ذريتهم بين أيديهم» .
وروى الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأعرف أمتي يوم القيامة من بين الأمم» ، قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف أمتك؟ قال:
«أعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم» .
السادسة:
وبأنهم يكونون في الموقف على كوم عال.
السابعة:
وبأن لهم نورين كالأنبياء، وليس لغيرهم إلا نور واحد. كما سبق ويأتي في آخر الكتاب.
الثامنة:
وبأنهم يمرون على الصراط كالبرق الخاطف وكالريح.
التاسعة:
وبأنهم يشفع محسنهم في مسيئهم.
العاشرة:
وبأن عذابها معجل في الدنيا، وفي البرزخ لتوافي القيامة ممحصة.
الحادي عشرة:
وبأنها تدخل قبورها بذنوبها، وتخرج منها بلا ذنوب تمحص عنها باستغفار المؤمنين لها.
الثانية عشرة:
وبأن كل واحد منهم يعطى يهوديا أو نصرانيا فيقال له: يا مسلم، هذا فداؤك من النار.
روى أبو يعلى والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه عن عبد الله بن يزيد الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ «أن عذاب هذه الأمة جعل في دنياها» .
وروى أيضا عن رجل من الصحابة قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عقوبة هذه الأمة السيف» .
وروى ابن ماجه والبيهقي في البعث عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «إن هذه الأمة مرحومة، عذابها بأيديها، فإذا كان يوم القيامة، دفع إلى كل رجل من المسلمين رجل من المشركين فيقال له: هذا فداؤك من النار» .
وروى الطبراني في الأوسط عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «أمتي أمة مرحومة، تدخل قبورها بذنوبها، وتخرج من قبورها لا ذنوب عليها، تمحص عنها باستغفار المؤمنين لها» .
وروى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحاسب أحد يوم القيامة فيغفر له يرى المسلم عمله في قبره» .
стр. 4692
قال الحكيم الترمذي: يحاسب المؤمن في القبر ليكون أهون عليه غدا في الموقف، فيمحص في البرزخ، فيخرج من القبر وقد اقتص منه» .
الثالثة عشرة:
وبأن لها ما سعت، وما سعي لها وليس لمن قبلهم إلا ما سعى، قاله عكرمة- رضي الله تعالى عنه-، ورواه ابن أبي حاتم عنه.
الرابعة عشرة:
وبأنهم يقضى لهم قبل الخلائق.
روى ابن ماجة عن أبي هريرة وحذيفة- ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : «نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق» .
الخامسة عشرة:
وبأنهم يغفر لهم المقحمات.
روى مسلم عن ابن مسعود في حديث المعراج قال: أعطى رسول الله ﷺ ثلاثا:
أعطي الصلوات الخمس. وأعطي خواتيم سورة البقرة. وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات.
السادسة عشرة:
وبأنهم أثقل الناس ميزانا.
روى الأصبهاني في «ترغيبه» عن ليث- رضي الله تعالى عنه- قال: قال عيسى ابن مريم ﷺ : «أمة محمد ﷺ أثقل الناس في الميزان، ذلت ألسنتهم لكلمة ثقلت على من كان قبلهم لا إله إلا الله» .
السابعة عشرة:
وبأنهم نزلوا منزلة العدول من الحكام، فيشهدون على الناس أن رسلهم بلغتهم.
قال الله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة/ ١٤٣] .
وروى الإمام أحمد والنسائي والبيهقي عن ابن سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «يجيء النبي يوم القيامة، ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك، فيقال لهم: هل بلغتم؟ فيقولون: نعم، فيدعى قومهم، فيقال لهم: هل بلغوكم؟
فيقولون: لا، فيقال للنبيين: من يشهد لكم أنكم بلغتم؟ فيقولون: أمة محمد، فتدعى أمة محمد، فيشهدون أنهم قد بلغوا، فيقال لهم: وما علمكم أنهم قد بلغوا؟ فيقولون: جاءنا نبينا ﷺ بكتاب أخبرنا أنهم قد بلغوا فصدقناه، فيقال لهم: صدقتم. فذلك قوله تعالى:
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة/ ١٤٣] .
قال: عدولا، ورواه البخاري مختصرا.
стр. 4693
الثامنة عشرة:
«بأنهم يدخلون الجنة قبل سائر الأمم» .
روى الطبراني بسند حسن عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه-.
التاسعة عشرة:
ويدخل الجنة منهم سبعون ألفا بغير حساب.
العشرون:
ومع كل ألف سبعون ألفا، ومع كل واحد سبعون ألفا.
قال سلطان العلماء شيخ الإسلام الشيخ عز الدين بن عبد السلام- رحمه الله تعالى-:
لم يثبت ذلك لغير النبي ﷺ .
روى الشيخان عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: «عرضت علي الأمم، يمر على النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان والنبي ليس معه أحد والنبي معه الرهط فرأيت سوادا كثيرا فرجوت أن يكون أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر، فرأيت سوادا كثيرا قد سد الأفق فقيل لي: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب» .
وروى الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت الأمم بالموسم، فرأيت أمتي قد ملأوا السهل والجبل، وأعجبني كثرتهم وهيبتهم، فقيل لي: رضيت؟ قلت:
نعم قال: ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب، فلا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون» .
وروى ابن أبي شيبة برجال ثقات، والإمام أحمد عن عبد الرحمن بن أبي بكر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قرأ «ألم تنزيل» السجدة، فأطال السجود ثم رفع، فقال أبو بكر: يا رسول الله، أطلت السجود، قال: سجدت شكرا لربي فيما أعطاني في أمتي، سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، فقال أبو بكر: يا رسول الله، أمتك أكثر وأطيب، فاستكثرتهم حتى قال مرتين أو ثلاثا، فقال عمر: يا رسول الله، قد استوعبت أمتك.
ولفظ أحمد فقال عمر: هلا استزدته؟ فأعطاني مع كل رجل سبعين ألفا، قال عمر: فهلا استزدته قال: قد استزدته فأعطاني هكذا، وفرج عبد الرحمن بن أبي بكر بين يديه.. الحديث.
وروى الشيخان عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف متماسكين، أخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر» .
وروى الإمام أحمد عن ثوبان- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 4694
يقول: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفا» .
وروى الترمذي وحسنه وأبو يعلى عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله- يدخل من أمتي يوم القيامة سبعين ألفا بغير حساب، مع كل ألف سبعون ألفا وثلاث حثيات من حثيات ربي» .
روى الإمام أحمد وابن حبان بلفظ «إن الله- وعدني أن يدخل من أمتي يوم القيامة سبعين ألفا بغير حساب
فقال يزيد بن الأخنس السلمي والله ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذبان
فقال رسول الله ﷺ : «إن ربي وعدني سبعين ألفا مع كل ألف سبعين ألفا، مع كل ألف سبعين ألفا- مرتين وزادني ثلاث حثيات» .
وروى الطبراني نحوه عن عمرو بن حزم الأنصاري- رضي الله تعالى عنه- وفيه مع كل واحد من السبعين ألفا سبعون ألفا.
وروى الطبراني في الكبير، والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن عامر بن عمير- رضي الله تعالى عنه- قال: لبث رسول الله ﷺ : «ثلاثا لا يخرج إلا إلى صلاة مكتوبة» الحديث وفيه: فأعطاني ربي سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، مع كل واحد من السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فقلت: إن أمتي لا تبلغ هذا أو تكمل هذا فقال: أكملهم لك من الأعراب.
وروى أبو يعلى مرسلا عن سعيد بن عامر اللخمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، يجيء فقراء المسلمين، يوم القيامة يزفون كزف الحمام فيقال لهم: قفوا للحساب فيقولون:
والله ما تركنا شيئا فتحاسبونا عليه، فيقول الله تعالى: صدق عبادي، أدخلوهم الجنة بغير حساب.
روى عمر بن شبة في أخبار المدينة، عن كعب- رحمه الله تعالى- قال: «نجد مكتوبا في الكتاب أن مقبرة بالمدينة على حافة سبيل يحشر منها سبعون ألفا ليس عليهم حساب» .
وروى الطيالسي والإمام أحمد وأبو يعلى عن أبي بكر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : أعطيت سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، وقلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدته، فزادني مع كل واحد سبعين ألفا» .
وروى أبو يعلى برجال ثقات عن أنس- رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا» ، قالوا: زدنا يا رسول الله، قال: «لكل رجل سبعون ألفا» ، قالوا: زدنا يا رسول الله وكان على كثيب فحثا بيده فقالوا: زدنا يا رسول الله، قال: «هذا» وحثا بيده.
стр. 4695
قالوا: يا نبي الله، أبعد الله من دخل النار بعد هذا.
روى الطبراني في الكبير، والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن عامر بن عمير- رضي الله تعالى عنه- قال: لقيت رسول الله ﷺ ثلاثا لا يخرج إلا إلى صلاة مكتوبة الحديث. وفيه: «فأعطاني ربي سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب مع كل واحد من السبعين سبعون ألفا، فقلت: إن أمتي لا تبلغ هذا، قال: أكملهم من الأعراب» .
الحادية والعشرون:
وبأن أطفالهم كلهم في الجنة وليس لسائر الأمم. في أحد الاحتمالين للسبكي.
قلت: ورجح النووي في شرح مسلم أنهم في الجنة [ (١) ] .
الثانية والعشرون:
وبأن أهل الجنة مائة وعشرون صفا وهذه الأمة منها ثمانون، وسائر الأمم أربعون.
روى مسدد وابن أبي شيبة والإمام أحمد والطبراني برجال ثقات، عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم وربع أهل الجنة لكم ربعها ولسائر الناس ثلاثة أرباعها؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فكيف أنتم وثلثها؟ قالوا: فذاك أكثر، فقال: كيف أنتم والشطر؟ قالوا: فذاك كثير، فقال رسول الله ﷺ : «أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومائة صفّ، أنتم منها ثمانون صفا» ورواه البخاري مختصرا.
الثالثة والعشرون:
وبأن لله- ﵎ يتجلى لهم فيرونه ويسجدون له بإجماع أهل السنة، كما في أحاديث الشفاعة.
وفي الأمم السالفة احتمالا لسيدي الشيخ عبد الله بن أبي جمرة.
الرابعة والعشرون:
وبأن كل أمة بعضها في الجنة وبعضها في النار إلا هذه الأمة، فإنها كلها في الجنة، رواه القاضي أبو الحسين بن المهتدي بالله في فوائده من حديث ابن عمر مرفوعا.
الخامسة والعشرون:
وبأن ولد الزنا منهم لا يدخل الجنّة إلى خمسة آباء، ومن غيرهم إلى سبعين. كما في مصنف عبد الرزاق عن الربعي أنه قرأه في بعض الكتب.
السادسة والعشرون:
وبأنهم يؤذن لهم في المحشر في السجود دون سائر الأمم.
روى ابن ماجة بسند فيه ضعف عن أبي موسى الأشعري- رضي الله تعالى عنه- قال:
قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أذن لأمة محمد في السجود، فيسجدون طويلا» ثم يقال: ارفعوا رؤوسكم، فقد جعلنا عدوكم فداءكم من النار» .
стр. 4696
الباب الخامس فيما اختص به- ﷺ عن أمته عن الواجبات
والحكمة من اختصاصه بها زيادة الزلفى والدرجات فلن يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل أداء ما افترض عليهم، كما في الصحيح عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه-.
قال العلماء: خص الله تعالى نبيه ﷺ عن خلقه بواجبات عليه، لعلمه بأنه أقوم بها منهم، وأصبر عليها منهم.
وقيل: ليجعل أجره بها أعظم من أجرهم، وقربه بها أزيد من قربهم.
وأما ما أباحه له مما حرمه عليهم، فليظهر بذلك كرامته، ويبين اختصاصه ومنزلته.
وقيل: لعلمه بأن ما خصه به من الإباحة لا يلهيه عن طاعة، وإن ألهاهم، ولا يعجزه عن القيام بحقه وإن أعجزهم، ليعلموا أنه على طاعة الله أقدر، وعلى حقه أقوم.
وفيه نوعان:
الأول: فيما يتعلق بالأحكام غير النكاح .
وفيه مسائل:
الأولى:
اختص ﷺ بوجوب الوضوء لكل صلاة، وإن لم يحدث ثم نسخ.
