وروى ابن سعد وابن عوف والطيالسي والحاكم والبيهقي في الشّعب عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله- ﷺ قال: «أتاني جبريل» وفي لفظ: أن رسول الله- ﷺ قال له: لن تدخل الجنة إلا زحفا، فأقرض الله- يطلق لك قدميك، قال ابن عوف- رضي الله تعالى عنه-: وما الذي أقرض الله- يا رسول الله؟
قال: «تبدأ بما أمسيت فيه» : قال: أمن كلّه أجمع يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فخرج ابن عوف، وهو يهمّ بذلك، فأرسل إليه رسول الله- ﷺ فقال: إن جبريل قال: مر عبد الرحمن بن عوف فليضيف الضّيف، وليطعم المسكين، وليعط السائل، ويبدأ بمن يعول، فإنه إذا فعل ذلك كان تزكية ما هو فيه.
وروى ابن عدي وابن عساكر عن عبد الرحمن بن حميد عن ابن عم أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط عن يسرة بنت صفوان أن رسول الله- ﷺ قال: «أنكحوا عبد الرحمن بن عوف، فإنّه من خيار المسلمين، ومن خيارهم من هو مثله»
[ (١) ] .
روى أبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحضرمي قال: قرأ رجل عند رسول الله- ﷺ ليّن الصوت فما بقي أحد من القوم إلا فاضت عيناه إلا عبد الرحمن بن عوف، فقال رسول الله- ﷺ : أن لم يكن عبد الرحمن بن عوف فاضت عيناه، فقد فاض قلبه.
وروى الديلمي عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: يا عبد الرحمن، كفاك الله أمر دنياك، فأمّا آخرتك فإنه لها ضامن.
وروى الإمام أحمد والطبراني عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا» .
وروى الديلمي عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: أن رسول الله- ﷺ قال: «إن عبد الرحمن بن عوف يسمّى الأمين في السموات، والأمين في الأرض» .
وروى الدارقطني في الإفراد عن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال له: يا ابن عوف، إني أعلمك كلمات تقولهن حين تدخل المسجد وحين تخرج، إنه ليس عبد إلا ومعه شيطان، فإذا وقف على باب المسجد، فقال حين يدخل:
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم، افتح لي أبواب رحمتك مرة، ويقول: أعنّي
стр. 5112
على حسن عبادتك، وهوّن عليّ طاعتك ثلاثا، وحين تخرج تقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهمّ، اعصمني من الشيطان الرجيم ومن شر ما خلقت واحدة. ألا أعلمك كلمات تقولها إذا دخلت بيتك: بسم الله، ثم تسلم على نفسك وأهلك، وتسلّم على ما أتاك الله من رزق، وتحمده حين تفرغ.
الثالث: في وفاته- رضي الله تعالى عنه -
توفّي سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان- رضي الله تعالى عنه- فصلى عليه عليّ وقيل الزبير- رضي الله تعالى عنهما- ودفن بالبقيع وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، أو خمس وسبعين سنة.
شرح غريب ما سبق
الفؤس: بهمزة مضمومة بعد الفاء: جمع فأس بسكون همزته.
مجلت: بفتح الميم والجيم وكسرها: تعبت من كثرة العمل.
النّيّف: بالتشديد وقد تخفّف.
العوارف: جمع عارفة بمعنى معروفة.
الفاشية: بفاء فألف فمعجمة فمثنّاة تحتيّة فتاء التأنيث: [ ... ] .
القافلة: بقاف القتب، فمثناة فوقية فموحدة للبعير، كاللحاف لغيره.
الحلس: بحاء مهملة مكسورة فلام ساكنة فمهملة: ما يلي ظهر البعير تحت القتب.
стр. 5113
الباب السادس عشر في بعض فضائل أبي عبيدة بن الجراح- رضي الله تعالى عنه -
وفيه أنواع:
الأول: في نسبه وصفته- رضي الله تعالى عنه -
هو أبو عبيدة بن عبد الله بن الجرّاح بن هلال بن وهيب وفي لفظ: أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك الملقّب بأمين هذه الأمّة يلتقي مع النبي- ﷺ في مالك.
قال الحافظ ابن عساكر: وكان طويلا نحيفا أجنأ معروق الوجه خفيف اللّحية أهتم.
الثاني: في بعض فضائله- رضي الله تعالى عنه -
فهو أحد العشرة، وأحد الرّجلين اللذين عينهما، أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- وأحد الخمسة الّذين أسلموا في يوم واحد على يد الصّدّيق، والأربعة عثمان بن مظعون وعيينة ابن الحارث، وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد، وآخى رسول الله- ﷺ بينه وبين سعد بن معاذ، وقيل: محمد بن سلمة، وقد شهد بدرا والمشاهد كلّها، وثبت مع رسول الله- ﷺ يوم أحد، ونزع يومئذ بفيه الحلقتين اللتين دخلتا في وجنتي النبي- ﷺ من حلق المغفر فوقعت ثنيّتاه فكان من أحسن الناس هتما.
قال الحافظ ابن عساكر: وهو أول من سمّي أمير الأمراء، وأنزل الله تعالى فيه لما قتل أباه يوم بدر، حيث تصدّى له وحاد عنه مرارا لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الآية] وممّا قاله:
ألا ربّ مبيّض لثيابه ... ومديّس لدينه
ألا ربّ مكرم لنفسه ... وهو لها مهين
بادروا السّيّئات القديمات ... بالحسنات الحديثات
فلو أن أحدكم عمل من السيئات ما بينه وبين السّماء ثم عمل حسنة لعلت فوق سيّئاته حتى تقهرهنّ، وقال: مثل المؤمن مثل العصفور يتقلّب كلّ يوم كذا وكذا مرة، وله مع المشركين غزوات كبيرة، ووقعات كثيرة، منها وقعة حمص الأولى.
وروى الطبراني برجال ثقات إلا مالك، فيحرر رجاله عن مالك الدار أن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صرّة فقال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم ابق في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجاتك، فقال: وصله الله ورحمه ثم
стр. 5114
قال: تعالي أنت يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسرّ بذلك [ (١) ] .
وروى البخاري عن أنس وابن عساكر عن أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- وابن أبي شيبة عن أبي قلابة، والإمام أحمد عن عمر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إنّ لكل أمة أمينا، وإنّ أمين هذه الأمة» وفي لفظ: «وإنّ أمينك أيّتها الأمة» - وفي لفظ: «لكلّ نبيّ أمين وأميني» أبو عبيدة بن الجراح.
وروى ابن عساكر عن أبي بكر الصديق وابن عساكر عن محمد بن المنكدر (مرسلا) [ (٢) ] وعن داود بن شابور أبي سليمان وابن عساكر. وتمام عن سعيد بن عبد العزيز مرسلا، وابن أبي شيبة والحاكم عن الحسن مرسلا وابن عساكر عن زياد بن الأعلم عن الحسن مرسلا وابن عساكر عن مبارك بن فضالة عن الحسن مرسلا أن رسول الله- ﷺ قال: «ما من أصحابي» وفي لفظ: «أحد» إلّا كنت قائلا فيه، وفي لفظ، «وفي خلقه» ، «وفي لفظ: «في بعض خلقه» ، وفي لفظ: «أن أقول في خلقه» ، وفي لفظ: «إلا وقد وجدتّ فيه» ، ولو شئت أن أقول فيه، وفي لفظ: «ألا ولو شئت لأخذت عليه» إلا أبا عبيدة، وفي لفظ: «إلا ما كان من أبي عبيدة بن الجراح» ، وفي لفظ: «غير أبي عبيدة بن الجراح» .
وروى الحاكم عن أبي عبيدة بن الجراح- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «يا أبا عبيدة، لا تأمن على أحد بعدي» .
وروى الشيخان عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء أهل نجران إلى رسول الله- ﷺ فقالوا: يا رسول الله ابعث إلينا رجلا أمينا، فقال: لأبعثنّ إليكم رجلا أمينا حقّ أمين، قال: فاستشرق لها الناس، فبعث أبا عبيدة بن الجراح.
الثالث: في وفاته- رضي الله تعالى عنه -.
