← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

تنبيهان: الأول: إن قيل: إذا كان نومه ﷺ يساوي نومنا من انطباق الجفن وعدم السماع حتى أنه نام عن الصلاة، فما أيقظه إلا حر الشمس، فما الفرق بيننا وبينه في النوم؟ فالجواب: بأن النوم متضمن أمرين: أحدهما: راحة البدن، وهو الذي يشاركنا فيه. والثاني: غفلة القلب، وقلبه ﷺ مستيقظ إذا نام، سليم من الأحلام، مشتغل في تلقف الوحي والتفكير في المصالح على مثل حال غيره إذا كان منتبها فلا يتعطل قلبه بالنوم كما وضع له [ ... ] . الثاني: تكلم العلماء في الجمع بين حديث النوم في الوادي وبين قوله ﷺ : «أن عيني تنامان ولا ينام قلبي» بأوجه: الأول: إن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به، كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك ما يتعلق بالعين، لأنها نائمة والقلب يقظان. الثاني: أنه كان له حالان: حال كان قلبه لا ينام، وهو الأغلب. وحال ينام فيه قلبه، وهو نادر. فصادف قصة النوم في الصلاة. قال الإمام النووي: والصحيح المعتمد هو الأول، والثاني ضعيف. قال الحافظ: وهو كما قال، ولا يقال: القلب- وإن كان لا يدرك- ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلا، لكنه يدرك- إذا كان يقظانا- بمرور الوقت الطويل من ابتداء طلوع الفجر إلى أن حمت الشمس مدة طويلة، لا يخفى على من لم يكن مستغرقا لأنا نقول: يحتمل أن يقال: كان قلبه ﷺ إذ ذاك مستغرقا بالوحي ولا يلزم مع ذلك وصفه بالنوم كما كان يستغرق ﷺ حالة إلقاء الوحي في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك بيان التشريع بالفعل، لأنه أوقع في النفس، كما في قصة سهوه في الصلاة، وقريبا منه جواب ابن المنير أن القلب قد يحصل له السهو في اليقظة لمصلحة التشريع، ففي النوم بطريق الأولى، أو على السواء. وقال القاضي أبو بكر بن العربي. وقد أجيب عن الإشكال بأجوبة أخرى ضعيفة منها: أن معنى قوله: «لا ينام قلبي» أي لا يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه. ومنها: أن معناه لا يستغرقه النوم حتى يوجد منه الحدث. وهذا قريب من الذي قبله. قال ابن دقيق العيد: كأن قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإحلال حالة الانتقاض،

стр. 4727

وذلك بعيد، فإن قوله ﷺ : «أن عيني تنامان ولا ينام قلبي» . خرج جوابا عن قول عائشة- رضي الله تعالى عنها- له: تنام قبل أن توتر؟ وهذا كلام لا تعلق له بانتقاض الطهارة التي تكلموا فيها، وإنما هو جواب يتعلق بأمر الوتر، فيحتمل يقظته على تعلق القلب لليقظة فلا تعارض، ولا إشكال من حديث النوم حتى طلعت الشمس، لأنه يحمل على أنه اطمأن في نومه لما أوجبه تعب السير معتمدا على من وكله بكلاء الفجر. قال الحافظ: ومحصلة تخصيص اليقظة المفهومة من قوله: «ولا ينام قلبي» ، بإدراكه. وقت الوتر إدراكا معنويا لتعلقه به، وأن نومه حتى طلعت الشمس كان مستغرقا، ويؤيد قول بلال له: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، كما في حديث أبي هريرة عند مسلم، ولم ينكر عليه. ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقا. وقد اعترض عليه، بأن ما قاله يقتضي اعتبار خصوص السبب وأجاب بأنه معتبر إذا قامت عليه قرية تدل أو ترشد عليه السياق، وهو هنا كذلك. الثالثة: وبعدم انتقاض وضوئه باللمس على أحد وجهين، جزم في الروضة بانتقاضه، واختار الشّيخ عدم الانتقاض لما رواه ابن ماجة عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- «أن رسول الله ﷺ قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ» . وفي لفظ له عنها: «كان يتوضأ ثم يقبل ويصلي ولا يتوضأ» قال عبد الحق: لا أعلم لهذا الحديث علة توجب تركه. وقال الحافظ في تخريج أحاديث الرافعي: إسناده، جيد قوي قال: وأجاب بأن يكون ذلك من الخصائص بعض الشافعية، لما أورد هذا الحديث عليهم الحنفية في أن اللمس لا ينقض مطلقا، لأن الحنفية احتجوا بأحاديث منها: ما رواه النسائي بإسناد صحيح عن القاسم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليصلي وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله. الرابعة: أبيح له ﷺ استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة. حكاه ابن دقيق العيد في شرح العمرة. قلت: واستدل له بحديث ابن عمر لقد راقيت على ظهر بيتنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته. قال ابن دقيق العيد: ولو كان هذا الفعل عاما للأمة لبينه بإظهاره بالقول، فإن الأفعال العامّة لا بد من بيانها، فلما لم يقع ذلك، وكانت هذه الرواية من ابن عمر على طريق الاتفاق وعدم قصد الرسول دل ذلك على الخصوص به ﷺ وعدم العموم في حق الأمة.

стр. 4728

وتعقب القرطبي بأن كون هذا الفعل من خلوة لا يصلح مانعا من الاقتداء، لأن أهل بيته كانوا ينقلون ما يفعله في بيته من الأمور المشروعة. وقال الحافظ دعوى خصوصية النبي ﷺ لا دليل عليها، إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال، والله تعالى أعلم. الخامسة: وبإباحة الصلاة بعد العصر. روى أبو داود عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال» . وروى مسلم والبيهقي عن أبي سلمة أنه سأل عائشة- رضي الله تعالى عنها- عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليها بعد العصر فقالت كان يصليهما قبل العصر، ثم أنه شغل عنهما فصلاهما بعد العصر ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها. وروى الإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان بسند صحيح عن أم سلمة قالت: صلى رسول الله ﷺ العصر ثم دخل بيتي فصلى ركعتين فقلت يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها قال: «قدم خالد فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد العصر فصليتهما الآن» ، قلت: يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتنا؟ قال: «لا» ، وروى الشيخان عنها أنها سمعت رسول الله ﷺ نهى عنهما، ثم رأته يصليهما، فأرسلت تساله، فلما انصرف قال: «يا بنت بني أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان» . فصريح هذه الأحاديث ناطق بصلاة رسول الله ﷺ ركعتين بعد العصر، وقد نهى عن الصلاة في ذلك الوقت، وقد كان ابن عباس يضرب الناس مع عمر بن الخطاب على فعلهما. كما رواه الشيخان. وصرح حديث أم سلمة بأنهما الركعتان بعد الظهر، قضاهما في أول نوبة، وواظب على فعلهما في قول عائشة- رضي الله تعالى عنها- ما تركها حتى لحق بالله تعالى وقولها: لم يكن يدعهما. مرادها من تأخير الوقت الذي شغل عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر. ولم يرد أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين من أول ما فرضت مثلا إلى آخر عمره، بل في حديث أم سلمة، ما يدل على أنه لم يكن يفعلهما قبل الوقت الذي ذكرت أنه قضاهما فيه. وقول عائشة- رضي الله تعالى عنها- كان يصليهما قبل العصر يعني في وقت الظهر، لأنهما راتبة الظّهر ويصليها بعدها، كما في حديث أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- وليس المراد قبل العصر بعد دخول وقت العصر.

стр. 4729

السادسة: وبإباحة الوصال في الصوم. روى الشيخان عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «لا تواصلوا» ، قالوا: إنك تواصل قال: «إني لست كأحد منكم، إني أطعم وأسقى، أو إني أبيت أطعم وأسقى» ورويا عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم، فقال رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله قال: «وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» . والأحاديث في ذلك كثيرة، وقد اختلف في تأويل هذه الأحاديث على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه على ظاهره وأنه يؤتى بطعام وشراب من الجنة، وطعام الجنة لا يفطر. الثاني: أن الله تعالى يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه من الطعام والشراب. الثالث: أن الله تعالى يحفظ عليه قوته من غير طعام ولا شراب، كما يحفظها بالطعام والشراب، فعبر بالطعام والشراب عن فائدتهما، وعليه اقتصر ابن العربي وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه: للعلماء فيه مذهبان: قال بعضهم: المراد الطّعام والسقي الحقيقي، فكأنه يقول: أنا لا أواصل فإن الله يطعمني من غير طعام الدنيا. وقيل: بل المراد ما يرد عليه من المعارف والمواهب، فإنها تقوت النفس كما يقويها الطعام، فأطلق عليه الإطعام والسقي من مجاز التشبيه. وعلى هذا الأكثر. وقال العلامة الشيخ شمس الدين بن الصائغ في «الدرر الفريدة» هذا طعام الأرواح وشرابها، وما يفيض عليها من أنوار البهجة. لها أحاديث من ذكراك يشملها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي ومن قال: يأكل ويشرب حقيقة غلط من وجوه. أحدها: قوله في بعض الروايات «أظل» . الثاني: أنهم لما قالوا: إنك تواصل.. قال: «إني لست كأحدكم» . ولو كان كما قيل لقال: وأنا لا أواصل. الثالث: إنه لو كان كذلك لم يصح الجواب بالفارق فكأنه ﷺ مفطر فلا يصح النفي. انتهى. قال الإمام الشافعي- ﵀ وجمهور أصحابه- رضي الله تعالى عنهم- أن الوصال في حق النبي ﷺ من المباحات. وقال إمام الحرمين: هو قربه في حقه قال: وخصوصيته ﷺ بإباحة الوصال على كل

стр. 4730

الأمة لا على أفرادها لأن كثيرا من العلماء اشتهر عنهم الوصال. قال: والنبي ﷺ توجه خصوصيته بحسب المجموع، لأنه مشرع قلت وهذا الكلام فيه نظر والوصال صيام يومين فأكثر لا يتناول فيهما شيئا من أكل وشرب. تنبيه: قال ابن حبان: يستدل بهذا الحديث على بطلان ما ورد أنه كان يضع الحجر على بطنه من الجوع، لأنه كان يطعم ويسقى عند ربه إذا واصل، فكيف يترك جائعا مع عدم الوصال حتى يحتاج إلى شد حجر على بطنه؟ قال: وإنما لفظ الحديث: الحجز بالزاي، وهو طرف الإزار فتحرف بالراء. قلت: وهذا التأويل مردود بما سبق في غزوة الخندق. وتقدم بيان رده في باب صفة عيشه ﷺ من صفاته المعنوية. السابعة: وباصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة كجارية وغيرها. روى أبو داود عن الشعبي- رضي الله تعالى عنه- قال: كان لرسول الله ﷺ سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا أو أمة أو فرضا يختاره قبل الخمس وقبل كل شيء. وروى عن ابن عون- رضي الله تعالى عنه- قال: سألت محمد بن سيرين عن سهم رسول الله ﷺ والصفي قال: كان يصرف له مع المسلمين سهم، وإن لم يشهدوا الصفي يؤخذ له من رأس الخمس قبل كل شيء. وروى ابن سعد وابن عساكر عن عمر بن الحكم- رضي الله تعالى عنه- قال: لما سبيت بنو قريظة، عرض السبي على رسول الله ﷺ فكانت فيه ريحانة بنت زيد بن عمرو فأمر بها فعزلت وكان يكون له صفي من كل غنيمة. قال أبو عمر: سهم الصفي مشهور في صحيح الآثار، معروف عند أهل العلم ولا يختلف أهل السير في أن صفيه منه. وأجمع العلماء على أنه خاص به. وذكر الرافعي أن ذا الفقار كان من الصفي. الثامنة: وبخمس الخمس من الفيء والغنيمة. التاسعة: وبأربعة أخماس الخمس بتمامها. قال الله : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال/ ٤١] ، فسهم الرسول هو المراد، وقال : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الآية [الحشر/ ٧] . روى الإمام أحمد والشيخان عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: إن الله تعالى كان

стр. 4731

يخص رسوله في هذا الفيء ما لم يعطه أحدا غيره، فقال: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحشر/ ٦] . فكانت هذه خاصة لرسول الله ﷺ فكان ينفق على أهله نفقتهم سنة ثم يأخذ ما بقي، فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك حياته، فقال أبو بكر: أنا أولى برسول الله ﷺ فعمل فيه بما عمل فيه رسول الله ﷺ . وروى أبو داود والحاكم عن عمرو بن عنبسة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم» . العاشرة: وبدخول مكة بغير إحرام على القول بوجوبه في حق غيره على تفصيل فيه، والأصح استحبابه. روى مسلم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام. وذكر القضاعي أن ذلك مما اختص به دون من قبله من الأنبياء، وتقدمت أحاديث في ذلك في باب لباسه- ﷺ . الحادية عشرة: وبأن مكة أحلت له ساعة من نهار. قال القضاعي: خص بذلك من بين سائر الأنبياء. الثانية عشرة: وبأن ماله لا يورث عنه وكذلك الأنبياء، عليهم أن يوصوا بكل مالهم صدقة. روى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركناه صدقة» . وروى النسائي أن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال لعبد الرحمن وسعد وعثمان وطلحة والزبير: أتشهدوا بالله الذي قامت له السموات والأرض، أسمعتم رسول الله ﷺ يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة؟ قالوا: اللهم، نعم. والحكمة في أن الأنبياء لا يورثون، أن لا يظن بهم مبطل أنهم يجمعون الدنيا لورثتهم، فقطع الله ظن المبطل، ولم يجعل للورثة شيئا. وقال الشيخ نصر الدين المقدسي: المعنى والله تعالى أعلم- أن الأنبياء- صلوات الله، وسلامه عليهم- لا يورثون، لأنه يقع في قلب الإنسان شهوة موت مورثه ليأخذ ماله في الغالب، فنزه الله تعالى الأنبياء وأهاليهم عن مثل ذلك، فقطع الإرث عنهم.

