بأحد الرجلين ما أنا بصاحب دنيا يلتمس ما عندي وقد علم ما لي بيضاء ولا صفراء.
وما أنا بالكافر الذي يترفق بها عن دينه- يعني يتألفه بها، إني لأول من أسلم فقال سعد إني أعزم عليك لتفرجنها عني، فإن لي في ذلك فرجا قال: أقول ماذا؟ قال؟: جئت خاطبا إلى الله وإلى رسوله- ﷺ فاطمة بنت محمد- ﷺ فقال النبي- ﷺ مرحبا، كلمة ضعيفة ثم رجع إلى سعد، فقال: قد فعلت الذي أمرتني به فلم يزد على أنه رحب بي كلمة ضعيفة، فقال سعد: أنكحك والذي بعثه بالحق، إنه لا خلف ولا كذب عنده، أعزم عليك لتأتينه فلتقولن يا نبي الله، متى تبنيني؟ فقال علي: هذه أشد علي من الأولى أو لا أقول: يا رسول الله، حاجتي؟ قال: قل كما أمرتك، فانطلق علي فقال: يا رسول الله، تبنيني؟ قال:
«الليلة إن شاء الله» .
.. الحديث.
وفي حديث بريرة عند النسائي في عمل اليوم والليلة والروباني في مسنده، وعند البزار والطبراني برجال ثقات غالبهم رجال الصحيح والدولابي: أن نفرا من الأنصار قالوا لعلي- رضي الله تعالى عنه-: لو خطب فاطمة بنت رسول الله- ﷺ فأبى.
وفي لفظ: لو كانت عندك فاطمة فدخل على رسول الله- ﷺ فقال: ما حاجة ابن أبي طالب؟ فقال: يا رسول الله، ذكرت بنت رسول الله- ﷺ فقال رسول الله- ﷺ :
«مرحبا وأهلا» لم يزده عليهما فخرج على أولئك النفر من الأنصار وهم ينتظرونه فقالوا له: ما وراءك؟ قال: ما أدري، غير انه قال لي: مرحبا وأهلا،
قالوا: يكفيك من رسول الله- ﷺ إحداهما أعطاك الأهل والمرحب.
وفي حديث ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- فقال سعد: أنكحك رسول الله- ﷺ والذي بعثه بالحق إنه لا خلف ولا كذب عنده، أعزم عليك لتأتينه غدا، فتقول يا نبي الله متى تبنيني بأهلي، فقال علي: هذه أشد علي من الأولى أو لا أقول: يا رسول الله حاجتي قال: قل كما أمرتك فانطلق علي، فقال: يا رسول الله، متى تبنيني بأهلي؟
قال: «الليلة إن شاء الله تعالى» - قال فقال رسول الله- ﷺ : «ما عندك يا علي» فقلت: يا رسول الله، فرسي وبدني يعني درعي الحطمية- قال: «أما فرسك لا بد لك منه، وأما بدنك فبعها» فبعتها بأربعمائة وثمانين درهما، فأتيت بها رسول الله- ﷺ فوضعتها في حجره، فقبض منها قبضة، فقال: «يا بلال» ، أبغني بها طيبا وقال ابن ثابت: فقبض ثلاث قبضات، فرفعها إلى أم أيمن فقال: اجعلي منها قبضة في الطيب.
أحسبه قال الباقي فيما يصلح المرأة، وزوجه رسول الله- ﷺ فلما فرغت من الجهاز وأدخلتهم بيتا.
стр. 4832
وفي حديث بريدة: فلما كان بعد ما زوجه قال: «يا على، أنه لا بد للعروس من وليمة»
فقال سعد: عندي كبش.
وجمع له رهط من الأنصار من ذرة، ورواه الإمام أحمد برجال الصحيح غير عبد الكريم بن سليط وهو مستور بلفظ، وقال: على فلان كذا وكذا من ذرة.
وفي حديث يحيى وأمرهم أن يجهزوها فجعل لها سريرا مشرطا بالشريط ووسادة من أدم حشوها ليف، وملأ البيت كثيبا يعني رملا، وقال: إذا أتتك، فلا تحدث شيئاً حتى آتيك فجاءت مع أم أيمن فقعدت في جانب البيت، وأنا في جانب.
وروى الإمام أحمد بسند جيد عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ لما زوجه فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف، وثور وسقاء وجرتين.
وروى الدولابي عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنه- قالت: لقد جهزت فاطمة بنت رسول الله- ﷺ إلى علي- رضي الله تعالى عنهما- وما كان حشو فرشهما ووسادتهما إلا ليف.
وروى الإمام أحمد في المناقب عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: جهز رسول الله- ﷺ فاطمة في خميلة وقربة ووسادة من أدم حشوها ليف.
وروى البلاذري عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: ما كان لنا إلا إهاب كبش ننام علي ناحية، ومنه تعجن فاطمة على ناحية.
وروى ابن حبان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قبض من المهر قبضة، وقال لبلال: اشتر لنا بها طيبا، وأمرهم رسول الله- ﷺ أن يجهزوها فجعل سريرا مشرطا بشرائط ووسادة من أدم حشوها ليف.
وروى أبو بكر- بن فارس عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: كان فراش علي وفاطمة- رضي الله تعالى عنهما- ليلة عرسهما- إهاب كبش.
وروى أيضا عن ضمرة بن حبيب- رضي الله تعالى عنهما- قال قضى رسول الله- ﷺ على ابنته السيدة فاطمة بخدمة البيت، وقضى على علي بما كان خارج البيت.
وروى مسدد مرسلا عن ضمرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قضى رسول الله- ﷺ على ابنته فاطمة- رضي الله تعالى عنها- بخدمة البيت، وقضى على علي- رضي الله تعالى عنه- بما كان خارج البيت.
وروى أحمد بن منيع بسند ضعيف عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها-
стр. 4833
قالت: تزوجت فاطمة بنت رسول الله- ﷺ على درع ومنشفة بمغفرة ونصف قطيفة بيضاء، وقدح وإن كانت تستر بكم درعها، ومالها خمار وقالت: أعطاني رسول الله- ﷺ أصبعا من تمر ومن شعير، فقال: «إذا دخلن عليك نساء الأنصار فأطعميهن منه» .
وروى الطبراني من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال:
حضرنا عرس علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله- ﷺ فما رأينا عرسا كان أحسن منه- حسا لنا رسول الله- ﷺ زبيبا وتمرا فأكلنا منه وكان فراشها ليلة عرسها إهاب كبش.
ورواه البزار وزاد، وحشونا الفراش- يعني: الليف-.
وروى عن عبد الله بن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- قال: لما جهز رسول الله- ﷺ السيدة فاطمة إلى علي- رضي الله تعالى عنهما- بعث معها بخميلة وهي القطيفة ووسادة من أدم حشوها ليف، وإذخر وقربتان وكانا يفترشان الخميل، ويلتحفان بنصفه انتهى.
وروى من طريق عوف بن محمد بن الحنفية عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- قالت: أهديت جدتك فاطمة إلى جدك علي- رضي الله تعالى عنهما- فما كان حشو فراشهما ووسادتهما إلا ليفا، ولقد أولم علي على فاطمة- رضي الله تعالى عنهما- فما كانت وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته ورهن درعه عند يهودي بشطر شعير.
وروى الدولابي عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- أنه أولم على فاطمة وكانت وليمته آصعا من شعير وتمر.
وفي حديث ابن عباس فدعا رسول الله- ﷺ بلالاً فقال: «يا بلال، إني زوجت ابنتي ابن عمي، وأنا أحب أن يكون من سنة أمتي إطعام الطعام عند النكاح، فخذ شاة وأربعة أمداد أو خمسة، فاجعل لي قصعة وادع عليها المهاجرين والأنصار، فإذا فرغت فائتني بها» . فانطلق ففعل ما أمره به، ثم أتاه بالقصعة فوضعها بين يديه فطعن رسول الله- ﷺ بإصبعه في رأسها، ثم قال: أدخل علي الناس زفة زفة ولا تغادرن إلى غيرها، يعني إذا فرغت زفة فلا يعودن ثانية، فجعل الناس يردون كلما فرغت زفة وردت أخرى حتى فرغ الناس ثم عمد رسول الله- ﷺ إلى ما فضل منها فتفل فيه وبارك.
وقال: «يا بلال، احملها إلى أمهاتك، وقل لهن يأكلن منها ويطعمن من يمشيكن» انتهى، ثم قال- ﷺ : «يا علي، لا تحدثن إلى أهلك شيئاً» .
وفي حديث أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- عند الطبراني برجال الصحيح قالت: لما أهديت السيدة فاطمة إلى علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنهما- لم نجد في
стр. 4834
بيته إلا رملا مبسوطا ووسادة حشوها ليف وجرة وكوزا، فأرسل رسول الله- ﷺ «لا تحدثن حدثا» أو قال: «لا تقربن أهلك حتى آتيك» فجاء رسول الله- ﷺ فقال: «أثم أخي» فدعا النبي- ﷺ فسمى، ثم قال فيه ما شاء الله أن يقول، ثم مسح صدر علي ووجهه ثم دعا فاطمة- رضي الله تعالى عنها- فقامت إليه تعثر في مرطها من الحياء فنضح من ذلك الماء ثم قال لها ما شاء الله أن يقول ثم قال لها: «أما إني لم آلك أن أنكحتك أحب أهلي إلي» .
وفي حديث بريدة- رضي الله تعالى عنه- فدعا رسول الله- ﷺ بماء فتوضأ منه ثم أفرغه على علي فقال: «اللهم، بارك فيهما، وبارك لهما في أبنائهما» . وفي لفظ «بارك لهما وبارك في شبلهما» [ (١) ] .
قال الحافظ ابن ناصر الدين راوي الحديث صوابه بنسلهما، وأورده الضياء المقدسي في المختارة وفي حديث أسماء، قالت أسماء: ثم رأى سوادا من وراء الستر، أو من وراء الباب فقال: من هذا؟ قالت: أسماء، قالت: نعم يا رسول الله جئت كرامة لرسول الله ﷺ أن الفتاة يبنى بها الليلة ولا بد لها من امرأة تكون قريبا منها، إن عرضت لها حاجة أفضت بذلك إليها قالت: فدعا لي بدعاء، إنه لأوثق عملي عندي، ثم قال لعلي: «دونك أهلك» ، ثم خرج فولى فما زال يدعو لهما، حتى توارى في حجره.
وفي حديث ابن عباس- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ دخل على النساء فقال: إني قد زوجت ابنتي ابن عمي وقد علمتن منزلتها مني وأنا دافعها إليه، فدونكن فقمن النساء فغلفنها من طيبهن وألبسنها من ثيابهن وحلينها من حليهن، ثم إن رسول الله ﷺ دخل فلما رأى النساء ذهبن، وبين النبي ﷺ ستر وتخلفت أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- فقال لها رسول الله ﷺ : «كما أنت، على رسلك من أنت؟
قالت: أنا التي أحرس ابنتك، فإن الفتاة الليلة يبنى بها ولا بد من امرأة تكون قريبا منها، إن عرضت لها حاجة أو أرادت شيئاً أمضيت بذلك إليها، ثم صرخ بفاطمة.
وفي حديث يحيى فقال لفاطمة: «ائتني بماء» فقامت إلى قعب في البيت فجعلت فيه ماء فأتته به، فمج فيه ثم قال لها: قومي فنضح على رأسها وبين ثدييها، وقال: «اللهم، إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» ، ثم قال: «ائتني بماء،» فعلمت الذي يريده، فملأت القعب ماء فأتيته به فأخذ منه بفيه، ثم مجه فيه ثم صبه على رأسي وبين يدي ثم قال: «اللهم، إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» ثم قال لي: «أدبري» فأدبرت فصب بين كتفي ثم
стр. 4835
قال: «اللهم، إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» ثم قال لي: «أدخل على أهلك باسم الله والبركة» .
الثالث: في أنها كانت أحب الناس إليه- ﷺ -.
روى الطبراني برجال الصحيح عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: دخل رسول الله ﷺ على فاطمة وعلي- رضي الله تعالى عنهما- وهما جالسان يضحكان، فلما رأيا رسول الله ﷺ سكتا فقال لهما رسول الله ﷺ : «ما لكما كنتما تضحكان، فلما رأيتماني سكتما» فبادرت فاطمة- رضي الله تعالى عنها- فقالت: بأبي أنت يا رسول الله قال هذا: أنا أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فقلت: بل أنا أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «يا بنية لك رقة الولد وعلي أعز علي منك» .