توفّي بالطاعون عام عمواس هو ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم من أشراف الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- ووقع ذلك الطّاعون مرتين وطال مكثه وفني فيه خلق كثير من الناس، وطمع العدوّ، وتخوّف المسلمون بذلك، وقبره بغور بيسان عند قرية تسمى عمتا. قال الشيخ محي الدين النّوويّ: وعلى قبره من الجلالة ما هو لائق به، وقد زرته فرأيت عنده عجبا، وصلّى عليه معاذ بن جبل، ونزل في قبره هو، وعمرو بن العاص، والضّحّاك ابن مزاحم.
стр. 5115
وعمواس بلدة صغيرة بين الرملة وبيت المقدس، ونسب [الطاعون] إليها، لأنّه أوّل ما نجم من هذا الدار ثم انتشر إلى الشام.
ومن مناقبه ما روي عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- أنه قال لأصحابه ذات يوم: تمنّوا، فقال رجل: أتمنى لو أن لي هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله، ثم قال: تمنّوا، فقال رجل: أتمنّى لو كانت مملوءة لؤلؤا وزبرجدا وجوهرا أنفقه في سبيل الله وأتصدّق به، ثم قال: تمنّوا، فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجرّاح.
[عن عروة بن الزبير قال] : لمّا قدم عمر الشام تلقاه النّاس وعظماء أهل الأرض، وهو راكب فقال: أين أخي وقرّة عيني، قالوا: من تعني؟ قال: أبا عبيدة بن الجراح، قالوا: الآن يأتيك، فلما أتاه، نزل فاعتنقه ثم دخل عليه بيته فلم يرى فيه إلّا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: ألا اتّخذت ما اتّخذ أصحابك؟ قال: يا أمير المؤمنين، هذا يبلغني المقيل.
стр. 5116
جماع أبواب القضاة والفقهاء والمفتين وحفاظ القرآن من أصحابه في أيامه- ﷺ وذكر وزرائه وأمرائه وعماله على البلاد وخلفائه على المدينة إذا سافر
الباب الأول في ذكر قضاته- ﷺ -
روى الإمام أحمد وعبد بن حميد والترمذي وأبو يعلى وابن حبان عن عبد الله بن موهب بفتح الميم وسكون الواو وفتح الهاء وبالموحدة- رحمه الله تعالى- أن عثمان- رضي الله تعالى عنه- قال لابن عمر- رضي الله تعالى عنهما-: اقض بين الناس، قال: لا أقضي بين رجلين، لا أرى منهما، قال: فإنّ أباك كان يقضي، قال: إن أبي كان يقضي فإن أشكل عليه شيء، سأل النبي- ﷺ فإن أشكل على النبي- ﷺ شيء سأل عنه جبريل، وأنا لا أجد من أسأله وإنّي لست مثل أبي.
وروى الطبراني برجال الصحيح عن مسروق قال: كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله- ﷺ عمر وعليّ وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري.
وروى الإمام أحمد برجال الصحيح وأبو يعلى والدّارقطنيّ بسند حسن صحيح عن عقبه بن عامر- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء خصمان إلى رسول الله- ﷺ يختصمان، فقال:
قم يا عقبة، اقض بينهما، فقلت: بأبي وأمّي أنت، يا رسول الله، أنت أولى بذلك منّي، قال:
وإن كان فاقض بينهما، قلت: فإذا قضيت بينهما فما لي، وفي لفظ: فقال: «أقضي بينهما على ماذا» ؟ قال: «اجتهد فإن أصبت فلك عشرة أجور» وفي لفظ: «عشر حسنات» ، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر واحد» .
انتهى.
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص، والإمام أحمد والطبراني عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء خصمان إلى رسول الله- ﷺ فقال لعمر: اقض بينهما، فقال: أنت أولى بذلك مني يا رسول الله قال: وإن كان. قال: أقضي وأنت حاضر؟ قال: نعم، قال: فإذا قضيت بينهما فما لي؟ قال: إن أنت قضيت بينهما فأصبت القضاء فلك عشر حسنات وفي لفظ: «عشرة أجور، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة» وفي لفظ: «أجر» .
стр. 5117
وروى الإمام الطبراني والحاكم عن معقل، بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف وباللام، ابن يسار بفتح المثناة التحتية وبالسين المهملة المزني بضم الميم، وفتح الزّاي وبالنّون- رضي الله تعالى عنه- قال: أمرني رسول الله- ﷺ أن أقضي بين قوم فقلت: ما أحسن أن أقضي يا رسول الله! قال: إن الله مع القاضي ما لم يحف عمدا.
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عنه قال: بعثني رسول الله- ﷺ على اليمن قاضيا، وأنا حديث السّنّ، قال: قلت يا رسول الله، أتبعثني وأنا الشّاب أقضي ولا أدري ما القضاء! وفي لفظ «تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث» ، فضرب بيده على صدري، وقال: اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه وقال: أن الله تعالى سيهدي قلبك ويثبت لسانك، قال: فما شككت في قضاء بين اثنين.
وروى الحارث بن عمر عن معاذ- رضي الله تعالى عنه-.
وروى سعد بن عمر بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه عن جدّه قال: وجدنا في كتب سعد بن عبادة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ أمر عمارة بن حزم أن يقضي باليمن مع الشاهد.
وروى الدارقطني عن جارية- بالجيم- ابن ظفر بالظاء المعجمة المشالة أنّ قوما اختصموا إلى رسول الله- ﷺ في خصّ كان بينهم فبعث حذيفة- رضي الله تعالى عنه- يقضي بينهم، فقضى للذي يليهم القمط، ثم رجع إلى النبي- ﷺ فأخبره فقال: أصبت أو أحسنت.
تنبيه:
قول عثمان- رضي الله تعالى عنه- «فإن أباك كان يقضي بين الناس» يريد أنه كان يقضي في بعض الأمور في أوقات مختلفات لا أنه كان يقضي دائما، كما دل عليه قول عمر، وإنّما استقضى رسول الله- ﷺ جماعة في أشياء خاصّة، ولم يستقض شخصا معيّنا في القضاء بين الناس، والدليل على ذلك حديث ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- «ما اتخذ رسول الله- ﷺ قاضيا، ولا أبو بكر، ولا عمر حتى كان في آخر زمانه، قال ليزيد بن أخت نمير: اكفني بعض الأمور.
رواه أبو يعلى الموصليّ ورجاله رجال الصحيح.
وروى الطبراني بسند جيد عن السائب بن يزيد أن النبي- ﷺ وأبو بكر لم يتخذا قاضيا وأوّل من استقضى عمر، قال: رد عنّي النّاس في الدّرهم والدرهمين.
стр. 5118
والجواب عن ذلك: أنه- ﷺ لم يستقض جماعة في أشياء خاصة.
[شرح غريب ما سبق]
القمط: وروي بضم القاف والميم وبالطاء المهملة، جمع قماط بكسر القاف وهي الشّرط بضم الشين المعجمة والراء جمع شريط، وهو ما يشدّ به الخصّ ويوثق به من ليف أو خوص أو غيرهما، وقيل: القمط: الخشب الذي يكون على ظاهر الخصّ، أو باطنه ومعاقد القمط تلي صاحب الخص وهو البيت الذي يعمل من القصب.
الحرادي: بفتح الحاء والدال المهملتين، جمع حردى بضم أوله وسكون ثانيه وهي حزمة من قصب يلقى على حسب السّقف.
стр. 5119
الباب الثاني في ذكر المفتين من الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- في أيامه- ﷺ -
روى عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أنه سئل: من كان يفتي الناس في زمن رسول الله- ﷺ ؟ قال: أبو بكر وعمر.
وروى أيضاً عن القاسم بن محمد- رحمه الله تعالى- قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي- رضي الله تعالى عنهم- يفتون على عهد رسول الله- ﷺ .
وروى أيضا عن كعب بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: كان معاذ بن جبل يفتي النّاس في حياة رسول الله- ﷺ .
وروى أيضاً عن علي بن عبد الله بن دينار الأسلمي قال: كان عبد الرحمن بن عوف ممّن يفتي في عهد رسول الله- ﷺ .
