وروى أبو بكر بن يوسف بن البهلول عن طلحة بن مصرف- رحمه الله تعالى- قال:
كان يقال: بغض بني هاشم نفاق.
وروى أبو قاسم حمزة السهمي في «فضائل العباس» عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «أعطى الله- بني عبد المطلب سبعا الصباحة والفصاحة والسماحة والشجاعة والحلم والعلم وحب الناس.
وروى الحاكم وقال على شرط مسلم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال:
قال رسول الله ﷺ : «يا بني عبد المطلب، إني سألت الله ثلاثة أن يجعلكم جوداء نجداء، رحماء» وفي لفظ: «أن يثبت قائمكم، وأن يهدي ظالمكم، وأن يعلم جاهلكم، وسألته أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء، فلو أن رجلا صُفن بين الركن والمقام فصلى وصام ولقي الله، وهو مبغض لأهل بيت محمد ﷺ دخل النار» .
وفي رواية «صفن قدمه» .
ونجداء بدل مهملة.
صفن بصاد مهملة ففاء خفيفة فنون جمع بين قدميه.
والنجدة: الشجاعة وشدة البأس.
وروى عمر الملا عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «يا بني عبد المطلب، إني سألت الله- تعالى- أن يثبت قائمكم وأن يهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم، وأن يجعلكم رحماء نجداء ولو أن رجلا صُفن بين الركن والمقام فصلى وصام، ثم مات، وهو مبغض لأهل هذا البيت لدخل النار» .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق .
[الرحم: هم الأقارب، ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب ويطلق في الفرائض على الأقارب من جهة النساء يقال ذو رحم محرم ومحرَّم وهم من لا يحل نكاحه كالأم والبنت والأخت والعمة والخالة] .
الحكم: بطن من بطون العرب.
حاء: من جشم بن معد، أوحي من مذحج وقال ابن الأثير هما (أي حكم وحاء) حيان من اليمن.
سلهب: قبيلة من قبائل العرب.
[النجباء: جمع نجيب وهو الفاضل الكريم السخي] .
стр. 4797
الباب الثاني في بعض فضائل أهل بيت رسول الله- ﷺ -
وفيه أنواع
الأول: في الحث على التمسك بهم، وبكتاب الله- -.
روى الترمذي وحسنه عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجة الوداع يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول:
«إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي» .
وروى الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن زيد بن أرقم- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي» .
الثاني: في وصية النبي- ﷺ وخلفائه- رضي الله تعالى عنهم- بأهل البيت- رضي الله تعالى عنهم -
روى الترمذي وحسنه والعسكري في الأمثال عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إن عيبتي التي آوى إليها أهل بيتي وإن كرشي الأنصار فاعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم» .
ورواه الديلمي في مسنده بلفظ: «ألا إن عيبتي أهل بيتي والأنصار أثق بهم وأطلعهم على أسراري وأعتمد عليهم» .
وقال الحافظ أبو خيثمة زهير بن حرب: معنى كرش باطني، وعيبتي ظاهري وجمالي وهذا غاية من التعطف عليهم والوصية بهم، وأما
قوله: «وتجاوزوا عن مسيئهم»
هو من نمط
قوله ﷺ : «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم لا الحدود» ،
إذ أهل البيت النبوي، والأنصار من ذوي الهيئات.
الثالث: في أنهم أمان لأمة محمد- ﷺ -
روى ابن أبي شيبة ومسدد وأبو يعلى والحكيم والترمذي والطبراني وابن عساكر عن سلمة بن الأكوع- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي» .
وروى الحاكم عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت أتاها ما توعدون، وأنا أمان لأصحابي، فإذا ذهبت أتاهم ما يوعدون وأهل بيتي أمان لأمتي، فإذا ذهب أهل بيتي أتاهم ما يوعدون» .
стр. 4798
وروى الحاكم ضعيف عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس» .
وروى الإمام أحمد في المناقب عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت النجوم، ذهب أهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض» .
الرابع في أنهم لا يقاس بهم أحد .
روى الديلمي وعمر الملا عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد»
الخامس: في الحث على حفظهم .
روى البخاري عن أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- أنه قال: ارقبوا محمدا ﷺ :
في أهل بيته.
وروى الديلمي عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «أربعة أنا شفيع لهم يوم القيامة المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عند ما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه» .
السادس: في بشارتهم بالجنة ورفع منزلتهم:
بالوقوف عند ما أوجبه الشارع وسنه، تقدمت في الباب الأول عدة أحاديث في التنصيص على شفاعته ﷺ وغضبه حيث قيل: إنهم لا ينتفعون بقرابته.
وروى الجصاص عن زيد بن علي- رحمهم الله تعالى- في قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى/ ٥] قال: إن من رضى رسول الله أن يدخل أهل بيته الجنة.
وروى الثعلبي عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: شكوت إلى رسول الله ﷺ حسد الناس فقال لي: «أما ترضى أن تكون رابع أربعة؟ أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذريتنا خلف أزواجنا» .
وروى الطبراني بسند رواه عن أبي رافع- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال لعلي- رضي الله تعالى عنه-: «أنا أول أربعة يدخلون الجنة، أنا وأنت والحسن والحسين، وذريتنا خلف أظهرنا وأزواجنا خلف ذريتنا وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا»
وروى ابن السرى والديلمي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «نحن بنو عبد المطلب
стр. 4799
سادات أهل الجنة، أنا وحمزة، وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي في الفردوس»
وعن عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي- ﵎ أن لا يدخل النار أحد من أهل بيتي» .
السابع: في حثه والتحذير من بغضهم وأذاهم .
وروى الطبراني في الأوسط والديلمي وسنده واه عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال:
قال رسول الله ﷺ : «أول من يرد علي الحوض أهل بيتي، ومن أحبني من أمتي» .
وروى الترمذي وحسنه والطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد والبيهقي في «الشعب» وابن سعد وابن الجوزي- فذكر هذا الحديث في العلل- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني بحب الله- تعالى- وأحبوا أهل بيتي بحبي» .
وروى أبو نعيم عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «من آذاني في أهلي، فقد آذى الله- » .
وروى الإمام أحمد في المناقب عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «من أبغض أهل البيت فهو منافق» .
وروى الطبراني وأبو الشيخ بن حيان في «الثواب» والبيهقي في «الشعب» والديلمي عن ابن أبي ليلى- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «لا يؤمن أحد حتى أكون أحب إليه من نفسه وتكون عترتي أحب إليه من عترته وأهلي أحب إليه من أهله وإني أحب إليه من ذاك» .
وروي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبغضنا إلا منافق- وفي لفظ- لا يبغضنا أهل البيت إلا شقي» .
وروى الحاكم وابن حبان وصححاه عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، لا يبغض أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار» ،
ورواه الطبراني في الأوسط عن الحسن بن علي- رضي الله تعالى عنهما- أنه قال لمعاوية بن خديج- رحمه الله تعالى-: يا معاوية، إياك وبغضنا، فإن رسول الله ﷺ قال: «لا يبغضنا، ولا يحسدنا أحد إلا زيد عن الحوض يوم القيامة بسياط من نار» .
وروى أبو بكر البزقاني عن الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «من سب أهل البيت، فإنما يسب الله ورسوله.
стр. 4800
وروي أيضا عنه قال: من والانا فلرسول الله ﷺ ، ومن عادانا فلرسول الله ﷺ .
وروى أيضاً عن عبد الله بن حسن بن حسين قال: كفى بالمحب لنا أن أنسبه إلى من يحبنا، وكفى بالمبغض لنا أن أنسبه، إلى من يبغضنا.
وروي أيضاً عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «من آذاني وعترتي فعليه لعنة الله» .
وروى الديلمي عنه قال: قال رسول الله ﷺ «من آذاني في عترتي فقد آذى الله- » .
وروى أيضاً بلا إسناد عنه قال: قال رسول الله ﷺ «حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي، أو قاتلهم أو أعان عليهم أو سبهم» .
وروى الطبراني في «الدعاء» عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال «خمسة أو ستة لعنتهم وكل نبي مجاب الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك للسنة» .
وروى عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: من مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: أيس من رحمة الله.
وروى أبو الشيخ عن علي- رضي الله تعالى عنه- عن درة بنت أبي سهب- رضي الله تعالى عنها- قالت: خرج رسول الله ﷺ مغضبا حتى استوى على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: «ما بال الرجال يؤذونني في أهلي؟ والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتى يحبني ولا يحبني حتى يحب ذوي» .
وروى الطبراني وأبو الشيخ عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله- ثلاث حرمات من حفظهن حفظ الله دينه ودنياه، ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله دينه ولا آخرته» قلت: ما هن؟ قال: «حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي» .
تنبيه
لو قال لرجل من بني هاشم لعن الله بني هاشم: وقال: أردت الظالم منهم، أو قال لرجل من ذرية النبي ﷺ قولا قبيحا من آبائه أو من نسله أو ولده على علم منه أنه من ذرية النبي ﷺ ولم تقم قرينة في المسألتين تقتضي تخصيص بعض آبائه وإخراج النبي ﷺ فمن سبه منهم فحكم القاضي برهان الدين الأخنائي المالكي بقتل بعض الأمراء حدا لكونه لعن
стр. 4801
أجداد القاضي حسام الدين محمد بن جريز بعد أن قال له: أنا شريف وجدي الحسين بن فاطمة ابنة رسول الله ﷺ فضربت عنقه ذكره الحافظ ابن حجر في «أبنائه» في حوادث سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة.
الثامن: في الصلاة عليهم .
روى الشيخان عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى- رحمه الله تعالى- قال: لقيت كعب بن عجرة- رضي الله تعالى عنه- فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله ﷺ ؟ قلت:
بلى، قال: سألنا رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ قال «قولوا: اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وروى إسماعيل القاضي عن إبراهيم بن يزيد النخعي- رحمه الله تعالى- قال: قالوا: يا رسول الله، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا «اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وروى الشيخان عن أبي حميد الساعدي- رضي الله تعالى عنه- أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : قولوا: «اللهم، صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وروى أبو داود عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت، فليقل: اللهم، صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته، وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد» .
وروى النسائي وأحمد في مسنده عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم، اجعل صلواتك وبركاتك على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» .
وروى الدارقطني والبيهقي وغيرهما عن أبي مسعود البدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاة لم يصل فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه» وهو عندهما موقوف من قول أبي مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: لو صليت صلاة لا
стр. 4802
أصلي فيها على آل محمد ما رأيت أن صلاتي تتّم،
وصوّب الدارقطني بأنه من قول أبي جعفر بن محمد بن علي بن الحسين وهو حجة للقائل.
يا أهل بيت رسول الله حبكم ... فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنكم ... من لم يصل عليكم لا صلاة له
التاسع في مكافأته- ﷺ يوم القيامة لمن صنع إلى أهل بيته معروفا .
روى الطبراني في «الأوسط» والضياء المقدسي في «المختارة» والخطيب في التاريخ عن عثمان بن عفان- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «من صنع إلى أحد من خلف عبد المطلب يدا فلم يكافئه بها في الدنيا فعلي مكافأته غدا، إذا لقيني» .
وروى الملا وأبو سعيد النيسابوري عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «من صنع إلى أحد من أهل بيتي يدا كافأته عنه يوم القيامة» .
وروى الديلمي عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: أن رسول الله ﷺ قال: «أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة، المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عند ما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه» .
العاشر: في دعائه- ﷺ لهم .
وروى أبو سعيد النيسابوري وعمر الملا عن عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي- أن لا يدخل النار أحدا من أهل بيتي فأعطاني ذلك» .
