← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ (بهمزة بعد الألف فذال معجمة) ابن مالك بن حذيمة بفتح الحاء وكسر الذال المعجمة وهو المصطلق بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء المهملتين وكسر اللام وبالقاف، ابن سعد بن كعب بن عمرو (وهو خزاعة- بضم الخاء المعجمة وبالزاي- ابن ربيعة بن حارثة بن عمرو مرتقيا بن عامر ماء. الخزاعية ثم المصطلقية وواحدة غير عربية وهي من بني إسرائيل وهي صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير) . هؤلاء المشهورات من نسائه- ﷺ اللائي دخل بهن متفق عليهن لم يختلف فيهن اثنان وذكر غيرهن وباقيهن يأتي في باب مفرد. مات عنده- ﷺ منهن اثنتان- خديجة بنت خويلد وزينت بنت خزيمة وفي ريحانة خلاف وسيأتي ذكرها في السراري وقال أبو عبيد معمر بن المثنى رحمه الله تعالى: أول نسائه- ﷺ لحاقا به زينب ثم سودة ثم حفصة ثم أم حبيبة ثم أم سلمة آخرهن موتا. ومات- ﷺ عن تسع، خمس منهنّ من قريش: عائشة، وحفصة، وأمّ حبيبة، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلمة. وثلاث من العرب غير قريش: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت جحش، وجويريّة بنت الحارث، ومن غير العرب: صفية بنت حيي ولا خلاف أن أول امرأة تزوج بها منهن خديجة- رضي الله تعالى عنها، وأنه لم يتزوج عليها رضي الله تعالى عنها حتى ماتت، واختلف في ترتيب البواقي مع الاتفاق على نكاح جملتهن. فقال عبد الله بن محمد بن عقيل: خديجة، وعائشة، وسودة، وأمّ حبيبة، وبنت أبي سفيان، وحفصة بنت عمر، وميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث، ثم زينب بنت خزيمة الكندية التي سألت رسول الله- ﷺ أن يطلقها، وقال قتادة: خديجة ثم سودة ثم عائشة ثم أمّ حبيبة، ثم أم سلمة، ثم حفصة، ثم زينب بنت جحش، ثم جويرية ثم ميمونة بنت الحارث، ثم صفية، ثم زينب بنت خزيمة. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوج خديجة، ثم سودة بمكة، ثم عائشة قبل الهجرة بسنتين، ثم أمّ سلمة بعد وقعة بدر سنة اثنتين بالمدينة، ثم حفصة سنة اثنتين، ثم زينب بنت جحش سنة ثلاث، ثم جويرية سنة خمس، ثم أمّ حبيبة سنة ستّ ثم صفية سنة سبع، ثم ميمونة بنت الحارث، ثم فاطمة بنت سريح، ثم زينب بنت خزيمة، ثم هند بنت يزيد، ثم أسماء بنت النعمان، ثم قتيلة بنت الأشعث، ثم شتا بنت أسماء قلت: وسيأتي الكلام على ذكر فاطمة، وهند، وأسماء، وشنباء، واختلف عقيل- بضم العين المهملة، وبفتح القاف وسكون التحتية- والزّهري في وصف عددهن. فقال عقيل ﵁: خديجة، ثم سودة، ثم عائشة، ثم حبيبة، ثم حفصة، ثم أم سلمة ثم زينب بنت جحش، ثم جويرية، ثم ميمونة، ثم صفية ثم امرأة من بني الجوث من كندة، ثم العمرية ثم العالية، وقال يونس عنه: خديجة، ثم عائشة، ثم

стр. 4937

سودة، ثم حفصة، ثم أم حبيبة، ثم أم سلمة ثم زينب بنت جحش، ثم ميمونة، ثم جويريّة، ثم صفية، وقال عبد الله بن محمد بن عقيل، وابن إسحاق: تزوّج رسول الله- ﷺ خديجة ثم عائشة وأصدقها أربعمائة درهم زوجها منه- ﷺ أبوها، ثم سودة زوجها منه أباها وفدان بن قيس ابن عمها. ويقال سليط بن عمرو ويقال أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس. وتعقّبه ابن هشام بأن ابن إسحاق خالف ذلك، وذكر إنهما كانا في هذا الوقت بالحبشة وأصدقها أربعمائة درهم، ثم حفصة وزوجها إياه أبوها عمر بن الخطاب، ثم زينب بنت خزيمة زوجه إياها بعقبة بن عمرو الهلالي ثم أم سلمة زوجه إياها ابنها سلمة بن أبي سلمة وهو صغير كما سيأتي وأصدقها فراشا حشوه ليف وقدحا، [المجش وهي الرحى] ثم زينب بنت جحش زوجه إياها أخوها أحمد بن جحش، وأصدقها أربعمائة درهم، ثم جويرية زوجه إياها خالد بن سعيد بن العاص ثم ريحانة، أم حبيبة زوجه إياه خالد بن سعيد العاص بالحبشة وأصدقها النبي شيئا ثم صفية، ثم ميمونة زوجه إياها العباس بن عبد المطلب وأصدقها العباس- رضي الله تعالى عنه- عن رسول الله- ﷺ ويقال: إنها وهبت نفسها للنبي- ﷺ ويقال: إنها زوّجه إياها خالد بن سعيد بن العاص، وأصدقها النجاشيّ عنه أربعمائة دينار، وهو الذي خطبها على النبي- ﷺ . تنبيه: ما ذكر ابن إسحاق من أن صداقه- ﷺ لأكثر أزواجه أربعمائة درهم. ورد ما يخالفه، روى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان صداق رسول الله- ﷺ لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا، قالت: النش نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم، فذلك صداق رسول الله- ﷺ لأزواجه، وهذا أولى بالصحة، لأنه متفق عليه، ولأنه فيه زيادة على ما ذكره ابن إسحاق، ومن ذكر الزيادة معه زيادة علم. الثاني: في ذكر الآيات التي نزلت في شأن أزواج رسول الله ﷺ : قال الله : وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب/ ٦] يعني أمهات المؤمنين ثم في تعظيم الحرمة وتحريم نكاحهن على التأبيد، فهن كالأمهات لا في النّظر إليهنّ، والخلوة بهن فإن ذلك حرام في حقّهنّ كما في الأجانب، ولا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين ولا لاخوتهن وأخواتهن أخوال المؤمنين وخالاتهم، فقد تزوج الزبير من أسماء بنت أبي بكر وهي أخت عائشة- رضي الله تعالى عنها- وتزوج العباس أمّ الفضل أخت ميمونة، ولم يقل: هما خالتا المؤمنين، ويقال: لأزواج النبي- ﷺ أمّهات المؤمنين الرجال دون النساء بدليل ما روي عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة- رضي الله تعالى عنها-: يا أمة، فقالت: لست لك بأمّ إنما أنا أمّ رجالكم، فبان بذلك أن معنى الآية أن الأمومة في الأمة المراد بها تحريم نكاحهن على التأبيد كالأمهات: وقال تعالى في سورة الأحزاب: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [الأحزاب/ ٢٨] .

стр. 4938

روى الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن [عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمر الله أن يخبر أزواجه، فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: «إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك» ، وقد علم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه. قالت ثم قال: إن الله قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إلى تمام الآيتين فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة] . الثالث: في حسن خلقه معهن ومداراته- ﷺ لهن، وحثّه على برّهن والصبر عليهن رضي الله تعالى عنهن: روى الطيالسي والإمام أحمد وابن عساكر عن عبد الله الجدلي، قال: قلت لعائشة- رضي الله تعالى عنها- كيف كان خلق رسول الله- ﷺ في أهله؟ قالت: كان أحسن الناس خلقاً لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صخّابا في الأسواق ولا يجازي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويغفر. وروى الحارث بن أسامة والخرائطيّ وابن عساكر عن عمرة قالت: سئلت عائشة- رضي الله تعالى عنها- عن خلق رسول الله- ﷺ إذا خلا مع نسائه، قالت: كان كالرجل من رجالكم إلا أنه كان أكرم النّاس، وأحسن الناس خلقا، وألين النّاس في قومه وأكرمهم، ضحّاكا بسّاما. روى ابن سعد عن ميمونة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج رسول الله- ﷺ ذات ليلة من عندي فأغلقت دونه الباب فجاء يستفتح الباب، فأبيت أن أفتح له، فقال: «أقسمت عليك أن تفتحي» فقلت له: تذهب إلى بعض نسائك في ليلتي؟ قال: «ما فعلت، ولكن وجدت حقنا من بولي» . وروى الإمام أحمد وأبو داود، والنسائي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما رأيت صانعا طعاما مثل صفيّة، صنعت لرسول الله- ﷺ طعاما، فبعث به فأخذت في الأكل فكسرت الإناء، فقلت: يا رسول الله، ما كفارة ما صنعت؟ قال: إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام. وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن أم كلثوم- ﵂ قالت: كانت زينب تفلّي رأس رسول الله- ﷺ وعنده امرأة عثمان بن مظعون، ونساء من المهاجرات يشكون منازلهن وأنّهنّ يخرجن منه ويضيق عليهن فيه، فتكلمت زينب وتركت رأس رسول الله- ﷺ فقال رسول الله- ﷺ : «إنك لست تكلّمين بعينك، تكلّمي واعملي عملك [ (١) ] » ، الحديث.

стр. 4939

وروى النّسائيّ وأبو بكر الشافعي عن عائشة- ﵂ قالت: زارتنا سودة يوما فجلس رسول الله- ﷺ بيني وبينها إحدى رجليه في حجري، والأخرى في حجرها، فعملت له حريرة أو قال: خزيرة، قلت: كلي فأبت، فقلت: لتأكلين أو لألطّخنّ وجهك فأبت، فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهها، فضحك رسول الله- ﷺ ، فرفع رسول الله- ﷺ رجله من حجرها، لتستقيد مني، وقال لها: لطّخي وجهها، فأخذت من الصحفة شيئا فلطخت به وجهي، ورسول الله- ﷺ يضحك [ (١) ] . الحديث تقدم بتمامه في باب مزاحه ومداعبته- ﷺ . وروى الطبراني وابن مردويه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها، قالت: نزل عندي، وكادت الأمة تهلك في سبي، فلما سرّي عن رسول الله- ﷺ وعرج الملك، قال رسول الله- ﷺ لأبي: «اذهب إلى ابنتك، فأخبرها إن الله ، قد أنزل عذرها من السماء» ، قالت: فأتاني وهو يغدوا ويكاد أن يتعثر، فقال: أبشري يا بنية، إن الله أنزل عذرك من السماء، فقلت: نحمد الله ولا نحمدك ولا نحمد صاحبك الذي أرسلك، ثم دخل رسول الله- ﷺ فتناول ذراعي، فقلت: بيده هكذا فأخذ أبو بكر النعل ليعلوني بها فمنعته أمي، فضحك رسول الله- ﷺ . وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو الشيخ عن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة- رضي الله تعالى عنها- ما كان رسول الله- ﷺ يصنع في أهله قالت: كان بشرا من البشر يفلّي رأسه، ويحلب شاته، ويخيط ثوبه ويخدم نفسه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم، ويكون في مهنة أهله يعني خدمة أهله، فإذا سمع المؤذن خرج للصلاة وفي لفظ: فإذا حضرته الصلاة قام إلى الصلاة. وروى ابن سعد عنها أيضا قالت: كان رسول الله- ﷺ يعمل عمل أهل البيت وأكثر ما يعمل للخياطة. وروى أبو الحسن بن الضحاك عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «بيت لا تمر فيه جياع أهله، وبيت لا خلّ فيه فقار أهله، وبيت لا صبيان فيه لا خير فيه وخيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» . وروى أبو بكر الشافعي عن القاسم، قال: سألت عائشة- رضي الله تعالى عنها- ما كان رسول الله- ﷺ يعمل في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويحزم نفسه- ﷺ .

