← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

الباب السادس في بعض فضائل أبي بكر وعمر وعلي- رضي الله تعالى عنهم - روى البزار بسند ضعيف عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- قال: قالوا: يا رسول الله، ألا تستخلف علينا؟ قال: إن أستخلف عليكم فتعصون خليفتي، عذّبتم فقالوا: ألا تستخلف أبا بكر، قال: إن استخلفتموه تجدوه ضعيفا في بدنه قويّا في أمر الله، فقالوا: ألا تستخلف عمر؟ قال: «إن استخلفتموه تجدوه قويّا في بدنه، قويّا في أمر الله» ، قالوا: ألا تستخلف عليّا قال: «إن استخلفتموه يسلك بكم الطريق المستقيم، وتجدوه هاديّا مهديّا» . وروى الإمام أحمد والطّبرانيّ والبزّار ورجال البزّار ثقات عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قيل: يا رسول الله، من نؤمّر بعدك قال: إن تؤمّروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وأن تؤمّروا عمر تجدوه قويّا أمينا، لا تأخذه في الله لومة لائم، وإن تؤمّروا عليّا- ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديّا يأخذكم الطريق المستقيم» . وروى الحاكم وتعقّب والطبراني في الكبير والخطيب وابن عساكر عن حذيفة عن علي- رضي الله تعالى عنه- وابن عساكر أن رسول الله- ﷺ قال: إن أستخلف عليكم خليفة فتعصوه، ينزل العذاب، قالوا: لو استخلفت علينا أبا بكر، قال: إن (أستخلفه) [ (١) ] عليكم تجدوه قويّا في أمر الله ضعيفا في جسمه وفي لفظ: «أن ولّيتموها أبا بكر فزاهد في الدّنيا راغب في الآخرة وفي جسمه ضعف وفي لفظ: «أن تولّوا أبا بكر، تولّوا أمينا مسلما، قويّا في أمر الله، ضعيفاً في أمر نفسه» . وفي لفظ: «أن تولوها أبا بكر تجدوه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وأن ولّيتموها عمر فقويّ أمين لا تأخذه في الله لومة لائم» ، وفي لفظ «وإن تولّوا عمر تولّوا أمينا مسلما لا تأخذه في الله لومة لائم» وفي لفظ «وإن تولّوها عمر تجدوه قويّا أمينا، لا تأخذه في الله لومة لائم، قالوا: لو استخلفت علينا عليّا، قال: إنّكم لا تفعلوا، وإن تفعلوا تجدوه هاديا مهديّا، يسلك بكم الطّريق المستقيم، وفي لفظ «وإن ولّيتموها عليّا فهاديا مهديّا يقيمكم على طريق مستقيم» ، وفي لفظ «وإن تولّوا عليّا تولوه هاديا مهديّا يحملكم على المحجّة، وفي لفظ «وإن تولوا عليّا تجدوه هاديا مهديّا، يسلك بكم الطّريق المستقيم» . وروى الرافعيّ عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : لكل نبي خليل، وإن خليلي وأخي عليّ، ولكل نبيّ وزيران، ووزيراي أبو بكر وعمر. وروى ابن عساكر وابن النجار عن الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ «لا تسبّوا أبا بكر وعمر، فإنّهما سيّدا كهول الجنة من الأولين والآخرين إلا النّبيّين والمرسلين، ولا تسبّوا الحسن والحسين، فإنهما سيدا شباب أهل الجنة من الأوّلين والآخرين، ولا تسبّوا عليّا، فإنه من سبّ عليّا فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله، ومن سبّ الله فقد عذّبه الله تعالى.

стр. 5042

الباب السابع في بعض فضائل أمير المؤمنين أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- على سبيل الانفراد وفيه أنواع: الأول: في مولده ومنشئه- رضي الله تعالى عنه - ولد- رضي الله تعالى عنه- بعد مولد النبي- ﷺ بسنتين وأشهر، فإنّه مات وله ثلاث وستون سنة. وروى خليفة بن خياط أن النبي- ﷺ قال له: «أنا أكبر أو أنت؟ قال: أنت أكبر وأنا أسنّ منك» . قال الشيخ في تاريخ الخلفاء: غريب جدّا، والمشهور خلافه، وإنما صح ذلك عن العبّاس، وكان منشؤه بمكّة لا يخرج منها إلا لتجارة، وكان ذا مال جزيل في قومه، وثروة تامة وإحسان وتفضّل فيهم، وكان من رؤساء قريش في الجاهلية، وأهل مشاورتهم، ومحببا فيهم وأعلم لمعالمهم، فلما جاء الإسلام آثره على ما سواه، ودخل فيه أكمل دخول، وكان من أعفّ الناس في الجاهليّة. قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: والله ما قال شعرا في الجاهلية ولا في الإسلام، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية. رواه ابن عساكر بسند صحيح، وكان نحيفا أبيض حسن القامة خفيف العارضين أجنأ لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه معروق الوجه، غائر العينين. ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع. رواه ابن سعد، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها-. وروي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قدم المدينة وليس في أصحابه أشمط غير أبي بكر فلفها بالحنّاء والكتم. وقد تقدم الكلام على إسلامه أوائل الكتاب، ولد بمنى، وأمّه أمّ الخير بنت صفر بن عامر، تزوّج في الجاهلية قتيلة بنت عبد العزّى، فولدت له عبد الله وأسماء ذات النّطاقين. والثانية- أمّ رومان بنت عامر، ولدت له عبد الرحمن وعائشة، وتزوّج في الإسلام أسماء بنت عميس، فولدت له محمّدا، وكانت عند جعفر بن أبي طالب قبله، فولدت له عبد الله، وقيل: مجهرا، وتزوّجها بعده علي بن أبي طالب، فذكر أنها ولدت منه ولدا اسمه محمد، وكان يقال لها أمّ المحمّدين، وزوجته الثانية في الإسلام حبيبة بنت خارجة بن زيد، فولدت له أمّ كلثوم بعد وفاته. الثاني- في أمر الله تعالى- له بأن يستشيره وقوله- ﷺ : «أن الله قدّمه» .

стр. 5043

وروى الديلمي عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «أتاني جبريل، فقلت: من يهاجر معي؟ قال: أبو بكر، وهو يلي- رضي الله تعالى عنه- أمر أمتك من بعدك. وروى تمام عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «أتاني جبريل، فقال: يا محمد، إن الله تعالى أمرك أن تستشير أبا بكر» . وروى الطبراني عن سعيد بن يحيى بن قيس بن عيسى عن أبيه أنّ حفصة- رضي الله تعالى عنها- قالت: يا رسول الله، إذا اعتلت قدّمت أبا بكر؟ فقال: «ليس أنا الذي قدّمته، ولكن الله تعالى قدّمه» . وروى الديلمي والخطيب وابن عساكر عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «يا عليّ، سألت الله أن يقدّمك ثلاثا، فأبى عليّ إلا أن يقدّم أبا بكر» . انتهى. الثالث- في قول رسول الله- ﷺ : «مروا أبا بكر، فليصلّ بالناس» . روى الشيخان والترمذي وابن ماجة عن عائشة، والشيخان عن أبي موسى والبخاري عن ابن عمر، والإمام أحمد وابن ماجه عن ابن عباس، وعبد بن حميد وابن ماجة وابن جرير عن سالم بن عبيد- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: مروا أبا بكر، فليصلّ بالناس. وروى الحاكم عن سهل أن رسول الله- ﷺ قال لأبي بكر: «إن أقمت فصلّ بالنّاس» . وروى الطبراني عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- قال: كان كون في الأنصار فأتاهم رسول الله- ﷺ ليصلح بينهم، ثم رجع، وقد أقيمت الصلاة، وأبو بكر يصلّي بالناس فصلى رسول الله- ﷺ خلف أبي بكر. ورواه البخاريّ خلا قوله: «فصلى رسول الله- ﷺ خلف أبي بكر» [ (١) ] . وروى البزار بسند جيّد والإمام أحمد واللفظ له عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: دخلت على رسول الله- ﷺ وعنده نساء، فاستترن مني إلّا ميمونة، فقال: لا يبقى أحد شهد أن لا إله إلا الله إلا أن يميني لم يصب العبّاس، ثم قال: مروا أبا بكر، فليصلّ بالناس، فقالت عائشة لحفصة: قولي له أن أبا بكر رجل رقيق إذا قام ذلك المقام بكى قال: مروا أبا بكر

стр. 5044

ليصل بالناس، فقام فصلّى فوجد النبي- ﷺ من نفسه خفّة، فجاء فنكص أبو بكر فأراد أن يتأخّر فجلس، إلى جنبه ثم اقتدى [ (١) ] . وروى الإمام أحمد عن ابن أبي حازم قال: «إني لجالس عند أبي بكر بعد وفاة رسول الله- ﷺ بشهر فذكر قصة الدّجّال فنودي في النّاس، الصّلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر، شيئا (صنع) [ (٢) ] له كان يخطب عليه، وهي أوّل خطبة في الإسلام، قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا أيها الناس، ولوددتّ أن هذا كفانيه غيري ولئن أخذتموني سنة نبيكم- ﷺ ما أطيقها إن كان لمعصوما من الشيطان وإن كان لينزل عليه الوحي من السّماء» . وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن أبي مليكة ﵀ قال: قيل: لأبي بكر يا خليفة الله، قال: أنا خليفة رسول الله- ﷺ وأنا راض به. وروى الإمام أحمد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: لما توفي رسول الله- ﷺ في مرضه الذي توفّي فيه، أتاه بلال يؤذنه بالصلاة فقال: بعد مرتين يا بلال، قد بلّغت، فمن شاء أن يصلي فليصلّ ومن شاء أن يدع فليدع، مروا أبا بكر، فليصلّ بالناس. وروى الإمام أحمد- برجال الصحيح عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- قال: مرض رسول الله- ﷺ فقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: يا رسول الله، إنّ أبي رجل رقيق، فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، فإنّكن صواحبات يوسف» . فأمّ أبو بكر بالنّاس، والنبي- ﷺ حي. وروى الإمام أحمد برجال ثقات عن سالم بن عبيد- رضي الله تعالى عنه- وكان من أصحاب الصّفّة قال: أغمي على رسول الله- ﷺ في مرضه، فأفاق وقد حضرت الصلاة فقال: حضرت الصلاة؟ فقلنا: نعم، فقال: مروا بلالا فليؤذّن، ومروا أبا بكر، فليصلّ بالناس، فقالت عائشة: إن أبي رجل أسيف، فلو أمرت غيره، فليصلّ بالناس، ثم أغمي عليه فأفاق، فقال: «أقيمت الصّلاة» قلنا: نعم، ائتوني بإنسان أعتمد عليه، فجاء بريدة وإنسان آخر، فاعتمد عليهما فأتى المسجد، فدخل وأبو بكر يصلّي بالناس، فذهب أبو بكر ليتنحى فمنعه رسول الله- ﷺ وجلس إلى حيث أبي بكر حتى فرغ من صلاته، فقبض رسول الله- ﷺ ... الحديث.

стр. 5045

وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن أبي البختري- رحمه الله تعالى- قال: قال عمر لأبي عبيدة: ابسط يدك حتى أبايعك، فإني سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «أنت أمين هذه الأمّة» ، فقال أبو عبيدة: ما كنت لأتقدم بين يدي رجل أمره رسول الله- ﷺ أن يؤمّنا فأمّنا حتّى مات. وأبو البختري لم يدرك عمر، وروى الإمام أحمد بسند جيد عن عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: لما قبض رسول الله- ﷺ قالت الأنصار: منّا أمير، ومنكم أمير، فأتاهم عمر، فقال: يا معشر الأنصار: ألستم تعلمون أن رسول الله- ﷺ أمر أبا بكر إن يؤمّ النّاس، فأيّكم تطيب نفسه أن يتقدّم على أبي بكر [ (١) ] . وروى الترمذي، وقال غريب: عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «ما ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمّهم غيره» . الرابع- في تسميته- رضي الله تعالى عنه- بالصّدّيق ، وقوله- ﷺ : «لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً» ، وأنه أحبّ الناس إلى رسول الله- ﷺ » . روى ابن سعد عن أبي وهب مولى أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: قلت لجبريل ليلة أسري بي: إن قولي لا يصدقونني فيه، فقال: يصدّقك أبو بكر وهو الصّدّيق» . وروى الديلمي عن أم هانئ- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «يا أبا بكر، إن الله سمّاك الصّدّيق» . وروى البخاري عن أبي الدرداء- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «أن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي ... » [ (٢) ] . وروى الخطيب والديلمي عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «دعوا لي صويحبي فإني بعثت إلى الناس كافّة، فلم يبق أحد إلا قال: كذبت إلا أبو بكر الصديق، فإنه قال لي «صدقت» [ (٣) ] .