стр. 4732

فإن قيل: ما الجواب عن قوله: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [النمل/ ١٦] ، وقوله- ﵎ حكاية عن زكريا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي [مريم/ ٥، ٦] ، وعموم قوله تقدس اسمه: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء/ ١١] ، فالجواب أن يقال: المراد الوراثة في النبوة والعلم والدين لا المال. ويؤيد ذلك قوله ﷺ : «العلماء ورثة الأنبياء» وأما: يُوصِيكُمُ اللَّهُ [النساء/ ١١] فهي عامة لمن ترك شيئا كان يملكه، وإذا ثبت أنه وقفه قبل موته، فلم يخلف ما يورث عنه فلم يورث، وعلى تقدير أنه خلف شيئا فما كان ملكه فدخوله في الخطاب قابل للتخصيص لما عرف من كثرة خصائصه ﷺ وقد صح عنه أنه لا يورث، فحص من عموم المخاطبين وهم الأمة. الثالثة عشرة: وبأنه ضحى عن أمته، وليس لأحد بأن يضحي عن أحد بغير إذنه. روى الحاكم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ ذبح كبشا أقرن بالمصلى ثم قال: «اللهم، هذا عني وعن من لم يضح من أمتي» . الرابعة عشرة: وبأن له أن يقضي بعلم نفسه، ولو في الحدود وفي غيره خلاف. روى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، أن أبا سفيان رجل مسيك، فهل علي من حرج أن أطعم من الذي له عيالنا؟ فقال: «لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف» . وجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ لم يطالبها بالبينة على الزوجية، لأنه علم أنها زوجته، فحكم بأخذ النفقة من ماله بالمعروف [ (١) ] . وهذا هو القضاء بالعلم، ذكر ذلك البخاري وابن جرير وابن المنذر والبيهقي وغيرهم. الخامسة عشرة: وبأن يحكم بغير دعوى، ولا يجوز ذلك لغيره. قاله ابن دحية، واستدل بما روى مسلم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا كان يتهم بأم إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ لعلي: «اذهب فاضرب عنقه» ، فأتاه علي، فإذا هو في ركن يتبرد فيها، فقال له، علي: اخرج، فناوله يده فأخرجه، فإذا هو مجبوب، ليس له ذكر فكف علي عنه، ثم أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله! إنه لمجبوب ما له ذكر. وقد ورد تسمية هذا مأثورا، والذي كان يتهم بها مارية فقال الناس: علج يدخل على علجة، فأمر رسول الله ﷺ عليا بقتله.

стр. 4733

قال الحضيري: والاستدلال به على ما ادعاه غير مسلم فإن الحديث قد استشكله جماعة من العلماء، حتى قال ابن جرير: يجوز أن يكون المذكور من أهل العهد، وفي عهده أن لا يدخل على مارية، فقال: ودخل عليها، فأمر رسول الله ﷺ بقتله لنقض عهده. وقال النووي تبعا للقاضي: قيل لعله كان منافقا ومستحقا للقتل بطريق آخر، وجعل هذا محركا لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنا، وكف عنه علي اعتمادا على أن القتل بالزنا وقد علم انتفاء الزنا، وفيه نظر أيضاً، لأنا نعتبر نفي ظن الزنا من مارية، فإنه لو أمر بقتله بذلك، لأمر بإقامة الحد عليها أيضاً، ولم يقع ذلك معاذ الله أن يختلج ذلك في خاطره أو يتفوه به. وأحسن ما يقال في الجواب عن هذا الحديث، ما أشار إليه أبو محمد بن حزم في «الإيصال إلى فهم كتاب الخصال» ، فإنه قال: من ظن أنه ﷺ أمر بقتله حقيقة بغير بينة ولا إقرار فقد جهل، وإنما كان النبي ﷺ يعلم أنه بريء مما نسب إليه ورمي به، وأن الذي ينسب إليه كذب، فأراد ﷺ إظهار الناس على براءته يوقفهم على ذلك مشاهدة، فبعث عليا ومن معه فشاهدوه مجبوبا- أي مقطوع الذكر- فلم يمكنه قتله لبراءته مما نسب إليه، وجعل هذا نظير قصة سليمان في حكمه بين المرأتين المختلفتين في الولد، فطلب السكين ليشقه نصفين إلهاما، ولظهور الحق، وهذا حسن انتهى كلام الحضيري. السادسة عشرة: وبأن له أن يحكم لنفسه. السابعة عشرة: ولفرعه. الثامنة عشرة: ويشهد لنفسه. التاسعة عشرة: ولفرعه. العشرون: وبقبول شهادة من شهد له [كشهادة خزيمة] . الحادية والعشرون: وبالهدية بخلاف غيره من الحكام، لأنه والأنبياء ﷺ أجمعين معصومون، لا يجوز عليهم أن يحكموا بالهوى، وإنما منع الحاكم من الحكم لنفسه ولولده، لأنه يجوز عليه الهوى، فمنع من ذلك، والمعصوم- ﵇ لا يجوز عليه ذلك فجاز له، ولأن الهدية إنما حرمت على الحكام خوفا عليهم من الزيغ في الشريعة. الثانية والعشرون: وبعدم كراهة الحكم والفتوى حال الغضب، لأنه لا يخاف عليه من الغضب ما يخاف علينا. ذكره النووي في شرح مسلم عند حديث اللقطة، فإنه ﷺ أفتى فيه، وقد غضب حتى احمرت وجنتاه.

стр. 4734

الثالثة والعشرون: وبأن له أن يقتل من سبه أو هجاه، قاله ابن سبع، وذلك راجع إلى القضاء لنفسه. الرابعة والعشرون: وبأن له أن يحمي الموات لنفسه، مع أنه لم يقع ذلك منه، وليس لغيره من بعده أن يحموا لأنفسهم. روى البخاري عن الصعب بن جثامة أن النبي ﷺ قال: «لا حمى إلا لله ولرسوله» . الخامسة والعشرون: وبأنه لا ينقض ما حماه ﷺ ومن أخذ شيئا مما حماه ضمن قيمته في الأصح بخلاف ما حماه غيره من الأئمة لو رعاه ذو قوة فلا غرم عليه. السادسة والعشرون: وبأن له أن يأخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج إليهما، وعليه البذل ويفدي بمهجته مهجة رسول الله ﷺ قال الله- : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب/ ٦] . السابعة والعشرون: وبأن لو قصده ظالم لوجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه نقله في زوائد الروضة عن الفوراني وغيره. قال الجلال البلقيني: وهذا المتعقب، فإن قاصد نفسه كافر والكافر يجب دفعه عن كل مسلم، فلا خصوصية حينئذ قال الحضري: وهذا صحيح بالنسبة إلى قاصده فقط، لكن يدعى الخصوصية في ذلك من جهتين أخريين. إحداهما: أنه يجب بذل النفس في الدفع عنه ﷺ مع الخوف على النفس، بخلاف غيره من الأمة، فإنه لا يجب الدفع مع الخوف كما قرره الرافعي والنووي في كتاب الصيد. والجهة الثانية: من الخصوصية: أن قاصد غير النبي ﷺ مسلما لا يكفر، ولو وجب الدفع، وقاصده ﷺ يكفر بذلك. الثامنة والعشرون: وبأن له القتل بعد الأمان قاله ابن القاص فيما نقله الإمام الرافعي وغيرهما عنه وخطأه وقال ابن الرفعة فيما نقله الزركشي عنه هذا النقل فيه خلل، والذي في التلخيص كان يجوز له القتل في الحرم بعد إعطائه الأمان. قال وهذا لا يطابق ما حكي عنه، لأن ذلك ينصرف بإطلاقه إلى جواز قتل من أمنه وهذا بظاهره يعطي أنه إذا قال: من دخل الحرم فهو آمن، فدخل شخص الحرم وكان ثم سبب يقتضي قتله، أبيح له قتله. وكذا قال ابن الملقن: إنه رآه كذلك في التلخيص فظهر بهذا أن ابن القاص قصد قصّة عبد الله بن خطل.

стр. 4735

وروى الشيخان عن أنس أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء رجل فقال: يا رسول الله، ابن خطل معلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه. فابن القاص- رحمه الله تعالى- معذور، فإنه لما رأى حديث الأمان في دخول المسجد وحده، رأى في هذا الحديث الأمر بقتل ابن خطل بسط هذه الخصوصية، وهذا نهاية أمر الفقيه جمعا بين الأحاديث، لكنّ النبي ﷺ لما أمن الناس استثنى ابن أخطل وغيره، كما سبق في غزوة الفتح. التاسعة والعشرون: وبأن له تعزير من شاء بغير سبب يقتضيه، ويكون له رحمة، ذكره ابن القاص، وتبعه الإمام والبيهقي، ولا يلتفت إلى قول من أنكره. روى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: اللهم، إني أتخذ عندك عهدا لا تخلفنيه فإنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته أو سببته أو لعنته أو جلدته، فاجعلها له زكاة وصلاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة» . وروى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخلت على رسول الله ﷺ ورجلان يكلمانه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله، من أصاب من الخير شيئا مما أصابه هذان قال: «وما ذاك» ؟ قلت: لعنتهما وسببتهما قال: «أوما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم، إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها لها طهورا وزكاة، وقربة تقربه بها يوم القيامة» . قال النووي- رحمه الله تعالى-: هذه الأحاديث منبهة على ما كان عليه- ﵊ من الشفقة على أمته، ومن الاعتناء بمصالحهم، والاحتياط لهم، والرغبة في كل ما ينفعهم، وهذه الرّواية الأخيرة تبين المراد من الرّوايات المطلقة، وأنّه يكون دعاؤه عليهم وسبه ولعنه ونحو ذلك، رحمة وكفارة وزكاة ونحو ذلك، إذا لم يكن أهلا للدعاء عليه والسب واللعن ونحوه وكان مسلما وإلا فقد دعا ﷺ على الكفار والمنافقين، ولم يكن رحمة لهم. فإن قيل: فكيف يدعو على من ليس بأهل للدعاء عليه، أو يسبه أو يلعنه ونحو ذلك؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن المراد ليس بأهل، لذلك عند الله تعالى في باطن الأمر، ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له ﷺ استحقاقه لذلك بأمارة شرعية، ويكون في باطن الأمر ليس أهلا لذلك، وهو ﷺ مأمور بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر. انتهى. وهذا الجواب ذكره المازري، وهو مبني على قول من قال: إنه كان يجتهد في الأحكام، ويحكم بما أدى إليه اجتهاده، وأما من قال: لا يحكم إلا بالوحي، فلا يتأتى فيه هذا الجواب.