الحادي عشر: في أنهم أول من يشفع لهم رسول الله- ﷺ -
روى الديلمي في الفردوس عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «أول من أشفع له يوم القيامة من أمتي أهل بيتي ثم الأقرب، فالأقرب» قال:
«ثم الأنصار، ثم من آمن بي واتبعني من أهل اليمن ثم سائر العرب ثم العجم» .
الثاني عشر: في أنهم كسفينة نوح- ﷺ من ركبها نجا .
روى البزار والطبراني وأبو نعيم عن ابن عباس والبزار عن عبد الله بن الزبير وابن جرير والحاكم والخطيب في «المتفق والمفترق» عن أبي ذر والطبراني في «الصغير» و «الأوسط» عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح في قوم نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق» وفي لفظ «هلك» ومثل
стр. 4803
حطة بني إسرائيل.
قال الحافظ أبو الخير السخاوي: وبعض طرق هذا الحديث يقوي بعضها بعضا.
الثالث عشر: في إخباره- ﷺ أنهم سيلقون بعده أثرة .
والحث على نصرتهم وموالاتهم.
وروى ابن ماجة وابن حبان والحاكم عن عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «إنا أهل البيت اختار الله- لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي أثرة وتشريدا وتطريدا في البلاد، حتى يأتي قوم من ها هنا» ، وأشار بيده نحو المشرق «وأصحاب رايات سود فيسألون الخير فلا يعطونه مرتين أو ثلاثا، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها عدلا، كما ملئت ظلما فمن أدرك ذلك اليوم فليأتهم، ولو حبوا على الثلج» .
الرابع عشر: في وعد الله- نبيه- ﷺ -
[روي عن النبي ﷺ قال: «وعدني ربي في أهل بيتي من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم»
] . الخامس عشر: في بيان من هم أهل البيت .
قال الله : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب/ ٣٣] .
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد ومسلم والترمذي وصححه وابن جرير والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في السنن من طرق والطبراني من وجه آخر وابن أبي حاتم والطبراني عن أم سلمة وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن عمرو بن أبي سلمة وابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعد وابن أبي شيبة والإمام أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن واثلة بن الأسقع وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنهم- قالت أم سلمة- رضي الله تعالى عنها-: أن رسول الله ﷺ كان في بيتها على منامة له عليه كساء خيبري فجاءت فاطمة- رضي الله تعالى عنها- ببرمة فيها خزيرة فقال رسول الله ﷺ :
«ادعي زوجك وابنيك حسنا وحسينا» فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول الله ﷺ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ [الأحزاب/ ٣٣] ثم أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء ثم قال: «اللهم، هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» ، قالها ثلاث مرات.
стр. 4804
(وفي حديث عائشة- رضي الله تعالى عنها- خرج ﷺ غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين فأدخلهما معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معهم فأجلس حسنا وحسينا فيه وجلس علي عن يمينه، وجلست فاطمة عن شماله) [ (١) ] ، وفي رواية للطبراني عنها فألقى رسول الله ﷺ كساء فدكيا ثم وضع يده عليهم، ثم قال: «اللهم إن هؤلاء أهل بيتي» وفي لفظ آل محمد وفي رواية «فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على إبراهيم، إنك حميد مجيد،» قالت أم سلمة فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي وقال: إنك على خير، وفي رواية لابن مردويه عنها في البيت سبعة جبريل، وميكائيل، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين وأنا على باب البيت قلت: يا رسول الله، ألست من أهل البيت؟
قال: إنك على خير من أزواج النبي ﷺ ، وفي رواية: فأدخلت رأسي في الستر، فقلت: يا رسول الله، وأنا معكم؟ فقال: إنك على خير مرتين، وفي رواية فقلت: وأنا معهم يا رسول الله فقال: أنت على مكانك، وأنت على خير، وفي حديث واثلة: فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهل بيتك؟ قال: أنت من أهلي،
وفي حديث عائشة- رضي الله تعالى عنها- خرج رسول الله ﷺ غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين فأدخلهما معه ثم جاء علي، فأدخله معهم ثم جاءت فاطمة فأدخلها معهم فأجلس حسنا وحسينا في حجره، وجلس علي عن يمينه وجلست فاطمة عن شماله.
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال:
قال رسول الله ﷺ : نزلت هذه الآية: في خمسة في وفي علي وفاطمة وحسن وحسين ...
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب/ ٣٣] .
وروى ابن سعد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: لما دخل علي بفاطمة- رضي الله تعالى عنها- جاء رسول الله ﷺ أربعين صباحا إلى بابها يقول: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصلاة رحمكم الله، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»
[الأحزاب/ ٣٣] انتهى.
وروى ابن جرير وابن المنذر والطبراني عن أبي الحمراء- رضي الله تعالى عنه- قال: حفظت من رسول الله ﷺ ثمانية أشهر وفي لفظ الطبراني: رأيت رسول الله ﷺ بالمدينة ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلا أتى باب علي فرفع يده على جنبي الباب، ثم قال:
الصلاة الصلاة إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
[الأحزاب/ ٣٣] .
стр. 4805
وروى ابن مردويه عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: شهدنا رسول الله ﷺ سبعة أشهر يأتي كل يوم باب علي (ابن أبي طالب) عند وقت كل صلاة فيقول: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت» إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
[الأحزاب/ ٣٣] .
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والحاكم والطبراني وصححه عن أنس- رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
[الأحزاب/ ٣٣] .
وروى مسلم عن زيد بن أرقم- رضي الله تعالى عنه- قال: أذكركم الله في أهل بيتي فقيل لزيد- رضي الله تعالى عنه- ومن أهل بيته أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس.
انتهى.
السادس عشر: في تعظيم السلف لأهل البيت .
روى البخاري في «غزوة خيبر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن أبا بكر، قال لعلي- رضي الله تعالى عنهما- والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي.
وروي عن عمر- رضي الله تعالى عنه- أنه قال للعباس- رضي الله تعالى عنهما- والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى من إسلام ابن الخطاب.
وروى البخاري عن عروة بن الزبير قال: ذهب عبد الله بن الزبير- رضي الله تعالى عنهما- مع أناس من بني زهرة إلى عائشة- رضي الله تعالى عنها- وكانت أرق شيء عليهم لقرابتهم من رسول الله ﷺ .
وروى عن رزين بن عبيد قال: كنت عند ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- فأتى زين العابدين بن الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنهم- فقال له ابن عباس: مرحبا بالحبيب ابن الحبيب.
وعن الشعبي- رحمه الله تعالى- قال: صلى زيد بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- على جنازة، ثم قربت له بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس، فأخذ بركابه، فقال زيد خل عنه يا ابن عم رسول الله ﷺ فقال: هكذا نفعل بعلمائنا، فقبل زيد بن ثابت يد ابن عباس، وقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
وعن عبد الله بن حسن بن حسين- رضي الله تعالى عنه- قال: أتيت عمر بن
стр. 4806
عبد العزيز في حاجة لي فقال لي: إذا كانت لك حاجة فأرسل إلي أو أكتب بها فإني أستحي من الله أن يراك على بابي.
وعن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: لو أتى أبو بكر وعمر وعلي- رضي الله تعالى عنهم- بحاجة بدأت بحاجة عليٍّ قبلهما، لقرابته من رسول الله ﷺ ولأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلى من أن أقدمه عليهما أورد الثلاثة القاضي في «الشفاء» انتهى.
وروى عن فاطمة بنت أبي طالب- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخلت على عمر بن عبد العزيز- رضي الله تعالى عنه- وهو يسير بالمدينة، فأخرج من عنده، وقال: يا بنت علي، والله، ما على ظهر الأرض (أهل بيت) [ (١) ] أحب إلي منكم.
وفي «المجالسة» للدينوري أن أبا عثمان النهدي- رحمه الله تعالى- كان من مساكين الكوفة، فلما قتل الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنهما- تحول إلى البصرة، وقال: لا أسكن بلدا قتل فيه ابن بنت رسول الله ﷺ .
وفي «الشفاء» أن مالكا لما تعرض له جعفر بن سليمان والي المدينة ونال منه ما نال وحمل مغشيا عليه دخل عليه الناس، فأفاق، فقال: أشهدكم أني جعلت ضاربي في حلّ.
стр. 4807
الباب الثالث في عدد أولاده- ﷺ -
ومواليدهم، وما اتفق عليه منهم وما اختلف، جملة ما اتفق عليه ستة: اثنان ذكور:
القاسم وإبراهيم، وأربع بنات زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة- رضي الله تعالى عنهم- وكلهن أدركن الإسلام وهاجرن معه ﷺ واختلف فيما سواهن.
فقيل: لم يولد له ﷺ سواهم والمشهور خلافه.
قال ابن إسحاق: وكان له الطيب والطاهر أيضاً، فيكون على هذا جملتهم أربعة ذكور وأربع إناث.
وقال الزبير بن بكار: وفيما رواه عن الطبراني عنه برجال ثقات كان لرسول الله ﷺ غير إبراهيم القاسم وعبد الله وهو قول أكثر [أهل] النّسب.
وقال الدارقطني: وهو الأثبت وصححه الحافظ عبد الغني المقدسي: ويسمى بالطيب والطاهر، لأنه ولد بعد النبوة وقيل: الطاهر والطيب غير عبد الله، فيكون على هذا جملتهم خمسة ذكور وقيل: كان له ﷺ الطيب والمطيب ولدا في بطن، والطاهر والمطهر ولدا في بطن، فيكون على هذا جملتهم أحد عشر.
قال ابن إسحاق: ولد أولاده كلهم غير إبراهيم ﷺ قبل الإسلام، ومات البنون قبل الإسلام وهم يرضعون، وتقدم في قول غيره أن عبد الله ولد بعد النبوة، فلذلك سمي بالطيب والطاهر، فتحصل لنا من مجموع الأقوال سبعة ذكور اثنان متفق عليهما القاسم وإبراهيم وخمسة مختلف فيهم عبد الله والطيب والمطيب والطاهر والمطهر، والأصح قول الجمهور أنهم ثلاثة ذكور القاسم وعبد الله وإبراهيم الأربع البنات متفق عليهن وكلهن من خديجة بنت خويلد إلا إبراهيم فيمن مارية القبطية.
قال محمد بن عمر: وكانت سلمى مولاة صفية بنت عبد المطلب تقبل خديجة في ولادها وكانت تعق عن كل غلام بشاتين وعن الجارية بشاة، وكان بين كل ولدين لها سنة، وكانت تسترضع لهم وتعد بضم الفوقية وكسر العين والمهملة ذلك قبل ولادها بكسر الواو.
وأكبر بناته ﷺ زينب- ﵍ كما ذكره الجمهور.
وقال الزبير بن بكار وغيره رقية- ﵍ والأول أصح.
وقال الزبير أيضاً فيما نقله أبو عمرو عنه- رحمهما الله تعالى- ولد له ﷺ القاسم وهو أكبر ولده ثم زينب ثم عبد الله، وكان يقال له: الطيب، ويقال له: الطاهر ولد بعد النبوة، ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية هكذا الأول. فالأول ثم مات القاسم بمكة وهو أول ميت مات من ولد
стр. 4808
رسول الله ﷺ ، ثم مات عبد الله بمكة أيضاً.
وقال ابن إسحاق: ولدت للنبي ﷺ من خديجة- رضي الله تعالى عنها- زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والقاسم وبه كان يكنى والطاهر والطيب، وأما القاسم والطيب والطاهر، فماتوا في الجاهلية، وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام وأسلمن وهاجرن معه.