وروى عن سهل بن أبي خيثمة قال: كان الذين يفتون على عهد رسول الله- ﷺ ثلاثة من المهاجرين، وثلاثة من الأنصار، وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وقد تحصّل من هذه الآثار ثمانية وكانوا يفتون والنبي- ﷺ حي جمعهم شيخنا- رحمه الله تعالى- في بيتين فقال:
وقد كان في عصر النّبيّ جماعة ... يقومون بالإفتاء قومة قانت
فأربعة أهل الخلافة معهم ... معاذ وأبيّ وابن عوف وابن ثابت
تنبيه:
قال السّيّد النّسّاب في شرحه لمنظومة ابن العماد في الأنكحة، قال ابن الجوزي في المدهش: إن الذين كانوا يفتون على عهد رسول الله- ﷺ عشرة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وأبو الدّرداء، وأبو موسى الأشعري، فيحصّل من كلامهما اثنا عشر اتّفقا على سبعة وانفرد الشّيخ بأبيّ، وابن الجوزي بحذيفة وعمّار وأبي الدّرداء وأبي موسى الأشعري- رضي الله تعالى عنهم- وقد نظم جميع ذلك صاحبنا وليّ الله تعالى- شمس الدين بن عبد الله محمد ابن ولي الله الشيخ العلاّمة شهاب الدّين بن الشّلبي الحنفي فقال: متمما لنظمه:
حذيفة أبو موسى إلى أشعر أنتما ... وعمّار أبو الدّردا حبوا بالسّعادة
стр. 5120
وجمع من الأصحاب أفتوا بعصره ... معاذ وزين النّظم بالخلفاء
حذيفة عمار وزيد بن ثابت ... أبو الأشعري موسى أبو الدّرداء
أبيّ ابن عوف وهو ختم نظامهم ... فأعظم بصحف، قادة شعراء
وله فيهم أيضا مع تغيير النّظم والقافية لما في بعض ذلك النّظم من الإبهام والله وليّ الفضل والإنعام.
وجمع من الأصحاب أفتوا بعصره ... أبو بكر الفاروق عثمان مع علي
حذيفة عمّار وزيد بن ثابت ... معاذ أبو الدّرداء أقدرهم علي
أبيّ أبو موسى إلى أشعر أنتما ... وفاهم رضي مع نجل عوف من العلى
وله فيهم أيضا:
وفي زمن المختار أفتى بعصره ... أبو بكر الفاروق عثمان حيدر
حذيفة عمّار وزيد بن ثابت ... معاذ أبو الدّرداء وهو عويمر
أبيّ أبو موسى إلى أشعر أنتما ... وختم نظامي بابن عوف معطّر
стр. 5121
الباب الثالث في حفاظ القرآن من أصحابه- رضي الله تعالى عنهم- في حياته- ﷺ -
روى الشيخان عن عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «خذوا القرآن من أربع عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبي بن كعب» - رضي الله تعالى عنهم
- قال الشيخ في الإتقان: أي تعلموا منهم والأربعة المذكورون اثنان من المهاجرين، وهما المبدأ بهما، واثنان من الأنصار سالم بن معقل مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل.
وروى البخاري عن قتادة- رضي الله تعالى عنه- قال: سألت أنس بن مالك من جمع القرآن على عهد رسول الله- ﷺ ؟ فقال: أربعة كلّهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قلت: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي.
وروى أيضا من طريق ثابت عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: مات النبي- ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.
وروى مسدد عن عبد الله بن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- قال: أربعة رهط لا أزال أحبّهم منذ سمعت رسول الله- ﷺ يقول: استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل.
وروى البزار برجال ثقات عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «استقرئوا القرآن من أربعة: من أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة» .
وروى الطبراني برجال ثقات غير إبراهيم بن محمد بن عثمان الحضرميّ فيحرّر حاله والبيهقي وأبو داود عن عامر الشعبي- رحمه الله تعالى- قال: جمّع القرآن على عهد رسول الله- ﷺ ستّة من الأنصار: زيد بن ثابت، وأبو زيد، ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء، وسعد بن عبادة، وأبي بن كعب، وقد كان جارية بن مجمع قد قرأه إلا سورة أو سورتين [ (١) ] .
وروى الطبراني مرسلا برجال الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى- رحمه الله تعالى- قال: كان سعيد بن عبيد يسمى القارئ على عهد رسول الله- ﷺ .
стр. 5122
وروى أبو يعلى والبزّار والطبراني برجال ثقات عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال:
افتخر الحيّان من الأنصار الأوس والخزرج، فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب، ومنّا من اهتز له عرش الرحمن: سعد بن معاذ، ومنا من حمته الدّير عاصم بن ثابت بن أبي الأفلج ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، وقال الخزرجيون: منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله- ﷺ لم يجمعه غيرهم: زيد بن ثابت، وأبو زيد، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل [ (١) ] .
وروى الطبراني ولم يعدّ غير خمسة من الستة عن داود بن أبي هند وإسماعيل بن أبي خالد وزكريا بن أبي زائدة- رحمهم الله تعالى- قالوا: «جمع القرآن على عهد رسول الله- ﷺ ستة من أصحاب رسول الله- ﷺ كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، وسعد بن عبيد» .
وروى الطبراني بسند حسن عن عيسى السّعدي- رحمه الله تعالى- قال: رأيت أبي بن كعب أبيض الرأس واللحية ما خضب.
روى الإمام أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي حبّة البدري- رضي الله تعالى عنه- قال: لمّا نزلت لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [البينة/ ١] إلى آخرها قال جبريل:
يا رسول الله، إن الله يأمرك أن تقرئها أبيّا، فقال رسول الله- ﷺ لأبيّ: إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة قال أبيّ: إني قد ذكرت ثمّ يا رسول الله؟ قال: نعم، فبكى أبيّ.
وروى الطبراني برجال ثقات عن أبي بضم الهمزة، وتشديد التّحية، ابن كعب- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «يا أبا المنذر، أمرت أن أعرض عليك القرآن» ، فقال: بالله آمنت، وعلى يديك أسلمت، ومنك تعلمت، قال: فردّ رسول الله- ﷺ القول، فقال: يا رسول الله، ذكرت هناك؟ قال: نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى قال: فأقرأ إذا يا رسول الله.
وفي رواية: إنّي عرضت على النبي- ﷺ القرآن، فقال: أمرني جبريل أن أعرض عليك-
وفي رواية: قال أبيّ: قال لي رسول الله- ﷺ : أمرت أن أقرئك القرآن.
وروى الحاكم عن ابن عمرو، وابن عساكر عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب» زاد ابن عمر: لقد هممت أن أبعثهم إلى اليمن كما
стр. 5123
بعث عيسى ابن مريم الحواريين، قالوا: يا رسول الله، أفلا تبعث أبا بكر وعمر فهما أعلم وأفضل، فقال: إني لا غنى لي عنهما، إنهما مني بمنزلة السّمع والبصر، وبمنزلة العينين من الرّأس.
روى الإمام أحمد والنّسائي بسند صحيح والبيهقي عن عبد الله بن عمرو قال: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ رسول الله- ﷺ فقال: «أقرأه في شهر»
انتهى.
وروى ابن أبي داود وبسند حسن عن محمد بن كعب القرظي قال: جمع القرآن على عهد رسول الله- ﷺ خمسة من الأنصار معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري.
وروى البيهقي في المدخل عن ابن سيرين قال: جمع القرآن على عهد رسول الله- ﷺ أربعة لا يختلف فيهم: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد وأبو زيد، واختلفوا في رجلين من ثلاثة: أبي الدرداء، وعثمان، وقيل: عثمان وتميم الداري.
وروى ابن سعد في الطبقات والإمام أحمد، وأبو داود وأبو يعلى والحاكم عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث وكان رسول الله- ﷺ يزورها ويسمّيها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن وكان رسول الله- ﷺ حين غزا بدرا، قالت له: أتأذن لي أن أخرج معك، الحديث، وكان رسول الله- ﷺ يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنا يؤذن لها في بيتها، وأمرها أن تؤمّ أهل دارها.