стр. 4940

وروى الطبراني عن حبة وسواء ابني خالد، قال: دخلنا على رسول الله ﷺ وهو يعالج شيئا فأعنّاه عليه، فقال: لا تيأسا من الرزق، ما تهزهزت رؤوسكما، فإن الإنسان تلده أمّه ليس عليه قشر ثم يرزقه الله [ (١) ] . وروى أبو بشر الدولابيّ عن عروة، قال: قلت لعائشة- رضي الله تعالى عنها- ما كان عمل رسول الله- ﷺ في بيته؟ قالت: كان يخصف النّعل، ويرقّع الثوب. وروى ابن أبي شيبة عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنها سئلت ما كان رسول الله- ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يخصف النعل، ويرقع الثوب ونحو هذا. وروى عبد الرزاق عن عروة قال: سأل رجل عائشة- رضي الله تعالى عنها- هل كان رسول الله- ﷺ يعمل في بيته؟ قالت: نعم، كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته. وروى ابن عدي عن [علي بن زيد بن جدعان عن أنس] قال: كان رسول الله- ﷺ يسلم على نسائه إذا دخل عليهنّ [ (٢) ] . وروى النسائي عن النعمان بن بشير- رضي الله تعالى عنه- استأذن أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- على رسول الله- ﷺ فسمع صوت عائشة- رضي الله تعالى عنها- عاليا فأهوى بيده إليها ليلطمها وقال: يا بنية فلانة، ترفعين صوتك على رسول الله- ﷺ وخرج أبو بكر مغضبا، فقال رسول الله- ﷺ : يا عائشة، كيف رأيت أنقذتك من الرّجل ثم استأذن أبو بكر بعد أن اصطلح رسول الله- ﷺ وعائشة فقال: ادخلا في السّلم كما دخلتما في الحرب فقال رسول الله- ﷺ قد فعلنا. وروى الإمام أحمد، والبخاريّ، وأبو داود وابن ماجة، والدارقطنيّ، والترمذي، والنسائي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ عند بعض نسائه أظنّها عائشة، وفي رواية النّسائي: فجاءت عائشة متّزرة بكساء ومعها فهر ففلقت به الصحفة فأرسلت وفي رواية الترمذي عائشة- من غير شك- فأرسلت إليه بعض أمهات المؤمنين وفي رواية النسائي أم سلمة- بصحفة فيها طعام فضربت التي هو في بيتها وفي رواية النسائي: فجاءت عائشة مؤتزرة بكساء ومعها فهر ففلقت به الصحفة فسقطت الصحفة فانفلقت نصفين فجمع رسول الله- ﷺ فلق الصحفة وفي رواية فأخذ الكسرين فضم إحداهما إلى الأخرى ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصّحفة ويقول: غارت أمّكم، ثم حبس، وفي لفظ:

стр. 4941

أمسك الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفعها إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرتها، وقال: طعام بطعام، وإناء بإناء. وروى ابن أبي شيبة عن قيس بن وهب عن رجل من بني سراة، قال: قلت لعائشة- رضي الله تعالى عنها- أخبريني عن خلق رسول الله- ﷺ فقالت: أما تقرأ القرآن وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ (١) ] . قالت: كان رسول الله- ﷺ مع أصحابه فصنعت له طعاما، وصنعت له حفصة طعاما، فسبقتني حفصة، فقلت للجارية: انطلقي، فأكفئي قصعتها، فلحقتها، وقد هوت أن تضعها بين يدي رسول الله- ﷺ فكفأتها فانكسرت القصعة فانتشر الطعام، فجمعها رسول الله- ﷺ وما فيها من الطعام على الأرض فأكلها، ثم بعثت بقصعتي فرفعها النبي- ﷺ إلى حفصة، فقال: خذوا ظرفا مكان ظرف، وكلوا ما فيها، فقالت: فما رأيته في وجه رسول الله. وروى النسائي عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها- أنها أتت بطعام في صحفة لها إلى رسول الله- ﷺ وأصحابه فجاءت عائشة- رضي الله تعالى عنها- ومعها فهر ففلقت به الصحفة. فجمع رسول الله- ﷺ بين فلقتي الصحفة، ويقول: كلوا غارات أمّكم، ثم أخذ رسول الله- ﷺ صحفة عائشة، فبعث بها إلى أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- وأعطى صحفة أمّ سلمة لعائشة رضي الله تعالى عنها-. وروى الترمذي وقال: حسن صحيح عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ جمع نساءه في مرضه فقال: «إن أمر كنّ مما يهمّني من بعدي ولن يصبر عليكن إلّا الصابرون» . رواه أبو نعيم بلفظ: سيحفظني منكن الصابرون والصادقون. الرابع: في محادثته- ﷺ لهن، وسمره معهن: روي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- ﷺ يحدث نساءه حديث الذين خطبوا المرأة، وجعلوا ذكر صفاتهم إلى أحدهم ليصف لها كل واحد منهم من أحبّت فتتزوّجه، بعد أن سمعت صفته فكان رسول الله- ﷺ يقول في حديثه: خذي من أخي ذا البجل ... إذا رعى القوم عقل وإذا سعى القوم يسل ... وإذا عمل القوم اتّكل وإذا ترب الزاد أكل............... .... [ (٢) ]

стр. 4942

قالت المرأة: لا حاجة لي بهذا، هذا رغيب، قال: خذي من أخي ذا البجله ... حانوته يخصف نعلي ونعله ويحمل ثقلي وثقله ... ويرحل رحلي ورحله ويدرك نبلي ونبله ... وإذا حلّ برمة تقدّمت قبله قالت المرأة: هذا حمارك، لا حاجة لي به، قال: خذي من أخي هذا الأسد ... أفتك منزل به اللّصّ ملحد وركابه بحر مزبّد ... أقبل من رآنا به اللصّ ملحد وإذ رئي من رأينا لزند يزبد قالت: هذا لصّ، لا حاجة لي به، قال: خذي من أخي ذا الثّمر ... صبيّ خفر شجاع ظفر وهو خير من ذلك إذا سكر........... قالت: هذا سكّير، لا حاجة لي به، قال: خذي من أخي الحممة ... يهب المائة البكر السمنة والمائة البقرة الصّرمه ... والمائة الشاة الزغه أو قال: الذممة. وإذا أتت على عاد ليلة مظلمة ... وثب وثوب الكعب ولا هم شرته وقال: اكفوني الميمنه ... أكفيكم المشأمه لست فيه لعتمه ... ألا إنّه ابن أمه قالت المرأة: هذا رغيب يسير قد اخترته، قال لها: كما أنت قد بقي. خذي من أخي ذا الحقاق ... صفاق أفاق يعمل الناقة والساق ... عليه من الله إثم لا يطاق قالت: قد اخترته، قال: كما أنت فقد بقي خذي من أخي حرينا ... أولنا إذا غزونا وآخرنا إذا حمينا ... وعصمة آبائنا إذا شتونا وصاحب خطبنا إذا التجينا ... ولا يدع فضله علينا

стр. 4943

وفاصل خطبة أعتت علينا. قالت: قد اخترته، قال: كما أنت فقد بقيت أنا، قالت: فحدثني عن نفسك، قال: أنا لقمان بن عاد: لعاديه لا يعاد إذا اضطجعت أسبع لا أخاط ولا يملي ريقي جنبي ولا يماريني إزار مطمعا فحلّ مطمع وإن لا مطمعا فرقاع بصلع. قالت: لا حاجة لي لك، أنت سارق وقد أحزنت حزينا. وكان رسول الله- ﷺ كلّما قال: خذي من أخي كذا، وكذا: يقول بعض نسائه وفي بعض الطرق أمّ حبيبة أخذت هذا يا رسول الله، فيقول: رويدك فإني لم أفرغ من حديثهم، وفي رواية: لا تعجلي، قد بقي، رواه الحافظ حميد زنجويه في كتابه «آداب النبي- ﷺ » قال: حدثني أنس حدثني ابن أبي الزّناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها وقال أبو محمد بن قتيبة في حديث الحرف: حدثنا يزيد بن عمرو بن البراء الغنوي، قال: حدثنا يونس بن إسماعيل، قال: حدثنا سعيد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أن النبي- ﷺ قال: «إن لقمان بن عاد خطب امرأة قد خطبها إخوته قبله» ، فقالوا: بئس ما صنعت، خطبت امرأة قد خطبناها قبلك، وكانوا سبعة، وهو ثامنهم، فصالحهم على أن ينعت لهم نفسه، وإخوته بصدق، وتختار هي أيّهم تشاء. وذكر الحديث بنحوه، وقال في آخر. قال عروة: بلغنا أنها قد تزوجت حزينا، وقال حميد بن زنجويه: حدثني ابن أبي أويس حدثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عروة وعن يزيد بن بكر الليثي عن داود بن حصين [ (١) ] ، عن عبيد الله بن عتبة، وعن عيسى بن عيسى الخياط، عن عمرو بن شعيب، قالوا: كان من حديث بني عاد أنهم اجتمعوا جميعا لخطبة امرأة فقال أكبرهم: دعيني أصفهم لك، إخوتي ونفسي، فوالله لأخبرنك بعلمي فيهم وفي نفسي. قالت المرأة: فخبّرني فذكره. حديث خرافة: روى ابن أبي شيبة والترمذي وأبو يعلى والبزّار والطبراني، والإمام أحمد ورجال أحمد ثقات- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: حدث رسول الله- ﷺ نساءه بحديث، فقالت امرأة منهن: كان يحدّث حديث خرافة، فقال: أتدرين؟ ولفظ أحمد عن عائشة قال رسول الله- ﷺ «أتدرون ما خرافة؟» كان رجلا من عذرة أسرته الجنّ، فمكث دهرا، ثم رجع، فكان يحدث بما رأى منهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة [ (٢) ] وفي

стр. 4944

رواية: فإذا استرقوا السمع أخبروه، فيخبر به الناس، فيجدونه [ (١) ] كما قال. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب ذمّ البغي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- فجعل يقول الكلمة كما يقول الرجل عند أهله، فقالت إحداهن: كان هذا حديث خرافة. فقال: أتدرين ما خرافة؟ إن رجلا من بني عذرة أصابته الجنّ فكان فيهم حينا، فرجع إلى الإنس، فجعل يحدث بأحاديث تكون في الجن، لا تكون في الإنس. فحدّث إن رجلا من الجنّ كانت له أمّ، فأمرته أن يتزوج، فقال: إني أخشى، أن أدخل عليك من ذلك مشقة، أو بعض ما تكرهين، فلم تدعه حتى زوّجته فتزوج امرأة لها أمّ، فكان يقسم لامرأته ليلة، ولأمه ليلة، ليلة عند هذه، وليلة عند هذه، وكانت ليلة امرأته وأمّه وحدها فسلّم عليها مسلّم، فردت السّلام، فقال: هل من مبيت؟ قالت: نعم، قال: هل من عشاء؟ قالت: نعم، قال: هل من يحدّث بحديث الليلة، قالت: نعم، أرسل إلى ابني يأتيكم فيحدثكم، قالوا: فما هذه الخشفة التي نسمعها في دارك؟ قالت: إبل وغنم، قال أحدهما لصاحبه: أعط مثمن ما تمنّى، وإن كان خيرا فأصبحت وقد ملئت دارها إبلا وغنما. فرأت ابنها خبيث النفس. قالت: ما شأنك؟ لعل امرأتك أرادت أن تحولها إلى منزلي وتحولني إلى منزلها؟ قال: نعم، قالت: فحوّلها إلى منزلي، وحوّلني إلى منزلها، فتحولت إلى منزل امرأته، وتحولت امرأته إلى منزل أمّه. فلبثا ثم إنهما عادا والفتى عند أمّه، فسلّما فلم تردّ السّلام، فقالا: هل من مبيت؟ قالت: لا، قالا: فعشاء؟ قالت: لا، قالا: فإنسان يحدثنا الليلة؟ قالت: لا. قالا: فما هذه الخشفة التي نسمعها في دارك، قالت: هذه السّباع، فقال أحدهما لصاحبه: أعط مثمن ما تمنى، إن كان شرا، فامتلأت عليها دارها سباعا، فأصبحت وقد أكلت. وقال الحافظ: - رجاله ثقات- إلا الراوي له عن ثابت البنانيّ، وهو سحيم بن مرسويه، يروي عن عاصم بن علي، فيحرر حاله. وقال (المفضّل) الضّبيّ في كتاب الأمثال، قال: ذكر إسماعيل الورّاق، عن زياد البكائيّ، عن عبد الرحمن بن القاسم (ابن عبد الرحمن بن القاسم) عن أبيه القاسم بن عبد الرحمن قال: سألت أبي يعني عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن حديث خرافة، قال: بلغني عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنها قالت لرسول الله- ﷺ : حدّثني بحديث خرافة، فقال: رحم الله خرافة أنه كان رجلاً صالحا، وإنه أخبرني أنه خرج ليلة لبعض حاجته، فلقيه ثلاث من الجن فأسروه، فقال واحد: نستعبده، وقال آخر: نقتله، وقال آخر: نعتقه، فمر به رجل منهم. الخامس: في اعتزاله- ﷺ نساءه- رضي الله تعالى عنهن -. لما سألنه النفقة مما

стр. 4945

ليس عنده. روى مسلم عن جابر بن عبد الله. قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله- ﷺ . فوجد الناس جلوسا ببابه. لم يؤذن لأحد منهم. قال: فأذن لأبي بكر فدخل. ثمّ أقبل عمر فاستأذن فأذن له فوجد النبي- ﷺ جالسا، حوله نساؤه. واجما ساكتا. قال فقال: لأقولنّ شيئا أضحك النبي- ﷺ فقال: يا رسول الله! لو رأيت بنت خارجة! سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها. فضحك رسول الله- ﷺ وقال: «هن حولي كما ترى. يسألنني النفقة» . فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها. فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها. كلاهما يقول: تسألن رسول الله- ﷺ ما ليس عنده. فقلن: والله! لا نسأل رسول الله- ﷺ شيئا أبدا ليس عنده. ثمّ اعتزلهنّ شهرا أو تسعا وعشرين. ثمّ نزلت عليه هذه الآية: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ، حَتَّى بَلَغَ، لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً» . قال: فبدأ بعائشة. فقال: «يا عائشة! إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحبّ أن لا تعجلي فيه حتّى تستشيري أبويك» قالت: وما هو؟ يا رسول الله! فتلا عليها الآية. قالت: أفيك، يا رسول الله! أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدّار الآخرة. وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. قال «لا تسألني امرأة منهنّ إلّا أخبرتها. إن الله لم يبعثني معنّتا ولا متعنّتا. ولكن بعثني معلّما ميسّرا» [ (١) ] . تنبيه في بيان غريب ما سبق: يفلّي [يبحث عن القمّل] . يخصف: يخرّزها مهنة [ ... ] . غفار: قبيلة. البجل: [عظم القدر والسن] . الفهر: الحجر ملء الكفّ كحيا [تقبيحا ولعنا] . المزبّد: يدفع زبده حممه [سواد اللّون] السّمنة [ ... ] . الصّفّاق: [كثير الأسفار والتعرف] الأفاق [ ... ] الناقة [ ... ] العتاق [ ... ] الاضطجاع [ ... ] الوقاع [ ... ] .