قال أبو عمرو: قال علي بن عبد العزيز الجرجاني: أولاد رسول الله ﷺ القاسم، وهو أكبر ولده [ثم زينب] وقال ابن الكلبي: زينب ثم القاسم، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية ثم عبد الله، وكان يقال له: الطيب والطاهر، هذا ذكر هم على سبيل الإجمال وسيأتي ذكرهم على سبيل التفصيل في أبواب ذكرهم، وقال بعضهم:
فأول ولد المصطفى القاسم الرضي ... به كنية المختار فافهم وحصلا
وزينب تتلوها رقية بعدها ... وفاطمة الزهراء جاءت على الولا
كذا أم كلثوم تعد وبعدها ... في الإسلام عبد الله جاء مكملا
هو النسب الميمون والطاهر الرضي ... وقد قيل ذا في غيره فتمثلا
وكلهم كانوا له من خديجة ... وقد جاء إبراهيم في طيبة تلا
من المرأة الحسناء مارية فقل ... عليهم سلام الله مسكا ومنولا
تنبيهات
الأول: نقل ابن الجوزي في «التحقيق» عن أبي بكر بن البرقي قال: جميع أولاد رسول الله ﷺ من خديجة سبعة ويقال ثمانية: القاسم، والطاهر، والطيب، وإبراهيم، وزينب ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.
قال في «العيون» : لولا أنه قال إنهم سبعة أو ثمانية لقلت: إن ذلك من النساخ، وهذا شيء عجيب وهو وهم إما من البرقي، وإما من غيره فإن قيل: لعله أراد آخر من خديجة يقال له:
إبراهيم.
فالجواب: أن هذا لا يعرف، ويدفع هذا قوله: جميع أولاد رسول الله ﷺ من خديجة ولا مرية أن إبراهيم من مارية القبطية.
الثاني: روى الهيثم بن عدي عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ولدت خديجة- رضي الله تعالى عنها- للنبي ﷺ عبد العزى وعبد مناف والقاسم، قال الهيثم، قلت لهشام: فأين الطيب والطاهر؟ قال: هذا ما وصفتم أنتم يأهل العراق، فأما أشياخنا فقالوا: عبد العزى وعبد مناف.
قال الذهبي في «الميزان» والحافظ في «اللسان» هذا من افتراء الهيثم على هشام.
стр. 4809
وقال أبو الفرج: الهيثم كذاب لا يلتفت إلى قوله، وقال لنا شيخنا ابن ناصر: لم يسم رسول الله ﷺ عبد مناف ولا عبد العزى قط، والهيثم كذبه البخاري وأبو داود والعجلي والساجي.
وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار، وذكره ابن السكن وابن شاهين وابن الجارود والدارقطني وغيرهم في الضعفاء، وقال في «الموارد» : لا يجوز لأحد أن يقول: إن هذه التسمية وقعت من النبي ﷺ ولئن قيل: إن هذه التسمية وقعت فتكون من غير النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون ولد هذا الولد والنبي ﷺ مشتغل بعبادة ربه أو لغير ذلك فلما جاء سماه بعض أهل خديجة بهذا الاسم من غير أن يكون النبي ﷺ اطلع على تسميته، وأن الولد المذكور لم تطل له حياة فتوفي ذلك الولد ولم يسمه النبي ﷺ ولم يره، ويكون أحد من شياطين الأنس والجن اختلق ذلك لما ولد أحد أولاد النبي ﷺ المذكورين ليدخل في ذلك لبس في قلب ضعيف الإيمان، ويكون النبي ﷺ لما بلغه ذلك غيره أو غير ذلك مما علمه الله- تعالى- انتهى.
ورد الطحاوي في «مشكل الحديث» والبيهقي في السنن وأبو سعيد النقاش والجوزقاني فيما صنع من الموضوعات وغيرهم ما نقله الهيثم عن هشام بن عروة، ولم ينقل أحد من الثقات ما نقله الهيثم عن هشام.
الثالث: قال الإمام العلامة شيخ الأطباء ابن النفيس- رحمه الله تعالى-: لما كان ﷺ مزاجه شديد الاعتدال لم يكن أولاده ﷺ إناثا فقط، لأن ذلك إنما يكون لبرد المزاج، ولا ذكورا فقط، لأن ذلك إنما يكون لحرارة المزاج، فلما كان مزاج النبي ﷺ معتدلا فيجب أن يكون له بنون وبنات وبنوه يجب أن لا يطول أعمارهم، لأن أعمارهم إذا طالت بلغوا إلى سن النبوة وحينئذ فلا يخلو إما أن يكونوا أنبياء أو لا يكونوا كذلك، ولا يجوز أن يكونوا أنبياء، وإلا لما كان هو خاتم النبيين، ولا يجوز أن يكونوا غير أنبياء وإلا لكان ذلك نقصا في حقه ﷺ وانحطاطا عن درجة كثير من الأنبياء، فإن كثيرا من الأنبياء أولادهم أيضاً أنبياء، وأما بنات هذا النبي ﷺ فيجوز أن تطول أعمارهن، إذ النساء لسن بأهل للنبوة.
الرابع: روى ابن الإعرابي في معجمه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أسقطت من النبي ﷺ جنينا يسمى عبد الله كانت تكنى به ومدار سنده على داود بن المحبر وهو متروك واتهمه جماعة بالوضع، ويرده ما
رواه أبو داود وفي سننه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال لها: «تكني بابن أختك عبد الله بن الزبير ويروى بابنك عبد الله بن الزبير، لأنها كانت استوهبته من أبويه، فكان في حجرها يدعوها أما ذكره ابن إسحاق.
المطهر- بضم الميم وفتح الطاء المهملة والهاء المشددة، والمطيب مثله.
стр. 4810
الباب الرابع في ذكر سيدنا القاسم ابن سيدنا ومولانا رسول الله- ﷺ -
وكان القاسم أكبر أولاد النبي ﷺ وبه كان يكنى فهو أول أولاده، وأول من مات منهم، ولد بمكة قبل النبوة ومات صغيرا، وقيل: بعد أن بلغ سن التمييز.
قال الزبير بن بكار وحدثني محمد بن نضلة عن بعض المشايخ قال: عاش القاسم حتى مشى.
وقال مجاهد: عاش القاسم سبع ليال وخطأه الملا في ذلك.
وروى (ابن سعد) عن محمد بن جبير بن مطعم، قال: مات القاسم، وله سنتان، وروي أيضاً عن قتادة نحوه، وعن مجاهد: أنه عاش سبعة أيام.
قال المفضل بن غسان: هذا خطأ والصواب أنه عاش سبعة عشر شهراً.
وقال السهيلي: بلغ المشي غير أن رضاعته لم تكمل.
واختلفوا هل أدرك زمن النبوة،
فروى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن أبي عبد الله الجعفي وهو جابر عن محمد بن علي بن الحسين- رضي الله تعالى عنه- قال: كان القاسم بلغ أن يركب الدابة، ويسير على النجيدة، فلما قبض،
قال العاص بن وائل: لقد أصبح محمد أبتر فنزلت إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر/ ١] عن مصيبتك يا محمد بالقاسم فهذا يدل على أن القاسم مات بعد البعثة.
وروى الطيالسي، وابن ماجه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال: لما هلك القاسم قالت خديجة: يا رسول الله، درت لبينة القاسم، فلو كان الله أبقاه حتى يتم رضاعه قال: إن إتمام رضاعته في الجنة، زاد ابن ماجة (فقالت) : لو أعلم ذلك يا رسول الله ليهون علي، فقال: إن شئت دعوت الله تعالى، فأسمعك صوته فقالت: بل أصدق الله تعالى ورسوله،
قال الحافظ: وهذا ظاهر جدا في أنه مات في الإسلام، ولكن في السند ضعف.
وروى البخاري في تاريخه «الأوسط» من طريق سليمان بن بلال عن هشام بن عروة- رضي الله تعالى عنه- أن القاسم مات قبل الإسلام.
وروى ابن أبي عاصم وأبو نعيم: ما أعفى أحد من ضغطة القبر إلا فاطمة بنت أسد، قيل ولا القاسم قال: ولا القاسم ولا إبراهيم، وكان إبراهيم أصغرهما. قال الحافظ: هذا وأثر فاطمة بنت الحسين يدل على خلاف رواية هشام بن عروة.
стр. 4811
تنبيه:
اختلف في القائل لما مات القاسم: إن محمدا أبتر فقيل: العاص بن وائل السهمي كما سبق، وجزم به خلائق، وقيل: أبو جهل، وقيل: كعب بن الأشرف، فإن قلنا: إنه العاص بن وائل فالعاص له عقب وهو عمرو، وهشام، فكيف يثبت له البتر، وانقطاع الولد؟ والجواب: أن العاص وإن كان ذا ولد، فقد انقطعت بينه وبينهم، فليسوا بأتباع له، لأن الإسلام قد حجزهم عنه فلا يرثهم ولا يرثونه.
стр. 4812
الباب الخامس في بعض مناقب سيدنا إبراهيم ابن سيدنا ومولانا رسول الله- ﷺ -
وفيه أنواع
الأول: في أمه، وميلاده، عقيقته، وتسميته:
وفرح رسول الله ﷺ .
أمه مارية القبطية بنت شمعون ذكرت في مناقب أمهات المؤمنين في أبواب نكاحه ﷺ ، ولد في ذي الحجة سنة ثمان بالعالية، قاله مصعب الزبير.
وروى ابن سعد عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، قال: كان رسول الله ﷺ معجبا بمارية القبطية، وكانت بيضاء جميلة، فأنزلها رسول الله ﷺ على أم سليم بنت ملحان، وعرض عليها الإسلام فأسلمت فوطأ مارية بالملك، وحولها إلى مال له بالعالية، كان من أموال بني النضير، فكانت فيه في الصيف وفي خرافة النخل، فكان يأتيها هناك، وكانت حسنة الدين وولدت لرسول الله ﷺ غلاما فسماه إبراهيم، وعق عنه رسول الله ﷺ بشاة يوم سابعه، وحلق رأسه فتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، وأمر بشعره فدفن في الأرض، وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله ﷺ ، فخرجت إلى زوجها أبي رافع، فأخبرته بأن مارية ولدت غلاما فجاء أبو رافع إلى رسول الله ﷺ فبشره فوهب له عبدا، وغار نساء رسول الله ﷺ واشتد عليهن حين رزق منها الولد.
سلمى مولاة صفية ولا شك أن مولاة عمة الشخص مولاته.
وروى ابن سعد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: لما ولد إبراهيم لرسول الله ﷺ جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم، ورواه ابن منده، بلفظ لما ولد إبراهيم بن مارية جاريته كاد يقع في نفس النبي ﷺ حتى أتاه جبريل، فقال: السلام عليك، يا أبا إبراهيم!.
وروى الإمام أحمد ومسلم وابن سعد عنه، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ حين أصبح، فقال: إنه ولد لي في الليلة ولد وإني سميته باسم أبي إبراهيم.
وذكر الزبير عن أشياخه أن رسول الله ﷺ عق عنه بكبشين وحلق رأسه أبو هند، وسماه يومئذ هكذا قال الزبير: سماه يوم سابعه.
الثاني: في رضاعه ومن أرضعه .
روى ابن سعد والزبير بن بكار عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: ولد
стр. 4813
سيدنا إبراهيم ابن سيدنا رسول الله ﷺ فتنافست فيه نساء الأنصار أيتهن ترضعه وأحببن أن يفرغوا مارية لرسول الله ﷺ لما يعلمن من ميله إليها، فدفعه رسول الله ﷺ إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن النجار فكانت ترضعه وكان يكون عند أبويه في بني النجار ويأتي رسول الله ﷺ أم بردة فيقيل عندها ويؤتى بإبراهيم- ﵇ وأعطى رسول الله ﷺ أم بردة قطعة نخل.
وروى الشيخان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ دفع سيدنا إبراهيم- ﵇ إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة، يقال له: أبو سيف، فانطلق رسول الله ﷺ وتبعته حتى انتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره، وقد امتلأ البيت دخانا، فأسرعت في المشي بين يدي رسول الله ﷺ حتى انتهيت إلى أبي سيف فقلت: يا أبا سيف، أمسك، جاء رسول الله ﷺ بالصبي فضمه إليه، وقال ما شاء الله أن يقول.
