العام الذي بويع سنة أربع وعشرين بلاد الرّيّ بكما لها، وفي سنة خمس وعشرين فتحت بلاد أرمينيّة، وفي سنة ستّ وعشرين فتحت اسكندرية ثاني مرّة، والقيروان وغيرها، وفي سنة سبع وعشرين فتحت إفريقية وبلاد المغرب، وفي سنة ثمان وعشرين فتحت إصطخر وما والاها، وفي تسع وعشرين فتحت بلاد فارس ثاني مرّة، وفي سنة ثلاثين كانت غزوة البحر وفتحت بلاد كثيرة بالغرب، وفي سنة إحدى وثلاثين فتحت صقلّيّة وغيرها، وفي اثنتين وثلاثين فتحت قبرص، وفي ثلاث وثلاثين فتحت بعض بلاد الأندلس، وفي أربع وثلاثين كانت غزوة ذي حسب وفتحت أطراف خراسان وما والاها، وفي سنة خمس وثلاثين فتحت بلاد كثيرة من بلاد الهند وغيرها من بلاد الغرب والأندلس، وكان يعتق في كل جمعة عتيقا، فإن تعذّر عليه أعتق في الجمعة الأخرى عتيقين، وقال مولاه حمدان: كان يغتسل كل يوم منذ أسلم، ولم يمس فرجه بيمينه منذ بايع بها رسول الله- ﷺ وكان نقش خاتمه «آمنت بالّذي خلق فسوّى» ، وفي رواية أخرى «آمن عثمان بالله العظيم» .
وروى ابن سعد أن امرأة كانت تدخل على عثمان- رضي الله تعالى عنه- وهو محصور، فولدت، ففقدها يوما، فقيل: إنّها قد ولدت غلاما، فأرسل إليها بخمسين درهما سنبلانيّة، وقال: هذا غطاء ابنك وكسوته، فإذا مرّت به سنة رفعناه إلى مائة، وكان يصلّي بالقرآن العظيم في (ركعة) [ (١) ] عند الحجر الأسود أيّام الحج، وكان هذا دأبه، وقال ابن عمر في قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر ٩] . هو عثمان، وقال ابن عباس في قوله تعالى هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل ٧٦] وقال حسّان- رحمه الله تعالى-:
ضحّوا بأشمط عنوان السّجود له ... يقطع اللّيل تسبيحا وقرآنا
وقال الحسن: قال عثمان- رضي الله تعالى عنه-: لو أنّ قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربّنا ، وإني لأكره أن يأتي يوم لا أنظر في المصحف، وكان إذا قام من اللّيل لا يوقظ أحدا من أهله ليعينه على وضوئه، وكان يصوم الدّهر، وكان لا يرفع المئزر عنه وهو في بيت مغلق عليه، ولا يرفع صلبه مستويا من شدة حيائه.
ومن مناقبه الكبار: جمع المصحف، وحرق ما سواه.
وروى أبو بكر بن داود في كتاب المصاحف بسنده عن سويد بن غفلة قال: قال علي- رضي الله تعالى عنه- حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته، وهكذا
стр. 5077
رواه أبو داود الطّيالسيّ وعمر بن مسروق عن شعبة،
وسبب ذلك خشية الاختلاف في القرآن العظيم، فإنّ حذيفة كان في بعض الغزوات وقد اجتمع فيها خلق عظيم من أهل الشام فكان بعضهم يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود، وأبي الدّرداء، وجماعة من أهل العراق يقرؤون على قراءة ابن مسعود، وأبيّ، فجعل من لم يعلم أن القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره، وربّما يجاوز ذلك إلى تخطئته وكفره، فأدّى ذلك إلى اختلاف شديد، فركب حذيفة إلى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمّة قبل أن تختلف كاختلاف اليهود والنّصارى في كتبهم، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- وشاورهم في ذلك، واتفقوا على كتابة المصحف وأن يجتمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه فاستدعى بالصّحف التي كان الصديق- رضي الله تعالى عنه- قد أمر زيد بن ثابت بكتابته وجمعه، فكان عند الصّدّيق أيّام حياته، ثم كان عند عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- فلما توفّي صار إلى حفصة، فاستدعى به عثمان، وأمر زيد بن ثابت الأنصاريّ أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي، يحضره عبد الله بن الزّبير وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، فكتبوا لأهل الشام مصحفا ولأهل مصر آخر وبعث إلى البصرة مصحفا، وإلى الكوفة آخر، وآخر إلى مكة، وآخر إلى المدينة، وأقر بالمدينة مصحفا، وليست كلها بخط عثمان، بل ولا واحد منها، وإنما هي بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه وخلافته.
وروى البيهقي وغيره بسنده عن سويد بن غفلة قال: قال علي: أيها الناس، يقولون:
عثمان حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد- ﷺ ولو ولّيت مثل ما ولّي لفعلت مثل الذي فعل، وكان ذلك بإجماع الصّحابة- رضوان الله تعالى عليهم- أجمعين.
стр. 5078
الباب العاشر في بعض فضائل أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي
يلتقي مع رسول الله- ﷺ في عبد المطلب الجدّ الأدنى، فهو أقرب العشرة نسبا وينسب إلى هاشم، فيقال: القرشي الهاشميّ ابن عم رسول الله- ﷺ لأبويه.
الأول: كنيته
أبو الحسن، وكنّاه رسول الله- ﷺ أبا تراب، وكانت أحبّ ما ينادى به إليه، وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. قال أبو عمر: هاشمية ولدت هاشميّا أسلمت وتوفّيت بالمدينة، وشهدها رسول الله- ﷺ وتولّى دفنها وأشعرها قميصه واضطجع في قبرها.
روى الطبراني في الكبير والأوسط برجال الصحيح غير روح بن صلاح- وثقه ابن حبان وفيه ضعف عن أنس بن مالك والطبراني في الأوسط برجال ثقات غير سعدان بن الوليد فيحرر رجاله عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قالا: لمّا ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنهما- دخل عليها رسول الله- ﷺ فجلس عند رأسها، فقال: يرحمك الله يا أمّي، كنت أمّي بعد أمّي، تجوعين وتشبعيني وتعرين وتكسيني، وتمنعين نفسك طيبا، وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله تعالى والدّار الآخرة، ثم أمر أن تغسّل ثلاثا ثلاثا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله- ﷺ بيده، ثم خلع رسول الله- ﷺ قميصه فألبسها إيّاه وكفّنها ببرد فوقه، ثم دعا رسول الله- ﷺ أسامة بن زيد، وأبا أيّوب الأنصاريّ، وعمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنهم-، وغلاما أسود يحفرون فحفروا قبرها فلما بلغوا اللّحد حفره رسول الله- ﷺ بيده وأخرج ترابه، فلمّا فرغ دخل رسول الله- ﷺ قبرها فاضطجع فيه، ثم قال: الله الّذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقّنها حجّتها، ووسّع عليها مدخلها بحقّ نبيك والأنبياء الذين من قبلي، فإنّك أرحم الراحمين، وكبّر عليها أربعا، وأدخلوها اللّحد هو والعبّاس وأبو بكر الصّديق- رضي الله تعالى عنه- قال ابن عباس- رضي الله تعالى عنه-: فلما سوى عليها التّراب، قال بعضهم: يا رسول الله، رأيناك صنعت شيئا لم تصنعه بأحد فقال: إنّي ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنّة واضطجعت في قبرها لأخفّف عنها من ضغطة القبر، إنّها كانت أحسن خلق الله إليّ صنيعا بعد أبي طالب.
ولد وأبوه غائب فسمّته أمّه حيدرة الأسد الشّجاع، فلمّا قدم أبوه كره هذا الإسم، وسمّاه عليّا، وكان ضخم البطن شاسع المنكب، ضخم الذّراعين مستدقّهما ضخم عضد السّاق، فوق الربعة، ضخم المنكبين، طويل اللّحية عظيمها،
стр. 5079
قد ملأت صدره، أبيض الرأس واللحية، إن عينته من قريب قلت: أسمر، أصلع، شديد الصّلع، بويع له بالخلافة في مسجد رسول الله- ﷺ بعد قتل عثمان- رضي الله تعالى عنهما- بخمسة أيّام، ولم يقبلها حتى تكرّر قولهم له مرارا يوم السبت التّاسع عشر، وقيل: يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وقيل: أول من بايعه طلحة بيده اليمنى، وكانت شلّاء من يوم أحد حيث رمى بها رسول الله- ﷺ ومكث فيها خمس سنين وقيل إلا شهرا.
الثاني: في ولده- رضي الله تعالى عنهم -.
له من الولد الحسن والحسين ومحسن وزينب الكبرى من فاطمة- رضي الله تعالى عنهم- وله أولاد من غيرها كثيرون، محمد وعمر الأكبر، والعبّاس الأكبر، كلّهم أعقبوا، وكذا الحسن والحسين ومحمّد الأصغر قتل بالطائف والعبّاس الأصغر، وعمر الأصغر قتل بالطائف وعثمان وجعفر قتل بالطائف، وجعفر مات طفلا، وعبد الله الأكبر قتل بالطائف، وعبد الله مات طفلا، وأبو عليّ يقال: مات بالطائف، وعبد الرحمن وحمزة وأبو بكر عتيق، يقال: قتل بالطائف، وعون درج ويحيى مات طفلا، وبناته زينب الصّغرى، وأمّ كلثوم [ (١) ] الكبرى وأمّ كلثوم الصّغرى، ورقيّة الكبرى، ورقيّة، وفاطمة، وفاطمة الصّغرى وفاختة وأمة الله، وحمانة، ورملة، وأمّ سلمة وأم الحسن، وأم الكرام وهي نفيسة وميمونة، وخديجة وأمامة، فالجميع سبعة وثلاثون.
الثالث: في فضائله وغزارة علمه، ودعائه
له وهو أخو رسول الله- ﷺ بالمؤاخاة، وصهره وأبو السّبطين وأوّل هاشميّ ولد بين هاشميين، وأول خليفة من بني هاشم، وأحد العشرة المبشّرة بالجنة، وأحد السّتة أصحاب الشّورى الذين توفي رسول الله- ﷺ وهو عنهم راض، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد (القلائل) [ (١) ] الرّبّانيّين، والشّجعان المشهورين، والزّهّاد المذكورين، وأحد السّابقين إلى الإسلام، ولم يسجد لصنم قط، وبات ليلة على فراشه- ﷺ يقيه بنفسه، وخلفه بمكّة ليردّ الودائع التي كانت عنده، وكان يحمل راية رسول الله- ﷺ العظمى في القتال، فيقدم بها في بحر العدوّ وشهد معه مشاهده كلّها وأبلى فيها بلاء حسنا، وشهد وقعة أحد وبايعه على الموت، وكان من أشجع النّاس، لم يبارز أحدا قطّ إلا قتله، وسار لمّا وليّ الخلافة بسيرة أبي بكر وعمر- رضي الله تعالى عنهم- في القسم والتسوية بين الناس،
وكان إذا ورد عليه مال لم يترك منه شيئا حتّى يقسّمه، وكان يكنس بيت المال ويصلّى فيه، ويقول: يا دنيا غرّي غيري، ولم يخصّ بالولايات إلا أهل الدّيانات.
стр. 5080
وروي له عن رسول الله- ﷺ خمسمائة حديث وستّة وثمانون حديثا. اتّفق البخاري ومسلم منها على عشرين، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، قال ابن المسيّب: ما كان أحد يقول: سلوني غير عليّ، قال ابن عباس: أعطي عليّ تسعة أعشار العلم، والله لقد شاركهم في العشر الباقي.
فإذا ثبت لنا الشّيء الباقي عن عليّ لم نعدل عنه إلى غيره، ولّي الخلافة خمس سنين، وقيل إلا شهرا، بويع له على الخلافة في مسجد رسول الله- ﷺ في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ا. هـ.
وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بعجة بن عبد الله الجهني- رضي الله تعالى عنه- قال: تزوّج رجل امرأة من جهينة، فولدت له غلاما لستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان فأمر برجمها، فبلغ ذلك عليّا فأتاه فقال: ما تصنع؟ قال: ولدت غلاما لستّة أشهر، وهل يكون ذلك؟
قال عليّ أما سمعت الله تعالى يقول: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف ١٥] وقال وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [البقرة ٢٣٣] فكم تجد بقي إلّا ستّة أشهر؟
فقال عثمان: والله ما فطنت لهذا، عليّ بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها، وكان من قولها لأختها:
يا أخية، لا تحزني فو الله، ما كشف فرجي أحد قطّ غيره قال: فشبّ الغلام بعد فاعترف به الرّجل، وكان أشبه النّاس به قال: فرأيت الرجل بعد يتساقط عضوا عضوا على فراشه.
وروى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي قال: رفع إليّ عمر امرأة ولدت لستّة أشهر، فسأل عنها أصحاب رسول الله- ﷺ فقال علي: لا رجم عليها ألا ترى أنه يقول: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف ١٥] وقال: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [لقمان ١٤] وكان الحمل ههنا ستة أشهر، فتركها عمر قال: ثم بلغنا أنّها ولدت آخر لستّة أشهر.
وروى سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن مكحول وسعيد بن منصور وابن مردويه وأبو نعيم في- الحلية- عنه عن علي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر وابن النّجّار عن بريدة وأبو نعيم من طريق آخر عن عليّ في قوله تعالى: وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
[الحاقة ١٢] قال رسول الله- ﷺ زاد بريدة «يا عليّ، أن الله تعالى أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي وحقّ لك أن تعي، سألت ربي أن يجعلها أذنك،
قال مكحول: وكان عليّ يقول: ما سمعت من رسول الله- ﷺ شيئا فنسيته
زاد بريدة فنزلت هذه الآية وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
[الحاقة ١٢] .
стр. 5081
وروى ابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- في قوله تعالى: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد/ ٣٠] قال ببغضهم: علي بن أبي طالب.
وروى ابن مردويه عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله- ﷺ «إلا ببغضهم علي بن أبي طالب» .
وروى الطبراني عن عليّ بن الأقمر عن أبيه قال: رأيت عليا- رضي الله تعالى عنه- يعرض سيفا له في رحبة الكوفة وهو يقول: «من يشتري منّي سيفي هذا، فو الله، لقد جلوت به غير كربة عن وجه رسول الله- ﷺ ولو أنّ عندي ثمن إزار ما بعته» .
وروى الطبراني في الأوسط وفيه ضعفاء وثقوا عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ «علي بن أبي طالب صاحب حوضي يوم القيامة» .
وروى أبو يعلى برجال الصحيح عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا، ولكنّه خاصف النّعل، وكان قد أعطى عليّا نعله يخصفها» .
وروى أبو يعلى برجال ثقات عدا الرّبيع بن سهل فيحرر رجاله عن عليّ بن ربيعة قال:
سمعت عليا- رضي الله تعالى عنه- يقول على منبر كم هذا: عهد إلي رسول الله- ﷺ أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.
وروى أبو يعلى بسند ضعيف عن الحسن بن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «أن الله تعالى «يحبّ من أصحابك ثلاثة فأحبّهم: علي بن أبي طالب، وأبو ذرّ، والمقداد بن الأسود» .
وروى البزار بسند حسن والترمذي وقال حسن غريب، وأبو يعلى والحاكم والطبراني عن أنس رفعه قال: «الجنّة تشتاق إلى ثلاثة، عليّ وعمّار وأحسبه قال: وأبو ذرّ» .
ورواه الطبراني بسند حسن أيضا بلفظ «ثلاثة تشتاق لهم الجنة والحور العين: علي وعمار وسلمان» .
وروى ابن عساكر عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- والطبراني عن أنس والطبراني في الكبير علي أن رسول الله- ﷺ قال: (اشتاقت الجنة) [ (١) ] وفي لفظ الجنّة قد اشتاقت إلى أربعة: عليّ وسلمان وأبيّ وعمار بن ياسر» .
стр. 5082
وروى الديلمي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «أعلم النّاس بعدي علي بن أبي طالب» .
وروى الإمام أحمد والطّبراني عن معقل بن يسار- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال لفاطمة: «أما ترضين أن زوّجتك أقدم أمتي إسلاما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما» .
وروى الطبراني عن فاطمة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال لها: «أما ترضين أنّي زوجتك أوّل المسلمين إسلاما، وأعلمهم علما، فإنّك سيدة نساء أمتي، كما أنّ مريم سيّدة نساء قومها» .
وروى ابن ماجه والحاكم وأبو نعيم في الحلية، والترمذي، وقال: حسن غريب والرّويانيّ والحاكم في المستدرك والضياء عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله- ﷺ قال: «إن الله- أمرني بحبّ أربعة» وفي لفظ «أن الله- يحبّ من أصحابي أربعة: وأخبرني أنّه يحبّهم عليّ منهم، وأبو ذرّ منهم، ومقداد وسلمان» .
وروى أبو داود الطّيالسيّ والحسن بن سفيان وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن عمران بن حصين أن رسول الله- ﷺ قال: «إن عليّا مني وأنا منه، وهو وليّ كل مؤمن» .
وروى الطبراني عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال للعباس: «إن عليّا سبقك بالهجرة» .
وروى الطبراني في الكبير- عن أبي سعيد وسليمان- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إنّ وصيي، وموضع سرّي، وخير من أترك بعدي، وينجز عدتي، ويقضي ديني علي بن أبي طالب» .
وروى الخطيب عن البراء، وأبو بكر والمطيري في جزئه عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليّ مني بمنزلة هارون من موسى، وفي لفظ: إنما عليّ بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» .
وروى العقيليّ عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «يا أم سلمة إن عليّا لحمه من لحمي، ودمه من دمي وهو منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» .
وروى الحاكم أن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: كفوا عن عليّ فإني سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «في عليّ ثلاث خصال لا يكون لي واحدة منهن: أحبّ إليّ مما طلعت
стр. 5083
عليه الشّمس، كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة نفد والنبي- ﷺ متّكئ على عليّ حتى ضرب بيده على منكبه، ثم قال: يا عليّ، أنت أول المؤمنين إيمانا، وأولهم إسلاما، ثم قال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى» .
وروى الشيخان عن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد عن أبيه أن رسول الله- ﷺ قال لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيّ بعدي» .
تنبيه: هو حديث متواتر عن نيّف وعشرين صحابيّا واستوعبها الحافظ ابن عساكر عن نحو عشرين ورقة [ (١) ] .
وروى الترمذي وقال: غريب، وأبو نعيم في الحلّية، وفي المعرفة عن عليّ والحاكم وتعقّب والخطيب والطبراني في الكبير عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «أنا دار الحكمة» وفي لفظ «مدينة العلم، وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب» وفي لفظ «فليأته من بابه» .
وروى الخطيب عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ رأى عليا فقال: «أنا وهذا حجّة على أمتي يوم القيامة» .
وروى أبو نعيم في فضائل الصحابة عن زيد بن أرقم، والبراء بن عازب أن رسول الله- ﷺ قال: «ألا إنّ الله وليي وأنا وليّ كلّ مؤمن، من كنت مولاه فعليّ مولاه» .
وروى الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والضياء والحاكم عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «أيها الناس لا تشكوا عليّا، فوالله، إنّه لأخشن في ذات الله- وفي سبيل الله» .
وروى الطبراني في الكبير عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أن رسول الله- ﷺ بعث عليّا مبعثا، فلمّا قدم، قال: الله ورسوله وجبريل عنك راضون.
وروى ابن عساكر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «النظر إلى وجه عليّ عبادة» .
وروى الطبراني في الكبير والرّافعي عن عمران بن خالد بن طليق بن محمد بن عمران بن حصين عن أبيه عن عمران بن حصين والحاكم وتعقّب عن قتادة عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدريّ عن عمران بن حصين والشيرازي في الألقاب، والطبراني في الكبير والحاكم وتعقّب أن- رسول الله- ﷺ قال: «النظر إلى عليّ عبادة» .
стр. 5084
وروى الخطيب والديلميّ عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «ذكر عليّ عبادة» .
وروى الديلمي عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «علي باب علمي ومبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي، حبّه إيمان، وبغضه نفاق، والنّظر إليه رأفة ومودته عبادة» .
وروى الطبراني في الكبير- عن سلمان أن رسول الله- ﷺ قال: «يا عليّ محبّك محبّي، ومبغضك مبغضي» .
وروى أبو نعيم في الحلية- عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال له: «مرحبا بسيّد المسلمين، وإمام المتّقين» .
وروى الصدفي وأبو يعلى والضياء عن سعد بن أبي وقاص، والإمام أحمد والبخاري في تاريخه- وابن سعد والطبراني والحاكم عن عمرو بن شاش أن رسول الله- ﷺ قال: «من آذى عليّا فقد آذاني» .
وروى الطبراني في الكبير عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده، والطبراني في الكبير عن أم سلمة أن رسول الله- ﷺ قال: «من أحبّ عليّا فقد أحبني، ومن أحبّني فقد أحب الله، ومن أبغض عليّا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله» .
وروى الطبراني في الكبير عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده عن أم سلمة والحاكم عن سلمان- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «من أحبّ عليّا فقد أحبّني» وفي لفظ «ومن أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أبغض عليّا فقد أبغضني» وفي لفظ «ومن أبغضني فقد أبغض الله» .
وروى الديلمي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : يا عليّ، من أحبّك فبحبّي أحبّك، فإنّ العبد لا ينال (ولايتي) [ (١) ] إلا بحبّك» .
وروى الطبراني في الكبير- عن سلمان- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال لعليّ: محبّك محبّي، ومبغضك مبغضي» .
وروى الطبراني في الكبير عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول
стр. 5085
الله- ﷺ قال: «من فارق عليّا فارقني، ومن فارقني فارق الله» .
وروى الحاكم وتعقّب عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «يا عليّ، من فارقك فقد فارق الله ومن فارقك فقد فارقني» .
وروى الإمام أحمد والطيالسيّ وابن عساكر عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «من سبّ عليّا فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله» .