روى أبو داود والبيهقي في سننيهما، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن عبد الله بن حنظلة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ كان يؤمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق عليه ذلك أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. إسناده جيد وفيه اختلاف لا يضر.
الثانية:
وبالسواك في الأصح للحديث السابق، وهل كان الواجب عليه في العمر مرة أو عند كل صلاة مفروضة، أو مطلقا أو في الأحوال التي يتأكد فيها استحبابه في حق الأمة، أو ما هو أعم من ذلك؟ وحكى بعضهم أنه كان واجبا عليه في الوقت المتأكد في حقنا، وقيل:
لكل صلاة.
قلت: ويشهد له حديث عبد الله بن حنظلة السابق في الأولى.
وقيل: عند تغير الفم.
وقيل: عند نزول الوحي، قاله النووي في «التنقيح شرح الوسيط» .
الثالثة:
وبوجوب صلاة الضحى على الصحيح وقال البلقيني: لم تكن الضحى واجبة
стр. 4697
عليه، جزموا به.
ففي صحيح مسلم، عن عبد الله بن شقيق- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت لعائشة- رضي الله تعالى عنها-: أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه.
وذكر أحاديث كثيرة في ذلك. وقال في الخادم: أخرج البخاري عن ابن أبي ليلى يقول: «ما حدثنا أحد أنه رأى النبي ﷺ يصلي الضحى غير أم هانئ، فإنها قالت: أن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثماني ركعات، فلم أر صلاة قط أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود» ثم قال: وإذا قلنا فهل كان الواجب عليه أقل الضحى، أو أكثرها أو أدنى كمالها، لم يتعرضوا له نعم.
روى الإمام أحمد والطبراني عن ابن عباس مرفوعا: «ثلاث علي فريضة وهن لكم تطوع، الوتر، وركعتا الفجر، وركعتا الضحى» .
الرابعة:
والوتر على الصحيح.
وقال البلقيني: لم يكن الوتر واجبا عليه، خلافا لما صححوه. فقد صح أنه ﷺ كان يوتر على بعيره، وبه احتج الشافعي- رضي الله تعالى عنه- على عدم وجوب الوتر على الأمة، فيكون مذهب الشافعي أنه ليس بواجب عليه مطلقا، ولا دليل لمن قال: كان واجبا عليه في الحضر دون السفر.
وفي الخادم، من خصائصه ﷺ جواز الوتر على الراحلة، وبذلك صرح النووي في باب التطوع من شرح مسلم.
قال في الخادم: وإذا قلنا بالوجوب، فهل كان الواجب عليه أقل الوتر أم أكثر أم أدنى؟
لم يتعرضوا له أيضاً، والظاهر أن مرادهم الجنس.
الخامسة:
وصلاة الليل.
السادسة:
وركعتا الفجر.
السابعة:
والأضحية.
روى الطبراني والبيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث هن علي فرائض، وهن لكم سنة: الوتر، والسواك، وقيام الليل» .
وروى الإمام أحمد والدّارقطني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث هن علي فرائض ولكم تطوع: النحر، والوتر، وركعتا الفجر» .
стр. 4698
ورواه الإمام أحمد والبزار من وجه آخر عنه.
وروى الإمام أحمد والطبراني عنه، عن النبي ﷺ قال: «ثلاث علي فرائض وهن لكم تطوع: الوتر، وركعتا الفجر، وركعتا الضحى» .
وروى الإمام أحمد وعبد بن حميد عنه «أمرت بركعتي الضحى ولم تؤمروا بها، وأمرت بالأضحية ولم تكتب عليكم» .
تنبيه:
الأصح عند أئمتنا وجوب الثالثة والرابعة، والخامسة (والسابعة) [ (١) ] ، ولم يذكروا (السادسة) [ (٢) ] مع أن أدلة الجميع ضعيفة لا تثبت الخصائص بمثلها.
حكى الشيخ أبو حامد أن للشافعي ﵁ نصا على نسخ وجوب قيام الليل في حقه ﷺ قال النووي: وهذا هو الأصح أو الصحيح، ففي الصحيح ما يدل عليه، ورجحه البلقيني. ولهذا صحح جمع من المتأخرين عدم وجوب ذلك، ووردت أحاديث أخر تنفي الوجوب، لكنها أيضاً ضعيفة وصرف قوله ﵎ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر/ ٢] .
أمران:
الأول: أن غالب الأئمة ذهبوا إلى أنه ليس المراد بها: انحر الأضحية، كما هو مقرر في كتب التفسير.
الثاني: على تقدير القول بأن الصلاة: يوم العيد، والنحر: الأضحية، فلفظ الأمر ينصرف من الوجوب إلى الندب بالقرينة ومن القرينة ذكر الأضحية مع الصلاة، ولم يقل بوجوب صلاة العيد على النبي ﷺ ولا على غيره، على المذهب الصحيح. بل ذلك مسنون له ولأمته، فكذلك الأضحية.
قلت: يؤخذ من حديث ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- أن الواجب عليه ﷺ في صلاة الضحى أقلها لا أكثرها.
قال في «العزر» : قيامه في الوتر كذلك.
الثامنة:
وقيل وبصلاة أربع عند الزوال.
رواه البيهقي عن سعيد بن المسيب وسنده ضعيف.
التاسعة:
قيل وبوجوب الوضوء عليه كلما أحدث، فلا يكلم أحدا، ولا يرد سلاما حتى يتوضأ، تم نسخ.
стр. 4699
العاشرة:
وبوجوب المشاورة على الأصح، وقيدها الإمام- رضي الله تعالى عنه- بمشاورة ذوي الأحلام، وهم ذوو العقول.
وقال صاحب التعليقة: خص ﷺ بوجوب المشاورة في الأمر مع أهله وأصحابه.
قال الله- : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران/ ١٥٩] . والأظهر أن الأمر هنا للوجوب.
روى ابن عدي والبيهقي في الشعب عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: لما نزلت وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، قال رسول الله ﷺ : «أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي» ،
وتقدمت في ذلك أحاديث في باب مشاورته ﷺ من أبواب صفاته المعنوية.
قال الماوردي: اختلف العلماء فيما يشاور فيه، فقال قوم: في الحروب ومكابدة العدو خاصة.
وقال آخرون: في أمور الدنيا والدين، وقال آخرون: في أمور الدين تنبيه ا لهم على علل الأحكام وطريق الاجتهاد.
قلت: ويؤيد الأول ما رواه الطبراني بسند جيد عن ابن عمر قال: كتب أبو بكر الصديق إلى عمر أن رسول الله ﷺ كان يشاور في الحرب، فعليك به.
تنبيه:
وجوب المشاورة عليه هو الأصح عند الشيخين، لكن نص الشافعي على عدم وجوبها، حكاه البيهقي في المعرفة عند استئذان البكر.
الحادية عشرة:
قيل: وبالاستعاذة عند القراءة.
الثانية عشرة:
وبوجوب مصابرة العدو، وإن كثر عددهم، والأمة إنما يلزمهم إذا لم يروا عدد الكفار على الضعف، قال القاضي جلال الدين البلقيني: ولم يذكر أئمتنا لهذه المسألة دليلا، ولا يقال: قد صح عنه ﷺ مصابرة العدو في غير موضع، وصابر يوم أحد بعد أن أفرد في اثني عشر رجلا كما في الصحيح، وصابر يوم حنين بعد أن أفرد في عشرة كما قاله العباس عمه في شعره، وتقدم إليهم وقال: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب.
لأن هذه الوقائع لا تدل على الوجوب وإنما تدل على شجاعته ﷺ .
وقال الماوردي: قد يقال من الدليل على ذلك: إن فرار الإنسان وتوليه عند الزحف من خوف القتل. وذلك غير جائز على الأنبياء من جهة أنهم معصومون وبأنهم في أعلى مكان، فيعلمون أنه لا يتعجل شيء عن وقته، ولا يتأخر شيء عن وقته بخلاف غيرهم من المكلفين،
стр. 4700
فليس لهم مثل هذا الإيمان، ولا مثل هذا اليقين.
قال القاضي جلال الدين البلقيني: وهذا الذي قاله حسن متجه، وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه: إنما كان من خصائصه ﷺ لشيئين:
أحدهما: أن الله تعالى ضمن له النصرة والظفر، وقال له: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر ٩٤] .
والثاني: أنه لو لم يكن ينكره، لكان يوهم أن ذلك جائز، وأن أمره بتركه منسوخ.
وقال غيره: الدليل على ذلك أن الله تعالى وعده بالعصمة، فقال تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة/ ٦٧] ، فلم يكونوا يصلوا إليه بسوء، ولو وصلوا إليه قلوا أو كثروا [لم يمسوه بشيء] قال: وجه الدلالة على ذلك
قوله ﷺ : «لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يقاتل عدوه» وفي رواية: «حتى يتأخر عدوه» .
فإذا كان لبس اللأمة التي هي مظنّة الوقاية موجبة له ﷺ على ملاقاة العدو ومقاتلته ومناجزته، فكيف عند مشاهدة العدو، وانتظام الشمل به ﷺ ، فإنه لو ولى لم ينتظم لهم شمل، فإذا ثبت انتظم شملهم بوجوده ﷺ كما أنشق يوم حنين، فإن غالب الصحابة ولوا مدبرين عن ملاقاة العدو، وثبت رسول الله ﷺ في عشرة من أصحابه فتقدم في وجه العدو، حتى نصره الله تعالى، وتراجع إليه أصحابه قال: ثم رأيت الأوزاعي نقل عن البغوي الإشارة إلى ما قلناه.
تنبيه:
قال الجلال البلقيني والخضيري: أطلق الأصحاب مصابرة العدو في حقه ﷺ ولم يبينوا هل ذلك مع الجيش أو وحده؟ بحيث لو رأى الجيش ولى ولم يكن معه أحد من الصحابة هل يجب عليه الثبات لهم؟ زاد الخضيري: لكن عموم كلامهم يقتضيه، وهو ظاهر ما تقدم عن الماوردي.
الثالثة عشرة:
وبأنه ﷺ إذا بارز رجلا في الحرب لم ينفك عنه قبل قتله لما تقدم.
الرابعة عشرة:
وبوجوب الإنكار [المنكر] .
الخامسة عشرة:
وتغيير منكر رآه.
السادسة عشرة:
وأنه لا يسقط للخوف.
السابعة عشرة:
ولا إذا كان المرتكب يزيد فيما هو فيه عنادا.
الثامنة عشرة:
وبوجوب إظهار الإنكار كما في «الذخائر» .
قال القاضي أبو الطيب: وإنما كان ذلك من الخصائص لشيئين.
أحدهما: أن الله تعالى ضمن له النصرة والظفر، وقال له: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر/ ٩٤] .
стр. 4701
والثاني: أنه لو لم ينكر، لكان يوهم أن ذلك جائز، وأن أمره بتركه منسوخ، بخلاف الأمة يسقط عنهم للخوف، وإذا كان المرتكب يزداد إغراء لم يجب كما قاله الإمام الغزالي في الإحياء.
التاسعة عشرة:
وبوجوب الوفاء بوعده كضمان غيره، كما ذكره ابن الجوزي والإسماعيليّ من أئمتنا والمهلب بن أبي صفرة فإن قيل: إذا كان وفاؤه بالوعد واجبا، صار بمنزلة ما لو خلف الميت وفاء، فكيف كان يمتنع من الصلاة على المدين؟ فالجواب: أن من حديث جابر وغيره ما يبين أن الامتناع كان في أول الإسلام، وفي المال قلة، فلما فتح الله الفتوح
قال ﷺ : «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم» .
العشرون:
وبوجوب قضاء دين من مات من المسلمين معسرا على الصحيح.
روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل الذي عليه دين فيسأل: «هل ترك لدينه قضاء؟» فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال:
«صلوا على صاحبكم» .
فلما فتح الله عليه الفتوح قام فقال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين ولم يترك وفاء فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته» .
تنبيه:
ظاهر كلام الرافعي والنووي وجوب الوفاء عليه ﷺ سواء كان قادرا على الوفاء أو لم يكن قادرا، ويشمل ذلك قبل زمن الفتوح وضيق الحال، وليس الأمر كذلك، وإنما وجب عليه الوفاء عند قدرته عليه بسبب الفتوحات واتساع المال، كما صرح به الإمام، فتكون الخصوصية بالنسبة إلى أواخر الحال.
