف» . روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أقيموا الصفوف، فإنما تصفون كما تصف الملائكة، وحاذوا المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا في أيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله» .

стр. 4649

الحادية والعشرون: وبتحريم الكلام في الصلاة. روى سعيد بن منصور عن محمد بن كعب القرظي، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، والناس يتكلمون في حوائجهم كما يتكلم أهل الكتاب في الصلاة في حوائجهم، حتى نزلت هذه الآية: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [البقرة ٢٣٨] . وروى ابن جرير عن ابن عباس في الآية، قال: كل أهل دين يقومون فيها أي يتكلمون، فقوموا أنتم لله مطيعين. الثانية والعشرون: وبالركوع، فيما ذكره جماعة من المفسرين في قوله تعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة ٤٣] أن مشروعية الركوع في الصلاة خاص بهذه الأمة، وأنه لا ركوع في صلاة بني إسرائيل، ولذا أمرهم بالركوع مع أمة محمد ﷺ . قال الشيخ: وقد يستدل له بما أخرجه البزار [والطبراني في الأوسط] عن علي ﵁ قال: أول صلاة ركعنا فيها صلاة العصر، فقلت: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: «بهذا أمرت» . ووجه الاستدلال أنه ﷺ صلى قبل ذلك صلاة الظهر، وصلى قبل فرض الصلوات الخمس قيام الليل، وغير ذلك، فتكون الصلاة السابقة بلا ركوع قرينة لخلو صلاة الأمم السابقة منه. الثالثة والعشرون: وبصلاة الجماعة. قال العلامة ابن فرشته في «شرح المجمع» في قوله ﷺ : «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا فهو منا» : أراد بقوله: «صلاتنا» صلاة الجماعة، لأن الصلاة منفردا موجودة فيمن كان قبلنا، وجزم بذلك قبله من أئمة الشافعية أبو سعيد في «الشرف» وابن سراقة في «الأعداد» . قلت: ذكر ابن دريد أن أول من جمع سيدنا رسول الله ﷺ حين خرج من الغار في الصبح، ولم تكن قبل جماعة، إنما كانوا يصلون فرادى، نقله في الزهد. الرابعة والعشرون: وبساعة الإجابة. الخامسة والعشرون: وبصلاة الجمعة. السادسة والعشرون: وبصلاة الليل. السابعة والعشرون: وبصلاة العيدين. الثامنة والعشرون: وبصلاة الكسوفين. التاسعة والعشرون: وبصلاة الاستسقاء. الثلاثون: وبصلاة الوتر، ذكر الستة ابن سراقة في الأعداد وأبو سعيد في الشرف.

стр. 4650

روى الحاكم وصححه عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت بعيد الأضحى، جعله الله لهذه الأمة» . الحادية والثلاثون: وبقصر الصلاة في السفر. الثانية والثلاثون: وبالجمع بين الصلاتين في السفر، وفي المطر، وفي المرض في أحد القولين، واختاره الخطابي والنووي والشيخ وبه أفتى السبكي والذهبي. الثالثة والثلاثون: وبصلاة الخوف، فلم تشرع لأحد من الأمم قبلنا. الرابعة والثلاثون: وبصلاة شدة الخوف عند التحام القتال، وحيثما توجه. الخامسة والثلاثون: وبشهر رمضان، ذكره القونوي في شرح التعرف. السادسة والثلاثون: وبإباحة الأكل والشرب والجماع ليلا إلى الفجر، وكان محرما على من قبلنا بعد النوم، وكذا كان في صدر الإسلام، ثم نسخ قلت: أما اختصاص رمضان بهذه الأمة فنقله الحافظ عن الجمهور وقالوا في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة ١٨٣] إن المراد بالتشبيه مطلق الصّيام دون وقته وقدره، ورواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن معاذ، وابن مسعود، وغيرهما من الصحابة والتابعين. وروى ابن جرير عن عطاء في الآية قال: كتب عليهم ثلاثة أيام من كل شهر، وكان هذا صيام الناس قبل ذلك، ثم فرض الله شهر رمضان. وقال الحسن والشعبي وغيرهما: إن التشبيه على الحقيقة، فيكون صيام رمضان قد كتب على من قبلنا، واستدل ذلك بما رواه ابن أبي حاتم، عن ابن عمر مرفوعا «صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم» إسناده ضعيف، وله شاهد، أخرجه الترمذي، عن دعقل النّسّابة، وهو من المخضرمين، ولم يثبت له صحبة. وروى ابن جرير، عن السدي في الآية، قال: الذين من قبلنا هم النصارى، كتب عليهم رمضان وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا بعد اليوم ولا ينكحوا النساء شهر رمضان، فاشتد على النصارى صيام رمضان فاجتمعوا، فجعلوا صياما في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا، فلم يزل المسلمون يصنعون كما تصنع النصارى، حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب ما كان، فأحل الله تعالى لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر، فقال تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة ١٨٧] إلى قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ

стр. 4651

الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة ١٨٧] . السابعة والثلاثون: وبأن الشياطين تصفد فيه. الثامنة والثلاثون: وبأن الجنة تزين فيه. التاسعة والثلاثون: وبأن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. الأربعون: وبأن الملائكة تستغفر لهم حتى يفطروا. الحادية والأربعون: ويغفر لهم في آخر ليلة منه. روى الأصبهاني في ترغيبه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت في رمضان خمس خصال لم تعطهن أمة كانت قبلكم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من رائحة المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، وتصفد مردة الجن والشياطين، فلا يصلون فيه إلى ما كانوا يصلون إليه، ويزين الله تعالى جنته في كل يوم فيقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة، ويصيروا إليك، ويغفر لهم في آخر ليلة من رمضان» فقالوا: يا رسول الله، هي ليلة القدر قال: «لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره عند انقضاء عمله» . الثانية والأربعون: وبالسحور. روى مسلم عن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: «فضل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور» . الثالثة والأربعون: وبتعجيل الفطر. روى أبو داود، وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال هذا الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر، إن النصارى واليهود يؤخرون» . الرابعة والأربعون: وبتحريم الوصال في الصوم، وكان مباحا لمن قبلنا. الخامسة والأربعون: وبإباحة الكلام في الصوم، وكان محرما على من قبلنا فيه، عكس الصلاة. قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي: كان من قبلنا من الأمم، صومهم الإمساك عن الكلام، مع الطعام والشراب، فكانوا في حرج، فأرخص الله لهذه الأمة بحذف نصف زمانها، ونصف صومها، وهو الإمساك عن الكلام، ورخص لها فيه. السادسة والأربعون: وبليلة القدر، ولم تكن لمن قبلنا. ذكره النووي في شرح المهذب، قال: فيه ليلة القدر مختصة بهذه الأمة، زادها الله

