← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

وروى الإمام أحمد عنه أنه كان يقول لعائشة: يا أمتاه لا أعجب من فهمك، أقول: زوجة رسول الله- ﷺ وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر، وأيام الناس، أقول ابنة أبي بكر، وكان أعلم أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطّبّ كيف هو؟ وأين هو؟ قال: فضربت على منكبه، وقالت: أي عريّة، أن رسول الله- ﷺ كان يسقم وفي لفظ كثرت أسقامه عند آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه وفي لفظ: فكانت أطباء العرب والعجم ينعتون له، وكنت أعالجها فمن ثمّ [ (١) ] . وروى الحاكم وأبو فرج بن الجوزيّ عن الزهري قال: لو جمع علم النّاس كلهم وعلم أزواج رسول الله- ﷺ لكانت عائشة أوسعهم علما وفي لفظ: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع الناس وجميع أمهات المؤمنين، لكان علم عائشة أفضل. وروى الإمام أحمد في- الزّهد- والحاكم عن الأحنف بن قيس قال: سمعت خطبة أبي بكر وعمر وعثمان، وعليّ، والخلفاء وهلمّ جرّا فما سمعت منهم كلام مخلوق أفحم ولا أحسن منه من في عائشة. وروى الحاكم، وابن أبي خيثمة والبلاذريّ عن عطاء بن رباح قال: كانت عائشة أفقه النّاس، وأعلم، وأحسن النّاس رأيا في العامّة. وروى ابن أبي خيثمة عن سفيان بن عيينة قال: قال معاوية بن أبي سفيان: يا زياد أيّ الناس أعلم؟ قال: أنت يا أمير المؤمنين، قال: أعزم عليك. قال: أمّا إذا عزمت عليّ فعائشة. وروى البلاذري عن قبيصة بن ذؤيب، قال: كانت عائشة أعلم الناس من نسائها والأكابر من أصحاب رسول الله- ﷺ وروى أيضا عن القاسم بن محمد، قال: كانت عائشة- رضي الله تعالى عنها- قد اشتغلت بالفتوى زمن أبي بكر وعمر وعثمان وهلمّ جرّا إلى أن ماتت. وروي لها عن رسول الله- ﷺ ألف حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثا، وانفرد البخاريّ بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وسبعين، وروى عنها خلق كثير من الصحابة، والتابعين- رضوان الله تعالى عليهم أجمعين-. الحادي والثلاثون: في إنكارها على ابن عمر وإقراره إياها: [روى مسلم عن] عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة [عائشة. وإنا لنسمع ضربها بالسّواك تستن. قال فقلت: يا أبا عبد الرحمن! اعتمر النبي ﷺ في رجب؟

стр. 4972

قال: نعم. فقلت لعائشة: أيّ أمّتاه! ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول: اعتمر النبي ﷺ في رجب] فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن لعمري ما اعتمر في رجب] . [وما اعتمر من عمرة إلّا وإنّه لمعه قال: وابن عمر يسمع. فما قال: لا، ولا نعم. سكت] . الثاني والثلاثون: في زهدها، وكرمها، وصدقها، وعتقها، بريرة . [روى أبو نعيم عن عروة] عن ابن المنكدر عن أم ذرة [وكانت تغشى عائشة- قالت: بعث إليها بمال في غرارتين، قالت: أراه ثمانين أو مائة ألف، فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة فجلست تقسم بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهم. فلما أمست قالت: يا جارية هلمي فطري، فجاءتها بخبز وزيت فقالت لها أم ذرة: أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشتري لنا لحما بدرهم نفطر عليه. قالت: لا تعنفيني لو كنت ذكرتيني لفعلت] [ (١) ] . روى البخاري عن عائشة ﵂ أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق، وأراد مواليها أن يشترطوا ولاءها، فذكرت عائشة للنبي ﷺ فقال لها النبي- ﷺ : اشتريها، فإنما الولاء لمن أعتق وأتي النبي ﷺ بلحم، فقلت: هذا ما تصدّق به على بريرة، فقال: هو لها صدقة ولنا هدية] [ (٢) ] . الثالث والثلاثون: في خوفها وورعها وتعبدها وحيائها- رضي الله تعالى عنها -. روى أبو نعيم عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن ابن أبي مليكة قال: استأذن ابن عباس على عائشة [فقالت: لا حاجة لي بتزكيته، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: يا أمتاه أن ابن عباس من صالح بيتك جاء يعودك، قالت: فأذن له فدخل عليها فقال: يا أمه أبشري فو الله ما بينك وبين أن تلقي محمدا والأحبة إلا أن يفارق روحك جسدك، كنت أحب نساء رسول الله ﷺ إليه ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيبا، قالت أيضا؟ قال: هلكت قلادتك بالأبواء فأصبح رسول الله ﷺ يلتقطها فلم يجدوا ماء، فأنزل الله فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء ٤٣] فكان ذلك بسببك وبركتك ما أنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخصة وكان من أمر مسطح ما كان فأنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سمواته فليس مسجد يذكر الله فيه إلا وشأنك يتلى في آناء الليل وأطراف النهار. فقالت: يا ابن عباس دعني منك ومن تزكيتك فو الله لوددت أني كنت نسيا منسيا. وروي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله- ﷺ وإني واضعة ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي، وأبي، فلمّا دفن عمر، والله ما

стр. 4973

دخلته إلا مشدودة على ثيابي حياء من عمر. الرابع والثلاثون: في غيرتها روى أبو يعلى، وأبو الشيخ وابن حبان بسند جيد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان متاعي فيه خفّ، وكان على جمل ناج، وكان متاع صفيّة فيه ثقل، وكان على جمل ثقال بطيء يتبطّأ بالركب، فقال رسول الله- ﷺ : «حوّلوا متاع عائشة على جمل صفيّة، وحوّلوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الرّكب» . قالت عائشة: فلما رأيت ذلك، قلت: يا لعباد الله، غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله- ﷺ فقال رسول الله- ﷺ : «يا أمّ عبد الله، إن متاعك فيه خفّ، وكان متاع صفية فيه ثقل فأبطأ بالرّكب فحوّلنا متاعها على بعيرك، وحوّلنا متاعك على بعيرها» فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله، فتبسم رسول الله- ﷺ فقال: «أو في هذا شكّ يا أم عبد الله؟ قالت: فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله؟ فهلّا عدّلت. فسمعني أبو بكر وكان فيه غرب أي حدّة فأقبل علي فلطم وجهي، فقال رسول الله- ﷺ «مهلاً يا أبا بكر» ، فقال: يا رسول الله أما سمعت ما قالت: فقال رسول الله- ﷺ : «إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه» [ (١) ] . الخامس والثلاثون: في وفاتها- رضي الله تعالى عنها- وأين دفنت . كانت وفاتها في رمضان ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت منه على الصحيح عند الأكثرين سنة ثمان وخمسين، رواه ابن أبي خيثمة عن عيينة وجزم به المدائنيّ. وروى أيضا عن هشام بن عروة سنة سبع وخمسين. وصلّى عليها أبو هريرة- رضي الله تعالى عنه- خليفة مروان بالمدينة، وحجّ مروان واستخلفه ودفنت بالبقيع. وروى ابن أبي خيثمة عن عروة بن الزبير عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت له: إذا أنا متّ فادفّنّي مع صواحبي بالبقيع، وكان في بيتها موضع، قالت: لا أراني به أبدا. تنبيهان: الأول: في رواية من الصحيح «وبنى بي، وأنا بنت ستّ» ، ويجمع بينهما بأنها كانت أكملت السادسة، ودخلت في السابعة تقريبا. الثاني: في بيان غريب ما سبق: الحرف: جلد يتشقق ويلبسه البنات الصغار كالإزار وتسميه العرب اليوم الوتر والسدرة. الأرجوحة: [حبل يشدّ طرفاه في موضع عال ثم يركبه الإنسان ويحرك وهو فيه] .

стр. 4974

جميمة: [تصغير جمّة من شعر الرأس وهي ما سقط على المنكبين] . لألهج: [لألهث] . هه هه: [ ... ] . ينضمعن: [أي تغيبن ودخلن في بيت أي من وراء سر] . يسرّ بهنّ: [أي يبعثهن أو يرسلهن فيلعبن معي] . ما نحرت من جزور: [ما ذبحت من ناقة] . الوفرة: [شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن] . نال منه: [ ... ] . منبوحا: [المشتوم] . اغرب: [ابعد] . منبوحا: بميم فنون فموحدة فواو فحاء مهملة منسويا والمنبوح المشتوم وأصله من نباح الكلب وهو صياحه يقال: نبحتني كلابك أي لحقني سبابك إلا في صلاته لعلها أرادت من خديجة. المنكب [ ... ] أكبّ [ ... ] فأحنى [ ... ] ريقها [ ... ] يتهلّل: [استنار وظهرت عليه علامات السرور] . المرط: كساء النساء وهو من الصوف وخزّ وغيره. طفقت [ ... ] . أنشب: لم يلبث أن فعل كذا. اللّحاف: [ ... ] . ابتدر في [ ... ] . سحري: الرّئة، وقيل ما لصق بالحلقوم من أعلى البطن. المزمارة: [ ... ] . غمرتها: [غفلتها] . بني أرفده: [ ... ] . مللت: [ ... ] . التماثيل: [ ... ] . لطم وجهي: [ ... ] . بطيء: [ ... ] . اللّفظ: [ ... ] . انتهرني: [ ... ] .

стр. 4975

الباب الرابع في بعض مناقب أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنهما - وفيه أنواع: الأول: في مولدها ونسبها ، ولدت وقريش تبني الكعبة قبل مبعث النبي- ﷺ بخمس سنين، وتقدّم نسب أبيها، وأمّها زينب بنت مظعون. الثاني: فيمن كانت تحته وتزوّج النبي- ﷺ إياها- رضي الله تعالى عنها -. كانت تحت خنيس بخاء معجمة مضمومة فنون مفتوحة، فتحتيّة، ساكنة فسين مهملة ابن حذافة، بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة، وبعد الألف فاء، السّهمي وكان ممّن شهد بدرا فهاجر بها إلى المدينة فمات بها من جراحات أصابته ببدر، وقيل: بل أحد، ورجح كل مرجحون، والأول أشهر، فتزوجها رسول الله- ﷺ في شعبان على رأس ثلاثين شهرا من مهاجرة على القول الأول، وبعد أحد على القول الثاني. وروى الإمام أحمد والشيخان والنسائي عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: تألّمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السّهميّ، وكان من أصحاب رسول الله- ﷺ قد شهد بدرا فتوفّي بالمدينة، قال عمر: فلقيت عثمان فعرضت عليه حفصة، وقلت: إن شئت أنكحتك حفصة ابنة عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج في يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة ابنة عمر، فصمت أبو بكر، فلم يرجع إليّ شيئا، فكنت أوجد عليه منّي على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله- ﷺ فأنكحتها إيّاه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدتّ عليّ حين عرضت عليّ حفصة، فلم أرجع إليك شيئا؟، فقلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلّا أنّي كنت علمت أن رسول الله- ﷺ قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله- ﷺ ولو تركها رسول الله- ﷺ لقبلتها [ (١) ] . وروى ابن سعد عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: لما توفي خنيس بن حذافة عرضت حفصة على عثمان، فأعرض عني، فذكرت للنبي- ﷺ فقلت: يا رسول الله، لا تعجب من عثمان، إنّي عرضت عليه حفصة، فأعرض عني فقال رسول الله- ﷺ : قد زوج الله تعالى عثمان خيرا من ابنتك، وزوّج ابنتك خيرا من عثمان، قال: وكان عمر قد عرض