стр. 4946

الباب الثاني- في بعض فضائل أم المؤمنين خديجة بنت خويلد- رضي الله تعالى عنها - وفيه أنواع الأول: في نسبها: تقدّم نسب أبيها في الباب الأول، وأمّها فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن حجر بن معيص بن عامر بن لؤي، وأمّها هالة بنت عبد مناف بن الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤيّ، وأمها العوقة، واسمها قلابة بنت سعيد بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ. الثاني: فيمن تزوجها قبل النبي- ﷺ -: قال الزبير بن بكار- رحمه الله تعالى-: كانت خديجة- رضي الله تعالى عنها- قبل رسول الله- ﷺ عند عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي، فولدت له جارية اسمها هند، ثم خلف عليها أبو هالة مالك بن نباش بن زرارة بن واقد بن حبيب بن سلامة بن عدي بن أسد بن عمرو بن تميم حليف بني عبد الدار بن قصيّ، فولدت له هند وهالة فهما أخوا ولد رسول الله- ﷺ رواه الطّبراني والأكثر تقدّم أبي هالة على عتيق. الثالث: في كيفية زواجه- ﷺ إيّاها: روى الإمام أحمد [ (١) ] برجال الصحيح عن ابن عباس، والبزار والطبراني برجال ثقات أكثرهم رجال الصحيح عن جابر بن سمرة أو رجل من أصحاب رسول الله- ﷺ والبزار والطبراني بسند ضعيف (عن عمار بن ياسر، والبزار والطبراني بسند ضعيف) [ (٢) ] ، عن عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنهم- قال جابر أو الرجل المبهم: أن رسول الله- ﷺ كان يرعى غنما فاستعلى الغنم فكان يرعى الإبل هو وشريك له فأكريا أخت خديجة، فلما قضوا السفر بقي لهما عليها شيء، فجعل شريكه يأتيها، فيتقاضيا، ويقول لمحمد: انطلق، فيقول: اذهب أنت، فإني أستحي. فقالت مرّة وأتاهم شريكه، فقالت: أين محمد؟ قال: قد قلت فزعم أنه يستحي، فقالت: ما رأيت رجلا أشدّ حياء، ولا أعفّ ولا ولا، فوقع في نفس أختها خديجة، فبعثت إليه، فقالت: ائت أبي فاخطبني، قال: إن أباك رجل كثير المال، وهو لا يفعل. وفي حديث عمّار قال: خرجت مع رسول الله- ﷺ ذات يوم حتى مررنا على أخت خديجة

стр. 4947

وهي جالسة على أدم لها فنادتني، فانصرفت إليها، ووقف رسول الله- ﷺ فقالت: أما لصاحبك في تزوج خديجة حاجة؟ فأخبرته، فقال: بلى، لعمري، فرجعت إليها فأخبرتها، وفي حديث جابر والرجل المبهم، فقالت: انطلق إلى أبي فكلّمه وأنا أكفيك وأئت عندنا بكرة، ففعل، وفي حديث ابن عباس أن رسول الله- ﷺ ذكر خديجة، وكان أبوها يرغب أن يزوجه إياها فصنعت طعاما وشرابا، وفي حديث عمار، فذبحت بقرة، قال ابن عباس: فدعت أباها ونفرا من قريش فطعموا وشربوا حتى علّوا، فقالت خديجة: أن محمد بن عبد الله يخطبني، فزوجني إياه، وفي حديث جابر والرجل المبهم: فأتى رسول الله- ﷺ فكلّمه. قال ابن عباس: فخلفته وألبسته حلّة، زاد عمّار: وضربت عليه قبّة، وقال ابن عباس: وكذلك كانوا يفعلون بالأباء، فلما سري عنه سكره نظر فإذا هو مخلق وعليه قبة، فقال: ما شأني، ما هذا؟ قالت: زوّجني محمد بن عبد الله، وقال: جابر أو الرجل المبهم: فلما أصبح جلس في المجلس، فقيل له: أحسنت، زوّجت محمدا، فقال: أو قد فعلت، قالوا: نعم، فقام، فدخل عليها، فقال: إن الناس يقولون إني قد زوجت محمدا! وما فعلت، قالت: بلى، وروى ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- فقال: أنا أزوّج يتيم أبي طالب؟ لا، لعمري، فقالت خديجة: ألا تستحي تريد أن تسفّه نفسك عند قريش، وتخبر الناس أنك كنت سكران، فإن محمدا كذا، فلم تزل به حتى رضي، وقال جابر أو الرجل المبهم: ثم بعثت إلى محمد، ﷺ بوقيتين من فضة أو ذهب، وقالت: اشتر حلّة وأهدها لي وكيسا وكذا وكذا ففعل. وكانت ﵂ تدعى في الجاهلية الطاهرة، تزوجها رسول الله- ﷺ قبل المبعث بخمس عشرة سنة، وقيل: أكثر من ذلك، وهي بنت الأربعين سنة، وقيل: أكثر من ذلك. الرابع: في أنها أوّل من أسلم: روى الطبراني برجال ثقات عن بريك- رضي الله تعالى عنه- قال: خديجة أوّل من أسلم مع رسول الله- ﷺ وعليّ بن أبي طالب. وروى الطبراني بإسناد لا بأس به عن قتادة بن زعامة- رحمه الله تعالى- قال: توفّيت خديجة- رضي الله تعالى عنها- قبل الهجرة بثلاث سنين، وهي أول من آمن بالنبي- ﷺ من النّساء والرجال،. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل- رحمه الله تعالى، قال: كانت خديجة أول الناس إيمانا بما انزل الله. وقال ابن شهاب- رحمه الله تعالى-: كانت خديجة أول من آمن بالله، وصدّق رسول الله قبل أن تفرض الصلاة.

стр. 4948

رواهما أبو بكر بن أبي خيثمة. وقال أبو عمر بن عبد البرّ: اتفقوا على أن خديجة- رضي الله تعالى عنها- أول من آمن. وقال أبو الحسن بن الأثير: خديجة أول خلق الله إسلاما بإجماع المسلمين، لم يتقدّمها رجل ولا امرأة، وأقرّه الحافظ الناقد أبو عبد الله الذهبيّ وحكى الإمام الثعلبي اتفاق العلماء على ذلك، وإنما اختلافهم في أوّل من أسلم بعدها بعد وقال الإمام النووي- رحمه الله تعالى-: أنه الصواب عند جماعة من المحقّقين، قال: فخفّف الله بذلك عن رسول الله- ﷺ فكان لا يسمع بشيء يكرهه من الرد عليه، فيرجع إليها، فتثبته وتهوّن عليه. الخامس: في سلام الله تعالى عليها- رضي الله تعالى عنها- على لسان جبريل- ﷺ -: روى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : أتاني جبريل- ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة ومعها إناء فيه طعام أو إدام وشراب وإذا هي أتتك، فاقرأ عليها من ربها السّلام ومني. وروى النّسائي والحاكم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء جبريل إلى رسول الله- ﷺ فقال: إن الله- يقرأ على خديجة السّلام، فقالت: إن الله هو السّلام، وعلى جبريل السّلام، وعليك السّلام ورحمة الله. وروى الطبراني برجال الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلا إن جبريل كان مع رسول الله- ﷺ فجاءت خديجة- رضي الله تعالى عنها- فقال رسول الله- ﷺ هذه خديجة، فقال جبريل: أقرئها السّلام من ربها ومني. قال في زاد المعاد: وهذه فضيلة لا تعرف لامرأة سواها. السادس: في أنه- ﷺ لم يتزوج عليها حتى ماتت وإطعامه إياها من عنب الجنة: روى الطبراني برجال الصحيح عن الزهري- رحمه الله تعالى- قال: لم يتزوج رسول الله- ﷺ على خديجة- رضي الله تعالى عنها- حتى ماتت بعد أن مكثت عنده- ﷺ أربعا وعشرين سنة وأشهرا. وروى الطبراني بسند فيه من لا يعرف عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ أطعم خديجة- رضي الله تعالى عنها- من عنب الجنة.

стр. 4949

السّابع: تبشير النبي- ﷺ إياها ببيت في الجنة: روى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ بشّر خديجة- رضي الله تعالى عنها- ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والطبراني برجال ثقات وابن حيّان والدّولابيّ عن عبد الرحمن بن جعفر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ سئل عن خديجة أنّها ماتت قبل أن تنزل الفرائض والأحكام، قال: أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب، لا لغو فيه ولا نصب، وعند الطبراني في الأوسط من حديث عبد الله بن أبي أوفى- يعني قصب اللؤلؤ- وعنده في الكبير، من حديث أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- بيت من لؤلؤة مجوّفة. الثامن: في كثرة ثناء النبي- ﷺ عليها- رضي الله تعالى عنها -: روى الإمام أحمد بسند جيد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- ﷺ إذا ذكر خديجة- رضي الله تعالى عنها- أثنى فأحسن الثناء عليها، قالت: فغرت يوما، فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيرا منها، فقال: ما أبدلني الله- خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء [ (١) ] ، وفي رواية الشيخين: قد أبدلك الله خيرا منها. وروى الطبراني بإسناد جيّد والدولابيّ عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- ﷺ إذا ذكر خديجة- رضي الله تعالى عنها- لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار لها فذكرها ذات يوم فاحتملتني الغيرة، فقلت: لقد عوّضك الله من كبيرة، قالت: فرأيت رسول الله- ﷺ غضب غضبا شديدا، وسقطت في جلدي، فقلت: اللهم إن ذهب غيظ رسولك، لم أعد أذكرها بسوء ما بقيت، قالت: فلما رأى رسول الله- ﷺ ما لقيت، قال: كيف قلت والله، لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وواستني، إذ رفضني الناس، وصدّقتني إذ كذبني الناس، ورزقت من الولد إذ حرمتموه، فغذا وراح عليّ شهرا. التاسع: في برّه- ﷺ أصدقاء خديجة- رضي الله تعالى عنها- بعد موتها: روي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ إذا أتي بالشّيء يقول: اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة لخديجة، رواه ابن حبان والدولابيّ وفيه: يأتيه اذهبوا به إلى بيت فلانة فإنها كانت تحب خديجة [ (٢) ] .