стр. 4736

الثاني: أن ما وقع من سبه ودعائه ونحو ذلك ليس بمقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية، كقوله لغير واحد «تربت يمينك» «وعقرى حلقي» ومثل «لا كبرت سنك» وفي حديث معاوية «ولا أشبع الله بطنك» ونحو ذلك لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء، فخاف ﷺ أن يصادف شيء من ذلك إجابة، فسأل الله- ورغب إليه أن يجعل ذلك رحمة، وكفارة، وقربة، وطهورا، وأجرا، وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان، ولم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا متفحشا ولا لعانا ولا منتقما لنفسه، وقد قيل: ادع على دوس فقال: «اللهم، اهد دوسا» ، وقال: «اللهم، اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون» . وهذا ذكره أيضاً المازري، وأشار القاضي إلى ترجيحه، وقال الحافظ: وهو حسن، إلا أنه يرد عليه قوله في إحدى الروايات أو جلدته إذ يقع الجلد عن غير قصد، وقد ساق الجميع مساقا واحدا، إلا أن يحمل على الجلدة الواحدة فيتجه. الثلاثون: وبجواز الوصية لآله قطعا، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب في الأصح، وفي غير آله خلاف والصحيح الصحة، وفي وجه: لا يصح لإبهام اللفظ وتردده بين القرابة وأهل الدين وغيرهما في الشرع. فالخصوصية على وجه. الحادية والثلاثون: وبجواز القبلة له وهو صائم من غير كراهة، وفي حق غيره فيمن لم تتحرك شهوته، وأما من حركت شهوته فحرام في حقه في الأصح. قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- وأيكم كان يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه. الثانية والثلاثون: وبأن له أن يستثني في يمينه ولو بعد حين إذا كان ناسيا بخلاف غيره، فإنه لا يستثني إلا في صلب يمينه. روى الطبراني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- في قوله ﵎: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [الكهف/ ٢٤] الاستثناء، فاستثن إذا نسيت، وهي لرسول الله ﷺ خاصة. الثالثة والثلاثون: قيل وبأنه كان يفجأ في طعامه، ويؤكل منه معه بخلاف غيره للنهي عنه. ذكره ابن القاص والقضاعي، ولم يوافقا على ذلك. روى البيهقي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أنه قال: أقبل رسول الله ﷺ يوما من شعب الجبل، وقد قضى حاجته، وبين أيدينا تمر على ترس أو جفنة فدعوناه إليه فأكل معنا، وما مس ماء» .

стр. 4737

وروى مسلم والبيهقي عن قيس بن السكن، أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله يوم عاشوراء، وهو يأكل فقال: يا أبا محمد، أدنه تأكل، فقال: إني صائم، قال: إنا كنا نصومه ثم ترك. قال البيهقي: وفي هذا أخبار كثيرة وكل ذلك ينفي التخصيص، والنهي لم يثبت والله أعلم. الرابعة والثلاثون: وبأنه كان لا يجتنب الطيب في الإحرام، ونهانا عنه لضعفنا عن ملك الشهوات، إذ الطيب من أسباب الجماع ودواعيه، ذكره المهلب بن أبي صفرة المالكي، وأبو الحسن بن القصار وغيرهما، ورجحه القاضي أبو بكر بن العربي، واستدلوا لذلك بقول عائشة- رضي الله تعالى عنهما- كما في الصحيح كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه حين يحرم، ولحله حين يحل. وأجيب بأنه كان يفعل ذلك قبل الاغتسال للإحرام، واستشكل بقول عائشة- رضي الله تعالى عنها- في الصحيح: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ . قال الإسماعيلي: الوبيص الطيب زيادة على البريق، والمراد به التلألؤ، فإنه يدل على وجود عين قائمة لا الريح فقط. الخامسة والثلاثون: قيل وبأن له أن لا يكفر عن يمينه. ذكره الزمخشري في كشافه، في قوله تعالى: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ [التحريم/ ٢] ، أن رسول الله ﷺ هل كفر لذلك؟ فنقل عن الحسن أنه لم يكفر، لأنه كان مغفورا له، وقيل: إنه كفر عن يمينه. قال القرطبي: وهو الأصح، وأن المراد بذلك النبي ﷺ ثم إن الأمة تقتدي به في ذلك. السادسة والثلاثون: وبأنه كان يدعو لمن شاء بلفظ الصلاة، لأنه منصبه المخصوص به، فله أن يضعه حيث شاء واستدل لذلك بما رواه الشيخان أنه ﷺ قال: «اللهم، صل على آل أبي أوفى» ، ويكره لغيره، ذلك كما رجحه في الروضة، وصححه أكثر المتأخرين كابن النقيب في مختصر الكفاية والدميري. وقيل: يحرم. السابعة والثلاثون: قيل وبصلاته على الغائب. قاله جماعة من الحنفية والمالكية، واستدلوا بأشياء ردّها عليهم غيرهم، وقد بسط ذلك الحافظ في الفتح. الثامنة والثلاثون: وبإدخال العمرة على الحج.

стр. 4738

التاسعة والثلاثون: قيل وبإباحة حمل الصغير في الصلاة، نقله في الفتح عن بعضهم. الأربعون: وبإقطاع الأراضي قبل فتحها، لأن الله تعالى ملكه الأرض كلها. وأفتى الغزالي كما نقله عنه تلميذه القاضي أبو بكر بن العربي في القانون بكفر من عارض أولاد تميم الداري فيما أقطعهم، وقال: إنه ﷺ كان يقطع أرض الجنة، فأرض الدنيا أولى. الحادية والأربعون: وبأنه لو قال: لفلان على فلان كذا جاز لسامعه أن يشهد بذلك، ذكره شريح الروياني في روضة الأحكام. الثانية والأربعون: قيل وبأنه والأنبياء لا تجب عليهم الزكاة، لأنه لا ملك لهم مع الله تعالى، إنما كانوا يشهدون ما في أيديهم من ودائع الله تعالى يبذلونه في أوان بذله، ويمنعونه في غير محله، ولأن الزكاة إنّما هي طهرة لما عساه أن يكون ممن أوجبت عليه، والأنبياء مبرءون من الدنس لعصمتهم. قاله ابن عطاء الله في «التنوير في إسقاط التدبير» قلت: وبنى ذلك على مذهب إمامه مالك، أن الأنبياء لا يملكون. الثالثة والأربعون: وبأنه عقد المساقاة مع أهل خيبر إلى مدة مبهمة، بقوله: «أقركم ما أقركم الله تعالى» لأنه كان يجوز مجيء الوحي بالنسخ، ولا يكون ذلك لغيره. انتهى. الرابعة والأربعون: وبالمن على الأسرى كما زعمه بعضهم. الخامسة والأربعون: وبالجمع في الضمير بينه وبين ربه. كقوله ﷺ : «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» ، وقوله: «ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه» . وذلك ممتنع على غيره، ولذلك أنكر على الخطيب، وإنما امتنع من غيره دونه، لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرق إليه إبهام ذلك، ذكره شيخ الإسلام سلطان العلماء العز بن عبد السلام، وقال الحافظ الصدائي في كتاب «الفصول المفيدة في الواو المزيدة» ، قيل في الجمع بين هذه الأحاديث وجوه: أحدها: أن هذا خاص بالنبي ﷺ فإنه يعطي مقام الربوبية حقه، وإذ لا يتوهم فيه تسوية له بما عداه أصلا، بخلاف غيره من الأمة، فإنها مظنة التسوية عند الإطلاق في جمع الضميرين بين اسم الله تعالى وغيره، فلهذا جاز الإتيان بالجمع بين الاسمين بضمير واحد في كلام النبي ﷺ ، وأمر النبي ﷺ ذلك الخطيب بالإفراد كيلا يتوهم في كلامه التسوية، وهذا يرد عليه حديث ابن مسعود في صلاة الجماعة، وفيه «ومن يعصهما» ، فيدل على عدم الخصوصية إلا أن يقال: يوجد من مجموع الحديثين أن يقولوا في خطبة الحاجة: «ومن يعصي الله ورسوله» لا يجمع ألفاظها، وفيه نظر. ثانيها: أن النبي ﷺ حيث أنكر على الخطيب كان هناك من يتوهم التسوية بين

стр. 4739

المقامين عند الجمع بين ضمير واحد يمنع ذلك، وحيث لم يكن هناك من يلبس عليه أتى بالضمير، وهذا لعله أقرب من الذي قبله. ثالثها: أن ذلك الجمع لم يكن على وجه التحتم، بدليل الحديث الآخر، بل على وجه الندب والإرشاد إلى الأولوية، لما في إفراد اسم الله تعالى بلا ذكر من التعظيم اللائق بجلاله، وهذا يرجع في الحقيقة إلى ما قاله أئمة الأصول، وحينئذ فلا تكون الواو للترتيب. رابعها: أن ذلك الإنكار كان مختصا بذلك الخطيب، وكان النبي ﷺ فهم عنه أنه لم يجمع بينهما في الضمير إلا للتسوية بينهما في المقام، فقال له: «بئس الخطيب أنت» ، فيكون خطابا لمن حاله كذلك، ولعل هذا الجواب هو الأقوى بأن هذه القصة واقعة عين، وما ذكرناه محتمل، ويؤيد هذا الاحتمال فيما ذكره أن يحمل على العموم في حق كل واحد، فإن انضم إلى ذلك حديث أبي داود الذي علم فيه النبي ﷺ أمته كيف خطبة صلاة الحاجة وفيها «ومن يعصهما» بضمير التثنية قوى ذلك الاحتمال، وهذا مثل ما في قوله ﷺ : «لا تفضلوني على موسى» مع قوله: «أنا سيد الناس» ، فقيل في الجمع بينهما وجوه منها: أن الذي منعه من التفضيل يفهم منه نقصا من منصب موسى ﷺ عند التفضيل عنه، فيكون ذلك مختصا بمن هو مثل حاله، والعلم عند الله تعالى. النوع الثاني من التخفيفات والمباحات ما يتعلق بالنكاح وفيه مسائل الأولى: خص ﷺ بجمع أكثر من أربع نسوة وهو إجماع، وقد مات ﷺ عن تسع زوجات كما ذكرنا في باب زوجاته، ووجه الزيادة على أربع أنه لما كان الحر لفضله على العبد يستبيح من النسوة أكثر مما كان يستبيحه أحد من الأمة [فكذلك فضل النبي ﷺ على الحر ... ] . وقال بعض العلماء: السر في إباحة أكثر من أربع أن الله تعالى علمه بواطن الشريعة وظواهرها، وما يستحى من ذكرها ولا ما يستحى، فكان رسول الله ﷺ أشد الناس حياء، فجعل الله تعالى له نسوة فينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله، ويسمعنه من أقواله التي كان يستحيي من الإفصاح عنها بحضرة الرجال لتكمل الشريعة، فكثرة عدد النساء لنقلهن عنه من الأفعال ما يستحي هو من التلفظ به، وأيضاً إنهن نقلن ما لم ينقله غيرهن مما رأينه في منامه، وخلوته من الآيات الدالة على نبوته، ومن جده واجتهاده في العبادة، ومن أمور يشهد كل ذي لب بأنها لا تكون إلا لنبي، وما كان يشاهدها غيرهن فحصل بذلك خير عظيم. الثانية: قيل وبأنه لا ينحصر طلاقه في الثلاث، والأصح خلافه.

стр. 4740

الثالثة: وبأن نكاحه ينعقد بلفظ الهبة على الأظهر لقوله تعالى وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ [الأحزاب/ ٥٠] . قال الرافعي: وعلى قولنا بالانعقاد فلا يجب المهر بالفعل ولا بالدخول كما هي قضية الهبة، وهل يكفي لها لفظ الإتهاب من جهته أيضاً كما يكفي من جهة المرأة أو يشترط منه لفظ النكاح؟ وجهان أصحهما الثاني، لظاهر قوله: أَنْ يَسْتَنْكِحَها [ ... ] فاعتبر في جانبه النكاح. وروى ابن سعد والبيهقي عن الشعبي في قوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ [الأحزاب/ ٥١] قال: كل نساء وهبن أنفسهن للنبي ﷺ فدخل ببعضهن وأرجى بعضا فلم ينكحن بعده، منهن أم شريك. وروى سعيد بن منصور والبيهقي عن ابن المسيب قال: لا تحل الهبة لأحد بعد النبي ﷺ . الرابعة: وبأنه إذا رغب في نكاح امرأة وخطبها، فإن كانت خطبة لزمتها الإجابة، ولأنها إذا خالفت أمره كانت عاصية، وإن خالفت إرادته ورغبته كانت غير راضية بقوله وفعله، وذلك عصيان عظيم يؤدي إلى الكفر فيلزمها الإجابة، ويحرم على غيره خطبتها، لما فيه من المضارة لرسول الله ﷺ واستدل الماوردي بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال/ ٢٤] . الخامسة: قيل: وبأنه إذا وقع بصره على امرأة، فوقعت منه موقعا وجب على الزوج تطليقها، لقصة زيد، قاله الغزالي. قال: ولعل السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه بتكليفه النزول عن أهله، ولعل السر فيه من جانب النبي ﷺ ابتلاؤه ببلية البشر، ومنعه من خائنة الأعين، ومن الإضمار الذي يخالف الإظهار، ولذلك قال تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها.. [الأحزاب/ ٣٧] الآية، ليس فيها كما ترى ما يدل على أنه أوجب الطلاق على زيد، وظاهر الآية أن زيدا طلقها باختياره، لقوله تعالى فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً [الأحزاب/ ٣٧] وأما السنة فليس فيها ما يقضي إيجاب الطلاق عليه، وقد سبق إلى تفسير قصة زيد على النحو الذي ذكره الغزالي جماعة من المفسرين فزعموا أن النبي ﷺ وقع منه استحسان لزينب وهي في عصمة زيد، وكان النبي ﷺ حريصا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو، ثم إن زيدا لما أخبره بأنه يريد فراقها ويشكو منها غلظة قولها وعصيانها، وأذى باللسان وتعظما بالشرف قال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب/ ٣٧] أي فيما تقول وهو يخفي الحرص على