стр. 5046

وروى أبو نعيم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما كلّمت في الإسلام أحدا إلا أبي عليّ وراجعني في الكلام إلا ابن أبي قحافة» . وروى عبد الله بن الإمام أحمد وابن مردويه والديلمي عن ابن عباس والطبراني عن أبي أمامة والبخاري والترمذي عن أبي سعيد والطبراني في الكبير عن عبد الله بن عمر وابن السّنّيّ في عمل اليوم واللّيلة عن ابن العلاء والترمذي وقال: حسن غريب، وابن ماجة عن أنس، والترمذي، وقال: حسن غريب، عن أبي هريرة وأبو نعيم عن أبي هريرة والطبراني في الكبير عن كعب بن مرّة وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن ابن مسعود وابن عساكر عن جابر والإمام أحمد والبخاري عن ابن الزبير والبخاري عن ابن عباس والشيرازي في الألقاب عن سعد ومسلم عن ابن مسعود والطبراني في الكبير عن ابن أبي واقد- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار فاعرفوا له قدره» . وفي لفظ: «أن آمن الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر» . وفي لفظ: «ما من أحد أمنّ عليّ في يده من أبي بكر زوّجني ابنته وأخرجني إلى دار الهجرة» . وفي لفظ: «ما من الناس أحد أمنّ عليّ في صحبته وذات يده من ابن أبي قحافة» . وفي لفظ: «ما لأحد علينا يد إلا وقد كافأناه عليها ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر» ، فلو كنت وفي لفظ: «لو كنت» متخذاً خليلاً وفي لفظ: «من أهل الأرض، وفي لفظ: «غير ربي لاتخذت أبا بكر» ، وفي لفظ: «ابن أبي قحافة خليلا» ، وفي لفظ: «ولكنه أخي وصاحبي قد اتخذ الله صاحبكم خليلا» وفي لفظ: «ولكن قولوا كما قال الله صاحبي» ، وفي لفظ: «سدوا كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر» ، وفي لفظ: «إلا وإن صاحبكم» ، وفي لفظ: «ولكن حق الله فسدوا كل خوخة إلا خوخة ابن أبي قحافة» وفي لفظ: «لكل نبي خليل من أمته وإن خليلي أبو بكر وخليل صاحبكم الرحمن» . وفي لفظ: «لم يكن من نبيّ إلا وله خليل وإن خليلي أبو بكر بن أبي قحافة، أن الله اتخذ صاحبكم خليلا» ، وفي لفظ: «ولكن أخي في الإسلام، وصاحبي في الغار» ، وفي لفظ: «ولكنّه أخي وصاحبي وقد اتّخذ الله صاحبكم خليلا» . وروى الشيخان والتّرمذي عن عمرو بن العاص والترمذي، وقال: حسن صحيح غريب، وابن ماجه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «أحبّ النّاس إليّ عائشة، ومن الرّجال أبوها» . الخامس- في أنه خير من طلعت عليه الشمس وغربت، وأنه أول من يدخل الجنة من هذه الأمة وغير ذلك من بعض فضائله . روى أبو داود وأبو نعيم في فضائل الصّحابة والحاكم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى

стр. 5047

عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: أتاني جبريل فأراني باب الجنّة الذي تدخل منه أمّتي، قال أبو بكر: وددت أني كنت معك حتى انظر قال: أما إنك يا أبا بكر، أول من يدخل الجنة من أمتي. وروى ابن عساكر عن أبي الدرداء- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ رأى رجلا يمشي أمام أبي بكر فقال: أتمشي أمام من هو خير منك؟ أن أبا بكر خير من طلعت عليه الشمس وغربت. وروى أبو نعيم في فضائل الصحابة عنه أن رسول الله- ﷺ قال: أتمشي أمام من هو خير منك، ألم تعلم أن الشمس لم تشرق على أحد أو تغب خير من أبي بكر إلا النّبييّن والمرسلين. وروي أيضا عنه أن رسول الله- ﷺ قال: «أتمشي أمام أبي بكر ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر» . وروى الديلمي عن عرفجة بن صريح أن رسول الله- ﷺ قال: «أنا سيف الإسلام، وأبو بكر سيف الردّة» [ (١) ] . وروى أبو نعيم في الحلية عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم القيامة» . وروى الخطيب في المتفق والمفترق بسند لا بأس به عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «إن النّاس كلّهم يحاسبون إلا أبا بكر» . وروى الديلمي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «تأتي الملائكة بأبي بكر مع النبيين والصديقين تزفّه إلى الجنّة زفّا» . وروى الإمام أحمد وابن ماجة والنسائي عن أبي هريرة وأبو يعلى عن عائشة وحسّنه ابن كثير والخطيب عن علي- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما نفعني مال أحد قطّ ما نفعني مال أبي بكر» . وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «ما نفعني مال قطّ إلا مال أبي بكر» . وروى الحاكم وابن عساكر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «يا أبا بكر، أنت عتيق الله من النار» .

стр. 5048

وروى الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن أنس عن أبي بكر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قلت للنبي- ﷺ وأنا في الغار: ولو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال رسول الله- ﷺ : يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما. ورواه أبو نعيم في فضائل الصحابة عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما-. وروى الطبراني في الكبير عن معاوية- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «يا أبا بكر، إن أفضل الناس عندي في الصحبة، وذات يده ابن أبي قحافة [ (١) ] . وروى عبدان المروزي وابن قانع عن قهذاذ قال: قال رسول الله- ﷺ «يا أيّها الناس، احفظوني في أبي بكر، فإنّه لم يسؤني منذ صحبتي» . وروى ابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الصّحابة، والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال للعباس: «يا عباس، يا عم رسول الله- ﷺ ، أن الله جعل أبا بكر خليفتي على دين الله ووحيه، فاسمعوا له تفلحوا، وأطيعوا ترشدوا» . وروى ابن مردويه عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: نزلت هذه الآية رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ [الأحقاف ١٥] إلى آخرها في أبي بكر- رضي الله تعالى عنه- فاستجاب الله له، فأسلم والداه جميعا وإخوته وولده كلّهم، ونزلت فيه أيضا فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى [الليل ٥] إلى آخر السورة. وروى الطبراني عن عبد الرحمن بن أبي بكر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «ائتوني بدواة وكتب: أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده، ثم ولّانا قفاه، ثم أقبل علينا فقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» . وروى الطبراني برجال ثقات عن سالم بن عبيد- رضي الله تعالى عنه- قال: «لمّا قبض رسول الله- ﷺ قال عمر: لا أسمع أحدا، يقول مات رسول الله- ﷺ إلا ضربته بالسّيف، فأخذ أبو بكر بذراعي عليّ، وقام يمشي حينا، فقال: أوسعوا، فأوسعوا له فأكبّ عليه، ومسه، قال «إنّك ميّت وإنّهم ميّتون» قالوا: يا صاحب رسول الله- ﷺ مات رسول الله- ﷺ ؟ قال: نعم. فعلموا أنّه كما قال: قالوا: يا صاحب رسول الله- ﷺ أتصلي على رسول الله- ﷺ ؟ قال: نعم، يدخل قوم، فيكبرون ويدعون ويصلّون ثم ينصرفون، ويجيء آخرون حتى يفرغوا، قال: يا صاحب رسول الله- ﷺ لما توفيّ رسول الله- ﷺ أيدفن

стр. 5049

رسول الله- ﷺ ؟ قال: نعم، قالوا: أين يدفن؟ قال: حيث قبض، فإنّه الله تعالى لم يقبضه إلا ببقعة طيبة، فعلموا أنّه كما قال، ثم قال، فقال: عندكم فاغسلوه، فأمرهم يغسّلونه ثمّ خرج واجتمع المهاجرون يتشاورون فقالوا: انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار فإنّ لهم من هنا نصيبا، فانطلقوا، فقال: رجل من الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير، فأخذ عمر- رضي الله تعالى عنه- بيد أبي بكر فقال أخبروني من له هذه الثلاثة ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة ٤٠] من صاحبه؟ فأخذ بيد أبي بكر فضرب عليها وقال للناس: بايعوه فبايعوه بيعة حسنة جميلة» . وروى ابن الجوزي في المنتظم عن زيد بن أرقم قال: كان لأبي بكر الصديق مملوك يغل عليه، فأتاه ليلة بطعام، فتناول منه لقمة، فقال له المملوك: ما لك كنت تسألني عن كلّ ليلة، ولم تسألني الليلة؟ فقال: حملني على ذلك الجوع، من أين جئت بهذا؟ قال: مررت بقوم في الجاهليّة فرقيت لهم فوعدوني فلما كان من اليوم مررت بهم فإذا عرس لهم فأعطوني فقال له: إن كدتّ تهلكني فأدخل يده في حلقه، وجعل يتقيّأ، وجعلت لا تخرج، فقيل له: إن هذه لا تخرج إلا بالماء، فدعا بطست من ماء فجعل يشرب ويتقيّا حتى رمى بها، فقيل له: يرحمك الله كلّ هذا من أجل هذه اللّقمة؟ قال: لولا تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها، سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «كل جسد نبت من سحت» فالنار أولى به فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة، وكان يسمى الأوّاه، لرأفته ورحمته، فصعد علي على المنبر، وقال: ألا أن أبا بكر أوّاه منيب القلب. وقال قيس: رأيت أبا بكر آخذا بطرف لسانه، وهو يقول: هذا أورد في الموارد وقال أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه-: يا ليتني كنت شجرة تقطع ثم تؤكل» . وقال عمران الجوني: قال أبو بكر: «لوددتّ أنّي شجرة في جنب عبد مؤمن» [ (١) ] . وروى الطبراني- ورجاله رجال الصحيح- عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله- ﷺ كان إذا بعث رجلا منكم قرنه برجل منّا، فنحن نرى أن يلي هذا الأمر رجلان، رجل منكم، ورجل منا، فقام زيد بن ثابت فقال إن رسول الله- ﷺ كان من المهاجرين، وكنّا أنصار رسول الله- ﷺ فنحن أنصار من يقوم مقامه، فقال: أبو بكر الصديق: جزاكم الله خيرا من حيّ، يا معشر الأنصار، وثبت قائلكم والله لو قلتم غير ذلك ما صالحناكم. وروى الطبراني عن عيسى بن عطية، قال: قام أبو بكر الصديق حين بويع، فخطب النّاس

стр. 5050

فقال: أيها النّاس إني قد أقلتكم رأيكم، إنّي لست بخيركم فبايعوا خيركم، فقاموا إليه فقالوا: يا خليفة رسول الله، أنت والله خير منّا، فقال: يا أيها الناس، إن الناس دخلوا في الإسلام طوعا وكرها فهم عواد الله وجيران الله فإن استطعتم أن لا يطلبنكم الله بشيء من ذمته فافعلوا إنّ لي شيطانا يحضرني فإذا رأيتموني فاجيبوني لا أمثل بأشعاركم وإنشادكم، يا أيها الناس، تفقدوا ضرائب علمائكم، إنه لا ينبغي للحم نبت من سحت أن يدخل الجنة إلا وراعوني بأنصاركم، فإن استقمت فاتّبعوني [وإن زغت فقوموني وإن أطعت الله فأطيعوني وإن عصيت الله فأعصوني] [ (١) ] . وروى الإمام أحمد عن قيس بن أبي حازم رحمه الله تعالى قال: إني لجالس عند أبي بكر- رضي الله تعالى عنه- بعد وفاة رسول الله- ﷺ بشهر فذكر قصة فنودي في الناس: الصّلاة جامعة، (وهي أوّل صلاة في المسلمين نودي بها أن الصلاة جامعة) [ (٢) ] فاجتمع الناس وصعد المنبر شيئا صنع له كان يخطب عليه وهي أوّل خطبة في الإسلام، قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيّها النّاس، لوددت أنّ هذا كفايته غيري، ولئن أخذتموني سنة نبيّكم- ﷺ ما أطيقها، إنه كان لمعصوما من الشّيطان، وإن كان لينزل عليه الوحي من السّماء. وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن ابن أبي مليكة، وابن أبي مليكة يدرك أبا بكر الصديق، قال: قيل لأبي بكر: يا خليفة الله، قال: أنا خليفة رسول الله- ﷺ وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن قيس بن أبي حازم- رحمه الله تعالى- قال: رأيت عمرا وبيده عسيب وهو يقول: اسمعوا وأطيعوا لخليفة رسول الله- ﷺ فجاء مولى لأبي بكر يقال له شديد بصحيفة، فقرأها على الناس، فقال: يقول أبو بكر: اسمعوا، وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة فو الله ما ألوتكم قال قيس: فرأيت عمر بعد ذلك على المنبر [ (٣) ] . وروى الترمذي وقال: حسن غريب عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «يا أبا بكر، قل اللهم، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم» . وروى الطبراني في الكبير عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أن رسول