وروي أيضاً عنه قال: ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ كان إبراهيم مسترضعاً في عوالي المدينة، فكان يأتيه (ونجيء معه) [ (١) ] فيدخل البيت وإنه ليدخن قال:
وكان طئره قينا فيأخذه فيقبله.
الثالث: في وفاته وتاريخه وصلاته عليه، وحزنه عليه .
مات سنة عشر، جزم به الواقدي، وقال: يوم الثلاثاء لعشر خلون من شهر ربيع الأول.
وقالت عائشة: عاش ثمانية عشر شهراً رواه الإمام أحمد، وفي صحيح البخاري أنه عاش سبعة عشر شهراً أو ثمانية عشر شهراً على الشك.
وقال محمد بن المؤمل: بلغ سبعة عشر شهراً أو ثمانية أيام.
وروى ابن سعد عن مكحول وابن سعد عن عطاء وابن سعد عن عبد الرحمن بن عوف وابن سعد عن بكير بن عبد الله بن الأشج وابن سعد عن قتادة وابن سعد عن أنس- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلقا به إلى النخل الذي فيه إبراهيم- ﵇، فدخل وإبراهيم يجود بنفسه فوضعه في حجرة، فلما (مات) [ (١) ] زرفت عينا رسول الله ﷺ فقال له عبد الرحمن بن عوف: تبكي يا رسول الله؟ أو لم تنه عن البكاء؟ قال: «إنما نهيت عن النوح وعن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لهو، ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجه، وشق جيب، ورنة شيطان» .
стр. 4814
وفي رواية: «إنما نهيت عن النياحة، وأن يندب الميت بما ليس فيه» ، ثم قال: «وإنما هذه رحمة ومن لا يرحم لا يرحم بإبراهيم لولا أنه حق ووعد صادق، ويوم جامع» .
وفي لفظ: «لولا أنه أجل معدود، ووقت معلوم، ووعد صادق، وأنها سبيل مأتية وإن أخرانا ستلحق أولانا لحزنا عليك حزنا أشد من هذا وإن بك يا إبراهيم لمحزونون تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب» .
وفي رواية فلقد رأيته يكيد بنفسه، فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ :
«تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، والله يا إبراهيم، إنا بك لمحزونون» .
وروى مسلم وأبو داود وابن مسعد والإمام أحمد وعبد بن حميد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- والطبراني عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الله تعالى والله إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون» .
وروى ابن ماجه والطبراني في «الكبير» وابن عساكر عن أسماء بنت يزيد- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب ولولا أنه وعد صادق، وموعود جامع، وأن الآخر منا يتبع الأول لوجدنا عليك يا إبراهيم، وجدا أشد من هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» .
وروى ابن سعد عن بكير بن عبد الله بن الأشج- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ بكى على ابنه إبراهيم فصرخ أسامة بن زيد فنهاه رسول الله ﷺ فقال:
رأيتك تبكي، فقال رسول الله ﷺ : «البكاء من الرحمة والصراخ من الشيطان» .
وروى ابن سعد عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فانطلق بي إلى النخل الذي فيه إبراهيم فوضعه في حجره، وهو يجود بنفسه، فذرفت عيناه فقلت له: أتبكي يا رسول الله، أو لم تنه عن البكاء؟ قال: «إنما نهيت عن النوح عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان» ،
قال: قال عبد الله بن نمير في حديثه: «إنما هذا رحمة ومن لا يرحم لا يرحم، يا إبراهيم، لولا أنه أمر حق، ووعد صادق، وأنها سبيل مأتية، وإن أخرانا ستلحق أولانا لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون تدمع العين، ويحزن القلب، ولا تقول ما يسخط الرب- .
وروى ابن ماجة والحكيم والترمذي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- لمّا قبض إبراهيم ابن النبي ﷺ قال لهم رسول الله ﷺ «لا تدرجوه في أكفانه، حتى أنظر إليه» فأتاه فانكب عليه وبكى.
стр. 4815
واختلف: هل صلى عليه أم لا؟.
وروى الإمام أحمد وابن سعد من طريق جابر الجعفي وهو ضعيف عن البراء والبيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه، وابن ماجة بسند ضعيف عن ابن عباس وابن سعد وأبو يعلى عن أنس وأبو داود والبيهقي مرسلا عن عطاء بن أبي رياح، أن رسول الله ﷺ صلى على ابنه سيدنا إبراهيم زاد البيهقي في المقاعد: وهو موضع الجنائز، زاد أنس: وكبر عليه أربعا، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضا.
وروى ابن سعد عن عطاء وابن سعد عن مكحول أن رسول الله ﷺ كان على شفير قبر ابنه فرأى فرجة في اللحد، فناول الحفار مدرة وقال: «إنها لا تضر ولا تنفع ولكنها تقر عين الحي» ، وجعل رسول الله ﷺ يسوي بإصبعه، ويقول: «إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه، فإنه مما يسلي بنفس المصاب» .
قال الزبير بن بكار: ولما دفن قبل علي قبره وأعلى بصلاته، وهو أول قبر رش.
وروى ابن سعد عن رجل من آل علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ حين دفن سيدنا إبراهيم، قال: هل من أحد يأتي بقربة فأتى رجل من الأنصار بقربة ماء، فقال: رشها على قبر إبراهيم، وقال: وقبر إبراهيم قريب من الطريق، وأشار إلى قريب من دار عقيل.
الرابع: في انكساف الشمس يوم وفاته .
روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أمه سرين قالت: حضرت موت إبراهيم فرأيت رسول الله ﷺ كلما صحت أنا وأختي ما ينهانا، فلما مات نهانا عن الصياح
وغسله الفضيل بن عباس، ورسول الله ﷺ والعباس جالسان ثم حمل فرأيت رسول الله ﷺ علي شفير القبر والعباس جالس إلى جنبه ونزل في حفرته الفضل بن عباس وأسامة بن زيد، وأنا أبكي عند قبره، ما ينهاني أحد، وخسفت الشمس في ذلك اليوم، فقال الناس: لموت إبراهيم،
فقال رسول الله ﷺ : «إنها لا تخسف لموت أحد ولا لحياته» ورأى رسول الله ﷺ فرجة من اللبن، فأمر بها أن تسد، فقيل: يا رسول الله ﷺ فقال: إنها لا تضر ولا تنفع، ولكن تقر عين وإن الحي العبد إذا عمل عملا أحب الله أن يتقنه،
ومات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر.
وروى الشيخان عن المغيرة بن شعبة- رضي الله تعالى عنه- قال: انكسفت الشمس يوم موت إبراهيم فقال الناس: لموت إبراهيم، فقال ﷺ : «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد» .
стр. 4816
الخامس: في أن له ظئرا تتم رضاعه في الجنة .
روى ابن ماجة بسند ضعيف عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- لما مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ وقال: إن له مرضعاً في الجنة، ولو عاش لكان صديقا نبيا، ولو عاش لعتقت أخواله القبط وما استرق قبطي
انتهى.
السادس: في الرد على من زعم أنه لقنه .
اشتهر على الألسنة أنه لقن ابنه إبراهيم ﷺ بعد الدفن وهذا شيء لم يوجد في كتب الحديث،
وإنما ذكره المتولي، في «تتمته والإبانة» بلفظ روى أن النبي ﷺ لما دفن إبراهيم قال: «قل: الله ربي، ورسولي أبي والإسلام ديني» فقيل: يا رسول الله، أتت تلقنه فمن يلقننا؟
فأنزل الله تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم/ ٢٧] الآية
والأستاذ أبو بكر بن فورك في كتابه المسمى «النظامي» ولفظه: عن النبي ﷺ لما دفن ولده إبراهيم وقف على قبره، فقال: «يا بني القلب يحزن، والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، يا بني قل: الله ربي، والإسلام ديني، ورسول الله أبي» فبكت الصحابة وبكى عمر بن الخطاب بكاء ارتفع له صوته، فالتفت رسول الله ﷺ فرأى عمر يبكي وأصحابه فقال: «يا عمر، ما يبكيك؟» فقال: يا رسول الله، هذا ولدك
وما بلغ الحلم ولا جرى عليه القلم، ويحتاج إلى ملقن فمثلك تلقن التوحيد في مثل هذا الوقت، فما حال عمر وقد بلغ الحلم، وجرى عليه القلم، وليس له ملقن مثلك أي شيء يكون صورته في تلك الحالة؟ فبكى النبي ﷺ وبكت الصحابة معه، فنزل جبريل وسأل النبي ﷺ عن سبب بكائهم فقال له النبي ﷺ ما قاله عمر وما ورد عليهم من قوله ﷺ فصعد جبريل، ونزل، وقال: ربك يقرئك السلام وقال يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم/ ٢٧] يريد بذلك وقت الموت، وعند السّؤال فتلا رسول الله ﷺ عليهم الآية فطابت الأنفس، وسكنت القلوب وشكروا الله، وهذا كما ترى منكر جدا، بل لا أصل له.
السابع في أنه لو عاش لكان نبيا .
روى البخاري وابن ماجة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لابن أبي أوفى: هل رأيت السيد إبراهيم ابن النبي ﷺ ؟ قال: مات صغيرا، ولو قضي أن يكون نبي بعد محمد ﷺ لعاش ابنه إبراهيم ولكن لا نبي بعده ورواه الإمام أحمد بلفظ سمعت ابن أبي أوفى، يقول: لو كان بعد النبي ﷺ نبي ما مات ابنه إبراهيم، ولكن لا نبي بعده.
وروى ابن سعد بسند على شرط مسلم قال: أخبرنا عفان بن مسلم ويحيى بن حماد، وموسى بن إسماعيل، التبوذكي قالوا: أخبرنا أبو عوانة أخبرنا إسماعيل السدي قال: سألت أنس
стр. 4817
ابن مالك- رضي الله تعالى عنه- أصلى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم؟ قال: لا أدري- رحمة الله على السيد إبراهيم- لو عاش لكان صديقا نبيا.
وروى ابن عساكر من طريقين عن السدي قلت لأنس: كم بلغ إبراهيم ابن النبي ﷺ قال: قد كان غلاما بالمهد ولو بقي لكان نبيا، ولكن لم يبق لأن نبيكم آخر الأنبياء ﷺ
قال الباوردي في «المعرفة» حدثنا محمد بن عثمان بن محمد حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا أبو عامر الأسدي ثنا سفيان عن السدي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «لو عاش إبراهيم لكان صديقا نبيا» .
وروى ابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ قال رسول الله ﷺ : «إن له مرضعاً في الجنة، ولو عاش لكان صديقا نبيا» .
وروى ابن عساكر عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «لو عاش إبراهيم لكان صديقا نبيا» .
فائدة:
قال الشيخ تقي الدين السبكي- قدس الله روحه ونور ضريحه- في الكلام على حديث
«كنت نبيا، وآدم بين الروح والجسد»
فإن قلت النبوة وصف، لا بد أن يكون الموصوف به موجودا وإنما تكون بعد أربعين سنة أيضاً فكيف يوصف قبل وجوده وقبل إرساله؟ قلت: قد جاء أن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله: «كنت نبيا» إلى روحه الشريفة وإلى حقيقة والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها، وإنما يعلمها خالقها، ومن أمده الله تعالى بنور إلهي.
ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله تعالى كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي ﷺ قد تكون من (قبل) [ (١) ] خلق آدم ﷺ أتاها والله ذلك الوصف بأن يكون خلقها متهيئة لذلك، وأفاضه عليها من ذلك الوقت فصار نبيا انتهى.
وقد سبق ذلك في أوائل الكتاب.
ومن هذا يعرف تحقيق نبوّة السيد إبراهيم ابن سيدنا رسول الله ﷺ في حال صغره، وإن لم يبلغ سن الوحي.
الثامن: في الوصية بأخواله القبط .
روى ابن سعد عن الزهري مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: إذا ملكتم القبط فأحسنوا إليهم، فإن لهم ذمة، وإن لهم رحما.