وروى الإمام أحمد والحاكم عن ابن عباس وابن أبي شيبة والإمام أحمد عن ابن عبّاس عن بريدة، والإمام أحمد وابن ماجة عن البراء، والطبراني في الكبير عن جرير، وأبو نعيم عن جندع، وابن قانع عن حبشي بن جنادة، والترمذي- وقال حسن غريب- والنسائي والطبراني في الكبير والضياء عن أبي أيوب وجمع من الصحابة، وابن أبي شيبة وابن أبي عاصم والضياء عن سعد بن أبي وقاص، والشيرازي في الألقاب عن عمر، والطبراني في الكبير عن مالك بن الحويرث، وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن يحيى بن جعدة عن زيد بن أرقم، وابن عتبة في كتاب الموالاة- عن حبيب بن بديل بن ورقاء، وقيس بن ثابت، وزيد بن شراحيل الأنصاري، والإمام أحمد عن عليّ وثلاثة عشر رجلا، وابن أبي شيبة عن جابر والحاكم وابن عساكر عن عليّ وطلحة، والإمام أحمد والطبراني في «الكبير» والضياء عن علي وزيد بن الأرقم وثلاثين رجلا من الصحابة، وأبو نعيم في «فضائل الصحابة» عن سعد، والخطيب عن أنس، والطبراني في الكبير- عن عمرو بن مرّة وزيد بن أرقم معا، وحبشي بن جنادة، وابن أبي شيبة والإمام أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم والضياء عن بريدة والنّسائي عن سعيد بن وهب عن عمرو ابن مرّة وعبد الله ابن الإمام أحمد عن القواريريّ عن يونس بن أرقم من طرق صحيحه عن أبي الطّفيل عن زيد بن أرقم، عن ابن عباس وعائشة [ ... ] بنت سعد، وعن البراء وأبو أسيد والبجلي وسعد والطبراني في الكبير عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم، والطبراني في الكبير عن ابن عمر، وابن أبي شيبة عن أبي هريرة، واثني عشر رجلا من الصحابة أن رسول الله- ﷺ دعا لعليّ فقال: «من كنت مولاه» وفي لفظ «اللهمّ من كنت مولاه» وفي لفظ: «وليّه، فعليّ» وفي لفظ «فهذا» وفي لفظ «فإن هذا مولاه» وفي لفظ «فهذا وليّه» وفي لفظ «أن الله وليّ المؤمنين، ومن كنت وليّه» وفي لفظ: «أن الله مولاي وأنا وليّ كلّ مؤمن، من كنت وليّه فهذا وليّه» وفي لفظ «إنّي وليّكم وهذا وليّي» والمؤدّي عنّي، وإنّ الله موال من والاه، ومعاد من عاداه» وفي لفظ «اللهمّ، وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وأبغض من أبغضه» وفي لفظ «واخذل من خذله، وانصر من نصره، وأعن من أعانه» .
стр. 5086
وروى الطبراني في الكبير عن عمرو بن شراحيل قال: قال رسول الله- ﷺ : «اللهم، انصر من نصر عليّا، اللهم أكرم من أكرم عليّا، اللهم، اخذل من خذل عليّا» وفي لفظ «اللهمّ، أعنه، وأعن به، وارحمه وارحم به، وانصره وانصر به» .
وروى الإمام أحمد وابن حبان سمويه والحاكم والضياء عن ابن عباس عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «يا بريدة، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من كنت مولاه، فعليّ مولاه» .
وروى الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية- عن كعب بن عجرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «لا تسبوا عليا فإنّه كان ممسوسا في ذات الله» .
وروى مسلم عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «لا يحبّك إلّا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق» .
وروى الترمذي وقال: حسن غريب، والطبراني في الكبير- عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ «لا يحبّ عليّا منافق، ولا يبغضه مؤمن» .
وروى الطبراني في الكبير عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: «لا يحبّ عليّا إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق» .
وروى أبو نعيم في الحلية- عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «يا أيها الناس، لا تشكوا عليّا فإنّه لأخشن في ذات الله » .
وروى الديلمي عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال لبريدة «يا بريدة، إنّ عليّا وليّكم بعدي، فأحبّ عليّا، فإنّه يفعل ما يؤمر» .
وروى الإمام أحمد عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال له: «يا عليّ، إن نوليت الأمر بعدي، فاخرج أهل نجران من جزيرة العرب» .
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد والحاكم وأبو نعيم في المعرفة عن علي- رضي الله تعالى عنه- أنه رسول الله- ﷺ قال له: «يا عليّ، إنّ لك كنزا في الجنة وإنّك ذو قرنيها فلا تتبعن النظرة النّظرة، فإنّ لك الأولى وليست لك الآخرة- وفي لفظ «الثانية» .
وروى الديلمي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال لعليّ: أنت تبيّن للناس ما اختلفوا فيه من بعدي» .
وروى الديلمي عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «يا علي، أنت تغسل جثتي وتؤدي ديني في حضرتي، وتفي بذمّتي، وأنت صاحب لوائي في الدنيا والآخرة» .
стр. 5087
وروى أبو نعيم في الحلية عن معاذ- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «أخصمك بالنبوة ولا نبوة بعدي وتخصم الناس بسبع ولا يحاجك فيها أحد من قريش. وفي لفظ: سبع خصال لا يحاجك فيهن أحد، أنت أولهم إيمانا بالله. وفي لفظ: أول المؤمنين إيمانا بالله. وأوفاهم بعهد الله وأقومهم بأمر الله وأرأفهم- وفي لفظ: وأعدلهم بالرعية وأقسمهم بالسوية وأبصرهم- وفي لفظ وأعلمهم بالقضية وأعظمهم مزية يوم القيامة- وفي لفظ «عند الله مزية» .
وروى أبو نعيم في الحلية- عن عمار بن ياسر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «يا علي إن الله قد زينك بزينة لم تزين العباد بزينة أحب إلى الله تعالى منها، هي زينة الأبرار عند الله . الزهد في الدنيا فجعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا ولا ترزأ الدنيا منك شيئا، ووهب لك حب المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعا ويرضون بك إماما» .
وروى الحاكم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «يا علي، الناس من شجر شتى، وأنا وأنت من شجرة واحدة» .
وروى ابن عساكر عن عمار بن ياسر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «يا علي ستقاتلك الفئة الباغية، وأنت على الحقّ، فمن لم ينصرك يومئذ فليس مني» .
وروى الطبراني في الكبير عن البراء وزيد بن أرقم معا والطيالسي والإمام أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص والطبراني في الكبير- عن أم سلمة، والطبراني في الكبير عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «يا علي، أنت مني» وفي لفظ «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» .
وروى الخطيب والرّافعيّ عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال له: «سألت الله فيك خمسا فأعطاني أربعا ومنعني واحدة سألته فأعطاني فيك أنك أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة وأنت معي معك لواء الحمد وأنت تحمله وأعطاني أنك ولي المؤمنين من بعدي» .
وروى أبو نعيم في فضائل الصحابة عن زيد بن الأرقم والبراء بن عازب معا- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «ألا إن الله وليّي وأنا وليّ كلّ مؤمن، ومن كنت مولاه فعليّ مولاه» .
وروى ابن أبي شيبة وهو صحيح عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «علي مني وأنا منه، وعليّ وليّ كلّ مؤمن من بعدي» .
стр. 5088
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «لا تقع في عليّ فإنّه مني وأنا منه، وهو وليّكم من بعدي» .
وروى الترمذي وقال: حسن غريب- والطبراني في الكبير والحاكم عن عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما تريدون من عليّ؟ ما تريدون من عليّ؟ ما تريدون من عليّ؟ إنّ عليّا مني وأنا من عليّ، وعليّ وليّ كل مؤمن» .
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد والترمذي وقال: حسن (صحيح) [ (١) ] غريب والنسائي وابن ماجة وابن أبي عامر في السّنّة والبغوي والباوردي وابن قانع والطبراني في- الكبير والضياء- عن حبشي بن جنادة السّلولي أن رسول الله- ﷺ قال: «أنا من عليّ، وعلي مني، ولا يؤدي عني إلا أنا أو عليّ» .
وروى ابن مردويه والدّيلمي عن سلمان- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «علي بن أبي طالب ينجز بوعدي ويقضي ديني» .
وروى الطبراني في الكبير وابن عساكر والضياء عن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر عن أبيه عن جده- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليّ أصلي وجعفر فرعي» .
وروى الخطيب عن البراء وابن مردويه والديلمي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليّ منّي بمنزلة رأسي من بدني» .
وروى الطبراني- في الكبير- عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليّ أخي في الدنيا والآخرة» .
وروى الحاكم عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «علي مع القرآن، والقرآن مع عليّ لن يفترقا حتّى يردا على الحوض» .
وروى ابن عدي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليّ عتبة علمي» .
وروى أيضا عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «عليّ يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب المنافقين» .
وروى الدارقطني في- الإفراد- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «علي بن أبي طالب باب حطّة من دخل منه كان مؤمنا ومن خرج منه كان كافرا» .
стр. 5089
وروى أبو نعيم عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «علي بن أبي طالب أعلم النّاس بالله وأكثر الناس حبّا وتعظيما لأهل لا إله إلا الله» .
وروى أبو نعيم- في فضائل الصّحابة عنه أن رسول الله- ﷺ قال: «قم يا علي، فقد برئت وما سألت الله شيئا إلا سألت لك مثله» .
وروى الطبراني في الكبير عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنهما- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «لا ينبغي لأحد أن يجنب في المسجد إلا أنا وعلي» .
وروى عبد الله بن الإمام أحمد وأبو نعيم في- فضائل الصحابة- والحاكم وتعقّب عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال له: «يا عليّ، إنّ فيك من عيسى مثلا أبغضته اليهود حتى بهتوا أمّه، وأحبّته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة الّتي ليس بها» .
وروى الإمام أحمد والحاكم عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال له: «يا علي، ألا أعلمك كلمات، إذا قلتهن غفر لك على أنّه مغفور لك. لا إله إلا الله العليّ العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات السبع وربّ العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين» .
وروى ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج عنه أن رسول الله- ﷺ قال: «يا عليّ، كن سخيّا، فإن الله تعالى يحب السّخيّ، وكن شجاعا، فإن الله تعالى يحب الشّجاع، وكن غيورا فإن الله تعالى يحبّ الغيور، وإن امرؤ سألك حاجة فاقضها فإن لم يكن لها أهلا كنت أنت لها أهلا» .
وروى أبو نعيم في- الحلية- عن علي والبزّار عنه أن رسول الله- ﷺ قال له: «يا عليّ، إذا تقرّب الناس إلى خالقهم في أبواب البرّ فتقرّب إليه بأنواع العقل، تسبقهم بالدّرجات والزّلفى عند الناس في الدنيا وعند الله في الآخرة» .
وروى عبد الرزاق والتّرمذي بسند ضعيف عنه أن رسول الله- ﷺ قال له: «يا عليّ، إنّي أحب لك ما أحبّ لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقرأ وأنت راكع ولا وأنت ساجد، ولا تصلّي وأنت عاقص شعرك، فإنه كيد الشّيطان، ولا تقع بين السّجدتين، ولا تعبث بالحصباء في الصلاة، ولا تفترش ذراعيك ولا تفتح على الإمام، ولا تختّم بالذّهب ولا تلبس القسي ولا المعصفر، ولا تركب على المياثر الحمر، فإنّها مراكب الشّيطان» .
الرابع: فيما أثر عنه من حكمه وكلماته وأشعاره- رضي الله تعالى عنه -.
كان- رضي الله تعالى عنه-: أنصح النّاس وأعظمهم بالله وأشدّهم للنّاس حبّا وتعظيما
стр. 5090
(لخدمة) [ (١) ] لا إله إلا الله،
وقيل له: ألا نحرسك؟ فقال: حارس كلّ إنسان أجله، وإنّ الأجل جنّة حصينة، وقال: كونوا لقبول العمل أشدّ اهتماما منكم بالعمل، فإنّه لن يقلّ عمل مع التّقوى، وكيف يقلّ عمل متقبّل؟
وقال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكنّ الخير أن يكثر علمك وحلمك، وتكون مشغولا بعبادة ربّك، فإن أحسنت حمدتّ الله تعالى- وأن أسأت استغفرت الله، فلا خير في الدّنيا إلا لأحد رجلين رجل أذنب ذنوبا فهو (يتدارك) [ (٢) ] ذلك بتوبة، ورجل يسارع بالخيرات
وقال: احفظوا عنّي خمسا فلو ركبتم الإبل في طلبهن لا تصيبوهنّ، لا يرجونّ عبد إلا ربّه، ولا يخافنّ إلا ذنبه، ولا يستحي جاهل أن يسأل عما لا يعلم ولا يستحي عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، الله أعلم، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له،
وقال: إنّ أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى وطول الأمل، أمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ترحّلت مدبرة، وإنّ الآخرة قد ترحّلت مقبلة، ولكلّ واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدّنيا، وإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل، ألا إنّ الفقيه كلّ الفقيه الّذي لا يقنّط النّاس من رحمة الله، ولا يؤمّنهم من عذاب الله، ولا يرخّص لهم في معاصي الله، ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، ولا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في علم لا فهم فيه، ولا خير في قراءة لا تدبّر فيها، وقال: كونوا ينابيع العلم، مصابيح اللّيل، خلقي الثياب، جدد القلوب، تعرفون في ملكوت السموات، وتذكرون في الأرض،
وقال: أيّها الناس، إنكم والله إن حننتم حنين الوالد الثّكلان، وجأرتم جؤار مبتلى الرّهبان، ثم خرجتم من الأموال والأولاد في التماس القرب إلى الله- ، وابتغاء رضوانه، وارتفاع درجة عنده أو غفران سيئة، كان ذلك قليلا فيما يطلبون من جزيل ثوابه، والخوف من عقابه، والله لو سألتم إصلاح عيوبكم رغبة ورهبة إليه- ثم عمّرتم عمر الدنيا مجدّين في الأعمال الصّالحة، ولم تبقوا شيئا من جهدكم لما دخلتم الجنّة بأعمالكم، ولكن برحمته- ، جعلنا الله وإياكم من التائبين أو العابدين،
أو كما قال.