فائدة: هل كان ﷺ يقضيه من ماله أو من مال المصالح الذي كان خاصا به؟ رجح النووي في شرح مسلم الثاني.
الحادية والعشرون:
قيل وبوجوب قول: لبيك، إن العيش عيش الآخرة إذا رأى ما يعجبه.
واستدل له
بما رواه الشافعي عن مجاهد قال: كان النبي ﷺ يظهر من التلبية، حتى إذا كان ذات يوم رأى الناس ينصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه، فزاد فيها: لبيك، إن العيش عيش الآخرة.
وروى الحاكم عن عكرمة عن ابن عباس نحوه.
ولما رواه البخاري في قصة الخندق قوله ﷺ : «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة» .
وليس
стр. 4702
في هذا الذي ذكر ما يدل على الوجوب، فإن القائل بالوجوب يحتاج إلى التزام صدور ذلك من النبي ﷺ في كل حالة رأى فيها ما يعجبه، ولم ينقل ذلك، وقد تحقق له ﷺ أحوال رأى فيها ما يعجبه ويسره مثل يوم بدر، ويوم فتح مكة وغيرهما. ولم ينقل ذلك، ولو كان واجبا عليه لقاله.
فإن قيل: يحتمل أنه قاله، ولم ينقل، أو قاله سرا.
فالجواب: أن غالب أحواله وأفعاله ﷺ متضمنة للسرور، ولا يخفى مثل ذلك على أصحابه وملازميه.
تنبيه:
المراد بالإعجاب المذكور آنفا، الإعجاب الأخروي، يعني أنه أعجبه ما هو فيه كثرة الداخلين في دين الله تعالى أفواجا، وظهور دين الإسلام على الدين كله، وانتصار دين الله تعالى.
الثانية والعشرون:
وبوجوب أن يؤدي فرض الصلاة كاملة لا خلل فيها.
ذكره النووي والماوردي والعراقي شارح المهذب، وفي كلام الإمام ما يرشد إليه، ولم يتعرض له الشيخان. ووجهه ظاهر، فإن الخلل الحاصل في الصلاة من تلاعب الشيطان، وهو معصوم منه ﷺ بخلاف غيره، وينبغي أن يتحقق بذلك سائر عبادته ﷺ .
الثالثة والعشرون:
وبوجوب إتمام كل تطوع شرع فيه. وضعفه البلقيني،
فقد روى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «قال رسول الله ﷺ ذات يوم: يا عائشة، هل عندكم شيء؟ قالت: ما عندنا شيء قال: فإني صائم فخرج رسول الله ﷺ فأهديت لنا هدية، أو جاء لنا زود قالت: فلما رجع رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أهديت لنا هدية أو جاءنا زود وقد خبأت لك شيئا قال: ما هو؟ قلت: حيس، قال: هاتيه، فجئت به فأكل ثم قال: قد كنت أصبحت صائما» .
فهذا الحديث صريح الدلالة على عدم وجوب ذلك عليه، ولزومه كما في حقنا.
الرابعة والعشرون:
وبوجوب الدفع بالتي هي أحسن، لأنه مأمور بذلك، ذكره ابن القاص، وأقره ابن الملقن، ولم يتعرض لهذا الشيخان. قال الله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت/ ٣٤] والأمر في الآية للوجوب، ويحتمل الندب فإن قلنا بالوجوب، فهو بالنسبة إلى هذه الأمة بحكم باق مستمر، وأما بالنسبة إلى الكفار من موادعتهم وترك التعرض لهم فمنسوخ بآية القتال، كما ذكره غير واحد من أئمة التفسير.
الخامسة والعشرون:
وبتكليف ما كلفه الناس بأجمعهم من العلم ذكره ابن القاص، ونقله عنه البيهقي وابن الملقن، وعبارة أبو سعيد في «الشرف» ، وكلف من العمل بما كلف الناس به أجمعون وبين الأمرين فرق.
стр. 4703
السادسة والعشرون:
وبوجوب الاستغفار له والتوبة في اليوم مائة مرة إذا غان على قلبه.
ذكره ابن القاص، ولم يذكره الشيخان، وقد جزم به البيهقي وأبو سعيد في الشرف ويستغفر كل يوم سبعين مرة. وعبارة رزين: «وبما وجب عليه أن يستغفر في كل يوم سبعين مرة» .
روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» .
وللترمذي عنه بلفظ: «إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» .
وروى مسلم عن الأعز المرني- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «إنه يغان على قلبي، وإني لأستغفر الله مائة مرة» .
وقد تقدم الكلام على ذلك في باب استغفاره وتوبته ﷺ ، من صفاته المعنوية. والله أعلم.
تنبيه:
خوف المقربين خوف إجلال وأعظام.
قال الشيخ شهاب الدين السهروردي: لا يعتقد أن الغني حالة يفقر حاله نقص، بل هو كمال أو تتمة كمال، ثم مثل ذلك يحقن العين أي يسيل لدفع القذى عن العين مثلا، فإنه يمنع العين من الرؤية.
فهذا من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة كمال هذا محصل كمال كلامه بعبارة طويلة.
قال: فهكذا بصيرة النبي ﷺ متعرضة للأغبرة من أنفاس الأغيار.
فدعت الحاجة إلى الستر على صدقة بصيرته صيانة لها، ووقاية عن ذلك.
السابعة والعشرون:
وبوجوب كونه مطالبا برؤية مشاهدة الحق مع معاشرة الناس بالنفس والكلام.
ذكرها ابن القاص والبيهقي وابن سعد، ولم يذكرها الشيخان قال الخضري: ولا أعلم دليلا صريحا على وجوب ذلك. انتهى.
الثامنة والعشرون:
وبوجوب الأحكام الشرعية حين كان يؤخذ عن الدنيا عند تلقي الوحي، فلا تسقط عنه صلاة ولا غيرها. ذكرها ابن القاص وتبعه البيهقي والنووي. وحديث عائشة وصفوان بن يعلى عن أبيه وابن سعيد- رضي الله تعالى عنهم- في شأن الوحي في الصحيحين صريح في أنه ﷺ كان ينتقل من حاله المعروف إلى حالة تستلزم الاستغراق والغيبة عن الحالة الدنيوية حتى ينتهي الوحي، ويفارقه الملك.
стр. 4704
وقال شيخ الإسلام البلقيني: وهي حالة يؤخذ فيها عن حال الدنيا من غير موت، فهو مقام برزخي يحصل له عند تلقي الوحي، فلما كان البرزخ العام، ينكشف فيه للميت كثير من الأحوال، خص الله تعالى نبيه ﷺ ببرزخ في الحياة، يلقي الله تعالى فيه وحيه المشتمل على كثير من الأسرار. وقد يقع لكثير من الصلحاء عند الغيبة بالنوم، أو غيره اطلاع على كثير من الأسرار، وذلك مستمد من المقام النبوي، ويشهد لذلك «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» .
التاسعة والعشرون:
وبوجوب الركعتين عليه بعد العصر قاله رزين.
الثلاثون:
وبأن جميع نوافله ﷺ كانت فرضا، لأن النفل إنما هو للجبر، ولا نقص في صلاته حتى يجبر. قاله رزين.
قلت: وهذا الذي قاله رزين ليس بشيء، ولا يلزم من عدم وقوع نقص في صلواته الخمس أن يكون ما عداها من الصلوات فرضا، بل ذلك نافلة ليس إلا.
ويدل لذلك ما رواه الإمام أحمد وابن جرير والطبراني عن أبي أمامة ﵁ في قوله- ﵎: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [الإسراء/ ٧٩] ، قال: كانت للنبي ﷺ نافلة، ولكم فضيلة.
وفي لفظ: إنما كانت النافلة لرسول الله ﷺ خاصة.
وروى الطيالسي والطبراني بسند جيد عنه أنه قال: «إذا توضأ الرجل المسلم فأحسن الوضوء، فإن قعد قعد مغفورا له، وإن قام يصلي كانت له فضيلة، قيل: له نافلة؟ فقال: إنما النافلة للنبي ﷺ كيف يكون نافلة وهو يسعى في الخطايا والذنوب؟ ولكن فضيلة» .
وروى ابن جرير وابن المنذر في تفسيريهما، والبيهقي في «الدلائل» عن مجاهد ﵁ في الآية قال: لم تكن النافلة لأحد إلا للنبي ﷺ خاصة، من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل مع المكتوب، فهو له نافلة سوى المكتوب، من أجل أنه لا يعمل ذلك من كفارة الذنوب فهي نوافل له وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوب في كفارة ذنوبهم، فليس للناس نوافل، إنما هي للنبي ﷺ خاصة.
وروى ابن أبي حاتم عن قتادة نحوه.
وروى ابن المنذر وغيره عن الحسن قال: ليس لأحد نافلة إلى للنبي ﷺ خاصة.
ولأن فرائضه كانت للزيادة وأما غيره، فلا يخلو عن نقص، فنوافله تكمل فرائضه.
стр. 4705
وروى أيضا عن الضحاك نحوه فتبين بهذه الآثار أن صلوات النبي ﷺ ليست كلها فرضا بل فيها الفرص والنفل.
الحادية والثلاثون:
وبصلاة خمسين صلاة كل يوم وليلة على وفق ما كان ليلة الإسراء، وأورد الأحاديث في صلاته عن الخمس فبلغت مائة ركعة.
قلت: كذا أورد هذه من قسم الواجبات رزين يقول: إن الذي خفف ليلة الإسراء إنما كان عن الأمة فقط، فيرد
ما رواه البخاري في صحيحه من طريق شريك عن أنس ﵁ من حديث المعراج وفيه: ثمّ هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ قال: «خمسين صلاة كل يوم» ، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع إلى ربك فليخفف عنك ربك وعنهم وفيه فقال: «يا رب، خفف» فوضع عنه عشرا ... إلى آخره.
وروى النسائي وابن أبي حاتم من طريق يزيد بن أبي مالك عن أنس ﵁ فذكر حديث المعراج وفيه: «ثم مررت على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت:
خمسين صلاة، قال: إنك لن تستطيع أن تقوم أنت ولا أمتك، فاسأل ربك التخفيف، فرجعت فأتيت سدرة المنتهى، فخررت ساجدا فقلت: يا رب، فرضت علي وعلى أمتي خمسين صلاة، فلن أستطيع أن أقوم بها أنا ولا أمتي قال: قد وضعت عنكم عشرا» إلى آخره.
روى ابن مردويه من طريق كثير بن حبيش عن أنس نحوه. فذكر الحديث وفيه «فرجعت حتى أمر على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك فاسأله، أن يخفف عنك وعن أمتك، فرجعت فوضع عني عشرا» .
فتبين بما ذكر أن التخفيف وقع عن النبي ﷺ وعن أمته.
قال الحافظ: في الكلام على قوله ﵎ ليلة الإسراء هن خمس وهن خمسون، استدل به على عدم وجوب ما زاد على الخمس كالوتر، وعلى دخول النسخ في الإنشاءات ولو كانت مؤكدة خلافا لقوم فيما أكدوا على جواز النسخ، قبل الفعل.
قال ابن بطال وغيره: ألا ترى أنه نسخ الخمسين بالخمس قبل أن تصلى، ثم تفضل عليهم بأن أكمل لهم الثواب.
وتعقبه ابن المنير فقال: هذا ذكره طوائف من الأصوليين، والشراح وهو مشكل على من أثبت النسخ قبل الفعل كالأشاعرة وإن منعه المعتزلة، لكونهم اتفقوا جميعا على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ، فهو مشكل عليهم جميعا.
قال هذه نكتة مبتكرة قلت: إن أراد قبل البلاغ لكل أحد فممنوع، وإن أراد إلى الأمة فمسلم، لكن قد يقال: ليس هذا بالنسبة إليهم نسخا، لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبي ﷺ لأنه كلف
стр. 4706
بذلك قطعا ثم نسخ بعد أن بلغه، وقبل أن يفعل، فالمسألة صحيحة التصوير في حقه ﷺ انتهى كلام الحافظ، فانظر إلى قوله: إنه كلف بذلك قطعا، ثم نسخ بعد أن بلغه.
الثانية والثلاثون:
وبوجوب إيقاظ نائم مر عليه وقت الصلاة، وهو امتثال، قال تعالى:
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ [النحل/ ١٢٥] .