стр. 5051

الله- ﷺ قال: «يا أبا بكر، إنّي رأيتني البارحة على قليب انزع فجئت أنت ففزعت وأنت ضعيف، والله يغفر لك، ثم جاء عمر، فاستحالت غربا وضرب الناس بعطن» [ (١) ] . وروى ابن مردويه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- وتعقّب عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : يا أبا بكر، أعطاك الله الرّضوان الأكبر، قال: وما الرّضوان الأكبر؟ قال: «إن الله يتجلّى للخلق عامة ويتجلّى لك خاصّة» . وروى أبو الشيخ وأبو نعيم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : يا أبا بكر، ألا تحب قوما بلغهم أنك تحبني فأحبّوك بحبّك إيّاهم فأحبّهم؟. السادس: في قدر عمره ومن صلّى عليه ودفنه [اختلف في قدر سنه يوم مات وأشهر الأقوال وأكثرها أنه توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة وصلى عليه عمر بين القبر والمنبر. روى أحمد وابن الجوزي في الصفوة أنه أوحى أن يدفن إلى جانب رسول الله- ﷺ بين القبر والمنبر] . السابع: في مرضه ووفاته وذكر بعض ما رثي به: روى الحاكم عن الشّعبيّ قال: ماذا يتوقع من هذه الدنيا الدنية وقد سم رسول الله- ﷺ وسم أبو بكر [ (٢) ] . وروى الواقديّ والحاكم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان أول بدء مرض أبي بكر أنّه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة فكان يوما باردا فحمّ خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة، وتوفى ليلة الثّلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة، وكان يأمر عمر بالصّلاة. وروى ابن سعد وابن أبي الدنيا عن أبي السفر قال: لمّا دخلوا على أبي بكر في مرضه، فقالوا: يا خليفة رسول الله- ﷺ إلا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟، قال: قد نظر إليّ، فقالوا: ما قال لك؟ قال: إنّي فعّال لما أريد [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أن أبا بكر، لما حضرته الوفاة، قال: أيّ يوم هذا؟ قالوا: يوم الاثنين، قال: فإن متّ في ليلتي هذه فلا تنتظروا بي الغد، فإنّ أحبّ الأيّام إليّ أقربها من رسول الله- ﷺ .

стр. 5052

وروى الإمام أحمد وابن جرير عن عبد الله بن اليمن مولى الزبير بن العوام، قال: لما حضر أبو بكر تمثّلت عائشة- رضي الله تعالى عنها- بهذا البيت: أعوذك ما بقي العذار عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر ورواه ابن سعد وغيره عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما ثقل أبو بكر تمثلت بهذا البيت: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر وروى أبو يعلى برجال الصحيح عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخلت على أبي بكر فرأيت به وهو في الموت وفي لفظ: «فرأيت به الموت» ، فقلت: هيج هيج من لا يزال دمعه مقنعا ... فإنه في مرة مدفوق فقال: لا تقولي هذا، ولكن قولي: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق ١٩] . ثم قال: في أي يوْم تُوُفِّي رسوُلُ الله- ﷺ . قلت: يوم الاثْنين، قال: أرجو فيما بيني وبين اللّيل، فمات ليلة الثّلاثاء، ودفن قبل أن يصبح [ (١) ] . وروى الإمام أحمد عنها أنها تمثّلت بهذا البيت وأبو بكر يقضي. وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل فقال: ذاك رسول الله- ﷺ . وروى ابن عساكر في تاريخه بسنده عن الأصمعي قال خفاف بن ندبة السلمي يبكي أبا بكر- رضي الله تعالى عنه-: ليس لحي فاعلمنه بقا ... وكلّ دنيا أمرها للفنا والملك في الأقوام مستودع ... عارية فالشّرط فيه الأدا والمرء يسعى وله راصد ... تندبه العين ونار الصّدا يهرم أو يقتل أو يقهره ... يشكوه سقم ليس فيه شفا أن أبا بكر هو الغيث إن ... لم تزرع الجوزاء بقلا بما تالله لا يدرك أيامه ... ذو مئزر ناش ولا ذو ردا من يسع كي يدرك أيامه ... مجتهدا شذّ بأرض فضا ومن مناقبه أنه قال لعائشة- رضي الله تعالى عنها- في مرضه: أنا مذ وليت أمر

стр. 5053

المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ولكنا أكلنا خبز الشعير طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشيّ وهذا البعير النّاضح وهذه القطيفة، فإذا متّ فابعثي بها إلى عمر، قالت عائشة: فقلت، فلما جاء الرّسول إلى عمر بكى، وجعلت دموعه تسيل، ويقول: رحم الله أبا بكر مرّتين، لقد أتعب من بعده. ومن مناقبه ما كان من إنقاذ جيش أسامة، ومخالفته الكافّة في ترك إبعاده وقوله: كأن أخر من السماء فتخطفني الطير، وتنهشني السّباع أحب إلي أن أكون حالا لعقد رسول الله- ﷺ وهو يقول عند موته: أنقذوا جيش أسامة. ومنها قتالة أهل الرّدّة، وخروجه بنفسه. قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي: وقبل عمر رأيه- رضي الله تعالى عنهما- في قتال أهل الردة. ومنها عهده إلى عمر- رضي الله تعالى عنهما- لما حضرته الوفاة، وقوله له: اتق الله، يا عمر! واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدّى لها فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الحقّ في دار الدّنيا، وثقله عليهم وحقّ لميزان يوضع فيه الحقّ أن يكون ثقيلا، وإنّما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الباطل، وحقّ الميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا، وأن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم فإذا ذكرتهم قلت: إني أخاف أن لا ألحق بهم، وأن الله تعالى ذكر أهل النّار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، وردّ عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم، قلت: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء ليكن العبد راغبا وراهبا، ولا يتمنّى على الله، ولا يقنط من رحمته، فإن أنت حفظت وصيّتي فلا تكن الدّنيا أحب إليك من الموت.

стр. 5054

الباب الثامن في بعض فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه - وفيه أنواع: الأول: في مولده ولد- رضي الله تعالى عنه- بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وأمّه حنتمة، بحاء مهملة مفتوحة فنون ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة فميم، بنت هاشم. (ويقال هشام ابن المغيرة بن عبد الله، والصحيح بنت هاشم، ومن قال بنت هشام فقد أخطأ، كذا قال الزبير ابن بكّار، وقال ابن منده وأبو نعيم هي بنت هشام أخت أبي جهل، ونقله أبو نعيم عن ابن إسحاق، ومن قال: بنت هاشم كانت بنت عمّه. الثاني: فيما وجد في الكتب السابقة من صفته . روى ابن سعد عن ابن مسعود وعبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد عن أبي عبيدة- رضي الله تعالى عنهما- قال ركب عمر بن الخطاب فرسا على عهد رسول الله- ﷺ فانكشف ثوبه عن فخذه، فرأى أهل نجران بفخذه شامة سوداء فقالوا: هذا الذي نجد في كتابنا أن يخرجنا من أرضنا. وروى أبو نعيم من طريق شهر بن حوشب عن كعب قال: قلت لعمر بن الخطاب بالشام إنه مكتوب في هذه الكتب إن هذه البلاد مفتوحة على رجل من الصّالحين، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، سره مثل علانيته، وقوله لا يخالف فعله، القريب والغريب سواء في الحق عنده، أتباعه رهبان باللّيل، وأسود بالنهار، متراحمون، متواصلون متبارزون. قال عمر: أحق ما تقول أي والله، قال: الحمد لله الذي أعزنا وأكرمنا وشرفنا ورحمنا بنبينا محمد- ﷺ وروى ابن عساكر عن عبد الله بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب أن عمر بن الخطّاب كان بالجابية، فقدم خالد بن الوليد إلى بيت المقدس، فقالوا له: ما اسمك؟ قال: خالد بن الوليد: قالوا: وما اسم صاحبك؟ قال: عمر بن الخطاب، قالوا: انعته لنا قال: فنعته، قالوا: أما أنت فلست تفتحها، ولكن عمر، فإنا نجد في الكتب كل مدينة تفتح قبل الأخرى، وكل رجل يفتحها نعته، وإنا نجد في الكتب أنّ سارية تفتح قبل بيت المقدس، فاذهبوا فافتحوها، ثم تعالوا بصاحبكم. وروى ابن عساكر عن ابن سيرين، قال: قال كعب لعمر- رضي الله تعالى عنه-: يا أمير المؤمنين، هل ترى في منامك شيئا فانتهر، فقال: إنا نجد رجلا يرى أمر الأمة في منامه. وروى الطبراني وأبو نعيم عن مغيث الأوزاعي أن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال لكعب: كيف تجد نعتي في التوراة؟ قال: خليفة قرن من حديد، أمير شديد، لا

стр. 5055

يخاف في الله لومة لائم، ثم خليفة من بعدك، تقتله أمة ظالمون، ثم يقع البلاء بعده. وروى ابن عساكر عن الأقرع مؤذن عمر أن عمر- رضي الله تعالى عنه- دعا الأسقف فقال: هل تجدون فيّ شيئا من كتابكم؟، قال: نجد صفتكم وأعمالكم، ولا نجد أسماءكم، قال: كيف تجدوني؟ قال: قرنا من حديد، قال: ما قرن من حديد؟ قال: أمير شديد، قال عمر: الله أكبر، قال: فما الذي من بعد؟ قال: رجل صالح يؤثر أقرباءه، قال (عمر) [ (١) ] : يرحم الله ابن عفّان فما الذي من بعده؟ قال: صداء حديد، قال عمر: وادفراه قال: مهلا، يا أمير المؤمنين، فإنه رجل صالح، ولكن تكون خلافته في هراقة من الدماء، والسيف مسلول. روى الدينوري في «المجالسة» وابن عساكر من طريق زيد بن أسلم قال: أخبرنا عمر بن الخطاب قال: خرجت مع ناس من قريش في تجارة إلى الشام في الجاهلية فلما خرجنا إلى مكة نسيت قضاء حاجة فرجعت فقلت لأصحابي: ألحقكم فوالله إني لفي سوق من أسواقها إذا أنا بطريق قد جاء فأخذ بعنقي فذهبت أنازعه فأدخلني كنيسته فإذا تراب متراكب بعضه على بعض فدفع إليّ مجرفة وفأسا وزنبيلا وقال: انقل هذا التراب فجلست أتفكر في أمري كيف أصنع فأتاني في الهاجرة فقال لي: لم أرك أخرجت شيئا ثم ضم أصابعه فضرب بها وسط رأسي فقمت بالمجرفة فضربت بها هامته فإذا دماغه قد انتثر ثم خرجت على وجهي ما أدري أين أسلك فمشيت بقية يومي وليلتي حتى أصبحت فانتهيت إلى دير فاستظللت في ظله فخرج إلي رجل فقال: يا عبد الله ما يجلسك هاهنا قلت: أضللت عن أصحابي فجاءني بطعام وشراب وصعد في النظر وخفضه ثم قال: يا هذا قد علم أهل الكتاب أنه لم يبق على وجه الأرض أحد أعلم مني بالكتاب وإني أجد صفتك الذي تخرجنا من هذا الدير وتغلب على هذه البلدة فقلت له: أيها الرجل قد ذهبت في غير مذهب قال: ما اسمك قلت: عمر بن الخطاب قال: أنت والله صاحبنا وهو غير شك فاكتب لي على ديري وما فيه قلت: أيها الرجل قد صنعت معروفا فلا تكدره؟ فقال: اكتب لنا كتابا من رقّ ليس عليك فيه شيء، فإن تك صاحبنا فهو ما نريد، وإن تكن الأخرى فليس يضرك، قلت: هات وكتبت له، ثم ختمت عليه فلما قدم عمر الشام في خلافته أتاه ذلك الرّاهب، وهو صاحب دير القدس بذلك الكتاب، فلما رآه عمر تعجب منه وأنشأ يحدثنا حديثه، فقال: أوف لي بشرطي، فقال عمر: ليس لعمر ولا لابن عمر منه شيء. الثالث: في قوله- ﷺ يا أخي أشركنا في دعائك، وقوله: «اللهم أعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب» .