стр. 4976

حفصة على عثمان في متوفى رقية بنت رسول الله- ﷺ وكان عثمان يريد يومئذ أم كلثوم بنت رسول الله- ﷺ فأعرض عثمان عن عمر لذلك، فتزوّج رسول الله- ﷺ حفصة، وزوج أمّ كلثوم من عثمان. وروى ابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: تزوّجها رسول الله- ﷺ سنة اثنتين من الهجرة بالمدينة. وروى أيضا عن الزهري- رحمه الله تعالى- قال: أخبرني رجل من بني سهم من أهل المدينة أن رسول الله- ﷺ تزوجها سنة ثلاث. الثالث: في أمر الله- ﵎ نبيه- ﷺ بمراجعتها لمّا طلّقها، وقال: إنّها زوجتك في الجنة . وروى أبو داود والنسائي، وابن ماجة عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ طلّق حفصة ثم راجعها. وروى أبو بكر بن أبي خيثمة، والطبراني برجال الصحيح عن قيس بن زيد أن رسول الله- ﷺ طلّق حفصة بنت عمر- رضي الله تعالى عنهما- فدخل عليها خالاها (حذافة) [ (١) ] وعثمان ابنا مظعون، فبكت، وقالت: والله، ما طلّقني عن شبع، فجاء رسول الله- ﷺ فتجلببت فقال لي: قال لي جبريل: راجع حفصة، فإنها صوّامة قوّامة وإنّها زوجتك في الجنة. وروى ابن أبي خيثمة أيضاً عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن النبي- ﷺ طلّق حفصة تطليقة فأتاه جبريل- ﷺ فقال: يا محمد، طلّقت حفصة وهي صوّامة قوّامة، وهي زوجتك في الجنة! وروى [أبو نعيم] [ (١) ] عن عقبه بن عامر- رضي الله تعالى عنه قال: طلّق رسول الله- ﷺ حفصة فبلغ ذلك عمر فحثا على رأسه التّراب وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته وبعدها نزل جبريل على النبي- ﷺ من الغد، وقال: أن الله تعالى يأمرك أن تراجع حفصة رحمة بعمر ثم أراد أن يطلّقها ثانية، فقال له جبريل. لا تطلّقها، فإنّها صوّامة قوّامة. الرابع: في استظهارها بتحريم مارية . [روى الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً [التحريم ٣] قال: دخلت حفصة على النبي- ﷺ في بيتها، وهو يطأ مارية فقال لها رسول الله- ﷺ : «لا تخبري عائشة حتى أبشرك بشارة فإن أباك يلي الأمر بعد أبي

стр. 4977

بكر إذا أنا متّ، فذهبت حفصة فأخبرت عائشة، فقالت عائشة للنبي- ﷺ : من أنبأك هذا قال: نبأني العليم الخبير فقالت عائشة: لا انظر إليك حتّى تحرّم مارية فحرمها فأنزل الله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ [التحريم ١] . الخامس: في قول عائشة- رضي الله تعالى عنها- إنها ابنة أبيها تنبيها على فضلها . [روى أبو داود والبيهقي عن الزهري قال: بلغني أن عائشة وحفصة ﵄ أصبحتا صائمتين متطوعتين فاهدي لهما طعام فأفطرتا عليه فدخل عليهما النبي- ﷺ قالت عائشة: فقالت حفصة فبدرتني بالكلام وكانت ابنة أبيها يا رسول الله إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين وأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه فقال رسول الله- ﷺ اقضيا مكانه يوما آخر] . السادس: فيمن شهد بدرا من أهلها . شهد من أهلها بدرا: أبوها عمر- رضي الله تعالى عنه- وعمّها زيد، وزوجها خنيس، وأخوالها عثمان، وعبد الله، وقدامة بنو مظعون والسائب بن عثمان بن مظعون ابن خالها. السابع: في وفاتها- رضي الله تعالى عنها - توفّيت في شعبان سنة خمس وأربعين بالمدينة وصلّى عليها مروان بن الحكم أمير المدينة وحمل سريرها بعض الطريق، ثم حمله أبو هريرة إلى قبرها، ونزل في قبرها عبد الله وعاصم ابنا عمر، وسالم، وعبد الله، وحمزة بنو عبد الله بن عمر، وقد بلغت ستين سنة، وقيل: ماتت سنة إحدى وأربعين. رواه أبو بكر بن أبي خيثمة وقيل: ماتت لما بايع الحسن معاوية وذلك في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين فأوصت إلى عبد الله أخيها بما أوصى إليها عمر، وتصدقت بمال وقفته بالغابة، وروي لها عن رسول الله- ﷺ ستون حديثا. بيان غريب ما سبق . الغابة: [موضع قريب من المدينة] .

стр. 4978

الباب الخامس في بعض فضائل أم المؤمنين أم سلمة- رضي الله تعالى عنها - وفيه أنواع: الأول: في نسبها واسمها . تقدم نسب أبيها، وأمّها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن جذيمة بن علقمة بن فراس ومن قال: عاتكة بنت عبد المطلّب، فجعلها بنت عمة رسول الله- ﷺ فقد أخطأ، وإنما هي بنت زوجها، وأخواها عبد الله، وزهير ابنا عمة رسول الله- ﷺ واسمها هند، وقيل: رملة، والأوّل أصحّ. الثاني: في هجرتها مع زوجها أبي سلمة بن (عبد الأسد) - رضي الله تعالى عنهما- إلى الحبشة وهجرتها إلى المدينة . هاجرت، هي وزوجها إلى الحبشة الهجرتين وهما أول من هاجر إلى الحبشة، قال ابن أبي خيثمة: حدثنا نصر بن المغيرة، قال: قال سفيان: أوّل مهاجرة من النساء أمّ سلمة. وروى عن مصعب بن عبد الله قال: أوّل ظعينة دخلت المدينة مهاجرة أمّ سلمة. ويقال: بل ليلى بنت خيثمة زوج عامر بن ربيعة. الثالث: في تزويج النبي- ﷺ بها . كانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد وأمّه عمة رسول الله- ﷺ برة بنت عمه أبي طالب فولدت لأبي سلمة، سلمة وعمر، ورقيّة، وزينب، ومات أبو سلمة- رضي الله تعالى عنه- سنة أربع وشهد بدرا وأحدا ورمي بها بسهم في عضده فمكث شهرا يداويه، ثم برأ الجرح، وبعثه رسول الله- ﷺ في هلال المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجره، وبعث معه مائة وخمسين رجلا إلى قطن- وهو جبل- فغاب تسعا وعشرين ليلة ثم رجع إلى المدينة فانتقض جرحه، فمات منه لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة أربع، فاعتدّت امّ سلمة، وحملت لعشرين بقين من شوّال المذكور سنة أربع، فتزوجها رسول الله- ﷺ في ليالي بقين من شوال المذكور، ولو لم يكن من فضلها إلا شورها على رسول الله- ﷺ بالحلق في قصة الحديبية لمّا امتنع منه أكثر الصحابة لكفاها. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو عمر: تزوّجها رسول الله- ﷺ بعد وقعة بدر في شوال سنة اثنتين، وليس بشيء، لأنّ أبا عمر قال في وفاة أبي سلمة: إنها في جمادى الآخرة سنة ثلاث وهو لم يتزوجها إلا بعد انقضاء عدتها من وفاة أبي سلمة. وروي عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: سمعت رسول الله- ﷺ يقول:

стр. 4979

«ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول: ما أمر الله ﵎ [إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها] [ (١) ] . وروى أحمد بن منيع وأبو يعلى برجال ثقات عن عمرو بن أبي سلمة [ (٢) ] ، والإمام الشافعي- رحمه الله تعالى ورضي عنه- والإمام أحمد ومسلم وابن أبي خيثمة عن أم سلمة والحارث من طريق آخر عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام- رضي الله تعالى عنهم- أن أبا سلمة جاء إلى أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- فقالت: سمعت من رسول الله- ﷺ شيئا هو أعجب إليّ من كذا وكذا، لا أدري ما أعدل به، سمعت رسول الله- ﷺ يقول: لا يصيب أحدا مصيبة فيسترجع عند ذلك، ثم يقول: اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها وأبدلني بها خيرا منها، فلما مات أبو سلمة قلتها وأبدلني خيرا منها: أقول: ومن خير من أبي سلمة، فلم أزل حتى قلتها، فلما انقضت عدّتها أرسل أبو بكر يخطبها فأبت، فأرسل إليها عمر يخطبها فأبت، قالت: فأرسل إليها رسول الله- ﷺ يخطبها، فقالت: مرحبا برسول الله- ﷺ إن في خلالي ثلاثا أخافهنّ على رسول الله- ﷺ إني امرأة شديدة الغيرة وإني امرأة مصبية يعني: لها صبيان، وفي رواية: إني ذات عيال، وإني امرأة ليس هاهنا أحد من أوليائي شاهد يزوّجني، وفي حديث أبي بكر بن عبد الرحمن، فقالت: ما مثلي ينكح، أما أنا، فلا ولد في، وأنا غيور، وذات عيال فسمع عمر بما ردّت به على رسول الله- ﷺ فغضب لرسول الله- ﷺ أشدّ ما غضب لنفسه حين ردته فلقيها فقال: أنت التي تردين رسول الله- ﷺ قالت: يا ابن الخطاب إن فيّ كذا وكذا، فأقبل رسول الله- ﷺ إليها فقال: أما ما ذكرت أنك غيرى فسأدعو الله- يذهب غيرتك وأما ما ذكرت أنك مصيبة فإن الله سيكفيك صبيانك، وفي رواية: وأما العيال فإلى الله ورسوله وأما أنه ليس ههنا أحد من أوليائك يزوجك فإنه ليس أحد شاهد ولا غائب من أوليائك يكرهني، وفي حديث أبي بكر في لفظ: «فإنه ليس أحد منهم شاهد ولا حاضر يسترضاني وأنا أكبر منه فقالت لابنها عمر: زوجني رسول الله- ﷺ قال: فزوجه إياها فقال رسول الله- ﷺ أما إني لم أنقصك مما أعطيت أختك فلانة، قال ثابت لابن أم سلمة: ما كان أعطى فلانة؟ قال: أعطاها درهمين تجعل منهما صاحبتها ورحلتين ووسادة حشوها ليف ثم انصرف عنها ثم أتاها الثانية وهي ترضع زينب فلما رأته مقبلا جعلت الصبية في حجرها. فسلم ثم رجع فأتاها أيضا الثالثة فلما رأته جعلت الصبية في حجرها قالت: وكان