قلت: الخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح، ولا دلالة فيما ذكر.
الثالثة والثلاثون: وبوجوب العقيقة.
الرابعة والثلاثون:
وبوجوب الإثابة على الهدية.
الخامسة والثلاثون:
وبوجوب الإغلاظ على الكفار قال الله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التحريم/ ٩] .
السادسة والثلاثون:
وبوجوب تحريض المؤمنين على القتال.
السابعة والثلاثون:
وبوجوب التوكل على الله.
قال الله : وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [الأحزاب/ ٣] .
الثامنة والثلاثون:
وبوجوب الصبر على ما يكره.
التاسعة والثلاثون:
وبوجوب صبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي.
الأربعون:
وبوجوب الرفق وترك الغلظة.
الحادية والأربعون:
وبوجوب إبلاغ كل ما أنزل إليه. قال الله- ﵎: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ، بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة/ ٦٧] .
قلت: وفي هذه الخصائص نظر، إذ الأنبياء كلهم كذلك.
الثانية والأربعون:
وبوجوب خطاب الناس بما يعقلون.
الثالثة والأربعون:
وبوجوب الدعاء لمن أدى صدقة ماله.
الرابعة والأربعون:
وبوجوب كل ما يتقرب به.
الخامسة والأربعون:
وبوجوب الاستثناء إذا وعد أو علق أمرا على غد. قال الله تعالى:
لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الكهف/ ٢٣، ٢٤] .
السادسة والأربعون:
وبوجوب مبرة عيال من مات موسرا.
السابعة والأربعون:
وبوجوب أداء الجنايات عمن لزمته. وهو معسر.
الثامنة والأربعون:
وكذا الكفارات ذكر السبعة عشر رزين ونقله الشيخ عنه في الصغرى، ولم يتعرض لذلك في الكبرى.
стр. 4707
التاسعة والأربعون:
وبأن الصلاة على الجنازة، في حقه ﷺ فرض عين كما يؤخذ من قول بعض الحنفية أن في عهده لا يسقط فرض الجنازة إلّا بصلاته.
الخمسون:
وبوجوب حفظ أقوال المسلمين. قاله أبو سعيد النيسابوري في «الشرف» .
النوع الثاني من الواجبات فيما يتعلق بالنكاح وفيه مسألة واحدة
خص ﷺ بتخيير بعض نسائه في فراقه واختياره على الصحيح، قال الله- : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ، قُلْ لِأَزْواجِكَ: إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [الأحزاب/ ٢٨] الآية، والأمر في ذلك للوجوب، ولا يجب ذلك على غيره. وسبب نزول هذه الآية قد اختلف فيه، فقيل: إن أزواجه سألنه النفقة وطلبن منه ما لا يقدر عليه ﷺ ، كما
في حديث مسلم من حديث جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: دخل أبو بكر وعمر- رضي الله تعالى عنهما- على النبي ﷺ وحوله نساؤه يسألنه وهو ساكت فقال عمر- رضي الله تعالى عنه-: لأكلمن النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله ﷺ وقال:
هن حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة ليضربها كلاهما يقولان: تسألان رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟ وأنزل الله الخيار فبدأ بعائشة فقال: إني ذاكر لك أمرا، فأحب أن لا تعجلي منه حتى تستأمري أبويك، قالت: ما هو؟ فتلا عليها: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ، قُلْ لِأَزْواجِكَ: إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها [الأحزاب/ ٢٨] الآية، قالت عائشة: أفيك استأمر أبوي بل أختار الله ورسوله.
ولا مخالفة بين هذا الحديث وما
في صحيح البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أنه سأل عمر بن الخطاب عن قصة المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ فذكر اعتزال رسول الله ﷺ نساءه، وكان قال: ما أنا بداخل عليهن شهرا من شدة مؤاخذته عليهن حين عاتبه الله، فلما مضت تسع وعشرون ليلة، دخل على عائشة فبدأ بها فقالت له عائشة: يا رسول الله، إنك كنت قد أقسمت أن لا تدخل علي شهرا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين، أعدها عدا فقال رسول الله ﷺ :
«الشهر تسع وعشرون، وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين، قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: ثم نزلت بعد آية التخيير» .
الحديث. لأنه يمكن الجمع، كما قال الحافظ: بأن تكون القصتان جميعا سبب الاعتزال، والاعتزال سبب التّخيير.
فإن قصة المتظاهرتين خاصة بهما، وقصة سؤال النفقة عامة في جميع النسوة، وهو مفهوم من سياق الحديث.
стр. 4708
القول الثاني: إن التخيير كان لسبب قصة العسل الذي شربه رسول الله ﷺ في بيت زينب بنت جحش ومواطأة عائشة وحفصة أن يقولا لرسول الله ﷺ إنا نجد منك ريح مغافير فحرمه رسول الله ﷺ على نفسه، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ، لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ [التحريم/ ١] إلى قوله: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ [التحريم/ ٤] هو مخرج في الصحيحين عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- والمغافير بالعين المعجمة والفاء حلو المذاق.
فروع:
الفرع الأول: قال أئمتنا: لما خير رسول الله ﷺ نساءه اخترنه غير العامرية، فروى ابن سعد عن ابن أبي عون عن عمران بن مناح قالا: لما خير رسول الله ﷺ نساءه، بدأ بعائشة فاخترنه جميعا غير العامرية اختارت قومها فكانت بعد تقول: إنني الشقية، وسيأتي بيان ذلك في باب ذكر أزواجه ﷺ فلما اخترنه حرم الله التزوج عليهن مكافأة لهن على حسن صنيعهن، ونزل قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ [الأحزاب/ ٥٢] الآية. ثم نسخ حكم ذلك بقوله: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ [الأحزاب/ ٥٠] ، فتكون المنة له ﷺ بترك التزوج عليهن.
وقد قالت عائشة: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله تعالى له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم لقوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ [الأحزاب [٥١] . الآية.
رواه الإمامان الشافعي وأحمد وابن سعد، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي وقال: كأنها معنى اللاتي خطرن عليه في قوله: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ [الأحزاب/ ٥٢] الآية.
وروى ابن سعد مثله عن أم سلمة وابن عباس وعطاء بن يسار ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ﵁ .
وإذا قلنا إنه أحل له التزوج فهل هو عام من جميع النّساء، أو هو خاص ببنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات المهاجرات معه لظاهر الآية وجهان أظهرهما.
الأول: لأن الإباحة رفعت ما تقدم من الحظر، فاستباح ما كان يستبيحه قبلها، ولأنه في استباحة النساء أوسع من أمته، فلم يجز أن ينقص عنهم.
الفرع الثاني: لم يحرم على النبي ﷺ طلاق زوجاته بعد اختيارهن في الأظهر.
الفرع الثالث: لو قدر أن واحدة من زوجاته ﷺ اختارت الحياة الدنيا، لم يحصل الاختيار بنفس الاختيار على الأصح.
стр. 4709
الباب السادس فيما اختص به- ﷺ عن أمته من المحرمات وفيه نوعان:
الأول: في غير النكاح .
وفيه مسائل:
الأولى:
خص ﷺ بتحريم الزكاة عليه، ويشاركه في حرمتها ذوو القربى ومواليهم، وكذا زوجاته، لكن التحريم عليهم بسببه أيضاً، فالخاصية عائدة إليه، وكذا صدقة التطوع عليه في الأظهر.
روى مسلم عن المطلب بن ربيعة أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» .
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي رافع، والطبراني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ استعمل الأرقم الزهري على السعاية، فاستتبع أبا رافع مولى رسول الله ﷺ فأتى النبي ﷺ فقال: «يا أبا رافع، إن الصدقة حرام على محمد وعلى آل محمّد، وإن مولى القوم من أنفسهم» .
وروى الإمام الشافعي والبيهقي عن جعفر بن محمد أن أباه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة فقيل: أتشرب من الصدقة؟ فقال: إنما حرم علينا الصدقة المفروضة،
قال العلماء: لما كانت الصدقة أوساخ الناس، نزه منصبه الشريف عن ذلك، وأنجر إلى آله بسببه، وأيضاً فالصدقة تعطى على سبيل الترحم المبنيّ عن ذل الآخذ، فأبدلوا عنها الغنيمة المأخوذة بطريق الغزو الشريف المبني على عز الآخذ وذل المأخوذ منه.
وجزم الحسن البصري بأن الأنبياء كلهم كذلك، وخالف سفيان بن عيينة.
الثانية:
وبتحريم الكفارة.
الثالثة:
والمنذورات، وكذا على آله فيهما.
الرابعة:
والوقف معينا. قاله الجلال البلقيني.
قال في الجواهر ما يؤيده، فإنه قال: صدقة التطوع كانت حراما عليه على الصحيح.
وعن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن صدقات الأعيان كانت حراما عليه دون العامة كالمساجد ومياه الآبار.
стр. 4710
الخامسة:
وبتحريم كون آله ﷺ عمالا على الزكاة في الأصح.
روى ابن سعد والحاكم عن علي قال: قلت للعباس: سل النبي ﷺ أن يستعملك على الصدقة، فسأله فقال: «ما كنت لأستعملك على غسالة الأيدي» .
وروى ابن سعد عن عبد الملك بن المغيرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «يا بني عبد المطلب، إن الصدقة أوساخ الناس، فلا تأكلوها ولا تعملوها» .
السادسة:
وبتحريم أكل ثمن أحد من ولد إسماعيل.
روى الإمام أحمد عن عمران بن حصين الضبي- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا حدثه قال: كان شيخان للحي قد انطلق ابن لهما فلحق بالنبي ﷺ فقالا: ائته فاطلبه منه، فإن أبى إلا الفداء فافتده، فأتيته فطلبته منه فقال: «هوذا، فأت به أباه» ، فقلت: الفداء يا نبي الله، فقال:
«إنه لا يصلح، لنا آل محمد أن نأكل ثمن أحد من ولد إسماعيل»
وهذا الحكم المذكور في هذا الحديث لم يتعرض له أحد من الفقهاء.
السابعة:
قيل وبتحريم أكل ما له رائحة كريهة والأصح الكراهة والامتناع لتأذي الملك به،
وفي صحيح مسلم عن أبي أيوب- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام أكل منه وبعث بفضلة إلي، وإنه بعث إلي يوما بفضلة لم يأكل منها، لأن فيها ثوما، فسألته أحرام هو؟ قال: لا، ولكني أناجي من لا تناجي، أكرهه من أجل ريحه، قال: فإني أكره ما كرهت.
وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان بلفظ إني أستحي من ملائكة الله، وليس بمحرم.
فهذا صريح في نفي التحريم عليه ﷺ فائدة:
روى الإمام أحمد وأبو داود بسند جيد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنها سئلت عن أكل البصل، فقالت: آخر طعام أكله رسول الله ﷺ فيه بصل.
زاد البيهقي أنه كان مشويا في قدر، أي مطبوخا.
الثامنة:
قيل: وبتحريم الأكل متكئا، والأصح الكراهة.
روى النسائي بسند حسن عن ابن عباس ﵁ أن الله- أرسل إلى نبيه ﷺ ملكا من الملائكة ومعه جبريل فقال الملك: إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا وبين أن تكون نبيا ملكا، فالتفت النبي ﷺ لجبريل كالمستشير، فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول الله: لا، بل أكون عبدا نبيا، فما أكل بعد تلك الليلة طعاما قط متكئا.
والأحاديث في امتناعه من الأكل متكئا في الصحيح وليس فيها دليل على تحريم ذلك
стр. 4711
واجتنابه ﷺ الشيء واختياره غيره لا يدل على كونه محرما عليه.
وقد قال ابن شاهين في ناسخه: لم يكن محرما عليه، وإنما هو أدب من الآداب.
تنبيه:
قال الإمام الخطابي- رضي الله تعالى عنه- يحسب العامة أن المتكئ هو الآكل، على أحد شقيه، وليس كذلك، بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته.
قال ومعنى الحديث لا أقعد متكئا على الوطاء عند الأكل فعل من يستكثر من أكل الطعام، فإني لا آكل إلا البلغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفزا.
وذكر القاضي نحوه، ثم قال: ليس هو الميل على الشق عند المحققين بل معناه:
التمكن للأكل والتقعد في الجلوس كالمتربع وشبهه، وإنما كان جلوس النبي ﷺ جلوس المستوفز.