стр. 4741

طلاق زيد إياها، وهذا الذي كان يخفى في نفسه ولكنه لزم ما يحبّ من الأمر بالمعروف. وقال القاضي، والحافظ، وغيرهما: وما زعمه هؤلاء من أن النبي ﷺ هوي امرأة زيد وأحب طلاقها، وأنه أخفى ذلك عن زيد حين استشاره في طلاقه غيره صحيح، وإن صح عن قائله فهو منكر من القول يتحاشى جانب النبوة عنه، إذ كيف يتصور أن سيد الأولين والآخرين ينظر إلى زوجة رجل من أصحابه الخصيصين الذي ادعاه ولدا له وأنها تقع في خاطره، وأنه يقصد فراق زوجها، ليتزوجها، معاذ الله أن ينسب ذلك إليه، ولو نسب ذلك لآحاد الناس لم يرضه لنفسه، ولا يرضاه أحد لغيره، ومن قال هذه المقالة فقد اقتحم أمرا عظيما في جانب النبي ﷺ وخصوصا في زينب، فإنها ابنة عمته أميمة ونشأت بمكة ورآها النبي ﷺ قبل الحجاب ورآها مرارا كثيرة، وعرفها معرفة تامة، وهو الذي خطبها لزيد وزوجه إياها، فكيف يقال إنه لما جاء إلى بيت زينب يطلبه ورآها أعجبته حينئذ حتى عاتبه الله بسبب ذلك. قال الحافظ: وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة عن السدي فساقها مساقا حسنا، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ فزوجها أياه ثم أعلم الله نبيه ﷺ بعد أنها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمره بفراقها، وكان لا يزال بين زينب وبين زيد ما يكون من الناس، فلما أتاه زيد يشكو إليه قال له: «اتق الله وأمسك عليك زوجك» ، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدا، وعند ابن أبي حاتم أيضاً عن علي بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنه قال: أعلم الله نبيه ﷺ أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها فلما أتاه زيد يشكو إليه قال له: «اتق الله، وأمسك عليك زوجك» ، قال الله تعالى: قد أخبرتك أني لمزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه. قال الحافظ: ووردت آثار أخرى أخرجها الطبري وابن أبي حاتم ونقلها أكثر المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد، والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي ﷺ هو إخبار الله تعالى إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله تعالى إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنا في وقوع ذلك من إمام المسلمين، ليكون أدعى لقبولهم، وإنما وقع الحبط في تأويل متعلق الخشية. انتهى والله أعلم فرضي الله تعالى عن هذا الحافظ، وقدس روحه، ونور ضريحه. وقال الشيخ أبو حيان: وهذا المروي عن علي بن الحسين، أي والسدي أصح ما قيل

стр. 4742

في تفسير هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين. وقال القاضي: ما روي في حديث قتادة- رضي الله تعالى عنه- من وقوعها في قلب النبي ﷺ عند ما أعجبته، ومحبته طلاق زيد لها لكان فيه أعظم الحرج، وما لا يليق من مد عينيه لما نهى عنه [من زهرة الحياة الدنيا ولكان نفس الخس المذموم الذي لا يرضاه ولا يتسم به الأتقياء فكيف سيد الأنبياء] وقال القشيري: هذا إقدام عظيم من قائله، وقلة معرفة بالنبي ﷺ وبفضيله، وكيف يقال: رآها وأعجبته وهي بنت عمته، ولم يزل يراها منذ ولدت ولا كان النساء يحتجبن منه- ﵊، وهو الذي زوجها لزيد، وإنما جعل الله طلاق زيد لها وتزويج النبي ﷺ إياها لإزالة حرمة التبني وإبطال سنة الجاهلية، كما قال الله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [الأحزاب/ ٤٠] . وقال تعالى: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ [الأحزاب/ ٣٧] ثم قال: والأولى ما ذكرناه عن علي بن الحسين وحكاه أبو الليث السمرقندي، وهو قول عطاء، وصححه واستحسنه القاضي أبو بكر القشيري، وعليه قول ابن فورك قال: إنه معنى ذلك عند المحققين من أهل التفسير إلى آخره وذكر القاضي أبو بكر بن العربي نحوه، وإذا علم ما تقرر بطلب المسألة من ذلك لعدم قصور ذلك منه ﷺ . السادسة: وبأنه ﷺ ينعقد نكاحه بغير ولي ولا شهود. قال الأئمة: وإنّما اشتراط الولي والشهود في نكاح غيره ولا بدّ منه، أما الولي فلأن لا يضعها عند غير كفء، وهذا المعنى مأمون من جهته ﷺ لأنه أكفأ الأكفاء، وأما الشهود فلأجل استثبات الفعل، وحذرا من الجحود ونفي النسب، وكان هذا مأمونا من جهته ﷺ لأنه معصوم، فلم يحتج إلى ولي ولا شهود، ولأنها لو ذكرت خلاف قوله أو جحدت لم يلتفت إلى قولها لعصمته ﷺ بل قال العراقي في «شرح المهذب» تكون كافرة بتكذيبه. السابعة: وبانعقاد نكاحه ﷺ في الإحرام على الأصح قال الشيخ أبو حامد: وإنما منع غيره من العقد حال الإحرام، لأن فيه دواعي الجماع فربما يفضي بسببه إلى الجماع، فيسقط عنه الإحرام وهذا مأمون من جهته ﷺ لأنه كان معصوما من ذلك وقادرا على الامتناع منه، ويدل عليه قول عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنه كان يقبل وهو صائم، وكان أملككم لإربه فدل على أنه غير ممنوع من العقد وهو محرم، واستدل أئمتنا بحديث ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، كما رواه الشيخان وللعلماء في ذلك كلام مذكور في المطولات. الثامنة: وبعدم وجوب القسم عليه بين زوجاته في أحد وجهين وهو قول الاصطخري،

стр. 4743

وطائفة وصححه الغزالي في الخلاصة، وعليه اقتصر في الوجيز، وأشار البلقيني إلى ترجيحه واختاره الشيخ، وقالوا: كان يفعله تطوعا، لأن في وجوبه عليه شغلا عن لوازم الرسالة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ [الأحزاب/ ٥١] أي تبعد من تشاء فلا تقسم لها، وتقرب من تشاء فتقسم لها. قال القرطبي: وأصح ما قيل في هذه الآية التوسعة بين زوجاته ﷺ وقال القاضي أبو بكر بن العربي هو الذي يعول عليه. التاسعة: وبجواز زواجه المرأة ممن يشاء بغير إذنها بغير رضى وليها واستدل القاضي جلال الدين البلقيني لذلك بحديث سهل بن سعد من الواهبة نفسها، وذلك أنه قال للذي قال: زوجنيها أن لم يكن لك بها حاجة: زوجتكها بما معك من القرآن، ولم ينقل في القصة أنه استأذنها أو استأذن أولياءها، وإذا نظر في الاحتمال إلى الوقائع سقط منها الاستدلال، قلنا: لا نسلم بل هذا من عبارة الشافعي الأخرى وهي: ترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل بمنزلة العموم في المقال، لأن الوقائع من النبي ﷺ لفظ يحال عليه العموم، وهو إسناد العقد إليه بقوله: «زوجتكها بما معك من القرآن» ، فلم يستفصل النبي (ص) إذ قال ذلك ولم يبين أن يكون لها أولياء ولا بين أن يأذن أم لا. العاشرة: وبأن يزوج المرأة بنفسه ويتولى الطرفين بغير إذنها وإذن وليها قال الله- : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب/ ٦] . الحادية عشرة: قيل: ونكاح المعتدة في وجه. قال النووي: وهو غلط، ولم يذكره جمهور الأصحاب بل غلّطوا من ذكره، بل الصواب القطع بامتناع نكاح المعتدة من غيره، قال القاضي جلال الدين: والدليل على المنع أنه لم ينقل فعل ذلك، وإنما نقل عنه غيره، ففي حديث صفية أنه سلمها إلى أم سليم وفيه: وأحسبه قال: وتعتد في بيتها وفي الصحيح: أنها لما بلغت عدتها فأحلت فبنى بها فبطل هذا الوجه بالكلية، وكيف يكون ذلك والعدّة والاستبراء وضعا في الشرع؟ لدفع اختلاط الأنساب، وإذا كان في المسبية من نساء أهل الحرب، فكيف بمن يمكنها عدة الزوج من نساء أهل الإسلام؟ ويطرد مثل ذلك في المستبرأة أيضاً، قال: ووقع في خلاصة الغزالي ما هو قريب من هذه الوجه، وقال ابن الصلاح: إنه غلط منكر وردت نحوه منه. الثانية عشرة: قيل: وبعدم نفقة أزواجه، والأصح خلافه، ودليله قوله ﷺ : «ما تركت نفقة نسائي، ومؤونة عاملي فإنها صدقة» فإذا كان يجب أن ينفق من ماله على زوجاته بعد وفاته فكيف لا تجب النفقة لهن في حال حياته؟ فهذا الخلاف باطل قاله القاضي جلال الدين.

стр. 4744

الثالثة عشرة: وبأنه كانت تحل المرأة له بتزويج الله ﵎ كما في قصة زينب، قال الله- زَوَّجْناكَها يعني صارت زوجة لك، وأما قوله: إنه نكحها بنفسه وتأويله الآية بإحلال النكاح فهو مردود لما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس في قصة خطبتها، وإن زيدا قال لها: إن رسول الله ﷺ يذكرك فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ حتى دخل عليها بغير إذن، وما في صحيح البخاري من قول عائشة وأنس- رضي الله تعالى عنهما- كانت تفخر على نساء النبي ﷺ وتقول: «زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات، وما ذكره من التأويل لا يصح لمعارضة الأحاديث. الرابعة عشرة: وبجعل عتق أمته صداقها. روى الشيخان عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. وروى البيهقي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وتزوجها فسئل ما أصدقها؟ قال: «نفسها» أي أنه اعتقها بلا عوض، وتزوجها بلا مهر، لا في الحال ولا فيما بعده كما صححه ابن الصلاح والنووي في الرّوضة، وقال: إنه اختيار المحققين، وقطع به البيهقي. قال ابن الصلاح: فيكون معنى قوله «وجعل عتقها صداقها» أنه لم يجعل لها شيئا غير العتق يحل محل الصداق، وإن لم يكن صداقا، وهو من قبيل قولهم: «الفقر زاد من لا زاد له» . وذهب الإمامان أحمد وإسحاق إلى عدم الخصوصية في ذلك، واختاره الشيخ، وقال ابن حبان: فعل ذلك النبي ﷺ ولم يقم دليل على أنه خاصّ به دون أمته، فيباح لهم ذلك لعدم وجود تخصيصه فيه. الخامسة عشرة: قيل: وبأن له أن يجمع بين الأختين والأم والبنت في وجه حكاه الحناطي، قال القاضي جلال الدين: وهذا لا يحل حكاية لفساده، لأن النبي ﷺ صرح بتحريم الجمع بين الأختين عليه، وبتحريم نكاح بنت الزوجة المدخول بها. فروى الشيخان عن أم حبيبة- رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: يا رسول الله، انكح أختي عزة، قال رسول الله ﷺ : «أو تحبّين ذلك؟» قالت: نعم، يا رسول الله، لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال رسول الله ﷺ «إن ذلك لا يحل لي» ، قلت: يا رسول الله، فإنا نتحدث أنك تريد أن تنكح درة بنت أبي سلمة، قال: «بنت أم سلمة؟» قلت: نعم، قال: «إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن» .