стр. 4652

تعالى شرفا، لم تكن لمن قبلنا، هذا هو الصحيح المشهور الذي قطع به أصحابنا كلهم، وجماهير العلماء، وقاله الحافظ في الفتح، وجزم بذلك ابن حبيب، وغيره من المالكيّة، ونقله صاحب «العمدة» من الشافعية عن الجمهور ورجحه، قال: وسميت ليلة القدر أي: ليلة الحكم، والفصل، وقيل: لعظم قدرها، قال: ويراها من شاء الله تعالى من بني آدم، كما تظاهرت عليه الأحاديث، وأخبار الصالحين، قال: وأما قول المهلب بن أبي صفرة الفقيه المالكي: لا يمكن رؤيتها حقيقة، فغلط. انتهى. وقال مالك في «الموطأ» : بلغني أن رسول الله ﷺ أري أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر خيرا من ألف شهر. روى الديلمي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أن الله وهب لأمتي ليلة القدر، ولم يعطها أحدا ممن كان قبلكم» . وروى ابن أبي حاتم عن عروة ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ يوما أربعا من بني إسرائيل عبدوا الله تعالى ثمانين عاما لم يعصوه طرفة عين، فعجب الصحابة من ذلك، فأتاه جبريل، فقال: قد أنزل الله ﵎ عليك خيرا من ذلك ليلة القدر خيرا من ألف شهر، هذا أفضل من ذلك، فسر بذلك رسول الله ﷺ والناس معه. وروى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن مجاهد ﵁، أن رسول الله ﷺ ذكر رجلا من بني إسرائيل كان يقوم الليل حتى يصبح، ويجاهد القوم بالنهار حتى يمسي، فعل ذلك ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر ٣] ، فقيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل ألف شهر. قلت: أشار الحافظ في الفتح إلى تضعيف قول من قال: إنها خاصة بهذه الأمة، قال: وعمدة من قال بهذا القول أثر مالك إلى السابق، وهو محتمل للتأويل فلا يدفع التصريح من حديث أبي ذر عند النسائي قال: قلت يا رسول الله أتكون مع الأنبياء، فإذا ماتوا رفعت أم هي باقية إلى يوم القيامة؟ قال: بل هي باقية إلى يوم القيامة. قال شيخنا في شرح الموطأ: وهذا الحديث الذي ذكره أيضاً محتمل التأويل، وهو أن مراده هل يختص بزمن النبي ﷺ أم ترفع بعد موته بقرينة مقابلة ذلك بقوله: أم هي باقية إلى يوم القيامة، فلا يكون فيه معارضة لأثر الموطأ. وقد ورد ما يعضده، ففي فوائد أبي طالب المكي من حديث أنس ﵁ «أن الله تعالى وهب لأمتي ليلة القدر ولم يعطها من كان قبلهم» .

стр. 4653

السابعة والأربعون: وبيوم عرفة، ذكره القونوي في «شرح التعرف» ، ويجعل يوم عرفة كفارة سنتين، لأنه سنته ﷺ . الثامنة والأربعون: ويجعل يوم عاشوراء كفارة سنة، لأنه سنة موسى ﵇. روى مسلم عن أبي قتادة ﵁ أنه ﷺ سئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: «يكفر السنة الماضية» ، وسئل عن صوم يوم عرفة، فقال: «يكفر السنة الماضية والسنة الآتية» . التاسعة والأربعون: وبغسل الأيدي قبل الطعام [لأنها] سنة، لأنه شرع التوراة وبعده، لأنه شرعه، رواه الحاكم في تاريخه عن عائشة مرفوعا، وروى في مستدركه عن سلمان ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، قرأت في التوراة بركة الطعام قبله، فقال: «بركة الطعام الوضوء قبله وبعده» . المراد بالوضوء هنا غسل اليد. الخمسون: وبالاغتسال من العين وبأنه يدفع ضررها. الحادية والخمسون: وبالاسترجاع عند المصيبة، روى الطبراني عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت أمتي شيئا لم يعطهن أحد من الأمم، أن يقولوا عند المصيبة: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» . وروى عبد الرزاق وابن جرير في تفسيرهما عن سعيد بن جبير قال: «لم يعط أحد الاسترجاع غير هذه الأمة، إلا تسمعون إلى قول يعقوب ﵊: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [يوسف ٨٤] . روى البيهقي عن وهب بن منبه أن الله تعالى قال: يا داود إني فضلت محمدا وأمته على الأمم كلهم، فذكر الحديث، إلى أن قال: وأعطيتهم في المصائب وفي البلايا إذا صبروا قالوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. الثانية والخمسون: وبالحوقلة. روى أبو نعيم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لما فرغت من أمر السماء ... » الحديث، وفيه: قال الله تعالى: «وأنزلت إليك كلمة من كنوز عرشي لا حول ولا قوة إلا بالله» . الثالثة والخمسون: وباللحد، ولأهل الكتاب الشق. وروى الأربعة عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللحد لنا، والشق لغيرنا» .