وقال لكميل بن زياد: القلوب أوعية وخيرها أوعاها، فاحفظ ما أقول لك: الناس ثلاثة، فعالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق، مع كل ريح يميلون لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، العلم خير لك من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل والمال تنقصه النّفقة، العلم حاكم، والمال محكوم
стр. 5091
عليه، ومحبّة العالم دين يدان بها العلم، يكتسب العالم الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد موته، ومنفعة المال تزول بزواله، مات خزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدّهر أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، هاه هاه، وأشار بيده إلى صدره، إنّ هاهنا علما لو أصبت له حملة بلى أصبته لفتى غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدّنيا للدّين، فيستظهر لحجج- الله تعالى- على كتابه، وبنعمه على عباده، وينقاد لأهل الحق ولا بصيرة له في إخبائه، يقدح الشك في قلبه بأوّل عارض من شبهة، لا ذا ولا ذاك أو منهوما للذّات، سلس القياد للشهوات، أو مغري لجمع الأموال والادّخار لهما في دعاء الدين، أقرب شبها بالأنعام السائحة، كذاك يموت هذا العلم بموت حامليه، اللهم لا تخلو الأرض من قائم لله- بحجّة الله لكيلا تبطل حجج الله وبيانه أولئك هم الأقلّون عددا، الأعظم عند الله قدرا، بهم يدفع الله- عن حججه، حتى يؤدّيها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فاستلابوا ما استوعد منه المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدّنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالنّظر إلى الأعلى، أولئك خلفاء الله في بلاده، ودعاته إلى دينه، هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم، أستغفر الله لي ولك، إذا شئت فقم،
ودخل ضرار بن صخرة الصدائي على معاوية- رضي الله تعالى عنه- فقال: صف لي عليّا، فقال: كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدّنيا وزهرتها، ويستأنس إلى اللّيل وظلمته، وكان والله عزير الدّمعة، كثير العبرة، طويل الفكرة، يقلّب كفّه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللّباس ما قصر، ومن الطّعام ما خشن، كان والله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقرّبه إلينا وقربه منّا لا تكلّمه هيبة له، فإن تبسم يضيء مثل اللؤلؤ المكنون المنظوم، يعظّم أهل الدّين، ويحبّ المساكين لا يطمع القويّ في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه يتمثّل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السّليم، ويبكي بكاء الحزين فكأني أسمعه الآن
وهو يقول: يا دنيا يا دنيا، غيري غيري ثم يقول للدنيا: إلى تعرضت، أم إلي تشوقت؟ غري غيري قد بنتك ثلاثا فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطؤك كثير، آه آه، من قلّة الزّاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق،
فوكفت دموع معاوية على لحيته ما تملّكها، وجعل ينشفها بكمّه وقد اختنق القوم بالبكاء، وقال هذا أبو الحسن، كيف وجدك عليه يا ضرار؟ قال: وجد من ذبح واحدها في حجرها، لا يرق دمعها، ولا يسكن حزنها، ثم قام فخرج، ولمّا امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء، قال:
الله أكبر، وأعطى جميع ما في بيت مال المسلمين، وهو يقول: يا صفراء يا بيضاء غرّي غيري، حتّى ما بقي منها دينار ولا درهم ثم أمر بنضحه، وصلّى فيه ركعتين رجاء أن تشهد له يوم
стр. 5092
القيامة،
وقيل له: لم ترفع قميصك؟ قال: لأنّه يخشع القلب ويقتدي به المؤمن، ويبعد من الكبر، وأتي بفالوذج فوضع بين يديه، فقال: إنّك طيّب الريح، حسن اللون طيّب الطعام، ولكن أكره أن أعوّد نفسي ما لم تتعوّد وكان بالخورنق يرعد تحت قطيفة، فقيل له: إن الله قد جعل لك، ولأهل بيتك في هذا المال حظّا وأنت تصنع بنفسك ما تصنع، فقال: والله، ما أرزاكم من مالكم شيئا إنها لقطيفتي التي خرجت بها من المدينة.
ورئي وهو يبيع سيفا له في السّوق، ويقول: من يشتري هذا السّيف، فوالذي خلق الحبّة وبرأ النّسمة لطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله- ﷺ لو كان عندي ثمن إزار ما بعته قطّ، وأنشد يقول:
وقد تجوح الحاجات يا أم مالك ... كرائم من ربّ يهين صنين
ومن كلامه في المناجاة: كفاني عزّا أن تكون لي ربّا، وكفاني فخرا أن أكون لك عبدا، أنت لي كما أحبّ فوفّقني إلى ما تحب،
وفي العلم: المرء مخبوء تحت لسانه، تكلموا تعرفوا، ما ضاع امرؤ عرف قدره،
وفي الإرب: أنعم على من شئت تكن أميره، واستغن عن من شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره،
وقال: من وسّع عليه في دنياه، فلم يعلم أنّه مكر به فهو مخدوع عن غفلة، وقال: الدنيا جيفة فمن أراد شيئا منها، فليصبر على مخالطة الكلاب،
ومما يروى من شعره:
حقيق بالتّواضع من يموت ... ويكفي المرء من دنياه قوت
فما للمرء يصبح ذا هموم ... وحرص ليس يدركه النّعوت
صنيع مليكنا حسن جميل ... وما أرزاقه عنّا تفوت
وقال
محمّد النّبيّ أخي وصهري ... وحمزة سيّد الشّهداء عمّي
وجعفرنا الّذي يمسي ويضحي ... يطير مع الملائكة ابن أمّي
وبنت محمّد سكني وعرسي ... توسّط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ولديّ منها ... فأيّكم له قسم كقسمي
سبقتكم إلى الإسلام طرّا ... صغيرا ما بلغت أو ان حكمي
وأوجب لي الولاء معا عليكم ... رسول الله يوم (غدير خمّ)
قال أبو عمر الزّاهد سمعت عليا يقول: اجتمعت رواة الشّعر من الكوفيين والبصريين فلم يزيدوا على عشرة أبيات صحيحة لأمير المؤمنين، وأجمعوا على أن ما كان زائدا على العشرة فهو منحول ومن الصحيح قوله:
стр. 5093
أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره
أو فيهم بالكيل كيل السّندره
وروى ابن عساكر عن نبيط الأشجعي قال: قال علي- رضي الله تعالى عنه-:
إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق بما به الصّدر الرّحيب
وأو ظنت المكاره واطمأنّت ... وأرست في أماكنها الخطوب
ولم ير لانكشاف العسر وجه ... ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث ... يجيء به القريب المستجيب
وكلّ الحادثات إذا تناهت ... فموصول بها الفرج القريب
وروى أيضا عن الشعبي- رحمه الله تعالى- قال: قال علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- لرجل كره صحبة رجل:
لا تصحب أخا الجهل وإيّاك وإيّاه ... فكم من جاهل أردى حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ما شاه ... وللشّيء على الشّيء مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب دليل حين يلقاه
وروى أيضا عن المبرّد- رحمه الله تعالى- قال: كان مكتوبا على سيف علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه-:
للنّاس حرص على الدّنيا بتدبير ... وصفوها لك ممزوج بتكدير
لم يرزقوها بفعل إنّما قسمت ... لكنّهم رزقوها بالمقادير
كم من أديب لبيب لا تساعده ... (وسابق) [ (١) ] نال دنياه بتقصير
لو كان عن قوّة أو عن مغالبة ... طار البزاة بأرزاق العصافير
وروي عن حمزة بن حبيب الزّيّات- رحمه الله تعالى- قال: كان علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- وكرّم الله وجهه يقول:
لا تفش سرّك إلّا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا
فإنّي رأيت غواة الرّجال ... لا يدّعون أديما صحيحا
وروى ابن عبد البر في العلم عن الحارث الأعور- رحمه الله تعالى- قال: سئل علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- عن مسألة فدخل مبادرا ثم خرج في جداد رداء وهو متبسّم
стр. 5094
فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنّك كنت إذا سئلت عن المسألة تكون فيها كالسّكة المحمّاة؟ قال:
إني كنت حاقنا ولا رأي لحاقن ثم أنشد يقول:
إذا المشكلات تصدّين لي ... كشفت حقائقها بالنّظر
وإن برقت في مجيء الصّواب ... عجب لا يجتليها البصر
مقنّعة بغيوب الأمو ... وضعت عليها صحيح الفكر
لسان كشقشقة الأرحبي ... أو كالحمام اليماني الذّكر
وقلب إذا استنطقته الهموم ... أربى عليها بواهي الذرر
ولست بإمعة في الرّجا ... ل أسائل هذا وذا ما الخبر
ولكنني مذرب الأصغري ... ن أبيّن مع ما مضى ما غبر
وقال ابن النّجّار: أخبرني يوسف بن المبارك بن كامل الخطّاب قال: أنشدنا أبو الفتح مفلح بن أحمد الرّوميّ، قال: أنشدنا أبو الحسين بن أبي القاسم التّنوخيّ عن أبيه عن جدّه عن أجداده إلى علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه-:
أصمّ عن الكلم المحفظات ... واحلم والحلم بي أشبه
وإنّي لأترك حلو الكلام ... لئلا أجاب بما أكره
إذا ما اجتروت سفاه السّفيه ... عليّ فإنّي أنا الأسفه
فكم من فتى يعجب النّاظرين ... له ألسن وله أوجه
ينام إذا حضر المكرمات ... وعند الدّناءة يستنبه
وروى ابن أبي الدّنيا في الصّمت عن حمزة الزّيّات- رحمه الله تعالى- قال: قال علي ابن أبي طالب: - رضي الله تعالى عنه- وكرّم الله وجهه-:
لا تفش سرّك إلّا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا
فإنّي رأيت غواة الرّجال ... لا يدّعون أديما صحيحا
وبلغه أن ابن السّوداء يبغض أبا بكر فدعا به ودعا بالسّيف وهمّ بقتله فكلّم فيه، فقال: لا يسألني. وسيّره إلى المدائن
وحدّثه رجل بحديث فقال له: ما أراك إلّا كذبتني، قال: لم أفعل؟
قال: أدعو عليك إن كنت كذبت، قال: ادع، فدعا فما (برح) [ (١) ] حتّى أجيب، ومرّ على مزبلة، فلمّا رأى ما فيها، قال: هذا ما بخل به الباخلون،
أو كما قال.
стр. 5095
وكان (بفصّ) [ (١) ] خاتمه: محمد رسول الله- ﷺ ويتختّم في يساره، وكان ممن جمع القرآن في حياة رسول الله- ﷺ .