стр. 4950

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كانت عجوز تأتي النبي- ﷺ فيهشّ لها ويكرمها، وفي لفظ «كانت عجوز تأتي النبي- ﷺ فقال لها: «من أنت» ؟ فقالت: جثمامة المدينة قال: «بل أنت حسانة المدينة، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وفي لفظ: كانت تأتي النبي- ﷺ امرأة فقلت: يا رسول الله، من هذه؟ وفي لفظ: بأبي أنت وأمي إنّك لتصنع بهذه العجوز شيئا لم تصنعه بأحد، وفي لفظ: فلما خرجت، قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال: فقال: «يا عائشة، إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان» . وفي لفظ: «وإن كرم الودّ من الإيمان» . العاشر: في أنها- رضي الله تعالى عنها- من أفضل نساء أهل الجنة: روى الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني برجال الصحيح عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: خطّ رسول الله- ﷺ في الأرض أربعة خطوط فقال: «تدرون ما هذا» ؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله- ﷺ : «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون» . الحادي عشر: في أنها من خير نساء العالمين ومن سيداتهن . روى البخاري ومسلم عن علي ﵁ قال، سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» . الثاني عشر: في ذكر ولدها- رضي الله تعالى عنها- من غير رسول الله- ﷺ -. كان لها- رضي الله تعالى عنها- جارية اسمها هند من عتيق بن عائذ بن عبد الله أسلمت وتزوجت، وجارية أخرى يقال لها هالة من النباش بن زرارة ورجل يقال له هند بن أبي هالة، قال ابن قتيبة وابن سعد وأبو عمر: عاش هند بن هند في بيت رسول الله- ﷺ وأسلم مع أمه، وقتل مع علي- رضي الله تعالى عنهما- يوم الجمل ذكره الزّبير، وقيل: مات بالبصرة في الطاعون، فازدحم الناس على جنازته، وتركوا جنائزهم وقالوا: ربيب رسول الله- ﷺ كان رضي الله تعالى عنه- فصيحا بليغا وصّافا فوصف رسول الله- ﷺ فأحسن وأتقن. وكان- رضي الله تعالى عنه- يقول: إن أكرم الناس أبا وأمّا وأخا وأختا، أبي رسول الله- ﷺ وأمي خديجة، وأخي القاسم، وأختي فاطمة. الثالث عشر: في وفاتها- رضي الله تعالى عنها -. توفّيت قبل الهجرة قيل: بأربع، وقيل: بخمس، في رمضان لسبع عشرة ليلة خلت منه من قبل الإسراء بثلاث سنين على الصحيح. ونزل رسول الله- ﷺ في حفرتها وكان لها حين توفّيت خمس وستون

стр. 4951

سنة- رضي الله تعالى عنها- ولم يكن يومئذ شرعت الصلاة على الجنائز. تنبيهات الأول: الحكمة في كون البيت من قصب وهو أنا بيت الجوهر أنها حازت قصب السّبق إلى الإسلام وهو شدّة المسارعة إليه دون غيرها- رضي الله تعالى عنها- قال السّهيليّ: النكتة في قوله: «من قصب» ولم يقل: من لؤلؤ، أن في لفظ (القصب) مناسبة، لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها، زاد غيره مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها، إذ كانت حريصة على رضاه بكل ما أمكن، ولم يصدر منها ما يغضبه قط كما وقع لغيرها، وقوله: (ببيت) ، قال أبو بكر الإسكاف «في فوائد الأخبار» : المراد بيت زائد على ما أعد الله- لها من ثواب عملها، ولهذا قال: (لا نصب) أي لم تتعب بسببه. وقال السهيلي- ﵀: لذكر البيت معنى لطيف، لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث فصارت ربة بيت في الإسلام منفردة به، لم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث فيه رسول الله- ﷺ وسلم بيت في الإسلام إلا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضا غيرها. قال: وجزاء الفعل يذكر غالبا بلفظه، وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ «البيت» دون لفظ القصر، زاد غيره معنى آخر، وهو أن مرجع أهل بيت رسول الله- ﷺ إليها لما نبّئت في تفسير قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ/ [الأحزاب/ ٣٣] ، قالت أم سلمة: «لما نزلت دعا رسول الله- ﷺ فاطمة، وعليّا، والحسن، والحسين، فجلّلهم بكساء، فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي» رواه التّرمذي. ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة- رضي الله تعالى عنها- لأن الحسن، والحسين من فاطمة، وفاطمة ابنتها، وعلي نشأ في بيتها وهو صغير، ثم تزوج ابنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها- رضي الله تعالى عنها- وأصل (قصب السّبق) أنهم كانوا ينصبون في حلبة السّباق قصبة، لمن سبق اقتلعها وأخذها ليعلم أنه السّابق من غير نزاع، ثم كثر حتى أطلق على المبرز والمشمر. الثاني: اختلف هل الأفضل خديجة أو عائشة؟ وهل الأفضل مريم بنت عمران أو فاطمة بنت محمد- ﷺ ؟ وهل الأفضل فاطمة أو خديجة أو عائشة؟. اعلم- أعزّك الله تعالى- أن النّقل في ذلك عزيز جدّا وقد تعرض لذلك شيخ الإسلام وقدوة العلماء الأعلام الشيخ أبو الحسن تقي الدين السبكي- رحمه الله تعالى- وشفى الغليل في فتاويه الحلبيات وهي المسائل التي سأله عنها علّامة حلب وترسّلها الشيخ والإمام شهاب الدّين الأذرعيّ، وهو في مجلّد لطيف فيه نفائس لا تكاد توجد في غيره، وشيخنا الإمام

стр. 4952

الحافظ شيخ الإسلام جلال الدين السّيوطي- رحمهما الله تعالى- وقد اقتضب شيخنا من كلام السبكي ما هو المقصود هنا، فقال: قال النووي في روضته: من خصائصه- ﷺ تفضيل زوجاته على سائر النساء، قال تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب ٣٢] . قال السّبكي: وعبارة القاضي الحسين: نساؤه أفضل نساء العالمين، وعبارة المقولي خير نساء هذه الأمة، قال: وعبارة الروضة تحتملهما، ويلزم من كونهن خير نساء هذه الأمة أن يكنّ خير نساء الأمم، لأن هذه الأمّة خير الأمم، والتفضيل على الأفضل تفضيل كل فرد على من هو دونه، قال: إلا أنه يلزم من تفضيل الجملة على الجملة تفضيل كل فرد على كل فرد، وقد قيل بنبوة مريم وآسية، وأمّ موسى فإن ثبت خصّت من العموم. قال في الروضة: أفضل الأزواج خديجة وعائشة وفي التفضيل بينهما أوجه ثالثها: الوقف، كذا حكى الخلاف بلا ترجيح وقد رجح السّبكيّ تفضيل خديجة كما سأذكره قال القمولي: وقد تكلم الناس في عائشة، وفاطمة أيّها أفضل، على أقوال ثالثها- الوقف قال الصّعلوكيّ: من أراد أن يعرف التفاوت بينهما فليتأمّل في زوجته وابنته، قال شيخنا: الصّواب القطع بتفضيل فاطمة، وصحّحه السبكي، قال في الحلبيات: قال بعض من يعتد به، بأن عائشة أفضل من فاطمة وهذا قول من يرى أن أفضل الصحابة زوجاته، لأنهن معه في درجته في الجنة التي هي أعلى الدرجات وهو قول ساقط مردود وضعيف، لا سند له من نظر ولا نقل، والذي نختاره وندين الله تعالى به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة، وبه جزم ابن المغربي في روضته، ثم قال السّبكيّ: والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيح أن النبي- ﷺ قال لفاطمة: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمّة» ، وما رواه النّسائيّ بسند صحيح من أن رسول الله- ﷺ قال: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد» ، واستدل شيخنا في شرحه بما ثبت أنه- ﷺ قال لعائشة حين قالت له: قد رزقك الله خيرا منها، قال: «لا، والله! ما رزقني الله خيرا منها» . الحديث. وسئل أبو داود، أيّهما أفضل خديجة أم فاطمة؟ فقال: خديجة أقرأها النبي- ﷺ السلام من ربّها، وعائشة أقرأها السلام من جبريل، فالأولى أفضل، فقيل له: من الأفضل خديجة أم فاطمة؟ فقال: قال رسول الله- ﷺ : «فاطمة بضعة مني» ولا أعدل ببضعة رسول الله- ﷺ أحدا. وأمّا خبر خير نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، ثم فاطمة ابنة محمّد، ثم آسية امرأة فرعون فأجيب عنه بأن خديجة- رضي الله تعالى عنها- إنما فضّلت على فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة. ثم قال السّبكيّ: وهذا صريح في أنها وأمها أفضل

стр. 4953

نساء أهل الجنة. والحديث الأول- يدلّ على تفضيلها على أمها، وقد قال- ﷺ : «فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها» ، وفي الصحيح من حديث علي- رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً خير نساء أهل زمانها مريم بنت عمران، خير نساء زمانها خديجة بنت خويلد، أي خير نساء الدنيا، فهذا يقتضي أن مريم وخديجة أفضل النساء مطلقا، فمريم أفضل نساء أهل زمانها وخديجة أفضل نساء زمانها، وليس فيه تعرّض لفضل إحداهما على الأخرى. وقد علمت أنّ مريم اختلف في نبوّتها، فإن كانت نبيّة فهي أفضل، وإن لم تكن نبيّة فالأقرب أنها أفضل لذكرها في القرآن، وشهادته بصدّيقيّتها. وأمّا بقية الأزواج فلا يبلغن هذه الرتبة وإن كنّ خير نساء الأمة بعد هؤلاء الثلاث، وهن متقاربات في الفضل، لا يعلم حقيقة ذلك إلا الله تعالى، لكنّا نعلم لحفصة بنت عمر- رضي الله تعالى عنها- من الفضائل كثيرا، فما أشبه أن تكون هي بعد عائشة. انتهى كلام السّبكيّ والكلام في التفضيل صعب، فلا ينبغي التكلّم إلا بما ورد، والسّكوت عما سواه وحفظ الأدب. قال شيخنا: ولم يتعرض للتفضيل بين مريم، وفاطمة، والذي اختاره تفضيل فاطمة، في مسند الحارث بن أسامة بسند صحيح لكنه مرسل مريم خير نساء عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها. أخرجه الترمذيّ موصولا من حديث علي- رضي الله تعالى عنه- خير نسائها مريم، وخير نسائها فاطمة، قال الحافظ ابن حجر: والمرسل يعضّد المتّصل. وروى النسائي عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «هذا ملك من الملائكة استأذن ربّه ليسلّم علي ويبشرني أن حسنا وحسينا سيدا شباب أهل الجنة، وأمّهما سيدة نساء أهل الجنة. انتهى كلام الشيخ- رحمه الله تعالى- في شرحه لنظم جمع الجوامع، وقال في كتابه: (إتمام الدراية) : ونعتقد أن أفضل النّساء مريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمد، ثم أورد حديث عليّ، وحديث حذيفة السّابقين، ثم قال: في ذلك دلالة على تفضيلها على مريم بنت عمران، خصوصا إذا قلنا بالأصح: إنها ليست نبيّة، وقد تقدر إن هذه الأمة أفضل من غيرها. قلت: وحاصل الكلام السابق أن السّبكي اختار أن السيدة فاطمة أفضل من أمّها، وأنّ أمّها أفضل من عائشة، وأن مريم أفضل من خديجة، واختار شيخنا أن فاطمة أفضل من مريم، وقال القاضي قطب الدين الخضريّ- رحمه الله تعالى- في الخصائص- بعد أن ذكر في التفضيل بين خديجة ومريم، إذا علمت ذلك فينبغي أن يستثنى من إطلاق التفضيل سيدتنا فاطمة ابنة رسول الله- ﷺ فهي أفضل نساء العالم، لقوله: ﷺ فاطمة بضعة مني ولا يعدل ببضعة رسول الله- ﷺ أحد، وسئل الإمام أبو بكر عمر ابن إمام أهل الظّاهر داود: هل

стр. 4954

خديجة أفضل أم فاطمة؟ فقال: الشارع قال [فاطمة بضعة مني] قال الشيخ تقي الدين المقريزيّ في الخصائص النبوية في كتابه (إمتاع الأسماع) : إن قلنا بنبوة مريم كانت أفضل من فاطمة، وإن قلنا إنها ليست بنبية احتمل أنها أفضل للخلاف في نبوتها، واحتمل التسوية بينهما تخصيصا لهما بأدلتهما الخاصة من بين النساء، واحتمل تفضيل فاطمة عليها، وعلى غيرها من النساء، لقوله- ﷺ : «فاطمة بضعة مني» ، وبضعة النبي- ﷺ لا يعدل بها شي وهو أظهر الاحتمالات لمن أنصف. وقال الزركشي في الخادم عند قول الرّافعيّ والنّوويّ: «وتفضيل زوجاته- ﷺ علي سائر النساء» ما نصّه: هل المراد نساء هذه الأمة أو النساء كلّهن؟ فيه خلاف، حكاه الروياني ويستثنى من الخلاف سيدتنا فاطمة، فهي أفضل نساء العالم، لقوله- ﷺ : «فاطمة ولا يعدل ببضعة من رسول الله- ﷺ أحد، وفي الصحيح: بضعة مني» أما ترضين أن تكوني خير نساء هذه الأمّة» انتهى. الثالث: في بيان غريب ما سبق: الإدام: [ما يؤكل من الخبز وغيره] . القصب: بفتح القاف والصاد [لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف] . الصّخب: بفتح الصاد المهملة والخاء المعجمة، فموحدة: الصّياح والمنازعة برفع الصّوت. النّصب: بفتح النون والصاد المهملة فالموحدة: التّعب. قال السّهيليّ: مناسبة نفي هاتين الصفتين، أعني المنازعة والتعب أنه- ﷺ لما دعاها إلى الإيمان أجابت طوعا ولم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة، ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كلّ تعب، وأنسته من كل وحشة، وهوّنت عليه كل عسير فناسب أن تكون منزلتها التي بشّرها بها ربّها بالصفة المقابلة لفعلها. اللّغو [ ... ] . الثناء [الحمد] . حمراء الشدقين: سقوط الأسنان من الكبر فلم يبق إلا حمرة اللّسان. المواساة [ ... ] . الرفض [ ... ] .