стр. 4818
وروي عن أبي بن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «استوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة ورحما» .
وروى الطبراني عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال: «الله الله في قبط مصر فإنكم مستظهرون عليهم، فيكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله» .
تنبيهات
الأول: قد تقدم أن أم بردة خولة بنت المنذر أرضعته، والمشهور برضاعه أم سيف وسماها القاضي عياض خولة بنت المنذر، فليحرر.
الثاني: لا تضاد بين حديث أنس وبين قول ابن الزبير أن التسمية كانت يوم سابعه بل ذلك محمول على أن التسمية كانت قبل السابع على ما اقتضاه حديث أنس ثم ظهرت التسمية يوم السابع ويحمل أمره ﷺ بالأمر بالتسمية في اليوم السابع على أنه لا يؤخر عن السابع، لأنها لا تكون إلا فيه وهي مشروعة من وقت الولادة إلى يوم السابع قاله المحب الطبري.
الثالث: قال الحكيم الترمذي: الولد من ريحان الله تعالى يشمه المؤمن فيلتذ به فكأنه أحب أن يتزود من ريحان الله- تعالى- عند آخر العهد به، وانكبابه عليه يدل على اشتمامه وكذلك قيل ريح الولد من ريح الجنة، فانكبابه على إبراهيم عند إدراجه في أكفانه تزود منه، وبكاؤه توجع منه لمفارقة من يشمه ريحانا من الله، وإنما قيل: من ريحان الله تعالى فنسب إلى الله- لأنه هبة الله فالهبة منه حشوها البر واللطف وظاهرها الابتلاء وقد يكون بكى رحمة له، لأن أجساد الأموات إنما زانت بالأرواح وأشرقت بالعبودية.
الرابع: روى الإمام أحمد والبزار وأبو يعلى عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما توفي إبراهيم ابن رسول الله ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهراً فلم يصل عليه.
قال الحافظ: إسناده حسن وصححه ابن حزم، لكن قال الإمام أحمد في رواية «حسل» عنه حديث منكر وقال الخطابي: حديث عائشة أحسن اتصالا من الرواية التي فيها أنه ﷺ قال: «ولكن هي أولى» .
وقال ابن عبد البر: حديث عائشة لا يصح، فقد أجمع جماهير العلماء على الصلاة على الأطفال، إذا استشهدوا، وهو عمل مستفيض في السلف والخلف، ولا أعلم أحدا جاء عنه غير هذا إلا عن سمرة بن جندب ثم قال: وقد يحتمل أن يكون معناه أنه لم يصل عليه في جماعة أو أمر أصحابه بالصّلاة عليه فلم يحضرهم، فلا يكون مخالفا لما عليه العلماء في ذلك، وهو أولى ما حمل عليه حديثها.
قال النووي: ذهب الجمهور إلى أنه ﷺ صلى وكبر أربع تكبيرات.
واختلف قول من قال: إنه لم يصل عليه في سبب ذلك، فقالت طائفة: استغنى بنبوة
стр. 4819
رسول الله ﷺ عن الصلاة التي هي شفاعة له كما استغنى الشهيد بشهادته عن الصلاة عليه وقالت طائفة أخرى: إنه مات يوم كسفت الشمس فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصلاة عليه.
وقالت فرقة أخرى: لا تعارض بين هذه الآثار في أنه أمر بالصلاة عليه وفي رواية أخرى:
والمثبت أولى، لأن معه زيادة علم، وإذا تعارض النفي والإثبات قدم الإثبات.
وقيل: إنما لم يصل عليه، لأنه نبي، ولا يصلى على نبي فقد ورد «لو عاش لكان نبيا» وهذا ليس بشيء فقد صح أنه ﷺ صلى عليه.
الخامس: قد استنكر أبو عمر حديث أنس فقال بعد إيراده في «التمهيد» هذا: لا أدري ما هو فقد ولد نوح- ﵊ من ليس نبيا وكما يلد غير النبي نبيا، فكذلك يجوز أن يلد النبي غير نبي، والله أعلم، ولو لم يلد النبي إلا نبيا لكان كل واحد نبيا، لأنه من ولد نوح- ﵇ وذا آدم نبي مكلم وما أعلم في ولده لصلبه نبيا غير شيث، قال النووي في ترجمة إبراهيم من «تهذيبه» وأما ما روي: لو عاش لكان نبيا فباطل وجسارة على الكلام على المغيبات، ومجازفة وهجوم على عظيم من الزلات.
وقال الحافظ: وهو عجيب مع وروده عن ثلاثة من الصحابة، وكأنه لم يظهر له وجه تأويله.
فقال في إنكاره: وجوابه أن القضية الشرطية لا تستلزم الوقوع ولا يظن بالصحابي أنه يهجم على مثل هذا بظنه ذكره في الإصابة، وقال في الفتح: قلت: ولو استحضر النووي هذه الأحاديث لما قال ما قال.
السادس: في بيان غريب ما سبق .
مارية: من أهل مصر أهداها له المقوقس مالك الإسكندرية.
القبطية: منسوبة إلى القبط مذكورة في المناقب.
يجود بنفسه: أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله.
خمش وجه: أي خدوش يقال خمش المرأة وجهها تخمشه خمشا وخموشا الخموش مصدر الصراخ: [.....] .
القين بقاف مفتوحة فمثناة تحتية، فنون هو الجراد.
يكيد: أي يسوق بها، وقيل: معناه يقارب بها الموت وقد يكون من الكيد وهو القيء.
القبط جبل بمصر وقيل: هم أهل مصر.
ظئرا [بكسر المعجمة وسكون التحتانية المهموزة بعدها راء. أي مرضعا، وأصل الظئر من ظأرت الناقة إذا عطفت على غير ولدها] .
стр. 4820
الباب السادس في مناقب السيدة زينب بنت سيدنا رسول الله- ﷺ
وفيه أنواع
الأول: في مولدها- ﵍ -:
لا خلاف في أنها أكبر بناته ﷺ ، إنما الخلاف فيها وفي سيدنا القاسم أيهما ولد أولا.
قال ابن إسحاق: سمعت عبد الله بن محمد بن سليمان الهاشمي يقول: ولدت السيدة زينب بنت سيدنا رسول الله ﷺ في سنة ثلاثين من مولد النبي ﷺ ، وأدركت الإسلام وهاجرت، وكان رسول الله ﷺ محبا لها ﵍.
الثاني فيمن تزوجها .
تزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي واسمه لقيط على الأكثر، وقيل: هشيم، وقيل مهشم أمه هالة بنت خويلد، أخت خديجة- رضي الله تعالى عنها-.
روي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وتجارة وأمانة، فقالت خديجة- رضي الله تعالى عنها- لرسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ لا يخالفها وذلك قبل أن ينزل عليه، فزوجه زينب- رضي الله تعالى عنها- فلما أكرم الله تعالى نبيه ﷺ بنبوته آمنت خديجة وبناتها- رضي الله تعالى عنهن- فلما نادى رسول الله ﷺ قريشا بأمر الله تعالى أتوا العاص بن الربيع فقالوا له: فارق صاحبتك، ونحن نزوجك بأي امرأة شئت من قريش (فقال: لا، والله، لا أفارق صحابتي مما يسرني أن لي بامرأتي أفضل من أي امرأة من قريش) [ (١) ] .
الثالث: في هجرتها- رضي الله تعالى عنها -.
روى الطبراني والبزار- برجال الصحيح- أن السيدة زينب بنت سيدنا محمد رسول الله ﷺ استأذنت أبا العاص بن الربيع زوجها أن تذهب إلى رسول الله ﷺ فأذن لها، فخرجت مع كنانة أو ابن كنانة بن الربيع، فخرجوا في طلبها، فأدركها هبار بن الأسود، فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها، وهريقت دما واشتجر فيها بنو هاشم، وبنو أمية فقال نحن أحق بهما، وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة وكانت تقول: هذا في سبب أبيك
فقال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: «ألا تنطلق فتجيء بزينب» فقال: بلى يا رسول الله، قال: فخذ خاتمي فأعطها إياه،
فانطلق زيد، فلم
стр. 4821
يزل يتلطف فلقي راعيا فقال لمن ترعى غنمك؟ فقال: لأبي العاص، فقال: لمن هذه الغنم؟
قال لزينب بنت محمد- فسار معه شيئاً- ثم قال له: هل لك أن أعطيك شيئاً تعطيها إياه ولا تذكر لأحد؟ قال: نعم، فأعطاه الخاتم وانطلق الراعي، وأدخل غنمه، وأعطاها الخاتم فعرفته فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل، قالت: فأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا، فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه، فلما جاءته، قال لها اركبي بين يدي على بعيري، قالت: لا ولكن اركب أنت بين يدي فركب وركبت وراءه حتى أتت
وكان رسول الله ﷺ يقول: «هي خير بناتي أصيبت في» .
وروى الطبراني عن محمد بن إسحاق- رحمه الله تعالى- قال: كان في أسارى بدر أبو العاص بن الربيع العبشمي.
الرابع: إسلام زوجها أبي العاص- رضي الله تعالى عنه -.
روى الحاكم بسند صحيح عن الشعبي- رضي الله تعالى عنه- قال: كانت زينب بنت رسول الله ﷺ تحت أبي العاص بن الربيع فهاجرت، وأبو العاص على دينه، فاتفق أنه خرج إلى الشام في تجارة فلما كان بقرب المدينة أراد بعض المسلمين أن يخرجوا إليه، فيأخذوا ما معه ويقتلوه فبلغ ذلك زينب،
فقالت: يا رسول الله، أليس عقد المسلمين وعهدهم واحدا؟
قال: بلى
قالت: فاشهد أني أجرت أبا العاص، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا إليه عزلا بغير سلاح فقالوا: يا أبا العاص، إنك في شرف قريش، وأنت ابن عم رسول الله ﷺ وصهره فهل لك أن تسلم فتغتنم ما معك من أموال أهل مكة؟ قال: بئس ما أمرتموني به أن أنسخ ديني بعذر، فمضى حتى قدم مكة فدفع إلى كل ذي حق حقه، ثم قال: يا أهل مكة أوفيت ذمتي؟ قالوا: اللهم نعم، فقال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم قدم المدينة مهاجرا ...
الخامس: في ردها إلى زوجها أبي العاص- رضي الله تعالى عنه- من غير تجديد عقد .
روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ رد ابنته إلى أبي العاص بعد سنين بنكاحها الأول، ولم يحدث صداقا.
السادس: في ثناء رسول الله- ﷺ على أبي العاص- رضي الله تعالى عنه -.
روى الشيخان عن المسور بن مخرمة أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل، وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي ﷺ فقالت له: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكحا ابنة أبي جهل قال المسور: فقام
стр. 4822
النبي ﷺ فسمعته حين تشهد ثم قال: أما بعد فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني فصدقني وإن فاطمة بنت محمد مضغة مني وإنما أكره أن يفتنوها وإنها والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا قال: فترك علي الخطبة.
[روى محمد بن عمر، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه قال: خرج أبو العاص بن الربيع إلى الشام في عير لقريش وبلغ رسول الله ﷺ أن تلك العير قد أقبلت من الشام فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب فلقوا العير بناحية العيص في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة فأخذوها وما فيها من الأثقال وأسروا ناسا ممن كان في العير، منهم أبو العاص بن الربيع. فلم يعد أن جاء المدينة فدخل على زينب بنت رسول الله بسحر وهي امرأته فاستجارها فأجارته، فلما صلى رسول الله الفجر قامت على بابها فنادت بأعلى صوتها: إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع.
فقال رسول الله: «أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟» قالوا: نعم. قال: «فوالذي نفسي بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت الذي سمعتم. المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم وقد أجرنا من أجارت» .
فلما انصرف النبي ﷺ إلى منزله دخلت عليه زينب فسألته أن يرد على أبي العاص ما أخذ منه ففعل،
وأمرها أن لا يقربها فإنها لا تحل له ما دام مشركا.