التاسعة:
الصواب أنه ﷺ كان لا يحسن الخط.
العاشرة:
وبتحريم التوصل إليه. قال الله : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت/ ٤٨] .
قال أئمة التفسير: الضمير في قوله: من قبله عائد إلى الكتاب وهو القرآن المنزل عليه ﷺ أي: وما كنت يا محمد تقرأ من قبله، ولا تختلف إلى أهل الكتاب، بل أنزلناه إليك في غاية الإعجاز والتضمن للغيوب وغير ذلك، فلو كنت ممن يقرأ كتابا، ويخط خطوطا لارتاب المبطلون من أهل الكتاب، وكان لهم في ارتيابهم متعلق، وقالوا: الذي تجده في كتبنا لا يكتب ولا يقرأ وليس به.
فقد روى أين أبي حاتم عن مجاهد- رضي الله تعالى عنه- قال: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم إن محمدا ﷺ لا يخط ولا يقرأ.
وروى الشيخان عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّا أمة أمّية لا نكتب ولا نحسب» .
فهذا الحديث صريح في أنه كان لا يحسنهما وأخرج من ذلك ما
في الصحيح في باب عمرة القضاء، من حديث البراء- رضي الله تعالى عنه- قصة الحديبية قال فيه: أنه ﷺ لما أمر عليا أن يكتب كتاب الصلح بينه وبين قريش قال اكتب هذا ما صلح عليه محمد رسول الله ﷺ فقال سهيل بن عمرو- رضي الله تعالى عنه- وذلك قبل أن يسلم:
لو علمنا أنك رسول الله، ما صددناك، اكتب اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله ﷺ امح رسول الله فقال: والله، لا أمحوك أبدا، فأخذ رسول الله ﷺ وليس يحسن أن يكتب فكتب:
«هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله»
وقد تمسك بهذه الرواية من قال: إنه كان يحسن
стр. 4712
الكتابة كالإمام الباجي وأبي ذر الصروي وأبو الفتح النيسابوري وأبي جعفر السمناني الأصولي.
وقالوا: عدم معرفته كان بسبب المعجزة ولما أمن الارتياب في ذلك عرف حينئذ الكتابة من غير تقدم تعليم فكانت معجزة أخرى، ورجع عن ذلك أبو ذر كما في المعجزات سيأتي.
فكانت معجزته عن ذلك أمور كما الجواب أن قصة الحديبية واحدة، وقد وردت بألفاظ مختلفة وإن الكاتب فيها هو علي لما وقع التصريح به في حديث المسور
وفي رواية في حديث البراء ذكره البخاري في الجزية قال: قال: رسول الله ﷺ لعلي: «امح رسول الله فقال علي: والله لا أمحاه أبدا قال فأرنيه، قال: فأراه إياه فمحاه النبي ﷺ بيده.
وذكر مسلم نحوه. فيحتمل أن النكتة في قوله «فأخذ الكتاب وليس يحسن أن يكتب لبيان قوله أرني إياها، إنه ما احتاج أن يريه موضع الكلمة والتي امتنع علي من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك، «فكتب» فيه حذف تقديره فمحاها، فأعادها لعلي فكتب، وبهذا جزم ابن التين قلت: هذا ويحمل قوله «فكتب» على أنه أمر بالكتابة ...
ويؤيده الرواية الأخرى للبخاري من حديث أنس- رضي الله تعالى عنه- بلفظ: لما صالح النبي ﷺ أهل الحديبية كتب علي بينهم كتابا فكتب: محمد رسول الله، فتحمل الرواية الأولى على أن قوله: فكتب أي فأمر بالكتابة وهو كثير لحديث ابن عباس: كتب رسول الله ﷺ إلى قيصر، وحديث كتب إلى النجاشي.
وحديث عبد الله بن حكيم: كتب إلينا رسول الله ﷺ وحديث كتب إلى كسرى.
ويدل عليه أيضاً
رواية المسور في الصحيح أيضاً في هذه القصة ففيها: «والله، أني رسول الله، وإن كذبوني فاكتب: محمد بن عبد الله» .
وحكى مغلطاي في الزهر الباسم، أن الحافظ أبا ذر الهروي رأى في المنام أنه دخل مسجد المدينة فرأى قبر رسول الله ﷺ ينشق ويميد ولا يستقر، فاندهش لذلك، وقال في نفسه: لعل هذا بسبب اعتقادي، ثم عقدت التوبة مع نفسي فسكن واستقر، فلما استيقظ قص الرؤيا على ابن معور فعبرها له كذلك الحافظ ابن معور، من غير أن ينسبه إلى نفسه فقال ابن معور: بغير صنعته أو ينحله ما ليس له بأهل ولعله مفترى عليه.
فقال: من أين قلت هذا؟ قال: من قول الله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً، وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً [مريم/ ٩٠- ٩١- ٩٢] فقال: لله درك وأقبل يقبل عينيه مرة ويبكي ويضحك مرة
стр. 4713
أخرى ثم قال أنا صاحب هذه الروايات فاسمع ما يشهد لك صحة تأويلها، إني رأيتني في ذلك الفزع العظيم كنت أقول: والله ما هذا إلا أني أقول واعتقد أن سيدنا رسول الله ﷺ يكتب فكنت أملي فأقول إني تائب، يا رسول الله، وأكرر ذلك مرارا، فأرى القبر الشريف قد عاد إلى هيئته أولا وسكن، ثم استيقظت وأشهدت على نفسي بأن النبي ﷺ لا يكتب قط وعليه ألقى الله- ونقله الحافظ في تخريج أحاديث الرافعي لكن قال ابن محمد الهروي بدل أبي ذر الهروي فالله تعالى أعلم.
تنبيه:
ما رواه عمر بن شبة وابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- ما مات رسول الله ﷺ حتى قرأ وكتب، وهاه البيهقي وقال: إنه منقطع وقال، الطبراني هذا منكر وأظن أن معناه أن النبي ﷺ لم يمت حتى قرأ عبد الله بن عتبة وكتب يعني أنه كان يعقل في زمانه.
وكل حديث في هذا الباب فغير صحيح.
الحادية عشرة:
الصواب أنه ﷺ كان لا يحسن الشعر ويحرم عليه التوصل إلى تعلمه وروايته قال الله : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس/ ٦٩] أخبر عن نبيه بأنه لم يؤته معرفة الشعر، وأنه لا ينبغي له أن يصلح له، قال الخليل بن أحمد:
كان الشعر أحب إلى رسول الله ﷺ من كثير من الكلام ولكن لا يتأتى له.
روى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري- رضي الله تعالى عنه- أنه ﷺ كان يتمثل بهذا البيت:
............... ...... ... كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا
قال أبو بكر- ﵁
............... .... ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فأعادها بالأول فقال: أشهد أنك رسول الله، بقول الله تعالى وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس/ ٦٩] .
وروى ابن سعد أنه ﷺ قال للعباس بن مرداس: أرأيت قولك
أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين الأقرع وعيينة
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
فقال أبو بكر: إنما هو بين عيينة والأقرع، فقال: هم سواء.
وروى أبو داود عن ابن عمرو قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أبالي ما أتيت إن
стр. 4714
أنا شربت ترياقا قال: أو تعلقت تميمة أو قلت الشعر من قبل تعس»
أي من جهة تعسي، فخرج به ما قاله حاكيا وعن غيره لا عن نفسه، كما في الصحيح صدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد.
ألا كل شيء ما خلا الله باطل............... ...
وسيأتي الكلام على حديث ابن عمرو- رضي الله تعالى عنه- في المسألة الآتية.
قال الإمام إبراهيم الحربي، ولم يبلغني أنه ﷺ أنشد بيتا تاما رويته بل إما الصدر كقول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل............... ........
أو العجز كقول طرفة:
............... ....... ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فإن أنشد بيتا كاملا غيره كبيت العباس بن مرداس.
وروى البيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما جمع رسول الله ﷺ بيت شعر قط.
وروى ابن سعد عن الزهري قال: قال النبي ﷺ وهم يبنون المسجد:
هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا، وأطهر
قال: فكان الزهري يقول: إنه لم يقل شيئا من الشعر إلا قد قيل قبله أو نوى ذاك إلا هذا.
قال العلماء- رحمهم الله تعالى-
وما روي عنه ﷺ من الرجز كقوله:
هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
وغيره محمول على أنه لم يقصده ولا يسمى شعرا إلا ما كان مقصودا، وكذا وقع في القرآن آيات موزونة، لأنها لم تقصد.
وقد قال أهل البديع: إن الانسجام هو أن يكون الكلام لخلوه من الانعقاد متحدرا كتحدر الماء المنسجم ويكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسيل رقة وإذا قوي الانسجام في النثر جاءت فقراته موزونة بلا قصد لقوة انسجامه، ومن ذلك ما وقع في القرآن موزونا، فمنه من بحر الطويل: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف/ ٢٩] ومن المديد وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [هود/ ٣٧] .
ومن البسيط: فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [الأحقاف/ ٢٥] .
ومن الوافر: وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة/ ١٤] .
стр. 4715
ومن الكامل: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة/ ٢١٣] .
ومن الهزج: فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً [يوسف/ ٩٣] .
ومن الرجز: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا [الإنسان/ ١٤] .
ومن الرمل: وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ [سبأ/ ١٣] .
ومن السريع: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [البقرة/ ٢٥٩] .
ومن المنسرح: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ [الإنسان/ ٢] .
ومن الخفيف: لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [النساء/ ٧٨] .
ومن المضارع: يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ [غافر/ ٣٢، ٣٣] .
ومن المقتضب: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة/ ١٠] .
ومن المجتث: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الحجر/ ٤٩] .
ومن المتقارب: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف/ ١٨٣] .
والمشهور بين الناس قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران/ ٩٢] .
وروى أبو يعلى والبزار وابن حبان عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: لما نزلت: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد/ ١] ، جاءت امرأة أبي لهب إلى رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر فلما رأى أبو بكر قال: يا رسول الله، إنها امرأة بذيئة، وأخاف أن تؤذيك، فلو قمت، قال: إنها لن تراني، فجاءت فقالت: يا أبا بكر، إن صاحبك قد هجاني، قال: ما يقول الشعر، قالت: أنت عندي مصدق وانصرفت، قلت: يا رسول الله، لم ترك، قال: ما زال ملك يسترني بجناحيه.
وروى الحميدي وأبو يعلى من طريق إسحاق بن إبراهيم الهروي، وبقية الإسناد ثقات عن أسماء- رضي الله تعالى عنها- قالت:
لما نزلت: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد/ ١] أقبلت العوراء أم جميل ابنة حرب ولها ولولة وفي يديها فهر من حجارة وهي تقول:
مذمما عصينا ... .. وأمره أبينا
.. ودينه ملينا
ورسول الله ﷺ جالس في المسجد، ثم قرأ قرآنا ومعه أبو بكر، قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك،
فقال رسول الله ﷺ : «إنها لن تراني» ،
وقرأ قرآنا اعتصم به، كما
стр. 4716
قال الله تعالى: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً [الإسراء/ ٤٥] ، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم تر رسول الله ﷺ فقالت: يا أبا بكر، إن صاحبك هجاني فقال: ورب هذا البيت، ما هجاك، قال: فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها.
ووقع في «تنبيه» الشيخ أبي إسحاق الشيرازي عدة مواضع موزونة. قال النووي: كان لا يحسن الشعر، ولكن يميز بين جيده ورديئه وقال الزركشي: ظاهر كلامهم أن هذا من خصائص نبينا ﷺ وأن غيره من الأنبياء ليس كذلك. قلت: وهو ظاهر لأن غيره من الأنبياء لم يؤتوا.
تنبيهان:
الأول: قال ابن فارس في فقه اللغة: الشعر كلام موزون مقفى، دال على معنى، ويكون أكثر من بيت، وإنما قلنا هذا، لأنه جائز اتفاقا سطر واحد، بوزن يشبه وزن الشعر من غير قصد، فقد قيل أن بعض الناس كتب في عنوان الكتاب: للأمير المسيب بن زهير بن عقال بن شيبة بن عقال، فاستوى هذا في الوزن الذي هو الخفيف، ولعل الكاتب لم يقصد به شعرا.