стр. 4980

رسول الله- ﷺ حييا كريما، فرجع، قال عمر: فجاء عمار بن ياسر حتى انتزعها من حجرها وفي لفظ: «ففطن لذلك عمار بن ياسر وكان أخاها لأمها فانتشط زينب من حجرها فقال: هاتي وفي لفظ: دعي عنك هذه المسقوحة التي منعت رسول الله- ﷺ ثم أتاها رسول الله- ﷺ فجعل يقلب بصره في البيت فلم ير الصبية في حجرها وكان اسمها زينب، فقال: أين زناب، فقالت: جاء عمار فأخذها وفي حديث أبي بكر فقال النبي- ﷺ : «تجداني أتيتكم الليلة» ، قالت: فوضعت ثقالي وأخرجت حبات من شعير كانت في جرن، وأخذت شحما فعضدت به فبات ثم أصبح فقال حين أصبح: «إن لك على أهلك كرامة إن شئت أن أسبع لك سبعت للنساء» . قال عمر: فكانت في النساء كأنها ليست منهن لا تجد من الغيرة شيئا. وروى الطبراني برجال الصحيح عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ أتاها فلفّ رادئها وجعله على أسكفة الباب واتّكل عليه، وقال: هل لك يا أم سلمة؟ قالت: إني امرأة شديدة الغيرة، وأخاف أن يبدو للنبي- ﷺ ما يكره، فانصرف، ثم عاد فقال: هل يا أم سلمة؟ إذا كان لك الزيادة في صداقك، زدناك، فعادت لقولها، فقالت: أمّ سلمة: يا أمّ عبد، تدرين ما يتحدث به نساء قريش، يقلن: إنما ردّت محمدا، لأنها شابة من قريش أحدث منه سنّا، وأكثر منه مالا، فأتت رسول الله- ﷺ فتزوّجها. وروى ابن سعد عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت لأبي سلمة: ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة وهي من أهل الجنة، ثم لم تتزوّج بعده إلّا جمع الله تعالى بينهما في الجنة، وكذلك إذا ماتت المرأة وبقي الرجل بعدها، فتعال أعاهدك ألا تتزوّج بعدي ولا أتزوّج بعدك، قال: أتطيعيني، قلت: ما استأمرتك إلا وأنا أريد أن أطيعك قال: فإذا أنا مت فتزوجي، ثم قال: اللهم ارزق أمّ سلمة بعدي رجلا خيرا مني حتى لا يحزنها ولا يؤذيها، قالت: فلما مات قلت: من هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة، فلبثت ما لبثت، فجاء رسول الله- ﷺ فقام على الباب فذكر نحو ما سبق [ (١) ] . الرابع: في دخولها فيما سأله رسول الله- ﷺ لأهل بيته . روى الإمام أحمد والدولابيّ عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أغدف رسول الله- ﷺ على عليّ وفاطمة والحسن، والحسين- رضي الله تعالى عنهم-: خميصة سوداء، ثم قال: اللهم إليك لا إلى النار، أنا وأهل بيتي قالت: قلت: وأنا يا رسول الله؟ قال: وأنت [ (٢) ] ،

стр. 4981

وروى أبو الحسين الخلعيّ عن عمرو بن شعيب أنه دخل على زينب بنت أبي سلمة فحدّثته أن رسول الله- ﷺ كان عند أم سلمة، فجعل حسنا وحسينا في شقّ وفاطمة في حجرها، وقال: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنّه حميد مجيد، وأنا وأمّ سلمة جالستان، فبكت أم سلمة، فقال: ما يبكيك؟ قالت: يا رسول الله، خصصتهم، وتركتني وابنتي! فقال رسول الله- ﷺ : «إنك من أهل البيت» . الخامس: في ابتدائه ﷺ بها إذا دار على نسائه، وتخصيصه أم سلمة من دون غيرها في بعض الأحوال- رضي الله تعالى عنهن - روى عمر الملاء، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- ﷺ إذا صلى العصر دخل على نسائه واحدة واحدة، يبدأ بأم سلمة لأنها أكبرهنّ، وكان رسول الله- ﷺ يختم بي. وروى الإمام أحمد عن موسى بن عقبة عن أمه عن أم كلثوم، قالت: لمّا تزوج رسول الله- ﷺ أم سلمة، قال لها: يا أم سلمة، إني قد أهديت إلى النجاشيّ حلّة وأوقية مسك، ولا أرى النجاشيّ إلا قد مات ولا أرى هديّتي إلا مردودة فهي لك. فكان كما قال رسول الله- ﷺ وردّت عليه هديّته فأعطى كلّ واحدة من نسائه أوقية وأعطى أمّ سلمة المسك والحلّة. السادس: في مبايعتها، ومحافظتها على دينها وبرها- رضي الله تعالى عنها -. روى مسلم عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما مات أبو سلمة قلت: غريب بأرض غربة لأبكينّه بكاء يتحدث عنه. فكنت قد تهيأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني فاستقبلها رسول الله- ﷺ وقال: «أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتا أخرجه الله منه» مرتين. فكففت عن البكاء فلم أبك. وروى أيضا عنها ﵂ قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أشدّ ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة، فقال رسول الله- ﷺ : لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي عليك الماء فتطهري. وروى الشيخان عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، هل لي أجر في بني أبي سلمة، أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا وهكذا، إنما هم بنيّ، فقال- ﷺ : نعم، لك أجر ما أنفقت عليهم [ (١) ] .

стр. 4982

السابع: في جزالة رأيها في قصة الحديبية . روى الإمام أحمد والشيخان عن المسوّر ابن مخرمة، ومروان بن الحكم، قالا: أن رسول الله- ﷺ صالح أهل مكة، وكتب كتاب الصلح بينه وبينهم فلما فرغ قال للناس: قوموا فانحروا، ثم احلقوا قالا: فو الله ما قام منهم رجل، حتى قالها ثلاثا! فلما لم يقم أحد، ولا تكلّم أحد منهم قالت: لن يقوموا حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج ففعل ذلك، فلما رأوا ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا. وتقدم مبسوطا في غزوة الحديبية. الثامن: في وفاتها- رضي الله تعالى عنها -. قال ابن أبي خيثمة- رحمه الله تعالى- توفّيت أمّ سلمة في ولاية يزيد بن معاوية سنة إحدى وستين على الصحيح، واستخلف يزيد سنة ستين بعد ما جاء خبر الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنهما- عليهم، ولها أربع وثمانون سنة على الصواب. وروى الطبراني برجال ثقات عن الهيثم بن عدي- رحمه الله تعالى- قال: أول من مات من أزواج النبي- ﷺ زينب بنت جحش، وآخر من مات منهنّ أمّ سلمة زمن يزيد بن معاويّة سنة اثنتين وستين. التاسع: في ولدها- رضي الله تعالى عنها - كان لها ثلاثة أولاد: سلمة أكبرهم، وعمر، وزينب أصغرهم ربّوا في حجر النبي- ﷺ واختلف الرواة فيمن زوّجها من النبي- ﷺ فروى الإمام أحمد والنسائي أنه عمر، وقيل سلمة أبو عمر، وعليه الأكثر، وزوجه- ﷺ أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب، عاش في خلافة عبد الملك بن مروان، ولم تحفظ له رواية، وأما عمر- رضي الله تعالى عنه- فله رواية وتوفّي رسول الله- ﷺ وله تسع سنين، وكان مولده بالحبشة، في السنة الثانية من الهجرة، واستعمله علي- رضي الله تعالى عنها- على فارس، والبحرين، وتوفّي بالمدينة سنة ثلاث وثمانين في خلافة عبد الملك. وأما زينب فولدت بأرض الحبشة وكان اسمها (برة) فسمّاها رسول الله- ﷺ زينب، دخلت على رسول الله- ﷺ وهو يغتسل فنضح في وجهها الماء فلم يزل ماء الشّباب في وجهها- رضي الله تعالى عنها- حتى كبرت وعجزت. روى الطبرانيّ عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: كانت أمّي إذا دخل رسول الله- ﷺ يغتسل تقول أمي: اذهبي فادخلي، قالت: فدخلت، فنضح في وجهي بالماء، وقال: ارجعي، وقال العطاف: قالت أمي: فرأيت وجه زينب وهي عجوز كبيرة ما نقص من وجهها شيء. وتزوّجها عبد الله بن زمعة بن الأسود الأسديّ وولدت له، وكانت من أفقه أهل زمانها.

стр. 4983

تنبيه في بيان غريب ما سبق: الظّعينة: [ ... ] . العضد: [ما بين المرفق إلى الكتف] . قطن: بفتح القاف والطاء المهملة، اسم جبل أو ماء. المسقوحة: [المكسورة المبعدة] . كفّة الباب [ ... ] . أغدف: بغين فدال ففاء، أرسل وغطا، ومنه غداف المرأة، وهي ما تستر به وجهها. الخميصة: ثوب أسود من صوف أو خزّ والله أعلم.

стр. 4984

الباب السادس في بعض فضائل أم المؤمنين أم حبيبة بفتح الحاء المهملة بنت أبي سفيان بن صخر بن حرب القرشيّة الأمويّة- رضي الله تعالى عنها- وفيه أنواع: الأول: في نسبها واسمها . تقدم نسب أبيها، وأمها صفية بنت أبي العاص عمّة عثمان بن عفان، قال ابن أبي خيثمة: أخبرنا مصعب بن عبد الله أن اسمها رملة، بفتح الراء وهو المشهور، ويقال: هند. الثاني: في تزويج النبي- ﷺ لها . ويوم هجرتها إلى الحبشة، كانت قبل رسول الله- ﷺ عند عبيد الله بن جحش، وولدت له حبيبة وبها كانت تكنى، وهاجر بها إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم تنصّر هناك، ومات عنها على النصرانية، وبقيت أم حبيبة- رضي الله تعالى عنها- على دين الإسلام وأبى الله لأمّ حبيبة ألّا تتنصّر، فأتم الله تعالى- الإسلام والهجرة وتزوّجها رسول الله- ﷺ فبعث عمرو بن أمية الضّمريّ إلى النجاشي فزوّجه إيّاها والذي عقد عليها خالد بن سعيد بن العاص وأصدقها النجاشي عن رسول الله- ﷺ أربعمائة دينار على خلاف محكي في الصّداق، والعاقد، وبعثها مع شرجيل بن حسنة وجهّزها من عنده، كل ذلك في سنة تسع، وقيل: كان الصّداق مائتي دينار، وقيل: أربعة آلاف درهم، والأوّل النّسب، وروى ابن سعد عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأمويّ، قال: قالت أم حبيبة- رضي الله تعالى عنها-: رأيت في النّوم كأنّ زوجي عبيد الله بن جحش بأسوأ صورة فأصبحت، فإذا به قد تنصّر، فأخبرته بالمنام، فلم يحفل وأكب على الخمر حتّى مات فأتاني آت في النوم، فقال: يا أم المؤمنين، ففزعت فما هو إلا أن انقضت عدّتي فما شعرت إلّا برسول النّجاشيّ يستأذن، فذكر [ (١) ] لأم حبيبة خطبة رسول الله- ﷺ إيّاها من النّجاشي وروى الطبراني بسند حسن عن الزهري- رحمه الله تعالى- قال: تزوّج رسول الله- ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة وأنكح رسول الله- ﷺ رقية ﵂ عثمان بن عفان- رضي الله تعالى عنه- من أجل أن أم حبيبة، أمّها صفية بنت أبي العاص، وصفيّة عمة عثمان أخت عفّان لأبيه وأمّه، وقدم بأمّ حبيبة على رسول الله- ﷺ شرحبيل بن حسنة [ (٢) ] .