ذكر أبو عبيد في كتاب القراءات أنّه ذكر القرّاء من أصحاب النبي- ﷺ فعدّ من المهاجرين الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعدا وابن مسعود، وحذيفة وسالما وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة، وعائشة، وحفصة، وأمّ سلمة. ومن الأنصار: عبادة بن الصامت، ومعاذ بن جبل الذي يكنى أبا حليمة ومجمع بن جارية وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد، وصرّح بأن بعضهم أكمله بعد النبي- ﷺ فلا يرد على الحصر المذكور في حديث أنس، وعدّ ابن أبي داود منهم تميما الدّاريّ وعقبة بن عامر، وممّن جمعه أيضا أبو موسى الأشعري، وذكره أبو عمرو الداني.
وروى أبو أحمد العسكري: لم يجمع القرآن من الأوس غير سعد بن عبيد. وروى محمد بن حبيب في «المخبر» سعد بن عبيد أحد من جمع القرآن في عهد رسول الله- ﷺ .
وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان
стр. 5124
يعرض القرآن على النبي- ﷺ في كل سنة مرّة فلما كان العام الذي قبض فيه عرض عليه مرّتين.
كذا في نسختين من مجمع الزوائد، ظاهره أن أبا هريرة حفظ القرآن في عهد رسول الله- ﷺ [ (١) ] .
تنبيهات
الأول: قيل: إن سعداً هذا هو أبو زيد المذكور في حديث أنس، وقد اختلف في اسمه فقيل: هو سعد بن عبيد بن النعمان، أحد ابني عمر بن عوف، وردّ بأنّه أوسيّ، وأنس خزرجيّ، وقد قال: إنه أحد عمومته وبأنّ الشّعبيّ عدّه هو وأبو زيد جميعا فيمن جمع القرآن كما تقدّم فدل على أنه غيره وقال ابن حجر: قد ذكر ابن أبي داود فيمن جمع القرآن قيس بن أبي صعصعة وهو خزرجيّ يكنى أبا زيد فلعلّه هو.
وذكر أيضا سعد بن المنذر بن أوس بن زهير وهو خزرجيّ أيضا، ولكن لم أر التصريح بأنّه يكنى أبا زيد قال: ثم وجدت عند أبي داود ما يرفع الإشكال، فإنه روى بإسناد على شرط البخاري إلى ثمامة عن أنس «أن أبا زيد الّذي جمع القرآن اسمه قيس بن السكن وكان رجلا منّا من بني عدي بن النّجار أحد عمومتي ومات ولم يدع عقبا، ونحن ورثناه» . قال ابن أبي داود: حدثنا أنس بن خالد الأنصاري قال: هو قيس بن السكن بن زعوراء من بني عدي بن النّجار، قال ابن أبي داود: ومات قريبا من وفاة رسول الله- ﷺ فذهب علمه ولم يؤخذ عنه، وكان عقيبا بدريا، ومن الأقوال في اسمه: ثابت وأوس ومعاذ.
الثاني: المشهور بقراءة القرآن من الصحابة سبعة: عثمان، وعليّ، وأبيّ، وزيد بن ثابت، وابن مسعود وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري كذا ذكرهم الذّهبي في طبقات القرّاء، قال: وقد قرأ على أبيّ جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وابن عباس، وعبد الله بن السائب، وأخذ ابن عباس عن زيد أيضا.
الثالث: قال الكرمانيّ في حديث «خذوا القرآن عن أربعة» : يحتمل أنه- ﷺ أراد الإعلام بما يكون بعده أيّ أنّ هؤلاء الأربعة يبقون حتّى ينفردوا بذلك، وتعقب بأنهم لم ينفردوا بل الذين مهروا في تجويد القرآن بعد العصر النّبويّ أضعاف المذكورين وقد قتل سالم مولى أبي حذيفة في وقعة اليمامة، ومات معاذ في خلافة عمر، ومات أبيّ، وابن مسعود في
стр. 5125
خلافة عثمان، وقد تأخّر زيد بن ثابت- رضي الله تعالى عنه-، وانتهت إليه الرئاسة في القراءة، وعاش بعدهم زمنا طويلا، فالظاهر أنه أمر بالأخذ عنهم في الوقت الذي صدر فيه ذلك القول، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد من ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن الكريم، بل كان الذين يحفظون (مثل الذين حفظوه) وأزيد جماعة من الصحابة.
وفي الصّحيح في غزوة بئر معونة «أنّ الذين قتلوا بها من الصّحابة كان يقال لهم القراء، وكانوا سبعين رجلا» .
الرابع: في حديث ثابت عن أنس مخالفة لحديث قتادة من وجهين.
أحدهما: التصريح بصيغة الحصر في الأربعة.
والآخر: ذكر أبي الدّرداء بدل أبي بن كعب وقد استنكر جماعة من الأئمة الحصر في الأربعة قال الإمام المازريّ: لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك، لأنّ التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه، وإذا كان المرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك، وقال القرطبي: إنّما خصّ أنس الأربعة بالذكر لشدّة تعلّقه بهم دون غيرهم، أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم.
وقال القاضي أبو بكر الباقلّانيّ: الجواب عن حديث أنس من أوجه.
أحدها: أنه لا مفهوم له.
الثاني: المراد لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات التي نزل بها إلا أولئك.
الثالث: لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته وما لم ينسخ إلا أولئك.
الرابع: المراد بجمعه تلقّيه من في رسول الله- ﷺ لا بواسطة.
الخامس: أنّهم تصدّوا لإلقائه وتعليمه فاشتهروا به.
السادس: المراد بالجمع الكتابة.
السابع: المراد بالجمع أنه لم يفصح بأن أحدا جمعه بمعنى إكمال حفظه في عهد رسول الله- ﷺ إلا أولئك.
الثامن: المراد بجمعه السّمع والطاعة له والعمل بموجبه، وقد أخرج أحمد في الزهد من طريق أبي الزّاهريّة أن رجلا أتى أبا الدرداء فقال: إن ابني جمع القرآن فقال: اللهمّ غفرا! إنّما جمع القرآن من سمع وأطاع.
стр. 5126
قال الحافظ ابن حجر: في غالب هذه الاحتمالات تكلّف ولا سيما الأخير، وقد ظهر لي احتمال آخر، وهو أن المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس فقط فلا ينفى ذلك عن غير القبيلتين من المهاجرين، لأنه قال ذلك في معرض المفاخرة بين الأوس والخزرج، قال: والذي يظهر من كثير من الأحاديث أن أبا بكر كان يحفظ القرآن في حياة الرسول- ﷺ ففي الصّحيح: أنّه بنى مسجدا أيضا بفناء داره، فكان يقرأ فيه القرآن، وهو محمول على ما كان نزل منه إذ ذاك، وقد صحّ حديث: «يومّ القوم أقرؤهم لكتاب الله» ، وقد قدّمه- ﷺ في مرضه إماما للمهاجرين والأنصار، فدل على أنه كان أقرأهم. انتهى.
قال الشيخ في الإتقان: وقد سبقه إلى نحو ذلك ابن كثير.
قلت: لكن أخرج ابن أشته في المصاحف بسند صحيح عن محمد بن سيرين قال:
مات أبو بكر ولم يجمع القرآن له وقتل عمر، ولم يجمع القرآن له، قال ابن أشته: قال بعضهم:
يعني لم يقرأ جميع القرآن حفظا، وقال بعضهم: هو جمع المصاحف، قال ابن حجر: وقد ورد عن علي أنّه جمع على ترتيب النّزول عقب موت النبي- ﷺ أخرجه ابن أبي داود.
стр. 5127
الباب الرابع في ذكر وزرائه- ﷺ -
الباب الخامس في سيرته- ﷺ في الإمارة
روى ابن أبي شيبة عن خيثمة مرسلا قال: قال رسول الله- ﷺ : الإمارة باب عنت إلّا من رحمه الله تعالى
[ (١) ] .
روى الطبراني عن عوف بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «الإمارة أمانة وهي يوم القيامة خزي وندامة إلّا لمن أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» فردد ذلك يا أبا ذر؟
وفي رواية: أنه سأل النبي- ﷺ عن الإمارة، فقال:
«أوّلها سلامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة» .
وروى أبو داود الطيالسي والبيهقي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : الإمارة أوّلها ملامة، وآخرها ندامة والعذاب يوم القيامة.