ورجع أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كل ذي حق حقه ثم أسلم ورجع إلى النبي ﷺ مسلما مهاجرا في المحرم سنة سبع من الهجرة، فرد عليه رسول الله ﷺ زينب بذلك النكاح الأول] .
السابع: في وفاتها- رضي الله تعالى عنه -:
روى الطبراني مرسلا برجال الصحيح عن ابن الزبير- رحمه الله تعالى- أن رجلا أقبل بزينب بنت رسول الله ﷺ فلحقه رجلان من قريش فقاتلاه حتى غلباه عليها فدفعاها فوقعت على صخرة، فأسقطت وهريقت دما، فذهبوا بها إلى أبي سفيان فجاءته نساء بني هاشم، فدفعها إليهن ثم جاءت بعد ذلك مهاجرة فلم تزل وجعة حتى ماتت، من ذلك الوجع فكانوا يرون أنها شهيدة، وكانت وفاتها في أول سنة ثمان من الهجرة فغسلتها أم أيمن وسودة بنت زمعة وأم سلمة وصلى عليها رسول الله ﷺ ونزل في قبرها، ومعه أبو العاص وكان جعل لها نعش، فكانت أول من اتخذ لها ذلك.
السابع: في ذكر أولادها- رضي الله تعالى عنهم -.
قال أبو عمر وغيره ولدت السيدة زينب- رضي الله تعالى عنها- من أبي العاص غلاما يقال له: علي توفي وقد ناهز الحلم، كان رديف رسول الله ﷺ على ناقته يوم الفتح، ومات في حياته، وولدت له جارية، يقال لها: أمامة تزوجها علي بعد فاطمة- رضي الله تعالى عنها- ولم تلد فليس لزينب عقب، قال مصعب بن الزبير كما رواه ابن أبي خيثمة عنه، وكان
стр. 4823
رسول الله ﷺ يحبها ويحملها في الصلاة، وكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها.
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والطبراني وسند الأولين حسن، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أهدى لرسول الله ﷺ قلادة من جزع، معلمات بالذهب، ونساؤه مجتمعات في بيت كلهن وأمامة بنت أبي العاص بن الربيع جارية تلعب في جانب البيت بالتراب، فقال رسول الله ﷺ «كيف ترين هذه؟» فنظرن إليها، فقلن: يا رسول الله، ما رأينا أحسن من هذه قط ولا أعجب، فقال: «ارددنها إلي» ،
فقالت: والله، لأضعنها في رقبة أحب أهل البيت إلي قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- فأظلت على الأرض بيني وبينه خشية أن يضعها في رقبة غيري منهن ولا أراهن إلا أصابهن مثل الذي أصابني، ووجمنا جميعا سكوتا، فأقبل بها حتى وضعها في رقبة أمامة بنت أبي العاص فسري عنا.
وروى الزبير بن بكار والطبراني- رحمه الله تعالى- قال: أوصى أبو العاص بن الربيع بابنته أمامة إلى الزبير فزوجها الزبير علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- بعد وفاة السيدة فاطمة، وقتل علي وأمامة عنده.
ورواه ابن أبي خيثمة عن مصعب عم الزبير.
وروى أيضاً بسند ضعيف عن محمد بن عبد الرحمن أن عليا لما طعن، قال لأمامة: لا تتزوجي وإن أردت الزواج لا تخرجي من رأي المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب،
فخطبها معاوية بن أبي سفيان فقال لها المغيرة: أنا خير لك منه، فاجعلي أمرك إلي، فجعلت، فدعا رجالا فتزوجها، فماتت أمية بنت أبي العاص عند المغيرة بن نوفل، ولم تلد له فليس للسيدة زينب- رضي الله تعالى عنها- عقب قيل: ولدت أمامة للمغيرة ولدا يقال له يحيى.
стр. 4824
الباب السابع في بعض مناقب السيدة رقية بنت رسول الله- ﷺ -
وفيه أنواع
الأول: في مولدها واسمها وفيمن تزوجها .
ولدت لرسول الله ﷺ وعمره ثلاث وثلاثون سنة، وسماها رقية- بقاف واحدة وبالتشديد-، أسلمت حين أسلمت أمها خديجة بنت خويلد وبايعت رسول الله ﷺ حين بايعه النساء، قال قتادة بن دعامة ومصعب بن الزبير: فيما رواه ابن أبي خيثمة- رضي الله تعالى عنه- كانت رقية- رضي الله تعالى عنها- تحت عتبة بن أبي لهب، وأختها أم كلثوم تحت أخيه عتيبة فلما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد/ ١] قال أبوه لهما: رأس بين رؤوسكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد، وسأل رسول الله ﷺ عتبة طلاق رقية، وسألته رقية ذلك فقالت له أمه: وهي حمالة الحطب: طلقها يا بني فإنها قد صبأت ففارقهما ولم يكونا دخلا بهما فتزوجت رقية عثمان بن عفان- رضي الله تعالى عنهما- بمكة وهاجر بها الهجرتين إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة، وذكر الدولابي أن تزوج عثمان إياها كان في الجاهلية، والذي ذكره غيره أنه كان بعد إسلامه.
وروى الطبراني من طريقين بإسناده حسن والزبير بن بكار عن قتادة بن دعامة- رحمه الله تعالى- قال: كانت رقية بنت رسول الله ﷺ عند عتبة بن أبي لهب، فلما أنزل الله تعالى تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد/ ١] سأل النبي ﷺ عتبة طلاقها، وسألته رقية ذلك فتزوج عثمان بن عفان رقية وتوفيت عنده.
وروي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أتت قريش عتبة بن أبي لهب، فقالوا له: طلق ابنة محمد، ونحن نزوجك.
الثاني: في أن تزويج رقية عثمان- رضي الله تعالى عنهما- كان بوحي .
روى الطبراني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله- أوحى إلي أن أزوج كريمتي عثمان» .
وروي عن عروة بن الزبير- رضي الله تعالى عنه-[.....] .
الثالث: في حسنها- رضي الله تعالى عنها -:
قال أبو عمرو- رحمه الله تعالى-: كانت رقية ذات جمال رائع وقال أبو محمد بن قدامة: وكانت ذات جمال بارع، فكان يقال: أحسن زوج رآها الإنسان مع زوجها.
стр. 4825
وروي عن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى عثمان بصحفة فيها لحم فدخلت عليه [ورقية جالسة فما رأيت اثنين أحسن منهما فجعلت مرة انظر إلى رقية ومرة انظر إلى عثمان فلما رجعت
قال لي النبي ﷺ : أدخلت عليهما قلت: نعم قال: فهل رأيت زوجا أحسن منهما قلت لا يا رسول الله لقد جعلت مرة انظر إلى رقية ومرة انظر إلى عثمان. رواه الطبراني
وقال: كان هذا قبل نزول الحجاب، وفيه راو لم يسم وبقية رجاله رجال الصحيح.
وعن عبد الله بن حزم المازني قال: رأيت عثمان بن عفان فما رأيت قط ذكرا ولا أنثى أحسن وجها منه رواه الطبراني وفيه الربيع بن بدر وهو متروك. وعن عبد الله بن شداد بن الهاد قال:
رأيت عثمان بن عفان يوم الجمعة على المنبر عليه ازار عدني غليظ ثمنه أربعة دراهم أو خمسة وريطة كوفية ممشقة ضرب اللحم طويل اللحية حسن الوجه. رواه الطبراني واسناده حسن. وعن موسى بن طلحة قال: كان عثمان يوم الجمعة يتوكأ على عصا وكان أجمل الناس وعليه ثوبان أصفران ازار ورداء حتى يأتي المنبر فيجلس عليه. رواه الطبراني عن شيخه المقدام بن داود وهو ضعيف. وعن عبد الله بن عون القاري قال: رأيت عثمان بن عفان أبيض اللحية. رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه وعن ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن سعد قال:
رأيت عثمان بن عفان أصفر اللحية. رواه الطبراني عن مقدام بن داود وهو ضعيف] .
الرابع: في هجرتها- رضي الله تعالى عنها -.
روى ابن أبي خيثمة بن سليمان وعمر الملا عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: أول من هاجر إلى أرض الحبشة عثمان، وخرج معه ابنة رسول الله ﷺ فأبطأ على رسول الله ﷺ خبرهما. فجعل يترقب الخبر فقدمت امرأة من قريش، فسألها رسول الله ﷺ فقالت: رأيتها، فقال رسول الله ﷺ : «على أي حال رأيتها؟» فقالت: رأيتها وقد حملها على حمار من هذه الدواب، وهو يسوقها فقال رسول الله ﷺ : «منحهما الله- إن عثمان لأول من هاجر بأهله إلى الله- بعد لوط- ﵇» .
الخامس: في إجابة دعائها- رضي الله تعالى عنها -:
قال أبو محمد بن قدامة: روينا أن فتيان أهل الحبشة كانوا يعرضون للسيدة رقية وينظرون إليها، ويعجبون من جمالها فأذاها ذلك، فدعت عليهم جميعا، فهلكوا.
السادس: في وفاتها- رضي الله تعالى عنها -:
قال مصعب بن الزبير: توفيت رقية عند عثمان بالمدينة وتخلف عليها عن بدر، بأمر رسول الله ﷺ وضرب له بسهمه وأجره.
وقال ابن شهاب: تخلف عثمان على امرأته السيدة رقية بنت سيدنا رسول الله ﷺ وكانت- ﵍ وجعة فتوفيت يوم قدم أهل بدر المدينة، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 4826
بسهمه وأجره، رواهما ابن أبي خيثمة توفيت- ﵍ على رأس سبعة عشر شهراً من مهاجرته ﷺ .
السابع: في ولدها- رضي الله تعالى عنها -:
أسقطت من عثمان سقطا ثم ولدت له عبد الله.
قال مصعب بن الزبير: ولدت رقية لعثمان بن عفان- رضي الله تعالى عنهما- بالحبشة ولدا سماه عبد الله فكان يكنى به، بلغ سنتين، وقيل ست سنين فنقره في عينيه ديك، فتورم وجهه ومرض فمات.
قال في: «العيون» إنه مات بعد أمه سنة أربع، ولم تلد شيئاً غيره.
وقال ﷺ : «ونزل في حفرته أبوه عثمان» .
وقال الدولابي: مات، وهو رضيع، والله تعالى أعلم وشذ قتادة فقال: لم تلد لعثمان- رضي الله تعالى عنه- وغلطوه في ذلك.
стр. 4827
الباب الثامن في بعض مناقب السيدة أم كلثوم بنت سيدنا رسول الله- ﷺ -
وفيه أنواع
الأول: في مولدها ﵍ وفيمن تزوجها
وولدت هي أكبر من أختها فاطمة- رضي الله تعالى عنها- وسماها رسول الله- ﷺ أم كلثوم ولم يعرف لها اسم غيره وإنما تعرف بكنيتها، أسلمت أخواتها حين أسلمت وبايعت معهن، وهاجرت حين هاجر رسول الله- ﷺ فلما توفيت رقية تزوجها عثمان بن عفان في ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة وبنى بها في جمادى الآخرة منها، وتقدم في الباب السابع أن عتيبة بن أبي لهب كان تزوجها ثم فارقها، ولم يدخل بها فخلف عليها عثمان- رضي الله تعالى عنهما- بعد أختها رقية بوحي من الله .
روى عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ «أتاني جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تزوج عثمان أم كلثوم على مثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها» .
وروى ابن عساكر عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «أتاني جبريل فقال إن الله يأمرك أن تزوج عثمان أم كلثوم على مثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها» .
وروى ابن ماجة وابن عساكر عنه قال: لقي النبي- ﷺ عثمان عند باب المسجد فقال رسول الله- ﷺ : «يا عثمان، هذا جبريل أخبرني أن الله تعالى أمرني أن أزوجك أم كلثوم، بمثل صداق رقية، وعلى مثل صحبتها» .