стр. 4654

وروى الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «اللحد لنا، والشق لأهل الكتاب» . الرابعة والخمسون: وبالنحر ولهم الذبح فيما قاله مجاهد وعكرمة، رواه ابن أبي حاتم وابن المنذر ﵄ قلت: ما رواه وكيع، وابن أبي حاتم في تفسيرهما، عن عطاء ﵁ قال: الذبح والنحر في البقر سواء، لأن الله تعالى يقول: فَذَبَحُوها [البقرة ٧١] وقال: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر ٢] . الخامسة والخمسون: وبفرق الشعر، ولهم السّدل. روى الستة عن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم ثم فرق بعد. السادسة والخمسون: وبصبغ الأحمر والأصفر، وكانوا لا يغيرون الشيب. روى الستة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم وغيروا الشيب ولا تتشبهوا باليهود» . وروى الأربعة عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحسن ما غيرتم به الشيب، الحناء والكتم» . السابعة والخمسون: وبتوفير العثانين. الثامنة والخمسون: وبتقصير السبال فكانوا يقصرون سبالهم، ويوفرون عثانيهم. العثانين: جمع عثنون وهي اللحية. وروى البزار عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : خالفوا المجوس، جزوا الشوارب واعفوا اللحى» . وروى مالك والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خالفوا المشركين، وفروا اللحى، واحفوا الشوارب» . وروى ابن أبي شيبة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ﵁ قال: جاء رجل من المجوس إلى رسول الله ﷺ وقد حلق لحيته وأطال شاربه، فقال له رسول الله ﷺ : «ما هذا؟» قال: في ديننا، قال: «لكن في ديننا أن تحفي الشوارب، وأن تبقي اللحى» . التاسعة والخمسون: وبالعق عن الذكر والأنثى، وكانوا يعقون عن الذكر دون الأنثى. الستون: وبترك القيام للجنازة. الحادية والستون: وبتعجيل المغرب.

стр. 4655

الثانية والستون: وبتعجيل الفطر. الثالثة والستون: وبكراهة اشتمال الصماء. الرابعة والستون: وبكراهة صوم يوم الجمعة منفردا، وكانت اليهود يصومون يوم عيدهم منفردا. الخامسة والستون: وبضم تاسوعاء إلى عاشوراء في الصوم. السادسة والستون: وبالسجود على الجبهة، وكانوا يسجدون على حرف. السابعة والستون: وبكراهة التميل في الصلاة وكانوا يميلون. الثامنة والستون: وبكراهة تغميض البصر في الصلاة. التاسعة والستون: وبكراهة الاحتضار. السبعون: وبكراهة القيام بعد الصلاة للدعاء. الحادية والسبعون: وبكراهة قراءة الإمام فيها في المصحف. الثانية والسبعون: وبكراهة التعلق في الصلاة بالحبال. الثالثة والسبعون: ويندب الأكل يوم عيد رمضان قبل الصلاة، وكان أهل الكتاب لا يأكلون يوم عيدهم حتى يصلوا. الرابعة والسبعون: وبالصلاة في النعال والخفاف. روى سعيد بن منصور عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : «صلوا في نعالكم، ولا تشبهوا باليهود» ، ورواه أبو داود والبيهقي بلفظ: «خالفوا اليهود، فأنهم لا يصلون في خفافهم، ولا نعالهم» . الخامسة والسبعون: وبكراهة الصلاة في المحراب، وكان لمن قبلنا، كما قال تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ [آل عمران ٣٩] . روى ابن أبي شيبة في المصنف، عن موسى الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى» . وروى أيضاً عن عبيد بن أبي الجعد ﵁ قال: كان أصحاب محمد ﷺ يقولون: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد، يعني الطاقات. وروى أيضاً عن ابن مسعود قال: اتقوا هذه المحاريب. وروى أيضاً عن علي ﵁ أنه كره الصلاة في الطاق.