وروى الإمام أحمد عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: جاء حمزة بن عبد المطلب- رضي الله تعالى عنه- إلى رسول الله- ﷺ قال: يا رسول الله، اجعلني على شيء أعيش به، فقال رسول الله- ﷺ : يا حمزة، نفس تحييها أحبّ إليك أم نفس تميتها؟ قال:
نفس أحييها قال: عليك نفسك.
وروى الطبراني عن عصمة بن مالك- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ استعمل رجلا على الصدقة فقال: يا رسول الله، خير لي فقال: اجلس في بيتك
[ (٢) ] .
وروى الطبراني برجال ثقات غير شيخه أبي عبيدة عبد الوارث بن إبراهيم فيحرر رجاله عن جابر بن سمرة- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: لن يفلح قوم تملك أمرهم امرأة.
ا. هـ.
وروى الطبراني عن أبي بكرة- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: وذكر بلقيس صاحبة سبأ فقال: لا يقدّس الله أمّة قادتهم امرأة.
стр. 5128
وروى الإمام أحمد والبخاري والتّرمذيّ والنّسائي عنه أن رسول الله- ﷺ قال: لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة.
وروى محمد بن يحيى بن أبي عمر عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- أنه سأل رسول الله- ﷺ في الإمارة، فقال: إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها.
وروى مسلم وأبو داود عنه قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني، فضرب بيده على منكبي وقال: يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأتمرنّ على اثنين ولا تلينّ مال يتيم، وفي رواية: إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه منها.
وروى [أبو داود] عن أبي حميد الساعدي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ استعمل ابن اللّتبيّة على صدقات بني سليم [ (١) ] .
стр. 5129
الباب السادس في تأميره- ﷺ أبا بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه -
على إقامة الحجّ سنة تسع، وبعث في أثره عليّا يقرأ على الناس سورة براءة فقيل: لأنّ أوّلها نزل بعد أن خرج أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- إلى الحجّ، وقيل: بل لأنّ عادة العرب كانت أنّه لا تحلّ العقود ويعقدها إلّا المطاع أو رجل من أهل بيته، وقيل: أردفه به عونا له ومساعدا، ولهذا قال له الصّديّق: أأميرا ومأمورا؟ قال: بل مأمورا، وأما أعداء الله الرافضة، فيقولون: عزله بعليّ وليس هذا ببدع من بهتهم وافترائهم.
قال في زاد المعاد: واختلف النّاس هل كانت هذه حجّة وقعت في شهر ذي الحجّة، أو كانت في ذي القعدة من أجل النّسيء على قولين والله تعالى أعلم.
الباب السابع في تأميره- ﷺ علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- الأخماس باليمن، والقضاء بها
قال في زاد الميعاد: وولّي الصّدقات جماعة كثيرة، لأنّه كان على كل قبيلة وال يقبض صدقاتها بها، فمن هنا كثر عمّال الصّدقات.
الباب الثامن في تأميره- ﷺ باذان بن ساسان- رضي الله تعالى عنه -
من ولد بهرام جود أمّره رسول الله- ﷺ على اليمن كلها بعد موت كسرى، فهو أوّل أمير في الإسلام على أهل اليمن، وهو أول من أسلم من ملوك العجم، كما قاله الثّعالبيّ- رحمه الله تعالى-.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب دلائل النبوة عن ابن إسحاق- رحمه الله تعالى- قال:
بعث رسول الله- ﷺ عبد الله بن حذافة إلى كسرى بكتابه يدعوه إلى الإسلام فلمّا قرأه شقّ كتابه، ثم بعث عامله على اليمن باذان أن ابعث إلى هذا الرّجل رجلين جلدين، فليأتياني به فبعث باذان.
стр. 5130
الباب التاسع في تأميره- ﷺ شهر بن باذان- رضي الله تعالى عنهما- على صنعاء وأعمالها
لمّا مات باذان أمر رسول الله- ﷺ ولده شهرا على صنعاء وأعمالها.
الباب العاشر في تأميره- ﷺ خالد بن سعيد بن العاص- رضي الله تعالى عنه -
على صنعاء وأعمالها بعد قتل شهر، قال: في زاد المعاد: [أمر رسول الله- ﷺ على صنعاء خالد بن سعيد] .
الباب الحادي عشر في تأميره- ﷺ المهاجر بن أبي أمية المخزومي- رضي الله تعالى عنه -
على كندة والصّدف، فتوفي رسول الله- ﷺ ولم يسر إليها، فبعثه أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- إلى قتال أناس من المرتدين.
الباب الثاني عشر في تأميره- ﷺ زياد بن لبيد الأنصاري على حضر موت
الباب الثالث عشر في تأميره- ﷺ أبا موسى الأشعري- رضي الله تعالى عنه- على زبيد وعدن وزمع والساحل
стр. 5131
الباب الرابع عشر في تأميره- ﷺ معاذ بن جبل- رضي الله تعالى عنه- على الجند
الباب الخامس عشر في تأميره- ﷺ أبا سفيان بن حرب- رضي الله تعالى عنه- على نجران
الباب السادس عشر في تأميره- ﷺ يزيد بن أبي سفيان- رضي الله تعالى عنهما- على تيماء
الباب السابع عشر في تأميره- ﷺ -
عتّاب بفتح المهملة وتشديد المثناة الفوقية بن أسيد بفتح الهمزة والسين المهملة على مكة، وإقامة موسم الحج بالمسلمين سنة ثمان. قال في زاد المعاد: وله دون العشرين سنة.
الباب الثامن عشر في تأميره- ﷺ عمرو بن العاص- رضي الله تعالى عنه- على عمان
الباب التاسع عشر في ذكر خلفائه- ﷺ علي المدينة إذا سافر
روى الطبراني برجال ثقات عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ استخلف ابن أمّ مكتوم على الصلاة، وغيرها من أمر المدينة.
стр. 5132
الباب العشرون في بعض تراجم أمرائه على السرايا
منهم أسامة بن زيد بن شرحبيل الكلبي أبو زيد أو أبو محمد وأبو حارثة حبّ رسول الله- ﷺ وابن حبّه، وابن مولاه، وابن حاضنته.
ومولاته أم أيمن- رضي الله تعالى عنها- أمّره رسول الله- ﷺ على جيش عظيم فيهم أبو بكر وعمر، وكان عمره يومئذ عشرين سنة، وقيل: ثماني عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة، فلم يزل حتى مات رسول الله- ﷺ ولمّا توفّي أبو بكر فأغار على ناحية البلقان قد شهد مع أبيه مؤتة وسكن المرة من أرض دمشق مدّة ثم تحوّل إلى [.....] وكان عمر- رضي الله تعالى عنه- إذا رآه، قال: السلام عليك أيّها الأمير فيقول: غفر الله لك يا أمير المؤمنين! تقول لي هذا، فكان يقول: لا أراك إلا أدعوك الأمير ما عشت ومات- ﷺ وأنت عليّ أمير.
روى الطبراني برجال الصحيح عن الزهري- رحمه الله تعالى- قال: كان أسامة بن زيد يدعى الأمير حتى مات، يقولون: بعثه رسول الله- ﷺ ثمّ لم ينزعه حتى مات وفرض له عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة، وفرض لابنه ثلاثة آلاف فقال عبد الله لأبيه عمر: لم فضّلته عليّ؟
فو الله ما سبقني إلى مشهد، قال: لأنّ أباه زيدا كان أحب إلى رسول الله- ﷺ من أبيك، وهو أحب إلي رسول الله- ﷺ منك، فآثرت حبّ رسول الله- ﷺ على حبّي. رواه الترمذي.
وكان نقش خاتمه: أسامة حبّ رسول الله- ﷺ رواه الطبراني برجال الصحيح عن أبي بكر بن شعيب عن أشياخه.
روي له عن رسول الله- ﷺ مائة حديث وثمانية أحاديث اتفق الشيخان منها على خمسة عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين.