الثاني: فإن قيل: ما الحكمة في تنزيه الله تعالى نبيه عن الشعر؟ فالجواب: أو ما في ذلك حكم الله بأن الشعراء يتبعهم الغاوون. وأنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون فلم يكن ينبغي لرسول الله ﷺ الشعر بحال، لأن للشعر شرائط لا يسمى الإنسان بغيرها شاعرا، وذلك لو أن إنسانا عمل كلاما مستقيما موزونا، يتحرى فيه الصدق من غير أن يفرط أو يتعدى، أو يمني أو يأتي منه بأشياء لا يمكن كونها منه لما سماه الناس شاعرا، ولكان ما يقوله محمولا ساقطا.
وقال قال بعض العقلاء، وسئل عن الشعر فقال: إن هزل أضحك، وإن جد كذب، والشاعر بين كذب وإضحاك، وإذا كان كذلك فقد نزه الله تعالى نبيه ﷺ عن هاتين الخصلتين، وبعد فإنا لا نكاد نرى شاعرا إلا مادحا غارقا أو هاجئا جبانا أقرع.
وهذه أوصاف لا تصلح لنبي، فإن قال قائل: فقد يكون من الشعر الحكمة كما
قال النبي ﷺ : «إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكمة»
قيل له: إنما نزهه الله تعالى عن قليل الشعر وكثيره لما ذكرناه، فأما الحكمة فقد آتاه الله تعالى من ذلك القسم الأجزل، والنصيب الأوفر، في الكتاب والسنة، ومعنى آخر في تنزيهه عن قول الشعر: أن أهل العروض مجمعون على أنه لا فرق بين صناعة العروض وصناعة الإيقاع، إلا أن صناعة الإيقاع تقسم الزمان بالنظم، وصناعة العروض تقسم الزمان بالحروف المسموعة، فلما كان الشعر ذا ميزان يناسب الإيقاع، والإيقاع ضرب من الملاهي، لم يصلح ذلك لرسول الله ﷺ وقد
قال ﷺ : «ما أنا من دد
стр. 4717
ولا دد مني» . رواه البخاري في الأدب عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- بلفظ: «لست من دد ولا الدد مني»
يعني: لست من الباطل ولا الباطل مني.
الثانية عشرة:
وبتحريم شرب الترياق.
الثالثة عشرة:
وتعليق تميمة.
روى أبو داود عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قال: سمعت عبد الله بن عمرو- رضي الله تعالى عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقا، أو علقت تميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي»
قال أبو داود: هذا كان للنبي ﷺ خاصة، وقد رخص في الترياق لغيره.
وروى الإمام العلامة ولي الله الشيخ شهاب الدين بن رسلان في شرح سنن أبي داود «أبالي» بضم الهمزة «وما أتيت» بفتح التاء الأولى، أي لا أكثرت لشيء من أمر ديني، ولا أهتم بما فعلته إن أنا فعلت هذه الثلاثة أو شيئا منها. والترياق ليس المراد منه ما كان نباتا أو حجرا، بل المختلط بلحوم الأفاعي، يطرح منها رأسها وأذنابها، وتستعمل أوساطها في الترياق، وهو محرم لأنه نجس وإن أخذ الترياق من أشياء طاهرة، فهو طاهر، ولا بأس بأكله وشربه، وممن رخص فيما فيه شيء من الحيات مالك، ويقتضيه مذهب الشافعي لإباحة التداوي ببعض المحرمات.
والتميمة جمعها تمائم.
قال البيهقي: يقال إن التميمة خرزة كانوا يعلقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات.
وفي النهاية: التمائم خرزات كانت العرب يرون تعلقها على أولادهم، يتقون بها العين في زعمهم، فأبطله الإسلام، ورد عليهم اعتقادهم الفاسد والضلال، إذ لا نافع ولا دافع إلا الله تعالى.
الرابعة عشرة:
وبتحريم نزع لأمته إذا لبسها قبل أن يقاتل.
روى الإمام احمد وابن سعد والدارمي عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال يوم أحد: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» .
ورواه البخاري تعليقا، والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- للأمة بالهمز كما قيده صاحب المشارق وغيره: الدرع، ونقل ابن مالك عن الزهري أنها السلاح كله، وجمعها لأمر كتمر، وجمعت أيضاً على لؤم كرطب على غير قياس.
كما قال الجوهري فإنها جمع لؤمة بضم اللام واستلأم الرجل لبس لأمته.
стр. 4718
الخامسة عشرة:
وبتحريم الرجوع إذا خرج لحرب.
السادسة عشرة:
وبتحريم الانهزام إذا لقي العدو، وإن كثر عليه العدد ذكرهما ابن سراقة في الأعداد، وأبو سعيد في «الشرف» .
روى السلمي في الحقائق عن الفيروذابادي في قوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ [الأنفال/ ٦٦] قال: هذا التخفيف كان للأمة دون رسول الله ﷺ ، ومن لا يثقله حمل أمانة النبوة، كيف يخاطب بتخفيف اللقاء للامتداد؟ وكيف يخاطب وهو الذي يقول: بك أصول بك أجول؟ ومن كان به كيف يخفف عنه، أو يثقل عليه؟ ونقله الطيبي من حاشية الكشاف وأقره.
السابعة عشرة:
وبتحريم مد العين إلى ما متع به الناس قال الله- : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [طه/ ١٣١] .
وقال ﵎ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ [الحجر/ ٨٧، ٨٨] . فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي الزجر عن التشوق إلى متاع الدنيا على الدوام، فما الجمع بين ذلك وبين
قوله «حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة» .
والجواب: أنه ﷺ لم يكن متشوقا إلى زخرف الدنيا ولذاتها ولقد عرض عليه أن تكون له جبال مكة ذهبا تسير معه حيث سار فأباها، واختار الافتقار إلى الله تعالى. معلوم أن الذهب يتحصل به جميع ما يقصده من أعراض الدنيا وزخارفها، وتقلله من الدنيا أمر شائع ذائع أصحت به الأحاديث. وتقدم بعض ذلك في باب زهده ﷺ إذا تقرر ذلك، فحبه للنساء والطيب ليس من زهرة الدنيا والافتتان، بل هو من أعمال الآخرة المحصلة لمعالي الدرجات، وبيان ذلك أنه حبب إليه كثرة النّساء، ليطّلعن على ما لديه من بواطن الشريعة وظواهرها، فينقلنه ويعلنه للناس، أو يكون التشريع بسببهن، وخصوصاً مما يستحيي الرجال من ذكره والسؤال عنه، فإنهن كن يطلعن من أحواله ﷺ ، وأقواله على ما لا يطلع عليه غيرهن، فقد تعلمن عنه ﷺ ما رأينه في منامه، وحال خلوته من الآيات البينات على نبوته، ومن جده واجتهاده، ولم يشاهدها غيرهن، فحصل من ذلك من الفوائد الأخروية ما لا يحصى وأما حبه للطيب، فلأجل نزول الملك عليه، وملازمته له بالوحي، ولهذا كان يمتنع من تناول ماله رائحة كريهة، وقال: إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فظهر بذلك أن حبه للنساء، والطيب كان لمصلحة أخروية.
стр. 4719
الثامنة عشرة:
وبتحريم خائنة الأعين.
روى أبو داود والنسائي والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم عن سعد بن أبي وقاص (رض) أن رسول الله ﷺ يوم الفتح، أمن الناس إلا أربعة نفر منهم عبد الله بن أبي سرح، فاختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به عثمان فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله، فرفع رسول الله ﷺ رأسه، فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال: أما منكم رجل رشيد يقوم إلى هذا الخبيث؟ إني كففت يدي عن بيعته لتقتله، قالوا: ما درينا يا رسول الله ما في نفسك، هلا أومأت بعينيك؟
فقال رسول الله ﷺ : «ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» .
وروى ابن سعد نحوه عن سعيد بن المسيب مرسلا وقال في آخره: «الإيماء خيانة ليس لنبي أن يومئ» .
قال الرافعي: فسروا خائنة الأعين بالإيماء إلى مباح من قتل أو ضرب، على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال، وإنما قيل له خائنة الأعين، لأنه يشبه الخيانة من حيث يخفي، ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور.
وقال ابن الأثير: معناها أن يضمر من نفسه غير ما يظهره، فإذا كف لسانه وأومأ بعينه فقد خان، وإذا كان ظهور تلك الحالة من قبل العين.
سميت خائنة الأعين أي: ما يخونون فيه مسارقة النظر إلى ما لا يحل، والخافية بمعنى الخيانة، وهي من المصادر التي جاءت بلفظ الفاعل كالعاقبة.
التاسعة عشرة:
قيل وبتحريم أن يخدع في الحرب. قاله ابن القاص، وخالفه المعظم لما
رواه الشيخان عن جابر (رض قال:) قال رسول الله ﷺ : «الحرب خدعة» .
واختلف في ضبط قوله «خدعة» «خدعة» فقيل بفتح الخاء المعجمة، وضمها مع سكون المهملة فيهما، أو بضم أوله وفتح ثانيه.
قال النووي- رحمه الله تعالى-: اتفقوا على أن الأول أفصح. وحكى المنذري لغة رابعة، الفتح فيهما.
وحكى مكي ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسة، كسر أوله مع الإسكان، وأصل الخدع: إظهار أمر، وإضمار خلافه. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك.
وقال ابن المنير: معنى الحرب خدعة أي الحرب الجيدة لصاحبها، الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر. انتهى.
стр. 4720
فإن قيل: إذا كان أصل الخداع إظهار أمر، وإضمار خلافه فيكون هو وخائنة الأعين سواء، فيصح ما استنبطه ابن القاص، لأنه لا فرق بينهما، فالجواب بأنهما ليسا سواء، وإن اتفقا في المعنى، والفرق بينهما من وجه آخر، وهو أن الإيماء والتلويح بالمرء ممن يحط من قدر فاعله ويسقط الهيبة، فلذلك منع منه ﷺ لشرفه وكمال منزلته، وأما الإيهام في الأمور العظام كمكائد الحروب وخصوصا لأعداء الدين، فإنها معدودة من قبيل حسن السياسات، وكمال العقول، ونهاية المعارف فهي لا تزري بصاحبها بل تزيده رفعة. أشار إلى ذلك إمام الحرمين، ويؤيده ما في الصحيحين أنه ﷺ «كان إذا أراد سفرا ورى بغيره» .
ويحتمل أن يفرق بوجه آخر، وهو أن الخداع المأذون فيه مخصوص بحالة الحرب وما قاربها، بخلاف «خائنة الأعين» فإنها في غير ذلك، فإن القصة اتفقت في حالة المبايعة، وليست بحالة الحرب.
العشرون:
وبتحريم الصلاة على من مات وعليه دين من غير ضامن ثم نسخ التحريم، فكان ﷺ بعد ذلك يصلي على من عليه دين ولا ضامن له، ويوفيه من عنده.
الحادية والعشرون:
وبتحريم الإغارة إذا سمع التكبير. قاله ابن منيع.
روى الشيخان عن أنس (رض) أن رسول الله ﷺ كان إذا غزا قوما لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم.
الثانية والعشرون:
وبتحريم قبول هدية مشرك.
الثالثة والعشرون:
والاستعانة به.
روى البخاري في تاريخه عن حبيب بن يساف- رضي الله تعالى عنه- قال: خرج رسول الله ﷺ وجها فأتيته أنا ورجل من قومي، قلنا إنا نكره أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم فقال: «أو أسلمتما؟» قلنا: لا قال: «إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين» .
الرابعة والعشرون:
وبتحريم الشهادة على جور.
روى الشيخان عن النعمان بن بشير- رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: سألت أمي أبي لي بعض الموهبة من ماله، ثم بدا له فوهبه لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة قال: «ألك ولد سواه؟» قال: نعم، قال: فأراه قال: «لا تشهدني على جور» . وفي لفظ لهما فقال: «أكل ولدك نحلت» مثله؟ فقال: لا قال: «فأرجعه» .
وفي رواية لمسلم: «لا أشهد على جور، أشهد على هذا غيري» . وظاهر هذا الحديث:
التسوية بين الأولاد في الهبة، ويحمل الأمر في ذلك على الندب، والنهي للتسوية.
стр. 4721
وأما إذا فضل بعضهم على بعض، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك، رحمهم الله تعالى- أنه مكروه وليس بحرام، والهبة صحيحة.