стр. 4745

السادسة عشرة: وبالخلوة بالأجنبية وإردافها وبالنظر إليها، لأنه معصوم، وكان يملك إربه عن زوجته فضلا عن غيرها مما هوله وهو المبرأ عن كل فعل قبيح. روى أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن عن صفية الجهنية قالت: اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد. وروى البخاري عن خالد بن ذكوان قال: قالت الربيع بنت معوذ: جاء النبي ﷺ فدخل علي حتى دنا مني فجلس على فراشي كمجلسك مني. وروى الشيخان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ يوما فأطعمته، ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله ﷺ ... الحديث. وروى البخاري عنه أيضاً قال: كان رسول الله ﷺ لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه وإلا على أم سليم، فإنه كان يدخل عليها فقيل له في ذلك فقال: إني أرحمها، قتل أخوها معي، قال أبو عبد الله الحميدي. وأم سليم هي أم أنس بن مالك، ولعله أراد على الدوام، فإنه كان يدخل على أم حرام، وهي خالة أنس قال الحافظ أبو زرعة العراقي في شرح التقريب: أم حرام ليست محرما له ﷺ ولا زوجة نعم، قيل: أنها خولة بنت قيس، وإنها كانت زوجة حمزة، وقيل: زوجة حمزة غيرها، فزوجة العم ليست محرما، ولا يبعد عد ذلك في الخصائص ولم يذكره أصحابنا، وقال الكرماني في الحديث الثاني: هذا محمول على أن ذلك قبل نزول آية الحجاب، أو جاز النظر للحاجة وللأمن من الفتنة وقال الحافظ في فتح الباري في باب من «من زار قوما فقال عندهم» الذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائص النبي ﷺ جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها وهو الجواب الصحيح عن قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عليها ونومه عندها، وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهم محرمية ولا زوجية. وقال أبو عمرو: أظن أن أم حرام أرضعت رسول الله ﷺ أو أختها أم سليم، فصارت كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة، فلذلك كانت تفلي رأسه وينام عندها، وتنال منه ما يجوز لذي محرم أن يناله من محارمه ولا يشك مسلم أن أم حرام كانت محرما له، ثم روي عن يحيى بن إبراهيم بن مزين قال: إنما استجاز رسول الله ﷺ أن تفلي أم حرام رأسه، لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته، لأنّ أم عبد المطلب بن هاشم كانت من بني النجار. ومن طريق يونس بن عبد الأعلى: قال لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات رسول الله ﷺ من الرضاعة فلذلك كان يقيل عندها وينام في حجرها وتفلي رأسه. قال الحضيري: ويؤيده ما في صحيح البخاري من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي

стр. 4746

طلحة حدثني أنس بن مالك كان رسول الله ﷺ بعث خاله حراما أخا أم سليم في سبعين راكبا ... الحديث وهذا هو حرام بن ملحان فبهذا السن خال النبي ﷺ وإنه لأم سليم، ولكن ما هي إلا خؤولة الرضاعة، قلت: وهذا الذي قاله فيه نظر، بل الضمير في قوله في حديث أنس- رضي الله تعالى عنه- بعث لأم سليم عائدة على السن فإن حراما أخا أم سليم خال أنس بلا خلاف. وقال النووي: اتفق العلماء على أنها- يعني أم حرام- كانت محرمة له ﷺ واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته ﷺ من الرضاعة. وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده، لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار، وتعقبه ابن الملقن فقال: ما ذكر من الاتفاق على أنها كانت محرما له فيه نظر، فمن أحاط بنسب النبي ﷺ ونسب أم حرام علم أنه لا محرمية بينهما، والنبي ﷺ معصوم، وقد نهي عن الخلوة بالأجنبية نهي تحريم، فيحمل فعله هذا على الاختصاص وقد ادعاه بعض شيوخنا. وأجيب عن النووي بأنه لم يرد أن أم حرام كانت محرما من جهة النسب، فإنه أعلم الناس بنسبهما، وإنما أراد محرمية الرضاع التي حكاها ابن عبد البر وذهب إليها بلا شك، وحكى القاضي أبو بكر بن العربي: كلام ابن وهب وقال غيره: بل كان النبي ﷺ معصوما يملك إربه عن زوجته فكيف عن غيرها، وهو المبرأ عن كل فعل قبيح، وقوله رفث فكان ذلك من خصائصه ﷺ ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب، قال الحافظ: ورد بأن ذلك كان بعد الحجاب والقصة كانت بعد حجة الوداع. وقال الحافظ الدمياطي: زهل من زعم أن أم حرام إحدى خالات النبي ﷺ من الرضاعة أو من النسب وكل من أثبت لها خؤولة تقتضي محرمية لأن أمهاته من النسب واللاتي أرضعنه ﷺ معلومات ليس فيهن أحد من الأنصار البتة سوى أم عبد المطلب وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار وأم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، فلا تجتمع أم حرام وسلمى إلا من عامر بن غنم جدهما الأعلى، وهذه الخؤولة المذكورة لا تثبت بها محرمية، لأنها خؤولة مجازية، وهي كقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: «هذا خالي» لكونه من بني زهرة وهي من أقارب أمه آمنة بنت وهب، وليس سعد أخا لآمنة لا من النسب ولا من الرضاع ثم قال الدمياطي على إنه ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بأم حرام، ولعل ذلك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع.

стр. 4747

قال الحافظ: وهو احتمال قوي لكنه لا يدفع الإشكال من أصله لبقاء الملامسة في تفلية الرأس، وكذلك النوم في الحجر قال: وأحسن الأجوبة عندي الخصوصية، فلا يردها كونها لا تثبت إلا بدليل، لأن الدليل على ذلك واضح. وقال الحافظ الدمياطي: وهم في أم حرام من جعلها من خالات النبي ﷺ من الرضاعة أو النسب وأثبت لها خؤولة توجب محرمية لأن أمهاته ﷺ اللاتي ولدته وأصهاره اللاتي أرضعنه كلهن من مضر وربيعة مرعى ولد إسماعيل وجرهم وقضاعة وخزاعة، ومن بني عامر النجار ومن الأزد ليس فيهن من بني قبيلة الأوس والخزرج سوى أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن عدي بن النجار وحرام وسليم وأم حرام وأم سليم وأم عبد الله، وكلهم أسلم وبايع النبي ﷺ أولاد ملحان، واسم ملحان: مالك بن خلال بن زيد بن حرام وجندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، فلا يجتمع ملحان وسلمى إلا في عامر بن غنم، وهذه خؤولة بعيدة لا تثبت محرمية، ولا تمنع صالحا، لكن العرب تستعملها كثيرا توسعا كقوله ﷺ في سعد بن أبي وقاص ابن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة «هذا خالي، فليرني امرؤ خاله» ، وآمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة من كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب. وكقول عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- فقلت: خالي يعني العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأم عمرو بنت هاشم بن المغيرة بنت عم العاص كما ورد أنه ﷺ دخل على بعض أزواجه بالمدينة فرأى امرأة حسنة فقال: من هذه؟ فقالت: إحدى خالاتك يا رسول الله، فقال: إن خالاتي في هذه الأرض لغرائب من هذه؟ فقالت: هذه خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة فقال: «سبحان الذي يخرج الحي من الميت» ، كان أبوها الأسود من المستهزئين، مات كافرا، وهي بنت خاله، ونحوه هذا كثير، إذا كانت أم الرجل من غير قبيلة أبيه كانت قبيلة أمه أخواله على وجه الاستعارة والمجاز، وذكر كلاما ثم قال: فقد ثبت بمجموع ما ذكرنا من الخصائص لأم حرام وأم سليم ﵁ وهذا الحكم خاص بهما والله أعلم.

стр. 4748

الباب الثامن فيما اختص به- ﷺ عن أمته من الفضائل والكرامات، وفيه نوعان الأول: فيما يتعلق بالنكاح. وفيه مسائل: الأولى: خص ﷺ بأن النكاح في حقه عبادة مطلقا كما قال السبكي وهو في حق غيره ليس بعبادة عندنا بل مباح من المباحات والعبادة عارضة له. الثانية: وبأن مهر المثل لا يتصور في ابنته، لأنها لا مثل لها نقل عن البكري، وهو حسن بليغ. الثالثة: وبتحريم رؤية أشخاص أزواجه في الأزر كما صرح به القاضي عياض، واستدل بما في الموطأ أن حفصة لما توفي عمر سترها الناس عن أن يرى شخصها، وأن زينب بنت جحش لما توفيت جعلت في القبة فوق نعشها لتستر شخصها قلت: قال الحافظ وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهم ولقد كن بعد ذلك يخرجن ويعظن، وكانت الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص وفي صحيح البخاري في «الحج» قول ابن جريج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة أقبل الحجاب أو بعده قال: أي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب. الرابعة: قيل: وبأنهن إذا أرضعن الكبير دخل عليهم، وسائر الناس لا يكون إلا ما كان في الصغر قاله معمر. الخامسة: وبأنه كان لهن رضعات معلومات ولسائر النساء رضعات معلومات، قاله طاووس، وورد أنها عشر رضعات لهن، ولغيرهن خمس. السادسة: وبأن زوجاته أمهات المؤمنين سواء متن في حياته، أو مات عنهن. قال الله تعالى وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب/ ٦] قال الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى-، وذلك لأنه لا يحل نكاحهن بحال ولا تحرم بناتهن لو كنّ لهن، لأن النبي ﷺ قد زوج بناته وهن أخوات المؤمنين انتهى. [ومعنى هذا أن إطلاق الأمومة عليهن بالنسبة إلى تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن وطاعتهن ولا يثبت لهن حكم الأمومة في جواز النظر والخلوة والمسافرة، ولا في النفقة، والميراث وأمومتهن لا تتعدى إلى أحوال المسلمين وحالاتهم ونقل في الروضة عن البغوي

стр. 4749

أنهن كن أمهات المؤمنين من الرجال دون النساء [لأن فائدة الأمومة في حق الرجال، وهي النكاح مفقودة في حق النساء] . رواه ابن أبي حاتم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها-. السابعة: قيل وبتحريم خروجهن لحج أو عمرة، ووجوب جلوسهن بعده في البيوت في أحد قولين قال الله تعالى وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب/ ٣٣] . روى ابن سعد عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ لنسائه في حجة الوداع «هذه الحجة ثم ظهور الحصر» قال: وكنّ يحججن كلهن إلا سودة وزينب قالتا: لا تحركنا دابة بعد رسول الله. الثامنة: وبأن من فارقها في حياته كالمستعيذة وكالتي رأى بكشحها بياضا تحرم على غيره على الأرجح في الروضة، ونص عليه الإمام الشافعي- رضي الله تعالى عنه- في أحكام القرآن. قال ابن الصلاح: إنه أخذ بظاهر القرآن، وقال وهو ظاهر نص الشافعي- رحمه الله تعالى-. التاسعة: وبتحريم نكاح أمة وطأها ومات عنها كأم إبراهيم وإن لم تصر أما للمؤمنين لنقصها (بالرق) [ (١) ] . العاشرة: وإن باعها بقي تحريمها. الحادية عشر: وبتفضيل زوجاته على سائر النساء، قال الله- يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب/ ٣٢] قال ابن عباس: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات أنتن أكرم علي، وثوابكن أعظم لدي وذلك لما خصهن الله- تعالى- به من خلوة رسوله ونزول الوحي بينهن. وقيل: لاصطفائهن لرسول الله ﷺ أزواجا في الدنيا والآخرة. واختلفوا هل المراد بتفضيلهن على سائر النساء من أهل زمانهن وما بعده أو أعم من ذلك على قولين حكاهما الماوردي والروياني. الثانية عشر: وبأنه لا يحل أن يسأل زوجاته ﷺ إلا من وراء حجاب قال الله- وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الأحزاب/ ٥٣] .

стр. 4750

قال القاضي: والنووي في شرح مسلم خصص بفرض الحجاب عليهم بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا في غيرها. الثالثة عشر: وبأن بناته ﷺ لا يجوز التزوج عليهن. روى الشيخان عن المسور بن مخرمة سمعت النبي ﷺ يقول: وهو على المنبر أن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي ابن أبي طالب «فلا آذن، ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يريد علي بن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها» . قال الحافظ لا يبعد أن يكون من خصائص النبي ﷺ منع التزوج على ابنته انتهى. وبه صرح الشيخ أبو علي السنجي في «شرح التلخيص» أنه يحرم التزوج على بناته ﷺ . قال المحب الطبري ولعله يريد من ينسب إليه بالنبوة، ويدل له ما رواه الإمام أحمد، والحاكم عن عبيد الله بن أبي رافع والطبراني برجال ثقات عن أم بكر بنت المسور- فيحرر حالها- عن المسور بن مخرمة إنه بعث إليه حسن بن حسن يخطب ابنته فقال للرسول قل له: يوافيني في وقت ذكره فلقيه فحمد الله المسور فقال: والله ما من نسب ولا سبب ولا صهر أحب إلي منكم، وفي لفظ من نسبكم وصهركم، وفي لفظ محبة ولكن رسول الله ﷺ قال: «فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها فإنه ينقطع يوم القيامة الأنساب إلا نسبي وشيعتي» وفي لفظ وعندك ابنتها ولو زوجتك لقبضها ذلك. فاذهب عاذرا له. قال المحب الطبري: وفي هذا دليل على أن الميت يراعى منه ما يراعى من الحي. قال الشيخ: فإن أخذ هذا على عمومه فمقتضاه أنه يحرم التزوج على بناته إلى يوم القيامة وفيه وقفه. الرابعة عشر: وبأنه أعطى قوة أربعين في الجماع والبطش. روى البخاري عن قتادة عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة وهن إحدى عشرة قلت لأنس أو كان يطيقه، قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين. روى ابن سعد عن مجاهد وطاووس قالا: أعطي رسول الله ﷺ قوة أربعين رجلا في الجماع. وروى الطبراني عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ فضلت على الناس بأربع بالسماحة، والشجاعة، وكثرة الجماع، والبطش.