ومات- رضي الله تعالى عنه- بوادي القرى، وقيل: بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن خمس وخمسين، وقيل: ستّ وأربعين. والأول أصحّ، وتكلّم جماعة من أشراف الصحابة في إمرته عليهم،
فروى أبو يعلى برجال الصحيح عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: لمّا استعمل رسول الله- ﷺ أسامة بن زيد، قال الناس فيه: فبلغ رسول الله- ﷺ ذلك، أو شيء من ذلك، فقال رسول الله- ﷺ : قد بلغني ما قلتم في أسامة، ولقد قلتم ذلك في أبيه قبله، وإنه لخليق للإمارة، وإنه لخليق للإمارة وإنه لخليق للإمارة، وإنه لأحبّ الناس إليّ، قال: فما استثنى فاطمة ولا غيرها، وفي رواية- وإنّه لأحبّ الناس إلى كلّهم. وكان ابن عمر يقول: حاشا فاطمة.
стр. 5133
ورواه البخاري مختصرا
[ (١) ] .
وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «من كان يحب الله ورسوله، فليحبّ أسامة بن زيد» .
ومنهم خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر أبو سليمان القرشيّ المخزوميّ سيف الله تعالى- سمّاه بذلك رسول الله- ﷺ في غزوة مؤتة لمّا حضرها، وشهد رسول الله- ﷺ عمله بالمدينة فمن يومئذ سمّاه سيف الله، وقد تقدم في السّرايا أن رسول الله- ﷺ أمّره على جيش سريّة.
وروى الإمام أحمد والطبراني برجال ثقات عن وحشي بن حرب- رضي الله تعالى عنه- أن أبا بكر- رضي الله تعالى عنه- عقد لخالد بن الوليد- رضي الله تعالى عنه- على قتال أهل الردة، وقال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سلّه الله- على الكفار والمنافقين.
وروى الإمام أحمد برجال الصحيح إلا أن عبد الملك بن عمير لم يدرك القصة عن عبد الملك بن عمير- رحمه الله تعالى- قال: استعمل عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- أبا عبيدة على الشّام وعزل خالد بن الوليد، فقال خالد: بعث عليكم أمين هذه الأمة سمعت رسول الله- ﷺ يقول: أمين هذه الأمّة أبو عبيدة بن الجراح،
فقال أبو عبيدة بن الجراح: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «خالد سيف من سيوف الله، ونعم فتى العشيرة»
[ (٢) ] .
وروى الطبراني في الصغير بطوله- وفي الكبير والبزار- برجال ثقات عن عبد الله بن أبي أوفى قال: شكا عبد الرحمن بن عوف خالد بن الوليد إلى رسول الله- ﷺ فقال رسول الله- ﷺ : «يا خالد، لا تؤذ رجلا من أهل بدر، فلو أنفقت مثل أحد ذهبا لم تدرك عمله» فقال له: يا رسول الله، يقعون فيّ فأردّ عليهم، فقال رسول الله- ﷺ : «لا تؤذوا خالدا، فإنّه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفّار»
[ (٣) ] .
وروى الطبراني وأبو يعلى برجال الصحيح عن جعفر بن عبد الله بن الحكم- رحمه الله تعالى- إن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك فقال: اطلبوها فلم يجدوها، فقال:
стр. 5134
اطلبوها فوجدوها، فإذا هي قلنسوة خلقة، فقال خالد: اعتمر رسول الله- ﷺ فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره، فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالا وهي معي إلّا رزقت النّصر [ (١) ] .
وروى الطبراني برجال ثقات عن عمرو بن العاص- رضي الله تعالى عنه- قال: ما عدل رسول الله- ﷺ بي وبخالد بن الوليد منذ أسلمنا في حربه [ (٢) ] .
وروى أبو يعلى والطبراني ورجاله رجال الصحيح عن أبي السفر- رحمه الله تعالى- قال: نزل خالد بن الوليد الحيرة على أم بني المزاربة فقالوا له: احذر السم ولا تسقك الأعاجم، فقال: ائتوني به، فأخذه فاقتحمه، وقال: بسم الله فلم يضره شيئا [ (٣) ] .
وروى أبو يعلى برجال الصحيح عن خالد بن الوليد- رضي الله تعالى عنه- قال: ما ليلة تهدى إلى بيتي فيها عروس أنا لها محب أو أبشّر فيها بغلام بأحبّ إليّ من ليلة شديدة الجليد في سريّة من المهاجرين أصبّح بها العدوّ [ (٤) ] .
وروى الطبراني وبسند حسن عن أبي وائل- رحمه الله تعالى- قال: لما حضرت خالد ابن الوليد الوفاة قال: لقد طلبت القتل فلم يقدّر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي أرجى من لا إله إلا الله وأنا مترس بها ثم قال: إذا أنا متّ، فانظروا سلاحي وفرسي، فاجعلوه عدّة في سبيل الله [ (٥) ] .
стр. 5135
جماع أبواب ذكر رسله- ﷺ إلى الملوك ونحوهم وذكر بعض مكاتباته وما وقع في ذلك من الآيات
الباب الأول في أي وقت يعلن ذلك رسول الله- ﷺ -
روى ابن سعد عن ابن عبّاس وجماعة وابن أبي شيبة عن جعفر عن عمرو دخل حديث بعضهم في بعض أن رسول الله- ﷺ لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ستّ أرسل الرّسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليهم كتبا فقيل له: يا رسول الله- ﷺ إن الملوك لا يقرؤون كتابا إلا مختوما فاتّخذ رسول الله- ﷺ يومئذ خاتما من فضّة نقشه ثلاثة أسطر، محمد رسول الله، فختم به الكتب، فخرج ستّة نفر في يوم واحد وذلك في المحرم سنة سبع، وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعث إليهم [ (١) ] .
وروى ابن سعد عن بريدة والزّهري ويزيد بن رومان والشّعبي قالوا: بعث رسول الله- ﷺ عدة إلى عدة، وأمرهم بنصح عباد الله تعالى- فذكر ذلك رسول الله- ﷺ فقال: «هذا أعظم ما كان من حق الله تعالى عليهم في أمر عباده» .
وقال في زاد المعاد: «لما رجع رسول الله- ﷺ من الحديبية سنة ستّ، كتب إلى ملوك الأرض وأرسل إليهم رسله، فكتب إلى الرّوم فقيل: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا أن يكون مختوما، فاتّخذ خاتما من فضّة ونقش عليه ثلاثة أسطر محمّد سطر، ورسول سطر، والله سطر، وختم به الكتب إلى ملوك الأرض،
وبعث ستّة نفر في يوم واحد في المحرم سنة سبع، فأوّلهم عمرو بن أمية الضّمري بعثه إلى النجاشي واسمه أصحمة بن أبجر.
وتفسير «أصحمة بالعربية: عطيّة» ، فعظم كتاب رسول الله- ﷺ وأسلم وشهد شهادة الحقّ، وكان من أعلم النّاس بالإنجيل، وصلى عليه النبي- ﷺ يوم مات بالمدينة وهو بالحبشة، هكذا قال جماعة: منهم الواقدي وغيرهم وليس كما قال هؤلاء، فإنّ أصحمة النجاشي الذي صلى عليه رسول الله- ﷺ ليس هو الّذي كتب إليه.
الثاني: لا يعرف إسلامه) [ (٢) ] بخلاف الأوّل، فإنّه مات مسلما، وقد روى مسلم في
стр. 5136
صحيحه من حديث قتادة عن أنس- رضي الله تعالى عنه-: كتب رسول الله- ﷺ إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وليس بالنجاشي الذي صلى عليه رسول الله- ﷺ وليس هو أصحمة الذي أسلم على يد جعفر، وأكرم أصحابه كما سبق في حديث أنس.
واختلف في إسلام هذا فاختار ابن سعد وغيره أنّه أسلم وخالفهم ابن حزم، قال ابن القيم: قال أبو محمد بن حزم: أن هذا النجاشي الذي بعث إليه رسول الله- ﷺ عمرو بن أميّة لم يسلم، والأول اختيار ابن سعد وغيره، والظاهر قول ابن حزم.
وروى الشيخان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كتب رسول الله- ﷺ إلى كسرى وقيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبّار، يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صليّ عليه.
وروى الإمام أحمد والطبراني بسند جيد عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: كتب رسول الله- ﷺ قبل أن يموت إلى كسرى وقيصر، وإلى كل جبّار.