стр. 4955

الباب الثالث في بعض مناقب أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنهما - وفيه أنواع: الأول: في نسبها ومولدها . تقدم نسب أبيها، وأمّها أمّ رومان بنت عامر بن عويمر، روى أبو بكر بن أبي خيثمة عن علي بن (زيد) [ (١) ] عن القاسم بن محمد أن أمّ رومان زوج أبي بكر الصديق أمّ عائشة- رضي الله تعالى عنهم- لمّا أدليت في قبرها، قال رسول الله- ﷺ : «من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين، فلينظر إلى أمّ رومان» هذا الحديث بسطت الكلام عليه في شرح حديث الإفك، وولدت بعد البعثة بأربع سنين أو خمس. الثاني: في كنيتها: روى ابن الجوزي- في الصّفوة- عنها- رضي الله تعالى عنها- قال: قلت: يا رسول الله، ألا تكنّيني؟ قال: تكنّى بابنك، يعني عبد الله بن الزبير. وروى ابن حبان عنها قالت: لما ولد عبد الله بن الزّبير أتيت به رسول الله- ﷺ فتفل في فيه، فكان أول شيء دخل في جوفه، وقال: هو عبد الله، وأنت أمّ عبد الله. وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عنها قالت: قلت: يا رسول الله إن لكل صواحبي كنى، فلو كنّيتني! قال: اكتني بابنك عبد الله بن الزّبير، فكانت تكنى بأمّ عبد الله حتى ماتت. وقيل: إنها ولدت من رسول الله- ﷺ ولدا مات طفلا، وهذا غير ثابت، والصحيح الأول، لأنه ورد عنها من طرق كثيرة. الثالث: في تسميتها- رضي الله تعالى عنها -. روى الترمذي- في الشمائل- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما-[ (٢) ] قال: قال رسول الله- ﷺ : «من كان له فرطان من أمتي أدخله الله الجنة» . قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- فمن يكن له فرط من أمّتك. قال رسول الله- ﷺ : «من كان له فرط يا موفّقة» قالت: فمن لم يكن له قرط من أمتك؟ قال- ﷺ : «فإنا فرط أمّتي لم يصابوا بمثلي لن يصابوا بمثلي» .

стр. 4956

الرابع: في هجرتها- رضي الله تعالى عنها - روى الطبراني بإسناد حسن عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قدمنا مهاجرين فسلكنا في مسالك صعبة، فنفر بي جمل كنت عليه نفورا منكرا، فوالله ما أنسى قول أمي يا عربسة، فركب بي رأسه، فسمعت قائلا يقول: ألقي خطامه فألقيته، فقام يستدير كأنما إنسان يديره، كأنّما إنسان قام تحته [ (١) ] . الخامس: في بيان إتيان جبريل النبي- ﷺ بصورتها وإخباره- أنها زوجته . روى الإمام أحمد والشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال لي رسول الله- ﷺ : «رأيتك في المنام قبل أن أتّزوّجك مرّتين» وفي لفظ: «ثلاث ليال، جاءني بك ملك في خرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فيكشف عن وجهها، فإذا هي أنت، فأقول إن يك من عند الله يمضه. وروى الترمذي وحسنه وابن عساكر عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: جاء بي جبريل لرسول الله- ﷺ في خرقة حرير خضراء، فقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة وروى ابن عساكر عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما تزوّجني رسول الله- ﷺ حتى أتاه جبريل- ﷺ بصورتي فقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة، تزوجني وإني لجارية على حرف فلما تزوجني أوقع الله عليّ الحياء. روى الترمذي عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «أتاني جبريل فقال إن الله- زوّجك بابنة أبي بكر ومعه صورة عائشة» . السادس: في خطبتها وتزويج النبي- ﷺ بها . روى الطبراني [ (٢) ] برجال ثقات عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- والإمام أحمد في المناقب والمسند والبيهقي، بإسناد حسن عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن حاطب- رحمهم الله تعالى- وبعضه صرّح فيه بالاتصال عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- وأكثره مرسل قالت: لمّا ماتت خديجة- رضي الله تعالى عنها- جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون- رضي الله تعالى عنها- إلى رسول الله- ﷺ فقالت: يا رسول الله، ألا تتزوج؟ فقال: من؟ فقالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيّبا، فقال: ومن البكر ومن الثّيّب؟

стр. 4957

فقالت: فأما البكر فابنة أحبّ الخلق إليك عائشة بنت أبي بكر، وأمّا الثّيّب فسودة بنت زمعة- رضي الله تعالى عنها- قد آمنت بك، واتّبعتك، قال ﷺ : فاذهبي، فاذكريهما عليّ، فأتيت أمّ رومان، فقلت: يا أم رومان، ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قلت: رسول الله- ﷺ يذكر عائشة، قالت: وددتّ، انتظري أبا بكر، فإنّ أبا بكر آت، قالت: فجاء أبو بكر، فذكرت ذلك له فقال: أو تصلح وهي، وفي لفظ: إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول الله- ﷺ فذكرت له ذلك، فقال رسول الله- ﷺ : «ارجعي إليه وقولي له: «إنّما أنا أخوه وهو أخي» ، وفي لفظ: فقولي: أنت أخي وأنا أخوك في الإسلام وابنته وفي لفظ: وابنتك تصلح لي، قال: انتظري، قالت: وقام أبو بكر، فقالت لي أمّ رومان: إنّ المطعم بن عديّ قد كان ذكرها على ابنه، والله، ما أخلف أبو بكر وعدا قطّ، قالت: فأتى أبو بكر المطعم بن عديّ وعنده امرأته أم أهنى، فقال: ما تقول في أمّ هذه الجارية؟ فأقبل على امرأته، فقال: ما تقولين؟ قالت: فأقبلت على أبي بكر، فقالت: لعلّنا إن أنكحنا هذا الصّبيّ إليك تصبئه، وتدخله في دينك والذي أنت عليه، فأقبل أبو بكر عليه، فقال: ما تقول أنت؟ قال: إنه أقول ما تسمع. فقام أبو بكر ليس في نفسه شيء من الوعد، فقال لخولة: قولي- وفي لفظ «ادعي» - لرسول الله- ﷺ فليأت، فدعته، قالت: فجاء رسول الله- ﷺ فملكها، قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: فتزوّجني ثم لبثت سنتين، فلما قدمنا المدينة نزلنا بالسنح في دار بني الحارث بن الخزرج، قالت: فإني لأرجّح بين عزقتين وأنا ابنة تسع، فجاءت أمي من الأرجوحة ولي جميمة، ثم أقبلت تقودني حتّى وقفت عند الباب وإني لا لهج فمسحت وجهي بشيء من ماء وفرّقت جميمة كانت لي، ثم دخلت بي على رسول الله- ﷺ وفي البيت رجال ونساء، فأجلستني في حجرة، ثم قالت: هؤلاء أهلك يا رسول الله فبارك الله لك فيهن وبارك لهنّ فيك! قالت: فقام الرجال والنساء وبنى بي رسول الله- ﷺ ولا والله! ما نحرت عليّ من جزور ولا ذبحت من شاة ولكن جفنة كان يبعث بها رسول الله- ﷺ من عند سعد بن عبادة- رضي الله تعالى عنه- إلى رسول الله- ﷺ . روى الشيخان وابن حبان عنها قالت: تزوّجني رسول الله- ﷺ وأنا بنت ستّ سنين فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث من الخزرج فوعكت فتمزّق شعري فوقي جميمة، فأتتني أمّي أمّ رومان وأنا لفي أرجوحة ومعي صواحب لي، لا أدري ما يريد مني حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لألهج وقلت: هه هه حتى ذهب بعض نفسي وأخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم دخلت بي الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن فغسلن رأسي وأصلحن من شأني فلم يرعني

стр. 4958

إلا ورسول الله- ﷺ جالس على سرير في بيتنا فأسلمتني إليه، وبنى بي رسول الله- ﷺ في بيتنا ما نحرت عليّ جزور ولا نحرت عليّ شاة حتى أرسل سعد بن عبادة بجفنة، فكان يرسل فيها إلى رسول الله- ﷺ إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين [ (١) ] . وروى مسلم عنها- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ تزوّجها وهي بنت سبع سنين وزفّت إليه وهي بنت تسع سنين، ولعب معها ومات عندها وهي بنت ثماني عشرة سنة. وروى مسلم والنسائي عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: تزوّجني رسول الله- ﷺ وأنا ابنة سبع، وبني بي وأنا ابنة تسع، وكنت ألعب بالبنات وكن جواري يأتينني فإذا رآني رسول الله- ﷺ ينقمعن منه، وكان النبي- ﷺ يسرّ بهنّ إليّ. وروى ابن سعد عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخل علي رسول الله- ﷺ وأنا ألعب بالبنات، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: خيل سليمان فضحك. وروى ابن أبي خيثمة عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: تزوّجني رسول الله- ﷺ وأنا ابنة ستّ بمكّة وتركني ثلاثا، ثم دخل بي وأنا ابنة تسع بالمدينة مع بناتي يعني اللعب، وصواحباتي جوار صغار، يأتينني، فيطلعن، فإذا رأين رسول الله- ﷺ رجفن، فكان إذا رأى ذلك يجود ثم يسرّ بهن على رسول الله- ﷺ . وروى الشيخان والإمام أحمد وأبو داود، وعبد الرّزّاق، والبخاري في الأدب عنها قالت: كنت ألعب بالبنات فيأتيني صواحباتي، وفي لفظ: عند رسول الله- ﷺ وصواحباتي، «وفي لفظ» كأن لي صواحب يلعبن معي وكان يسرّ بهن إليّ فيلعبن معي بالبنات الصّغار، «وفي لفظ» فكان رسول الله- ﷺ إذا دخل «وفي لفظ» إذا رأى رسول الله- ﷺ يلعبن فيه يسرّ بهن، «وفي لفظ» فكان يسر بهن إليّ، فيلعبن معي، «وفي لفظ» فإذا دخل رسول الله- ﷺ فررن منه فيأخذهن رسول الله- ﷺ فيردهن» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد في مسند أسماء بنت يزيد بن السكن عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- قالت: كنت صاحبة عائشة- رضي الله تعالى عنها- التي هيّأتها وأدخلتها على رسول الله- ﷺ ومعي نسوة قالت: فو الله ما وجدن عنده قرى إلا قدح من لبن، قالت: فشرب منه، ثم ناوله عائشة، فاستحيت الجارية، فقلت: لا تردّي يد رسول الله- ﷺ فأخذته على حياء فشربت ثم قال: ناولي صواحبك فقلن: لا نشتهيه فقال:

стр. 4959

لا تجمعن جوعا وكذبا، قالت فقلت: يا رسول الله، أن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهيه بعد ذلك كذبا، قال: إن الكذب يكتب كذبا، حتى يكتب الكذبية كذيبة. [ (١) ] وروي عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: أهديت إلى رسول الله- ﷺ ولي وفرة. وروى الإمام أحمد، (ومسلم) [ (٢) ] والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو بكر بن أبي خيثمة عنها قالت: تزوّجني رسول الله- ﷺ في شوّال، وبني بي في شوّال فأيّ نسائه كان أحظى عنده منّي! قال أبو عبيدة معمر بن المثنى- رحمه الله تعالى- تزوجها رسول الله- ﷺ قبل الهجرة بسنتين في شوال وهي ابنة ستّ سنين، كانت العرب لا تستحبّ أن تبني بنسائها في شوّال. قال أبو عاصم: إنما كره الناس أن يدخل بالنّساء في شوال لطاعون وقع في شوّال في الزمن الأول. وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عن الزهري قال: لم يتزوج رسول الله- ﷺ بكرا غير عائشة- رضي الله تعالى عنها-. السّابع: في مدّة مقامها مع رسول الله- ﷺ - روى ابن حبان وأبو عمر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: تزوّجني رسول الله- ﷺ وأنا ابنة ست، وأدخلت عليه وأنا ابنة تسع، ومكث- ﷺ عندها تسعا. وروى ابن أبي خيثمة عنها أن رسول الله- ﷺ تزوّجها وهي بنت تسع، ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة. وروي أيضا عنها قالت: تزوجني رسول الله- ﷺ وأنا ابنة سبع أو ستّ، وبني بي وأنا ابنة تسع سنين. وروي أيضا عنها قالت: ملكني رسول الله- ﷺ وأنا ابنة سبع سنين وبنى بي وأنا ابنة تسع سنين، ولقد كنت ألعب في بيته بالبنات. الثامن: في أنها زوجته في الدنيا والآخرة وأنها تحشر معه روى ابن حبان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال لعائشة- رضي الله تعالى عنها- أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة فأنت زوجتي في الدنيا والآخرة [ (٣) ] .