وروى أبو داود الطيالسي والطبراني في الكبير، والحاكم والترمذي وقال: حسن وأبو القاسم البغوي في معجمه عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «أحب أهل بيتي إلي فاطمة» .
وروى الطبراني عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- قال: يا رسول الله، أينا أحب إليك أنا أم فاطمة؟ قال: «فاطمة أحب إلي منك، وأنت أعز علي منها.»
الرابع: في أن الله ﵎ يرضى لرضاها، ويغضب لغضبها .
روى الطبراني بإسناد حسن وابن السني في معجمه وأبو سعيد النيسابوري في «الشرف» عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة: «إن الله تعالى يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»
انتهى.
الخامس في أنه- ﷺ كان يقبلها في فمها .
[عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: ما رأيت أحدا كان شبه كلاماً وحديثاً برسول الله ﷺ من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها، فقبلها ورحب بها، وأخذ بيدها فأجلسها في مجلسه، وكانت هي إذا دخل عليها قامت إليه، فقبلته وأخذت بيده] .
السادس: فيما جاء أنه- ﷺ إذا سافر كان آخر عهده بها، وإذا قدم أول ما يدخل عليها- رضي الله تعالى عنها -.
روى الإمام أحمد والبيهقي في «الشعب» عن ثوبان- رضي الله تعالى عنه- قال: كان
стр. 4836
رسول الله ﷺ إذا سافر آخر عهده إتيان فاطمة، وأول من يدخل عليه فاطمة إذا قدم ﷺ .
وروى أبو عمر عن أبي ثعلبة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من غزو أو سفر بدأ بالمسجد، فصلى ركعتين ثم أتى فاطمة- رضي الله تعالى عنها- (ثم أتى أزواجه) [ (١) ] .
السابع: في غيرته- ﷺ لها- رضي الله تعالى عنها -.
روى الطبراني عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- قالت: خطبني علي فبلغ ذلك السيدة فاطمة بنت سيدنا رسول الله ﷺ فأتت رسول الله ﷺ فقالت إن أسماء متزوجة علي بن أبي طالب فقال لها: «ما كان لها أن تؤذي الله ورسوله» .
وروى الطبراني في المعاجم الثلاثة عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن عليا- رضي الله تعالى عنه- خطب بنت أبي جهل فقال النبي ﷺ : «إن كنت تزوّجها فرد علينا ابنتنا، والله، لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله تحت رجل واحد» .
وروى البزار عن علي- رضي الله تعالى عنه- أنه كان عند رسول الله ﷺ فقال: أي شيء خير للمرأة فسكتوا، فلما رجعت قلت لفاطمة: أي شيء خير للنساء؟ قالت: لا يراهن الرجال، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «إن فاطمة بضعة مني» .
الثامن: في تشبهها- رضي الله تعالى عنها- هديا وسمتا ودلاء ومشيا وحديثاً به ﷺ وقيامه ﷺ لها إذا أقبلت وإجلاسه إياها مكانه .
إخباره- ﷺ إنها سيدة نساء هذه الأمة ونساء أهل الجنة .
روى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كنا أزواج رسول الله ﷺ عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة- رضي الله تعالى عنها- تمشي.
[كأن مشيتها مشية رسول الله ﷺ فقال: «مرحبا يا بنتي» فأجلسها عن يمينه أو عن شماله: ثم إنه أسر إليها حديثاً فبكت فاطمة، ثم إنه سارها فضحكت أيضاً، فقلت لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن فقلت لها حين بكت: أخصك رسول الله ﷺ بحديثه دوننا ثم تبكين؟ وسألتها عما قال: فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ حتى إذا قبض سألتها فقالت: أنه كان حدثني «إن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل عام مرة، وإنه عارضه به في العام مرتين، ولا أراني
стр. 4837
إلا قد حضر أجلي، وإنك أول أهلي لحوقا بي، ونعم السلف أنا لك» فبكيت لذلك، ثم إنه سارني فقال: «ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة» ؟ فضحكت لذلك.
وروى أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما رأيت أحدا أشبه سمتا ولا هديا، ولا حديثاً برسول الله ﷺ في قيامها وقعودها من فاطمة- رضي الله تعالى عنها-.
وروى ابن حبان عنها قالت: ما رأيت أحد أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله ﷺ من فاطمة- رضي الله تعالى عنها- وكانت إذا دخلت قام إليها فقبلها ورحب بها وأخذ بيدها وأجلسها في مجلسه وكانت هي- رضي الله تعالى عنها- إذا دخل ﷺ عليها قامت إليه فقبلته وأخذت بيده وأجلسته مكانها فدخلت عليه في مرضه الذي توفي فيه فأسر إليها فبكت ثم أسر إليها فضحكت فقلت: كنت أحسب أن لهذه المرأة فضلا على نسائنا فإذا هي امرأة منهن بينما
هي تبكي إذ هي تضحك، فلما توفي رسول الله ﷺ سألتها عن ذلك فقالت أسر إلي أنه ميت فبكيت ثم أسر إلي أني أول أهله لحوقا به فضحكت.
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى برجال الصحيح والترمذي من غير ذكر فاطمة ومريم- ﵉ عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وفاطمة سيدة نسائهم إلا ما كان من مريم بنت عمران» .
وروى الطبراني في «الأوسط» «والكبير» برجال الصحيح عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم بنت عمران فاطمة وخديجة ثم آسية بنت مزاحم امرأة فرعون- وفي لفظ- وآسية» .
وروى الطبراني برجال الصحيح عن محمد بن مروان الذهلي وثقه ابن حبان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «إن ملكا من السماء لم يكن زارني فاستأذن ربّي في زيارتي فأذن له فبشرني وأخبرني أن فاطمة سيدة نساء أمتي،
وسيأتي لهذا مزيد بيان في مناقب السيدة خديجة- رضي الله تعالى عنها-.
التاسع: في إثبات فضلها- رضي الله تعالى عنها- بأبيها ﷺ وأقاربها أصلا وفرعا .
روى الطبراني عن أبي أيوب- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ لفاطمة: «نبينا خير الأنبياء، وهو أبوك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيك» ... الحديث.
وروى الطبراني برجال الصحيح عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «ما رأيت أفضل من فاطمة غير أبيها ﷺ » .
стр. 4838
العاشر: في أنها أصدق الناس لهجة .
وروى أبو يعلى برجال الصحيح عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة- رضي الله تعالى عنها- إلا أن يكون أباها ﷺ .
وروى أبو عمر عنها قالت: ما رأيت أحدا كان أصدق لهجة من فاطمة- رضي الله تعالى عنها- إلا أن يكون الذي ولدها ﷺ .
الحادي عشر: في برها برسول الله ﷺ .
روى أبو يعلى عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شق عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئاً، فأتى فاطمة فقال: يا بنية، هل عندك أكلة، فإني جائع فقالت: لا والله، بأبي أنت وأمي، فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم فأخذته منها فوضعته في جفنة لها، وغطت عليها، قالت: والله، لأوثرنّ بهذا رسول الله ﷺ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعا محتاجين إلى شعبة طعام، فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول الله ﷺ فرجع إليها فقالت له:
بأبي أنت وأمي قد أتى الله بشيء فخبأته لك قال: «هلمي فأتته فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا ولحما، فلما نظرت إليها بهتت، وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله وصلت على نبيه وقدمته إلى النبي ﷺ فلما رآه حمد الله وقال: «من أين لك هذا يا بنية؟» فقالت: يا أبت، هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فبعث رسول الله ﷺ إلى علي ثم أكل رسول الله ﷺ وعلي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي ﷺ وأهل بيته جميعا حتى شبعوا وبقيت الجفنة كما هي، قالت: فأوسعت ببقيتها على جميع جيرانها، وجعل الله فيه بركة وخيراً كثيراً.
الثاني عشر: فيما كانت فيه من ضيق العيش وخدمتها نفسها- رضي الله تعالى عنها- مع استصحاب الصبر الجميل .
روى الدولابي عن أسماء بنت عميس عن فاطمة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ أتاها.
وروى أبو يعلى برجال الصحيح وابن أبي شيبة عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت لأمي فاطمة بنت أسد- رضي الله تعالى عنها- اكفي بنت محمد ﷺ سقاية الماء والذهاب في الحاجة، وتكفيك خدمة الداخل الطحن والعجن.
وروى الطبراني برجال ثقات إلا عتبة بن حميد وثقه ابن حبان وضعفه جماعة عن عمران بن حصين قال: إني لجالس عند النبي ﷺ إذ أقبلت فاطمة، فقامت بحذاء النبي ﷺ مقابلة فقال: «ادني يا فاطمة» ، فدنت دنوة، ثم قال «ادني يا فاطمة» ، فدنت دنوة، ثم قال:
стр. 4839
«ادني يا فاطمة» فدنت دنوة حتى قامت بين يديه قال عمران: فرأيت صفرة قد ظهرت على وجهها وذهب الدم فبسط رسول الله ﷺ بين أصابعه ثم وضع كفه بين ترائبها فرفع رأسه قال:
«اللهم، مشبع الجوعة، وقاضي الحاجة، ورافع الوضعة، لا تجع فاطمة بنت محمد» ، فرأيت صفرة الجوع قد ذهبت عن وجهها وظهر الدم، ثم سألتها بعد ذلك فقالت: ما جعت بعد ذلك.
وروى الإمام أحمد بسند جيد عن علي- رضي الله تعالى عنه- أنه قال لفاطمة- رضي الله تعالى عنها- ذات يوم: والله، لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقد جاء أبوك بسبي فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا والله، لقد طحنت حتى مجلت يداي فأتت رسول الله ﷺ فقال: «ما جاء بك أي بنية؟» قالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت، فقال:
ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله فأتيا جميعا رسول الله ﷺ فقال علي: يا رسول الله، لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: يا رسول الله، لقد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله بسبي وسعة، فأخدمنا فقال: لا، والله، لا أعطيكم، وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع لا أجد ما أنفق عليهم ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم فرجع. فأتاهما رسول الله ﷺ ، وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما، وإذا غطت أقدامهما تكشفت رؤوسهما فتأثر فقال: مكانكما، ثم قال: «ألا أخبر كما بخير مما سألتماني» ، قالا: بلى، قال: «كلمات علمنيهن جبريل فقال: تسبحان الله في دبر كل صلاة عشرا وتحمدان عشرا وتكبران عشرا، فإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين» .
[قال: فوالله، ما تركتهن منذ سمعت ذلك من رسول الله ﷺ قال: فقال له: أين الكوا ولا ليلة صفين، فقال: قاتلكم الله يأهل العراق ولا ليلة صفين.
وروى الطبراني بسند حسن عن فاطمة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ أتاها يوما فقال: «أين أبنائي؟» يعني: حسنا وحسينا قالت: أصبحنا وليس في بيتنا شيء يذوقه ذائق، فقال علي: اذهب بهما، فإني أتخوف أن يتليا عليك وليس عندك شيء، فذهب إلى فلان اليهودي فتوجه إليه رسول الله ﷺ فوجدهما يلعبان في سرية بين أيديهما فضل من تمر، فقال: «يا علي ألا تقلب ابني قبل أن يشتد الحر؟» قال علي: أصبحنا وليس في بيتنا شيء، فلو جلست يا رسول الله، حتى أجمع لفاطمة شيئاً من التمر، فجلس رسول الله ﷺ حتى اجتمع لفاطمة شيء من التمر،
فجعله في صرته ثم أقبل فحمل النبي ﷺ أحدهما وعلي الآخر، حتى أقلبهما.
стр. 4840
وروى الإمام أحمد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن بلالا- رضي الله تعالى عنه- أبطأ عن صلاة الصبح، فقال له رسول الله ﷺ : ما حبسك؟ قال: مررت بالسيدة فاطمة، وهي تطحن، والصبي يبكي، فقلت: إن شئت كفيتك الرحا وكفيتيني الصبي، وإن شئت كفيتك الصبي، وكفيتيني الرحا، فقالت: أنا أرفق بابني منك فذاك الذي حبسني فقال: رحمتها، رحمك الله.
الثالث عشر: في وفاتها- رضي الله تعالى عنها- ووصيتها إلى أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- بما تصنعه بعد موتها ومن صلى عليها ومن دخل قبرها وموضعه .
روى الطبراني بأسانيد رجال أحدها رجال الصحيح عن عائشة والبخاري عن الزهري عن عروة عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: توفيت السيدة فاطمة بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر، وفي رواية: ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة ودفنها علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- ليلا.