وقال الإمام أحمد: هو حرام، واحتج
بقوله ﵊: «لا تشهدني على جور» ،
واحتج الشافعي
بقوله: «أشهد على هذا غيري» .
فإن قيل: قاله تهديدا، قلنا: الأصل في كلام الشارع غير هذا، ويحتمل عند إطلاقه صيغة أفعل على الوجوب أو الندب، فإن تعذر فعلى الإباحة، وأما
قوله ﷺ : «لا أشهد على جور» ،
فليس فيه أنه حرام، لأن الجور هنا الميل عن الاستواء والاعتدال فكل ما خرج عن الاعتدال فهو جور، سواء كان حراما أو مكروها، وقد وضح بما قدمناه
وقوله ﷺ : «أشهد على هذا غيري»
دليل على أنه ليس بحرام، فيجب تأويله على أنه مكروه كراهة تنزيه، قاله النووي في شرح مسلم.
تنبيه:
لما نقل ابن الملقن هذه الخصوصية عن القضاعي قال: وفي هذا نظر بالنسبة إلى غيره.
قال الحضيري: وفي هذا النظر نظر أيضاً، فإن ظاهره يقتضي منع الخصوصية في عدم الشهادة على الجور فإن غيره من الناس مثله في ذلك، فلا تجوز الشهادة على الجور مطلقا، هذا يعني مقتضى كلامه، وليس بجيد فإن من الجور ما هو محرم، فلا تجوز الشهادة عليه، ومنه مكروه فلا تجوز في حقه ﷺ ، وتجوز في حق غيره، كما في هذه القصة، حيث حملنا ذلك على الكراهة كما في الصحيح، فإنه سمى ذلك جورا، وقال: «أشهد غيري» ، وهذا ينبني على أمر آخر، وهو المراد بالشهادة على الجور، هل هي بحملها أو أدائها؟ فإن قلنا: بحملها، ففي حقه ﷺ لا يجوز ذلك، لأنه لا يقر على باطل ولا مكروه، وأما غيره، فالذي يظهر أنه يجوز مطلقا، سواء كان محرما أو مكروها، لأن الأمر دائر بين ظالم ومظلوم، فتحمل الشهادة على ذلك يحتاج إليها المظلوم في خلاص حقه عند طلبه فلا يمتنع، ولو كان الظالم لا يحتاجها.
وإن قلنا: المراد الأداء، فهي ممتنعة في حقه ﷺ لأنه هو الحاكم والمشرع، فلا يمكن ردها عند غيره، اللهم إلا أن يقال: يشهد فيها ليحكم فيها بعلمه، وهو محل نظر، وأما غيره فلا يمتنع قطعا.
الخامسة والعشرون:
وبتحريم الخمر عليه من أول ما بعث قبل أن تحرم على الناس بنحو عشرين سنة، فلم تبح له قط، ولم يشربها قط.
روى ابن حبان عن عروة بن رويم مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ : «أول ما نهاني ربي بعد عبادة الأوثان عن شرب الخمر، وملاحاة الرجال» .
стр. 4722
السادسة والعشرون:
وبأنه كان لا يصلي على من غل.
السابعة والعشرون:
أو قتل نفسه.
الثامنة والعشرون:
وبأنه كان إذا دعي إلى جنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خيرا صلى عليها، وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها: شأنكم بها ولم يصل عليها. كما رواه الحاكم عن أبي قتادة- رضي الله تعالى عنه-.
التاسعة والعشرون:
وبتحريم المن يستكثر.
قال الله- : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر ٦] .
قال: لا تعط لتأخذ أكثر ما أعطيت من المال، لأنه مأمور بأشرف الآداب وأجلّ الأخلاق. يقال: مننت فلانا كذا، أي: أعطيته، ويقال للعطية: المن. هذا قول ابن عباس وعكرمة وقتادة، ونقله الثعلبي عن أكثر المفسرين.
وقال القرطبي: إنه الأظهر.
الثلاثون:
وبأنه ليس لنبي أن يدخل بيتا مزوقا.
روى الحاكم عن علي ﵁ أنه أضاف رجلا وضع له طعاما فقال لو دعونا رسول الله ﷺ فأكل معنا فدعوا رسول الله ﷺ فجاء فرأى فراشا قد ضرب في ناحية البيت فرجع فقالت فاطمة ارجع فقل له ما رجعك يا رسول الله فذهب فقال رسول الله ﷺ : «ليس لنبي أن يدخل بيتا مزروقا» .
النوع الثاني من المحرمات في النكاح
وفيه مسائل:
الأولى:
خص ﷺ بتحريم إمساك كارهته.
روى البخاري عن عائشة- رضي الله تعالى عنهما- أن ابنة الجون لما دخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك فقال: «لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك» .
قال ابن الملقن: ويشهد لذلك إيجاب التخيير المتقدم، وهل كان قيد التحريم مؤبدا أم لا؟ فيه وجهان.
الثانية:
وبتحريم من لم تهاجر.
الثالثة:
وبتحريم نكاح الأمة المسلمة في الأصح، لأن جوازه في حق الأمة مشروط بخوف العنت، وبفقدان طول الحرة، ونكاحه- ﵊ غير مفتقر إلى مهر ابتداء
стр. 4723
وانتهاء، ولأن من نكح أمة كان ولده رقيقا، ومنصبه- ﵊ منزه عن ذلك، ويشترط في نكاح الأمة أن لا تكون تحته حرة صالحة للاستمتاع، ولم يزل رسول الله ﷺ بعد تزويجه خديجة متزوجا.
قال الجلال البلقيني: ويظهر في ذلك أن يقال: لم يقع ولا يقع، لأنه ينسب متعاطيه إلى أيضاًع شرفه، وإن كان حلالا له، ولم يكن رسول الله ﷺ فاعلا ذلك (لأنه لم يلتفت إلى الدنيا، فكيف يلتفت إلى نكاح الأمة التي هي كأكل الميتة التي لا تباح إلا للضرورة فلما لم يتصور في حقه الاضطرار إلى المأكولات من مالكه المحتاج إليه وعلى صاحبه دفعه إليه، فكذلك لا يتصور في حقه ﷺ اضطرار إلى نكاح الأمة، بل لو أعجبته الأمة، وجب على مالكها بذلها له، قياسا على الطعام. وإذا قلنا: له نكاح الأمة، فأتت بولد، لم يكن رقيقا على الصحيح، وإذا قلنا: بجريان الرق على العرب على قولنا به وهو الجديد المشهور لا يلزمه قيمة الولد لسيدها كما جزم به القاضي الحسين، بخلاف ولد المغرور بحرية أمّه، لأنّ هناك فات الرق بظنه، وهنا الرق متعذر، قال الرافعي: ويوافق ما ذكره القاضي ما حكاه الإمام، أنه لو قدر نكاح غرور في حقه ﷺ لم تلزمه قيمة الولد، لأنه مع العلم بالحال لا ينعقد رقيقا، فلا ينهض الظن رافعا للرق.
قال ابن الرفعة: ومن تصوير ذلك في حقه ﷺ نظر:
تنبيه:
قال في أصل الروضة: المذهب القطع بتحريم نكاح الأمة الكتابية.
الرابعة:
وكان إذا خطب فرد لم يعد.
روى ابن سعد عن مجاهد قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب فرد لم يعد، فخطب امرأة فقالت: حتى أستأمر أبي، فاستأمرت أباها، فأذن لها، فلقيت رسول الله ﷺ فقالت له، فقال: «قد التحفنا لحافا غيرك» .
قال الشيخ: فيحتمل التحريم والكراهة قياسا على أمساك كارهته، ولم أر من تعرض له.
الخامسة:
قال البلقيني في «التدريب» لا يقع منه ﷺ الإيلاء الذي يضربه منه المدة ولا الظهار، لأنهما حرامان، وهو معصوم من كل فعل محرم.
قال الحضيري وكذا كل محرم بعصمته من الكبائر، ومن الصغائر على الصحيح، سوى ما خصّ به دون أمته، فإنه من باب الإباحة، وحينئذ لا فائدة في تخصيص هاتين المسألتين سوى التنبيه، وكذلك ذكر مسألة أخرى وهي: استحالة اللعان في حقه ﷺ .
السادسة:
الكفارة في حقه ﷺ وهو استنباط حسن.
стр. 4724
الباب السابع فيما اختص به- ﷺ عن أمته من المباحات والتخفيفات وفيه نوعان:
اعلم أن التحقيقات توسعة عليه ﷺ تنبيها على أن ما خص به ﷺ من الإباحة لا يلهيه عن طاعة الله، وإن ألهى غيره، ومعظم ذلك لم يفعله مع إباحته، وليس المراد بالمباح هنا مستوى الطرفين، بل المراد به ما لا حرج في فعله ولا في تركه، فإنه ﷺ واصل وقد قال الإمام: أنه قربه في حقه ﷺ ، وكذا صفي المفنم والاستبداد بالخمس فقد يكون راجح الفعل كصرفه في أهم المصالح. وقد يكون راجح الترك لفقد هذا المعنى ودخوله مكة بغير إحرام كما تقدم، وقد يترجح تركه، وكذا الزيادة على الأربع لا تساوي فيها، فإن أفعاله وأقواله كلها راجحة مثاب عليها، حتى في أكله وشربه، لأن الواحد منا يثاب بشرط أن يقصد وجه الله بذلك، وهو بذلك أولى ﷺ ، وفي هذا الفعل نوعان:
النوع الأول فيما يتعلق بغير النكاح وفيه مسائل:
الأولى:
اختص ﷺ بالمكث في المسجد جنبا.
عن خارجة بن سعد عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال رسول الله ﷺ : «يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك» .
قاله ابن القاص في التلخيص: وتوزع في ذلك.
قال النووي. وقد يحتج له بما
رواه الترمذي عن عطية العوفي عن ابن سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك» .
قال الترمذي: حسن غريب قال النووي: لكن قد يقدح قادح في الحديث بسبب عطية، فإنه ضعيف عند جمهور المحدثين، لكن الترمذي قد حسنه، فلعله اعتضد بما اقتضى حسنه كما تقرر لأهل هذا الفن فظهر ترجيح قول صاحب التلخيص. انتهى.
وروى البيهقي عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ : «ألا إن مسجدي حرام على كل حائض من النساء، وكل جنب من الرجال إلا محمدا وأهل بيته عليا، وفاطمة، والحسن، والحسين» .
وروى البخاري في تاريخه، والبيهقي عن عائشة ﵁ أن النبي ﷺ قال إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب، إلا لمحمد وآل محمد» .
وروى ابن عساكر عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول
стр. 4725
الله ﷺ لعلي: «إنه يحل لك في المسجد ما يحل لي» .
وروى الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن أبي حازم الأشجعي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أمر موسى أن يبني مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا هو وهارون، وإن الله أمرني أن أبني مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا أنا وعلي وأبناء علي» .
فهذه الأحاديث تشهد لتحسين الترمذي، وفي عد هذه الخصائص نظر، لأن عليا يشاركه في ذلك.
الثانية:
وبأنه لا ينتقض وضوءه بالنوم مضطجعا.
روى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، تنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة، إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» .
ورويا في حديث الإسراء عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.
قال أبو عمر: هذا من علياء مراتب الأنبياء صلى الله عليهم وسلم.
كما روي: «إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا» ولذا قال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي، لأن الأنبياء يفارقون سائر البشر في نوم القلب ويساووهم في نوم العين، فلو سلط النوم على قلوبهم كما يصنع بغيرهم، لم تكن رؤياهم إلا كرؤيا من سواهم.
ومن هذا كان رسول الله ﷺ ينام حتى ينفخ ثم يصلي ولا يتوضأ، لأن الوضوء إنما يجب لغلبة النوم على القلب لا على العين، فكان رسول الله ﷺ يساوي أمته في الوضوء من الحدث، ولا يساويهم في الوضوء من النوم.
وروى مسدد وابن حبان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «تنام عيني ولا ينام قلبي» .
وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ ينام وهو ساجد، فما يعرف نومه إلا بنفخه، ثم يقوم فيمضي في صلاته.
ورواه أبو يعلى بلفظ: كان رسول الله ﷺ ينام مستلقيا حتى ينفخ، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ.