وروى ابن عبد الحكم في الفتوح والبيهقي في الدلائل عن ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري قال: حدثنا أسقف من النصارى قد أدرك ذلك الزمان قال: لمّا قدم دحية الكلبي بن خليفة على هرقل بكتاب رسول الله- ﷺ فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله- ﷺ إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فاسلم تسلم واسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن أبيت فإن إثم الأكّارين عليك
فلما انتهى إليه كتابه وقرأه أخذه فجعله بين فخذه وخاصرته ثم كتب إلى رجل من أهل رومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ يخبره مما جاءه من رسول الله- ﷺ فكتب إليه أنه النبي المنتظر لا شك فيه فاتبعه فأمر بعظماء الروم فجمعوا له في دسكرة ملكه ثم أمر بها فاشرجت عليهم واطلع عليهم من عليّة له وهو منهم خائف فقال: يا معشر الروم إنه جاءني كتاب أحمد وإنه والله للنبيّ الذي كنا ننتظر ونجد ذكره في كتابنا نعرفه بعلاماته وزمانه فأسلموا واتبعوه تسلم لكم دنياكم وآخرتكم فنخروا نخرة رجل واحد وابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها مغلقة دونهم فخافهم فقال: ردّوهم عليّ فكرّهم عليه فقال لهم: يا معشر الروم إنما قلت لكم هذه المقالة أغمزكم لأنظر كيف صلابتكم في دينكم فلقد رأيت منكم ما سرني فوقعوا له سجدا ثم فتحت لهم أبواب الدسكرة فخرجوا.
وقال الإمام أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في فتوح مصر: لما كانت سنة ست من الهجرة ورجع رسول الله- ﷺ من الحديبية، بعث إلى الملوك، قام ذات يوم على المنبر، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه وتشهّد ثم قال: أما بعد، فإني أبعث
стр. 5137
بعضكم إلى ملوك العجم، فلا تختلفوا عليّ كما اختلف بنو إسرائيل على عيسى ابن مريم، وذلك أن الله تعالى أوصى إلى عيسى أن ابعث إلى ملوك الأرض فبعث الحواريّين، فأما القريب مكانا فرضي، وأما البعيد مكانا فكره وقال: لا أحسن كلام من تبعثني إليه، فقال عيسى: اللهم، أمرت الحواريين بالذي أمرت فاختلفوا عليّ فأوحى الله تعالى إليه أن سأكفيك فأصبح كلّ إنسان يتكلّم بلسان الّذي أرسل إليه، فقال المهاجرون: يا رسول الله، تالله، لا نختلف عليك أبدا في شيء فمرنا وابعثنا.
تنبيه:
اعلم أن محمد بن عمر الأسلمي، ذكر أن إرسال الرسل كان سنة ستّ، وذكر البيهقي أن إرسال الرسل كان بعد غزوة مؤتة.
قال ابن كثير: ولا خلاف بينهم، لأنّ بدء ذلك كان قبل فتح مكّة وبعد الحديبية لقول أبي سفيان لهرقل حين سأله هل يغدر؟ فقال: لا، ونحن منه في مدة ما ندري ما هو صانع فيها، وفي لفظ البخاري: «وذلك في المدة التي مادّ فيها أبو سفيان رسول الله- ﷺ وقال ابن إسحاق: كان ذلك ما بين الحديبية ووفاته- ﷺ .
ونحن نذكر ذلك هنا على ترتيب أسماء الرّسل.
стр. 5138
الباب الثاني في إرساله- ﷺ الأقرع بن عبد الله الحميري- رضي الله تعالى عنه- إلى ذي مرّان
[قال الحافظ: بعثه رسول الله- ﷺ إلى ذي مرّان] .
الباب الثالث في إرساله- ﷺ أبى بن كعب- رضي الله تعالى عنه- إلى سعد هذيم
روى الإمام أحمد وأبو داود، وأبو يعلى، وابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والضياء عن أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه- قال: بعثني رسول الله- ﷺ مصدّقا فمررت برجل فلمّا جمع لي ماله لم أجد عليه فيها إلا ابنة مخاض، فقلت له: أدّ ابنة مخاض، فإنها صدقتك فقال: ذاك، ما لا لبن فيه ولا ظهر عظيمة سمينة، فخذها فقلت له: ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به، وهذا رسول الله- ﷺ منك قريب، فأن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل، فإن قبله منك قبلته، وإن ردّه عليك رددتّه فقال: فإنّي فاعل فخرج معي، وخرج بالناقة التي عرضت عليّ حتى قدمنا على رسول الله- ﷺ فقال: يا نبي الله، أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة ما لي وايم الله، ما قام في مالي رسول الله- ﷺ ولا رسوله قطّ قبله، فجمعت له مالي فزعم أنّه ما عليّ فيه إلا ابنة مخاض، وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وقد عرضت عليه ناقة عظيمة فتية يأخذها، فأبى عليّ، وها هي هذه قد جئتك بها يا رسول الله خذها فقال رسول الله- ﷺ : «ذاك الذي عليك، فإن تطوّعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك» قال: فها هي هذه يا رسول الله، قد جئتك بها فخذها يا رسول الله- ﷺ فأمر رسول الله- ﷺ بقبضها ودعا له بالبركة والله أعلم.
الباب الرابع في إرساله- ﷺ جرير بن عبد الله البجلي- رضي الله تعالى عنه -
إلى ذي الكلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبّع وإلى ذي عمرو يدعوهما إلى الإسلام، فأسلما، وتوفّي رسول الله- ﷺ وجرير عندهم ذكره الحاكم، وذكره في زاد المعاد، قال ابن سعد: وأسلمت ضريبة بنت أبرهة بن الصباح امرأة ذي الكلاع، فخرج جرير إلى المدينة بعد وفاة النبي- ﷺ .
стр. 5139
الباب الخامس في إرساله- ﷺ حاطبا- رضي الله تعالى عنه -
ابن أبي بلتعة بن عمرو بن عمير أبا عبد الله، وقيل: أبا محمّد شهد بدرا والحديبية، إلى المقوقس.
قال في زاد المعاد: واسمه جريح بن ميناء ملك الإسكندريّة عظيم القبط، فقال خيرا، وقارب الأمس، ولم يسلم، فلمّا حضر عنده، قال حاطب له: إنّه كان قبلك رجل يزعم أنه الربّ الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر به، وإلّا يعتبر بك، فقال المقوقس: هات، قال: إنّ لك دينا لن تدعه إلا لمن هو خير منه، وهو دين الإسلام، الكافي به الله، إن هذا النبي دعا الناس، فكان أشدّهم عليه قريش، وأعداؤهم له يهود، وأقربهم منه النّصارى، وما بشارة موسى لعيسى إلا كبشارة عيسى لمحمد- ﷺ وما دعاؤنا إيّاك إلى القرآن، إلا كدعاء أهل التوراة إلى الإنجيل وكل نبي أدرك قوما فيهم أمّتي، فالحقّ عليهم أن يطيعوه فأنت ممّن أدرك هذا النبي قال المقوقس: إني نظرت في أمر هذا الرّجل، فوجدته لا يأمر بمرهوب منه، ولا ينهى عن مرغوب عنه، ولم أجده بالساحر الضّلّال، ولا الكاهن الكّذّاب، وقال المقوقس لحاطب: أخبرني عن صاحبك أليس هو نبيّا؟ قال حاطب: بل هو رسول الله- ﷺ فقال: ما باله لم يدع على قومه حيث أخرجوه من مكة قال حاطب: فقلت له: أفتشهد أن عيسى ابن مريم رسول الله حيث أراد قومه قتله؟ لم يدع عليهم حتّى رفعه الله تعالى إليه، فقال له: أحسنت، إنّك حكيم جئت من عند حكيم.
وروى البيهقي عن حاطب بن أبي بلتعة قال: بعثني رسول الله- ﷺ إلى المقوقس ملك الإسكندرية، فأتيته فحيّيته بكتاب رسول الله- ﷺ فأنزلني في منزله وأقمت عنده ثمّ بعث إليّ وقد جمع بطارقته، وقال: أني سأكلمك بكلام وأحبّ أن يفهمه منّي، قلت: هلم قال: أخبرني عن صاحبك، أليس هو نبيّا؟ قلت: بلى، هو رسول الله- ﷺ ، قال: فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها قال: قلت: عيسى ابن مريم أليس تشهد أنه رسول الله، فما له حيث أخذه قومه، فأرادوا أن يصلبوه ألا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله- حتّى رفعه الله إليه في السّماء الدّنيا قال: أنت حكيم جئت من حكيم.