وروى الطبراني برجال الصحيح إلا أن جعفراً الصادق لم يدرك القصة، ففيه انقطاع عن جعفر بن محمد- رحمهما الله تعالى- قال: مكثت فاطمة بعد النبي ﷺ ثلاثة أشهر، وما رؤيت ضاحكة بعد رسول الله ﷺ إلا أنهم قد امتروا في طرف نابها.
وروى الطبراني عن عبد الله بن محمد بن عقيل- رحمه الله تعالى- منقطعا، لأن عبد الله لم يدرك القصة، أن فاطمة- رضي الله تعالى عنها- لما حضرتها أمرت عليا فوضع لها غسلا، فاغتسلت وتطهرت ودعت بثياب أكفانها فأتيت بثياب غلاظ خشن، فلبستها ومست من حنوط ثم أمرت عليا أن لا يكشف عورتها إذا أقبضت وأن تدرج كما هي في ثيابها، فقلت له: هل علمت أحدا فعل ذلك؟ قال: نعم، كثير بن العباس، وكتب في أطراف أكفانه: يشهد كثير أن لا إله إلا الله.
وروى الإمام أحمد بسند فيه من لم يعرف عن أم سلمة قالت: اشتكت السيدة فاطمة بنت سيدنا رسول الله ﷺ شكواها التي قبضت فيه فكنت أمرضها فأصبحت يوما كأمثل ما رأيتها في شكواها تلك، قالت: وخرج علي لبعض حاجته فقالت: يا أمه، اسكبي لي غسلا فسكبت لها غسلا فاغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل، ثم قالت: يا أمي، أعطني ثيابي الجدد فأعطيتها فلبستها ثم قالت: يا أمه قدمي لي فراشي وسط البيت، ففعلت، واستقبلت واضطجعت القبلة، وجعلت يدها تحت خدها، ثم قالت: يا أمه، إني مقبوضة الآن، وقد تطهرت، فلا يكشفني أحد، فقبضت مكانها، فجاء علي فأخبرته.
وروى أبو نعيم عن فاطمة- رضي الله تعالى عنها- أنها قالت لأسماء يا أسماء، إني قد
стр. 4841
استقبحت هذا الذي يصنع بالنساء، يطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول الله ﷺ ، إلا أريك شيئاً رأيته بالحبشة، فدعت بجرائد رطبة فحتتها، ثم طرحت عليها ثوبا فقالت لفاطمة: ما أحسن هذا وأجمله، تعرف به المرأة من الرجل، فإذا أنا مت فغسليني أنت وعلي، ولا يدخل على أحد ثم اصنعي بي هكذا،
فلما توفيت صنع بها ما أمرت بعد أن غسلتها أسماء وعلي- رضي الله تعالى عنهم-.
الرابع عشر: في أن الله تعالى حرمها وذريتها على النار .
روى البزار وتمام في «فوائده» والطبراني وابن عدي والعقيلي والحاكم عن ابن مسعود وابن شاهين في مسند «الزهر» وابن عساكر من طريق آخر عنه، والطبراني في «الكبير» بسند رجاله ثقات عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «إن فاطمة أحصنت فرجها فحرمها الله- وذريتها على النار» زاد العقيلي: قال ابن كريب: هذا للحسن والحسين ولمن أطاع الله- منهم.
وفي لفظ: أن الله- غير معذبك ولا ولدك.
وروى الخطيب أن الإمام علي بن موسى المديني- رضي الله تعالى عنه- سئل هذا الحديث فقال: هذا خاص بالحسن والحسين- رضي الله تعالى عنهما-.
تنبيه:
الصواب إن هذا الحديث سنده قريب من الحسن، والحكم عليه بالوضع خطأ كما بسطت الكلام على ذلك في كتابي «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة» .
الخامس عشر: في كيفية حشرها- رضي الله تعالى عنها -.
روى تمام في الفوائد والحاكم والطبراني عن علي، وأبو بكر الشافعي عن أبي هريرة، وتمام عن أبي أيوب وأبو الحسين بن بشران، والخطيب عن عائشة والأزدي عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنهم- بأسانيد ضعيفة، إذا ضم بعضها إلى بعض أفاد القبول، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش أيها الناس» ، وفي لفظ:
«يا أهل الجمع، غضوا أبصاركم، ونكسوا رؤوسكم حتى تجوز فاطمة بنت محمد إلى الجنة» وفي لفظ: «حتى تمر على الصراط،»
فتمر، وعليها ربطتان خضروان.
السادس عشر: في أولادها- رضي الله تعالى عنهم -.
قال الليث بن سعد- رحمه الله تعالى-: تزوج علي فاطمة- رضي الله تعالى عنهما- فولدت حسنا وحسينا ومحسنا- بميم مضمومة فحاء مفتوحة فسين مكسورة مشددة مهملتين-
стр. 4842
- رضي الله تعالى عنهم- وزينب وأم كلثوم ورقية- رضي الله تعالى عنهن- مات محسن سقطا، وأم كلثوم كانت عند عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- وولدت ولدا قال أبو عمر: ولدت أم كلثوم بنت فاطمة- رضي الله تعالى عنهما- قبل وفاة سيدنا رسول الله ﷺ وتزوجت زينب بنت فاطمة- رضي الله تعالى عنها- عبد الله بن جعفر- رضي الله تعالى عنهما- فماتت عنده وقد ولدت له عليا وعونا وجعفراً وعباسا وأم كلثوم أبناء عبد الله بن جعفر.
قال الشيخ- رحمه الله تعالى- في فتاويه: أولاد زينب المذكورة من عبد الله بن جعفر موجودون بكثرة وتكلم عليهم من عشرة أوجه:
أحدها: أنهم من آل النبي ﷺ وأهل بيته بالإجماع، لأن آله هم المؤمنون من بني هاشم والمطلب.
الثاني: أنهم من ذريته بالإجماع.
الثالث: أنهم هل يشاركون أولاد الحسن والحسين في أنهم ينسبون إلى النبي ﷺ والجواب: لا، وفرق بين من يسمى ولدا للرجل، وبين من ينسب إليه.
الرابع: هل يطلق عليهم أشراف؟.
الجواب: الشرف على مصطلح أهل مصر أنواع: عام لجميع أهل البيت، وخاص بالذرية، فيدخل فيه الزينبية وأخص منه شرف النسبة، وهو مختص بذرية الحسن والحسين- رضي الله تعالى عنهما-.
الخامس: تحرم عليهم الصدقة بالإجماع، لأن بني جعفر من الآل.
السادس: يستحقون سهم ذوي القربى بالإجماع.
السابع: يستحقون من وقف بركة الحبش بالإجماع، لأنها وقفت نصفها على الأشراف، وهم أولاد الحسن والحسين ونصفها على الطالبيين، وهم ذرية علي بن أبي طالب، - رضي الله تعالى عنهم- من محمد بن الحنفية وأخويه وذرية جعفر بن أبي طالب وذرية عقيل بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- هذا الوقف على هذا الوجه على قاضي القضاة بدر الدين بن يوسف السنجاوي في ثاني عشر ربيع الآخر سنة أربعين وستمائة، ثم اتصل ثبوته على شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام تاسع عشر ربيع الآخر من السنة المذكورة، ثم اتصل ثبوته على قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ذكر ذلك ابن المتوج في كتابه «إيقاظ المتغفل، واتعاظ المتوسل» .
стр. 4843
الثامن: هل يلبسون العلامة الخضراء؟.
والجواب: لا يمنع منها من أرادها من شريف أو غيره ولا يؤمر بها من تركها من شريف أو غيره، لأنها إنما أحدثت سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بأمر الملك الأشرف شعبان بن حسين أقصى ما في الباب أنه أحدث ليتميز بها هؤلاء عن غيرهم، وقد يستأنس لاختصاصها بهم بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ، قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ، ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الأحزاب/ ٥٩] فقد استدل بها بعض العلماء على تخصيص أهل العلم بلباس يختصون به من تطويل الأكمام، وإدارة الطيلسان ونحو ذلك، ليعرفوا فيجلوا تكريما للعلم، وهذا وجه حسن والله تعالى أعلم.
التاسع: هل يدخلون في الوصية على الأشراف أم لا؟!.
العاشر: هل يدخلون في الوقف على الأشراف أم لا؟!.
والجواب: إن وجد في كلام الموصي والواقف نص يقتضي دخولهم أو خروجهم اتبع وإن لم يوجد فيه ما يدل على هذا ولا هذا فقاعدة الفقه أن الوصية والوقف ينزل على عرف البلد وعرف مصر من عهد الخلفاء الفاطميين إلى الآن.
إن الشريف لقب لكل حسن وحسيني خاصة، فلا يدخلون على مقتضى هذا العرف، وإنما دخلوا في وقف بركة الحبش لأن واقفها نص في وقفه على أن نصفها للأشراف ونصفها للطّالبيين.
تنبيهات
الأول: قال ابن دريد: اشتقاق فاطمة من الفطم، وهو القطع، ومنه فطم الصبي إذا قطع عنه اللبن.
يقول الرجل للرجل: والله لأفطمنك عن كذا وكذا أي لأمنعنك عنه.
وروى الخطيب وقال فيه مجاهيل، وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» ، وتقدم أن الحكم عليه بالوضع ليس بصواب عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى إنما سماها فاطمة، لأن الله تعالى فطمها وجنبها عن النار.
الثاني: تقدم أن عليا- رضي الله تعالى عنه- أصدقها درعا، وأنه باع الدرع، وبعض متاعه وأصدقها بأربعمائة درهم.
قال المحب الطبري يشبه أن يكون العقد وقع على الدرع كما دل عليه حديث علي وبعث بها علي ثم ردها إليه رسول الله ﷺ ليبيعها، فباعها وأتاه بثمنها من غير أن يكون بين
стр. 4844
الحديثين تضاد، وقد ذهب إلى مدلول كل واحد من الحديثين قائل، فقال بعضهم: كان مهرها- رضي الله تعالى عنها- الدرع ولم يكن إذ ذاك بيضاء ولا صفراء.
وقال بعضهم: كان أربعمائة وثمانين فأمر رسول الله ﷺ أن يجعل ثلثها في الطيب.
الثالث: تضمن حديث ابن عباس، وحديث علي، وحديث أنس- رضي الله تعالى عنهم- أن الذي حثه على تزويج فاطمة- رضي الله تعالى عنها- متضاد، ولا تضاد بينهما، بل يحتمل أن يكون مولاته، ثم أبو بكر وعمر أو بالعكس، ثم لما خرج لذلك لقيه الأنصار فحثوه على ذلك من غير أن يكون أحدهم علم بالآخر.
الرابع: يحتمل أن تريد أسماء في حديثها بوليمة: ما قام هو بنفسه غير ما جاء به الأنصار من الكبش والذرة جمعا بين الحديثين، وأن يكون رسول الله ﷺ دفع لها مع ذلك الآصاح من التمر والشعير وأن يكون ما جاء به الأنصار وليمة الرجال وما دفعه لها ﷺ للنساء كما دل عليه حديثها.
الخامس: كيفية صب الماء وتخصيص علي- رضي الله تعالى عنه- به مخالف لما رواه ابن حبان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال المحب الطبري- رحمه الله تعالى-: ولعله ﷺ خص عليا- رضي الله تعالى عنه- بهذه الكيفية كما تضمنه الحديث، فإنه لم يذكر فيه فاطمة- رضي الله تعالى عنها- ونضح ﷺ عليهما على تلك الكيفية كما في حديث ابن حبان.
السادس: تضمن حديث عائشة أنه ﷺ أخبرها بشيئين، بموته، وأنها أول أهله لحوقا به.
فبكت فأخبرها ثانيا بشيء واحد، وهو: أنها سيدة نساء المؤمنين، وسيدة نساء أهل الجنة فضحكت.
وتضمن حديث أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- عند الدولابي أنه أسر إلى فاطمة- رضي الله تعالى عنها- أولا بموته فقط فبكت، وفي الثانية بأنها سيدة نساء المؤمنين، فضحكت.
وحديث فاطمة عند الدولابي أيضاً، أنه ﷺ أسر إليها بموته أولا فبكت وثانيا بشيئين بلحوقها به، وأنها سيدة نساء أهل الجنة.