стр. 4960

وروى ابن أبي شيبة عن مسلم البطين، قال: قال رسول الله- ﷺ : «عائشة زوجتي في الجنة» . وروى الترمذي وصححه عن عبد الله بن زياد الأسديّ قال: سمعت عمّارا يقول: هي زوجته في الدنيا والآخرة. وروى ابن حبان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، من أزواجك في الجنة؟ قال: أما إنّك منهنّ. وروى أبو الحسن الخلعيّ عنها قالت: قال رسول الله- ﷺ : يا عائشة، «إنه ليهون عليّ الموت إني قد رأيتك زوجتي في الجنة» ورواه ابن عساكر بلفظ «ما أبالي بالموت، وقد علمت أنك زوجتي في الجنة» . ورواه السلفيّ بلفظ: «يهون عليّ الموت أني رأيت عائشة في الجنة» . وروى الإمام أحمد عنها قالت: قال رسول الله- ﷺ : «لقد رأيت عائشة في الجنة كأني أنظر إلى بياض كفّيها، ليهون بذلك عند موتي» . وروى أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الشّيرازيّ الحنبليّ- رحمه الله تعالى- في كتاب «التبصرة» أن رسول الله- ﷺ قال: «يا عائشة، أنت تحشرين مع أهلك» . التاسع: في أنها أحبّ نسائه إليه- ﷺ - روى الترمذيّ، وصحّحه عن عمرو بن غالب أن رجلا نال من عائشة- رضي الله تعالى عنها- عند عمّار، فقال: اغرب مقبوحا منبوحا، أتؤذي حبيبة رسول الله- ﷺ [ (١) ] . روى أبو داود وابن عساكر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: [ ... ] . ذكر أن حاجب عائشة- رضي الله تعالى عنها- قال: جاء ابن عباس ليستأذن على عائشة فقالت: لا حاجة لي بتزكيته، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: يا أمتاه أن ابن عباس من صالح بيتك جاء يعودك، قالت: فأذن له فدخل عليها فقال: يا أمه أبشري فو الله ما بينك وبين أن تلقي محمدا والأحبة إلا أن يفارق روحك جسدك، كنت أحب نساء رسول الله- ﷺ إليه ولم يكن رسول الله- ﷺ يحب الأطيبا، قالت أيضا؟ قال: هلكت قلادتك بالأبواء فأصبح رسول الله ﷺ يلتقطها فلم يجدوا ماء، فأنزل الله فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء/ ٤٣] فكان ذلك بسببك وبركتك ما أنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخصة وكان من أمر مسطح ما كان فأنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سمواته فليس مسجد يذكر الله فيه إلا وشأنك يتلى فيه آناء الليل وأطراف النهار. فقالت: يا بن عباس دعني منك ومن تزكيتك فو الله

стр. 4961

لوددت أني كنت نسيا منسيا. العاشر: في أنها أحب الناس إليه- ﷺ -. روي عن عمرو بن العاص- رضي الله تعالى عنه- أنه قيل لرسول الله: ﷺ «أيّ الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» ، قيل: فمن الرّجال؟ قال: «أبوها» . وروى الطبراني بإسناد حسن عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: من يا رسول الله أحبّ الناس إليك؟ قال: ولم؟ قالت: لأحبّ ما تحبّ، قال: «عائشة» . وروى أيضا عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- أنها قالت يوم ماتت عائشة: اليوم ماتت أحبّ شخص إلى رسول الله- ﷺ . وروى الدّارقطنيّ في- غرائب مالك- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت لرسول الله- ﷺ كيف حبّك لي؟ قال: «كعقدة الحبل» ، قالت: كيف العقدة؟ قال: على حالها» [ (١) ] . الحادي عشر: في أمره- ﷺ أن تسترقي من العين . روى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أمرني رسول الله- ﷺ أن أسترقي من العين. الثاني عشر: في قسمه لعائشة- رضي الله تعالى عنها- ليلتين ولسائر نسائه ليلة . روى أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن سودة بنت زمعة لما كبرت [وفرقت أن يفارقها رسول الله- ﷺ فقالت: يا رسول الله اجعل يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله منها قالت: نقول في ذلك أنزل الله- وفي أشباهها أراه قال وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً [ (٢) ] [النساء: ١٢٨] . الثالث عشر: في أنه- ﷺ كان يدور على نسائه ويختم بعائشة- رضي الله تعالى عنها -. روى عمر الملا عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- ﷺ إذا صلى العصر دخل على نسائه واحدة واحدة، وكان- ﷺ يختم بي، وكان إذا دخل على وضع ركبته على فخذي، ويديه على عاتقي، ثم ألب فأحنى عليّ.

стр. 4962

الرابع عشر: في حثه- ﷺ على حبها- رضي الله تعالى عنها -. روى أبو يعلى والبزّار بسند حسن قالت: دخل علي رسول الله- ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: سبّتني فاطمة، فقال: يا فاطمة، أسببت عائشة؟ قالت: نعم، يا رسول الله، قال: أليس تحبّين ما أحبّ؟ قالت بلى، قال: وتبغضين ما أبغض؟ قالت بلى! قال: فإني أحب عائشة، فأحبيها، قالت فاطمة: لا أقول لعائشة شيئا يؤذيها أبدا. الخامس عشر: في حثّه إيّاها على انتصارها لنفسها . روى النّسائي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما علمت حتّى دخلت عليّ زينب وهي غضبى، ثم قالت لرسول الله- ﷺ : أحسبك إذا قبلت لك بنت أبي بكر ذريعتيها، ثم أقبلت عليّ فأعرضت عنها حتى قال النبي- ﷺ : «دونك فانتصري» فأقبلت عليها حتى رأيتها قد يبس ريقها في فمها ما تردّ عليّ شيئا فرأيت رسول الله- ﷺ يتهلّل وجهه [ (١) ] . وروى البخاري في الأدب عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «أرسل أزواج النبي- ﷺ فاطمة إلى النبي- ﷺ فاستأذنت والنبي- ﷺ مع عائشة في مرطها فأذن لها، فدخلت، فقالت: إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في بنت أبي قحافة، قال: أي بنيّة: أتحبين ما أحب؟ قالت: بلى! قال: فأحبّي هذه، فقامت فخرجت، فحدّثتهنّ، فقلن: ما أغنيت عنّا شيئا فارجعي إليه، قالت: والله لا أكلّمه فيها أبدا! فأرسلن زينب زوج النبي- ﷺ فاستأذنت فأذن لها، فقالت له ذلك، ووقعت فيّ زينب تسبّني، فطفقت أنظر! هل يأذن لي النبي- ﷺ فلم أزل حتى عرفت أن النبي- ﷺ لا يكره أن أنتصر، فوقعت بزينب فلم أنشب أن أثخنها عليه فتبسم رسول الله- ﷺ وقال: أما إنّها ابنة أبي بكر؟ [ (٢) ] وفي رواية عندها أن رسول الله- ﷺ قال: «دونك فانتصري» . السادس عشر: في تحدي الناس بهدايا هم يوم عائشة- رضي الله تعالى عنها- وأنه لم ينزل قرآن على النبي- ﷺ -. [روى البخاري] عن عائشة ﵂ [أن الناس كانوا يتحدون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بها- أو يبتغون بذلك- مرضاة رسول الله ﷺ ] .

стр. 4963

وروى ابن أبي خيثمة عن رميثة بنت الحارث أن النساء قلن لأم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قولي لرسول الله- ﷺ : إن النساء يقلن: إن النّاس تأتيك بهداياهم يوم عائشة، فقل للناس يهدون إليك حيث ما كنت، فإنا نحبّ الخير كما تحبّه عائشة، فلمّا جاءها رسول الله- ﷺ قالت ذلك له، فأعرض عنها فلمّا ذهب جاءت النّساء إلى أم سلمة، فقلن: ما قال لك رسول الله- ﷺ : فقالت: قد قلت له ذلك فأعرض عني، فقلن لها: عودي فقولي له أيضا، فلمّا دار إليها قالت له مثل ذلك، فقال لها: يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فوالله، ما منكنّ امرأة ينزل الوحي عليّ في لحافها إلا عائشة [ (١) ] . وروى أيضاً بسند جيّد قويّ عن عوف بن الحرث عن [رميثة عن أم سلمة] قوله: فو الله يا أم سلمة، الحديث. وروى أبو عمرو بن السّماك عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: إني لأفخر على أزواج النبي- ﷺ بأربع ابتكرني ولم يبتكر امرأة غيري، ولم ينزل عليه القرآن منذ دخل عليّ إلّا في بيتي، ونزل في عذري قرآن يتلى، وأتاه جبريل بصورتي مرّتين قبل أن يملك عقدي. السابع عشر في دعائه- ﷺ لها . ر وى الطبراني والبزار برجال ثقات وابن حبان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: رأيت رسول الله- ﷺ طيّب النّفس، فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي قال: اللهمّ اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخّر وما أسرّت وما أعلنت فضحكت عائشة- رضي الله تعالى عنها- حتى سقط رأسها في حجره من الضحك، فقال رسول الله- ﷺ أسرّك دعائي؟ فقالت: ما لي لا يسرّني دعاؤك؟ قال: فوالله إنّها لدعوتي لأمّتي في كل صلاة. الثامن عشر: في تقبيله- ﷺ إياها وهو صائم . روي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ كان يقبّلها وهو صائم. وروي أيضا: أن رسول الله- ﷺ كان يقبلها وهو صائم، ويمصّ لسانها، رواه ابن عدي، وقال: قوله (يمصّ لسانها) في هذا [ ... ] . التاسع عشر: في استرضائه- ﷺ عائشة واعتذاره منها في بعض الأحوال والعلامة التي كان رسول الله- ﷺ يستدل بها على غضب عائشة- رضي الله تعالى عنها- ورضاها ومتابعته- ﷺ لهواها . روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء أبو بكر يستأذن

стр. 4964

على النبي- ﷺ فسمع عائشة وهي رافعة صوتها على رسول الله- ﷺ فأذن له فدخل فقال: يا ابنة أم رومان وتناولها، أترفعين صوتك على رسول الله- ﷺ قال فحال النبي- ﷺ بينه وبينها، قال: فلما خرج أبو بكر جعل النبي ﷺ يقول لها ... يترضاها: ألا ترين أني قد حلت بين الرجل وبينك، قال: ثم جاء أبو بكر فاستأذن عليه فوجده يضاحكها قال: فأذن له فدخل، فقال له أبو بكر: يا رسول الله أشركاني سلمكما كما أشركتماني في حربكما. وروى ابن عساكر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنه كان بينها وبين رسول الله- ﷺ كلام، فقال لها: من ترضين بيني وبينك؟ أترضين بعمر بن الخطاب؟ قالت: لا، عمر فظّ غليظ، قال- ﷺ : «أترضين بأبيك بيني وبينك؟ قالت: نعم، فبعث إليه رسول الله- ﷺ فقال: إن هذه من أمرها كذا ومن أمرها كذا قالت: فقلت: اتق الله، ولا تقل إلا حقّا! قالت: فرفع أبو بكر يده فرشم أنفي، وقال: أنت لا أمّ لك يا بنة أمّ رومان تقولين الحق أنت وأبوك ولا يقوله رسول الله- ﷺ فابتذر منخري كأنهما عزلاوان فقال رسول الله- ﷺ : إنّ لم ندعك لهذا! قالت: ثم قام إلى جريدة في البيت فجعل يضربني بها، فولّيت هاربة منه فلزقت برسول الله- ﷺ فقال- ﷺ أقسمت عليك لما خرجت فإنّا لم ندعك لهذا، فلمّا خرج قمت فتنحّيت عن رسول الله- ﷺ ، فقال: ادني فأبيت أن أفعل فتبسم رسول الله- ﷺ وقال لها: لقد كنت من قبل شديدة اللّصوق لي بظهري. وروى مسلم والنسائي والدّارقطنيّ عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال لي رسول الله- ﷺ : إنّي لأعلم إذا كنت عليّ راضية، وإذا كنت عليّ غاضبة! فقلت: بم تعلم يا رسول الله، قال: إذا كنت عني راضية، قلت: لا وربّ محمّد، وإذا كنت عليّ غضبي قلت: لا وربّ إبراهيم، قلت: صدقت يا رسول الله، ما أهجر إلّا اسمك. العشرون: في مسابقته- ﷺ لها- رضي الله تعالى عنها- في سفر وتخصيصه إياها بالمسامرة (في البيت) وفي السفر وانتظاره إياها حتى انقضت عمرتها وقوله- ﷺ لما فقدها في السّفر: وا عويشاه! روى الحميدي وابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي بأسانيد صحيح رجالها عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنها كانت مع رسول الله- ﷺ في سفره فقال: تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقته، فلمّا حملت اللّحم، سابقته فسبقني فقال: يا عائشة، «هذه بتلك» [ (١) ] .