وروى عبد الرزاق عن أبي قلابة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «قيل لي: لتنم عينك، وليعقل قلبك، ولتسمع أذنك، فنامت عيني، وعقل قلبي، وسمعت أذني» .
стр. 4726
تنبيهان:
الأول: إن قيل: إذا كان نومه ﷺ يساوي نومنا من انطباق الجفن وعدم السماع حتى أنه نام عن الصلاة، فما أيقظه إلا حر الشمس، فما الفرق بيننا وبينه في النوم؟ فالجواب: بأن النوم متضمن أمرين:
أحدهما: راحة البدن، وهو الذي يشاركنا فيه.
والثاني: غفلة القلب، وقلبه ﷺ مستيقظ إذا نام، سليم من الأحلام، مشتغل في تلقف الوحي والتفكير في المصالح على مثل حال غيره إذا كان منتبها فلا يتعطل قلبه بالنوم كما وضع له [ ... ] .
الثاني: تكلم العلماء في الجمع بين حديث النوم في الوادي وبين
قوله ﷺ : «أن عيني تنامان ولا ينام قلبي»
بأوجه:
الأول: إن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به، كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك ما يتعلق بالعين، لأنها نائمة والقلب يقظان.
الثاني: أنه كان له حالان:
حال كان قلبه لا ينام، وهو الأغلب.
وحال ينام فيه قلبه، وهو نادر. فصادف قصة النوم في الصلاة. قال الإمام النووي:
والصحيح المعتمد هو الأول، والثاني ضعيف.
قال الحافظ: وهو كما قال، ولا يقال: القلب- وإن كان لا يدرك- ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلا، لكنه يدرك- إذا كان يقظانا- بمرور الوقت الطويل من ابتداء طلوع الفجر إلى أن حمت الشمس مدة طويلة، لا يخفى على من لم يكن مستغرقا لأنا نقول: يحتمل أن يقال:
كان قلبه ﷺ إذ ذاك مستغرقا بالوحي ولا يلزم مع ذلك وصفه بالنوم كما كان يستغرق ﷺ حالة إلقاء الوحي في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك بيان التشريع بالفعل، لأنه أوقع في النفس، كما في قصة سهوه في الصلاة، وقريبا منه جواب ابن المنير أن القلب قد يحصل له السهو في اليقظة لمصلحة التشريع، ففي النوم بطريق الأولى، أو على السواء.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي.
وقد أجيب عن الإشكال بأجوبة أخرى ضعيفة منها: أن معنى قوله: «لا ينام قلبي» أي لا يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه.
ومنها: أن معناه لا يستغرقه النوم حتى يوجد منه الحدث. وهذا قريب من الذي قبله.
قال ابن دقيق العيد: كأن قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإحلال حالة الانتقاض،
стр. 4727
وذلك بعيد، فإن
قوله ﷺ : «أن عيني تنامان ولا ينام قلبي» .
خرج جوابا عن قول عائشة- رضي الله تعالى عنها- له: تنام قبل أن توتر؟ وهذا كلام لا تعلق له بانتقاض الطهارة التي تكلموا فيها، وإنما هو جواب يتعلق بأمر الوتر، فيحتمل يقظته على تعلق القلب لليقظة فلا تعارض، ولا إشكال من حديث النوم حتى طلعت الشمس، لأنه يحمل على أنه اطمأن في نومه لما أوجبه تعب السير معتمدا على من وكله بكلاء الفجر.
قال الحافظ: ومحصلة تخصيص اليقظة المفهومة من قوله: «ولا ينام قلبي» ، بإدراكه.
وقت الوتر إدراكا معنويا لتعلقه به، وأن نومه حتى طلعت الشمس كان مستغرقا، ويؤيد قول بلال له: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، كما في حديث أبي هريرة عند مسلم، ولم ينكر عليه.
ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقا. وقد اعترض عليه، بأن ما قاله يقتضي اعتبار خصوص السبب وأجاب بأنه معتبر إذا قامت عليه قرية تدل أو ترشد عليه السياق، وهو هنا كذلك.
الثالثة:
وبعدم انتقاض وضوئه باللمس على أحد وجهين، جزم في الروضة بانتقاضه، واختار الشّيخ عدم الانتقاض لما
رواه ابن ماجة عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- «أن رسول الله ﷺ قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ» .
وفي لفظ له عنها:
«كان يتوضأ ثم يقبل ويصلي ولا يتوضأ»
قال عبد الحق: لا أعلم لهذا الحديث علة توجب تركه.
وقال الحافظ في تخريج أحاديث الرافعي: إسناده، جيد قوي قال: وأجاب بأن يكون ذلك من الخصائص بعض الشافعية، لما أورد هذا الحديث عليهم الحنفية في أن اللمس لا ينقض مطلقا، لأن الحنفية احتجوا بأحاديث منها: ما رواه النسائي بإسناد صحيح عن القاسم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليصلي وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله.
الرابعة:
أبيح له ﷺ استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة. حكاه ابن دقيق العيد في شرح العمرة.
قلت: واستدل له بحديث ابن عمر لقد راقيت على ظهر بيتنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته.
قال ابن دقيق العيد: ولو كان هذا الفعل عاما للأمة لبينه بإظهاره بالقول، فإن الأفعال العامّة لا بد من بيانها، فلما لم يقع ذلك، وكانت هذه الرواية من ابن عمر على طريق الاتفاق وعدم قصد الرسول دل ذلك على الخصوص به ﷺ وعدم العموم في حق الأمة.
стр. 4728
وتعقب القرطبي بأن كون هذا الفعل من خلوة لا يصلح مانعا من الاقتداء، لأن أهل بيته كانوا ينقلون ما يفعله في بيته من الأمور المشروعة.
وقال الحافظ دعوى خصوصية النبي ﷺ لا دليل عليها، إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال، والله تعالى أعلم.
الخامسة:
وبإباحة الصلاة بعد العصر.
روى أبو داود عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال» .
وروى مسلم والبيهقي عن أبي سلمة أنه سأل عائشة- رضي الله تعالى عنها- عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليها بعد العصر فقالت كان يصليهما قبل العصر، ثم أنه شغل عنهما فصلاهما بعد العصر ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها.
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان بسند صحيح عن أم سلمة قالت: صلى رسول الله ﷺ العصر ثم دخل بيتي فصلى ركعتين فقلت يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها قال: «قدم خالد فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد العصر فصليتهما الآن» ، قلت:
يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتنا؟ قال: «لا» ، وروى الشيخان عنها أنها سمعت رسول الله ﷺ نهى عنهما، ثم رأته يصليهما، فأرسلت تساله، فلما انصرف قال: «يا بنت بني أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان» .
فصريح هذه الأحاديث ناطق بصلاة رسول الله ﷺ ركعتين بعد العصر، وقد نهى عن الصلاة في ذلك الوقت، وقد كان ابن عباس يضرب الناس مع عمر بن الخطاب على فعلهما.
كما رواه الشيخان.
وصرح حديث أم سلمة بأنهما الركعتان بعد الظهر، قضاهما في أول نوبة، وواظب على فعلهما في قول عائشة- رضي الله تعالى عنها- ما تركها حتى لحق بالله تعالى وقولها: لم يكن يدعهما. مرادها من تأخير الوقت الذي شغل عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر. ولم يرد أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين من أول ما فرضت مثلا إلى آخر عمره، بل في حديث أم سلمة، ما يدل على أنه لم يكن يفعلهما قبل الوقت الذي ذكرت أنه قضاهما فيه.
وقول عائشة- رضي الله تعالى عنها- كان يصليهما قبل العصر يعني في وقت الظهر، لأنهما راتبة الظّهر ويصليها بعدها، كما في حديث أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- وليس المراد قبل العصر بعد دخول وقت العصر.
стр. 4729
السادسة:
وبإباحة الوصال في الصوم.
روى الشيخان عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «لا تواصلوا» ، قالوا: إنك تواصل قال:
«إني لست كأحد منكم، إني أطعم وأسقى، أو إني أبيت أطعم وأسقى»
ورويا عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم، فقال رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله قال: «وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» .
والأحاديث في ذلك كثيرة، وقد اختلف في تأويل هذه الأحاديث على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه على ظاهره وأنه يؤتى بطعام وشراب من الجنة، وطعام الجنة لا يفطر.
الثاني: أن الله تعالى يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه من الطعام والشراب.
الثالث: أن الله تعالى يحفظ عليه قوته من غير طعام ولا شراب، كما يحفظها بالطعام والشراب، فعبر بالطعام والشراب عن فائدتهما، وعليه اقتصر ابن العربي وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه: للعلماء فيه مذهبان: قال بعضهم: المراد الطّعام والسقي الحقيقي، فكأنه يقول: أنا لا أواصل فإن الله يطعمني من غير طعام الدنيا. وقيل: بل المراد ما يرد عليه من المعارف والمواهب، فإنها تقوت النفس كما يقويها الطعام، فأطلق عليه الإطعام والسقي من مجاز التشبيه. وعلى هذا الأكثر.
وقال العلامة الشيخ شمس الدين بن الصائغ في «الدرر الفريدة» هذا طعام الأرواح وشرابها، وما يفيض عليها من أنوار البهجة.
لها أحاديث من ذكراك يشملها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي
ومن قال: يأكل ويشرب حقيقة غلط من وجوه.
أحدها: قوله في بعض الروايات «أظل» .
الثاني: أنهم لما قالوا: إنك تواصل.. قال: «إني لست كأحدكم» . ولو كان كما قيل لقال: وأنا لا أواصل.
الثالث: إنه لو كان كذلك لم يصح الجواب بالفارق فكأنه ﷺ مفطر فلا يصح النفي.
انتهى.
قال الإمام الشافعي- ﵀ وجمهور أصحابه- رضي الله تعالى عنهم- أن الوصال في حق النبي ﷺ من المباحات.
وقال إمام الحرمين: هو قربه في حقه قال: وخصوصيته ﷺ بإباحة الوصال على كل
стр. 4730
الأمة لا على أفرادها لأن كثيرا من العلماء اشتهر عنهم الوصال.
قال: والنبي ﷺ توجه خصوصيته بحسب المجموع، لأنه مشرع قلت وهذا الكلام فيه نظر والوصال صيام يومين فأكثر لا يتناول فيهما شيئا من أكل وشرب.
تنبيه:
قال ابن حبان: يستدل بهذا الحديث على بطلان ما ورد أنه كان يضع الحجر على بطنه من الجوع، لأنه كان يطعم ويسقى عند ربه إذا واصل، فكيف يترك جائعا مع عدم الوصال حتى يحتاج إلى شد حجر على بطنه؟ قال: وإنما لفظ الحديث: الحجز بالزاي، وهو طرف الإزار فتحرف بالراء. قلت: وهذا التأويل مردود بما سبق في غزوة الخندق. وتقدم بيان رده في باب صفة عيشه ﷺ من صفاته المعنوية.
السابعة:
وباصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة كجارية وغيرها.
روى أبو داود عن الشعبي- رضي الله تعالى عنه- قال: كان لرسول الله ﷺ سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا أو أمة أو فرضا يختاره قبل الخمس وقبل كل شيء.
وروى عن ابن عون- رضي الله تعالى عنه- قال: سألت محمد بن سيرين عن سهم رسول الله ﷺ والصفي قال: كان يصرف له مع المسلمين سهم، وإن لم يشهدوا الصفي يؤخذ له من رأس الخمس قبل كل شيء.
وروى ابن سعد وابن عساكر عن عمر بن الحكم- رضي الله تعالى عنه- قال: لما سبيت بنو قريظة، عرض السبي على رسول الله ﷺ فكانت فيه ريحانة بنت زيد بن عمرو فأمر بها فعزلت وكان يكون له صفي من كل غنيمة.
قال أبو عمر: سهم الصفي مشهور في صحيح الآثار، معروف عند أهل العلم ولا يختلف أهل السير في أن صفيه منه.
وأجمع العلماء على أنه خاص به.
وذكر الرافعي أن ذا الفقار كان من الصفي.
الثامنة:
وبخمس الخمس من الفيء والغنيمة.
التاسعة:
وبأربعة أخماس الخمس بتمامها.
قال الله : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال/ ٤١] ، فسهم الرسول هو المراد، وقال : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الآية [الحشر/ ٧] .
روى الإمام أحمد والشيخان عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: إن الله تعالى كان