وتضمن حديث عائشة عند أبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان عن فاطمة- رضي الله تعالى عنها- إنه أسر إليها أولا بموته فبكت، وثانيا بأنها أول لاحق به فضحكت فيحمل ذلك على صدوره في مجالس مختلفة توفيقا بين الأحاديث، وأن بكاءها- رضي الله تعالى عنها- في حديث مسلم لم يكن بمجموع الخبرين، بل بموته ﷺ فقط يدل عليه أنه ﷺ لما أفرد خبر موته عن خبر لحوقها به كما في حديث عائشة- رضي الله تعالى عنها- في هذا
стр. 4845
النوع بكت للأول وضحكت للثاني، ولو كان البكاء لمجموعهما لما حصل لأحدهما أو لكل واحد منهما كما ضحكت للثاني، ويدل أيضاً على أن ضحكها في حديث الدولابي، عن فاطمة- رضي الله تعالى عنها- لم يكن لمجموع الخبرين بل لكل واحد، إذ لو كان لهما لما استقل به أحدهما، وقد استقل به في حديث عائشة- رضي الله تعالى عنها- كما عند أبي داود والترمذي والنسائي وابن حاتم كما سبق، فدل على أنه لكل منهما.
السابع: في بيان غريب ما سبق .
أفحم- بفاء مهملة- أسكت وفحم الصبي بفتح الحاء يفحم إذا بكى حتى ينقطع صوته.
الحطمية: - بحاء فطاء مهملتين- هي التي تحطم السيوف أي تكسرها وقيل: هي العريضة الثقيلة، وقيل: هي منسوبة إلى بطن من عبد القيس يقال لها حطمة بن محارب كانوا يعملون الدروع، وهذا أشبه الأقوال.
البيضاء: [.......] .
الصفراء: [.......] .
ثقيل: [.......] .
حصر: [.......] .
مرحبا: أي أتيت سعة من الرحب بالضم، وهو السعة.
وأهلا: أي أتيت أهلا فاستأنس ولا تستوحش.
الشطر لعله مكيال يعرف عندهم بذلك أو نصف مكيال إذ الشطر النصف.
أصعا: جمع صاع.
الشبل: بالشين المعجمة ولد الأسد فيكون ذلك كشف واطلاع منه ﷺ وأطلق على الحسن والحسين- رضي الله تعالى عنهما- شبلين وهما كذلك.
الهدي والدلّ بدال مهملة متقاربا المعنى وهما السكينة والوقار في الهيبة والنظر والشمائل وغير ذلك والسمت بمعناهما يقال: ما أحسن سمته أي: هديه.
стр. 4846
الباب العاشر في بعض مناقب سيدي شباب أهل الجنة أبي محمد الحسن وأبي عبد الله الحسين- رضي الله تعالى عنهما- سبطي رسول الله- ﷺ على سبيل الاشتراك
وفيه أنواع
الأول: في عقه- ﷺ عنهما- وأمره ﷺ بحلق رؤوسهما، وختانهما- رضي الله تعالى عنهما .
روى أبو داود عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين- رضي الله تعالى عنهما- كبشا كبشا، وعند النسائي: كبشين كبشين.
وروى الإمام أحمد في «المناقب» عن أبي رافع- رضي الله تعالى عنه- قال: إن الحسن بن علي- رضي الله تعالى عنهما- لما ولد أرادت أمه- رضي الله تعالى عنها- أن تعق عنه فقال رسول الله ﷺ : «لا تعقي عنه واحلقي شعر رأسه، فتصدقي بوزنه من الورق» ، ثم ولد حسين- رضي الله تعالى عنه- فصنعت مثل ذلك
فتحمل ﷺ عنها ذلك لا تركا بالأصالة، يدل عليه
ما رواه الترمذي عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: عق رسول الله ﷺ وقال: «يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة» فوزناه فكان درهما وبعض درهم.
وروى الطبراني عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام.
روى الدولابي عن محمد بن المنكدر- رحمه الله تعالى- أن رسول الله ﷺ ختن الحسن والحسين- رضي الله تعالى عنهما- لسبعة أيام.
الثاني: في تسميتهما- رضي الله تعالى عنهما -.
روى الإمام أحمد في المناقب وابن حبان عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: لما ولد الحسن جاء رسول الله ﷺ فقال: أروني ابني ما سميتموه؟ فقلت: سميته حربا، فقال رسول الله ﷺ : «بل هو حسن» ، فلما ولد (الحسين) [ (١) ] قال: «أروني ابني ما سميتموه؟» قلت: سميته حربا، قال: «بل هو حسين» ، فلما ولد الثالث جاء النبي ﷺ قال: «أروني ابني ما سميتموه؟» فقلت: حربا، فقال: «بل هو محسن» ، ثم قال: «إني سميتهم بأسماء أولاد هارون
стр. 4847
شبر وشبير ومشبر، وفي رواية قال علي- رضي الله تعالى عنه-: كنت رجلا أحب الحرب فلما ولد الحسن هممت أن أسميه حربا، فذكر الحديث وكنى الحسن أبا محمد، والحسين أبا عبد الله.
انتهى.
وروى أبو القاسم البغوي في «معجمه» ، والدولابي عن جعفر بن محمد عن أبيه- رحمهما الله تعالى- قال: إن رسول الله ﷺ سمى الحسن والحسين يوم سابعهما واشتق اسم حسين من حسن.
وروى الدولابي عن عمران بن أبي سليمان قال: الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنة لم يكونا في الجاهلية.
الثالث: في أن رسول الله ﷺ أبو أولاد السيدة فاطمة- رضي الله تعالى عنهم- وعصبتهم .
روى الإمام أحمد في «المناقب» عن عمر- رضي الله تعالى عنهم- قال: قال رسول الله ﷺ : «كل ولد أب فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة- رضي الله تعالى عنها- فإني أنا عصبتهم» .
وروى الطبراني عن عمر والطبراني عن فاطمة الكبرى- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال: «كل بني أنثى فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا بني فاطمة، فإني أنا عصبتهم، وأنا أبوهم» .
وروى ابن أبي حاتم عن أبي الأسود والديلمي وأبو الشيخ والحاكم والبيهقي عن عبد الملك بن عمير قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر، قال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي ﷺ قال: تجده في كتاب الله- وقد قرأته من أوله إلى آخره، فلم أجده، ولفظ عبد الملك أن الحجاج ذكر الحسين، فقال الحجاج: لم يكن من ذرية النبي ﷺ قال يحيى: كذبت قال الحجاج: لتأتيني على ما قلت ببينة، فقال: أليس تقرأ سورة الأنعام: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ [الأنعام ٨٤] حتى بلغ «ويحيى وعيسى» قال:
بلى، قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟.
وفي لفظ أخبر الله- إن عيسى من ذرية آدم من أمه، قال: صدقت.
الرابع: في محبته ﷺ لهما ودعائه لهما ولمن أحبهما وأنهما أحب أهل بيته إليه ودعا لمن أحبهما وأحب أبويهما .
روى ابن أبي شيبة والطبراني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم، إني أحبهما فأحبهما، وأبغض من أبغضهما»
يعني: الحسن والحسين، انتهى.
стр. 4848
وروى ابن عساكر عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني» .
وروى الإمام أحمد والطبراني في «الكبير» وابن عساكر عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله ﷺ قال: «الحسن مني والحسين مني» .
وروى الطبراني في «الكبير» وأبو نعيم وابن عساكر عن يعلى بن مرة أن رسول الله ﷺ قال: «الحسن والحسين سبطان من الأسباط» .
وروى ابن عساكر عن سلمان وأبو نعيم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «الحسن والحسين من أحبهما أحببته، ومن أحببته أحبه الله ومن أحب الله تعالى أدخله الله جنات النعيم، ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله نار جهنم، وله عذاب مقيم» .
وروى الطبراني في «الكبير» عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، اللهم، إني أحبهما فأحبهما» .
وروى الإمام احمد وابن ماجة وابن سعد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب الحسن والحسين فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني» .
وروى ابن عساكر عن زيد بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب هؤلاء فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني»
يعني الحسن والحسين وفاطمة وعليا- رضي الله تعالى عنهم-.
وروى الطبراني عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب هذين، يعني الحسن والحسين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة» .
روى الطبراني في «الكبير» عن سلمان- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب الحسن والحسين أحببته ومن أحببته أحبه الله ومن أحبه الله أدخله جنات النعيم، ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله نار جهنم وله عذاب مقيم» .
وروى الطبراني في الكبير عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبني فليحب هذين»
يعني الحسن والحسين.
وروى الإمام أحمد والترمذي وقال: غريب عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال
стр. 4849
رسول الله ﷺ : «من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة» .
وروى الترمذي وقال حسن صحيح عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «اللهم، إني أحبهما فأحببهما» .
وروى ابن أبي شيبة والطبراني في الكبير عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم، إني أحبهما فأحبهما، وأبغض من أبغضهما»
يعني الحسن والحسين.
وروى الطبراني بسند لا بأس به عن الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنهما- قال: من أحبنا للدنيا، فإن صاحب الدنيا يحبه البر والفاجر، ومن أحبنا لله، كنا نحن وهو يوم القيامة كهاتين وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى.
وروى الطبراني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: استأذن علي- رضي الله تعالى عنه- على النبي ﷺ [......] .
وروى العقيلي والترمذي وقال حسن غريب عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله ﷺ أي أهل بيتك أحب إليك؟ قال: «الحسن والحسين» وكان رسول الله ﷺ يقول لفاطمة- رضي الله تعالى عنها-: «ادعي لي ابني» ، فيشمهما ويضمهما إليه.
وروى الإمام أحمد في «المناقب» عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ أخذ بيد حسن وحسين، وقال «من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة» ، زاد الترمذي: «وكان معي في الجنة» .
وروى الإمام أحمد في «المناقب» والدولابي عن يعلى بن مرة- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء الحسن والحسين يستبقان إلى رسول الله ﷺ فضمهما إليه، وقال: «إن الولد مبخلة مجبنة، وإن آخر وطأها الرحمن- بوج»
. الخامس: في أن محبة النبي ﷺ مقرونة بمحبتهما .
روى الطبراني وابن عساكر عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: أنا وفاطمة والحسن والحسين مجتمعون، ومن أحبنا يوم القيامة نأكل ونشرب حتى يفرق الله بين العباد،
فبلغ ذلك رجلا من الناس فسألت عنه فأخبر به فقال: كيف بالعرض والحساب؟ فقلت له: كيف لصاحب ياسين بذلك حين أدخله الجنة من ساعته؟.
السادس: في أنهما ريحانتاه من الدنيا ﷺ وتقبيله إياهما وشمه لهما .
روى الترمذي وقال: صحيح عن ابن عمر، والنسائي عن أنس- رضي الله تعالى عنهم-
стр. 4850
أن رسول الله ﷺ قال: «أن الحسن والحسين هما ريحنتاي من الدنيا» .
روي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم، إني أحبهما فأحبهما، وأبغض من أبغضهما، يعني الحسن والحسين.
وروى أبو الحسن الضحاك عن يعلى بن مرة- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء الحسن والحسين يستبقان إلى رسول الله ﷺ فجاء أحدهما قبل الآخر، فجعل يده في رقبته حتى ضمه إلى بطنه ثم جاء الآخر فجعل يده في رقبته حتى ضمه إلى بطنه ثم قبل هذا وقبل الآخر، وقال: اللهم، إني أحبهما فأحبهما، ثم قال «أيها الناس إن الولد مبخلة مجبنة مجهلة» .
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن يعلى العامري- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء الحسن والحسين يستبقان إلى رسول الله ﷺ فضمهما إليه، وقال: «الولد مجبنة مبخلة» .
وروى الطبراني في «الكبير» والضياء عن أبي أيوب- رضي الله تعالى عنه- قال: دخلت على رسول الله ﷺ والحسن والحسين- رضي الله تعالى عنهما- يلعبان بين يديه أو في حجره فقلت: يا رسول الله أتحبهما؟ فقال: «وكيف لا أحبهما وهما ريحانتاي من الدنيا أشمهما» ،
يعني الحسن والحسين.
السابع: في توريثهما- رضي الله تعالى عنهما- بعض صفته ﷺ .
روي عن أبي رافع عن فاطمة والطبراني وابن منده وابن عساكر عن السيدة فاطمة بنت سيدنا رسول الله ﷺ إنها أتت بابنيها إلى رسول الله ﷺ في شكواه التي توفي فيها فقالت:
يا رسول الله، هذان ابناك، فورثهما شيئاً فقال لها: «أما حسن فله هيبتي وسؤددي، وأما حسين فإن له جراءتي وجودي» .