الثاني في كيفية تزويجها .
روى ابن عساكر مرسلا عن سعيد بن المسيب- رضي الله تعالى عنه- قال رسول الله- ﷺ : «يا عثمان، هذا جبريل يأمرني عن الله إن أزوجك أم كلثوم أختها على مثل صداقها- يعني صداق رقية- وعلى مثل عشرتها» .
الثالث في وفاتها- رضي الله تعالى عنها -.
قال في العيون: إنها ماتت في شعبان سنة تسع من الهجرة فيحرر، وجلس رسول الله- ﷺ على قبرها، ونزل في حفرتها علي والفضل وأسامة- رضي الله تعالى عنهم- ولم تلد من عثمان شيئاً- رضي الله تعالى عنها- والله تعالى أعلم.
стр. 4828
الباب التاسع في بعض مناقب السيدة فاطمة بنت رسول الله- ﷺ -
وفيه أنواع
الأول: في مولدها- ﵍ واسمها وكيفيتها:
نقل أبو عمرو عن عبيد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر الهاشمي، قال: ولدت فاطمة- رضي الله تعالى عنها- سنة إحدى وأربعين من مولد النبي- ﷺ وهذا مغاير لما ذكره ابن إسحاق، وغيره أن أولاد النبي- ﷺ ولدوا قبل النبوة إلا إبراهيم- ﵇ وقال ابن الجوزي وغيره: ولدت قبل النبوة بخمس سنين أيام بناء البيت.
ونقل أبو عمرو عن الواقدي «أنها ولدت والكعبة تبنى، والنبي- ﷺ ابن خمس وثلاثين سنة وبه جزم المدائني وقيل: كان مولدها قبل البعثة بقليل نحو سنة أو أكثر، وهي أسن من عائشة بنحو خمس سنين وانقطع نسل رسول الله- ﷺ في أوائل المحرم سنة اثنين بعد عائشة بأربعة أشهر، وكانت تكنى أم أبيها- بكسر الموحدة بعدها مثناة، تحتية- ومن قال غير ذلك فقد صحف- انتهى.
الثاني: ما جاء في مهرها
وكيف تزوجها ووليمة عرسها، وما جهزت به- رضي الله تعالى عنها- تزوجها علي- رضي الله تعالى عنه- وهي ابنة خمس عشرة سنة وخمسة أشهر أو ستة ونصف من السنة الثانية من الهجرة في رمضان وبنى بها في ذي الحجة، وقيل: تزوجها في رجب وقيل: في صفر وسنها- رضي الله تعالى عنها- يومئذ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر، ولم يتزوج عليها حتى ماتت- رضي الله تعالى عنهما-.
قال جعفر بن محمد: تزوج علي فاطمة- رضي الله تعالى عنها- في شهر صفر في السنة الثانية، وبنى بها في شهر ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهراً من الهجرة.
قال أبو عمر: وبعد وقعة بدر.
وقال غيره: بعد بنائه بعائشة- رضي الله تعالى عنها- بأربعة أشهر ونصف شهر، وبنى بها بعد تزويجها بسبعة أشهر.
وروى الحاكم والبيهقي، وابن إسحاق عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قالت لي مولاة لي: هل علمت () .
وروى مسدد عن رجل سمع عليا- رضي الله تعالى عنه- بالكوفة يقول: أردت أن أخطب فاطمة إلى رسول الله- ﷺ فذكرت أن لا شيء لي، ثم ذكرت عائدته وصلته
стр. 4829
فخطبتها، فقال: أرني درعك الحطمية التي أعطيتكها يوم كذا، وكذا قال: هي عندي، قال:
فأعطها إياه، ثم قال: لا تحدث شيئاً حتى آتيكما، فأتاني وعلينا قطيفة أو كساء، فلما رآنا تحسسنا، فدعا فأتيا بإناء فدعا فيه، ثم دسه علينا، فقلت: يا رسول الله أينا أحب إليك؟ قال:
هي أحب إلي منك، وأنت أعز علي منها.
وروى الطبراني عن حجر بن عنبس- رحمه الله تعالى- قال: خطب أبو بكر وعمر فاطمة- رضي الله تعالى عنهما- فقال رسول الله- ﷺ : «هي لك يا علي» .
ورواه البزار ورجالهما ثقات وحجر لم يسمع من النبي- ﷺ وزاد «ولست بدجال» وقوله- ﷺ «ولست بدجال» : يدل على انه قد كان وعده فقال: لا أخلف الوعد.
وروى الطبراني برجال ثقات عن عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت قاعدا عند رسول الله- ﷺ فقال: «إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي» .
وروى البيهقي والخطيب وابن عساكر عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت قاعدا عند رسول الله- ﷺ فغشيه الوحي فلما سري عنه قال: «يا أنس، أتدري ما جاءني به جبريل من عند صاحب العرش» قلت: الله ورسوله أعلم قال: «إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي» .
وروى إسحاق بسند ضعيف عن علي- رضي الله تعالى عنه- أنه لما تزوج فاطمة قال له رسول الله- ﷺ : «اجعل عامة الصداق في الطيب» .
وروى أبو يعلى بسند ضعيف عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: خطبت إلى رسول الله- ﷺ ابنته فاطمة فباع علي درعا له، وبعض متاع من متاعه، فبلغ أربعمائة وثمانين درهما، وأمر رسول الله- ﷺ أن يجعل ثلثيه في الطيب، وثلثا في الثياب، ومج في جرة من ماء، وأمرهم أن يغتسلوا به، قال: وأمرها أن لا تسبقه برضاع ولدها فسبقته برضاع الحسين، وأما الحسن فإنه- ﷺ صنع فيه شيئاً لا يدري
(ما هو، فكان أعلم الرجلين) [ (١) ] .
وروى ابن أبي خيثمة وابن سعد عن علباء بن أحمر اليشكري- رحمه الله تعالى- أن عليا- رضي الله تعالى عنه- تزوج فاطمة على أربعمائة وثمانين، فأمره النبي أن يجعل في ثلثين الطيب وثلثا في الثياب.
وروى ابن سعد عنه أن عليا باع بعيرا له بثمانين وأربعمائة درهم، فقال النبي: ﷺ : «اجعلوا ثلثيه في الطيب وثلثا في الثياب» .
стр. 4830
روى الطبراني وابن أبي خيثمة وابن حبان في صحيحه من طريق يحيى بن يعلى الأسلمي، والبزار من طريق محمد بن ثابت بن أسلم، وهما ضعيفان عن أنس بن مالك وابن أبي خيثمة والطبراني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال ابن ثابت: إن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- أتى أبا بكر- رضي الله تعالى عنه- قال: ما يمنعك أن تتزوج فاطمة بنت رسول الله- ﷺ قال: لا يزوجني، قال: إذا لم يزوجك فمن يزوج إنك من أكرم الناس عليه، وأقدمهم في الإسلام قال: فانطلق أبو بكر إلى بيت عائشة، فقال: يا عائشة، إذا رأيت من رسول الله- ﷺ طيب نفس وإقبالا عليك فاذكري له أني ذكرت فاطمة فلعل الله أن ييسرها إلي، قال: فجاء رسول الله- ﷺ فرأت منه طيب نفس، وإقبالا، فقالت:
يا رسول الله أن أبا بكر ذكر فاطمة وأمرني أن أذكرها، فقال: حتى ينزل القضاء فرجع إليها أبو بكر فقالت: يا أبتاه، وددت أني لم أذكر له الذي ذكرت
وقال يحيى: أن أبا بكر- رضي الله تعالى عنه- جاء إلى رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله قد عرفت مني صحبتي، وقدمي في الإسلام قال: وما ذاك؟ قال: تزوجني فاطمة، فسكت عنه ساعة أو قال فأعرض عنه، فرجع أبو بكر إلى عمر، فقال: هلكت، وأهلكت، قال: وما ذاك؟ قال خطبت فاطمة إلى رسول الله- ﷺ فأعرض عني، وقال ابن ثابت: فانطلق عمر إلى حفصة، وقال لهما: إذا رأيت من رسول الله- ﷺ إقبالا عليك فاذكري له أني ذكرت فاطمة لعل الله أن ييسرها إلي، فلما جاء رسول الله- ﷺ قالت حفصة: ووجدت منه إقبالا وطيب نفس فذكرت له فاطمة- رضي الله تعالى عنها- فقال: حتى ينزل القضاء، قال ابن ثابت: فأتى عمر- رضي الله تعالى عنه- رسول الله- ﷺ فقعد بين يديه، فقال: يا رسول الله، قد علمت مني صحبتي وقدمي في الإسلام، وإني وإني، قال: «وماذا؟» قال: تزوجني فاطمة، فأعرض عنه، فرجع عمر إلى أبي بكر، فقال: إنه ينتظر أمر الله فيها، فانطلق عمر إلى علي قال يحيى: إن أبا بكر وعمر قالا: انطلق بنا إلى علي حتى نأمره أن يطلب مثل الذي طلبنا، قال علي: فأتياني وأنا في سبيل، فقالا: بنت عمك تخطب فنبهاني لأمر فقمت أجر ردائي طرف على عاتقي، والطرف الآخر في الأرض حتى أتيت رسول الله- ﷺ وقال ابن ثابت: ولم يكن لعلي مثل عائشة ولا مثل حفصة، فلقي رسول الله- ﷺ فقال: إني أريد أن أتزوج فاطمة، قال فافعل، قال: ما عندي إلا درعي الحطمية.
.. الحديث.
وفي حديث ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- عند الطبراني من طريق يحيى بن العلاء، قال: كانت فاطمة تذكر لرسول الله- ﷺ فلا يذكرها أحد إلا صد عنه حتى يئسوا منها فلقي سعد بن معاذ- رضي الله تعالى عنه- عليا فقال: إني والله ما أرى رسول الله- ﷺ يحبها إلا عليك، فقال له: علي- رضي الله تعالى عنه-: هل ترى ذلك، ما أنا
стр. 4831
بأحد الرجلين ما أنا بصاحب دنيا يلتمس ما عندي وقد علم ما لي بيضاء ولا صفراء.
وما أنا بالكافر الذي يترفق بها عن دينه- يعني يتألفه بها، إني لأول من أسلم فقال سعد إني أعزم عليك لتفرجنها عني، فإن لي في ذلك فرجا قال: أقول ماذا؟ قال؟: جئت خاطبا إلى الله وإلى رسوله- ﷺ فاطمة بنت محمد- ﷺ فقال النبي- ﷺ مرحبا، كلمة ضعيفة ثم رجع إلى سعد، فقال: قد فعلت الذي أمرتني به فلم يزد على أنه رحب بي كلمة ضعيفة، فقال سعد: أنكحك والذي بعثه بالحق، إنه لا خلف ولا كذب عنده، أعزم عليك لتأتينه فلتقولن يا نبي الله، متى تبنيني؟ فقال علي: هذه أشد علي من الأولى أو لا أقول: يا رسول الله، حاجتي؟ قال: قل كما أمرتك، فانطلق علي فقال: يا رسول الله، تبنيني؟ قال:
«الليلة إن شاء الله» .
.. الحديث.
وفي حديث بريرة عند النسائي في عمل اليوم والليلة والروباني في مسنده، وعند البزار والطبراني برجال ثقات غالبهم رجال الصحيح والدولابي: أن نفرا من الأنصار قالوا لعلي- رضي الله تعالى عنه-: لو خطب فاطمة بنت رسول الله- ﷺ فأبى.
وفي لفظ: لو كانت عندك فاطمة فدخل على رسول الله- ﷺ فقال: ما حاجة ابن أبي طالب؟ فقال: يا رسول الله، ذكرت بنت رسول الله- ﷺ فقال رسول الله- ﷺ :
«مرحبا وأهلا» لم يزده عليهما فخرج على أولئك النفر من الأنصار وهم ينتظرونه فقالوا له: ما وراءك؟ قال: ما أدري، غير انه قال لي: مرحبا وأهلا،
قالوا: يكفيك من رسول الله- ﷺ إحداهما أعطاك الأهل والمرحب.