стр. 5056

روى الإمام أحمد وغيره وابن سعد وابن ماجه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال له: «يا أخي أشركنا في دعائك وفي لفظ «في صالح دعائك ولا تنسنا» . رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: استأذنت النبي- ﷺ في العمرة فأذن لي، وقال: لا تنسنا يا أخي من دعائك، فقال لي كلمة ما سرّني أن لي بها الدّنيا. وروى الحاكم وابن عساكر والطبراني في الكبير- عن ثوبان، وابن عساكر عن عليّ والزّبير، وأبو داود الطيالسي والنسائي والإمام أحمد عن ابن مسعود وابن ماجة وابن عدي في الكامل والحاكم والبيهقي عن عائشة، وابن عساكر عن الزبير بن العوام، والسّدي عن ربيعة السّعدي والحاكم والطبراني في الكبير عن ابن مسعود والإمام أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح، وعبد بن حميد، وابن سعد وأبو يعلى وأبو نعيم في الحلية، والبغويّ عن ربيعة السّعدي وابن عساكر عن ابن عمر، والبزّار عن أنس عن خبّاب وابن سعد عن سعيد بن المسيب مرسلا أن رسول الله- ﷺ قال: «اللهم أعزّ» وفي لفظ: «أيّد الإسلام بعمر بن الخطاب، وفي لفظ: «خاصّة» ، وفي لفظ: «اللهمّ، أعز عمر بن الخطاب» ، وفي لفظ: «بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب» ، وفي لفظ: «بأحبّ الرّجلين» ، وفي لفظ: «هذين الرّجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام» . وروى أبو نعيم في الحلية- عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عمر- رضي الله تعالى عنه- كان يقول: والله، ما نعنى بلذّات العيش أن نأمر بصغار المعزى فتسمط لنا ونأمر بلباب الحنطة فتخبز لنا، ونأمر بالزّبيب فينبذ لنا في الأسعان حتى إذا صار ملء عين اليعقوب، أكلنا هذا، وشربنا هذا، ولكنّا نريد أن نستبقي طيّباتنا، لأنّا سمعنا الله تعالى يقول: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [الأحقاف ٢٠] [ (١) ] . وروى عبد بن حميد عن قتادة، قال: ذكر لنا أنّ عمر لمّا قدم الشّام صنع له طعام لم ير قبله مثله، فقال: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ فقال خالد: لهم الجنّة، فأزرفت عينا عمر. فقال: لئن كان حظّنا من هذا الطعام، وذهبوا بالجنة، فقد بانوا بوانا بعيدا. وروى الحاكم والتّرمذي والطبراني والضياء عن ابن عباس أن رسول الله- ﷺ قال:

стр. 5057

«أتاني جبريل، فقال: أقرئ عمر السّلام وقل له إنّ رضاه حكم، وإنّ غضبه عزّ» [ (١) ] . وروى الحكيم وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: أتاني جبريل، فقال: أقرئ عمر السّلام، وأخبره أن غضبه عزّ، ورضاه عدل. وروى الحاكم في تاريخه، وأبو نعيم في فضائل الصحابة والخطيب، والدّيلمي، وابن النجار، عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «اتقوا غضب عمر، فإن الله يغضب إذا غضب. وروى أبو داود والطبراني والحاكم عن أبي رمثة أن رسول الله- ﷺ قال: «أصاب الله بك يا ابن الخطاب» . وروى النّسائي وابن منده وابن عساكر عن واصل مولى عيينة، قال: كانت امرأة عمر اسمها عاصية فأسلمت، فقالت لعمر: قد كرهت اسمي فسمّني فقال: أنت جميلة، فغضبت وقالت ما وجدتّ اسما سمّيتني إلا اسم أمة، فأتت رسول الله- ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني كرهت اسمي فسمّني، فقال: أنت جميلة، فقالت: يا رسول الله، قلت لعمر: سمّني: فقال: أنت جميلة فغضبت، فقال رسول الله- ﷺ : أما علمت أن الله عند لسان عمر وقلبه. ورواه ابن عساكر في التاريخ والنسائي عن بلال وابن عساكر عن أبي بكر الصديق بلفظ: «إن الله جعل الحقّ في قلب عمر، وعلى لسانه» . وروى ابن (عساكر عن أبي ذر بلفظ: «إن الله جعل السّكينة على لسان عمر وقلبه يقول بها» .) ورواه ابن سعد عن أيّوب بن موسى مرسلا «إن الله جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق، فرق الله به بين الحقّ والباطل» . ورواه الإمام أحمد وعبد بن حميد والترمذي، وقال: حسن صحيح، والطبراني عن ابن عمرو عن بلال والإمام أحمد وأبو داود وأبو يعلى والرّوياني والحاكم والضياء عن أبي ذرّ، وتمام وابن عساكر عن أبي سعيد والإمام أحمد وأبو يعلى وتمّام والحاكم وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة، والطبراني عن معاوية بلفظ: «إنّ الله جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه» . وروى الطبراني عن سديسة عن مولاة حفصة أن رسول الله- ﷺ قال: «إن الشّيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خرّ لوجهه» [ (٢) ] .

стр. 5058

وروى ابن عساكر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «إن الشّيطان يفرّ من عمر بن الخطاب» . وروى ابن عدي وابن عساكر عن عقبه بن عامر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إن الله باهى الملائكة عشيّة يوم عرفة بعمر بن الخطاب» . وروى ابن عساكر عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من (أغضب) [ (١) ] عمر فقد أغضبني، ومن أحبّ عمر فقد أحبّني، وإن الله باهى عشيّة يوم عرفة بالناس عامّة، وإنّ الله باهى بعمر خاصّة، وإنّه لم يبعث نبيّ قطّ إلا كان في أمته (من يحدّث) » [ (٢) ] . وإن يكن في أمتي أحد فهو عمر، وقيل: كيف يا رسول الله يحدث؟ قال: يتحدث الملائكة على لسانه. وروي الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنه عليه- الصلاة والسّلام- قال: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر» . قال ابن وهب: محدّثون: أي ملهمون. وقال ابن عيينة معناه: مفهمون. وروى ابن عساكر عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «مه عن عمر، فوالله ما سلك عمر واديا قطّ، فسلكه الشّيطان» . وروى أبو نعيم في فضائل الصحابة عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ «نزل الحقّ على لسان عمر وقلبه» . وروى الطبراني في الكبير- عن سلمة بن مالك الخطمي، وابن عدي في الكامل- عن أبي هريرة وابن عمر معا- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «ويحك إذا مات عمر، فإن استطعت أن تموت فمت» . وروى الديلمي عن معاذ- رضي الله تعالى عنه- قال: «لا يزال باب الفتنة مغلقا عن أمتي ما عاش لهم عمر بن الخطاب، فإذا هلك عمر تتابعت عليهم الفتن» . وروى الطبراني في «الكبير» عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال

стр. 5059

رسول الله- ﷺ : «يا ابن الخطّاب، أتدري مما تبسمت إليك إذا الله باهى ملائكته ليلة عرفة بأهل عرفة عامّة وباهى بك خاصّة» . وروى أبو نعيم في الحلية وابن جرير عن سعيد بن جبير مرسلاً أن رسول الله- ﷺ قال: «عمر ارجع، فإن غضبك عزّ، ورضاك حكم، إن لله في السّموات السبع ملائكة يصلون له غني عن صلاة فلان» قال عمر: فما صلاتهم؟ فلم يردّ على شيء، فأتاه جبريل، فقال: يا نبي الله، يسألك عن صلاة أهل السماء، قال: نعم، فقال: اقرأ على عمر السلام، وأخبره أن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية ركوع يقولون: سبحان ذي العزّة والجبروت، وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة يقولون: سبحان الحيّ الذي لا يموت» . وروى أبو نعيم وابن عساكر عن عقيل بن أبي طالب أن رسول الله- ﷺ قال: «يا عمر إنّ غضبك عزّ، ورضاك حكم» . وروى الديلمي عن عائشة أن رسول الله- ﷺ قال: «يا عائشة، ما من أصحابي أحد إلّا وقد غلبه شيطانه إلا عمر، فإنّه غلب الشّيطان» . وروى الإمام أحمد والترمذي وقال: صحيح وأبو يعلى وابن حبان والطبراني في الأوسط والضّياء وابن منيع والحارث عن أنس، والطيالسي والإمام أحمد والشيخان وابن حبان وأبو عوانة عن جابر، والإمام أحمد عن عبد الله بن بريرة عن أبيه، والإمام أحمد وأبو يعلى والرّويانيّ وأبو بكر في الغيلانيات عن معاذ وابن عساكر عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب» ، وفي لفظ: «فرأيت فيها دارا وقصرا» فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب وفي لفظ: «لشابّ من قريش فظننت أنّي أنا هو، فقلت: ومن هو؟ قالوا: عمر بن الخطاب، فلولا ما علمت من غيرتك لدخلته، وفي لفظ: «فأردتّ أن أدخله فذكرت غيرة أبي حفص، فقال عمر: أو عليك أغار يا رسول الله، هل هذا في الله إلا بك؟ وهل رفعني الله إلا بك؟ وهل منّ عليّ إلا بك» ؟. وروى الإمام أحمد والشيخان عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرّميصاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة أمامي فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا بلال، ورأيت قصرا أبيض بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا القصر؟ قال: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله، فذكرت غيرتك» [ (١) ] .

стр. 5060

وروى الحاكم في تاريخه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «رضي الله عن عمر، ورضي عن من رضي عنه» . وروى أبو نعيم في فضائل الصحابة والخطيب وابن عساكر عن ابن عمر وابن عساكر والحاكم عن المصعب بن جثامة وأبو نعيم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة» . وروى ابن عدي والطبراني في الكبير وأبو نعيم في فضائل الصّحابة وابن عساكر عن ابن عباس عن أخيه الفضل- رضي الله تعالى عنهم- قال: قال رسول الله- ﷺ : «عمر معي، وأنا مع عمر» وفي لفظ: «عمر مني وأنا من عمر والحقّ بعدي مع عمر حيث كان» . وروى ابن عدي عن سعيد بن جبير عن أنس، وابن شاهين وابن عساكر عن سعيد بن جبير مرسلا أن رسول الله- ﷺ قال: «قال لي جبريل: أقرئ عمر السّلام وأعلمه أن رضاه حكم، وغضبه عدل» . وروى أبو بكر الآجرّيّ في الشّريعة، والحاكم، وتعقبّه وأبو نعيم في «فضائل الصحابة» أن رسول الله- ﷺ قال: «لمّا أسلم عمر أتاني جبريل، فقال: قد استبشر أهل السّماء بإسلام عمر» . وروى الإمام أحمد والترمذي وقال: حسن غريب، وأبو يعلى، والطبراني في الكبير والرّوياني والبيهقي والحاكم وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن ابن عامر، والطبراني في الكبير عن عصمة بن مالك قال: قال رسول الله- ﷺ : «لو كان بعدي نبيّ لكان عمر بن الخطاب» . وروى الترمذي وضعّفه والبزّار والدّارقطنيّ في الإفراد والحاكم وتعقّب، وابن عساكر عن أبي بكر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما طلعت الشمس على أحد، وفي لفظ: «على رجل خير» وفي لفظ: «أفضل من عمر» . وروى ابن عدي وأبو نعيم في فضائل الصحابة والديلمي وابن عساكر عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما في السماء ملك إلّا وهو يوقّر عمر، ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرّ من عمر» . وروى الدارقطني في الإفراد- وابن منده وابن عساكر عن حفصة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما لقي الشيطان عمر منذ أسلم إلا خرّ لوجهه» .