وروى ابن عساكر عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده- رضي الله تعالى عنه- أن فاطمة أتت بابنيها- رضي الله تعالى عنها- فقالت: يا رسول الله، انحلهما، قال:
«نعم، أما حسن فقد نحلته حلمي وهيبتي، وأما الحسين فقد نحلته نجدتي، وجودي» .
الثامن: في شبههما برسول الله ﷺ خلقا وخلقا .
روى البخاري عن عقبة بن الحارث- رضي الله تعالى عنه- قال: صلى بنا أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- العصر بعد وفاة رسول الله ﷺ بليال ثم خرج هو وعلي يمشيان فرأى الحسن يلعب مع الصبيان فحمله على عاتقه وجعل يقول:
بأبي شبيه النبي ... ليس شبيه علي
وعلي يضحك.
стр. 4851
وروي عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت أبا جحيفة- رضي الله تعالى عنه- يقول: رأيت النبي ﷺ وكان الحسن بن علي يشبهه.
وروي أيضاً عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان الحسن بن علي- رضي الله تعالى عنهما- أشبههم وجها برسول الله ﷺ .
وروى ابن إسحاق عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: الحسن أشبه برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله ﷺ ما كان أسفل من ذلك.
وروى أبو داود عنه قال: كان الحسن أشبه برسول الله ﷺ من وجهه إلى سرته- وكان الحسين أشبه الناس برسول الله ﷺ ما كان أسفل من ذلك.
وروى الزبير بن بكار عن محمد بن الضحاك الحرامي قال: كان وجه الحسن يشبه وجه رسول الله ﷺ (وجسد الحسين يشبه جسد رسول الله ﷺ [ (١) ] .
وروى الترمذي وابن حبان عن علي- رضي الله تعالى عنه- كان الحسن أشبه برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه به ما كان أسفل من ذلك.
تنبيه:
قال الشيخ في قول البخاري: لم يكن أحد أشبه برسول الله ﷺ من الحسن، لا يعارضه ما تقدم من قوله أيضاً في حسين أنه أشبهه، لأن ذلك بعد وفاة الحسن، وهذا في حياته فكأنه كان أشبه به من الحسين لكن في الترمذي وابن حبان وذكر ما تقدم انتهى.
وبه وبما قبله يجمع أيضاً قال: نعم، ثم لا يعارض ذلك
قول علي- رضي الله تعالى عنه- في صفة النبي ﷺ : لم أر قبله ولا بعده مثله، أخرجه الترمذي في «الشمائل»
لأن المنفي عموم الشبه، والمثبت أصله أو معظمه انتهى.
التاسع: في أنهما سيدا شباب أهل الجنة .
روى ابن سعد والحاكم عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «أتاني جبريل، فبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» .
وروى ابن عساكر عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أتاني ملك فسلم علي نزل من السماء نزلة لم ينزل قبلها فبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» .
وروى الإمام احمد وابن عساكر عن علي بن أبي طالب والروياني في مسنده وابن مندة
стр. 4852
وابن قانع وأبو نعيم وابن عساكر عن جهم والإمام أحمد عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «إن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا» .
وفي رواية: «وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم ابنة عمران» .
وفي رواية: دخل الحسن والحسين ابنا علي المسجد، فقال جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- من أحب أن ينظر إلى سيدي شباب أهل الجنة فلينظر إلى هذين سمعته من رسول الله ﷺ .
وروى ابن عساكر عن ابن عمر، وعلي- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله ﷺ قال: «ابناي هذان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبو هما خير منهما» .
وروى الطبراني في «الكبير» وأبو نعيم في «فضائل الصحابة» عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة: «ما من نبي إلا ولد الأنبياء غيري وإن ابنيك سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة يحيى وعيسى» .
وروى الطبراني في الكبير عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- قال: بت عند رسول الله ﷺ فرأيت عنده شخصا فقال لي: «يا حذيفة، هل رأيت» قلت: نعم، قال: هذا ملك، لم يهبط منذ بعثت أتاني الليلة وبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة،
وعن حذيفة أيضاً قال: رأينا في وجه رسول الله ﷺ السرور يوما من الأيام فقلنا: يا رسول الله، لقد رأينا في وجهك تباشير السرور، فقال رسول الله ﷺ : «وكيف لا أسر وقد أتاني جبريل فبشرني أن حسنا وحسينا سيدا شباب أهل الجنّة، وأبو هما أفضل منهما» .
وروى الترمذي وقال حسن صحيح عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» .
وروى الترمذي وحسنه والنسائي عن حذيفة أن أمه- رضي الله تعالى عنها- بعثته يستغفر لها رسول الله ﷺ فصليت معه المغرب فصلى حتى صلى العشاء ثم انفتل ﷺ فتبعته فسمع صوتي فقال: «من هذا، حذيفة؟» قلت نعم، قال: «ما حاجتك، غفر الله لك ولأمك؟ إن هذا ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربه- أن يسلم علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة. وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» .
وقد روي هذا من حديث علي بن أبي طالب والحسن نفسه وعمر وابنه عبد الله، وعبد الله بن مسعود وغيرهم.
стр. 4853
العاشر: في نزوله ﷺ من على المنبر حين رآهما يمشيان ويعثران .
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد والأربعة عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ يخطب وجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان، ويعثران، ويقومان، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما واحدا من ذا الشق وواحدا من ذا الشق، ثم صعد المنبر، فقال: صدق الله نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[التغابن/ ١٥] إني نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان، ويعثران، فلم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت إليهما.
الحادي عشر: في وثوبهما على ظهر النبي ﷺ وهو في الصلاة .
روى ابن حبان وعبد بن حميد عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ يصلي، والحسن والحسين- رضي الله تعالى عنهما- يتواثبان على ظهره فباعدهما الناس فقال رسول الله ﷺ «بأبي وأمي من أحبني فليحب هذين» .
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العشاء فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا رفع رأسه أخذهما أخذا رقيقا فيضعهما عن ظهره فإذا عاد عادا حتى إذا قضى صلاته أقعدهما على فخذيه قال:
فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله، أرادهما، فبرقت برقة فقال لهما: «الحقا بأمكما» ،
قال:
فمكث ضوءها حتى دخلا على أمهما.
الثاني عشر: في حملهما- رضي الله تعالى عنهما- على بغلته وحمله ﷺ إياهما على عاتقه .
روى مسلم عن ابن إياس عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال: لقد قدت بنبي الله ﷺ والحسن والحسين بغلته الشهباء، حتّى أدخلتهم حجرة النبي ﷺ هذا قدامه وهذا خلفه.
وروى مسلم عن البراء بن عازب- رضي الله تعالى عنهما- قال: رأيت رسول الله ﷺ حامل الحسن والحسين على (ناقته) [ (١) ] وهو يقول: «اللهم، إني أحبهما فأحبهما» .
الثالث عشر: في تعويذه ﷺ إياهما .
روى البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين يقول: «أعيذ كما بكلمات الله (التامة) [ (٢) ] من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة» ، ويقول: إن أباكم إبراهيم- صلوات الله وسلامه عليه- كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق- عليهما الصلاة والسلام-.
стр. 4854
الرابع عشر: في مصارعتهما- رضي الله تعالى عنهما- بين يدي رسول الله ﷺ .
روى ابن الإعرابي في معجمه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان الحسن والحسين- رضي الله تعالى عنهما- يصطرعان بين يدي رسول الله ﷺ فكان رسول الله ﷺ يقول: «هي حسين» فقالت السيدة فاطمة: يا رسول الله لم لا تقول: هي حسن؟ فقال: «إن جبريل يقول: هي حسين» .
وروى أبو القاسم البغوي والحارث بن أبي أسامة عن جعفر بن محمد- رضي الله تعالى عنهما- عن أبيه قال: إن الحسن والحسين- رضي الله تعالى عنهما- كانا يصطرعان فاطلع علي على رسول الله ﷺ وهو يقول: وهي الحسن، فقال علي- رضي الله تعالى عنه- يا رسول الله، هي الحسين، فقال رسول الله ﷺ : «أن جبريل يقول: وهي الحسين» .
الخامس عشر: في أنهما يحشران يوم القيامة على ناقته العضباء والقصواء .
روى السلفي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: «تبعث الأنبياء على الدواب، ويحشر صالح على ناقته، وتحشر بنا فاطمة على ناقتي، العضباء والقصواء، وأحشر أنا على البراق خطواها عند أقصى طرفها، ويحشر بلال على ناقة من نوق الجنة» .
السادس عشر: في كرمهما- رضي الله تعالى عنهما -.
روى البخاري عن حرملة مولى أسامة بن زيد قال: «أرسلني أسامة إلى علي وقال: إنه سيسألك الآن، فيقول: ما خلف صاحبك؟ يقول لك: لو كانت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه ولكن هذا أمر لم أره، فلم يعطني شيئاً، فذهبت إلى حسن وحسين، وابن جعفر فأوقروا لي راحلتي» .
السابع عشر: في حبهما ماشين- رضي الله تعالى عنهما -.
روى ابن الجوزي [......] .
стр. 4855
الباب الحادي عشر في بعض ما ورد مختصا بالحسن- رضي الله تعالى عنه -
وفيه أنواع
الأول: في مولده، - وقدر عمره- ووفاته .
ولد- رضي الله تعالى عنه- في منتصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة.
قال أبو عمر: هذا أصح ما قيل، وقيل: في شعبان منها قال الدولابي: لأربع سنين وستة أشهر من الهجرة، وقيل: سنة أربع.
وقيل سنة خمس، قال في «الإصابة» : والأول أثبت. وتوفي ليلة السبت لثمان خلون من المحرم سنة خمس وأربعين، وهو أشبه بالصواب، وقيل: في شهر ربيع الأول، سنة تسع وأربعين وقيل: خمسين، أو أحد وخمسين وقيل: سنة ثمان وخمسين، فليعلم من ذلك قدر عمره وأرضعته أم الفضل امرأة العباس مع ابنها قثم وسمته جعدة بنت الأشعث بن قيس، فمات، وصلى عليه سعيد بن العاص ودفن بالبقيع ورجح جمع أنه مات، وله سبع وأربعون سنة.
وروى أبو القاسم البغوي والدولابي، عن قابوس بن المخارق قال: إن أم الفضل قالت:
يا رسول الله، أرأيت إن كان عضو من أعضائك في بيتي؟ فقال رسول الله ﷺ : «خيراً رأيته، تلد فاطمة غلاما فترضعيه بلبن قثم» ، (فولدت الحسن فأرضعته بلبن) [ (١) ] قثم ورواه ابن ماجة بلفظ فولدت حسنا أو حسينا فأرضعته بلبن قثم، فجئت به يوما إلى النبي ﷺ ، فوضعته في حجره ﷺ قالت: فضربت كتفه فقال ﷺ : «أوجعت ابني، يرحمك الله» .
الثاني: في محبته ﷺ والدعاء له ولمن أحبه وحمله إياه على عاتقه وأمره بمحبته- رضي الله تعالى عنه -.
روى الإمام أحمد والشيخان وابن ماجه وابن حبان وأبو يعلى والطبراني في «الكبير» عن سعيد بن زيد والطبراني في الكبير وابن عساكر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم، إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه» .
وروى الشيخان وابن حبان عن البراء- رضي الله تعالى عنه- قال: رأيت الحسن بن علي- رضي الله تعالى عنهما- على عاتق رسول الله ﷺ وهو يقول: «اللهم، إني أحبه فأحبّه» .
стр. 4856
وروى البخاري عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنهما- قال: إن رسول الله ﷺ كان يأخذني والحسن، ويقول: «اللهم، إني أحبهما فأحبهما»
أو كما قال.
وروى الترمذي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول الله ﷺ حامل الحسين بن علي على عاتقه، فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال رسول الله ﷺ : «نعم الراكب هو» .
وروى الإمام أحمد في «المناقب» عن زهير بن الأقمر رجل من الأزد- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول للحسن بن علي: «من أحبني فليحبه، فليبلغ الشاهد الغائب، ولولا عزمة رسول الله ﷺ ما حدثتكم» .
وروى الطيالسي عن البراء وابن عساكر عن علي- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبني فليحب هذا» يعني الحسن
انتهى.
(وروى الإمام أحمد والشيخان وابن ماجة وابن عدي في «الكامل» وأبو يعلى عن أبي هريرة والطبراني في «الكبير» عن سعيد بن زيد والطبراني في الكبير وابن عساكر عن عائشة- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم إني أحب حسنا فأحبه وأحب من يحبه»
) [ (١) ] .