وركب مرّة حمارا، ودلّى رجليه إلى موضع واحد، ثم قال: أنا الّذي أهنت الدنيا،
وكان يقول: تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنّما أهله الذين يعملون به، وسيأتي من بعدكم زمان ينكر فيه من الحقّ تسعة أعشاره،
وصعد يوما المنبر فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على رسوله- ﷺ وذكر الموت، فقال: عباد الله، الموت ليس فيه فوت، ثم قال: فالنّجاء النّجاء، والرّجاء الرّجاء، وراءكم طالب حثيث، القبر فاحذروا ضمّته ووحشته، ألا وإنّ القبر حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، ألا أنه يتكلّم في ذلك اليوم ثلاث مرات، فيقول: أنا بيت الظّلمة، أنا بيت الدّود، أنا بيت الوحشة، ألا وإنّ وراء ذلك يوما يشيب فيه الصّغير، ويسكر فيه الكبير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى، ولكنّ عذاب الله شديد، ألا وإنّ وراء ذلك ما هو أشدّ منه، نار حرّها شديد، وقعرها بعيد، وخازنها مالك، ثمّ بكى وبكى المسلمون حوله، ثم قال: ألا وإنّ وراء ذلك جنّة عرضها السّموات والأرض أعدّت للمتقين، أحلّنا الله وإياكم دار النّعيم، وأجارنا وإيّاكم من العذاب الأليم، وقال لرجل ذمّ الدنيا: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غناء لمن يتزوّد منها، ومهبط وحي الله- ، ومصلّى ملائكته، ومسجد أنبيائه- عليهم الصلاة والسلام- ومنجز أوليائه، فيا أيّها الذّامّ للدّنيا المعلّل نفسه حتى خدعتك الدّنيا، لا تغترّبها ولا يغرّنّكم بالله الغرور، أو كما قال.
وقال: إنّ الزهد في كلمتين من القرآن لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ/ [الحديد ٢٣] وقال: عجبت لمن يدعو ويستبطئ الإجابة، وقد سدّ طرقها بالمعاصي والذّنوب.
الخامس: فيما حصل له من المشاقّ، ووصيته، وسبب وفاته- رضي الله تعالى عنه -
وأخبره- ﷺ بأنه لا يزرأ من الدّنيا شيئا، ولا ترزأ منه الدّنيا فلم يصف الأمر مدة الخلافة، واستنجد أهل الشام وصالوا وجالوا، وكلّما ازداد أهل الشّام قوّة ضعف أمر أهل العراق (فتخلّوا) [ (٢) ] عنه، ونكلوا عن القيام معه
وكان يكثر أن يقول: ما يحسب أشقاها، أو ما ينتظر، ثم يقول: لتخضبنّ هذه، ويشير إلى لحيته الكريمة، من هذه، ويشير إلى هامته، كما رواه البيهقي من طرق.
وروى الخطيب عن جابر بن سمرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول
стр. 5096
الله- ﷺ لعلي: من أشقى الناس من الأوّلين؟ قال: عاقر النّاقة، قال: فمن أشقى الآخرين؟
قال: الله ورسوله أعلم، قال: قاتلك» .
وروى أبو داود في كتاب القدر أنه لما كان أيّام الخوارج كان أصحاب علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- يحرسه كلّ ليلة عشرة يبيتون في المسجد بالسّلاح فرآهم، فقال: ما يجلسكم [ (١) ] ؟ قالوا: نحرسك، فقال: من أهل السماء؟ ثم قال: إنّه لا يكون في الأرض شيء حتى يقضى في السّموات، وإن عليّ من الله جنّة حصينة،
وفي رواية: وإن الأجل جنّة حصينة، وأنه ليس من الناس أحد إلا وقد وكلّ به ملك، فلا تريده دابّة ولا شيء إلا قال: اتّقه اتّقه، فإذا جاء القدر خلّيا عنه، وإنّه لا يجد عبد حلاوة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وكان يدخل المسجد كلّ ليلة فيصلّي فيه، فلمّا كانت الليلة التي قتل في صبحتها قلق تلك الليلة، وجمع أهله.
وفي رواية: قال الحسن: دخلت على أبي ليلة قتل صباحها فوجدتّه يصلّي، فلما انصرف، قال: يا بنيّ، إنّي بتّ البارحة أوقظ أهلها لأنّها ليلة الجمعة، صبيحة قدر لسبع عشرة من رمضان فملكتني عيناي، فرأيت رسول الله- ﷺ فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت من أمّتك من اللأواء واللدد؟! فقال لي رسول الله- ﷺ : «ادع عليهم، فقلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير منهم، وأبدلهم من هو شرّ منيّ، قال الحسن: فبينما هو يحدّثني إذا جاء مؤذّنه ابن التياح فأذّنه بالصّلاة، فلما خرج المؤذّن بين يديه، ونادى بالصّلاة اعترضه ابن ملجم
وفي رواية: فلما خرج إلى المسجد ضربه ابن ملجم قبّحه- الله تعالى- على دماغه فانتبه وكان سيفه مسموما وضربه شبيب فلم يصبه لأنّ ضربته جاءت في الطّاق ونادى عليّ: لا يفوتنّكم الرجل، فشد الناس عليهما في كل ناحية فهرب شبيب، وقبض ابن ملجم، فقال علي- رضي الله تعالى عنه-:
أطعموه واسقوه، فإن عشت فأنا وليّ دمي فإن شئت أن أعفو أو أقتصّ، قال تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة ٤٥] . وإن متّ فاقتلوه كما قتلني ولا تعتدوا، إن الله لا يحبّ المعتدين،
قال أهل السّير: انتدب ثلاثة من الخوارج عبد الله بن ملجم المرادي، وهو من حمير، وعداد من بني مراد، وهو حليف ابن جبلة من كندة، المبارك بن عبد الله التّميميّ، وعمرو بن بكير التّميمي، فاجتمعوا بمكّة وتعاقدوا ليقتلنّ علي بن أبي طالب، ومعاوية وعمرو بن العاص، فقال: ابن ملجم: أنا لعليّ، وقال ابن المبارك: أنا لمعاوية، وقال الآخر: أنا لعمرو، وتعاهدوا أن
стр. 5097
لا يرجع أحد عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه، وتواعدوا ليلة عشرة من رمضان، فتوجّه كلّ واحد إلى المصير الّذي فيه صاحبه الّذي يريد قتله، فضرب ابن ملجم عليّا بسيف مسموم في جبهته، فأوصله إلى دماغه في اللّيلة المذكورة ليلة الجمعة،
ولما ضربه ابن ملجم قال: فزت، وربّ الكعبة، وأوصى سيّدنا الحسن والحسين- رضي الله تعالى عنهما- بتقوى الله- والصلاة والزكاة، وغفر الذّنوب، وكظم الغيظ، وصلة الرّحم، والحلم عن الجاهل، والتّفقّه في الدّين، والتّشبّث في الأمر، وتلاوة القرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش، ووصّاهما بأخيهما محمد بن الحنفية، ووصاه بما وصاهما وأن يعظّمهما، ولا يقطع أمرا دونهما، وكتب ذلك كله في كتاب وصيّته، وصورة الوصيّة «بسم الله الرحمن الرّحيم» . هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أنّه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، قل: إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت، وأنا أوّل المسلمين» أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربّكم، وطاعته، وحسن عبادته، ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، فإني سمعت رسول الله- ﷺ يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصّلاة والصّيام وانظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم ولا تبغوا الدّنيا، ولا تبكوا على ما زوى عنكم منها، وقولوا الحقّ وارحموا اليتيم، وكونوا للظّالم خصما، وللمظلوم نصرا، واعملوا بما في كتاب الله- وسنّة رسوله- ﷺ ولا يأخذكم في الله لومة لائم، ثمّ ليهون عليكم الحساب، الله الله في الصّلاة، فإنّها عمود دينكم، والله الله في الجهاد في سبيل الله- بأموالكم وأنفسكم، الله الله في الزّكاة، فإنّها تطفئ غضب الرّبّ، والله الله في ذرّيّة نبيكم محمد- ﷺ لا يظلمنّ بين ظهرانيكم، والله الله في أصحاب نبيكم- ﷺ فإن رسول الله- ﷺ أوصى بأهل بيته وأصحابه، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم ولا تخافنّ في الله لومة لائم، يكفكم الله- من أرادكم وبغي عليكم، وقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، كما أمركم الله- ، ولا تتركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فيولىّ الأمر شراركم، ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم، وعليكم بالتّواصل والتّباذل، وإِيَّاكم والتَّدابُر والتَّقَاطع والتَّفَرُّق وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تَعَاوَنُوا على الإِثْم والعُدْوان، واتَّقُوا الله، إن الله شدِيدُ العِقَاب، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم بيتكم (أستودعكم) [ (١) ] الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله، ولمّا احتضر جعل يكثر من قول رسول الله- ﷺ : لا إله إلا الله لا يقول غيرها حتى قبض، وهو ابن ثلاث وستّين سنة على
стр. 5098
الصّحيح المشهور،
وقيل: إنّ آخر كلامه «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»
ثم توفّي بالكوفة ليلة الأحد السابع والعشرين وقيل: التّاسع والعشرين من رمضان وقيل: التاسع عشر من رمضان سنة أربعين- رضي الله تعالى عنه- وغسّله ابناه الحسن والحسين، وعبد الله بن جعفر- رضي الله تعالى عنهم- وكفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، وكان عنده شيء من حنوط رسول الله- ﷺ أوصى أن يحنّط به فحنّطوه به- وصلّى عليه الحسن، ودفن في الكوفة عند قصر الإمارة، وغمّي قبره، وقيل: إن عليّا صبر في صندوق وكثّروا عليه من الكافور، وحمل على بعير يريدون به المدينة، فلمّا كان ببلاد طيّء أضلّوا البعير ليلا، فأخذته طيّء ودفنوه، ونحروا البعير وقال المبرد عن محمد بن حبيب:
أول من حوّل من قبر إلى قبر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه ورضي عنا به ورزقنا محبته وسائر أصحاب رسول الله- ﷺ وأدام ذلك لنا إلى يوم نلقاه.
السادس: فيما رثي به رضي الله تعالى عنه .
روى سعيد بن منصور لأبي الأسود الدؤلي يرثي عليا رضي الله تعالى عنه:
ألا يا عين ويحك أسعدينا ... ألا تبكي أمير المؤمنينا
وتبكي أمّ كلثوم عليه ... بعبرتها وقد رأت اليقينا
ألا قل للخوارج حيث كانوا ... فلا قرّت عيون الحاسدينا
أفي شهر الصّيام فجعتمونا؟ ... بخير النّاس طرّا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا ... وذلّلها، ومن ركب السّفينا
ومن لبس النّعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمبينا
وكلّ مناقب الخيرات فيه ... وحبّ رسول ربّ العالمينا
إذا استقبلت وجه أبي حسين ... رأيت البدر فوق النّاظرينا
وكنّا قبل مقتله بخير ... نرى مولى رسول الله فينا
يقيم الحقّ لا يرتاب فيه ... ويعدل في العدى والأقربينا
وليس بكاتم علما لديه ... ولم يخلق من المتكبرينا
كأنّ النّاس إذ فقدوا عليا ... نعام حار في بلد سنينا
فلا تشمت معاوية بن صخر ... فإنّ بقيّة الخلفاء فينا
стр. 5099
الباب الحادي عشر في بعض فضائل طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه
وفيه أنواع:
الأول: - في نسبه وأولاده- رضي الله تعالى عنه
- فهو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي المكي المدني يلتقي مع رسول الله- ﷺ في مرة، وأمه الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء أسلمت- رضي الله تعالى عنها-[قال بعضهم] : كان آدم وقيل أبيض حسن الوجه كثير الشعر إلى القصر أقرب رحب الصدر بعيد ما بين المنكبين. ضخم القدمين، إذا مشى أسرع وإذا التفت التفت جميعا، ولا يغيّر شيبه وكان في الشدة والقلة لنفسه بذولا، وفي السّعة والرضا وصولا وكان له عشرة أولاد محمد السّجاد، وعمران أمهما حمنة بنت جحش.