стр. 5061

وروى الحاكم عن عمر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما لقي الشّيطان عمر في فج فسمع صوته إلا أخذ غير فجّه» . الرابع: في موافقاته ، وهي آية الحجاب وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة ١٢٥] وعَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [التحريم ٥] وفَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون ١٤] والاستئذان وأسارى بدر وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [التوبة ٨٤] ووصيته وكرامته ووفاته، وثناء الصّحابة عليه، وأن موته ثلمة في الإسلام. وروى أبو داود الطيالسي، وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر وهو صحيح عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال: وافقت ربي في أربع، قلت: يا رسول الله، لو اتّخذت من مقام إبراهيم مصلّى، فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة ١٢٥] وقلت: يا رسول الله، لو ضربت على نسائك الحجاب، فإنّه يدخل عليهنّ البرّ والفاجر، فأنزل الله تعالى وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الأحزاب ٥٣] ، ونزلت هذه الآية وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ إلى قوله: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون ١٤] . فلما نزلت قلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين فنزلت: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ/ [المؤمنون ١٤] ودخلت على أزواج النبي- ﷺ فقلت لهن: لتنتهين أو ليبدّلنّه الله أزواجا خيرا منكنّ فنزلت هذه الآية عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [التحريم ٥] . وروى سعيد بن منصور، والإمام أحمد والدارقطنيّ والدّارميّ والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر وابن أبي عاصم وابن جرير والطّحاويّ وابن حبّان والدارقطنيّ في الإفراد، وابن شاهين في السنة، وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية- والبيهقي عنه- رضي الله تعالى عنه- قال: وافقت ربي في ثلاث قلت: يا رسول الله، لو اتّخذت من مقام إبراهيم مصلّى، فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة ١٢٥] ، وقلت: يا رسول الله، إنّ نساءك يدخل عليهنّ البرّ والفاجر، فلو أمرتهنّ أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله- ﷺ نساؤه من الغيرة فقلت: عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدّله أزواجا خيرا منكنّ فنزلت كذلك [التحريم ٥] . وروى الترمذي وقال: حسن صحيح عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «ما نزل بالنّاس أمر قطّ، فقالوا فيه، وقال عمر إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر» . ومن كراماته قصة سارية المشهورة حيث كان يخطب يوم الجمعة في السّنة التي مات فيها، فقال في أثناء كلامه: يا سارية بن الحصين، الجبل الجبل، فنظر النّاس بعضهم إلى بعض فلم يفهموا ما قال، فقال له عليّ لمّا نزل: ما هذا الكلام الذي قلته؟ قال: وقد سمعتني قال:

стр. 5062

سمعتك أنا وكلّ من في المسجد، فقال: رأيت أصحابنا (بنهاوند) [ (١) ] وقد أحاط بهم العدو، وهناك جبل فإن اعتصموا إليه سلموا وظفروا، وإلّا فيهلكوا فجاء البشير بعد شهر بخبر نصر المسلمين، وأنهم سمعوا في ذلك الوقت صوتا يشبه صوت عمر، يا سارية بن حصين، الجبل الجبل، فعدلوا إليه، فانتصروا وظفروا، فكشف له عن حال السّرية حتى عاينهم ببصره وارتفع بصره وصوته إلى أن سمعوه في ذلك الوقت، فلما جاءه البشير أخبره بذلك. وفتح على يديه فتوحات كثيرة منها بيت المقدس، ومن مناقبه قوله «لو أنّ جملا من ولد الضّأن، ضاع على شط الفرات لخفت أن يسألني الله تعالى عنه» ومنها: تواضعه مع رفعة قدره وجلالة منصبه ومنها أنه كان في عام الرمادة يصوم النهار، فإذا أمسى أتى بخبز وزيت فجعل يكسر بيده ويثرد الخبز ثم قال: ويحك تأمرنا، ارفع هذه الجفنة حتّى تأتي بها أهل بيت معترّين فضعها بين أيديهم، وقد حلف في ذلك العام أن لا يأكل سمنا ولا سمينا حتّى يأكل النّاس، وما أثر عنه من كلماته وجدنا علينا الصّبر، إنّ الطّمع فقر واليأس عزّ. جالس التّوّابين فإنّهم أرق شيء أفئدة. كونوا أوعية الكتاب وينابيع العلم، واسألوا رزق يوم بيوم. وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ومهّدوا لها قبل أن تعذّبوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية. لو أنّ مثل الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه. والذي نفسي بيده لوددتّ أنّي خرجت منها- يعني الخلافة كما دخلت فيها لا أجرا ولا وزرا. ولو نادى مناد من السماء: أيها الناس، إنّكم داخلون الجنّة إلا رجلاً واحداً لخفت أن أكون أنا هو، ولو نادى مناد من السماء: أيها الناس، إنّكم داخلون النّار كلّكم إلا رجلاً واحداً لرجوت أن أكون أنا هو. وروى البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلّون قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم تر عيني إلا رجلا وقد أخذ بمنكبيّ من ورائي فالتفتّ، فإذا هو علي بن أبي طالب فترحم على عمر، وقال: ما خلق الله أحدا أحب إلي من أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله، إن كنت لأظنّ أن يجعلك مع

стр. 5063

صاحبيك وذلك أني كنت كثيرا أسمع رسول الله- ﷺ يقول: «ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأظنّ أن يجعلك الله معهما» . رواه مسلم عن أبي بكر. وروى مسلم في صحيحه والحافظ والبيهقي عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن عمر- رضي الله تعالى عنه- أصاب أرضا بخيبر، فقال: يا رسول الله، إنّي أصبت أرضا، والله ما أصبت مالا قطّ هو أنفس عندي منها فما تأمرني يا رسول الله؟ قال: إن شئت تصدّقت بها وحبست أصلها، فقال: فجعلها عمر صدقة لا تباع، ولا توهب، ولا تورث فتصدّق بها على الفقراء وذي القربى وفي سبيل الله، قال ابن عوف: احبسه قال: والضّيف ولا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف، ويطعم صديقا غير متموّل، قال ابن عوز: فذكرته لابن سيرين فقال: «غير متأثل مالا» . وروى [البخاري] أن عمر- رضي الله تعالى عنه- تصدّق بماله على عهد رسول الله- ﷺ وكان يقال له: ثمغ وكان نخلا فقال عمر: يا رسول الله، إني استنفدت مالا وهو عندي نفيس، فأردت أن أتصدق به، فقال النبي- ﷺ : «تصدّق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن تنفق ثمرته فتصدّق به عمر، فصدقته تلك في سبيل الله، وفي الرّقاب، والمساكين، والضيف وابن السبيل، ولذوي القربى، ولا جناح على من وليه أن يأكل بالمعروف أو يوكل صديقه غير متمول به» [ (١) ] . وروى البيهقي عن يحيى بن سعيد أنّ صدقة عمر- رضي الله تعالى عنه- نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب في ثمغ أنه إلى حفصة ما عاشت تنفق ثمرته حيث أراها الله، فإن توفّيت فإنه إلى ذي الرّأي من أهله، وفي لفظ: «من ولدي» لا يشرى أصله أبدا، ولا يوهب من وليه فلا حرج عليه في ثمره، إن أكل أو آكل صديقا غير متأثل مالا فما عفا عنه من ثمره، فهو للسائل والمحروم، والضيف، وذوي القربى، وابن سبيل وفي سبيل الله، تنفقه حيث أراها الله من ذلك فإن توفيت فإلى ذي الرأي من ولدي والمائة الوسق الذي أطعمني محمد رسول الله- ﷺ بالوادي بيدي، لم أهلكها فإنه مع [ثمغ] على سنته التي أمرت بها، وإن شاء لي ثمغ اشترى من ثمره رقيقا لعمله، وكتب معيقيب وشهد عبد الله ابن الأرقم، بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين: إن حدث به حدث إن ثمغا وصرمة بن الأكوع والعبد الذي فيه، والمائة سهم الذي بخيبر، ودقيقه الذي

стр. 5064

فيه، والمائة يعني الوسق الذي أطعمه محمد رسول الله- ﷺ ، تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذوو الرّأي من أهلها، لا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث رأى في السائل والمحروم، وذوي القربى، ولا حرج على وليه إن أكل أو آكل أو اشترى له رقيقا منه» [ (١) ] . وروى الطبراني من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم عن زيد بن أسلم- رحمه الله تعالى- أن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال للسّتّة الذين خرج رسول الله- ﷺ وهو عنهم راض، بايعوا لمن بايع له عبد الرحمن بن عوف، فمن أبى فاضربوا عنقه» . وروى أن سعيد بن زيد- رضي الله تعالى عنه- بكى عند موت عمر- رضي الله تعالى عنه- فقيل: ما يبكيك؟ فقال: على الإسلام أبكي، إنّه بموت عمر ثلم الإسلام ثلمة لا ترتق إلى يوم القيامة» [ (٢) ] . وروى [ابن سعد في الطبقات] عن زيد بن وهب- رحمة الله تعالى- قال: أتينا عبد الله بن مسعود فذكر عمر فبكى حتى ابتلّ الحصى من دموعه، وقال: إنّ عمر كان حصنا حصينا للإسلام، يدخل الإسلام فيه ولا يخرج منه فلما مات أثلم الحصن فإذا الناس يخرجون عن الإسلام ولا يدخلون فيه. وروي عن أبي وائل- رضي الله تعالى عنه- قال: قدم علينا عبد الله بن مسعود ينعي إلينا عمر، فلم أر يوما كان أكثر باكيا ولا حزينا منه، ثم قال: والله لو أعلم أن عمر كان يحبّ كلبا لأحببته، والله إني أحسب العضاة قد وجد فقد عمر [ (٣) ] . وروى عنه قال: قال عبد الله: لو أنّ علم عمر بن الخطاب وضع في كفة الميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر» . وروى عن إبراهيم عن عبد الله قال: إنّي لأحسب عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم، قال: كان عمرا أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله، وكان إسلامه فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت خلافته رحمة. وروي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال أبو طلحة الأنصاري: والله ما أهل بيت من المسلمين إلّا وقد دخله في موت عمر نقص في دينهم ودنياهم» .

стр. 5065

وروى أنّ حذيفة قال: «إنما كان مثل الإسلام أيّام عمر مثل امرئ مقبل: لم يزل في قتال، فلما قتل أدبر فلم يزل في إدبار» وروى أنّ عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: من رأى ابن الخطاب علم أنّه خلق عونا للإسلام، كان والله، أحوذيا، نسيج وحده، وقد أعدّ للأمور أقرانها. وروى عنه عنها «إذا ذكرتم عمر طال المجلس» . وروى عن طارق بن شهاب قال: قالت أم أيمن- رضي الله تعالى عنها- يوم أصيب عمر- رضي الله تعالى عنه-: اليوم وهي الإسلام، قال الشّعبيّ: إذا اختلف النّاس في شيء فأنظر كيف صنع عمر، فإن عمر لم يكن يصنع شيئا حتّى يشاور. قال قتيبة بن جابر: صحبت عمر فما رأيت أقرأ منه لكتاب الله، ولا أفقه في دين الله، ولا أحسن دراسة منه. قال الحسن البصريّ: إذا أراد أحد أن يطيّب المجلس، فأفيضوا في ذكر عمر. وروى عنه أنه قال: أيّ أهل بيت لم يجدوا فقده فهم أهل بيت سوء، وقال طلحة بن عبيد الله: كان عمر أزهدنا في الدنيا، وأرغبنا في الآخرة. وقال سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه-: قد علمنا بأيّ شيء فضلنا عمر، كان أزهدنا في الدنيا، ودخل على ابنته حفصة- رضي الله تعالى عنها- فقدّمت له مرقا وصبّت عليه زيتا، فقال: إدامان في إناء واحد لآكله حتى ألقى الله » . وقال أنس- رضي الله تعالى عنه-: لقد رأيت في قميص عمر- رضي الله تعالى عنه- أربع رقاع بين كتفيه وعن أبي عثمان رأيت عمر- رضي الله تعالى عنه- يرمي الجمار وعليه إزار مرقوع بقطعة من أدم وعن غيره أن قميص عمر كان فيه أربع عشرة رقعة أحدها من أدم» . الخامس: في وفاته، وأنه قتل فهو شهيد . وقد روى البخاري عن حفصة قالت: قال عمر- رضي الله تعالى عنه-: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، وميتة في بلد رسولك- ﷺ وذكر قاتله كما ختم الله له بالشّهادة حين طعنه العلج أبو لؤلؤة فيروز، غلام للمغيرة بن شعبة، وهو كامن له في زوايا المسجد، وعمر قام يصلّي في صلاة الصّبح عند إحرامه، بسكين مسمومة ذات طرفين في كتفه وخاصرته، قال: الحمد لله الذّي لم يجعل ميتتي على يد أحد يدّعي الإسلام. وطعن معه ثلاثة عشر رجلا فمات سبعة وعاش الباقون، فطرح عليه برنس، فلما أحسّ أنّه مقتول قتل نفسه وفي رواية