الثالث: في دعائه ﷺ له- رضي الله تعالى عنه -.
وروى ابن حيان عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول الله ﷺ يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه (الأخرى) [ (٢) ] ويقول: «اللهم، إني أحبهما فارحمهما» .
وروى الدولابي عن محمد بن عبد الرحمن بن مولى بني هاشم أن النبي ﷺ رأى الحسن- رضي الله تعالى عنه- مقبلا فقال: اللهم، «سلمه، وسلم منه»
انتهى.
الرابع: في أنه ﷺ سأل أن الله تعالى سيصلح به بين فئتين ،
وقد كان ذلك ببركة الخلافة، والقتال لا لعلة، ولا لزلة، وأصلح الله بذلك بين طائفة وطائفة طائفته وطائفة معاوية تحقيقا لمعجزته ﷺ حيث كان ذلك كما أخبر.
روى الترمذي وقال حسن صحيح والإمام أحمد والبخاري والنسائي عن أبي بكرة، وابن
стр. 4857
عساكر عن أبي سعيد ويحيى بن معين في «فوائده» والطبراني والبيهقي في «الدلائل» والخطيب وابن عساكر والضياء عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «إن ابني هذا سيد» وفي لفظ: «وإنه ريحانتي، وإني لأرجو أن يصلح الله به» وفي لفظ: «لعل الله أن يصلح به» ، وفي لفظ: وليصلحن الله به، وفي لفظ: «يصلح الله على يديه بين فئتين عظيمتين من المسلمين» وفي لفظ: من المسلمين عظيمتين.
الخامس: في مصه ﷺ لعاب الحسن ومحبته له وتقبيله سرته- رضي الله تعالى عنه -.
روى الإمام أحمد في «المناقب» عن معاوية- رضي الله تعالى عنه- قال: رأيت رسول الله ﷺ يمص لسان الحسن أو شفته، وأنه لن يعذب لسان أو شفتان مصهما رسول الله ﷺ .
وروى أبو سعيد بن الأعرابي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: لا زلت أحب هذا الرجل يعني حسنا بعد ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع به ما يصنع، رأيت الحسن في حجر رسول الله ﷺ وهو يدخل أصبعه في لحية رسول الله ﷺ والنبي ﷺ يدخل لسانه في فمه أو لسان الحسن في فمه، ثم قال: «اللهم، إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه» .
وروى الحاكم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم، إني أحبه، فأحبه» ، يعني الحسن.
السادس: (في تقبيله ﷺ سرة الحسن- رضي الله تعالى عنه -)
[ (١) ] .
وروى ابن حبان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أنه رأى الحسن بن علي- رضي الله تعالى عنهما- في بعض طرق المدينة، فقال له: اكشف لي عن بطنك، فداك أبي، حتى أقبل منك حيث رأيت رسول الله ﷺ يقبله، فكشف له عن بطنه فقبل سرته.
السابع: في وثوبه على ظهر النبي ﷺ .
روى ابن أبي الدنيا وأبو بكر الشافعي عن عبد الله بن الزبير- رضي الله تعالى عنهما- قال: رأيت الحسن بن علي يأتي رسول الله ﷺ وهو ساجد فيركب على ظهره وهو ساجد، فما ينزل حتى يكون هو الذي ينزل، ويأتي وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.
وروى أبو سعيد بن الأعرابي عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء الحسن
стр. 4858
- رضي الله تعالى عنه- إلى النبي ﷺ وهو ساجد فركب على ظهره فأخذه النبي ﷺ بيده فأقامه على ظهره، ثم ركع ثم أرسله فذهب.
الثامن: في علمه- رضي الله تعالى عنه -.
روى ابن أبي الدنيا في كتاب «اليقين» عن محمد بن معشر اليربوعي قال: قال علي للحسن ابنه- رضي الله تعالى عنهما-: كم بين الإيمان واليقين؟ قال: أربع أصابع، قال: اليقين ما رأته عيناك، والإيمان ما سمعته أذنك، وصدقت به، قال: اشهد أنك ممن أنت منه، ذرية بعضها من بعض.
التاسع: في خطبته يوم قتل أبوه- رضي الله تعالى عنهما -.
روى الدولابي عن زيد بن الحسن- رضي الله تعالى عنهما- قال: خطب الحسن- رضي الله تعالى عنه- الناس حين قتل أبوه علي- رضي الله تعالى عنه- فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون، وقد كان رسول الله ﷺ يعطيه الراية فيقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى يفتح الله- عليه وما ترك على ظهر الأرض صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه، وأراد أن يبتاع بها خادما لأهله، ثم قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي وأنا ابن الرضى، وأنا ابن البشير، وأنا ابن النذير، وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ﷺ ينزل فيه ويصعد من عندنا وأنا من أهل البيت الذي أذهب الله- عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله تعالى مودتهم على كل مسلم، فقال الله ﵎ لنبيه ﷺ : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى ٤٢] ومن يقترف حسنة تزد له فيها حسنا [......] واقتراف الحسنة تزد لنا أهل البيت.
العاشر: في بيعته وخروجه إلى معاوية ،
وتسليمه الأمر له بعد قتل أبيه- رضي الله تعالى عنهما- لثلاث عشرة بقيت من رمضان بايعه أكثر من أربعين ألفا وقال صالح ابن الإمام أحمد:
سمعت أبي يقول: بايع الحسن تسعون ألفا فزهد في الخلافة وصالح معاوية، ببذله له تسليم الأمر على أن تكون الخلافة له بعده، وعلى أن لا يطلب أحد، من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان من أيام أبيه، وغير ذلك، فظهرت المعجزة النبوية
بقوله ﷺ : «أن ابني هذا سيد، يصلح الله تعالى به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، ولم يسفك في أيامه دم،
وبقي نحو (ستة) [ (١) ] أشهر وكان صلحهما لخمس بقين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين،
стр. 4859
ولامه الحسين على ذلك، والصواب مع الحسن قالوا: فإن مدة الخلافة التي ذكرها رسول الله ﷺ انقضت بخلافته ولم يبق إلا الملك، وقد صان الله تعالى أهل بيته ببركة نبيه ﷺ قال الدولابي: أقام الحسن- رضي الله تعالى عنه- بالكوفة إلى ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وقد قتل عبد الرحمن بن ملجم ويقال أنه ضربه بالسيف فقتله ثم سار إلى معاوية، فالتقيا بمسكن من أرض الكوفة، واصطلحا وسلم إليه الأمر وبايع له لخمس بقين من شهر ربيع الأول في سنة إحدى وأربعين وقيل: إنه صالحه وآخذ منه مائة ألف دينارا وكانت مدة خلافته ستة أشهر وخمسة أيام.
وروى الحافظ أبو نعيم وغيره عن الشعبي- رحمه الله تعالى- قال: شهدت خطبة الحسن- رضي الله تعالى عنه- حين سلم الأمر إلى معاوية، قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن أكيس الكيس التقى وإن أحمق الحمق الفجور ألا وإن هذه الأمور التي اختلفت فيها أنا ومعاوية، إنما هو لأمري، فإن كان له أحق فهو بحقه، وإن كان لي فقد تركته له إرادة إصلاح الأمة وحقن دمائها: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
ثم نزل.
الحادي عشر: في ذكر جوده وزهده في الدنيا وجمل من مكارم أخلاقه (وتعظيم) [ (١) ] الصحابة له- رضي الله تعالى عنهم
-
قال: إني أستحي من الله- أن ألقاه ولم أمش إلى بيته
فمشى عشرين حجة إلى مكة من المدينة على رجليه، وفي رواية: خمس عشرة ماشيا، وإن النجائب لتقاد معه ولقد قاسم الله تعالى ثلاث مرات، حتى إنه يعطى الخف ويمسك النعل وخرج من ماله مرتين قال محمد بن سيرين: ربما كان يجيز الواحد بمائة ألف، واشترى حائطا من قوم من الأنصار بأربعمائة ألف، ثم إنه بلغه أنهم احتاجوا إلى ما في أيدي الناس، فرده إليهم، ولم يقل لسائل قط: لا، وكان لا يأنس به أحد فيدعه يحتاج إلى غيره،
ورأى غلاما أسود يأكل من رغيف لقمة، ويطعم كلبا هناك لقمة، فقال: ما يحملك على هذا؟
قال: إني أستحي أن آكل ولا أطعمه، فقال له الحسن: لا تبرح حتى آتيك
فذهب إلى سيده فاشتراه واشترى الحائط الذي هو فيه وأعتقه وملكه الحائط، فقال الغلام: يا مولاي، قد وهبت الحائط الذي وهبتني وكان سيدا حليما زاهدا عاقلا فاضلا فصيحا ذا سكينة، ووقار جوادا يكره الفتن وسفك الدماء، دعاءه ورعه، وزهده وحمله إلى أن ترك الخلافة،
وقال: خشيت أن يجيء يوم القيامة سبعون ألفا أو أقل أو أكثر فنضح أوداجهم دما،
وكان من أحسن الناس وجها وأكرمهم وأجودهم وأطيبهم كلاماً، وأكثرهم حياءا، وكان أكثر دهره (صائما) [ (١) ] ، وكان فعله يسبق قوله في المكارم والجود، وكان كثير الأفضال على إخوانه، لا يغفل عن أحد منهم، ولا
стр. 4860
يحوجه إلى أن يسأله، بل يبتدئه بالعطاء قبل السؤال،
وقال لأصحابه: إني أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان الذي عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه،
وكان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد وما سمع كلمة فخشى قط، وأعظم ما سمع أنه كان بينه وبين شخص خصومة،
فقال له: ليس له عندنا إلا ما أرغم أنفه،
وقيل:
أن أبا ذر يقول الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلى من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله- لم يتمن شيئاً غير الحالة التي اختارها الله- ، وهذا حد الوقوف على الرضا بما تصرف به القضاء.
ومن كلامه: كن في الدنيا ببدنك، وفي الآخرة بقلبك.
وكان يقول لبنيه وبني أخيه: يا بني، وبني أخي، (يا بني، وبني أخي) [ (١) ] تعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يحفظه، أو قال: يرويه، فليكتبه وليضعه في بيته.
وقد كان أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- يجله ويعظمه، ويحترمه ويكرمه، وكذلك عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- وقد جاء الحسن والحسين يوم الدار، وعثمان محصور ومعهما السيف ليقاتلا عن عثمان فخشي عليهما، فأقسم عليهما ليرجعا إلى منازلهما تطييبا لقلب علي، وخوفا عليهما، وكان علي- رضي الله تعالى عنه- أرسلهما وأمرهما بذلك، وكان علي يكرم الحسن إكراما زائدا ويعظمه، ويبجله، وكان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا ويرى هذا من النعم، وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما لما يزدحمون عليهما- رضي الله تعالى عنهما-.
وكان عبد الله بن الزبير- رضي الله تعالى عنهما- يقول: والله، ما قامت النساء عن مثل الحسن.
وقال أبو جعفر الباقر: جاء رجل إلى الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنهما- فاستعان به في حاجة فوجده معتكفا، فاعتذر إليه، فذهب إلى أخيه الحسن، فاستعان به، فقضى حاجته، وقال: لقضاء حاجة أخ لي في الله- أحب إلي من اعتكاف شهر.
وكان كثير التزوج، وكان لا يفارقه أربع حرائر، وكان مطلاقا مصداقا،
وكان علي- رضي الله تعالى عنه- يقول لأهل الكوفة: لا تزوجوه، فإنه مطلاق،
فيقولون: والله، يا أمير المؤمنين، لو خطب لنا كل يوم زوجناه منا ابتغاء في صهر رسول الله ﷺ .
الثاني عشر: في وصيته لأخيه الحسين- رضي الله تعالى عنهما
- قال أبو عمر: هو
стр. 4861
روينا من وجوه أنه رأى في منامه مكتوبا بين عينيه قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الصمد] ففرح بذلك فبلغ سعيد بن المسيب- رضي الله تعالى عنه- ذلك، فقال: إن كان رأى هذه الرؤيا، فقل: ما بقي من أجله، قال: فلم يلبث الحسن بن علي- رضي الله تعالى عنه- بعد ذلك إلا أياما حتى مات- رضي الله تعالى عنه- وقد أوصى أخاه الحسين ألا يطلب الخلافة، ورغبه في الزهد في الدنيا والعروض عنها إلى غير ذلك من وصايا كثيرة.