стр. 4656

وروى الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عمر مرفوعا «اتقوا هذه المذابح» ، يعني المحاريب. فإن أول ما حدثت المحاريب في زمن عمر بن عبد العزيز ذكره الواقدي عن محمد بن هلال. السادسة والسبعون: وبكراهة مجاوبة الإمام إذا قرأ. روى أبو الشيخ، عن ابن عمر ﵁ قال: كانت بنو إسرائيل إذا قرأت أئمتهم، جاوبوهم، فكره الله ذلك لهذه الأمة، فقال تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [الأعراف ٢٠٤] . السابعة والسبعون: وبكراهة أن يعتمد الرجل وهو جالس يده اليسرى في الصلاة، وهي صلاة اليهود، رواه الحاكم. الثامنة والسبعون: وبأنه أذن لنسائنا في المسجد، ومنعت نساء بني إسرائيل. التاسعة والسبعون: وبأنه لا يجوز فسخ حكم حاكم إذا رفعه الخصم إلى آخر يرى خلافه، وكان ذلك في شرعها. الثمانون: وبالعذبة في العمامة. روى الطبراني عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالعمائم، وأرخوها خلف ظهوركم، فإنها سيماء الملائكة» . الحادية والثمانون: وبالائتزار في الأواسط، تقدم في باب ذكره في التوراة، والإنجيل وصف هذه الأمة بذلك، ولفظه: «ويأتزرون على أوساطهم» . وروى الديلمي، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ «ائتزروا كما رأيت الملائكة تأتزر عند ربها إلى أنصاف سوقها» . الثانية والثمانون: وبكراهة السدل. الثالثة والثمانون: وبكراهة الطيلسان المقور. الرابعة والثمانون: وشد الوسط على القميص. الخامسة والثمانون: وبكراهة القزع. السادسة والثمانون: وبالأشهر الهلالية. السابعة والثمانون: وبأن أمته خير الأمم، قال الله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران ١١٠] .

стр. 4657

روى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم، عن معاوية بن صيدة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول في الآية: «إنكم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله» . الثامنة والثمانون: وبأنها مثل المطر، لا يدرى أوله خير أم آخره. قال التوربشتي: لا يحمل هذا الحديث على التردد في فضل الأول على الآخر، فإن القرن الأول هم المفضلون على سائر القرون من غير شبهة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وإنما المراد بهم نفعهم في بث الشريعة والذب عن الحقيقة. وقال البيضاوي: نفى تعلق العلم بتفاوت طبقات الأمة في الخيرية، وأراد به نفي التفاوت كما قال تعالى: [قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [يونس ١٨] أي بما ليس فيهن كأنه قال لو كان لعلم لأنه أمر لا يخفى ولكن لا يعلم] لاختصاص كل طبقة منهم بخاصية، وفضيلة توجب خيريتها كما أن كل نوبة من نوب المطر لها فائدة في النشو، والنماء، لا يمكنك إنكارها، والحكم بعدم نفعها، فإن الأولين آمنوا بما شاهدوا من المعجزات، وتلقوا دعوة الرسول ﷺ بالإجابة والإيمان، والآخرين آمنوا بالغيب، لما تواتر عندهم من الآيات، واتبعوا من قبلهم بالإحسان، وكما أن المتقدمين اجتهدوا في التأسيس والتمهيد، فالمتأخرون بذلوا وسعهم في التلخيص والتجريد، وصرفوا عمرهم في التقرير والتأكيد، فكل ذنبهم مغفور، وسعيهم مشكور، وأجرهم موفور. وقال الطيبي: وتمثيل الأمة بالمطر، إنما يكون بالهدى والعلم كما أن تمثيله ﷺ الغيث بالهدى والعلم فتختص هذه الأمة المشبهة بالمطر، بالعلماء الكاملين منهم المكملين لغيرهم فيستدعي هذا التفسير أن يراد بالخير النفع، فلا يلزم من هذا المساواة في الأفضلية، ولو ذهب إلى الخيرية، فالمراد وصف الأمة قاطبة، سابقها ولاحقها، وأولها وآخرها، [بالخير وأنها ملتحمة بعضها مع بعض مرصوصة بالبنيان] كالحلقة المفرغة، لا يدرى أين طرفاها وفي أسلوب هذا الكلام قول الأنمارية: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها تريد المكملة، ويلمح إلى هذا المعنى قول الشاعر: إن الخيار من القبائل واحد ... وبنو حنيفة كلهم أخيار فالحاصل أن الأمة بأسرها مرتبطة بعضها مع بعض في الخيرية، بحيث أبهم أمرها فيها وارتفع التمييز بينها، وإن كان بعضها أفضل من بعض في نفس الأمر، وهو قريب من باب سوق المعلوم مساق غيره، وفي معناه أنشد مروان بن أبي حفصة: تشابه يوماه علينا فأشكلا ... فما نحن ندري أي يوميه أفضل