стр. 5066

«فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبا فلما اعتم قتل نفسه وشرب عمر لبنا فخرج من جوفه فعلم أنّه ميّت فأشاروا عليه بالوصيّة فجعل الخلافة شورى بين عليّ، وطلحة والزّبير، وسعد، وعبد الرّحمن، وعثمان بن عفان وقال: لا أعلم أحدا أحق من هؤلاء الذين توفي رسول الله- ﷺ وهو عنهم راض، وقال: يؤمّر المسلمون أحد هؤلاء لا أعلم أحدا أحق من هؤلاء الستة وحسب الدين الذي كان عليه فوجده ستّة وثمانين ألفا أو نحوه، فقال لابنه عبد الله: إن وفّى ما لي دين عمر، فأدّوه منه، وإلا فسل من بني عدي، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، ثم بعث ابنه عبد الله إلى عائشة- رضي الله تعالى عنها- فقال: قل: يقرأ عمر عليك السّلام ولا تقل: أمير المؤمنين. فلست اليوم أميرهم، وقل: ليستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فجاء وسلّم واستأذن فدخل فوجدها تبكي، فقال لها: فقالت: كنت أراه لنفسي ولأوثرنّه اليوم على نفسي، فلمّا أقبل عبد الله من عندها، قيل لعمر: هذا عبد الله، قال: ارفعوني فأسنده رجل، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحبّ، قال: قد أذنت، قال: الحمد لله ما كان شيء أهمّ إليّ من ذلك. فإذا أنا قبضت فاحملوني ثم سلّم وقل: يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردّتني ردّوني إلى مقابر المسلمين، وأوصاهم أن يقتصدوا في كفنه ولا يتعالوا وطعن يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وغسّله ابنه عبد الله، وحمل على سرير رسول الله- ﷺ في مسجد رسول الله- ﷺ ، وصلّى بهم عليه صهيب وكبّر أربعا، ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين، وقيل: توفي لأربع بقين من ذي الحجّة، وقيل: لثلاث، وقيل: لليلة، وتوفّي وهو ابن ثلاث وستّين سنة على الصحيح المشهور، ثبت ذلك في الصحيح عن معاوية بن أبي سفيان وقال الجمهور: والصّحيح أن سنه- ﷺ وأبي بكر وعمر، وعلي، وعائشة ثلاث وستّون، ونزل في قبره ابنه عبد الله وعثمان وسعيد بن زيد وهو أول من اتخذ الدّرّة، وفتح الله في ولايته بيت المقدس، و «دمشق» ، وزنيم «قرقيسيا» والسوس واليرموك، ثم كانت وقعة الجابية و «الأهواز» ، وكورها على يدي أبي موسى الأشعري «وجلولاء» سنة تسع عشرة، وأميرها سعد بن أبي وقاص وقيساريّة، وأميرها معاوية، ثم وقعة باب النون وأميرها عمرو بن العاص، ثم وقعة «نهاوند» سنة إحدى وعشرين، وأميرها النّعمان بن ميمون المزني، ثم فتح الله الأهواز سنة اثنتين وعشرين، وأميرها المغيرة بن شعبة، وكانت «إصطخر» الأولى وهمذان سنة ثماني عشرة، وحج بالنّاس عشر سنين متواليات. تنبيهان: الأوّل: قوله إلا سلك فجّاً غير فجّك، الفجّ، بالفاء والجيم: الطريق الواسع.

стр. 5067

قال الكرماني: إن قلت: يلزم أن يكون أفضل من أيوب ونحوه إذ قال: مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ [ص ٤١] قلت: لا إذ التّركيب لا يدلّ إلا على الزمن الماضي، وذلك أيضا مخصوص بحال الإسلام فليس على ظاهره، وأيضا هو مقيد بحال سلوك الطريق، فجاز أن يلقاه على غير تلك الحالة انتهى، وقال القاضي عياض: ويحتمل أنه ضرب مثلا لبعد الشيطان وأعوانه من عمر، وأنّه لا سبيل له عليه أي إنّك إذا سلكت في أمر بمعروف أو نهي عن منكر تنفذ فيه ولا تتركه، فليس للشيطان أن يوسوس فيه فيتركه، ويسلك غيره، وليس المراد والطّريق على الحقيقة، لأنّه تعالى قال: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف ٢٧] فلا يخافه إذا لقيه في فجّ لأنه لا يراه. انتهى. الثاني: في بيان غريب ما سبق (.......)

стр. 5068

الباب التاسع في بعض فضائل أمير المؤمنين عثمان بن عفان- رضي الله تعالى عنه - وفيه أنواع: الأول: في مولده . ولد في السّنة السّادسة بعد الفيل، بويع له بالخلافة غرّة المحرّم سنة أربع وعشرين، وكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا ليالي. الثاني: في أنّه أحد العشرة المبشرة بالجنة وأحد السّتّة أصحاب الشّورى التي جعلها عمر- رضي الله تعالى عنه- بينهم، وقال: لا أحمل أمركم حيّا وميّتا وإن يرد الله بكم خيرا يجمعكم على خير هؤلاء كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله- ﷺ وقال: ما أظنّ النّاس يعدلون بعثمان وعليّ أحدا إنّهما كانا يكتبان الوحي بين يدي النبي- ﷺ وهم: عثمان، وعليّ، وطلحة، والزّبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، فلما مات عمر- رضي الله تعالى عنه- وأحضرت جنازته تبادر إليه علي وعثمان أيّهما يصلّي عليه فقال لهما عبد الرحمن بن عوف: لستما من هذا في شيء، إنّما هذا في صهيب الذي أمره أمير المؤمنين عمر يصلّي بالناس فتقدم صهيب- وصلى عليه فلمّا فرغ شأن عمر- رضي الله تعالى عنه- جمعهم المقداد بن الأسود في بيت المسور بن مخرمة، وقيل: في حجرة عائشة، وقيل: في بيت المال، وقيل: في بيت فاطمة بنت قيس، والأوّل أشبه، وقام أبو طلحة يحجبهم، ثم صار الأمر إلى أن فوّض الأمر الزبير إلى علي وسعد إلى عبد الرحمن بن عوف، وطلحة لعثمان، ثم قال عبد الرحمن بن عوف- رضي الله تعالى عنه-: فإني أترك حقّي من ذلك والله على أن أجتهد والإسلام، فأولي أولا كما بالحقّ، فقالا: نعم، ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل، وأخذ عليه العهد والميثاق أن ولاه ليعدلنّ، ولئن ولّي عليه ليسمعنّ، فقال كل منهما: نعم، ثم نهض عبد الرحمن بن عوف- رضي الله تعالى عنه- يتشير النّاس فيهما، ويجتمع برؤوس النّاس وغيرهم مثنى وفرادى، وجمعا وأشتاتا، سرّا وجهرا، حتى خلص إلى النّساء المخدّرات في حجابهنّ، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتّى سأل من يرد من الرّكبان والأعراب إلى المدينة في مدّة ثلاثة أيّام بلياليهنّ، فلم يجد اثنتين مختلفين في تقديم عثمان إلا ما ينقل عن عمّار والمقداد، فإنهما أشارا لعلي بن أبي طالب، ثم بايعا مع النّاس، فسعى عبد الرحمن في تلك الأيام، واجتهد اجتهادا كثيرا، ثم صعد منبر رسول الله- ﷺ فقام على الدّرجة الّتي يجلس عليها رسول الله- ﷺ ووقف وقوفا طويلا ودعا دعاء طويلا، ثم قال: أيّها الناس، قد سألتكم سرّا، وجهرا، مثنى وفرادى، فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين

стр. 5069

الرّجلين، فقم إليّ يا عليّ، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده، فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيه- ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟ فقال: اللهمّ لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، فأرسل يده، وقال: قم يا عثمان، فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة رسوله- ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم، قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم إنّي قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان، وازدحم النّاس يبايعون عثمان وبايعه علي بن أبي طالب أوّلا، ويقال آخرا، هذا الذي يجب الاعتماد إليه، وأمّا ما هو مسطور في كتب المؤرّخين وأرباب السّير فلا يعرّج عليه، ثم إنّ عثمان- رضي الله تعالى عنه- لما بويع رقى إلى منبر النبي- ﷺ بعد العصر أو قبل الزّوال يومئذ وعبد الرحمن جالس في رأس المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على رسوله- ﷺ وقال: أيها الناس: إنكم في بقيّة آجالكم، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، ولا تغرّنّكم الحياة الدّنيا، ولا يغرّنّكم بالله الغرور، واعتبروا بمن مضى من القرون وانقضى ثم جدّوا ولا تغفلوا أين أبناء الدنيا وإخوانها؟ أين الذين شيّدوها وعمّروها وتمتّعوا بها طويلا؟ ألم تلفظهم؟ ارموا بالدنيا حيث رمى الله ، واطلبوا الآخرة حيث رغب الله- فيها، فإن الله- قد ضرب لكلّ مثلا، فقال : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [الكهف ٤٥] . وفي لفظ: لمّا بويع له خرج إلى الناس فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيّها النّاس، اتّقوا الله، فإن تقوى الله غنم، وإنّ أكيس النّاس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، وفي خطبة أخرى: قال ابن آدم اعلم أن ملك الموت الذي وكلّ بك لم يزل يخلفك ويتخطّاك إلى غيرك منذ أتيت في الدّنيا، وكأنّه قد تخطى غيرك إليك وقصدك فخذ حذرك واستعدّ له ولا تغفل، فإنه لا يغفل عنك، واعلم أنك إن غفلت عن نفسك ولم تستعد فلا بد من لقاء الله، فخذ لنفسك ولا تكلها إلى غيرك، والسّلام. وفي أخرى: إن الله أعطاكم الدّنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطيكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى، فلا تشتغلوا بالفانية عن الباقية وآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإنّ الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله، واتّقوا الله فإنّ تقواه جنّة من عذابه ووسيلة عنده، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء، فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا. الثالث: في استحياء النبي- ﷺ منه . روى الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد بن العاص أخبره أنّ عائشة- رضي الله تعالى

стр. 5070

عنهما- أخبراه أن أبا بكر استأذن على النبي- ﷺ وهو مضطجع على مرط عائشة فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته. ثم انصرف، فاستأذن عمر فأذن له، وهو على تلك الحالة، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثمّ استأذنت عليه فجلس وقال: اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليّ حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله، ما لي أراك لم تفزع لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان، فقال رسول الله- ﷺ : «إنّ عثمان رجل حييّ وإنّي خشيت إن أذنت له على تلك الحالة أن لا يبلغ إلى حاجته» [ (١) ] . وروى مسلم من حديث الليث بن سعد وصالح بن كيسان عن الزّهريّ ومن حديث محمد بن أبي حرملة عن عطاء وسليمان بن يسار وأبي سلمة عن عائشة وأبو يعلى من حديث سهيل عنها، والطبراني عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- وهو غريب- قالوا: بينما رسول الله- ﷺ جالس وعائشة وراءه استأذن أبو بكر فدخل، ثم استأذن عمر فدخل، ثم استأذن سعد بن أبي وقّاص فدخل، ثم استأذن عثمان بن عفّان ورسول الله- ﷺ يتحدث كاشفا عن ركبتيه فغطّاهما حين استأذن عثمان، وقال لعائشة: استأخري فتحدثوا ساعة ثم خرجوا، قالت عائشة: يا رسول الله، دخل أبي وأصحابه فلم تصلح ثوبك على ركبتيك ولم تؤخّرني عنك، فقال النبي- ﷺ : «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة، والذي نفس رسول الله- ﷺ بيده، إنّ الملائكة تستحي من عثمان كما تستحي من الله ورسوله، ولو دخل وأنت قريبة منّي لم يتحدّث ولم يرفع رأسه حتى يخرج» [ (٢) ] . وروى أبو نعيم في الحلية- عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : أشد الناس حياء عثمان بن عفان، وفي لفظ: «عثمان أحيى أمّتي وأكرمها» . وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن أبي أوفى- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إنّ عثمان رجل حييّ» . وروى أبو يعلى عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أن رسول الله- ﷺ قال: «إن عثمان حييّ ستّير» . وروى ابن عساكر عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : عثمان حييّ تستحي منه الملائكة. وروى الطبراني في الكبير وابن عساكر عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله- ﷺ :

стр. 5071

«مرّ بي عثمان بن عفان، وعندي جيل من الملائكة، فقالوا: شهيد من الأمّيّين يقتله قومه إنا لنستحي منه» . الرابع: في دعائه- ﷺ له وتجهيزه جيش العسرة وغير ذلك روى ابن عساكر عن عائشة وأبو نعيم وابن عساكر عن علي وأبي سعيد، وابن عساكر عن يوسف بن سهل بن يوسف الأنصاري عن أبيه عن جده وابن عساكر عن ليث بن أبي سليم مرسلا، وابن عساكر عن زيد بن أسلم والطبراني في الأوسط- وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنهم- وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر- أن رسول الله- ﷺ قال: «اللهمّ ارض عن عثمان» وفي لفظ «رضيت عن عثمان فارض عنه ثلاثا» ، وفي لفظ «أن عثمان يترضّاك فارض عنه» وفي لفظ «بعث عثمان إلى رسول الله- ﷺ بناقة هيباء، فقال: «اللهم، جوّزه على الصراط» وفي لفظ «اللهم، اغفر لعثمان ما أقبل وما أدبر وما أخفى وما أعلن، وما أسرّ وما أجهر» ، وفي لفظ «غفر الله لك يا عثمان ما قدّمت وما أخّرت وما أسررت وما أعلنت وما أخفيت، وما أبديت، وما كان منك وما هو كائن إلى يوم القيامة» . وروى أبو نعيم في فضائل الصحابة عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: لما جهز رسول الله- ﷺ جيش العسرة جاء عثمان بألف دينار فصّبها في حجر رسول الله- ﷺ فقال رسول الله- ﷺ : «اللهم لا تنس لعثمان ما عمل بعد هذا» [ (١) ] . وروى الطبراني عن أم سلمة عن بشر بن بشير الأسلميّ عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال: لمّا قدم المهاجرون المدينة اشتكوا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة وكان يبيع منها القربة بمدّ، فقال له النبي- ﷺ : بعنيها بعين من الجنة فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرها لا أستطيع ذلك، فبلغ ذلك عثمان- رضي الله تعالى عنه- فاشتراها منه بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله، أتجعل لي الذي جعلته له عينا في الجنة؟ قال: نعم، قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين. وروى الإمام أحمد واللفظ له وابن ماجه مختصرا عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: جاء عثمان، فاستأذن، فأذن له رسول الله- ﷺ فناجاه طويلا، ثم قال: يا عثمان إن الله يقمصك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه لهم ولا كرامة يقولها مرتين أو ثلاثا [ (٢) ] .