стр. 4985

وروى ابن أبي خيثمة في تاريخه عن مصعب بن عبد الله الزبيريّ، قال: تزوّج رسول الله- ﷺ أمّ حبيبة، زوّجه إيّاها النّجاشي، فقيل لأبي سفيان يومئذ وهو مشرك (يحارب رسول الله- ﷺ ) [ (١) ] : إن محمدا قد نكح ابنتك، قال: ذاك الفحل لا يقرع أنفه، قال: ودخل أبو سفيان على ابنته أمّ حبيبة فسمع تمازح النبي- ﷺ وهو يقول: ما هو إلا أن تركتك فتركتك به العرب، ورسول الله- ﷺ يضحك وهو يقول: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة!. وروى أيضا عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: تزوّجها رسول الله- ﷺ سنة ستّ. وروى أيضا عن الزّهريّ، قال: زعموا أن رسول الله- ﷺ كتب إلى النجاشي، فزوّجه إيّاها وساق عنه أربعين أوقيّة [ (٢) ] . وروي أيضا عنه، عن عروة، عن أمّ حبيبة أنها كانت عند عبيد الله بن جحش وكان رحل إلى النجاشي فمات، وأن رسول الله- ﷺ تزوّج بأمّ حبيبة وهي بأرض الحبشة زوّجها إيّاه النّجاشي، ومهرها أربعة آلاف درهم، وبعث بها مع شرحبيل ومهرها من عنده، وما بعث إليه رسول الله- ﷺ شيئا. وروى ابن الجوزيّ في الصفوة عن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم كأن عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهها. ففزعت فقلت: تغيّرت والله حاله. فإذا هو يقول حين أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدّين فلم أر دينا خيرا من النصرانية، وكنت قد دنت بها ثم دخلت في دين محمد، ثم رجعت في النصرانية. فقلت: والله ما خير لك. وأخبرته بالرؤيا التي رأيتها فلم يحفل بها وأكبّ على الخمر حتى مات: فأرى في النوم كأن آتيا يقول: يا أم المؤمنين ففزعت فأوّلتها أن رسول الله- ﷺ يتزوجني. قالت: فما هو إلا أن قد انقضت عدّتي فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن. فإذا جارية له يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت عليّ فقالت: إن الملك يقول لك أن رسول الله- ﷺ كتب إلى أن أزوّجه فقالت: بشّرك الله بخير. قالت: يقول لك الملك وكلّي من يزوّجك. فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته وأعطت أبرهة سوارين من فضة وخدمتين

стр. 4986

كانتا في رجليها وخواتيم فضة كانت في أصابع رجليها سرورا بما بشّرتها. فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السّلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأنه الذي بشّر به عيسى ابن مريم- ﷺ . أما بعد: فإن رسول الله- ﷺ كتب إليّ أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله- ﷺ وقد أصدقتها أربعمائة دينار. ثم سكب الدنانير بين يدي القوم فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستنصره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون- أما بعد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله- ﷺ وزوّجته أم حبيبة بنت أبي سفيان فبارك الله لرسول الله ﷺ . ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها. ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج. فدعا بطعام وأكلوا ثم تفرقوا. قالت أم حبيبة: فلما وصل إليّ المال أرسلت إلى أبرهة التي بشرتني فقلت لها: إني كنت أعطيتك ما أعطيتك يومئذ ولا مال بيدي فهذه خمسون مثقالا فخذيها فاستعيني بها. فأبت وأخرجت حقّا فيه كل ما كنت أعطيتها فردّته عليّ وقالت: عزم عليّ الملك أن لا أرزأك شيئا وأنا التي أقوم على ثيابه ودهنه وقد اتبعت دين محمد رسول الله- ﷺ وأسلمت لله وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر. قالت: فلما كان الغد جاءتني بعود وورس وعنبر وزباد كثير فقدمت بذلك كله على رسول الله- ﷺ فكان يراه علي وعندي فلا ينكره. ثم قالت أبرهة: فحاجتي إليك أن تقرئي على رسول الله- ﷺ مني السلام وتعلميه أني قد اتّبعت دينه. قالت: ثم لطفت بي وكانت التي جهّزتني، وكانت كلما دخلت عليّ تقول: لا تنسي حاجتي إليك. قالت: فلما قدمت على رسول الله- ﷺ أخبرته كيف كانت الخطبة وما فعلت بي أبرهة فتبسم وأقرأته منها السلام فقال: وعليها السلام ورحمة الله وبركاته. الثالث: في طيّها فراش رسول الله- ﷺ - لئلا يجلس عليه أبوها، حال شركه. روى (ابن الجوزي) [ (١) ] في صفة الصفوة عن الزهري قال: لما قدم أبو سفيان بن حرب

стр. 4987

المدينة جاء إلى رسول الله- ﷺ وهو يريد غزو مكة فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل عليه رسول الله ﷺ فقام ودخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش النبي- ﷺ طوته دونه فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه، فقالت: بل هو فراش رسول الله- ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك. فقال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر. الرابع: فيما نزل بسبب زواج أم حبيبة- رضي الله تعالى عنها- من القرآن . قال الله- : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [الممتحنة ٧] . الخامس: في وفاة أم حبيبة- رضي الله تعالى عنها - روى أبو عمر وابن الجوزيّ [....] قال أبو بكر بن أبي خيثمة: توفّيت أمّ حبيبة قبل موت معاوية بسنة، سنة أربع وأربعين، ويقال: سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة خمس وخمسين، قال البلاذري: والأول أثبت. تنبيهات: الأوّل: اختلف فيمن زوّجها فروي عن سعيد بن العاص، وروي عن عثمان بن عفان وليس بصواب، لأنّ عثمان كان مقدمه من الحبشة قبل وقعة بدر، وهي ابنة عمّته، وقال البيهقيّ: إنّ الذي زوّجها خالد بن سعيد بن العاص- رضي الله تعالى عنه- وهو ابن عمّ أبيها، لأن العاص بن أميّة عم أبي سفيان بن حرب بن أمية، وروى النجاشيّ ويحتمل أن يكون النجاشي هو الخاطب، والعاقد إما عثمان أو خالد بن سعيد بن العاص على ما تضمّنه الحديث السّابق، وقيل: عقد عليها النجاشي وكان قد أسلم، وقيل: إنّما تزوّجها رسول الله- ﷺ عند مرجعها من الحبشة، والأوّل أثبت من ذلك كله. وروي أن رسول الله- ﷺ بعث عمر بن أمية الضمري إلى النّجاشي ليخطبها عليه فزوّجه إيّاها، وأصدقها أربعمائة دينار، وبعث بها مع شرحبيل ابن حسنة- رضي الله تعالى عنه- فجاءه- ﷺ بها، فيحتمل أنه- ﷺ بعث عمرا للخطبة، وشرحبيل لحملها إليه، وكان ذلك في سنة سبع من الهجرة، وكان أبوها حال نكاحها بمكة مشركا محاربا لرسول الله- ﷺ . الثاني: روى ابن حبان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: هاجر عبيد الله بن جحش بأمّ حبيبة بنت أبي سفيان وهي امرأته إلى أرض الحبشة، فلما قدم أرض الحبشة مرض، فلمّا حضرته الوفاة أوصى إلى رسول الله- ﷺ ، فتزوّج رسول الله- ﷺ أمّ حبيبة،

стр. 4988

وبعث معها النجاشي شرحبيل بن حسنة- رضي الله تعالى عنه- وفي هذا إشكالان أحدهما: في الإسم، فإن المشهور أنه عبيد الله بالتصغير، كما تقدّم ذكره وأنه تنصّر. ثانيهما: أن عبيد الله ثبت على إسلامه حتّى استشهد بأحد- رضي الله تعالى عنه-. الثالث: روى مسلم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما-[قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه. فقال للنبي ﷺ : يا نبيّ الله! ثلاث أعطنيهنّ. قال «نعم» قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها. قال «نعم» قال: ومعاوية، تجعله كاتبا بين يديك. قال «نعم» . قال: وتؤمّرني حتّى أقاتل الكفّار، كما كنت أقاتل المسلمين. قال «نعم» . قال أبو زميل: ولولا أنّه طلب ذلك من النبي ﷺ ، ما أعطاه ذلك. لأنه لم يكن يسأل شيئاً إلا قال «نعم» ] . الرابع: في بيان غريب ما سبق: أكبّ: [أقبل عليه وشغل به] . ما شعرت [ ... ] . لا يقرع أنفه [أي أنه كفء كريم لا يرد] .

стр. 4989

الباب السابع في بعض فضائل أم المؤمنين سودة بنت زمعة- رضي الله تعالى عنها - وفيه أنواع الأول: في نسبها . تقدم نسب أبيها، وأمّها الشّموس بنت قيس بن عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النّجّار بنت أخي سلمى بنت عمرو بن زيد أم عبد المطلب. الثاني: في تزويج النبي- ﷺ إياها: أسلمت قديما وبايعت . كانت قبل رسول الله- ﷺ تحت ابن عمّ لها يقال له: السّكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ أخي سهيل بن عامر بن لؤيّ، وشمر وسهل، وسليط، وحاطب، ولكلّ صحبة، ابن عمرو، وأسلم معها- رضي الله تعالى عنهما- وهاجرا إلى الحبشة في الهجرة الثّانية، فلما قدما مكّة مات زوجها، وقيل مات بأرض الحبشة، فلمّا حلّت خطبها رسول الله- ﷺ بعد العقد على عائشة- رضي الله تعالى عنها- ثمّ تزوّجها رسول الله- ﷺ في السّنة العاشرة أو (الثامنة) [ (١) ] من النّبوّة، ودخل بها بمكّة بعد موت خديجة- رضي الله تعالى عنها-، قال ابن كثير: والصحيح أن عائشة عقد عليها قبل سودة، ولم يدخل بعائشة إلا في السنة الثانية من الهجرة، وأما سودة فإنّه دخل بها بمكّة، وسبقه إلى ذلك أبو نعيم وجزم به الجمهور، ومنهم قتادة، وأبو عبيدة معمر بن المثنى والزّهريّ في رواية عقيل، وقال عبد الله محمد بن محمد بن عقيل: تزوّجها رسول الله- ﷺ بعد عائشة. وروي القولان عن ابن شهاب، وقال يونس بن يزيد عنه: أن رسول الله- ﷺ تزوج سودة بالمدينة، قلت: وهي رواية شاذّة وقع فيها وهم، والصحيح: أنّها عائشة لا سودة كما تقدّم، وتقدّم في مناقب عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون- رضي الله تعالى عنه وعنها- أشارت على رسول الله- ﷺ : بزواجها فقال رسول الله- ﷺ فاذكريها عليّ فذهبت إلى سودة وأبيها فقلت: ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة، فقالت: وما ذاك؟ قالت: أن رسول الله- ﷺ أرسلني إليك لأخطبك عليه، قالت: وددتّ ذلك ولكن ادخلي على أبي، واذكري له ذلك، وكان شيخا كبيرا قد أدركته السن، فحييته بتحية أهل الجاهليّة، فقلت: أنعم صباحك، فقال: ومن أنت؟ فقلت: خولة

стр. 4990

فرحّب بي، وقال ما شاء الله أن يقول. قالت: فقلت: أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يذكر ابنتك، قال: هو كفء كريم، فما تقول صاحبتك؟ قلت: تحب ذاك، قال: قولي له فليأت، قالت: فجاء رسول الله- ﷺ فملكها وقدم عبد الله بن زمعة فوجد أخته قد تزوّجها رسول الله- ﷺ فحثا التراب على رأسه، فلما أسلم، قال: إنّي لسفيه يوم أحثو التّراب على رأسي أن تزوج رسول الله- ﷺ أختي. رواه الطبراني برجال ثقات والإمام أحمد عن عائشة بسند جيّد وعمر الملّا وروى ابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت سودة بنت زمعة تحت السّكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو قرأت في المنام كأن النبي- ﷺ أقبل يمشي حتّى وطئ عنقها، فأخبرت زوجها بذلك، فقال لئن صدقت رؤياك لأموتنّ وليتزوجنك محمد ثم رأت في المنام ليلة أخرى أن قمرا انقضّ عليها، [من السماء] وهي مضطجعة فأخبرت زوجها فقال: إن صدقت رؤياك، لم ألبث إلا يسيرا حتى أموت وتتزوجين من بعدي فاشتكى السكران من يومه ذلك، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات، وتزوجها رسول الله- ﷺ . [ (١) ] (الثاني) [ (٢) ] : في هبتها يومها لعائشة- رضي الله تعالى عنهما- تلتمس رضا رسول الله- ﷺ -. روى أبو عمر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما أسنّت سودة عند رسول الله- ﷺ همّ رسول الله- ﷺ بطلاقها، فقالت: لا تطلّقني وأنت في حلّ مني فأنا أريد أن أحشر في أزواجك، وإني قد وهبت يومي لعائشة، وإني لا أريد ما يريد النّساء فأمسكها رسول الله- ﷺ حتى توفي عنها مع سائر من توفّي عنهن من أزواجه- رضي الله تعالى عنهن-. وروى أبو بكر بن أبي خيثمة، وأبو يعلى عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما من الناس أحد وفي لفظ: ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة إلا أن بها حدة. الرابع: في أمره- ﷺ سودة بالانتصار من عائشة، لما لطّخت وجهها . تقدم الحديث في مناقب عائشة- رضي الله تعالى عنها-. الخامس: في إذنه- ﷺ لها في الدّفع قبل النّاس . روى [الشيخان] عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: استأذنت سودة بنت