قال في آخرها أبى الله- أن يجعل فينا أهل البيت مع النبوة والخلافة الملك، والدنيا فإياك وطاعتها وإياك وأهل الكوفة أن يستخفوك فيخرجوك، فتندم حيث لا ينفع الندم، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم إني احتسبت نفسي عندك، فإني لم أصب بمثلها فارحم صرعتي وأنسي في القبر وحدتي، وارحم غربتي، يا أرحم الراحمين.
وفي رواية قال: لما احتضر الحسن قال: أخرجوا فراشي إلى صحن الدار، أنظر في ملكوت السموات، فأخرجوا فراشه إلى صحن الدار فرفع رأسه فنظر فقال: اللهم، إني احتسبت نفسي عندك، فإنها أعز الأنفس علي.
الثالث عشر: في ولده- رضي الله تعالى عنهم
- نقل الإمام شمس الدين سبط ابن الجوزي في كتابه «تذكرة الخواص» عن الإمام الحافظ محمد بن سعد في «الطبقات» قال:
كان للحسن محمد الأصغر، وجعفر، وحمزة، وفاطمة ومحمد الأكبر، وزيد، والحسن، وأم الحسن، وأم الخير وإسماعيل، ويعقوب، والقاسم، وأبو بكر، وعبد الله، قتلوا مع الحسين، وقيل: قتل معه القاسم وأبو بكر، وقيل طلحة وعبد الله والعقب لزيد والحسن، دون من سواهما، والحسين الأشرم وعبد الرحمن وأم سلمة، وعمر وأم عبد الله، وطلحة، وعبد الله الأصغر.
وعن محمد بن عمر الأسلمي- رحمه الله تعالى- أنهم خمسة عشر ذكرا وثمان بنات، علي الأكبر وعلي الأصغر، وجعفر، وفاطمة، وسكينة، وأم الحسن، وعبد الله، والقاسم، وزيد وعبد الرحمن، وأحمد، وإسماعيل، والحسين، وعقيل والحسن انتهى.
اقتصر البلاذري في «الأنساب» على ذكر الحسن وزيد وحسين الأشرم، وعبد الله، وأبي بكر وعبد الرحمن، والقاسم وطلحة، وعمر.
ونقل الإمام أبو جعفر محب الدين الطبري في «الذخائر» عن أبي بشر والدولابي، أنهم حسن، وعبيد الله، وعمر وزيد، وإبراهيم، وعن أبي بكر بن الدراع أنهم أحد عشر ابنا وبنتا:
عبد الله، والقاسم، والحسن، وزيد، وعمر، وعبد الله، وعبد الرحمن وأحمد، وإسماعيل، والحسين، وعقيل، وأم الحسن.
стр. 4862
الباب الثاني عشر في بعض ما ورد مختصا بسيدنا الحسين- رضي الله تعالى عنه- من المناقب غير ما تقدم
وفيه أنواع
الأول: في مولده وقدر عمره ووفاته .
ولد- رضي الله تعالى عنه- لخمس ليال خلون من شعبان، سنة أربع وقيل: سنة ست، وقيل سنة سبع من الهجرة، قال في الإصابة: وليس بشيء.
قال جعفر بن محمد: لم يكن بين الحمل بالحسين وبين ولادة الحسن إلا طهر واحد.
قال الحافظ: لعلها ولدته لعشرة أشهر، وأبطأ الطهر شهرين، وحنكه ﷺ بريقه الشريف الطيب في أذنه، وتفل في فمه، ودعا له وسماه حسينا.
وقيل: إنما سماه يوم السابع وعق عنه، واستشهد يوم الجمعة يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض العراق، وجزم جمع كثير بأنه عاش ستا وخمسين سنة.
وقيل: وخمسة أشهر، وقيل: ابن ثمان وخمسين سنة، واسم قاتله سنان- بكسر المهملة والتنوين- ابن أنس النخعي في الأصح.
الثاني: في تقبيله ﷺ فاه، والدعاء له وتقبيله زبيبته، ومص لعابه، ودلعه لسانه له- رضي الله تعالى عنه -.
روى أبو عمر عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله ﷺ وهو آخذ بكفي حسين، وقدماه على قدمي رسول الله ﷺ وهو يقول: أنت عين بقه، فرمى الغلام حتى وضع قدمه على صدر رسول الله ﷺ ثم قال له رسول الله ﷺ افتح قال، ثم قبله ثم قال: «اللهم، إني أحبه فأحبه» .
وروى ابن أبي خيثمة وأبو الحسن الضحاك، وقال أبو الحسن بن الهيثمي: رجاله كلهم ثقات عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فانطلقنا إلى سوق بني قينقاع فلما رجعنا دخل المسجد فجلس، فقال: أين لكع؟ فجاء الحسين يمشي حتى سقط في حجره، فجعل أصابعه في لحية رسول الله ﷺ ففتح رسول الله ﷺ فمه، فأدخل فاه في فيه، ثم قال: «اللهم، إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه»
قال أبو هريرة: فما رأيته قط إلا فاضت عيناي دموعا.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن يعلى العامري أنه خرج مع رسول الله ﷺ إلى طعام
стр. 4863
دعي إليه، فإذا حسين مع غلمان يلعب في طريق فاستهوى رسول الله ﷺ أمام القوم، ثم بسط يده، وانطلق الصبي بعدها هنا مرة، وها هنا مرة، وجعل رسول الله ﷺ يضاحكه، حتى أخذه رسول الله ﷺ فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى تحت قفاه، ثم أقام رأسه فوضع فاه على فيه فقبله
فقال: «حسين مني وأنا من حسين، رحم الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط»
انتهى.
وروى ابن أبي عاصم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: لما قتل الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنهما- جيء برأسه إلى ابن زياد فجعل ينكت بقضيب معه على ثناياه وقال:
كان حسن الثغر، فقلت في نفسي لأسوءنك، لقد رأيت رسول الله ﷺ يقبل موضع قضيبك من فيه.
وروى قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه قال: والله، أن رسول الله ﷺ يفرج رجليه يعني للحسين، ويقبل زبيبته.
وروى ابن حبان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ يدلع لسانه للحسين فيرى الصبي حمرة لسانه فيهش إليه، فقال عيينة بن بدر الأزدي أراك تصنع هذا بهذا، فوالله، إنه ليكون لي الولد قد خرج وجهه. وما قبلته،
فقال رسول الله ﷺ : «من لا يرحم لا يرحم»
ورواه أبو عبيد، وعنده: فإذا رأى الصبي حمرة لسانه يهش إليه.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: رأيت رسول الله ﷺ يمص لعاب الحسين كما يمص الرجل التمرة.
الثالث: في شبهه برسول الله ﷺ [ ......] .
الرابع: في أنه من أهل الجنة- رضي الله تعالى عنه -.
روى ابن حبان وابن سعد وأبو يعلى وابن عساكر والضياء عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة.
وفي لفظ: إلى سيد شباب أهل الجنة، فلينظر إلى الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنهما-، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقوله.
الخامس: في نزوله على ظهر رسول الله ﷺ .
روى أبو القاسم البغوي عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى- رضي الله تعالى عنه- قال: خلونا عند رسول الله ﷺ إذ أقبل حسين، فجعل ينزو على ظهر رسول الله ﷺ .
وعلى بطنه فبال فقمنا إليه، فقال رسول الله ﷺ : «دعوه» ثم دعا رسول الله ﷺ بماء فصبه على ثوبه.
стр. 4864
السادس: في قوله ﷺ : «حسين مني، وأنا من حسين، ومن أحبه فقد أحبني» .
روى سعيد بن منصور والترمذي وحسنه عن يعلى بن مرة العامري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «حسين مني، وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، وحسين سبط من الأسباط» .
وروى الإمام أحمد عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الحسن والحسين سبطان من الأسباط» .
روى الطبراني في الكبير عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب هذين يعني الحسن والحسين فقد أحبني» .
وروى الحاكم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم، إني أحبه، فأحبه» ،
يعني الحسين.
السابع: في أن المهدي من ذريته- رضي الله تعالى عنهما -.
روى أبو نعيم في الدلائل [عن أم الفضل، قالت: مررت بالنبي ﷺ فقال: «إنك حامل بغلام، فإذا ولدت فأتيني به» ، قالت: فلما ولدته أتيت به النبي ﷺ فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى، وألباه من ريقه وسماه عبد الله، وقال: اذهبي بأبي الخلفاء، فأخبرت العباس، وكان رجلا لباسا. فلبس ثيابه ثم أتى إلى النبي ﷺ فلما بصر به قام فقبل بين عينيه، قال:
قلت: يا رسول الله، ما شيء أخبرتني به أم الفضل؟ قال: هو ما أخبرتك، هذا أبو الخلفاء حتى يكون منهم السفاح، حتى يكون منهم المهدي، حتى يكون منهم من يصلي بعيسى ابن مريم ﵇] .
الثامن: في تأذي رسول الله ﷺ ببكائه- رضي الله تعالى عنه -.
روى أبو القاسم البغوي عن يزيد بن أبي زياد قال: خرج رسول الله ﷺ من بيت عائشة- رضي الله تعالى عنها- فمر على باب فاطمة- رضي الله تعالى عنها- فسمع حسينا- رضي الله تعالى عنه- يبكي فقال رسول الله ﷺ : «أما تعلمي أن بكاءه يؤذيني» .
التاسع: في إخبار جبريل وملك المطر النبي ﷺ بقتل الحسين وإراءتهما له تربة الأرض التي يقتل بها .
روى الطبراني في «الكبير» وابن سعد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال: «أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه» .
стр. 4865
وروى الإمام أحمد عن ثابت عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: استأذن ملك المطر أن يأتي النبي ﷺ فأذن له، فقال لأم سلمة- رضي الله تعالى عنها-: «احفظي علينا الباب لا يدخل أحد» فجاء حسين فوثب حتى دخل فجعل يصعد على منكب رسول الله ﷺ فقال الملك: أتحبه، فقال النبي ﷺ «نعم» قال: إن أمتك تقتله وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه قال: فضرب بيده، فأراه ترابا أحمر، فأخذت أم سلمه ذلك التراب فصرته في طرف ثوبها قال: فكنا نسمع بقتله بكربلاء.
ورواه البيهقي من حديث وهب بن ربيعة وزاد قال: أخبرتني أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ اضطجع ذات يوم فاستيقظ وهو خاثر ثم اضطجع فرقد، ثم استيقظ وهو خاثر، دون ما رأيت منه في المرة الأولى، ثم اضطجع فاستيقظ وفي يده تربة حمراء وهو يقبلها فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟ قال: «أخبرني جبريل أن ابني هذا يقتل بأرض العراق» ، قال: قلت له: يا جبريل، أرني تربة الأرض، فقال: هذه تربتها.
وروى البزار عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان الحسين جالسا في حجر النبي ﷺ فقال له جبريل: أتحبه؟ فقال: «وكيف لا أحبه، وهو ثمرة فؤادي؟»
فقال: أما إن أمتك ستقتله، ألا أريك من موضع قبره، فقبض قبضة، فإذا تربة حمراء.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن يحيى عن أبيه أنه سار مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- كرم الله تعالى وجهه- فلما حاذى شط الفرات قال: خيراً يا عبد الله، قلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: دخلت على النبي ﷺ وعيناه تفيضان، فقلت: مم ذاك يا رسول الله- صلى الله عليك وسلم-؟ قال: «قام من عندي جبريل- ﵊ وأخبرني أن الحسين يقتل بشط الفرات» ، وقال: هل لك أن أشمك من تربته؟
فقلت: نعم، فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا.
وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «لا تبكوا هذا الصبي» يعني حسينا فكان يوم أم سلمة فنزل جبريل- ﵊ فقال رسول الله ﷺ لأم سلمة: «لا تدعي أحدا يدخل» ، فجاء الحسين فأخذته واحتضنته، فبكى فخلته يدخل حتى قعد في حجر النبي ﷺ فقال جبريل- ﵊: إن أمتك ستقتله، قال «يقتلونه وهم مؤمنون؟» قال: نعم، وأراه من تربته.
وفي رواية قال: قال رسول الله ﷺ : «يا جبريل، أفلا أراجع فيه ربي- » -؟
قال: لا، إنه أمر قد قضي وفرغ منه.
وروى الإمام أحمد عن عائشة أو أم سلمة- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 4866
قال: «لقد دخل على البيت ملك لم يدخل علي قبلها» ، فقال: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك الأرض التي يقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء.