стр. 5072

وروى ابن عدي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال لعثمان: «يا عثمان، إنّك ستبوء بالخلافة من بعدي، وسيريدك المنافقون على خلعها فلا تخلعها وصم في ذلك تفطر عندي» . وروى الحاكم عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: إنّ عثمان ليتحوّل من منزل إلى منزل فتبرق له الجنة [ (١) ] . وروى الخطيب في المتّفق وابن عساكر عن طلحة بن عبيد الله وابن عساكر عن أبي هريرة وابن عساكر عن عائشة والطبراني في الكبير عن ابن عمر، والإمام أحمد والترمذي، وقال: حسن غريب، والطبراني والإمام أحمد عن النعمان بن بشير وعائشة- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال لعثمان: «يا عثمان، إن الله يقمّصك قميصا» وفي لفظ «أن كساك الله قميصا يريدك» وفي لفظ «فأرادك الناس على خلعه» وفي لفظ «فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني» ، وفي لفظ «فإن أنت خلعته لم تر رائحة الجنة» وفي لفظ «فو الله لئن خلعته لا ترى الجنّة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط» . وروى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أرسل رسول الله- ﷺ إلى عثمان بن عفّان، فأقبل على عثمان رسول الله- ﷺ وأقبلت إحدانا على أخرى فكان في آخر كلامه أن ضرب منكبيه، وقال: يا عثمان، عسى أن يلبسك الله قميصا، فإن أرادك المنافقون على خلعه، فلا تخلعه حتى تلقاني، وفي لفظ: كأن من آخر كلام رسول الله- ﷺ أن ضرب منكب عثمان، وقال: يا عثمان، عسى أن يلبسك الله قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني. وروى الخطيب في المتفق والمفترق وابن عساكر عن طلحة بن عبيد الله والترمذي وضعفه وأبو يعلى وابن عساكر عن طلحة بن عبيد الله وابن ماجة وابن عدي وابن عساكر عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «إن لكلّ نبيّ» وفي لفظ «لكل نبيّ رفيق في الجنّة ورفيقي فيها» وفي لفظ «وإنّ رفيقي في الجنة» عثمان بن عفان [ (٢) ] . وروى ابن عدي في الكامل والعقيلي في الضعفاء وابن عساكر والديلمي عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «إنّا لنشبه عثمان بأبينا إبراهيم ﵊» .

стр. 5073

وروى ابن عساكر عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «ليشفعنّ عثمان بن عفان في سبعين ألفاً من أمّتي قد استوجبوا النار حتّى يدخلهم الله الجنة» . وروى الطبراني في الكبير عن عبد الرحمن بن عفان الدوسي أن رسول الله- ﷺ دخل على ابنته وهي تغسل رأس عثمان، فقال: يا بنيّة، أحسني إلى أبي عبد الله، فإنّه أشبه أصحابي بي خلقا. وروى الطبراني في الكبير عن عصمة بن مالك الخطمي، أن رسول الله- ﷺ قال: «زوّجوا عثمان، ولو كانت لي ثالثة لزوّجته، وما زوّجته إلا بوحي من الله تعالى» . وروى أبو يعلى والبيهقي والطبراني عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أنّ عثمان هاجر إلى الحبشة ومعه زوجته فقال النبي- ﷺ : صحبهما الله إنّ عثمان أول من هاجر بعد لوط. وروى أبو يعلى وابن عساكر عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عثمان ولييّ في الدّنيا ووليّ في الآخرة» . وروى ابن عساكر عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: ما صعد رسول الله- ﷺ المنبر قطّ إلا قال: «عثمان في الجنة» . وروى ابن عساكر عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «لكل نبيّ خليل في أمّته، وإن خليلي عثمان بن عفان» . وروى الإمام أحمد والحاكم وأبو نعيم في الحلية عن عبد الرحمن بن سمرة والطبراني في الكبير عن عمران بن حصين والإمام أحمد عن عبد الرحمن بن خبّاب السّلمي، وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن ابن عمر، والطبراني في الكبير، وأبو نعيم في الحلية عن عبد الرّحمن ابن خبّاب السّلمي أن رسول الله- ﷺ قال: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد هذا اليوم أبدا وفي لفظ «ما عمل عثمان بعد اليوم» . وروى إسحاق بن راهويه بسند حسن عن أفلح عن أبي أيوب الأنصاري- رضي الله تعالى عنه- قال: كان عبد الله بن سلام قبل أن يأتي أهل مصر يدخل على رؤوس قريش، فيقول لها: لا تقتلوا هذا الرجل يعني عثمان، فيقولون: والله ما نريد قتله، فيخرج وهو يقول: والله لتقتلنّه، ثم قال لهم: لا تقتلوه، فو الله ليموتن إلى أربعين يوما فخرج عليهم بعد أيام فقال لهم: لا تقتلوه فو الله ليموتن إلى [ (١) ] خمس عشرة ليلة.

стр. 5074

وروى ابن سعد وابن عساكر عن طاوس قال: سئل عبد الله بن سلام حين قتل عثمان كيف تجدون صفة عثمان في كتبكم؟ قال: «نجده يوم القيامة أميرا على القاتل والخاذل» . وروى أبو القاسم البغوي عن سعيد بن عبد العزيز، قال: لما توفي رسول الله- ﷺ قيل لذي قربات الحميري وكان من أعلم يهود: يا ذا قربات، من بعده؟ قال: الأمين يعني أبا بكر، قيل: فمن بعده، قال: قرن من حديد يعني: عمر، قيل: فمن بعده قال: الأزهر يعني عثمان، قيل: فمن بعده قال: الوضاح المنصور يعني معاوية. وروى إسحاق بن راهويه والطبراني عن عبد الله بن مغفل قال: قال لي ابن سلام: لما قتل عليّ هذا رأس الأربعين، وسيكون بعده صلح. وروى ابن سعد عن أبي صالح- رضي الله تعالى عنه- قال: كان الحادي يحدو بعثمان وهو يقول: إن الأمير بعده علي ... وفي الزبير خلف موضي فقال كعب: «بل هو معاوية» فأخبر معاوية بذلك، فقال: يا أبا إسحاق، أنى يكون هذا وها هنا أصحاب محمد- ﷺ علي والزبير، قال: أنت صاحبها. وروى الطبراني، والبيهقي عن محمد بن يزيد الثقفي قال: اصطحب قيس بن حرشة وكعب الأحبار حتى إذا بلغا صفين وقف كعب، ثم نظر ساعة، ثم قال: ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة من الأرض مثله. فقال قيس: ما يدريك فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله به، فقال كعب: «ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة الذي انزل الله على موسى ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة» . الخامس: في وفاته ومن قتله وشيء من آثاره وما فتح في زمنه . توفي والنبي- ﷺ راض عنه وأبو بكر وعمر- رضي الله تعالى عنهم- وقتل شهيدا يوم الجمعة لثمان خلون من ذي الحجة، وقيل: لثماني عشرة خلت منه بعد العصر، ودفن بالبقيع سنة خمس وثلاثين، وقيل: يوم الأربعاء، وهو ابن تسعين سنة، وقيل: ثمان وثمانين، وهو الصحيح. وقيل: وعشرين، وصلّى عليه جبير بن مطعم ودفن ليلا بالبقيع، وأخفى قبره ذلك الوقت، وإنّما دفن ليلا للعجز عن إظهار دفنه، لغلبة قاتليه، وقيل: لم يصل عليه، ودفن بثيابه في دمائه ولم يغسّل وقيل: حكيم بن حزام، وقيل: المسور بن مخرمة، وقيل: مروان ونائلة وأم البنين زوجتاه وهما اللّتان دلّلتاه، في حفرته على الرجال الذين نزلوا في قبره، ولحدّوا له، وغيّبوا

стр. 5075

قبره، وتفرّقوا، وكانت نائلة مليحة الثّغر، فكسرت ثناياها بحجر، وقالت: والله لا يجتليكن أحد بعد عثمان، وخطبها معاوية بالشام فأبت» . وروى الترمذي عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: ذكر رسول الله- ﷺ فتنة فقال يقتل فيها هذا مظلوما، لعثمان. وروى أيضا عن أبي سهلة مولى عثمان، قال: قال عثمان- رضي الله تعالى عنه- يوم الدار: أن رسول الله- ﷺ عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه ولم يلبس السّراويل في جاهلية ولا إسلام إلّا يوم قتل. وروى البخاري عن عثمان بن موهب- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله [ (١) ] بن عمر، قال: يا بن عمر إنّي سائلك عن شيء فحدّثني عنه، هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد قال: نعم، قال: تعلم أنّه تغيّب عن بدر ولم يشهد قال: نعم، قال: هل تعلم أنّه تغيّب عن بيعة الرّضوان ولم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، فقال ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما-: تعال، أبيّن لك، أمّا فراره يوم أحد فأشهد أن الله تعالى عفا عنه وغفر له، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إلى قوله عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [آل عمران ١٥٥] ، وأما تغيّبه عن بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول الله- ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله- ﷺ : أن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأمّا تغيبه عن بيعة الرّضوان، فلو كان أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله- ﷺ عثمان، وكانت بيعة الرّضوان بعد ما ذهب عثمان- رضي الله تعالى عنه- إلى مكة، فقال النبي- ﷺ بيده اليمنى هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان، فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك» . وروى أبو يعلى عن الحسن بن علي- رضي الله تعالى عنهما- أن الحسن قام خطيبا، فقال: أيّها النّاس، إني رأيت البارحة في منامي عجبا، رأيت ربّ العزة ﷻ فوق عرشه فجاء رسول الله- ﷺ عند قائمة من قوائم العرش، ثم جاء أبو بكر وعمر، ثم جاء عثمان فقال: يا رب سل عبادك، فيم قتلوني، فانبعث من السّماء ميزابان من دم الأرض قال: فقيل لعليّ: ألا ترى إلى ما تحدّث به الحسن؟! فقال: يحدّث بما رأى؟! وقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: قتل عثمان مظلوما بالطّعن لعن الله قتلته! وحجّ بالنّاس عشر سنين متوالية، فتح من