وموسى، ويعقوب، وإسحاق، وأمهم إبان بنت عتبة بن ربيعة.
وزكريا ويوسف، وعائشة وأمهم أم كلثوم بنت الصديق.
وعيسى ويحيى وأمهما سعدى بنت عوف بن خارجة، وأم إسحاق والصّعبة، ومريم، وصالح، وأسلم أخواه عثمان وعبد الرحمن وله عدة موالي.
الثاني: في جمل من فضائله .
فهو أحد العشرة المبشرة بالجنة والثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والستة أصحاب الشورى والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق- رضي الله تعالى عنه- شهد المشاهد كلها مع رسول الله- ﷺ إلّا بدرا،
فإنه بعثه رسول الله- ﷺ إلى طريق الشام يتجسس الأخبار، فقدم بعد رجوع رسول الله- ﷺ من بدر، فكلم رسول الله- ﷺ في سهم له، فقال له رسول الله- ﷺ : لك سهمك، قال: وأجري يا رسول الله؟ قال: وأجرك، وسمّاه رسول الله- ﷺ طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الفياض، لكثرة جوده
[ (١) ] .
روى ابن عساكر عن محمد بن إبراهيم بن الحرث وأبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال لطلحة: «ما أنت يا طلحة إلّا فياض»
باع أرضا بسبعمائة ألف، فبات تلك الليلة كلّها ورسله تختلف إلى فقراء أهل المدينة فما أصبح وعنده منها درهم، وفي رواية: «فبات عنده ليلة، فبات أرقا من ذلك المال حتى أصبح ففرّقه، وفدى عشرة من أسارى
стр. 5100
بدر بماله، جاءه أعرابيّ، وتقرّب إليه برحم، فقال: إن هذه الرّحم ما سألني بها أحد قبلك، ولي أرض قد أعطاني فيها عثمان (بن عفان) [ (١) ] ثلاثمائة ألف، فإن شئت الأرض وإن شئت الثمن فقال: الثمن فأعطاه، وكان يكفي ضعفاء بني تميم، ويقضي ديونهم يرسل إلى عائشة كلّ سنة عشرة آلاف درهم.
وسماه أيضا طلحة الطّلحات، وليس هو طلحة الطّلحات الذي قيل فيه:
رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطّلحات
لأنه خزاعي مدفون بسجستان، وكان الصّدّيق إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كلّه لطلحة، وجعل يومئذ نفسه وقاية لرسول الله- ﷺ .
وروى الإمام أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح غريب وأبو يعلى وابن حبان، والحاكم والضّحّاك عن يحيى بن عبّاد بن الزبير عن أبيه عن جده- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «أوجب طلحة حين صنع برسول الله- ﷺ ما صنع» .
وروى أبو بكر الشّافعي في «الغيلانيات» «والدّيلمي» وابن عساكر عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال لطلحة: يا طلحة، هذا جبريل يقرؤك السلام، ويقول لك: أنا معك في أهوال القيامة حتى أنجيك منها.
وروى ابن منده وابن عساكر والحاكم والترمذي وقال: غريب وابن ماجة والطبراني في الكبير عن معاوية، وابن عساكر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال لطلحة: «يا طلحة، أنت ممن قضى نحبه، وفي لفظ: «طلحة ممن قضى نحبه» .
روى الترمذي وحسنه عن طلحة أن أصحاب رسول الله- ﷺ قالوا لأعرابيّ جاهل:
سله عمّن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترؤون على مسألة يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي، فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطّلعت من باب المسجد وعليّ ثياب خضر، فلما رآني رسول الله- ﷺ قال: أين السائل عمّن قضى نحبه؟ قال: أنا يا رسول الله، قال «هذا ممّن قضى نحبه»
[ (٢) ] .
وروى أبو نعيم في الحلية- عن طلحة بن عبيد الله أن رسول الله- ﷺ تلا على المنبر: «ومنهم من قضى نحبه» ، فسأله رجل من هم؟ فأقبل على طلحة بن عبد الله، فقال: أيها السائل، هذا منهم»
[ (٣) ] .
стр. 5101
وروى [الطبراني] عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: طلحة ممّن قضى نحبه.
وفي تفسير ابن أبي حاتم أن عمّارا منهم، وفي تفسير يحيى بن سلّام: حمزة وأصحابه.
وروى الطبراني في- الكبير- وأبو نعيم والضّياء والباروديّ والبغوي عن حصين بن وحوح قال: قال رسول الله- ﷺ : اللهم الق طلحة تضحك إليه ويضحك إليك
[ (١) ] .
وروى الترمذي وقال: غريب وأبو يعلى والحاكم وتعقب وأبو نعيم في المعرفة عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «طلحة والزّبير جاراي في الجنة» .
وروى الحاكم وابن ماجة وابن عساكر عن جابر، وابن عساكر عن أبي هريرة وأبي سعيد- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «طلحة خير شهيد يمشي على وجه الأرض» .
وروى أبو نعيم في فضائل الصحابة- عن عمر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال لطلحة: لك الجنّة عليّ يا طلحة غدا.
وهو أعظم الطلحات السبعة المعدودين في الجود، فقد باع أرضا له من عثمان بسبعمائة ألف، فحملها إليه، فلمّا جاء بها، قال: إنّ رجلا ثبت هذه عنده، لا يدري ما يطرقه من أمر الله، لغرير بالله، فبات، ورسله تختلف في سكك المدينة حتى أسحر وما عنده منها درهم.
وقد تصدّق يوما بثمانمائة ألف ثم حبسه عن الرّواح إلى المسجد أن جمعت له بين طرفي ثوبه.
والثاني: طلحة بن (عمر التميمي) طلحة الجود.
والثالث: طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدّيق، ويسمّى طلحة الدّراهم.
والرابع: طلحة بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ويسمى طلحة الخير.
والخامس: طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري ويسمى طلحة الدوسيّ.
السادس: طلحة بن عبد الله بن خلف، ويسمى طلحة النّدى.
стр. 5102
السابع: طلحة بن عبد الله الخزاعي، ويسمى طلحة الطّلحات.
الثالث: في وفاته- رضي الله تعالى عنه -.
قتل يوم الجمل سنة ستّ وثلاثين، وهو ابن أربع وستّين، وقيل: اعتزل يوم الجمل في بعض الصفوف، فرمي بسهم فقطع من رجله عرق النسا، فلم يزل دمه ينزف منه حتى مات، وأقرّ مروان بن الحكم أنّه رماه، ودفن بقنطرة القرة، قد رأى بعد موته بثلاثين سنة في المنام أنه يشكو إليها الغلاوة فأمر به فاستخرج طريّا ودفن في دار الهجرتين بالبصرة، وقبره مشهور.
[شرح غريب ما سبق] .
نحب: بنون فحاء فموحدة، النّذر كأنه أكرم نفسه أن يصدق الله في قتل أعدائه في الحرب، وقيل: هو الموت، فكأنّه الزمها أن يقاتل حتى الموت.
стр. 5103
الباب الثاني عشر في بعض فضائل الزبير بن العوام- رضي الله تعالى عنه -
وفيه أنواع:
الأول: في نسبه وصفته وولده وإسلامه وهجرته .
هو أبو عبد الله الزبير بن العوام بن (خويلد) بن أسد بن عبد العزى بن قصّي القرشي الأسدي، يلتقي مع رسول الله- ﷺ في قصيّ، وأمّه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله- ﷺ أسلمت وهاجرت إلى المدينة، أسلم قديما، وعمره خمس عشرة سنة، قال الحافظ أبو نعيم: كان عمّ الزّبير يعلّق الزبير في حصير، ويدخّن عليه بالنار، وهو يقول: ارجع إلى الكفر، فيقول الزّبير: لا أكفر أبدا.
وكان أسمر ربعة من الرجال، معتدل اللّحم، خفيف اللّحية، قيل: كان طويلا إذا ركب تخط رجلاه الأرض.
وأولاده من أسماء بنت الصديق- رضي الله تعالى عنهم-: عبد الله، وعروة، والمنذر وعاصم، والمهاجر، وخديجة الكبرى، وأمّ الحسن، وعائشة، وله أولاد من غيرها- رضي الله تعالى عنهم-.
الثاني: في بعض فضائله- رضي الله تعالى عنه -.
أسلم قديما وهو ابن ثماني سنين، وقيل: ابن ستّ عشرة سنة، فعذّبه عمه بالدّخان لكي يترك الإسلام فلم يفعل، وهاجر إلى الحبشة مرّتين وإلى المدينة، وآخى رسول الله- ﷺ بينه وبين ابن مسعود،
وكان أول من سلّ سيفا في سبيل الله حين سمع ما ألقاه الشّيطان أن رسول الله- ﷺ أخذ، فخرج الزّبير يستبق الناس بسيفه، والنبي- ﷺ بأعلى مكّة فلقيه، فقال: ما لك يا زبير؟ فقال: أخبرت أنّك أخذت، قال: فصلّى عليه ودعا له ولسيفه.
وشهد بدرا والمشاهد كلّها مع رسول الله- ﷺ شهد اليرموك وفتح مصر، وكان يتجر ويأخذ عطاء.
روى الإمام أحمد والشيخان وعبد بن حميد والترمذي والخطيب وابن عساكر في تاريخه وابن أبي شيبة وأبو نعيم في المعرفة- والإمام أحمد والبيهقي عن جابر وابن عساكر عن الزبير والإمام أحمد وأبو يعلى وابن أبي شيبة والترمذي وقال: حسن صحيح، والطبراني والحاكم وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن علي والدارقطني في الإفراد عن أبي موسى والزّبير ابن بكّار وابن عدي وابن عساكر عن عمر وأبو يعلى وابن سعد والزبير بن بكّار وابن عساكر
стр. 5104
عن أبي عمر، والإمام أحمد وابن كثير والطبراني في الكبير، وأيضا عن عبد الله بن الزبير- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «لكل نبيّ حواريّ وإن حواريّ- وفي لفظ: «وابن عمتي» الزّبير وفي لفظ: «وأنتما حواريّ» قاله لطلحة الزبير، وفي لفظ:
«الزبير ابن عمّتي حواريّ من أمتي» .
روى الشيخان عن عبد الله بن الزبير- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال لي أبي: قال رسول الله- ﷺ : «من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم» ، فانطلقت فلمّا رجعت جمع لي رسول الله- ﷺ أبويه فقال: «إرم، فداك أبي وأمّي» .
الثالث: في كرمه ووصيته ووفاته وعمره .
كان من الشّجعان المعدودين هو وعليّ وحمزة، كان له ألف مملوك يؤدّون إليه الضربية ما دخل في بيت ماله درهم واحد يتصدّق بها- وفي رواية- «كان يقسّمها كلّ ليلة وما يقوم إلى منزله بشيء منه» .