стр. 4991

زمعة- رضي الله تعالى عنها- رسول الله- ﷺ ليلة المزدلفة [أن تدفع قبل حطمة الناس- وكانت امرأة ثبطة- أي ثقيلة- فأذن لها. السادس: في شدة اتّباعها لأمره- ﷺ -. روى الإمام أحمد عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال لنسائه عام حجة الوداع: «هذه ظهور (الحصر) » [ (١) ] ، قالت: فكنّ كلّهن يحججن إلا زينب وسودة بنت زمعة فكانتا تقولان: والله، لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من رسول الله- ﷺ . السابع: في وفاتها- رضي الله تعالى عنها -. ماتت بالمدينة في آخر خلافة عمر، هذا هو المشهور في وفاتها، ونقل ابن سعد عن الواقديّ أنها توفيت سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية. تنبيه في بيان غريب ما سبق: أنعم صباحا رحب [ ... ] . حثا التراب [ ... ] . مسلاخها: بكسر الميم وسكون السين المهملة وتخفيف اللام وبالخاء المعجمة: هديها وطريقتها. أعجاز الإبل: [أي مؤخراتها] .

стр. 4992

الباب الثامن في بعض فضائل أم المؤمنين زينب بنت جحش- رضي الله تعالى عنها - وفيه أنواع: الأول: في اسمها ونسبها . تقدّم نسب أبيها، وأمّها أميمة بالتّصغير بنت عبد المطلب عمة رسول الله- ﷺ روي عن زينب بنت أم سلمة- رضي الله تعالى عنهما- قالت: تزوج رسول الله- ﷺ زينب بنت جحش واسمها برة فغيّرت إلى زينب. الثاني: في تزويج النبي- ﷺ بها وأن الله تعالى، زوّجها واستخار بها ربّها حين خطبها رسول الله- ﷺ ونزل قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [الأحزاب ٣٧] الآيات. روى ابن أبي خيثمة عن معمر بن المثنى قال: تزوّجها رسول الله- ﷺ سنة ثلاث من الهجرة بالمدينة، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة خمس وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة. الثالث: في فخرها على نساء النبي- ﷺ بتزويج الله- ﵎ إيّاها رسوله- ﷺ -. كانت تفتخر على نساء النبي- ﷺ بأنها بنت عمّته، وبأن الله- تعالى- زوّجها له وهنّ زوّجهنّ أولياؤهن. [روى البخاري عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي ﷺ يقول: «اتق الله وأمسك عليك زوجك» قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتما شيئا لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوّجكن أهلوكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات] [ (١) ] . الرابع: في نزول آية الحجاب بسبب زينب- رضي الله تعالى عنها - روى البخاري عن أنس ﵁ قال: لما تزوج رسول الله- ﷺ زينب ابنة جحش دعا القوم فطعموا، ثم جلس يتحدثون، وإذا هو يتأهب للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلمّا قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ﷺ ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقت فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ [الأحزاب/ ٥٣] الآية [ (٢) ] .

стр. 4993

روى ابن سعد عن أنس قال: ما أولم رسول الله- ﷺ على شيءٍ من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة. الخامس: في وليمته- ﷺ عليها وفي هدية أمّ سليم لرسول الله- ﷺ ليلة دخوله على زينب . روى ابن سعد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: تزوّج رسول الله- ﷺ ، فدخل بأهله فصنعت أمّ سليم حيسا من عجوة في تور من فخّار قدر ما يكفيه وصاحبته وقالت: اذهب به إليه. فدخلت عليه وذلك قبل أن تنزل آية الحجاب، فقال: «ضعه» . فوضعته بينه وبين الجدار، فقال لي: «ادع أبا بكر وعمر وعثمان وعليّا» . وذكر ناسا من أصحابه سمّاهم. فجعلت أعجب من كثرة من أمرني أن أدعوه وقلّة الطعام، إنّما هو طعام يسير وكرهت أن أعصيه، فدعوتهم فقال: «انظر من كان في المسجد فادعه» . فجعلت آتي الرجل وهو يصلّي أو هو نائم فأقول: أجب رسول الله فإنّه أصبح اليوم عروسا، حتى امتلأ البيت، فقال لي: «هل بقي في المسجد أحد» ؟ قلت: لا. قال: «فانظر من كان في الطريق فأدعهم» . قال: فدعوت حتى امتلأت الحجرة، فقال: «هل بقي من أحد» ؟ قلت: لا يا رسول الله. قال: «هلمّ التور» . فوضعته بين يديه فوضع أصابعه الثلاث فيه وغمزه وقال للناس: «كلوا بسم الله» . فجعلت أنظر إلى التمر يربو أو إلى السمن كأنّه عيون تنبع حتى أكل كلّ من في البيت ومن في الحجرة وبقي في التور قدر ما جئت به، فوضعته عند زوجته ثم خرجت إلى أمّي لأعجبّها ممّا رأيت، فقالت: لا تعجب، لو شاء الله أن يأكل منه أهل المدينة كلّهم لأكلوا. فقلت لأنس: كم تراهم بلغوا؟ قال: أحدا وسبعين رجلا، وأنا أشكّ في اثنين وسبعين. وروى ابن أبي شيبة وابن منيع بسند صحيح عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: أولم رسول الله- ﷺ على زينب فأشبع المسلمين خبزا ولحما حتى امتد وخرج الناس وبقي رهط يتحدثون في البيت وخرج رسول الله- ﷺ ، فصنع كما كان يصنع إذا تزوج فأتى أمهات المؤمنين، فسلّم عليهن وسلّمن عليه ودعا لهن ثم رجع وأنا معه. الحديث. تنبيه: تقدم في باب وليمته- ﷺ على نسائه عن أنس أن رسول الله- ﷺ أطعمهم خبزا ولحما، فيحتمل إن يكون هذا بعد ذاك. السادس: في مسامات زينب عائشة بنت الصديق- رضي الله تعالى عنهما- وثناء عائشة عليها بالدّين والصّدق والصدقة وصلة الرّحم . روى [مسلم] عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كانت زينب بنت الصّدّيق هي التي تساميني من أزواج النبي- ﷺ في المنزلة عند رسول الله- ﷺ وما رأيت امرأة قط

стр. 4994

خيرا من زينب في الدين وأتقى لله، وأصدق حديثا وأوصل للرّحم، وأعظم صدقة [ (١) ] . وروى أبو بكر بن أبي خيثمة من طرق عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لم يكن أحد من نسائه- ﷺ يسامني في حسن المنزلة عنده غيرها يعني زينب بنت جحش. السابع: في وصف زينب- رضي الله تعالى عنها- بطول اليد كناية عن الصّدقة كانت صناع اليدين تدبغ وتجزر، وتتصدّق به في سبيل الله تعالى- امرأة صناع بفتح الصاد المهملة، إذا كانت لها صنعة تعملها بيدها. روى مسلم، وابن الجوزي في- الصفوة- عن عائشة والطبراني في- الأوسط- عن ميمونة زوج النبي- ﷺ وأبو يعلى بسند حسن عن أبي برزة- رضي الله تعالى عنه- قال: وكان لرسول الله- ﷺ تسع نسوة فقال يوما: خير كنّ أطولكنّ يدا، فقامت كلّ واحدة تضع يدها على الجدار، فقال: لست أعني هذا أصنعكن يدين [ (٢) ] . وروى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «أوّلكنّ لحاقا بي أطولكن يدا» قالت: فكنّ يتطاولن أيّهن أطول يدا، قالت: وكانت أطولنا يدا زينب، إنّها كانت تعمل بيدها، وتتصدّق، وفي لفظ البخاري: فكنّ إذا اجتمعنا في بيت أحدنا بعد وفاة رسول الله- ﷺ نمدّ أيدينا في الجدار، نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتّى توفّيت زينب بنت جحش، وكانت المرأة امرأة قصيرة، ولم تكن بأطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي- ﷺ أنّما أراد طول اليد بالصّدقة [ (٣) ] . الثامن- في وصفه- ﷺ زينب بأنها أوّاهة وزهدها، وورعها- رضي الله تعالى عنها روى الطبراني عن راشد بن سعد، قال: دخل علينا رسول الله- ﷺ منزله ومعه عمر بن الخطاب فإذا هو بزينب تصلّي وهي تدعو في صلاتها، فقال النبي- ﷺ : «إنّها لأوّاهة» . وروى أبو عمر عن عبد الله بن شداد أن رسول الله- ﷺ قال لعمر بن الخطّاب-: «أن زينب بنت جحش أوّاهة» فقال رجل: يا رسول الله، ما الأوّاه؟ قال: الخاشع المتضرّع، (وإنّ) [ (٤) ] إبراهيم لحليم أوّاه، وروى ابن سعد عن ميمونة بنت الحارث أن رسول الله- ﷺ قال-: إنها أوّاهة قالت عائشة: لقد ذهبت حميدة فقيدة مفرع اليتامى والأرامل.

стр. 4995

وروى ابن الجوزي عن عبد الله بن رافع عن برزة بنت رافع قالت: لمّا جاءنا العطاء بعث عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فلمّا دخل عليها قالت: غفر الله لعمر، لغيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا؟ قالوا: هذا كله لك، قالت: سبحان الله، واستترت منه بثوب، وقالت: صبّوه وأطرحوا عليه ثوبا، ثم قالت لي: أدخلي يدك واقبضي منه قبضة، فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان من ذوي رحمها وأيتامها ففرقته حتّى ما بقي منه بقيّة تحت الثّوب فقالت لها برزة بنت رافع: غفر الله لك يا أم المؤمنين! والله، لقد كان لنا في هذا حظ، قالت: فلكم ما تحت الثّوب، فوجدنا تحته خمسة وثمانين درهما، ثم رفعت يديها إلى السّماء، وقالت: اللهم، لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا فماتت. التاسع- في وفاتها- رضي الله تعالى عنها -. روى الطبراني برجال الصحيح عن ابن المنكدر- رحمه الله تعالى قال-: «توفّيت زينب بنت جحش زوج النبي- ﷺ في خلافة عمر- رضي الله تعالى عنهما-. وروى الطبراني برجال ثقات عن محمد بن إسحاق- رحمه الله تعالى- قال: «توفيّت زينب بنت جحش زوج النبي- ﷺ سنة عشرين انتهى وقيل: عاشت ثلاثا وخمسين، وصلّى عليها عمر بن الخطاب. وروى الطبراني عن الشعبي- رحمه الله تعالى-! وهو لم يدرك عمر أنّه صلّى مع عمر على زينب. وكانت أول نساء النبي- ﷺ موتا وكان يعجبه أن يدخلها قبرها فأرسل إلى أزواج رسول الله- ﷺ من يدخلها قبرها؟ فقلن: من كان يراها في حياتها، فليدخلها قبرها قال: كانت زينب بنت جحش أوّل نساء رسول الله- ﷺ لحوقا به» . وروى البزار برجال الصحيح عن عبد الرحمن بن أبزى- رحمه الله تعالى- وابن أبي خيثمة عن القاسم بن محمد- رحمه الله تعالى- أن عمر- رضي الله تعالى عنه- كبّر على زينب بنت جحش أربعا، ثم أرسل إلى أزواج رسول الله- ﷺ من يدخل هذه قبرها؟ فقلن: من كان يدخل عليها في حياتها، ثم قال عمر: كان رسول الله- ﷺ يقول-: «أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا فكن يتطاولن بأيديهنّ، وإنما كان ذلك، لأنها كانت صناعا تعين بما تصنع في سبيل الله. تنبيه في بيان غريب ما سبق: الجدار [ ... ] . الخاشع [ ... ] . المتضرّع [ ... ]