وروى البغوي عن أنس بن الحارث- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن ابني هذا يعني الحسين، يقتل بأرض يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك فلينصره»
قال: فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء، فقاتل مع الحسين- رضي الله تعالى عنه- فقتل.
وروى ابن سعد وغيره عن علي- رضي الله تعالى عنه- أنه مر بكربلاء، وهو ذاهب إلى صفين، فسأل عن اسمها، فقيل: كربلاء، فنزل فصلى عند شجرة هنالك، فقال: يقتل ها هنا شهداء وهم خير الشهداء، يدخلون الجنة بغير حساب، وأشار إلى مكان فعلموه بشيء، فقتل فيه الحسين- رضي الله تعالى عنه
- وقد تقدم في باب إخباره بقتل الحسين من المعجزات بشيء غير ذلك.
العاشر: في رؤيا أم سلمة وابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- رسول الله ﷺ في منامهما وإخباره إياهما أنه شهد قتل الحسين- رضي الله تعالى عنه -.
روى ابن أبي الدنيا عن علي بن زيد بن جدعان، قال: استيقظ ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- من نومه، فاسترجع، فقال: قتل الحسين، والله، فقال له أصحابه: كلّا يا ابن عباس، قال: رأيت رسول الله ﷺ ومعه زجاجة من دم، فقال: ألا ترى ما صنعت أمتي من بعدي قتلوا ابني الحسين، وهذا دمه ودم أصحابه، أرفعه إلى الله- فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه، وتلك الساعة، فجاء الخبر بعد أيام أنه قتل في ذلك اليوم وتلك الساعة.
وروى الترمذي عن سلمى، قالت: دخلت على أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- وهي تبكي فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وعلى رأسه ولحيته التراب، قلت: ما لك يا رسول الله- صلى الله وسلم عليك؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا.
وروى ابن سعد عن شهر بن حوشب- رضي الله تعالى عنه- قال: أنا لعند أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- فسمعتها صارخة فأقبلت حتى انتهيت إلى أم سلمة، فقالت: قتل الحسين، فقالت: قد فعلوها، ملأ الله قبورهم أو بيوتهم نارا، ووقعت مغشيا عليها وقمنا.
الحادي عشر: في نوح الجن لقتل الحسين- رضي الله تعالى عنه
- قد حكى غير واحد أن أهل كربلاء لا يزالون يسمعون نوح الجن على الحسين- رضي الله تعالى عنه- وهن يقلن:
مسح الرسول جبينه ... فله بريق في الخدود
стр. 4867
أبواه في عليا قريش ... وجده خير الجدود
وقد أجابهم بعض الناس فقال:
خرجوا به وفدا إليه ... فهم له شر الوفود
قتلوا ابن بنت نبيهم ... سكنوا به دار الخلود
زاد بعضهم أن نساء الجن ينحن ويقلن:
أيها القاتلون ظلما حسينا ... أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعوا عليكم ... ونبي مرسل وقبيل
قد لعنتم على لسان داود ... وموسى وصاحب الإنجيل
وروى الطبراني من طريق حبيب بن أبي ثابت عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما سمعت نوح الجن منذ قبض رسول الله ﷺ إلا هذه الليلة وما أرى ابني إلا قد قتل يعني الحسين، فقالت لجاريتها: أخرجي فاسألي فأخبرت أنه قد قتل وإذا بجنية تنوح:
ألا يا عين فاحتفلي بجهدي ... ومن يبكي على الشهداء بعدي
على رهط تقودهم المنايا ... إلى متجبر في ملك عبدي
وروى أبو نعيم عن بريدة بن جابر الحضري عن أمه قالت: سمعت الجن تنوح على الحسين وهي تقول:
انعي حسينا هبلا ... كان حسين جبلا
وروى أبو نعيم من طريق ابن لهيعة عن أبي قبيل قال: لما قتل الحسين- رضي الله تعالى عنه- اجتزوا رأسه، وقعدوا في أول مرحلة يشربون النبيذ يتحيون بالرأس فخرج عليهم قلم من حديد من حائط فكتب سطرا بدم.
أترجو أمة قتلت حسينا ... شفاعة جده يوم الحساب
روى ابن عساكر عن المنهال بن عمرو قال: أنا- والله- رأيت رأس الحسين حين حمل وأنا بدمشق، وبين يدي الرأس رجل يقرأ سورة الكهف، حتى بلغ قوله تعالى أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً [الكهف/ ٩] فأطلق الله تعالى الرأس بلسان درب فقال: أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي.
الثاني عشر: في خطبته- رضي الله تعالى عنه- حين أيقن بالقتل .
روى الزبير بن بكار، حدثني محمد بن الحسين قال: لما أيقن الحسين- رضي الله
стр. 4868
تعالى عنه- بأنهم قاتلوه قام خطيبا فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: قد نزل ما ترون من الأمر، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر خيرها، ومعروفها، واشتمرت حتى لم يبق فيها إلا صبابة كصبابة الأفاود الرعا للرسل ألا ترون الحق؟ ألا ترون الحق يعمل به، والباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله- ، وإني لا أرى الموت إلا ساعة، والحياة مع الظالمين إلا ندامة.
قالوا: وذكر كلاماً كثيراً غير ذلك وبات هو وأصحابه يصلون ويستغفرون ويتضرعون وخيول حرس عدوهم تدور من ورائهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقال علي زين العابدين بن الحسين- رضي لله تعالى عنهما-: إني لجالس في تلك العشية التي قتل أبي في صبيحتها، وعمتي زينب من جنبي سمعت أبي يقول:
يا دهر أف لك من خليل ... كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل ... وكل حي سالك السبيل
قال: فأعادها مرتين أو ثلاثا، فعرفت ما أرادهما، فخنقتني العبرة، فقامت عمتي، حاسرة، حتى جاءت إليه، فقالت: والله، ليت الموت أعدمني الحياة اليوم، ماتت أمي فاطمة وعلي أبي، وحسن أخي، يا خليفة الماضي، قال: فنظر إليها، وقال: يا أختاه لا يذهبن حلمك الشيطان، فقالت: بأبي أنت يا أبا عبد الله، وبكت ولطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشيا عليها، فقام إليها فصب على وجهها الماء، وقال: يا أختاه، اتقي الله وتعزي بعز الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وكل شيء هالك إلا وجهه، ، يا أختاه، أبي خير مني، وأمي خير مني، وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم أسوة برسول الله ﷺ ثم حرج عليها أن لا تفعل شيئاً من هذا بعد قتله، ثم أخذ بيدها فردها إلى عندي- رضي الله تعالى عنهم أجمعين-.
وذكر أبو بكر بن الأنباري- رحمه الله تعالى- أن زينب بنت عقيل بن أبي طالب لما قتل أخوها الحسين- رضي الله تعالى عنه- أخرجت رأسها من الخباء وأنشدت رافعة صوتها:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
стр. 4869
ومن كلامه- رضي الله تعالى عنه-: أعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله- فلا تملوا النعم، فتعود نقما، واعلموا أن المعروف يكسب حمدا، ويعقب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا لرأيتموه، رجلا حسنا جميلا يسر الناظرين، ويفوق العالمين، ولو رأيتم اللؤم رجلا لرأيتموه رجلا سمجا مقبوحا تنفر منه القلوب، وتغض دونه الأبصار، واعلموا أن من جاد ساد، ومن بخل رذل. ومن تعجل لأخيه خيراً وجده إذا قدم عليه غدا وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: إياك ودم آل أبي طالب، فإني رأيت بني حرب لما قتلوا حسينا- رضي الله تعالى عنه- نزع الله- الملك منهم.
الثالث عشر: في خروجه إلى أرض العراق- رضي الله تعالى عنه- ونهي ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وغيرهم إياه عن ذلك ومكاتبة جماعة من وجوه أهل الكوفة في القدوم عليهم، وأنهم ينصرونه، وخذلانهم له وكيفية قتله- رضي الله تعالى عنه -.
روى ابن حيان وأبو داود الطيالسي في «مسنده» عن الشعبي قال: بلغ ابن عمر- رضي الله تعالى عنه- أن الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنهما- قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة، فقال: أين تريد؟ قال: العراق ومعه طوامير، وكتب، فقال: لا تأتهم، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم: فقال له: إن الله- خير نبيه ﷺ بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وأنكم بضعة من رسول الله ﷺ والله لا يليها أحد منكم أبدا وما صرفها عنكم إلا للذي هو خير لكم، فارجعوا، فأبى، وقال هذه: كتبهم وبيعتهم، قال: فاعتنقه ابن عمر، وقال: استودعك الله من قتيل.
وقد وقع ما فهمه ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- سواء بسواء من أهل هذا البيت لأنها صارت ملكا، والله- قد صان أهل بيت نبيه- ﵊ عن الملك والدنيا.
وروى أبو القاسم البغوي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: استشارني الحسين في الخروج فقلت: لولا أن يزري بي وبك، لنشبت يدي في رأسك، فقال: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن أستحل حرمتها يعني مكة، وكان ذلك الذي سلى نفسي عنه.
وروي عن بشر بن غالب، قال: كان ابن الزبير يقول للحسين- رضي الله تعالى عنهما-: تأتي قوما قتلوا أباك، وطعنوا أخاك، فقال الحسين- رضي الله تعالى عنه- لأن أقتل بموضع كذا وكذا أحب إلي من أن يستحل بي، يعني الحرم.
الرابع عشر: في كرامات حصلت له، وآيات ظهرت لمقتله- رضي الله تعالى عنه -.
стр. 4870
روى عمر الملا عن رجل من كلب، قال: صاح الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنهما-: اسقونا ماء فرماه رجل بسهم فشد شدقه فقال- رضي الله تعالى عنه-: لا أرواك الله فعطش الرجل إلى أن رمى بنفسه في الفرات، فشرب حتى مات.
وروى ابن أبي الدنيا عن العباس بن هشام بن محمد الكوفي عن أبيه عن جده، قال: كان رجل يقال له زرعة شهد قتل الحسين- رضي الله تعالى عنه- فرمى الحسين- رضي الله تعالى عنه- بسهم فأصاب حنكه، وذلك أن الحسين- رضي الله تعالى عنه- دعا بماء ليشرب، فرماه فحال بينه وبين الماء فقال- رضي الله تعالى عنه-: اللهم ظمه، فحدثني من شهد موته، وهو يصيح من الحر في بطنه، ومن البرد في ظهره وبين يديه الثلج والمراوح، وخلفه، الكانون، وهو يقول: اسقوني، أهلكني العطش، فيؤتى بالعسل العظيم، فيه السويق والماء واللبن، لو شربه خمسة لكفاهم، فيشربه فيعود، ثم يقول: اسقوني أهلكني العطش فانقد بطنه كانقداد البعير.
وروى أبو القاسم البغوي عن علقمة بن وائل أو وائل بن علقمة أنه شهد هنالك قال: قام رجل فقال: أفيكم الحسين؟ قالوا: نعم، قال: أبشر بالنار قال- رضي الله تعالى عنه-: أبشر برب رحيم، وشفيع مطاع، من أنت؟ قال: أنا جويرة، قال: اللهم جره إلى النار، فنفرت به الدابة، فتعلقت رجله في الركاب فو الله، ما بقي عليها منه إلا رجله.
روي أيضاً عن أبي معشر عن بعض مشايخه قال: إن قاتل الحسين لما جاء ابن زياد وذكر له كيفية قتله اسود وجهه، ولما قاله للحسين، اسود وجهه.
وروى عمر الملا عن سفيان قال: حدثني جدتي أنها رأت رجلين ممن شهدا قتل الحسين- رضي الله تعالى عنه- قالت: أما أحدهما فطال ذكره، حتى كان يلفه وأما الآخر فإنه كان يستقبل الرّواية فيشربها إلى آخرها فما يروى.
وروى سعيد بن منصور عن أبي محمد الهلالي قال: شرك رجلان مني في دم الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنه- فأما أحدهما فابتلي بالعطش، فكان لو شرب راوية، ما روي، وأما الآخر فابتلي بطول ذكره فكان إذا ركب الفرس يلفه على عنقه.
وروي أيضا عنه عن جدته أن رجلا ممن شهد قتل الحسين- رضي الله تعالى عنه- كان يحمل ورسا فصار ورسه رمادا.
وروى الإمام أحمد في المناقب عن أبي رجاء أنه كان يقول: لا تسبوا عليا ولا أهل هذا البيت، فإن جارا لنا من بني الهجيم قدم من الكوفة فقال: ألم تروا هذا الفاسق ابن الفاسق، إن