стр. 4658

يوما بداء العمر أم يوم يأسه ... وما منهما إلا أغر محجل ومن المعلوم علما جليا أن يوم بداءة العمر أفضل من يوم يأسه، لكن البدء لما لم يكن يكمل ويستتب إلا باليأس، أشكل عليه الأمر، فقال ما قال، وكذلك أمر المطر والأمة، انتهى. التاسعة والثمانون: وبأنها آخر الأمم، ففضحت الأمم عندهم، ولم يفضحوا. التسعون: وبأن الله تعالى اشتق لهم اسمان من أسمائه. الحادية والتسعون: وبأنه تعالى سمى دينه الإسلام، ولم يوصف بهذا الوصف إلا الأنبياء، قال : هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ [الحج ٧٨] . روى إسحاق بن راهويه، وابن أبي شيبة في المصنف، عن مكحول قال: كان لعمر على رجل من اليهود حق، فأتاه يطلبه، فقال عمر: لا والذي اصطفى محمدا على البشر لا أفارقك فقال اليهودي: والله ما اصطفى الله محمدا على البشر، فلطمه عمر فأتى اليهودي النبي ﷺ فأخبره فقال: «أما أنت يا عمر، فأرضه من لطمته، بل يا يهودي، آدم صفي الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى نجي الله، وعيسى روح الله، وأنا حبيب الله، بل يا يهودي تسمى الله باسمين، سمى بهما أمتي، هو السلام، وسمى بها أمتي المسلمين، وهو المؤمن، وسمى بها أمتي المؤمنين، بل يا يهودي، طلبتم يوما دخر لنا اليوم، ولكم غد، وبعد غد للنصارى، بل يا يهودي، أنتم الأولون، ونحن السابقون يوم القيامة، بل إنّ الجنّة محرّمة على الأنبياء حتى أدخلها وهي محرمة على الأمم حتى تدخلها أمتي» . وروي عن عبد الله بن زيد الأنصاري ﵁ قال: تسموا بأسمائكم التي سماكم الله تعالى بها بالحنفية، والإسلام، والإيمان. انتهى. الثانية والتسعون: وبإباحة الكنز إذا أدوا زكاته. الثالثة والتسعون: وبأنه أحل لهم كثيرا مما شدد على من قبلهم. الرابعة والتسعون: وبأنه لم يجعل عليهم في الدين من حرج، قال الله : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج ٧٨] وقال : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة ١٨٥] . روى الإمام أحمد عن حذيفة ﵁ قال: سجد رسول الله ﷺ يوما، فلم يرفع، حتى ظننا أن نفسه قد قبضت فيها، فلما رفع قال: «إن ربي استشارني في أمتي» الحديث، وفيه «وأحل لنا كثيرا مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، فلم أجد لي شكرا إلا هذه السجدة» .