روى البخاري [ (١) ] عنه قال: لما وقف على يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه، فقال: يا بنيّ، ما أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما وإنّ من أكبر همّي لديني، أفترى ديننا بقي من مالنا شيئاً؟
ثم قال: يا بنيّ، بع مالنا واقض ديني، وأوصى بالثّلث، قال عبد الله: «فجعل يوصيني بدينه» ، ويقول: يا بنيّ، إن عجزت عن شيء منه فاستعن بمولاك، فو الله ما دريت ما أراد حتّى قلت: يا أبة من مولاك؟ قال: الله، فو الله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزّبير، اقض عنه دينه فيقضيه، قال: فقتل الزبير ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين منها الغابة، وإحدى عشرة دارا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارا بالكوفة، ودارا بمصر، قال: وما كان دينه إلا أن الرجل يأتيه بالمال فيستودعه إيّاه، فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف، إنّي أخشى عليه الضّيعة، وما ولّى إمارة قط ولا جباية، ولا خراج ولا شيئا إلا أن يكون غزوة مع رسول الله- ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان قال عبد الله: فحسبت ما كان عليه من الدّين فكان ألفي ألف ومائتي ألف، وكان الزّبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف، ثم قال:
من كان له عندنا شيء فليوافنا بالغابة، فلما فرغ عبد الله من قضاء دينه، قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا، قال: لا، والله، لا أقسم بينكم حتى أنادي بالمواسم أربع سنين، إلا من كان له دين على الزبير فليأتنا فلنقضيه، فجعل ينادي كلّ سنة بالموسم فلما قضى أربع سنين قسم بينهم ودفع الثّلث، وكان للزبير أربع نسوة فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجمع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف كما رواه البخاري.
стр. 5105
قيل: وجدوا عليه من الدّين ألفي ألف ومائتي ألف فوفّاه عنه وأخرجوا بعد ذلك ثلث ماله الذي أوصى به، ثم قسّمت التركة، فأصاب كل واحد من الزّوجات ألف ألف ومائتا ألف فعلى هذا يكون جميع ما خلفه من الدّين والوصيّة والميراث تسعة وخمسين ألف ألف وثمانمائة ألف، وهذا هو الصّحيح، وما في البخاري قال في مجمع الأحباب: وفيه نظر، وكان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فيتصدق به في مجلسه، ولا يقوم بدرهم منه وكان له مال جزيل وصدقات كثيرة، قيل: سبعة من الصحابة أوصوا إليه، منهم عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، فكان ينفق على عيالهم من ماله، ويوفّر أموالهم، وترك القتال يوم الجمل، وانصرف، فلحقه جماعة من القوم فقتلوه بوادي السباع ناحية البصرة في جمادى الأولى سنة ستّ وثلاثين، وكان عمره سبعا (وستين) [ (١) ] سنة، وقيل أربعا وستين، وقبره مشهور، وقال فيه حسان بن ثابت- رضي الله تعالى عنه-:
فكم كربة ذبّ الزّبير بسيفه ... عن المصطفى والله يعطي ويجزل
فما مثله فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدّهر ما كان يزبل
ثناؤك خير من فعال معاشر ... وفعلك يا ابن الهاشميّة أفضل [ (٢) ]
стр. 5106
الباب الثالث عشر في بعض فضائل سعد بن مالك- رضي الله تعالى عنه -
وفيه أنواع:
الأول: في اسمه ونسبه وكنيته .
هو فارس الإسلام سعد وكنيته أبو إسحاق بن مالك وكنيته أبو وقّاص بن وهب، ويقال: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن عبد مناف، يلتقي مع النبي- ﷺ في عبد مناف.
الثاني: في فضائله .
أسلم قديما وهو ابن تسع عشرة سنة وكان ثالثا في الإسلام، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأوّل من أراق دما في سبيل الله شهد مع رسول الله- ﷺ المشاهد كلها وكان من أمراء رسول الله- ﷺ وكان مجاب الدعوة، مسدد الرمية،
بقوله- ﷺ : «اللهم سدّد رميته، وأجب دعوته» ،
رمي يوم أحد ألف سهم، ولاه أمير المؤمنين عمر العراق، وهو الذي كان أمير الجيوش في القادسيّة والمدائن وغير ذلك.
وروي له عن رسول الله- ﷺ مائتان وسبعون حديثا، اتّفق البخاريّ ومسلم منها على خمسة عشر وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بثمانية عشر، اعتزل الفتن فلم يقاتل في شيء من الحروب.
وروى أبو الفرج عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه- قال: أقبل سعد ورسول الله- ﷺ جالس، فقال رسول الله- ﷺ هذا خالي فليرني امرؤ خاله.
ومرض بمكّة، وهو يكره أن يموت بالأرض الّتي هاجر منها، فجاء رسول الله- ﷺ يعوده، ولم يكن له يومئذ إلا ابنة واحدة، فقال: يا رسول الله، أوصي بمالي كلّه؟ قال: الثّلث والثّلث كثير، ولعل الله أن يرفعك فينتفع بك ناس، ويضرّ بك آخرون،
ودعا، فقال: يا رب، إن لي بنين صغارا، فأخّر عنّي الموت فأخّر عنه الموت عشر سنين، وكان لا يجد في قلبه لأحد من المسلمين شيئا لا يقوله، وهو أحد الستة الّذين نزل فيهم: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [الأنعام ٥٢] كما رواه مسلم في رواية: لمّا أسلم سعد امتنعت أمّه عن الطعام والشّراب أيّاما، فقال لها: لنعلمنّ أنّه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا، إن شئت كلي وإن شئت فلا تأكلي فلمّا
стр. 5107
رأت ذلك نزل: وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي [العنكبوت ٨] .
من كلامه أنه قال لابنه مصعب: يا بنيّ، إذا طلبت شيئا فاطلبه بالقناعة، فإنّه من لا قناعة له لم يغنه المال [ (١) ] .
الرابع في وفاته- رضي الله تعالى عنه -
كان أوصى أن يكفن في جبّة صوف، لقي المشركين فيها يوم بدر وهي عليه، فقال: إنما كنت أخبؤها لهذا فكفّن فيها، وذلك سنة خمس وخمسين، وهو ابن تسع وسبعين، وقيل: ابن اثنتين وثمانين، وهو آخر من مات من المهاجرين- رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتوفّي في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل إليها وصلّى عليه مروان بن الحكم، وهو يومئذ وإلي المدينة، وصلّى عليه أزواج النبي- ﷺ في حجرهنّ ودفن بالبقيع.
стр. 5108
الباب الرابع عشر في فضائل سعيد بن زيد- رضي الله تعالى عنه -
وفيه أنواع:
الأول: في نسبه
وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب بن لؤيّ يلتقي مع رسول الله- ﷺ في كعب بن لؤي.
الثاني: في بعض فضائله- رضي الله تعالى عنه -
أسلم قديما قبل دخول دار الأرقم ابن أبي الأرقم، وشهد المشاهد كلّها ما خلا بدرا، وذكره البخاري في مشهدها وهو ابن عمّ عمر وزوج أخته أسلمت أيضا قديما وكانت سبب إسلام عمر، وهو من المهاجرين الأوّلين، وأحد العشرة، وشهد اليرموك، وحصار دمشق وكان مجاب الدّعوة.
روى الشيخان عن سعيد بن زيد- رضي الله تعالى عنه- أنه خاصمته أروى بنت أويس إلى مروان، وادّعت عليه أنّه أخذ شيئا من أرضها، فقال سعيد بن زيد: ما كنت لآخذ من أرضها من بعد أن سمعت رسول الله- ﷺ يقول: من أخذ شبرا من أرض طوّقه من سبع أرضين، فقال مروان: لا أسألك بعد هذا ثم قال سعيد: اللهمّ، إن كانت كاذبة فاعم بصرها واقتلها في أرضها،
فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت، في رواية لمسلم أنها قالت: أصابتني دعوة سعيد، وفي رواية: أن أروى بنت أويس جاءت إلى مروان بن الحكم تستعدي على سعيد، وقالت: ظلمني وغلبني على أرضي، وكان جارها بالعقيق فركب إليه عاصم بن عمر- رضي الله تعالى عنهما- فقال: أنا أظلم أروى حقّها، فو الله، لقد ألقيت لها ستّمائة ذراع من أرضي من أجل حديث
سمعته من رسول الله- ﷺ : «من أخذ من حقّ امرئ من المسلمين شيئا بغير حقّ طوّقه يوم القيامة من سبع أرضين، قومي، يا أروى، فخذي الّذي تزعمين أنّه حقّك، فقامت فأخذت،
فقال سعيد:
اللهمّ إن كانت ظالمة، فاعم بصرها واقتلها بشرّها فعميت، فوقعت فيه بشرّها فماتت.
روي له عن رسول الله- ﷺ ثمانية وأربعون حديثا اتّفقا على حديث وانفرد البخاريّ بحديث.
وروى عنه جماعة الصحابة وخلائق من التابعين- رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
الثالث: في وفاته- رضي الله تعالى عنه -
توفّي سنة خمسين أو إحدى وخمسين وكان ابن بضع وسبعين سنة بالعقيق، وحمل إلى المدينة، ودفن بها، وغسّله ابن عمر، وقيل: سعد بن أبي وقاص، وصلّى عليه ابن عمر ونزل في قبره سعد وابن عمر- رضي الله تعالى عليهم أجمعين-.
стр. 5109
الباب الخامس عشر في بعض فضائل عبد الرحمن بن عوف- رضي الله تعالى عنه -
وفيه أنواع
الأول: في نسبه- رضي الله تعالى عنه -
هو أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرّة، يلتقي مع النبي- ﷺ في كلاب وأمّه الشّفّاء بنت عوف أسلمت وهاجرت، وولد بعد الفيل بعشر سنين.
الثاني: في بعض فضائله
أسلم قديما وهو أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام وأحد العشرة، وأحد الثّلاثة الذين انتهت إليهم الخلافة من الستة، وكان هو الذي اجتهد في تقديم عثمان، شهد المشاهد كلّها مع رسول الله- ﷺ وكان من الذين ثبتوا مع رسول الله- ﷺ يوم أحد، وهو أحد الخمسة الذين أسلموا على يدي الصّدّيق، وهاجروا الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وآخى رسول الله- ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، وبعثه رسول الله- ﷺ إلى دومة الجندل إلى بني كليب وعمّمه- ﷺ بيده الشريفة، وأسدلها بين كتفيه وقال: إن فتح الله عليك فتزوّج ابنة ملكهم، أو قال: شريفهم، ففتح الله تعالى عليه وتزوّج بنت شريفهم الأصبع، فولدت له أبا سلمة وصلّى رسول الله- ﷺ حين أدركه، وقد صلّى بالناس ركعة كما في صحيح مسلم وغيره، وجرح يوم أحد إحدى وعشرين جراحة، وجرح في رجله وسقطت ثناياه وكان كثير الإعتاق في سبيل الله، أعتق في يوم واحد واحدا وثلاثين عبدا.
وروي له عن رسول الله- ﷺ خمسة وستون حديثا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاريّ بخمسة.
روى عنه ابن عمر وابن عبّاس وجابر وخلائق غيرهم من الصحابة والتابعين- رضي الله تعالى عنهم-، وكان كثير المال محفوظ في التجارة، قيل: إنّه دخل على أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- فقال: يا أمّاه، خفت أن يهلكني كثرة مالي، فقالت: يا بني، أنفق.
تصدّق على عهد رسول الله- ﷺ بشطر ماله، أربعة آلاف دينار ثم تصدّق بأربعين ألف دينار، وتصدّق بخمسمائة فرس في سبيل الله تعالى ثم بخمسمائة راحلة، وكان عامة ماله من التجارة. انتهى.
стр. 5110
روى الترمذي وقال: حديث حسن، أنّه أوصى لأمّهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف، وقال عروة: أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله تعالى.
وروى أبو الفرج بن الجوزي عن المسور بن مخرمة قال: باع عبد الرحمن بن عوف أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار فقسم ذلك المال في بني زهرة وفقراء المسلمين وأمهات المؤمنين، وبعث إلى عائشة معي بمال من ذلك المال،
فقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: أما إني سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «لن يحنو عليك بعدي إلا الصالحون» ،
سقى الله تعالى ابن عوف من سلسبيل الجنة.
وقال الزّهري: أوصى لمن بقي ممن شهد بدرا لكلّ رجل أربعمائة، وكانوا مائة، وأوصى بألف فرس في سبيل الله- .