стр. 4996

الباب التاسع- في بعض فضائل أم المؤمنين زينب بنت خزيمة الهلالية- رضي الله تعالى عنها - وفيه أنواع: الأول- في نسبها - تقدم نسب أبيها. الثاني- في تزويج النبي- ﷺ بها . قال الزّهري: كانت قبله تحبّ عبد الله بن جحش، فقتل عنها يوم أحد، وقال قتادة بن (أمامة) [ (١) ] : كانت قبل رسول الله- ﷺ عند الطّفيل بن الحارث. رواهما ابن أبي خيثمة ولمّا خطبها رسول الله- ﷺ جعلت أمرها إليه، فتزوّجها، وأشهد، وأصدقها اثنتي عشرة أوقيّة وكساء. وروى الطبراني برجال الصحيح عن ابن إسحاق- رحمه الله تعالى- قال: تزوّج رسول الله- ﷺ زينب بنت خزيمة الهلاليّة أمّ المساكين كانت قبله عند الحصين أو عند الطّفيل بن الحارث بالمدينة، وهي أوّل نسائه موتا. وقال ابن الكلبي: كانت عند الطّفيل بن الحارث، فطلّقها، فتزوّجها أخوه عبيدة، فقتل يوم بدر شهيدا، ثم حلف عليها رسول الله- ﷺ قبل أن يتزوج أختها لأمّها ميمونة كذا قال ابن الكلبي، في رمضان على رأس أحد ثلاثين شهرا بعد حفصة. قال ابن سعد: ماتت قبل أن يتزوّج النبي- ﷺ أم سلمة وأسكن أمّ سلمة في بيتها. الثالث- في تكنيتها بأمّ المساكين . روى الطبراني برجال ثقات عن الزّهري- رضي الله تعالى عنه قال-: تزوّج رسول الله- ﷺ زينب بنت خزيمة وهي أمّ المساكين سمّيت بذلك، لكثرة إطعامها المساكين، وتوفّيت ورسول الله- ﷺ حيّ. وقال محمد بن إسحاق- رحمه الله تعالى-: تزوّج رسول الله- ﷺ زينب بنت خزيمة الهلاليّة. وقال ابن أبي خيثمة: كانت تسمّى أمّ المساكين في الجاهليّة، وأرادت أن تعتق جارية لها سوداء، فقال رسول الله- ﷺ : ألا تفدي أخاك أو أختك من رعاية الغنم؟.

стр. 4997

الرابع: في وفاتها- رضي الله تعالى عنها - قال الزّهري، وقتادة: لم تلبث عند رسول الله- ﷺ إلّا يسيرا وتوفّيت بالمدينة، والنبي- ﷺ حي، وقد مكثت عند رسول الله- ﷺ ثمانية أشهر، وقيل: شهرين وقيل: ثلاثة. والصّحيح إنها ماتت في ربيع الأوّل، وقيل: الآخر سنة أربع، ودفنت بالبقيع- رضي الله تعالى عنها- وقد بلغت ثلاثين سنة أو نحوها. وأورد ابن مندة في ترجمتها حديثا «أوّلكنّ لحاقا بي أطولكن يدا» ، وتعقبوه بأن المراد بذلك زينب بنت جحش، لأنه المراد. بلحوقهن به موتهن بعده، وهذه ماتت في حياته.

стр. 4998

الباب العاشر- في بعض فضائل أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث- رضي الله تعالى عنها - وفيه أنواع: الأول- في اسمها ونسبها . كان اسمها برة، فسمّاها رسول الله- ﷺ ميمونة، وهي خالة ابن عباس- رضي الله تعالى عنهم- وروى ابن أبي خيثمة بسند صحيح عن مجاهد- رحمه الله تعالى قال-: كان اسم ميمونة برة، فسمّاها رسول الله- ﷺ ميمونة. وتقدم نسب أبيها، وأمّها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث حماطة بن جرش وأخواتها: أم الفضل لبابة الكبرى زوج العباس- رضي الله تعالى عنهم-، ولبابة الصّغرى زوج الوليد بن المغيرة المخزوميّ أم خالد بن الوليد، وعصمة بنت الحارث وكانت تحت أبي بن خلف، فولدت له أبا أبيّ، وعزة بنت الحارث كانت تحت زياد بن عبد الله بن مالك الهلاليّ، فهؤلاء إخوتها لأبيها وأمّها، وإخوتها (لأمّها) [ (١) ] أسماء بنت عميس كانت تحت جعفر- رضي الله تعالى عنهما- فولدت له عبد الله، ومحمّدا وعوفا ثمّ مات، فخلق عليها أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- فولدت له محمدا ثم مات فخلف عليها علي بن أبي طالب، فولدت له يحيى رضي الله تعالى عنه، وسلمة بنت عميس كانت تحت حمزة بن عبد المطلّب، فولدت له أمة الله بنت حمزة، ثم خلف عليها شدّاد بن أسامة بن الهاد الليثي، فولدت له عبد الله، وعبد الرحمن، وسلافة بنت عميس كانت تحت عبد الله بن كعب بن منبه الخثعمي، وكان يقال: أكرم عجوز في الأرض (أمّها) [ (٢) ] هند بنت عوف أصهار رسول الله- ﷺ وأبو بكر الصّديق، وحمزة، والعبّاس ابنا عبد المطلب وجعفر وعلي ابنا أبي طالب، وشدّاد بن الهاد. الثاني: في تزويج النبي- ﷺ بها . روى ابن أبي خيثمة عن الزهري- رحمه الله تعالى- قال: كانت ميمونة قبل رسول الله- ﷺ تحت أبي رهم بضم الراء، وسكون الهاء، ابن عبد العزّى القرشيّ القامرّيّ من بني مالك بن حنبل، فوهبت نفسها للنبي- ﷺ وقيل: كانت عند غيره. وروى أيضا عن قتادة قال: تزوج رسول الله- ﷺ حين اعتمر بمكّة ميمونة بنت الحارث وهبت نفسها للنبي- ﷺ وفيها نزلت وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ

стр. 4999

أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب ٥٠] ، ثم سافرت معه إلى المدينة، وكانت قبله عند فروة بن عبد العزى بن أسد بن غنم بن دودان. وروى أيضا عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: لمّا فرغ رسول الله- ﷺ من خيبر، توجّه إلى مكّة معتمرا سنة سبع وقدم عليه جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فخطب عليه ميمونة بنت الحارث الهلالية، وكانت أختها لأمّها أسماء بنت عميس عند جعفر، فأجابت جعفرا إلى تزويج رسول الله- ﷺ وجعل أمرها إلى العباس بن عبد المطلّب فأنكحها العبّاس النبي- ﷺ وهو محرم في عمرة القضية سنة ثمان فلمّا رجع بنى بها بسرف، وكانت قبله عند أبي رهم بن عبد العزى بن عامر بن لؤي، ويقال: عند سخبرة بن أبي رهم. وروى الإمام أحمد، والنسائي عن ابن عباس- (رضي الله تعالى عنه) - أن رسول الله- ﷺ خطب ميمونة بنت الحارث فجعلت أمرها إلى العبّاس، فزوّجها النبي- ﷺ . وروى ابن أبي خيثمة عنه قال: بعث رسول الله- ﷺ لحية بن جزء ورجلين آخرين يخطبها وهو بمكّة، فردّت أمرها إلى أختها أمّ الفضل فردّت أمّ الفضل أمرها إلى العبّاس، فأنكحها رسول الله- ﷺ . وروي أيضا عنه أن رسول الله- ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث في عمرة القضاء وأقام بمكّة، وأقام ثلاثا فأتاه حويطب بن عبد العزّى وأسلم بعد ذلك في نفر من قريش في اليوم الثالث، فقالوا له: انقضى أجلك، فاخرج عنّا، فقال: وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهر كم فصنعت لكم طعاما فحضرتموه، فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا، فخرج [ ... ] ميمونة بنت الحارث حتى أعرس بها بسرف. وروى [ ... ] عن ابن عقبة عن ابن شهاب- رحمه الله تعالى- قال: خرج رسول الله- ﷺ في العام القابل إلى المدينة معتمرا في ذي القعدة سنة سبع وهو الشّهر الذي صدّه فيه المشركون عن المسجد الحرام حتى إذا بلغ يأجج بعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث بن حزن العامريّة، فخطبها عليه، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلّب. وكانت [ ... ] . وروى ابن أبي خيثمة عن ميمونة- رضي الله تعالى عنها- قالت: تزوّجني رسول الله- ﷺ ونحن حلالان بسرف. وروى الطبراني برجال ثقات عن الزهري- رحمه الله تعالى- أن ميمونة بنت الحارث هي التي وهبت نفسها. وروى السّنّة عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ تزوج

стр. 5000

ميمونة وهو محرم، وفي رواية عند البخاري: تزوّج ميمونة في عمرة القضاء. وروى الإمام أحمد عنه قال: تزوّج رسول الله- ﷺ ميمونة وهو محرم. وروى الترمذي وحسنه عن أبي رافع- رضي الله تعالى عنه- قال: تزوّج رسول الله- ﷺ ميمونة وهو حلال وأنا كنت الرسول بينهما. وروى مسلم عن ميمونة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ تزوّجها بالمدينة، وهو حلّال. وروى ابن أبي خيثمة عن أبي عبيدة معمر بن المثنى- رحمه الله تعالى- قال: تزوّج رسول الله- ﷺ ميمونة سنة خمس، قال ابن سعد: هي آخر امرأة تزوّجها رسول الله- ﷺ يعني ممّن دخل بها. الثالث: في وفاتها . ماتت- رضي الله تعالى عنها- بسرف موضع- بنى بها رسول الله- ﷺ ودفنت في موضع بيتها الّتي ضرب لها رسول الله- ﷺ حين البناء بها وذلك سنة إحدى وستين. وروى الطبراني في- الأوسط- برجال الصحيح عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ تزوّج ميمونة بسرف وبنى بها بسرف، وماتت بسرف. وروى الطبراني برجال ثقات عن محمد بن إسحاق- رحمهما الله تعالى- قال: ماتت ميمونة بنت الحارث زوج رسول الله- ﷺ عام الحرّة سنة ثلاث وستين. شرح غريب ما سبق سرف: بفتح السين المهملة وكسر [موضع على ستة أميال من مكة من طريق مرو، وقيل: سبعة وتسعة واثنا عشر] . [الحرة: يوم انتهب فيه المدينة عسكر الشام أيام يزيد بن معاوية وكان ذلك في حرة (وأقم] .