стр. 4659

وروى الفريابي، عن كعب ﵁ قال: أعطيت هذه الأمة ثلاث خصال، لم يعطهن إلا الأنبياء، كان النبي يقال له: بلغ ولا حرج، وأنت شهيد على قومك، وادع أجبك، وقال لهذه الأمة: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج ٧٨] وقال: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة ١٤٣] وقال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر ٦٠] . الخامسة والتسعون: وبإباحة أكل الإبل. السادسة والتسعون: والنعام. السابعة والتسعون: وحمار الوحش. الثامنة والتسعون: والأوز. التاسعة والتسعون: والبط. المائة: وجميع السمك الذي لا قشر عليه. الحادية بعد المائة: والشحوم. الثانية بعد المائة: والدم الذي ليس بمسفوح، كالكبد، والطحال، والعروق. الثالثة بعد المائة: وبرفع المؤاخذة عنهم بالخطأ، والنسيان. الرابعة بعد المائة: وما استكرهوا عليه. الخامسة بعد المائة: والإصر الذي كان على الأمم قبلهم. السادسة بعد المائة: وحديث النفس، قال الله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [البقرة ٢٨٦] وقال تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف ١٥٧] . روى الفريابي في تفسيره عن محمد بن كعب ﵁ قال: ما بعث من نبي، ولا أرسل من رسول، أنزل عليهم الكتاب، إلا أنزل الله عليه هذه الآية: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة ٢٨٤] فكانت الأمم تأتي على أنبيائها، ورسلها، ويقولون: نؤاخذ بما تحدث به أنفسنا، ولم تعمل جوارحنا، فيكفرون، ويضلون، فلما نزلت على النبي ﷺ اشتد على المسلمين ما اشتد على الأمم قبلهم، فقالوا: يا رسول الله أنؤاخذ بما نحدث به أنفسنا ولم تعمل جوارحنا؟ قال: «نعم، فاسمعوا، وأطيعوا، واطلبوا إلى ربكم» ، فذلك قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ [البقرة ٢٨٥] الآية، فوضع الله عنهم حديث النفس، إلا ما عملت الجوارح. وروى مسلم، والترمذي عنه نحوه، بدون ذكر الأنبياء والأمم.

стр. 4660

وروى الإمام أحمد، وابن حبان والحاكم وابن ماجة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» . وروى سفيان بن عيينة، والستة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به» . الإصر: الثقل والمشقة، لأنه يأصر صاحبه أي يحبسه عن الحس لثقله. السابعة بعد المائة: وبأن من هم بسيئة فلم يعملها، لم تكتب سيئة، بل تكتب حسنة، فإن عملها كتبت سيئة. الثامنة بعد المائة: ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت حسنة، فإن عملها كتبت عشرا إلى سبعمائة ضعف. روى البيهقي، عن وهب بن منبه قال: أن الله تعالى لما قرب موسى نجيا قال: يا رب إني أجد في التوراة أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد قال: رب إني أجد في التوراة أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها وكان من قبلهم يقرأون كتبهم نظرا ولا يحفظونها فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة يؤمنون بالكتاب الأول والآخر يقاتلون رؤوس الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد قال: رب إني أجد في التوراة أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم، وكان من قبلهم إذا أخرج صدقته بعث الله عليها نارا فأكلتها فإن لم تقبل لهم تأكلها النار فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد قال: يا رب، إني أجد في التوراة أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، وإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. التاسعة بعد المائة: وبوضع قتل النفس عنهم في التوبة، قال الله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ [البقرة ٥٤] الآية. روى ابن أبي حاتم، عن علي ﵁ في قصة الذين عبدوا العجل، قالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضا، فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وأمه، لا يبالي من قتل، حتى قتل منهم سبعون ألفا، فأوحى الله تعالى إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم، وقد غفر لمن قتل وتيب على من بقي. وروى ابن أبي حاتم، عن الفضيل في قوله تعالى: وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً [البقرة ٢٨٦] قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب، قيل له: توبتك أن تقتل نفسك، فيقتل نفسه، فوضعت الآصار عن هذه الأمة.
следующие страницы →