стр. 4965

وروى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: مزح رسول الله- ﷺ روي عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: أقبلنا مهلين بالحج وأقبلت عائشة- رضي الله تعالى عنها- مهلة بعمرة حتى إذا كنا بسرف [عركت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة وبالصفا والمروة فأمرنا رسول الله- ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: حلّ ماذا، قال: الحل كله فواقعنا النساء وتطيبنا ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال ثم أهللنا يوم التروية ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة فوجدها تبكي فقال: ما شأنك، فقالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهليّ بالحج، ففعلت، ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة، ثم قال: قد طللت من حجتك وعمرتك جميعا فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي، أني لم أطف بالبيت حتى حجيت قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة] [ (١) ] . الباب العشرون: في كونه- ﷺ لم يتزوج بكرا غيرها روى البخاري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قلت: يا رسول الله، أرأيت [لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرا لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: في التي لم يرتع منها. يعني أن رسول الله ﷺ لم يتزوج بكرا غيرها] . الحادي والعشرون: في إقراره- ﷺ في بيت عائشة- رضي الله تعالى عنها- وقيامه لها حتى تنظر إلى لعب الحبشة . روى الترمذي والنسائي وابن عديّ والإسماعيليّ، وغيرهم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- ﷺ جالسا فسمعنا لغطا وصوت صبيان [ (٢) ] ، وفي رواية: خرج النّساء والصّبيان فقام رسول الله- ﷺ فإذا صبيان الحبشة ترقص، وفي لفظ: يلعبون بحرابهم في المسجد، والصبيان حولها، فقال: يا عائشة، تعالي فانظري، وعند النّسائيّ: يا حميراء، أتحبّين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم، فوضعت خدّي على منكب رسول الله- ﷺ وهو يسترني بردائه فجعلت انظر إليهم ما بين المنكب إلى الرأس، فقالت: فجعل يقول لي: يا عائشة، أما شبعت، أما شبعت، وفي لفظ حسبك! قلت: يا رسول الله، لا تعجل، فقام لي، ثم قال: حسبك! قلت: لا تعجل، يا رسول الله، إنّي أحبّ النّظر إليهم وفي لفظ: أحبّ النظر

стр. 4966

إليهم، ولكنّي أحببت أن يبلغ النّساء مقامه لي ومكاني منه، وفي لفظ فأقول: لا: لأنظر منزلتي عنده، ولقد رأيته يراوح بين قدميه إذا طلع عمر فارفضّ الناس عنها والصبيان، فقال رسول الله- ﷺ : إني لأنظر إلى شياطين الأنس والجن قد فرّوا من عمر، وقال رسول الله- ﷺ : لا تلبث أن تصرع فصرعت في الناس فأخبروا بذلك. روى البرقاني عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخل علي رسول الله- ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر، فانتهرني، وقال: مزمارة الشّيطان، عند رسول الله- ﷺ فأقبل عليه رسول الله- ﷺ فقال: دعها فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وقالت: كان يوم عيد يلعب السّودان بالدّرق والحراب، فلما سألت رسول الله- ﷺ قال: أتشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة، حتى إذا مللت قال: حسبك قلت: نعم. الثاني والعشرون: في ابتدائه- ﷺ حين أنزلت عليه آية التخيير بها وحسن جوابها . روى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن الله- أنزل الخيار فبدأ بعائشة، وقال: إني ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تأتي أبويك، قالت: ما هو؟ فتلا رسول الله- ﷺ قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا [الأحزاب ٢٨] الآية فقالت: أفيك استأمر أبوي بل أختار الله ورسوله. الحديث. وقد ذكر مطوّلا في الخصائص. الثالث والعشرون: في اختياره- ﷺ الإقامة عندها أيام مرضه- ﷺ واجتماع ريقه وريقها واختصاصها بمباشرة خدمته . روى الإمام أحمد في مسنده عن عائشة ﵂ قالت: لما مرض رسول الله- ﷺ في بيت ميمونة، فاستأذن نساءه أن يمرض في بيتي فأذنّ له، فخرج رسول الله- ﷺ معتمدا على العباس، وعلى رجل آخر ورجلاه تخطان في الأرض. وقال عبيد الله فقال ابن عباس: أتدري من ذلك الرجل؟ هو علي بن أبي طالب، ولكن عائشة لا تطيب لها نفسا، قال الزهري فقال النبي- ﷺ وهو في بيت ميمونة لعبد الله بن زمعة: مر النّاس فليصلّوا فلقي عمر بن الخطاب، فقال: يا عمر صل بالناس، فصلى بهم فسمع رسول الله- ﷺ صوته فعرفه، وكان جهير الصوت فقال رسول الله- ﷺ : أليس هذا صوت عمر؟ قالوا: بلى قال: يأبى الله- ذلك، والمؤمنون مروا أبا بكر، فليصلّ بالناس قالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق لا يملك دمعه، وأنه إذا قرأ القرآن بكى

стр. 4967

قال: وما قلت ذلك إلا كراهية أن يتأثم الناس بأبي بكر، أن يكون أول من قام مقام رسول الله ﷺ فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فراجعته فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فراجعته فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس إنّكنّ صواحب يوسف. الرابع والعشرون: في قوله- ﷺ لمن دعاه إلى الطعام وهذه معي . روى مسلم والبرقاني عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا فارسيّا كان جارا للنبي- ﷺ فصنع طعاما ثم دعا رسول الله- ﷺ وعائشة إلى جنبه، فأشار إليه أن تعال، فقال: وهذه معي، لعائشة! فقال: لا، ثم أشار إليه، فقال رسول الله- ﷺ وهذه معي! فقال: لا، فأشار إليه الثالثة، فقال النبي- ﷺ وأشار إلى عائشة: وهذه معي! قال: نعم. الخامس والعشرون: في فضل عائشة- رضي الله تعالى عنها- على النساء، وشهادة أم سلمة وصفية- رضي الله تعالى عنهما- بتفضيل النبي- ﷺ عائشة عليهن . وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد والبخاريّ، ومسلم، والترمذي والنسائي، وابن ماجة عن أنس، والإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها-، والطبراني برجال الصحيح عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه- والطبراني بإسناد حسن عن فروة بن أبي إياس، والطبراني برجال الصحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «إن فضل عائشة على النّساء كفضل الثريد على سائر الطعام» . وروى أبو طاهر المخلص عن الشّعبيّ والطبراني بإسناد حسن عن عمرو بن الحارث ابن المصطلق قال: أرسل وفي لفظ: بعث زياد بن سميّة مع عمرو بن الحارث بهدايا وأموال إلى أمهات المؤمنين، وأرسل إلى أم سلمة وصفيّة يعتذر إليهما لفضل عائشة فقالتا: لئن فضلها لقد كان أشدّ علينا تفضيلا من هذه تفضيلها وفي لفظ: ففضّل عائشة ثمّ جعل الرسول يعتذر إلى أم سلمة، فقالت: يعتذر إليها زياد، فقد كان يفضّلها من هو كان أعظم علينا تفضيلا من زياد، رسول الله- ﷺ . السادس والعشرون: في رؤيتها- رضي الله تعالى عنها- جبريل- ﷺ وسلامه عليها . وروى الإمام أحمد وابن الجوزي في- الصفوة- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- (خاصين) [ (١) ] عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: بينا رسول الله- ﷺ قائم يصلى في

стр. 4968

بيت عائشة إذا قالت عائشة: رأيت رجلا عليه كذا وكذا، ولا أدري من هو، قالت: فأخبرت رسول الله- ﷺ فلبس النبي- ﷺ ثيابه وخرج إليه، فإذا هو جبريل- ﵊ فقال: إنّا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تماثيل، فدخل رسول الله- ﷺ فأخذ الكلب فرمى به، ودخل عليه جبريل. وروى ابن أبي خيثمة [ (١) ] عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن النبي- ﷺ قال لها: إن جبريل- ﵇ يقرأ عليك السلام، قالت عائشة: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته. وروى الطبراني عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخلت علي عائشة- رضي الله تعالى عنها- فقلت: أين رسول الله- ﷺ ؟ فقلت: في البيت يوحى إليه ثم مكثت ما شاء الله أن أمكث، ثم سمعت رسول الله- ﷺ بعد يقول: هذا جبريل يقرأ عليك السلام. السابع والعشرون: فيما ظهر من بركتها- رضي الله تعالى عنها- بتوسعة الله على الأمة برخصة التيمم . روى عن ابن أبي مليكة. قال: استأذن ابن عباس على عائشة فقالت: لا حاجة لي بتزكيته، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: يا أمتاه أن ابن عباس من صالح بيتك جاء يعودك، قالت: فأذن له فدخل عليها فقال: يا أمه أبشري فو الله ما بينك وبين أن تلقي محمدا والأحبة إلا أن يفارق روحك جسدك، كنت أحب نساء رسول الله- ﷺ إليه ولم يكن رسول الله ﷺ يحب الأطيبا، قالت أيضا؟ قال: هلكت قلادتك بالأبواء فأصبح رسول الله ﷺ يلتقطها فلم يجدوا ماء، فأنزل الله فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء/ ٤٣] فكان ذلك بسببك وبركتك ما أنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخصة، وكان من أمر مسطح ما كان فأنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سمواته فليس مسجد يذكر الله فيه إلا وشأنك يتلى فيه آناء الليل وأطراف النهار. فقالت: يا بن عباس دعني منك ومن تزكيتك فو الله لوددت أني كنت نسيا. منسيا. الثامن والعشرون: في نزول براءتها من السماء وقد ذكرت ذلك مبسوطا في الحوادث، قال في (زاد المعاد) : واتفقت الأمة على كفر قاذفها. التاسع والعشرون: في اختصاصها بعشر خصال لم يشاركها فيها امرأة من نسائه- ﷺ - روى ابن سعد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: فضّلت على

стр. 4969

نساء النبي- ﷺ بعشر، قيل: وما هن يا أم المؤمنين؟ قالت: لم ينكح النبيّ بكرا قطّ غيري، ولم ينكح امرأة أبواها مؤمنان مهاجران غيري، وأنزل الله براءتي من السماء، وجاء جبريل بصورتي من السماء في حريرة وقال: تزوّجها، فإنّها امرأتك، وكنت أغتسل أنا وهو في إناء واحد، ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي، ولم يكن ينزل عليه الوحي وهو مع أحد من نسائه غيري، وقبض الله تعالى نفسه وهو بين سحري ونحري، ومات في الليلة التي كان يدور على فيها، ودفن في بيتي [ (١) ] . وروى أيضا عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: أعطيت خصالا ما أعطيتها امرأة: ملكني رسول الله- ﷺ وأنا بنت سبع سنين، وأتاه الملك بصورتي في كفّه فنظر إليها، وبنى بي لتسع سنين، ورأيت جبريل ولم تره امرأة غيري، وكنت أحبّ نسائه إليه، وأبي أحبّ أصحابه إليه، ومرض ﷺ فمرّضته، وقبض ولم يشهده غيري والملائكة. وروى الوزير نظام الملك- رحمه الله تعالى- في أماليه عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: أعطيت عشر خصال لم تعطهن ذات خمار قبلي: صوّرت لرسول الله- ﷺ قبل أن أصوّر في رحم أمّي، وتزوجني بكرا، ولم يتزوج بكرا غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو بين سحري ونحري، ونزلت براءتي من السماء، وكنت أحب الناس إليه، وخيّر وهو بين حاقنتي وذاقنتي، وتوفيّ في يومي، ودفن في بيتي، كذا في هذه الرواية عشرا ولم يذكر منها إلا ثماني خصال [ (٢) ] . وروى أبو يعلى عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: لقد أعطيت سبقا لم تعطهنّ إلا مريم بنت عمران، لقد نزل جبريل بصورتي في راحته، ولقد تزوّجني بكرا، ولم يتزوّج بكرا غيري، ولقد قبض ورأسه في حجري، ولقد قبرته وهو في بيتي، ولقد صفّت الملائكة بيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه، وهو في أهله فيتفرّقون عنه، وإن كان الوحي ينزل عليه، وإنّي لمعه في لحافه، وإنّي لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزّل عذري من السّماء، ولقد خلقت طيّبة وعند طيّب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما [ (٣) ] . وروى الطبراني برجال الصحيح وابن أبي شيبة عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: خصال فيّ سبع وفي لفظ: خصال فيّ لم تكن في أحد من النساء إلا ما أتى الله مريم بنت

стр. 4970

عمران، والله ما أقول هذا فخرا، وفي لفظ، إني لا أفتخر على أحد من صواحبي! فقال لها عبد الله بن صفوان: وما هنّ يا أم المؤمنين؟ قالت: نزل الملك بصورتي، وتزوّجني رسول الله- ﷺ لسبع سنين، وأهديت إليه لتسع سنين، وتزوّجني بكرا، ولم يشركه في أحد من الناس، وكان الوحي يأتيه وأنا وهو في لحاف واحد، وكنت أحب الناس إليه وبنت أحب الناس إليه، ونزل آيات من القرآن، وقد كادت الأمة تهلك فيّ، ورأيت جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري، وقبض في بيتي ولم يره أحد غيري وغير الملك. الثلاثون: في سعة علمها- رضي الله تعالى عنها- وكونها أفقه الناس مطلقا: روى الترمذي وحسنه وصححه وابن أبي خيثمة عن أبي موسى الأشعري- رضي الله تعالى عنهم- ما أشكل علينا أصحاب رسول الله- ﷺ حديث قطّ فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما [ (١) ] . وروى ابن أبي خيثمة والطبراني برجال ثقات عن الزهري- رحمه الله تعالى- أن رسول الله- ﷺ قال-: «لو جمع علم نساء هذه الأمة فيهن أزواج رسول الله- ﷺ كان علم عائشة أكثر من علمهن» . وروى سعيد بن منصور وابن أبي خيثمة والطبراني بسند حسن عن مسروق- رحمه الله تعالى- أنه كان يحلف بالله، لقد رأيت الأكابر من أصحاب رسول الله- ﷺ وفي لفظ مشيخة أصحاب رسول الله- ﷺ يسألون عائشة عن الفرائض. وروى ابن أبي خيثمة، والحاكم، والطبراني بسند حسن وأبو عمرو بن عساكر عن عروة بن الزبير قال: ما رأيت أحدا أعلم بالقرآن ولا بفريضة ولا بحلال ولا بحرام ولا بفقه، ولا بطبّ، ولا بشعر، ولا بحديث العرب ولا بنسب من عائشة- رضي الله تعالى عنها-[ (٢) ] . وروى الطبراني برجال الصحيح عن موسى بن طلحة، قال: ما رأيت أحدا كان أفصح من عائشة- رضي الله تعالى عنها- وروى الطبراني عن معاوية قال: والله، ما رأيت خطيبا قط أبلغ ولا أفصح، ولا أفطن من عائشة. وروي عن عروة، وقد قيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله وكان أروى الناس للشعر! فقال: ما روايتي في رواية عائشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا.