стр. 5001

الباب الحادي عشر في بعض مناقب أم المؤمنين جويرية بنت الحارث الخزاعية ثم المصطلقية- رضي الله تعالى عنها - وفيه أنواع: الأول: في اسمها ونسبها . روى ابن أبي خيثمة، وأبو عمر عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان اسم جويرية برة، فغيّره رسول الله- ﷺ وسمّاها جويرية. كره أن يقال خرج من عند برة، وهي جويرية، - بضم الجيم مصغر- بنت الحارث بن أبي ضرار- بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الراء- ابن الحارث بن المصطلق، وأمّها [ ... ] . الثاني: في زواج النبي- ﷺ بها . قال ابن أبي خيثمة: كانت قبل النبي- ﷺ عند مسافع- بميم مضمومة فسين مهملة وبعد الألف فاء مكسورة- قتل كافرا ابن صفوان، سبيت يوم المريسيع في غزوة بني المصطلق ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها على تسع أواق، فأدّى رسول الله- ﷺ عنها كتابتها وكان اسمها برة فسمّاها رسول الله- ﷺ جويرية وقيل: كان يطؤها بملك اليمين، والأول هو الرّاجح. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما قسم رسول الله- ﷺ سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله- ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فو الله ما هو إلا أن رأيتها فكرهتها وقلت: يرى منها ما قد رأيت، فلما دخلت على رسول الله- ﷺ قالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث سيّد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فأعنّي على كتابتي قال: أو خير من ذلك، أودّي عنك كتابتك وأتزوّجك، فقالت: نعم، ففعل، فبلغ النّاس أن رسول الله- ﷺ قد تزوّجها، فقالوا: أصهار رسول الله- ﷺ يسترقون فأعتقوا بأيديهم من بني المصطلق، فلقد أعتق- الله تعالى- لها مائة أهل بيت من بني المصطلق فلا أعلم امرأة أعظم منها على قومها بركة [ (١) ] . وروى ابن سعد عن أبي قلابة، بكسر القاف وبالموحّدة، قال: جاء أبو جويرية، فقال: لا

стр. 5002

يسبى مثلها، فخلّ سبيلها، فقال: بل أخيّرها، قال: قد أحسنت، فأتى أبوها، فقال: إن هذا الرجل قد خيّرك فلا تفضحينا، قالت: فإني أختار الله ورسوله [ (١) ] . وروى البيهقيّ عنها قالت: رأيت قبل قدوم النبي- ﷺ بثلاث ليال كأنّ قمرا يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبر بها أحدا من الناس حتى قدم رسول الله- ﷺ فلما سبينا رجوت الرّؤيا فاعتقني وتزوّجني وأسلم أبوها بعد ذلك. وروى الطبراني- مرسلا- برجال الصحيح عن الشعبي- رحمه الله تعالى- قال: كانت جويرية ملك رسول الله- ﷺ فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، وأعتق كلّ أسير من بني المصطلق. وروى الطبراني- بسند حسن- عن الزهري- رحمه الله تعالى- قال: سبى رسول الله- ﷺ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار يوم واقع بني المصطلق وروى الطبراني مرسلا برجال الصحيح- عن مجاهد- رحمه الله تعالى- قال: قالت جويرية لرسول الله- ﷺ : إن أزواجك يفتخرن عليّ ويقلن لم يتزوجك رسول الله- ﷺ قال: أولم أعظّم صداقك، ألم أعتق أربعين من قومك؟. وتقدم في غزوة بني المصطلق بأبسط مما هنا. الثالث: في وفاتها- رضي الله تعالى عنها - ماتت في ربيع الأول سنة خمسين وهو الصحيح، وقيل: سنة ستّ وخمسين وصلّى عليها مروان بن الحكم وهو أمير المدينة وقد بلغت سبعين سنة، لأنّه تزوّجها سنة عشرين، وقيل: هي بنت عشرين سنة، وقيل: توفّيت سنة خمسين وهي بنت ست وخمسين والله أعلم.

стр. 5003

الباب الثاني عشر في بعض مناقب أم المؤمنين صفية بنت حيي- رضي الله تعالى عنها - وفيه أنواع: الأول في نسبها . هي صفية بنت حيي بضم الحاء المهملة، وكسر وبمثناتين تحتيتين الأخيرة مشدّدة ابن أخطب بخاء معجمة فطاء مهملة وزن أكبر ابن شعية بفتح الشين والعين المهملتين بعدهما تحتية ابن ثعلبة بن عامر بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النّضير- بفتح النون وكسر الضاد المعجمة- ابن النحّام بن ينحوم كما في الأنساب أو يتحوم، وكان أبوها سيّد بني النّضير، وهو من سبط لؤيّ بن يعقوب ثم من ذرّيّة نبي الله ورسوله هارون بن عمران أخي موسى- عليهما الصلاة والسلام- قال الحافظ: ولد صفية بنت حيي مائة نبيّ، ومائة ملك ثم سيرها- الله تعالى- أمة لنبيه- ﷺ ، وكان أبوها سيد بني النضير، فقتل مع بني قريظة، وأمّها برة بنت سموأل أخت رفاعة بن سموأل القرظيّ. الثاني: في تزويج النبي- ﷺ بها . كانت عند سلّام، بالتّخفيف والتشديد، ابن مشكم، بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الكاف، ثم خلف عليها كنانة، بكسر الكاف ونونين، ابن الربيع بن أبي الحقيق، بحاء مهملة وقافين مصغر ولم تلد لأحد منهما شيئا، وكانت عند سلمة لم تبلغ سبع عشرة سنة. وروى الطبراني برجال ثقات قال: سبى رسول الله- ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب من بني النّضير، فقدم خيبر وهي عروس بكنانة بن أبي الحقيق. وروى الطبراني بسند جيد عن حسن بن حرب- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ لمّا أفاء الله عليه صفيّة قال لأصحابه: ما تقولون في هذه الجارية؟ قالوا: نقول: إنّك أولى النّاس بها وأحقّهم، قال: فإنّي (أعتقها وأنكحها) [ (١) ] ، وجعلت عتقها مهرها، فقال رجل: الوليمة يا رسول الله، فقال رسول الله- ﷺ : الوليمة أوّل يوم حقّ، والثّانية معروف، والثالثة: فخر. وروي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: لما فتح رسول الله- ﷺ خيبر، فلما فتح- الله تعالى- الحصن عليه صارت صفية بنت حيي لدحية في مقسمه، وكانت عروسا وقد قتل زوجها، وجعلوا يمدحونها، عند رسول الله- ﷺ ويقولون: ما رأينا في السّبي

стр. 5004

مثلها، فبعث رسول الله- ﷺ إلى دحية فاشتراها بسبعة أرؤس ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها وتهيّئها في بيتها، وتعتد في بيتها فخرج بها أو جعلها خلف ظهره، فلما نزل ضرب عليها الحجاب، فتزوّجها وجعل عتقها صداقها، وأقام ثلاثة أيام حتى أعرس بها، وكان قد ضرب عليها الحجاب، وفي رواية: حتى إذا بلغنا سدّ الرّوحاء فبنى بها ثم صنح حيسا في نطع صغير ثم قال رسول الله- ﷺ : ادن من حولك وفي رواية: فلما أصبح، قال: من كان عنده فضل زاد فليأتنا به فكان الرّجل يأتي بفضل التّمر وفضل السويق حتى جعلوا من ذلك حيسا في نطع صغير، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس ويشربون من حياض إلى جنبهم من ماء السّماء، فكانت تلك وليمة رسول الله- ﷺ على صفيّة، وقال النّاس: لا ندري أتزوّجها أم اتّخذها أمّ ولد فلما أراد أن يركب حجبها فقعدت على عجز البعير، فعرفوا أنّه قد تزوّجها ثم رجعنا إلى المدينة، فرأيت رسول الله- ﷺ يحوّي لها وراءه بعباءة ثمّ يجلس عند بعيرها فيضع ركبته فتضع صفيّة رجلها على ركبتيه حتى تركب، فانطلقنا حتّى إذا رأينا جدار المدينة هششنا إليها ورفعنا مطيّنا ودفع رسول الله- ﷺ مطيّته وصفية خلفه قد أردفها فعثرت مطية رسول الله- ﷺ فصرع وصرعت، فليس أحد من الناس ينظر إليه ولا إليها فقام رسول الله- ﷺ فسترها فأتيناه فقال: «لم نضرّ» فقدم المدينة فخرج جواري نسائه يتراءينها ويشمتن بصرعتها. وروى ابن أبي خيثمة عنه قال: إن رسول الله- ﷺ تزوّج صفية وجعل عتقها صداقها وروي أيضا عنه قال: أعتق رسول الله- ﷺ صفية وجعل عتقها صداقها. وروى أيضا عن قتادة- رحمه الله تعالى- قال: تزوّج رسول الله- ﷺ من بنات هارون- ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب فكانت مما أفاء الله- تعالى- على رسوله- ﷺ يوم خيبر، فكانت قبله عند كنانة بن أبي الحقيق فقتله رسول الله- ﷺ يوم خيبر وأخذ صفية فتزوّجها وجعل عتقها مهرها. وروى أيضا عن صفية- رضي الله تعالى عنها- قالت: أعتقني رسول الله- ﷺ وجعل عتقي صداقي. وروى أيضا عن الزّهري قال: سبى رسول الله- ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير وكانت مما أفاء الله عليه فقسّم لها وحجبها، وكانت من نساء أمهات المؤمنين. وروى أبو يعلى عن رزينة مولاة رسول الله- ﷺ أن رسول الله- ﷺ سبى صفيّة يوم قريظة والنضير حين فتح الله تعالى عليه- فجاء بها يقودها مسبيّة فلما رأت النّساء، قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فأرسلها، وكان ذراعها في يده فأعتقها وتزوّجها وأمهرها رزينة، قال الهيثمي: وهو مخالف لما في الصحيح.

стр. 5005

وروى أبو يعلى عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: تزوّج رسول الله- ﷺ صفية وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام، وبسط نطعا جاءت به أمّ سليم، وألقى عليه أقطا وتمرا، وأطعم الناس ثلاثة أيام، وهو في الصحيح دون قوله: وجعل الوليمة ثلاثة أيام [ (١) ] . وروى ابن منيع والحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى برجال ثقات، والإمام أحمد برجال الصحيح عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: لما دخلت صفيّة على رسول الله- ﷺ فسطاطه حضرنا وحضرت معهم ليكون فيها قسم، فخرج رسول الله- ﷺ فقال: «قوموا عن أمّكم» ، فلما كان العشي خرج إلينا وفي طرف ردائه من مد ونصف من تمر عجوة، فقال: «كلوا من وليمة أمّكم» [ (٢) ] . وروى البزار بسند جيد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ لم يولم على أحد من نسائه إلا صفيّة. وروى أبو بكر بن خيثمة عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: لما افتتح رسول الله- ﷺ خيبر اصطفى صفيّة ابنة حييّ لنفسه، وخرج بها رسول الله- ﷺ يردفها وراءه، ثم قال: رأيت رسول الله- ﷺ يضع رجله حتى تقوم عليها، فتركب فلما بلغ سدّ الصّهباء عرّس بها فصنع حيسا من نطع وأمرني فدعوت له من حوله، فكانت تلك وليمة رسول الله- ﷺ . وروى أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوّج رسول الله- ﷺ في شوّال سنة سبع، وكانت مما أفاء الله- تعالى- على رسوله يوم خيبر، وكان فتح خيبر في رمضان. وروي [ (٣) ] عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن النبي- ﷺ اشترى صفية بنت حيي بسبعة أرؤس وخالفه عبد العزيز بن صهيب عن عميرة عن أنس- رضي الله تعالى عنه- فقالوا: أن رسول الله- ﷺ لما جمع سبي خيبر جاء دحية بن خليفة الكلبيّ فقال: أعطني جارية من السّبي، فقال: اذهب فخذ جارية. الحديث. الثالث: في رؤياها ما يدل على زواجها بالنبي- ﷺ - روى الطبراني برجال الصحيح وابن حبان في صحيحه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان بعين صفيّة خضرة، فقال لها رسول الله- ﷺ ما بعينيك؟، فقالت: قلت لزوجي إني رأيت فيما يرى النائم كأنّ قمرا وقع في حجري، فلطمني، وقال: أتريدين ملك