стр. 5076

العام الذي بويع سنة أربع وعشرين بلاد الرّيّ بكما لها، وفي سنة خمس وعشرين فتحت بلاد أرمينيّة، وفي سنة ستّ وعشرين فتحت اسكندرية ثاني مرّة، والقيروان وغيرها، وفي سنة سبع وعشرين فتحت إفريقية وبلاد المغرب، وفي سنة ثمان وعشرين فتحت إصطخر وما والاها، وفي تسع وعشرين فتحت بلاد فارس ثاني مرّة، وفي سنة ثلاثين كانت غزوة البحر وفتحت بلاد كثيرة بالغرب، وفي سنة إحدى وثلاثين فتحت صقلّيّة وغيرها، وفي اثنتين وثلاثين فتحت قبرص، وفي ثلاث وثلاثين فتحت بعض بلاد الأندلس، وفي أربع وثلاثين كانت غزوة ذي حسب وفتحت أطراف خراسان وما والاها، وفي سنة خمس وثلاثين فتحت بلاد كثيرة من بلاد الهند وغيرها من بلاد الغرب والأندلس، وكان يعتق في كل جمعة عتيقا، فإن تعذّر عليه أعتق في الجمعة الأخرى عتيقين، وقال مولاه حمدان: كان يغتسل كل يوم منذ أسلم، ولم يمس فرجه بيمينه منذ بايع بها رسول الله- ﷺ وكان نقش خاتمه «آمنت بالّذي خلق فسوّى» ، وفي رواية أخرى «آمن عثمان بالله العظيم» . وروى ابن سعد أن امرأة كانت تدخل على عثمان- رضي الله تعالى عنه- وهو محصور، فولدت، ففقدها يوما، فقيل: إنّها قد ولدت غلاما، فأرسل إليها بخمسين درهما سنبلانيّة، وقال: هذا غطاء ابنك وكسوته، فإذا مرّت به سنة رفعناه إلى مائة، وكان يصلّي بالقرآن العظيم في (ركعة) [ (١) ] عند الحجر الأسود أيّام الحج، وكان هذا دأبه، وقال ابن عمر في قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر ٩] . هو عثمان، وقال ابن عباس في قوله تعالى هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل ٧٦] وقال حسّان- رحمه الله تعالى-: ضحّوا بأشمط عنوان السّجود له ... يقطع اللّيل تسبيحا وقرآنا وقال الحسن: قال عثمان- رضي الله تعالى عنه-: لو أنّ قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربّنا ، وإني لأكره أن يأتي يوم لا أنظر في المصحف، وكان إذا قام من اللّيل لا يوقظ أحدا من أهله ليعينه على وضوئه، وكان يصوم الدّهر، وكان لا يرفع المئزر عنه وهو في بيت مغلق عليه، ولا يرفع صلبه مستويا من شدة حيائه. ومن مناقبه الكبار: جمع المصحف، وحرق ما سواه. وروى أبو بكر بن داود في كتاب المصاحف بسنده عن سويد بن غفلة قال: قال علي- رضي الله تعالى عنه- حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته، وهكذا

стр. 5077

رواه أبو داود الطّيالسيّ وعمر بن مسروق عن شعبة، وسبب ذلك خشية الاختلاف في القرآن العظيم، فإنّ حذيفة كان في بعض الغزوات وقد اجتمع فيها خلق عظيم من أهل الشام فكان بعضهم يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود، وأبي الدّرداء، وجماعة من أهل العراق يقرؤون على قراءة ابن مسعود، وأبيّ، فجعل من لم يعلم أن القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره، وربّما يجاوز ذلك إلى تخطئته وكفره، فأدّى ذلك إلى اختلاف شديد، فركب حذيفة إلى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمّة قبل أن تختلف كاختلاف اليهود والنّصارى في كتبهم، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- وشاورهم في ذلك، واتفقوا على كتابة المصحف وأن يجتمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه فاستدعى بالصّحف التي كان الصديق- رضي الله تعالى عنه- قد أمر زيد بن ثابت بكتابته وجمعه، فكان عند الصّدّيق أيّام حياته، ثم كان عند عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- فلما توفّي صار إلى حفصة، فاستدعى به عثمان، وأمر زيد بن ثابت الأنصاريّ أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي، يحضره عبد الله بن الزّبير وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، فكتبوا لأهل الشام مصحفا ولأهل مصر آخر وبعث إلى البصرة مصحفا، وإلى الكوفة آخر، وآخر إلى مكة، وآخر إلى المدينة، وأقر بالمدينة مصحفا، وليست كلها بخط عثمان، بل ولا واحد منها، وإنما هي بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه وخلافته. وروى البيهقي وغيره بسنده عن سويد بن غفلة قال: قال علي: أيها الناس، يقولون: عثمان حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد- ﷺ ولو ولّيت مثل ما ولّي لفعلت مثل الذي فعل، وكان ذلك بإجماع الصّحابة- رضوان الله تعالى عليهم- أجمعين.

стр. 5078

الباب العاشر في بعض فضائل أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي يلتقي مع رسول الله- ﷺ في عبد المطلب الجدّ الأدنى، فهو أقرب العشرة نسبا وينسب إلى هاشم، فيقال: القرشي الهاشميّ ابن عم رسول الله- ﷺ لأبويه. الأول: كنيته أبو الحسن، وكنّاه رسول الله- ﷺ أبا تراب، وكانت أحبّ ما ينادى به إليه، وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. قال أبو عمر: هاشمية ولدت هاشميّا أسلمت وتوفّيت بالمدينة، وشهدها رسول الله- ﷺ وتولّى دفنها وأشعرها قميصه واضطجع في قبرها. روى الطبراني في الكبير والأوسط برجال الصحيح غير روح بن صلاح- وثقه ابن حبان وفيه ضعف عن أنس بن مالك والطبراني في الأوسط برجال ثقات غير سعدان بن الوليد فيحرر رجاله عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قالا: لمّا ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنهما- دخل عليها رسول الله- ﷺ فجلس عند رأسها، فقال: يرحمك الله يا أمّي، كنت أمّي بعد أمّي، تجوعين وتشبعيني وتعرين وتكسيني، وتمنعين نفسك طيبا، وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله تعالى والدّار الآخرة، ثم أمر أن تغسّل ثلاثا ثلاثا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله- ﷺ بيده، ثم خلع رسول الله- ﷺ قميصه فألبسها إيّاه وكفّنها ببرد فوقه، ثم دعا رسول الله- ﷺ أسامة بن زيد، وأبا أيّوب الأنصاريّ، وعمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنهم-، وغلاما أسود يحفرون فحفروا قبرها فلما بلغوا اللّحد حفره رسول الله- ﷺ بيده وأخرج ترابه، فلمّا فرغ دخل رسول الله- ﷺ قبرها فاضطجع فيه، ثم قال: الله الّذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقّنها حجّتها، ووسّع عليها مدخلها بحقّ نبيك والأنبياء الذين من قبلي، فإنّك أرحم الراحمين، وكبّر عليها أربعا، وأدخلوها اللّحد هو والعبّاس وأبو بكر الصّديق- رضي الله تعالى عنه- قال ابن عباس- رضي الله تعالى عنه-: فلما سوى عليها التّراب، قال بعضهم: يا رسول الله، رأيناك صنعت شيئا لم تصنعه بأحد فقال: إنّي ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنّة واضطجعت في قبرها لأخفّف عنها من ضغطة القبر، إنّها كانت أحسن خلق الله إليّ صنيعا بعد أبي طالب. ولد وأبوه غائب فسمّته أمّه حيدرة الأسد الشّجاع، فلمّا قدم أبوه كره هذا الإسم، وسمّاه عليّا، وكان ضخم البطن شاسع المنكب، ضخم الذّراعين مستدقّهما ضخم عضد السّاق، فوق الربعة، ضخم المنكبين، طويل اللّحية عظيمها،

стр. 5079

قد ملأت صدره، أبيض الرأس واللحية، إن عينته من قريب قلت: أسمر، أصلع، شديد الصّلع، بويع له بالخلافة في مسجد رسول الله- ﷺ بعد قتل عثمان- رضي الله تعالى عنهما- بخمسة أيّام، ولم يقبلها حتى تكرّر قولهم له مرارا يوم السبت التّاسع عشر، وقيل: يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وقيل: أول من بايعه طلحة بيده اليمنى، وكانت شلّاء من يوم أحد حيث رمى بها رسول الله- ﷺ ومكث فيها خمس سنين وقيل إلا شهرا. الثاني: في ولده- رضي الله تعالى عنهم -. له من الولد الحسن والحسين ومحسن وزينب الكبرى من فاطمة- رضي الله تعالى عنهم- وله أولاد من غيرها كثيرون، محمد وعمر الأكبر، والعبّاس الأكبر، كلّهم أعقبوا، وكذا الحسن والحسين ومحمّد الأصغر قتل بالطائف والعبّاس الأصغر، وعمر الأصغر قتل بالطائف وعثمان وجعفر قتل بالطائف، وجعفر مات طفلا، وعبد الله الأكبر قتل بالطائف، وعبد الله مات طفلا، وأبو عليّ يقال: مات بالطائف، وعبد الرحمن وحمزة وأبو بكر عتيق، يقال: قتل بالطائف، وعون درج ويحيى مات طفلا، وبناته زينب الصّغرى، وأمّ كلثوم [ (١) ] الكبرى وأمّ كلثوم الصّغرى، ورقيّة الكبرى، ورقيّة، وفاطمة، وفاطمة الصّغرى وفاختة وأمة الله، وحمانة، ورملة، وأمّ سلمة وأم الحسن، وأم الكرام وهي نفيسة وميمونة، وخديجة وأمامة، فالجميع سبعة وثلاثون. الثالث: في فضائله وغزارة علمه، ودعائه له وهو أخو رسول الله- ﷺ بالمؤاخاة، وصهره وأبو السّبطين وأوّل هاشميّ ولد بين هاشميين، وأول خليفة من بني هاشم، وأحد العشرة المبشّرة بالجنة، وأحد السّتة أصحاب الشّورى الذين توفي رسول الله- ﷺ وهو عنهم راض، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد (القلائل) [ (١) ] الرّبّانيّين، والشّجعان المشهورين، والزّهّاد المذكورين، وأحد السّابقين إلى الإسلام، ولم يسجد لصنم قط، وبات ليلة على فراشه- ﷺ يقيه بنفسه، وخلفه بمكّة ليردّ الودائع التي كانت عنده، وكان يحمل راية رسول الله- ﷺ العظمى في القتال، فيقدم بها في بحر العدوّ وشهد معه مشاهده كلّها وأبلى فيها بلاء حسنا، وشهد وقعة أحد وبايعه على الموت، وكان من أشجع النّاس، لم يبارز أحدا قطّ إلا قتله، وسار لمّا وليّ الخلافة بسيرة أبي بكر وعمر- رضي الله تعالى عنهم- في القسم والتسوية بين الناس، وكان إذا ورد عليه مال لم يترك منه شيئا حتّى يقسّمه، وكان يكنس بيت المال ويصلّى فيه، ويقول: يا دنيا غرّي غيري، ولم يخصّ بالولايات إلا أهل الدّيانات.

стр. 5080

وروي له عن رسول الله- ﷺ خمسمائة حديث وستّة وثمانون حديثا. اتّفق البخاري ومسلم منها على عشرين، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، قال ابن المسيّب: ما كان أحد يقول: سلوني غير عليّ، قال ابن عباس: أعطي عليّ تسعة أعشار العلم، والله لقد شاركهم في العشر الباقي. فإذا ثبت لنا الشّيء الباقي عن عليّ لم نعدل عنه إلى غيره، ولّي الخلافة خمس سنين، وقيل إلا شهرا، بويع له على الخلافة في مسجد رسول الله- ﷺ في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ا. هـ. وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بعجة بن عبد الله الجهني- رضي الله تعالى عنه- قال: تزوّج رجل امرأة من جهينة، فولدت له غلاما لستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان فأمر برجمها، فبلغ ذلك عليّا فأتاه فقال: ما تصنع؟ قال: ولدت غلاما لستّة أشهر، وهل يكون ذلك؟ قال عليّ أما سمعت الله تعالى يقول: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف ١٥] وقال وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [البقرة ٢٣٣] فكم تجد بقي إلّا ستّة أشهر؟ فقال عثمان: والله ما فطنت لهذا، عليّ بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها، وكان من قولها لأختها: يا أخية، لا تحزني فو الله، ما كشف فرجي أحد قطّ غيره قال: فشبّ الغلام بعد فاعترف به الرّجل، وكان أشبه النّاس به قال: فرأيت الرجل بعد يتساقط عضوا عضوا على فراشه. وروى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي قال: رفع إليّ عمر امرأة ولدت لستّة أشهر، فسأل عنها أصحاب رسول الله- ﷺ فقال علي: لا رجم عليها ألا ترى أنه يقول: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف ١٥] وقال: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [لقمان ١٤] وكان الحمل ههنا ستة أشهر، فتركها عمر قال: ثم بلغنا أنّها ولدت آخر لستّة أشهر. وروى سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن مكحول وسعيد بن منصور وابن مردويه وأبو نعيم في- الحلية- عنه عن علي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر وابن النّجّار عن بريدة وأبو نعيم من طريق آخر عن عليّ في قوله تعالى: وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ [الحاقة ١٢] قال رسول الله- ﷺ زاد بريدة «يا عليّ، أن الله تعالى أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي وحقّ لك أن تعي، سألت ربي أن يجعلها أذنك، قال مكحول: وكان عليّ يقول: ما سمعت من رسول الله- ﷺ شيئا فنسيته زاد بريدة فنزلت هذه الآية وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ [الحاقة ١٢] .
следующие страницы →