قال ابن القيّم: وكان من تواضعه- رضي الله تعالى عنه- لا يعرف من عبيده وكان يلبس الحلّة تساوي خمسمائة درهم، وأكثر، ويلبس غلمانه مثلها.
وقال في الاكتفاء: وكان أهل المدينة عيالا عليه ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي ديونهم من ماله، وثلث يصلهم، وبينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتاً رجّت له المدينة، فقالت: ما هذا؟ قالوا: غير قدمت لعبد الرحمن بن عوف من الشّام، وكانت سبعمائة راحلة،
فقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: أما إني سمعت رسول الله- ﷺ يقول: رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فأتاها يسألها عما بلغه، فوثّقته، فقال: فإنّي أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها في سبيل الله.
وباع أرضا من عثمان- رضي الله تعالى عنه- بأربعين ألفا، فقسّم ذلك في بني زهرة وفقراء المسلمين، وأمهات المؤمنين وبعث إلى عائشة- رضي الله تعالى عنها- بمال من ذلك،
فقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: أما إني سمعت رسول الله- ﷺ يقول: لن يحنو عليكم بعدي إلا الصالحون، سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة.
وروى أنّه أعتق ثلاثين ألف بنت، كان له من الولد ثمانية وعشرون ولدا ذكورا وإناثا، مات بعضهم في حياته، وفتح الله تعالى- عليه بدعائه- ﷺ بالبركة حتى حضر الذهب الذي جعله بالقوس حتى تجلّت أيديهم، وأخذت كل زوجة من زوجاته الأربع ثمانين ألفا، وقيل: مائة ألف، وقيل: بل صولحت إحداهن لأنه طلقها على نصف وثمانين ألفا، وأوصى بخمسين ألف بعد صدقاته الفاشية وعوارفه العظيمة أعتق يوما واحدا ثلاثين عبدا وتصدق مرة بعير منها سبعمائة بعير بأحمالها وأقتابها وأحلاسها، وردت عليه تحمل كل شيء.
стр. 5111
وروى ابن سعد وابن عوف والطيالسي والحاكم والبيهقي في الشّعب عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله- ﷺ قال: «أتاني جبريل» وفي لفظ: أن رسول الله- ﷺ قال له: لن تدخل الجنة إلا زحفا، فأقرض الله- يطلق لك قدميك، قال ابن عوف- رضي الله تعالى عنه-: وما الذي أقرض الله- يا رسول الله؟
قال: «تبدأ بما أمسيت فيه» : قال: أمن كلّه أجمع يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فخرج ابن عوف، وهو يهمّ بذلك، فأرسل إليه رسول الله- ﷺ فقال: إن جبريل قال: مر عبد الرحمن بن عوف فليضيف الضّيف، وليطعم المسكين، وليعط السائل، ويبدأ بمن يعول، فإنه إذا فعل ذلك كان تزكية ما هو فيه.
وروى ابن عدي وابن عساكر عن عبد الرحمن بن حميد عن ابن عم أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط عن يسرة بنت صفوان أن رسول الله- ﷺ قال: «أنكحوا عبد الرحمن بن عوف، فإنّه من خيار المسلمين، ومن خيارهم من هو مثله»
[ (١) ] .
روى أبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحضرمي قال: قرأ رجل عند رسول الله- ﷺ ليّن الصوت فما بقي أحد من القوم إلا فاضت عيناه إلا عبد الرحمن بن عوف، فقال رسول الله- ﷺ : أن لم يكن عبد الرحمن بن عوف فاضت عيناه، فقد فاض قلبه.
وروى الديلمي عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: يا عبد الرحمن، كفاك الله أمر دنياك، فأمّا آخرتك فإنه لها ضامن.
وروى الإمام أحمد والطبراني عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا» .
وروى الديلمي عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: أن رسول الله- ﷺ قال: «إن عبد الرحمن بن عوف يسمّى الأمين في السموات، والأمين في الأرض» .
وروى الدارقطني في الإفراد عن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال له: يا ابن عوف، إني أعلمك كلمات تقولهن حين تدخل المسجد وحين تخرج، إنه ليس عبد إلا ومعه شيطان، فإذا وقف على باب المسجد، فقال حين يدخل:
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم، افتح لي أبواب رحمتك مرة، ويقول: أعنّي
стр. 5112
على حسن عبادتك، وهوّن عليّ طاعتك ثلاثا، وحين تخرج تقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهمّ، اعصمني من الشيطان الرجيم ومن شر ما خلقت واحدة. ألا أعلمك كلمات تقولها إذا دخلت بيتك: بسم الله، ثم تسلم على نفسك وأهلك، وتسلّم على ما أتاك الله من رزق، وتحمده حين تفرغ.
الثالث: في وفاته- رضي الله تعالى عنه -
توفّي سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان- رضي الله تعالى عنه- فصلى عليه عليّ وقيل الزبير- رضي الله تعالى عنهما- ودفن بالبقيع وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، أو خمس وسبعين سنة.
شرح غريب ما سبق
الفؤس: بهمزة مضمومة بعد الفاء: جمع فأس بسكون همزته.
مجلت: بفتح الميم والجيم وكسرها: تعبت من كثرة العمل.
النّيّف: بالتشديد وقد تخفّف.
العوارف: جمع عارفة بمعنى معروفة.
الفاشية: بفاء فألف فمعجمة فمثنّاة تحتيّة فتاء التأنيث: [ ... ] .
القافلة: بقاف القتب، فمثناة فوقية فموحدة للبعير، كاللحاف لغيره.
الحلس: بحاء مهملة مكسورة فلام ساكنة فمهملة: ما يلي ظهر البعير تحت القتب.
стр. 5113
الباب السادس عشر في بعض فضائل أبي عبيدة بن الجراح- رضي الله تعالى عنه -
وفيه أنواع:
الأول: في نسبه وصفته- رضي الله تعالى عنه -
هو أبو عبيدة بن عبد الله بن الجرّاح بن هلال بن وهيب وفي لفظ: أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك الملقّب بأمين هذه الأمّة يلتقي مع النبي- ﷺ في مالك.
قال الحافظ ابن عساكر: وكان طويلا نحيفا أجنأ معروق الوجه خفيف اللّحية أهتم.
الثاني: في بعض فضائله- رضي الله تعالى عنه -
فهو أحد العشرة، وأحد الرّجلين اللذين عينهما، أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- وأحد الخمسة الّذين أسلموا في يوم واحد على يد الصّدّيق، والأربعة عثمان بن مظعون وعيينة ابن الحارث، وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد، وآخى رسول الله- ﷺ بينه وبين سعد بن معاذ، وقيل: محمد بن سلمة، وقد شهد بدرا والمشاهد كلّها، وثبت مع رسول الله- ﷺ يوم أحد، ونزع يومئذ بفيه الحلقتين اللتين دخلتا في وجنتي النبي- ﷺ من حلق المغفر فوقعت ثنيّتاه فكان من أحسن الناس هتما.
قال الحافظ ابن عساكر: وهو أول من سمّي أمير الأمراء، وأنزل الله تعالى فيه لما قتل أباه يوم بدر، حيث تصدّى له وحاد عنه مرارا لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الآية] وممّا قاله:
ألا ربّ مبيّض لثيابه ... ومديّس لدينه
ألا ربّ مكرم لنفسه ... وهو لها مهين
بادروا السّيّئات القديمات ... بالحسنات الحديثات
فلو أن أحدكم عمل من السيئات ما بينه وبين السّماء ثم عمل حسنة لعلت فوق سيّئاته حتى تقهرهنّ، وقال: مثل المؤمن مثل العصفور يتقلّب كلّ يوم كذا وكذا مرة، وله مع المشركين غزوات كبيرة، ووقعات كثيرة، منها وقعة حمص الأولى.
وروى الطبراني برجال ثقات إلا مالك، فيحرر رجاله عن مالك الدار أن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صرّة فقال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم ابق في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجاتك، فقال: وصله الله ورحمه ثم
стр. 5114
قال: تعالي أنت يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسرّ بذلك [ (١) ] .
وروى البخاري عن أنس وابن عساكر عن أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- وابن أبي شيبة عن أبي قلابة، والإمام أحمد عن عمر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إنّ لكل أمة أمينا، وإنّ أمين هذه الأمة» وفي لفظ: «وإنّ أمينك أيّتها الأمة» - وفي لفظ: «لكلّ نبيّ أمين وأميني» أبو عبيدة بن الجراح.
وروى ابن عساكر عن أبي بكر الصديق وابن عساكر عن محمد بن المنكدر (مرسلا) [ (٢) ] وعن داود بن شابور أبي سليمان وابن عساكر. وتمام عن سعيد بن عبد العزيز مرسلا، وابن أبي شيبة والحاكم عن الحسن مرسلا وابن عساكر عن زياد بن الأعلم عن الحسن مرسلا وابن عساكر عن مبارك بن فضالة عن الحسن مرسلا أن رسول الله- ﷺ قال: «ما من أصحابي» وفي لفظ: «أحد» إلّا كنت قائلا فيه، وفي لفظ، «وفي خلقه» ، «وفي لفظ: «في بعض خلقه» ، وفي لفظ: «أن أقول في خلقه» ، وفي لفظ: «إلا وقد وجدتّ فيه» ، ولو شئت أن أقول فيه، وفي لفظ: «ألا ولو شئت لأخذت عليه» إلا أبا عبيدة، وفي لفظ: «إلا ما كان من أبي عبيدة بن الجراح» ، وفي لفظ: «غير أبي عبيدة بن الجراح» .
وروى الحاكم عن أبي عبيدة بن الجراح- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «يا أبا عبيدة، لا تأمن على أحد بعدي» .
وروى الشيخان عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء أهل نجران إلى رسول الله- ﷺ فقالوا: يا رسول الله ابعث إلينا رجلا أمينا، فقال: لأبعثنّ إليكم رجلا أمينا حقّ أمين، قال: فاستشرق لها الناس، فبعث أبا عبيدة بن الجراح.
الثالث: في وفاته- رضي الله تعالى عنه -.
توفّي بالطاعون عام عمواس هو ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم من أشراف الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- ووقع ذلك الطّاعون مرتين وطال مكثه وفني فيه خلق كثير من الناس، وطمع العدوّ، وتخوّف المسلمون بذلك، وقبره بغور بيسان عند قرية تسمى عمتا. قال الشيخ محي الدين النّوويّ: وعلى قبره من الجلالة ما هو لائق به، وقد زرته فرأيت عنده عجبا، وصلّى عليه معاذ بن جبل، ونزل في قبره هو، وعمرو بن العاص، والضّحّاك ابن مزاحم.
стр. 5115
وعمواس بلدة صغيرة بين الرملة وبيت المقدس، ونسب [الطاعون] إليها، لأنّه أوّل ما نجم من هذا الدار ثم انتشر إلى الشام.
ومن مناقبه ما روي عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- أنه قال لأصحابه ذات يوم: تمنّوا، فقال رجل: أتمنى لو أن لي هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله، ثم قال: تمنّوا، فقال رجل: أتمنّى لو كانت مملوءة لؤلؤا وزبرجدا وجوهرا أنفقه في سبيل الله وأتصدّق به، ثم قال: تمنّوا، فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجرّاح.
[عن عروة بن الزبير قال] : لمّا قدم عمر الشام تلقاه النّاس وعظماء أهل الأرض، وهو راكب فقال: أين أخي وقرّة عيني، قالوا: من تعني؟ قال: أبا عبيدة بن الجراح، قالوا: الآن يأتيك، فلما أتاه، نزل فاعتنقه ثم دخل عليه بيته فلم يرى فيه إلّا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: ألا اتّخذت ما اتّخذ أصحابك؟ قال: يا أمير المؤمنين، هذا يبلغني المقيل.