стр. 4751

وروى عن مقاتل- رضي الله تعالى عنه- قال: أعطى رسول الله ﷺ بضع وسبعين شابا. روى الحارث بن أبي أسامة عن مجاهد قال: أعطي قوة بضع أربعين رجلا، كل رجل من أهل الجنة. وقوة الرجل من أهل الجنة كمائة من أهل الدنيا فيكون أعطي قوة أربعة آلاف، وبهذا يدفع ما استشكل بعضهم، فقال: كيف يعطى قوة أربعين فقط؟ وقد أوتي سليمان قوة مائة أو ألف رجل على ما ورد؟ واحتاج إلى تكلف الجواب عن ذلك. وروى ابن سعد بسند جيد عن صفوان بن سليم- رضي الله تعالى عنه- مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل بقدر فأكلت منها فأعطيت قوة أربعين رجلا في الجماع» وفي لفظ «فما أريد أن آتي النساء ساعة إلا فعلت» . وروى ابن عدي وابن سعد موصولا بسند واحد. قال القاضي أبو بكر بن العربي قد آتى الله- تعالى- رسوله ﷺ خصيصة عظمى، وهي قلة الأكل، والقدرة على الجماع، فكان أقنع الناس في الغداء تقنعه الفلقة وتشبعه التمرة، وكان أقوى الناس على الوطء. النوع الثاني فيما يتعلق بغير النكاح وفيه مسائل: الأولى: خص ﷺ بأنه كان ينظر من وراء ظهره كما ينظر قدامه. روى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «هل ترون قبلتي ها هنا؟ فو الله لا يخفى على ركوعكم وخشوعكم وإني لأراكم من وراء ظهري» . ورواه الإمام مالك وأحمد عنه بلفظ: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده إني لأنظر من ورائي كما أنظر إلى ما بين يدي فصفوا صفوفكم وأحسنوا ركوعكم» والأحاديث في ذلك كثيرة. وقال المحققون: والصواب أن هذه الأحاديث على ظاهرها، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به ﷺ انخرقت له فيه العادة، وهو مقتضى صنيع البخاري، حيث اخرج هذا الحديث في علامات النبوة، وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره وهو ظاهر رواية مسلم «إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي» ثم ذلك الإدراك يجوز أن يكون برؤية عنه انخرقت له العادة فيه أيضاً، فكان يرى بها من غير مقابلة، لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها

стр. 4752

عقلا عضو مخصوص ولا مقابلة ولا قربا وإنما ذلك أمور عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلا ولذلك حكموا بجواز رؤية الباري- في الدار الآخرة خلافا لأهل البدع. وقيل: كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط بيصر بهما لا يحجبهما ثوب ولا غيره. نقله الزاهدي نجم الدين مختار بن محمود الحنفي «شارح القدوري» في «رسالته الناصرية» . الثانية: وتطوعه بالصلاة قاعدا بلا عذر كتطوعه قائما ﷺ . روى مسلم وأبو داود عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قالت أتيت رسول الله ﷺ فوجدته يصلي جالسا فقلت: يا رسول الله إنك قلت صلاة الرجل قاعدا على نصف الصلاة قائما وأنت تصلي قاعدا؟ قال «أجل ولكني لست كأحد منكم» . قال النووي: قوله ﷺ «لست كأحد منكم» عند أصحابنا من خصائص النبي ﷺ ، فجعلت نافلته قاعدا مع القدرة على القيام كنافلته قائما تشريفا له كما خص بغيرها، وقال القاضي معناه أن النبي ﷺ لحقه مشقة شديدة من القيام لحطم الناس والسن وكان أجره تاما بخلاف غيره ممن لا عذر له. قال النووي: هذا ضعيف أو باطل، لأن غيره ﷺ أن كان معذورا فثوابه أيضاً كامل وإن كان هو أيضاً قادر على القيام فليس هو كالمعذور يبقى فيه تخصيص فلا يحسن على هذا التقدير: لست كأحد منكم وإطلاق هذا القول، فالصواب ما قاله أصحابنا: إن نافلته ﷺ قاعدا مع القدرة على القيام ثوابها كثوابه قائما وهو من الخصائص وتعقبه الزركشي مما لا يساوي سماعه. الثالثة: وبأن عمله له نافلة. روى الإمام أحمد بسند صحيح عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنها سئلت عن صيام رسول الله ﷺ فقالت: أتعملون كعمله فإنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان عمله له نافلة. وتقدمت أحاديث في المسألة السابعة والعشرين من فضل الواجبات ما يتعلق بذلك الرابعة: وبأن المصلي يخاطبه بقوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ولا يخاطب سائر الناس وهو ثابت في حديث التشهد ومخاطبة النبي ﷺ بذلك واجبة على الصحيح. قال السبكي السلام على رسول الله ﷺ على نوعين:

стр. 4753

الأول: ما يقصد به الدعاء بالتسليم عليه من الله سواء كان بلفظ الغيبة أو الحضور كقولنا ﵊ ويا رسول الله صلى الله عليك وسلم أو عليك الصلاة والسلام سواء كان من الغائب عنه أو الحاضر عنه، وهذا هو الذي قيل باختصاصه ﷺ عن الأمة حتى لا يسلم على غيره من الأمة: إلا تبعا كالصلاة عليه فلا يقال فلان- ﵇. الثاني: ما يقصد به التحية كسلام الزائر إذا وصل إلى قبره وهو غير مختص به بل يعم الأمة وهو الرد على المسلم بنفسه أو برسوله فيحصل ذلك منه ﷺ ، وأما الأول: فالله أعلم فإن ثبت امتاز الثاني بالقرب والخطاب وإلا فقد جزم من يرد هذه الفضيلة وهو مقتضى ما فسر به الحديث الإمام الجليل أبو [ (١) ] عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقبري أحد أكابر شيوخ البخاري حيث قال في قوله: «ما من أحد يسلم علي» الحديث هذا في الزيارة «إذا زارني فسلم علي رد الله علي روحي حتى أرد عليه» ، وأما حديث «أتاني ملك فقال يا محمد أما يرضيك أن لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا» فالظاهر أنه في السلام على النوع الأول. الخامسة وبتحريم رفع الصوت على صوته، قال الله- : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ [الحجرات/ ٢] فنهى الله تعالى عن رفع الصوت فوق صوته وشدد النهي بقوله أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [الحجرات/ ٢] لارتكابكم لهذا الذنب فدل ذلك على أنه حرام بل كبيرة، لأنه توعدهم على ذلك بإحباط العمل. قال الإمام الرازي والأصح أن المراد به رفع الصوت حقيقة لأن رفع الصوت دليل على قلة الاحتشام وترك الاحترام. قال العلماء: ومعنى الآية الأمر بتعظيم رسول الله ﷺ وتوقيره وخفض الصوت بحضرته وعند مخاطبته أي إذا نطق ونطقتم فعليكم ألا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه غالبا لكلامكم وجهره باهرا لجهركم حتى تكون مزيته عليكم لائحة وسابقته واضحة. قال القرطبي: في تفسيره وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأن ذلك كفر والمخاطبون مؤمنون وإنما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من حرسه غير مناسب لما يهاب به العظماء ويوقر به الكبراء فيتكلف الغض منه

стр. 4754

ورده إلى حد يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزيز والتوقير، ولم يتناول النهي أيضاً رفع الصوت الذي يتأذى به رسول الله ﷺ وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو أو ما أشبه ذلك. تنبيه: قال القاضي أبو بكر بن العربي: حرمة النبي ﷺ ميتا كحرمته حيا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثال كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه كما كان يلزمه، ذلك في مجلسه عند تلفظه به وقد نبّه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [الأعراف/ ٢٠٤] وكلام النبي ﷺ من الوحي وله من الحكمة مثل ما للقرآن إلا معاني مستثناة، ببيانها في كتب الفقه فإذا كان رفع الصوت فوق صوته يحبط العمل فما الظن برفع الأمراء ونقائح الأفكار على سننه وما جاء به. السادسة: وبأن أصحابه إذا كانوا معه على أمر جامع كخطبة وجهاد ورباط لم يذهب أحد منهم في حاجة حتى يستأذنوه أي لم يذهب أحد في حاجة حتى يستأذنه. كما قال الله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ [النور/ ٦٢] فإذا كان هذا مذهبا مقيدا، أرضا فيه لحاجة لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين، أصوله وفروعه دقيقة وجليلة هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذان فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل/ ٤٣] . السابعة: وبتحريم ندائه من وراء الحجرات كما قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [الحجرات ٤] . وجه الاستدلال أن الله تعالى وصف فاعل ذلك بعدم العقل أي عقل الأحكام الشرعية فدل على أن من الأحكام الشرعية أن لا يناديه من وراء الحجرات. الثامنة: وبتحريم ندائه باسمه مثل يا محمد يا أحمد، ولكن ينادى يا نبي الله، يا رسول الله، يا خيرة الله ونحو ذلك قال الله تعالى لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور/ ٦٣] . قال سعيد بن جبير ومجاهد بلغني قولوا يا رسول الله في رفق ولين، ولا تقولوا يا محمد بتهجم.

стр. 4755

تنبيهان: الأول: روى البخاري عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا من أهل البادية جاء فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك ... الحديث. فيحمل هذا على احتمال أنه كان قبل النهي عن ذلك. الثاني: هل يجوز نداؤه ﷺ بالكنية واللقب؟ قال القاضي جلال الدين ظاهر قول الشيخين يقتضي المنع بل نقول: يا نبي الله، يا رسول الله، من النداء بالكنية واللقب ولكنه محل نظر، وتقدم في الكلام على كناه من باب الأسماء ما يقتضي أنه كان يجوز النداء بالكنية، لأنه لو كان حراما لما كان النبي ﷺ يقول: «تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي» . وروى الشيخان أن النبي ﷺ كان يوما يمشي بالبقيع فسمع رجلا يقول يا أبا القاسم، فرد رأسه إليه فقال الرجل: يا رسول الله لم أدعك إنما دعوت فلانا، فقال رسول الله ﷺ «تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي» . فأفهم هذا جواز النداء بالكنية لأنه نهى عن التكني بها لئلا يحصل الالتفات منه ﷺ والمراد غيره، وأما الاسم وإن كان النداء لغيره ﷺ ممكنا، إلا أن الالتفات منه ﷺ لا يحصل، لأنه محرم على العباد النداء بالاسم. التاسعة: وبتحريم التقدم بين يديه ﷺ بالقول والفعل، وهو ذكر الرأي عنده، أو فعله، قبل رأيه ﷺ ، قال الله- ﵎ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات/ ١] لأن من قدم قوله أو فعله، على رسول الله ﷺ فقد قدم على الله، لأن رسول الله ﷺ إنما يأمر من أمر الله، والمعنى لا تقطعوا أمرا دون الله ورسوله ولا تعجلوا به، لأن «بين اليدين» ها هنا الإمام والقدام فتضمن حمله على قدام الأمر والنهي، فقدم هنا بمعنى تقدم كما في قولهم بين وتبين وفكر وتفكر، وهذا باق إلى يوم القيامة لم ينسخ فالتقدم بين يدي نبيه، بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته لا فرق بينهما عند ذي عقل سليم. العاشرة: وبأنه ﷺ كان يستشفى به، كذا قاله الرافعي وهو شامل لذاته الشريفة ﷺ قولا وفعلا كدعائه ومس يده والغسل بريقه والتمسح بفضل وضوئه ونخامته وعرقه، وهذا أمر مشهور وقد تقدم بيان ذلك في المعجزات. فإن قيل ما وجه الخصوصية في ذلك وغيره من الأولياء قد كان يستشفى بدعائه ولمس يده وبريقه وشعره وعرقه ويتبرك بذلك؟ فالجواب عن ذلك أن هذا الاستشفاء من النبي ﷺ متيقن الإجابة بخلاف غيره، فإنه مظنون وقد تتخلف الخصوصية في اليقين.