стр. 4971

وروى الإمام أحمد عنه أنه كان يقول لعائشة: يا أمتاه لا أعجب من فهمك، أقول: زوجة رسول الله- ﷺ وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر، وأيام الناس، أقول ابنة أبي بكر، وكان أعلم أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطّبّ كيف هو؟ وأين هو؟ قال: فضربت على منكبه، وقالت: أي عريّة، أن رسول الله- ﷺ كان يسقم وفي لفظ كثرت أسقامه عند آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه وفي لفظ: فكانت أطباء العرب والعجم ينعتون له، وكنت أعالجها فمن ثمّ [ (١) ] . وروى الحاكم وأبو فرج بن الجوزيّ عن الزهري قال: لو جمع علم النّاس كلهم وعلم أزواج رسول الله- ﷺ لكانت عائشة أوسعهم علما وفي لفظ: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع الناس وجميع أمهات المؤمنين، لكان علم عائشة أفضل. وروى الإمام أحمد في- الزّهد- والحاكم عن الأحنف بن قيس قال: سمعت خطبة أبي بكر وعمر وعثمان، وعليّ، والخلفاء وهلمّ جرّا فما سمعت منهم كلام مخلوق أفحم ولا أحسن منه من في عائشة. وروى الحاكم، وابن أبي خيثمة والبلاذريّ عن عطاء بن رباح قال: كانت عائشة أفقه النّاس، وأعلم، وأحسن النّاس رأيا في العامّة. وروى ابن أبي خيثمة عن سفيان بن عيينة قال: قال معاوية بن أبي سفيان: يا زياد أيّ الناس أعلم؟ قال: أنت يا أمير المؤمنين، قال: أعزم عليك. قال: أمّا إذا عزمت عليّ فعائشة. وروى البلاذري عن قبيصة بن ذؤيب، قال: كانت عائشة أعلم الناس من نسائها والأكابر من أصحاب رسول الله- ﷺ وروى أيضا عن القاسم بن محمد، قال: كانت عائشة- رضي الله تعالى عنها- قد اشتغلت بالفتوى زمن أبي بكر وعمر وعثمان وهلمّ جرّا إلى أن ماتت. وروي لها عن رسول الله- ﷺ ألف حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثا، وانفرد البخاريّ بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وسبعين، وروى عنها خلق كثير من الصحابة، والتابعين- رضوان الله تعالى عليهم أجمعين-. الحادي والثلاثون: في إنكارها على ابن عمر وإقراره إياها: [روى مسلم عن] عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة [عائشة. وإنا لنسمع ضربها بالسّواك تستن. قال فقلت: يا أبا عبد الرحمن! اعتمر النبي ﷺ في رجب؟

стр. 4972

قال: نعم. فقلت لعائشة: أيّ أمّتاه! ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول: اعتمر النبي ﷺ في رجب] فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن لعمري ما اعتمر في رجب] . [وما اعتمر من عمرة إلّا وإنّه لمعه قال: وابن عمر يسمع. فما قال: لا، ولا نعم. سكت] . الثاني والثلاثون: في زهدها، وكرمها، وصدقها، وعتقها، بريرة . [روى أبو نعيم عن عروة] عن ابن المنكدر عن أم ذرة [وكانت تغشى عائشة- قالت: بعث إليها بمال في غرارتين، قالت: أراه ثمانين أو مائة ألف، فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة فجلست تقسم بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهم. فلما أمست قالت: يا جارية هلمي فطري، فجاءتها بخبز وزيت فقالت لها أم ذرة: أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشتري لنا لحما بدرهم نفطر عليه. قالت: لا تعنفيني لو كنت ذكرتيني لفعلت] [ (١) ] . روى البخاري عن عائشة ﵂ أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق، وأراد مواليها أن يشترطوا ولاءها، فذكرت عائشة للنبي ﷺ فقال لها النبي- ﷺ : اشتريها، فإنما الولاء لمن أعتق وأتي النبي ﷺ بلحم، فقلت: هذا ما تصدّق به على بريرة، فقال: هو لها صدقة ولنا هدية] [ (٢) ] . الثالث والثلاثون: في خوفها وورعها وتعبدها وحيائها- رضي الله تعالى عنها -. روى أبو نعيم عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن ابن أبي مليكة قال: استأذن ابن عباس على عائشة [فقالت: لا حاجة لي بتزكيته، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: يا أمتاه أن ابن عباس من صالح بيتك جاء يعودك، قالت: فأذن له فدخل عليها فقال: يا أمه أبشري فو الله ما بينك وبين أن تلقي محمدا والأحبة إلا أن يفارق روحك جسدك، كنت أحب نساء رسول الله ﷺ إليه ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيبا، قالت أيضا؟ قال: هلكت قلادتك بالأبواء فأصبح رسول الله ﷺ يلتقطها فلم يجدوا ماء، فأنزل الله فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء ٤٣] فكان ذلك بسببك وبركتك ما أنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخصة وكان من أمر مسطح ما كان فأنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سمواته فليس مسجد يذكر الله فيه إلا وشأنك يتلى في آناء الليل وأطراف النهار. فقالت: يا ابن عباس دعني منك ومن تزكيتك فو الله لوددت أني كنت نسيا منسيا. وروي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله- ﷺ وإني واضعة ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي، وأبي، فلمّا دفن عمر، والله ما

стр. 4973

دخلته إلا مشدودة على ثيابي حياء من عمر. الرابع والثلاثون: في غيرتها روى أبو يعلى، وأبو الشيخ وابن حبان بسند جيد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان متاعي فيه خفّ، وكان على جمل ناج، وكان متاع صفيّة فيه ثقل، وكان على جمل ثقال بطيء يتبطّأ بالركب، فقال رسول الله- ﷺ : «حوّلوا متاع عائشة على جمل صفيّة، وحوّلوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الرّكب» . قالت عائشة: فلما رأيت ذلك، قلت: يا لعباد الله، غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله- ﷺ فقال رسول الله- ﷺ : «يا أمّ عبد الله، إن متاعك فيه خفّ، وكان متاع صفية فيه ثقل فأبطأ بالرّكب فحوّلنا متاعها على بعيرك، وحوّلنا متاعك على بعيرها» فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله، فتبسم رسول الله- ﷺ فقال: «أو في هذا شكّ يا أم عبد الله؟ قالت: فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله؟ فهلّا عدّلت. فسمعني أبو بكر وكان فيه غرب أي حدّة فأقبل علي فلطم وجهي، فقال رسول الله- ﷺ «مهلاً يا أبا بكر» ، فقال: يا رسول الله أما سمعت ما قالت: فقال رسول الله- ﷺ : «إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه» [ (١) ] . الخامس والثلاثون: في وفاتها- رضي الله تعالى عنها- وأين دفنت . كانت وفاتها في رمضان ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت منه على الصحيح عند الأكثرين سنة ثمان وخمسين، رواه ابن أبي خيثمة عن عيينة وجزم به المدائنيّ. وروى أيضا عن هشام بن عروة سنة سبع وخمسين. وصلّى عليها أبو هريرة- رضي الله تعالى عنه- خليفة مروان بالمدينة، وحجّ مروان واستخلفه ودفنت بالبقيع. وروى ابن أبي خيثمة عن عروة بن الزبير عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت له: إذا أنا متّ فادفّنّي مع صواحبي بالبقيع، وكان في بيتها موضع، قالت: لا أراني به أبدا. تنبيهان: الأول: في رواية من الصحيح «وبنى بي، وأنا بنت ستّ» ، ويجمع بينهما بأنها كانت أكملت السادسة، ودخلت في السابعة تقريبا. الثاني: في بيان غريب ما سبق: الحرف: جلد يتشقق ويلبسه البنات الصغار كالإزار وتسميه العرب اليوم الوتر والسدرة. الأرجوحة: [حبل يشدّ طرفاه في موضع عال ثم يركبه الإنسان ويحرك وهو فيه] .

стр. 4974

جميمة: [تصغير جمّة من شعر الرأس وهي ما سقط على المنكبين] . لألهج: [لألهث] . هه هه: [ ... ] . ينضمعن: [أي تغيبن ودخلن في بيت أي من وراء سر] . يسرّ بهنّ: [أي يبعثهن أو يرسلهن فيلعبن معي] . ما نحرت من جزور: [ما ذبحت من ناقة] . الوفرة: [شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن] . نال منه: [ ... ] . منبوحا: [المشتوم] . اغرب: [ابعد] . منبوحا: بميم فنون فموحدة فواو فحاء مهملة منسويا والمنبوح المشتوم وأصله من نباح الكلب وهو صياحه يقال: نبحتني كلابك أي لحقني سبابك إلا في صلاته لعلها أرادت من خديجة. المنكب [ ... ] أكبّ [ ... ] فأحنى [ ... ] ريقها [ ... ] يتهلّل: [استنار وظهرت عليه علامات السرور] . المرط: كساء النساء وهو من الصوف وخزّ وغيره. طفقت [ ... ] . أنشب: لم يلبث أن فعل كذا. اللّحاف: [ ... ] . ابتدر في [ ... ] . سحري: الرّئة، وقيل ما لصق بالحلقوم من أعلى البطن. المزمارة: [ ... ] . غمرتها: [غفلتها] . بني أرفده: [ ... ] . مللت: [ ... ] . التماثيل: [ ... ] . لطم وجهي: [ ... ] . بطيء: [ ... ] . اللّفظ: [ ... ] . انتهرني: [ ... ] .

стр. 4975

الباب الرابع في بعض مناقب أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنهما - وفيه أنواع: الأول: في مولدها ونسبها ، ولدت وقريش تبني الكعبة قبل مبعث النبي- ﷺ بخمس سنين، وتقدّم نسب أبيها، وأمّها زينب بنت مظعون. الثاني: فيمن كانت تحته وتزوّج النبي- ﷺ إياها- رضي الله تعالى عنها -. كانت تحت خنيس بخاء معجمة مضمومة فنون مفتوحة، فتحتيّة، ساكنة فسين مهملة ابن حذافة، بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة، وبعد الألف فاء، السّهمي وكان ممّن شهد بدرا فهاجر بها إلى المدينة فمات بها من جراحات أصابته ببدر، وقيل: بل أحد، ورجح كل مرجحون، والأول أشهر، فتزوجها رسول الله- ﷺ في شعبان على رأس ثلاثين شهرا من مهاجرة على القول الأول، وبعد أحد على القول الثاني. وروى الإمام أحمد والشيخان والنسائي عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: تألّمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السّهميّ، وكان من أصحاب رسول الله- ﷺ قد شهد بدرا فتوفّي بالمدينة، قال عمر: فلقيت عثمان فعرضت عليه حفصة، وقلت: إن شئت أنكحتك حفصة ابنة عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج في يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة ابنة عمر، فصمت أبو بكر، فلم يرجع إليّ شيئا، فكنت أوجد عليه منّي على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله- ﷺ فأنكحتها إيّاه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدتّ عليّ حين عرضت عليّ حفصة، فلم أرجع إليك شيئا؟، فقلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلّا أنّي كنت علمت أن رسول الله- ﷺ قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله- ﷺ ولو تركها رسول الله- ﷺ لقبلتها [ (١) ] . وروى ابن سعد عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: لما توفي خنيس بن حذافة عرضت حفصة على عثمان، فأعرض عني، فذكرت للنبي- ﷺ فقلت: يا رسول الله، لا تعجب من عثمان، إنّي عرضت عليه حفصة، فأعرض عني فقال رسول الله- ﷺ : قد زوج الله تعالى عثمان خيرا من ابنتك، وزوّج ابنتك خيرا من عثمان، قال: وكان عمر قد عرض
следующие страницы →