стр. 5006

يثرب. قلت: وما كان أبغض إليّ من رسول الله- ﷺ قتل أبي وزوجي فما زال يعتذر إليّ، وقال: يا صفيّة، إن أباك ألّب عليّ العرب وفعل وفعل حتى ذهب ذاك من نفسي [ (١) ] . وروى الطبراني وابن أبي عاصم عن أبي برزة- رضي الله تعالى عنه- قال: لما نزل رسول الله- ﷺ خيبر وصفية عروس فرأت في المنام أن الشّمس وقعت على صدرها فقصّتها على زوجها، وفي رواية: على أمّها فقال: والله ما تمنّين إلا هذا الملك الذي نزل، فافتتحها رسول الله- ﷺ فضرب عنق زوجها. الحديث. ولا مخالفة بينها وبين الرّواية التي قبلها باعتبار التّعدّد فقصّت ذلك على أبيها أوّلا ثم على زوجها ثانيا، ولهذا اختلفت العبارة في التعبير. الرابع: في اعتذاره- ﷺ إليها . روى أبو يعلى بأسانيد ورجال الأولى رجال الصحيح إلا جندب بن هلال، لم يدرك صفيّة، عن صفية- رضي الله تعالى عنها- قالت: انتهيت إلى رسول الله- ﷺ وما من الناس أحد أكره إلي منه، فقال: «إنّ قومك صنعوا كذا أو كذا» قالت: فما قمت من مقعدي، وما من الناس أحد أحب إلي منه، وفي رواية عنها: قالت: ما رأيت قط أحسن خلقا من رسول الله- ﷺ رأيته ركب من خيبر على عجز ناقته ليلا، فجعلت أنعس، فيضرب رأسي بمؤخر الرّحل فيمسّني بيده، ويقول يا هذه، مهلا يا بنت حييّ، حتى إذا جاء الصّهباء، قال: أما إني أعتذر إليك، يا صفيّة بما صنعت بقومك، إنهم قالوا لي كذا وكذا [ (٢) ] ... الخامس: في قوله- ﷺ إنّك لابنة نبيّ وإن عمّك نبيّ، وإنّك تحت نبيّ . روى ابن سعد عن صفية- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخل رسول الله- ﷺ وأنا أبكي، فقال: يا ابنة حييّ، ما يبكيك؟ قالت: بلغني أن حفصة وعائشة ينالان منّي، ويقولان: نحن خير منها، نحن بنات عم رسول الله- ﷺ وأزواجه، قال: ألا قلت لهنّ كيف تكنّ خيرا منّي وأبي هارون، وعمّي موسى، وزوجي محمد- ﷺ [ (٣) ] . السادس: في رفقه- ﷺ ولطفه . روى أبو عمر الملا عن صفية- رضي الله تعالى عنها- قالت: حجّ رسول الله- ﷺ بنسائه، فلما كان ببعض الطّريق نزل جملي وكنت من أحسنهن ظهرا فبكيت، فجاء رسول

стр. 5007

الله- ﷺ وجعل يمسح دموعي بردائه ويده ويقول: وجعلت لا أزداد إلا بكاء، وهو- ﷺ ينهاني فلما أكثرت زبرني وانتهرني وأمر الناس بالنزول فنزلوا ولم يكن يريد أن ينزل قالت: فنزلوا وكان يومي فلما نزلوا ضرب خباء النبي- ﷺ ودخل فيه قالت: فلم أدر علام أهجم من رسول الله- ﷺ وخشيت أن يكون في نفسه شيء مني فانطلقت إلى عائشة فقلت لها: تعلمن أني لم أكن أبيع يومي من رسول الله- ﷺ بشيء أبدا وإني قد وهبت يومي لك على أن ترضي رسول الله- ﷺ عني قالت: نعم، قال: فأخذت عائشة خمارا لها قد ثردته بزعفران فرشته بالماء ليذكي ريحه ثم لبست ثيابها ثم انطلقت إلى رسول الله- ﷺ فرفعت طرف الخباء فقال لها: «ما لك يا عائشة إن هذا ليس يومك» قالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فقال: مع أهله فلما كان عند الرواح قال لزينب بنت جحش: يا زينب أفقري أختك صفية جملا وكانت من أكثرهن ظهرا فقالت: أنا أفقر يهوديتك فغضب النبي- ﷺ حين سمع ذلك منها فهجرها فلم يكلمها حتى قدم مكة وأيام منى في سفره حتى رجع إلى المدينة والمحرم وصفر فلم يأتها ولم يقسم لها ويئست منه فلما كان شهر ربيع الأول دخل عليها فرأت ظله فقالت: إن هذا لظل رجل وما يدخل على النبي- ﷺ فمن هذا؟ دخل النبي- ﷺ فلما رأته قالت: يا رسول الله ما أدري ما أصنع حين دخلت عليّ قالت: وكانت لها جارية وكانت تخبؤها من النبي- ﷺ فقالت: فلانة لك فمشى النبي- ﷺ إلى سرير زينب وكان قد رفع فوضعه بيده ثم أصاب أهله ورضي عنهم. السابع: في إرادة احتباسه- ﷺ وحمله الحجر مراعاة لصفيّة- رضي الله تعالى عنها -. روي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كنّا نتخوّف أن تحيض صفيّة. الثامن: في خروجه من معتكفه تكرمة لصفيّة- رضي الله تعالى عنها -. [روى ابن ماجة عن صفية بنت حييّ زوج النبي ﷺ أنها جاءت إلى رسول الله- ﷺ تزوره وهو معتكف في المسجد في العشر الأواخر من شهر رمضان. فتحدثت عنده ساعة من العشاء. ثم قامت تنقلب. فقام معها رسول الله- ﷺ يقلبها. حتى إذا بلغت باب المسجد الذي كان عند مسكن أمّ سلمة زوج النبي ﷺ فمرّ بها رجلان من الأنصار. فسلما على رسول الله- ﷺ ثم نفذا فقال لهما رسول الله- ﷺ «علي رسلكما إنها صفية بنت حيي» قالا: سبحان الله. يا رسول الله! وكبر عليهما ذلك فقال رسول الله- ﷺ «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا» .

стр. 5008

التاسع: في حلم صفية- رضي الله تعالى عنها - وروى أبو عمر بن عبد البر أن جارية لصفية قالت لعمر إن صفية- رضي الله تعالى عنها- تحبّ السّبت، وتصل اليهود، فبعث إليها فسألها، فقالت: أمّا السّبت فإني لم أحبّه منذ أبدلني الله تعالى يوم الجمعة، وأما اليهود فإنّ لي فيهم رحما فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان، قالت: اذهبي فأنت حرّة [ (١) ] . ا. هـ. العاشر: في وفاتها- رضي الله تعالى عنها - ماتت- رضي الله تعالى عنها- سنة خمسين في رمضان وقيل سنة اثنين وخمسين، ودفنت بالبقيع. قال ابن أبي خيثمة: بلغني إنها ماتت في زمن معاوية، وورّثت مائة ألف درهم، بقيمة أرض وأعراض، وأوصت لابن أختها بالثّلث وكان يهوديا [ (٢) ] . تنبيهان الأوّل: في الصحيح عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل وهن إحدى عشرة، وهو صريح في الجمع إحدى عشرة، في وقت واحد، فهنّ التّسع اللّاتي مات عنهن، واثنتان غيرهن، ولا يجوز أن تكون إحداهما زينب بنت خزيمة، لأنّه لا يجمع بينها وبين أختها لأمّها ميمونة، نعم، يجوز أن تكون من الثّلاثة التي دخل بهنّ وفارقَهنّ، إما أسماء، أو فاطمة، أو عمرة. وقال ابن كثير: المراد بالإحدى عشرة: التّسع المذكورات، والجاريتان ميمونة وريحانة. الثاني: في بيان غريب ما سبق: سد الروحاء: ... والحيس، والنطع: ... تقدم الكلام عليهما. يحوّي: [أي يتجمع بردائه ويستدير] . بالعباءة: [ ... ] . الركبة: [ ... ] . هششنا: [انشرح صدرنا هشوشا به] .

стр. 5009

المطية: [ ... ] . الصرع: [ ... ] . الأقط: [لبن محمض يجمد حتى يشجر ويطبخ به] . الرداء: [ ... ] . المد: [مكيال قديم اختلف الفقهاء في تقديره بالكيل المصري] . تمر: [ ... ] . سد الصهباء: [وهو موضع على روحة من خيبر] . عجوة: [ ... ] . عرّس: [نزل آخر الليل للراحة] . لطمني: [ ... ] . أحرسهن: [أعياهن، يقال: حسرت دابته أي أعيت] . زبرني: [انتهرني] والله أعلم.

стр. 5010

الباب الثالث عشر في ذكر سراريه- ﷺ - روى ابن أبي خيثمة عن أبي عبيدة معمر بن المثنى: كان لرسول الله- ﷺ أربع ولائد: مارية القبطيّة، وريحانة من بني قريظة أو من بني النضير على خلاف في ذلك، وكانت له جارية أخرى جميلة أصابها في السّبي، فكاد بها نساءه وخفن أن تغلبهن عليه، وكانت له جارية أخرى نفيسة وهبتها له زينب بنت جحش وكان هجرها صفية بنت حيي ذا الحجّة، والمحرّم، وصفر، فلما كان في شهر ربيع الأوّل الذي قبض فيه النبي- ﷺ رضي عن زينب ودخل عليها، فقالت: ما أدري ما أخبرك به فوهبتها له. انتهى كلام أبي عبيدة. فأما مارية القبطية فهي بنت شمعون بفتح الشين المعجمة، أمّ ولده إبراهيم، أهداها له المقوقس في سنة سبع من الهجرة، ومعها أختها سيرين، بكسر السين المهملة وسكون المثناة التحتية، وكسر الراء، وبالنون وخصي يقال له مابور وألف مثقال ذهبا، وعشرين ثوبا ليّنا وبغلته الدلدل وغير ذلك فأسلمت، وأسلمت أختها، وكانت بيضاء جميلة، أنزلهما رسول الله- ﷺ في العالية في المال الذي يقال له [اليوم مشربة أمّ إبراهيم، وكان يختلف إليها هناك إلى أن ماتت في المحرم سنة ستّ عشرة. وروى البزّار، والضياء المقدسي في صحيحة عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: كثر على مارية أمّ إبراهيم في قبطى ابن عم لها كان يزورها ويختلف إليها، فقال لي رسول الله- ﷺ خذ هذا السيف وانطلق به، فإن وجدّته عندها فاقتله، قال: قلت: يا رسول الله، أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسّكّة المحماة، لا يثنيني شيء حتى أمضي لما أمرتني به أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ قال: بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فأقبلت متوشّحا بالسّيف فوجدتّه عندها فاخترطت السّيف، فلما رآني أقبلت نحوه، عرف أنّي أريده، فأتى نخلة فرقي، ثم رمى بنفسه، قال قتادة: ثم شخر برجله فإذا هو أجب أمسح، ما له قليل، ولا كثير، فغمدت السّيف، ثم أتيت رسول الله- ﷺ فأخبرته، فقال: «الحمد لله الذي يصرف عنا أهل البيت» [ (١) ] . وروى البزار بسند جيد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: لما ولد إبراهيم ابن رسول الله- ﷺ من مارية جاريته، وقع في نفس النبي- ﷺ منه شيء، حتى أتاه جبريل- ﷺ فقال: السلام عليك أبا إبراهيم انتهى [ (٢) ] .
следующие страницы →