стр. 4756

الحادية عشرة: وبأن النجس منا طاهر منه. الثانية عشر: ويستسقى به. روى البزار والطبراني والحاكم والبيهقي بسند حسنه الشيخ عن عبد الله بن الزبير قال احتجم رسول الله ﷺ فأعطاني الدم فقال: «اذهب فغيبه» فذهبت فشربته، ثم أتيت النبي ﷺ فقال لي «ما صنعت؟» قلت غيبته قال «لعلك شربته» قلت شربته. وروى الدارقطني في السنن عن أسماء بنت أبي بكر قالت ان النبي ﷺ احتجم فدفع دمه إلى ابني فشربه، فأتاه جبريل فأخبره فقال «ما صنعت؟» قال كرهت أن أصب دمك فقال النبي ﷺ لا تمسك النار، ومسح على رأسه وقال: «ويل للناس منك وويل لك من الناس» . وروى الحاكم عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال شج رسول الله ﷺ يوم أحد فتلقاه أبي فلحس الدم عن وجهه بفمه وازدرده فقال النبي ﷺ «من سره أن ينظر إلى رجل خالط دمه دمي فلينظر إلى مالك بن سنان» . ورواه سعيد بن منصور عن عمرو بن السائب مرسلا وروى البزار وأبو يعلى وابن أبي خيثمة والبيهقي في السنن والطبراني عن سفينة قال: احتجم النبي ﷺ ثم قال خذ هذا الدم فادفنه من الدواب والطير والناس فذهبت فشربته ثم جئت فقال ما صنعت؟ فأخبرته فضحك. ورواه ابن عدي من طريق شريح بن يونس ثنا ابن أبي فديك ثنا برية بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جده بلفظ خذ هذا الدم فادفنه من الدواب والطير أو قال الناس والدواب شك ابن أبي فديك. ورواه أبو الحسن بن الضحاك قال: حدثنا أبو الحكم حدثنا أبو الغنائم حدثنا عبد الله بن عبيد الله أنبأنا أبو عبد الله المحاملي أنبأنا علي بن شعيب أنبأنا ابن أبي فديك فذكره. وروى أبو يعلى والطبراني والدارقطني والحاكم وأبو نعيم عن أم أيمن- رضي الله تعالى عنها- قالت قام رسول الله ﷺ في الليل إلى فخارة فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها، فلما أصبح أخبرته فضحك وقال «أما إنك لا يتجعن بطنك أبدا» ولفظ أبي يعلى «أنك لن تشتكي بطنك بعد يومك هذا أبدا» . وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرت أن النبي ﷺ كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره، فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت بهم من أرض الحبشة فقال «أين البول الذي كان في القدح؟» قالت شربته قال: «صحة يا أم يوسف» وكانت تكنى أم يوسف، فما مرضت قط حتى ماتت فيه،

стр. 4757

وصحح ابن دحية أنهما قضيتان وقعتا لامرأتين وهو واضح من اختلاف السياق وصحح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن، وهو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام البلقيني كما دل عليه كلامه في «التدريب» . وروى الطبراني والبيهقي بسند صححه الشيخ عن حكيمة بنت أميمة عن أمها قالت: كان للنبي ﷺ قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت سريره، فقام فطلبه فسأل عنه فقال أين القدح: فقالوا: شربته برة خادم أم سلمة التي قدمت معها من أرض الحبشة، فقال النبي ﷺ «لقد احتظرت من النار بحظار» . وموضوع الدلالة من هذه الأحاديث أن النبي ﷺ لم ينكر على ابن الزبير ولا أم أيمن ولا من فعل مثل فعلها، ولا أمرهم بغسل الفم، ولا نهاهم عن العود إلى مثله، ومن حمل ذلك على التداوي، قيل له قد أخبر ﷺ «إن الله يجعل شفاء أمته فيما حرم عليها» رواه ابن حبان في صحيحه فلا يصح حمل الأحاديث على ذلك بل هي ظاهرة في الطهارة. الثالثة عشر: وبأن من زنا بحضرته واستهان به كفر. قال الرافعي: والدليل على ذلك قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفتح/ ٨، ٩] قال المفسرون معنى تعزروه أي تعظموه وتفخموه فالضمير عائد إلى النبي ﷺ فالوقف تام بقوله تسبحوه أي تسبحوا الله تعالى بكرة وأصيلا فيكون معنى الكلام راجعا إلى الله- وهو وسبحوه من غير خلاف ويكون بعض الكلام راجعا إلى النبي ﷺ وهو التوقير والتعظيم وهو من باب اللف والنشر المشوش. فكما أن النبي ﷺ يرسل إلى الخلق كافة ليأمرهم بالإيمان كذلك هو مرسل إليهم ليأمرهم بنصرته وتوقيره فمن خالف موجب ذلك كفر. تنبيه قال النووي- رحمه الله تعالى- وفي مسألة المزني نظر قال- الجلال البلقيني: مراده بذلك أن لا يكون الزاني قاصدا للاستهانة فمن قصد الاستهانة فالحق أنه لا نظر في ذلك، لأنه لا يتضمن استهانة له في ذلك ولا نظر إلى الزاني الخالي عن قصد [لعدم النية من الشخص: وفي هذا نظر] . فالفعل نفسه استهانة فلا حاجة إلى القصد معه وإن لم يكن قاصدا لها، لأن ترك الاستحياء من الشخص استهانة له فلا حاجة إلى القصد معه.

стр. 4758

الرابعة عشر: وبأن من سبه وهجاه يقتل. روى الحاكم والبيهقي- رضي الله تعالى عنه- عن أبي بردة- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا سب أبا بكر- رضي الله تعالى عنه- فقلت ألا أضرب عنقه يا خليفة رسول الله ﷺ ؟ فقال ليست هذه لأحد بعد رسول الله ﷺ . روى أبو داود والبيهقي عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن يهودية كانت تشتم رسول الله ﷺ فأهدر الرسول ﷺ دمها. وروى مسدد عن أبي إسحاق الهمداني رحمه الله تعالى قال كان رجل من المسلمين ذاهب البصر يأوي إلى يهودية وكانت حسنة الصنع إليه، وكانت تسب رسول الله ﷺ إذا ذكرته فنهاها فأبت أن تفعل فقتلها، فأبطل رسول الله ﷺ دمها. وروى الحارث برجال ثقات. عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أنه مر براهب فقيل له: إن هذا سب رسول الله ﷺ فقال لو سمعته لضربت عنقه إنا لم نعطهم العهد على أن يسبوا نبينا. وروى أبو يعلى بسند صحيح عن كعب بن علقمة أن عرفة بن الحارث وكانت له صحبة- ﵁ مر على رجل كان يلبس كل يوم ثوبا أو قال حلة لا تشبه الأخرى فلبس في السنة ثلاثمائة وستين ثوبا وكان له عهد فدعاه عرفة إلى الإسلام فغضب فسب رسول الله ﷺ فقتله عرفة فقال له عمرو بن العاص: إنهم إنما يعظمون للعهد ما عهدناهم أن يؤذونا في الله ورسوله الحديث. الخامسة عشر: وبأن السب في حقه بالتعريض كالتصريح بخلاف غيره نقله الرافعي عن الإمام، وقال لا خلاف فيه. السادسة عشر: وبوجوب إجابته على المصلي إذا دعاه ولا تبطل صلاته وكذا الأنبياء. روى الإمام أحمد والبخاري عن أبي سعيد بن المعلى- رضي الله تعالى عنه- قال كنت أصلي فمر بي رسول الله ﷺ فدعاني فلم أجبه، وفي رواية فلم آته حتى صليت ثم أتيته فقال: «ما منعك أن تأتي ألم يقل الله تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال/ ٢٤] . وروى الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة والترمذي وصححه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ مر على أبي بن كعب فقال رسول الله ﷺ يا أبي وهو يصلي

стр. 4759

فالتفت أبي فلم يجبه وصلى أبي فخفف ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك» فقال: يا رسول الله كنت في الصلاة، قال: «أفلم تجد فيما أوحي إلي أن اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ» الحديث. فظهر بهاتين القصتين وجوب الإجابة. قال القاضي جلال الدين وأما كونه لا تبطل الصلاة فلأن النبي ﷺ أمره بالإجابة ولو كان في صلاة مفروضة أو نافلة لأن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم من المقال، فلو كان ذلك مبطلا للصلاة مطلقا لم يأمره النبي ﷺ بذلك، لأن قطع الصلاة بعد الشروع فيها إذا كانت فرضا حرام فإذا لم يكن هنالك ما يوجب ذلك كأن وجد أعمى وقدامه نحو بئر يقع فيه وجب إعلامه، وتبطل بذلك لقوله تعالى وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ [محمد/ ٣٣] وذكر الإجابة بين في حديث أبي بن كعب. وأما حديث أبي سعيد ففيه ذكر الإتيان، والظاهر أنه محمول على الإجابة كما في الرواية الأخرى التي للبخاري فيكون من روى علم أنه روى بالمعنى والمعنى مشى في الصلاة والمشي مبطل فبطلت. قلت كلام الروضة كما قال شيخنا شيخ الإسلام زكريا في «شرح الروضة» شامل للإباحة بالفعل وإن كثر، صحت ولا تبطل به الصلاة. وقال الأسنوي وهو المتجه والله تعالى أعلم. وإذا سأل النبي ﷺ شخصا في الصلاة وكان ذلك في منزله دعاية له ولو قال يا فلان كما أشار إليه ابن حبان واستحسنه القاضي جلال الدين. قال الخضري ومحل وجوب الإجابة على لفظ يفهم عنه الجواب بأن يقول نعم ولبيك يا رسول الله وأما الزيادة على ذلك فلا تظهر لي فيه الجواز ولم أر من تعرض لذلك. السابعة عشرة: وبأن أولاد بناته ينسبون إليه ﷺ وأولاد غيره لا ينسبون إليه في الكفاءة ولا في غيرها. روى أبو نعيم في ترجمة عمر عنه في أثناء حديث رفقة قال: وكل ولد آدم كان عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم. قال الحافظ أبو الخير السخاوي- رحمه الله تعالى- في فتاويه رجاله موثقون وللحديث شواهد رواه الطبراني في «الكبير» من طريق عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن شيبة بن نعامة عن فاطمة ابنة الحسين عن جدتها فاطمة الكبرى والخطيب من طريق محمد بن أحمد بن يزيد بن أبي العوام قال حدثنا أبي قال: حدثنا جرير قال رسول الله ﷺ فذكره.

стр. 4760

وروى الحاكم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : لكل نبي أم عصبة إلا بني فاطمة أن وليهما وعصبتهما. الثامن عشر: كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا نسبه ﷺ وسببه. روي عن عبد الله ابن الإمام أحمد بسند قال الذهبي صالح عن عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري.» روى الحاكم والبيهقي عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- أنه خطب إلى علي أم كلثوم فتزوجها فأتى عمر المهاجرين فقال: ألا تهنئوني بأم كلثوم ابنة فاطمة. سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببي ونسبي» فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله ﷺ سبب ونسب. وروى الإمام أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي والضيا في المختارة عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- وابن حبان عن ابنه عبد الله والطبراني وأبو نعيم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله ﷺ قال: «الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري» قيل: ومعنى ذلك أن أمته ينسبون إليه يوم القيامة وأمة سائر الأنبياء لا ينسبون إليهم. قال القاضي جلال الدين البلقيني وهو مردود بما في الصحيح من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ يحي نوح وأمته فيقول الله هل بلغت فيقول نعم أي رب فيقول لأمته هل بلغكم ... الحديث. وهذا صريح في نسبة أمة نوح إليه يوم القيامة ومعناه أنه ينتفع به من ينسب إليه ولا ينقطع بسائر الأنساب قال وهو الذي يظهر. التاسعة عشر: بحرمة التكني بكنيته مع جواز التسمية باسمه. العشرون: وبعدم جواز الجنون على الأنبياء. الحادية والعشرون: وبعدم جواز الإغماء الطويل فيما ذكره الشيخ أبو حامد من تعليقه، وجزم به البلقيني في «حواشي الروضة» . الثاني والعشرون: وبأن إغماءهم يخالف إغماء غيرهم كما خالف نومهم نوم غيرهم قال الله : ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم/ ٢] .. والأنبياء لم يزالوا على وصف الكمال من العلم بالله تعالى ولو أمكن الجنون والإغماء الطويل في حقهم لكانوا في حال من الأحوال جاهلين بالله تعالى ويفتتح أيضاً باب الطعن عليهم.