وفي حديث ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- فقال سعد: أنكحك رسول الله- ﷺ والذي بعثه بالحق إنه لا خلف ولا كذب عنده، أعزم عليك لتأتينه غدا، فتقول يا نبي الله متى تبنيني بأهلي، فقال علي: هذه أشد علي من الأولى أو لا أقول: يا رسول الله حاجتي قال: قل كما أمرتك فانطلق علي، فقال: يا رسول الله، متى تبنيني بأهلي؟
قال: «الليلة إن شاء الله تعالى» - قال فقال رسول الله- ﷺ : «ما عندك يا علي» فقلت: يا رسول الله، فرسي وبدني يعني درعي الحطمية- قال: «أما فرسك لا بد لك منه، وأما بدنك فبعها» فبعتها بأربعمائة وثمانين درهما، فأتيت بها رسول الله- ﷺ فوضعتها في حجره، فقبض منها قبضة، فقال: «يا بلال» ، أبغني بها طيبا وقال ابن ثابت: فقبض ثلاث قبضات، فرفعها إلى أم أيمن فقال: اجعلي منها قبضة في الطيب.
أحسبه قال الباقي فيما يصلح المرأة، وزوجه رسول الله- ﷺ فلما فرغت من الجهاز وأدخلتهم بيتا.
стр. 4832
وفي حديث بريدة: فلما كان بعد ما زوجه قال: «يا على، أنه لا بد للعروس من وليمة»
فقال سعد: عندي كبش.
وجمع له رهط من الأنصار من ذرة، ورواه الإمام أحمد برجال الصحيح غير عبد الكريم بن سليط وهو مستور بلفظ، وقال: على فلان كذا وكذا من ذرة.
وفي حديث يحيى وأمرهم أن يجهزوها فجعل لها سريرا مشرطا بالشريط ووسادة من أدم حشوها ليف، وملأ البيت كثيبا يعني رملا، وقال: إذا أتتك، فلا تحدث شيئاً حتى آتيك فجاءت مع أم أيمن فقعدت في جانب البيت، وأنا في جانب.
وروى الإمام أحمد بسند جيد عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ لما زوجه فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف، وثور وسقاء وجرتين.
وروى الدولابي عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنه- قالت: لقد جهزت فاطمة بنت رسول الله- ﷺ إلى علي- رضي الله تعالى عنهما- وما كان حشو فرشهما ووسادتهما إلا ليف.
وروى الإمام أحمد في المناقب عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: جهز رسول الله- ﷺ فاطمة في خميلة وقربة ووسادة من أدم حشوها ليف.
وروى البلاذري عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: ما كان لنا إلا إهاب كبش ننام علي ناحية، ومنه تعجن فاطمة على ناحية.
وروى ابن حبان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قبض من المهر قبضة، وقال لبلال: اشتر لنا بها طيبا، وأمرهم رسول الله- ﷺ أن يجهزوها فجعل سريرا مشرطا بشرائط ووسادة من أدم حشوها ليف.
وروى أبو بكر- بن فارس عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: كان فراش علي وفاطمة- رضي الله تعالى عنهما- ليلة عرسهما- إهاب كبش.
وروى أيضا عن ضمرة بن حبيب- رضي الله تعالى عنهما- قال قضى رسول الله- ﷺ على ابنته السيدة فاطمة بخدمة البيت، وقضى على علي بما كان خارج البيت.
وروى مسدد مرسلا عن ضمرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قضى رسول الله- ﷺ على ابنته فاطمة- رضي الله تعالى عنها- بخدمة البيت، وقضى على علي- رضي الله تعالى عنه- بما كان خارج البيت.
وروى أحمد بن منيع بسند ضعيف عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها-
стр. 4833
قالت: تزوجت فاطمة بنت رسول الله- ﷺ على درع ومنشفة بمغفرة ونصف قطيفة بيضاء، وقدح وإن كانت تستر بكم درعها، ومالها خمار وقالت: أعطاني رسول الله- ﷺ أصبعا من تمر ومن شعير، فقال: «إذا دخلن عليك نساء الأنصار فأطعميهن منه» .
وروى الطبراني من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال:
حضرنا عرس علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله- ﷺ فما رأينا عرسا كان أحسن منه- حسا لنا رسول الله- ﷺ زبيبا وتمرا فأكلنا منه وكان فراشها ليلة عرسها إهاب كبش.
ورواه البزار وزاد، وحشونا الفراش- يعني: الليف-.
وروى عن عبد الله بن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- قال: لما جهز رسول الله- ﷺ السيدة فاطمة إلى علي- رضي الله تعالى عنهما- بعث معها بخميلة وهي القطيفة ووسادة من أدم حشوها ليف، وإذخر وقربتان وكانا يفترشان الخميل، ويلتحفان بنصفه انتهى.
وروى من طريق عوف بن محمد بن الحنفية عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- قالت: أهديت جدتك فاطمة إلى جدك علي- رضي الله تعالى عنهما- فما كان حشو فراشهما ووسادتهما إلا ليفا، ولقد أولم علي على فاطمة- رضي الله تعالى عنهما- فما كانت وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته ورهن درعه عند يهودي بشطر شعير.
وروى الدولابي عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- أنه أولم على فاطمة وكانت وليمته آصعا من شعير وتمر.
وفي حديث ابن عباس فدعا رسول الله- ﷺ بلالاً فقال: «يا بلال، إني زوجت ابنتي ابن عمي، وأنا أحب أن يكون من سنة أمتي إطعام الطعام عند النكاح، فخذ شاة وأربعة أمداد أو خمسة، فاجعل لي قصعة وادع عليها المهاجرين والأنصار، فإذا فرغت فائتني بها» . فانطلق ففعل ما أمره به، ثم أتاه بالقصعة فوضعها بين يديه فطعن رسول الله- ﷺ بإصبعه في رأسها، ثم قال: أدخل علي الناس زفة زفة ولا تغادرن إلى غيرها، يعني إذا فرغت زفة فلا يعودن ثانية، فجعل الناس يردون كلما فرغت زفة وردت أخرى حتى فرغ الناس ثم عمد رسول الله- ﷺ إلى ما فضل منها فتفل فيه وبارك.
وقال: «يا بلال، احملها إلى أمهاتك، وقل لهن يأكلن منها ويطعمن من يمشيكن» انتهى، ثم قال- ﷺ : «يا علي، لا تحدثن إلى أهلك شيئاً» .
وفي حديث أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- عند الطبراني برجال الصحيح قالت: لما أهديت السيدة فاطمة إلى علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنهما- لم نجد في
стр. 4834
بيته إلا رملا مبسوطا ووسادة حشوها ليف وجرة وكوزا، فأرسل رسول الله- ﷺ «لا تحدثن حدثا» أو قال: «لا تقربن أهلك حتى آتيك» فجاء رسول الله- ﷺ فقال: «أثم أخي» فدعا النبي- ﷺ فسمى، ثم قال فيه ما شاء الله أن يقول، ثم مسح صدر علي ووجهه ثم دعا فاطمة- رضي الله تعالى عنها- فقامت إليه تعثر في مرطها من الحياء فنضح من ذلك الماء ثم قال لها ما شاء الله أن يقول ثم قال لها: «أما إني لم آلك أن أنكحتك أحب أهلي إلي» .
وفي حديث بريدة- رضي الله تعالى عنه- فدعا رسول الله- ﷺ بماء فتوضأ منه ثم أفرغه على علي فقال: «اللهم، بارك فيهما، وبارك لهما في أبنائهما» . وفي لفظ «بارك لهما وبارك في شبلهما» [ (١) ] .
قال الحافظ ابن ناصر الدين راوي الحديث صوابه بنسلهما، وأورده الضياء المقدسي في المختارة وفي حديث أسماء، قالت أسماء: ثم رأى سوادا من وراء الستر، أو من وراء الباب فقال: من هذا؟ قالت: أسماء، قالت: نعم يا رسول الله جئت كرامة لرسول الله ﷺ أن الفتاة يبنى بها الليلة ولا بد لها من امرأة تكون قريبا منها، إن عرضت لها حاجة أفضت بذلك إليها قالت: فدعا لي بدعاء، إنه لأوثق عملي عندي، ثم قال لعلي: «دونك أهلك» ، ثم خرج فولى فما زال يدعو لهما، حتى توارى في حجره.
وفي حديث ابن عباس- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ دخل على النساء فقال: إني قد زوجت ابنتي ابن عمي وقد علمتن منزلتها مني وأنا دافعها إليه، فدونكن فقمن النساء فغلفنها من طيبهن وألبسنها من ثيابهن وحلينها من حليهن، ثم إن رسول الله ﷺ دخل فلما رأى النساء ذهبن، وبين النبي ﷺ ستر وتخلفت أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- فقال لها رسول الله ﷺ : «كما أنت، على رسلك من أنت؟
قالت: أنا التي أحرس ابنتك، فإن الفتاة الليلة يبنى بها ولا بد من امرأة تكون قريبا منها، إن عرضت لها حاجة أو أرادت شيئاً أمضيت بذلك إليها، ثم صرخ بفاطمة.
وفي حديث يحيى فقال لفاطمة: «ائتني بماء» فقامت إلى قعب في البيت فجعلت فيه ماء فأتته به، فمج فيه ثم قال لها: قومي فنضح على رأسها وبين ثدييها، وقال: «اللهم، إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» ، ثم قال: «ائتني بماء،» فعلمت الذي يريده، فملأت القعب ماء فأتيته به فأخذ منه بفيه، ثم مجه فيه ثم صبه على رأسي وبين يدي ثم قال: «اللهم، إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» ثم قال لي: «أدبري» فأدبرت فصب بين كتفي ثم
стр. 4835
قال: «اللهم، إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» ثم قال لي: «أدخل على أهلك باسم الله والبركة» .
الثالث: في أنها كانت أحب الناس إليه- ﷺ -.
روى الطبراني برجال الصحيح عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: دخل رسول الله ﷺ على فاطمة وعلي- رضي الله تعالى عنهما- وهما جالسان يضحكان، فلما رأيا رسول الله ﷺ سكتا فقال لهما رسول الله ﷺ : «ما لكما كنتما تضحكان، فلما رأيتماني سكتما» فبادرت فاطمة- رضي الله تعالى عنها- فقالت: بأبي أنت يا رسول الله قال هذا: أنا أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فقلت: بل أنا أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «يا بنية لك رقة الولد وعلي أعز علي منك» .
وروى أبو داود الطيالسي والطبراني في الكبير، والحاكم والترمذي وقال: حسن وأبو القاسم البغوي في معجمه عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «أحب أهل بيتي إلي فاطمة» .
وروى الطبراني عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- قال: يا رسول الله، أينا أحب إليك أنا أم فاطمة؟ قال: «فاطمة أحب إلي منك، وأنت أعز علي منها.»
الرابع: في أن الله ﵎ يرضى لرضاها، ويغضب لغضبها .
روى الطبراني بإسناد حسن وابن السني في معجمه وأبو سعيد النيسابوري في «الشرف» عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة: «إن الله تعالى يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»
انتهى.
الخامس في أنه- ﷺ كان يقبلها في فمها .
[عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: ما رأيت أحدا كان شبه كلاماً وحديثاً برسول الله ﷺ من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها، فقبلها ورحب بها، وأخذ بيدها فأجلسها في مجلسه، وكانت هي إذا دخل عليها قامت إليه، فقبلته وأخذت بيده] .
السادس: فيما جاء أنه- ﷺ إذا سافر كان آخر عهده بها، وإذا قدم أول ما يدخل عليها- رضي الله تعالى عنها -.
روى الإمام أحمد والبيهقي في «الشعب» عن ثوبان- رضي الله تعالى عنه- قال: كان