стр. 4761

الثالثة والعشرون: وبعدم جواز الاحتلام عليهم على الصواب فإنه من تلاعب الشيطان. وروى الطبراني والدينوري في المجالسة عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: ما احتلم نبي قط وإنما الاحتلام من الشيطان» . الرابعة والعشرون: وبأن الأرض لا تأكل لحومهم كما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن أوس بن أوس الثقفي مرفوعا وسيأتي الكلام عليه في باب حياته ﷺ في قبره بعد الوفاة. الخامسة والعشرون: وبأن الكذب عليه ﷺ كبيرة وليس كالكذب على غيره في تشديد الحرمة كما في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة وقد جاء في حديث التحذير من الكذب عليه ﷺ من طرق جماعة من الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- حتى قال النووي- رحمه الله تعالى- أنه قيل جاء عن مائتين من الصحابة، ولا فرق في تحريم الكذب عليه بين ما كان من الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب، والمواعظ وغير ذلك وكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع من يعتد به وبأن من كذب عليه عمدا من غير استحلال يكفر ويراق دمه قاله الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين، والجمهور على خلافه وأنه لا يكفر إلا إذا استحل ذلك. السادسة والعشرون: وبأن من رآه في المنام فقد رآه حقا فإن الشيطان لا يتمثل في صورته كما رواه البخاري عن أنس والشيخان عن أبي قتادة والبخاري عن أبي سعيد ومسلم عن جابر والشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال القضاعي هذه الخصوصية مما خص به النبي ﷺ ومن غيره من الأنبياء. وقال الشيخ أكمل الدين في «شرح المشارق» ذكر المحققون أن هذا المعنى خاص به ﷺ وقالوا في ذلك أنه ﷺ وإن ظهر بجميع أحكام الحق وصفاته تخلقاً وتحققاً فإن من مقتضى مقام رسالته وإرشاده للخلق ودعوته إياهم إلى صفات الحق الذي أرسله إليهم هو أن يكون الأظهر فيه حكماً وسأظنه من صفات الحق وأسمائه صفة الهداية، والاسم الهادي كما أخبر تعالى عن ذلك بقوله.. وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى/ ٥٢] فهو- ﵊ صورة الاسم الهادي ومظهر صفات الهادي والشيطان مظهرا لاسم المضل والظاهر بصفة الضلالة فهما ضدان ولا يظهر أحدهما بصورة الآخر فالنبي ﷺ خلقه الله تعالى للهداية فلو ساغ ظهور إبليس في صورته زال الاعتماد بكل ما يبديه الحق ويظهره لمن شاء هدايته به فلهذه الحكمة عصم الله تعالى صورة النبي ﷺ من أن يظهر بها شيطان. فإن قيل: عظمة الحق أتم من عظمة كل عظيم فكيف اعتاض على

стр. 4762

إبليس أن يظهر بصورة النبي ﷺ ، ثم إن إبليس اللعين قد تراءى لكثيرين وخاطبهم بأنه الحق طلبا لإضلالهم، وقد أضل جماعة بمثل هذا- حتى ظنوا أنهم رأوا الحق وسمعوا خطابه. فالجواب من وجهين أحدهما: أن كل عاقل يعلم أن الحق- ليست له صورة معينة توجب الاشتباه بخلاف النبي ﷺ ، فإنه ذو صورة معينة معلومة مشهورة. والثاني: أن مقتضى حكم الله تعالى أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء بخلاف النبي ﷺ فإنه متصف بصفة الهداية، وظاهر بصورتها فوجب عصمة صورة النبي ﷺ من أن يظهر بها شيطان لبقاء الاعتماد، وظهور حكم الهداية فيمن شاء الله هداية به ﷺ . قال القاضي أبو بكر بن الطيب: المراد بقوله «من رآني في المنام فقد رآني» أن رؤياه صحيحة، لا تكون أضغاثا، ولا تكون من تشبيهات الشيطان قال: ويعضده قوله في بعض طرقه «فقد رأى الحق» وفي قوله «فإن الشيطان لا يتمثل بي» إشارة إلى أن رؤياه لا تكون أضغاثا. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون معنى الحديث إذا رآه على الصفة التي كان عليها في حياته لا على صفة مضادة لحاله فإن رآه على غيرها كانت تأويلا لا رؤيا حقيقية، فإن من الرؤيا ما يخرج على وجهه ومنها ما يحتاج إلى تأويل. قال النووي وهذا الذي قاله ضعيف بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها كما ذكره المازري قال الحافظ: وهذا الذي رده النووي روى عن ابن سرين أمام المعبرين اعتباره فقد روى: إسماعيل بن إسحاق بسند صحيح عن أيوب قال كان محمد- يعني- ابن سيرين إذا قص رجل أنه رأى النبي ﷺ قال صف الذي رأيته فإن وصف له صبغة لم يعرفها قال لم تره والذي قاله القاضي توسط حسن ويمكن الجمع بينه وبين ما قاله المازري، بأن تكون رؤياه على الحالين حقيقة لكن إذا كان على صورته كأن يرى في المنام على ظاهره لا يحتاج إلى تعبير، وإن كان على غير صورته كان النقص من جهة الرأي لتخيله الصفة على غير ما هي عليه ويحتاج ما يراه في ذلك المنام إلى التعبير وعلى ذلك جرى علماء التعبير فقالوا: إذا قال الجاهل رأيت رسول الله ﷺ فإنه يسأل عن صفته فإن وافق الصفة المرئية وإلا فلا يقبل منه. قال الحافظ: وذهب الشيخ ابن أبي جمرة إلى ما اختاره النووي فقال بعد أن حكى الخلاف، ومنهم من قال إن الشيطان لا يتصور على صورته أصلا فمن رآه في صورة حسنة فذلك حسن، في دين الرائي، وإن كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص، فذلك خلل في الرائي من الدين، قال: وهذا هو الحق وقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أولا لأنه ﷺ نوراني مثل المرآة

стр. 4763

الصقيلة ما كان في الناظر إليها من حس أو غيره تصور فيها وهي في ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها ولا شين وكذلك يقال في كلامه ﷺ في النوم إنه يعرض على سنة فما وافقها فهو حق، وما خالفها فالخلل في سمع الرائي فرؤيا الذات الكريمة حق والخلل إنما هو في سمع الرائي، أو بصره. قال: وهذا خير ما سمعته في ذلك. قال الحافظ: ويظهر لي في التوفيق بين جميع ما ذكروه أن من رآه على صفة أو أكثر مما يختص به فقد رآه ولو كانت سائر الصفات مخالفة وعلى ذلك فتفاوت رؤيا من رآه فمن رآه على هيئته الكاملة فرؤياه الحق الذي لا تحتاج إلى تأويل وعليها يتنزل قوله «فقد رأى الحق» ومهما نقص من صفاته فيدخل التأويل بحسب ذلك، ويصح إطلاق أن كل من رآه في أي حالة من ذلك فقد رآه حقيقة وقال الغزالي: ليس معنى قوله «رآني» أنه رأى جسمي وبدني وإنما المراد أنه رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه، وكذلك قوله «فسيراني في اليقظة» وليس المراد أنه يرى جسمي وبدني قال والآلة تارة تكون حقيقية، وتارة تكون خيالية والنفس غير المثال المتخيل فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق، قال ومثل ذلك من يرى الله- في المنام قال فإن ذاته منزهة من الشكل والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس، من نور أو غيره ويكون ذلك المثال حقا في كونه واسطة في التعريف، فيقول: الذي رأيت الله تعالى في المنام لا يعني رأيت ذات الله كما تقول في حق غيره. وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري، ما حاصله: أن رؤياه على غير صفته لا تستلزم إلا أن يكون هو فإنه لو رأى الله ﵎ على وصف يتعالى عنه وهو يعتقد أنه منزه عن ذلك ويقدح في رؤيته، بل تكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل. وقال الطيبي: المعنى من رآني في المنام بأي صفة كانت فليستبشر ويعلم أنه رآني الرؤيا الحق التي هي من الله تعالى وهي مبشرة لا الباطل الذي هو الحلم المنسوب للشيطان فإن الشيطان لا يتمثل بي، وكذا أقوله فقد رأى الحق أي رؤية الحق للباطل، وكذا قوله: «فقد رآني» فإن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الغاية في الكمال أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شيء وذكر الشيخ أبو محمد ابن أبي جمرة ما ملخصه أنه يؤخذ من قوله «فإن الشيطان لا يتمثل بي» أن من تمثلت صورته ﷺ في خاطره من أرباب القلوب وتصور له في عالم سره أنه يكلمه، إن ذلك يكون حقا، بل ذلك أصدق من مرأى غيرهم لما من الله تعالى به عليهم من تنوير قلوبهم.

стр. 4764

وقال القرطبي: اختلف في معنى هذا الحديث فقال قوم: هو على ظاهره فمن رآه في النوم رآه على حقيقته كمن رآه في اليقظة سواء قال: وهذا قول يدرك فساده بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها وأن لا يراه رئيان في آن واحد في مكانين وأن يحيى الآن ويخرج من قبره، ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس، ويخاطبوهم ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب، لأنه جائز أن يرى في الليل وفي النهار مع اتصال على حقيقته في غير قبره وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل. وقالت طائفة معناه: أن من رآه على صورته التي كان عليها ويلزم منه أن من رآه على غير حقيقته أن تكون رؤياه من الأضغاث، ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به، وتقع تلك الرؤيا حقا كما لو رؤي ملأ دارا بجسمه مثلا فإنه يدل على امتلاء تلك الدار بالخير ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله «فإن الشيطان لا يتمثل بي» فالأولى أن تنزه رؤياه وكذا رؤيا شيء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك. فهو أبلغ في الحرمة وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته. قال والصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثا بل هي حق في نفسها لو رؤي على غير صورته فتصور تلك ليس من الشيطان بل هو من قبل الله تعالى ويؤيده قوله «فقد رأى الحق» أي رأى الحق الذي قصد إعلام الرائي فإن كانت على ظاهرها وإلا سعى في تأويلها ولا يهمل أمرها لأنها إما بشرى بخير أو إنذار من شر إما ليخيف الرائي وإما لينزجر عنه وإما لينبه على حكم يقع له في دينه أو دنياه. تنبيهان: أحدهما: وقع في حديث أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- في الصحيحين «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي» وكذا رواه الطبراني من حديث مالك بن عبد الله الخثعمي ومن حديث أبي بكرة والدارمي من حديث أبي قتادة- رضي الله تعالى عنه- وزاد مسلم من حديث أبي هريرة «أو فكأنما رآني في اليقظة» هكذا بالشك ووقع عند الإسماعيلي في الطريق المذكور «فقد رآني في اليقظة» بدل قوله «فسيراني» ومثله في حديث ابن مسعود عن ابن ماجه وصححه الترمذي وأبو عوانة ووقع عند ابن ماجة من حديث أبي جحيفة فكأنما رآني في اليقظة. قال ابن بطال معنى فسيراني في اليقظة، يريد تصديق تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها،

стр. 4765

وخروجها على الحق وليس المراد أنه يراه في الآخرة لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة فتراه جميع أمته من رآه في النوم ومن لم يره منهم فهذه ثلاثة ألفاظ: «فسيراني في اليقظة» ، «فكأنما رآني في اليقظة» ، «فقد رآني في اليقظة» . قال ابن التين المراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائبا عنه فيكون بهذا مبشرا لكل من آمن به ولم يره إنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته قاله القزاز. وقال المازري إن كان المحفوظ «فكأنما رآني في اليقظة» فمعناه ظاهر وإن كان المحفوظ «فسيراني في اليقظة» احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن يهاجر إليه فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أن يراه بعد ذلك في اليقظة، وأوحى- الله تعالى- بذلك إليه ﷺ قال القاضي: قيل معناه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وقيل معنى الرؤية في اليقظة أنه سيراه في الآخرة وتعقب بأن يراه في الآخرة جميع أمته من رآه في المنام ومن لم يره يعني فلا يبقى لخصوص رؤيته في المنام مزية، وأجاب القاضي باحتمال أن تكون رؤياه له في النوم على الصفة التي عرف بها ووصف عليها موجبة لتكرمته في الآخرة، وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه أو الشفاعة له بعلو الدرجة ونحو ذلك من الخصوصيات قال ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين يوم القيامة بمنع رؤية نبيه ﷺ وحمله الشيخ أبي محمد بن أبي جمرة على محل آخر فذكر عن ابن عباس أو غيره أنه رأى النبي ﷺ في النوم فبقي بعد أن استيقظ متفكرا في هذا الحديث فدخل على بعض أمهات المؤمنين ولعلها خالته ميمونة فأخرجت له المرآة التي كانت للنبي ﷺ فنظر فيها فرأى صورة النبي ﷺ ولم ير صورة نفسه ونقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي ﷺ في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك وهذا نوع من الكرامات. قال شيخنا في شرح الترمذي وأكثر من يقع له ذلك إنما يقع قرب نومه أو عند الاحتضار، ويكرم الله به من يشاء. قال الحافظ وهذا مشكل جدا، ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة ويعكر عليه أن جمعا جما رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، وخبر الصادق لا يتخلف. قال مؤلفه محمد بن يوسف- رحمه الله تعالى-: أما ما ذكره من أنه لو حمل على ظاهره لكان هو لأصحابه فقد تقدم في قول الغزالي أن المراد بقوله فسيراني في اليقظة ليس المراد جسمي وبدني إلى آخر ما ذكره.
следующие страницы →