وذكر ابن الربيع أنّ المقوقس لمّا قرأ كتاب رسول الله- ﷺ أعطى لحاطب مائة دينار، وخمسة أثواب، وأكرمه في الضيافة، وأقام عنده خمسة أيام، وقال له الرجل: لا يسمع
стр. 5140
منك القبط حرفا واحدا أو واحدا، وأخذ الكتاب فجعله في حقّ عاج، ختم عليه، ودفعه إلى جاريته، وكتب إلى النبي- ﷺ كتابا، وبعث إلى رسول الله- ﷺ بهدية منها مارية القبطية، وأختها سيرين- بالسين المهملة- وهبها رسول الله- ﷺ لحسّان بن ثابت، فولدت له عبد الرحمن. قال في زاد المعاد: وأختها سيرين وقيسرى، وأهدى لرسول الله- ﷺ فرسا، يقال له: اللزاز، وبغلته دلدل، وحمارا، وغلاما خصيّا ممسوحا اسمه مايور قال في زاد المعاد: فقيل: هو ابن عم مارية، وقدحا من قوارير، كان رسول الله- ﷺ يشرب فيه، وشابّا من قباطيّ مصر وطرفا من طروفهم، قال في زاد المعاد: عشرين ثوبا، وألف مثقال ذهبا، وعسلا من عسل بنها فأعجب رسول الله- ﷺ بالعسل ودعا في عسل بنها، وغير ذلك، وكتب للنبي- ﷺ كتابا فيه «قد علمت أن نبيّا قد بقي، وكنت أظنّ إنه يخرج من الشام، وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، ووصلت الهدايا إلى رسول الله- ﷺ سنة سبع وقيل: سنة ثمان ولم يسلم.
قال في زاد المعاد: مات على كفره في ولاية عمرو بن العاص،: قال النبي النبي- ﷺ : «ضنّ الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه بل مات على كفره في ولاية عمرو بن العاص» .
стр. 5141
الباب السادس في إرساله- ﷺ حسان بن سلمة- رضي الله تعالى عنه- إلى قيصر مع دحية [ ....]
. الباب السابع في إرساله- ﷺ -
الحارث بن عمير الأزدي أحد بني المهلب- بفتح الميم وسكون الهاء- رضي الله تعالى عنه- إلى ملك الروم، وقيل إلى صاحب بصرى، فقتله شرحبيل بن عمرو الغسّاني، فبعث النبي- ﷺ بعثة إلى مؤتة بسببه.
الباب الثامن في إرساله- ﷺ حريث بن زيد الخيل- رضي الله تعالى عنهما- إلى يحنة بن رؤبة الأيلي
ذكره ابن سعد في رسله- إلى يحنة بن رؤبة الإبلي- وقال ابن عبد البر: اسمه حريث زيد بن الخيل- وسمى أباه رسول الله- ﷺ حين أسلم زيد الخير- بن مهلهل بن زيد بن منهب الطائي، أسلم هو وأبوه وأخوه مكنف، وشهد قتال الردة مع خالد بن الوليد. قال: وذكره الدارقطني.
الباب التاسع في إرساله- ﷺ حرملة بن حريث- رضي الله تعالى عنه -
إلى يحنة [ذكره ابن سعد أيضا مع حريث رسولا إلى الإبلي ولم ينسبه] .
стр. 5142
الباب العاشر في إرساله- ﷺ خالد بن الوليد- رضي الله تعالى عنه- إلى نجران وغيرها
أرسله رسول الله- ﷺ إلى أكيدر صاحب دومة، فأسره وأحضره إلى رسول الله، فصالحه على الجزية وردّه إلى بلده وأرسله رسول الله- ﷺ سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بن مرجح فقدم معه رجال منهم، فأسلموا ورجعوا إلى قومهم.
توفّي في خلافة عمر- رضي الله تعالى عنهما- سنة إحدى وعشرين، وكانت وفاته بحمص، وقبره مشهور، وعلى نحو ميل من حمص، وقيل: توفّي بالمدينة [ولكن الأكثر على أنه مات بحمص] .
стр. 5143
الباب الحادي عشر في إرساله- ﷺ دحية بن خليفة الكلبي- رضي الله تعالى عنه- إلى قيصر
هو دحية بن خليفة بن فروة الكلبي أسلم قديما، ولم يشهد بدرا شهد المشاهد كلّها مع رسول الله- ﷺ بعد بدر، وكان يتشبه بجبريل- ﷺ ، كان جبريل ينزل على رسول الله- ﷺ بصورته، وكان من أجمل الناس، يروى أنه كان إذا قدم من الشام لم يبق امرأة إلّا خرجت تنظر إليه، بعثه رسول الله- ﷺ إلى قيصر في الهدنة سنة خمس قاله خليفة: وقال محمد بن عمر: لقيه بحمص سنة سبع، وقال في المنهل: وظاهر الخبر يدل على أن رسول الله- ﷺ أرسله إليه مرتين: الأولى في الهدنة، والثانية في تبوك، قلت: أرسله من تبوك. رواه أبو يعلى وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند، وأبو نعيم، وابن عساكر عن سعيد مولى راشد عن التّنوخيّ رسول هرقل فأرسله في الهدنة- رواه البخاري عن ابن عباس عن أبي سفيان كما سيأتي.
روى الشيخان عن أبي سفيان والبيهقي عن موسى بن عقبة وأبو نعيم عن عبد الله بن شدّاد عن أبي سفيان والبيهقي عن الزهري والبزار وأبو نعيم وابن عساكر عن دحية، وأبو نعيم وابن إسحاق عن ابن عباس عن أبي سفيان قال: حدثني أسقف من النصارى، وقد أدرك ذلك الزمان أنه لما كانت الهدنة، هدنة الحديبية بين رسول الله- ﷺ ، وكفّار قريش ورد أبو سفيان تاجرا إلى الشّام، مع رهط من قريش، وكان متجرهم من الشّام عدة من أرض فلسطين فخرجوا حتى قدموها، وذلك حين ظهر قيصر صاحب الرّوم علي من كان في بلاده من الفرس، فأخرجهم منها وردّ عليه صليبه الأعظم، وقد كان استلبه إياه فلمّا بلغه ذلك وقد كان منزله بحمص من أرض الشام فخرج منها يمشي شاكرا إلى بيت المقدس ليصلي به فبسط له البسط، وطرح له عليها الرياحين حتى انتهى إلى إيليّا فصلّى فيها، فأصبح ذات غداة وهو مهموم يقلب طرفه إلى السماء، فقالت له بطارقته: أيّها الملك، لقد أصبحت مهموما، وكان هرقل حزّاء ينظر في النّجوم- فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النّجوم ملك الختان، وقد ظهر فيمن يختن من هذه الأمة، فقالوا: والله، ما نعلم أمة من الأمم تختتن إلا اليهود، فلا يهمّنّك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود وتستريح من هذا الغمّ، فبينما هم على أمرهم إذ أتاهم صاحب ملك غسّان صاحب بصرى برجل من العرب وقد وقع إليهم قال: أيها الملك، هذا رجل من العرب من أهل الشام، لا بد أن يحدّثك عن حديث كان ببلاده، فلمّا أن انتهى إليه قال لترجمانه: اسأله ما كان الخبر الذي ببلاده، فسأله،
стр. 5144
فقال: هو رجل من قريش يخرج، يزعم أنه رسول الله- ﷺ ، وقد اتبعه أقوام وخالفه آخرون، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن فخرجت من بلادي وهم على ذلك فلمّا أخبره الخبر، قال: جرّدوه هو مختون، فقال: هذا والله الذي رأيت أعطوه ثوبه، انطلق لشأنك،
وفي رواية: «أن رسول الله- ﷺ بعث دحية إلى قيصر صاحب الرّوم بكتاب، فاستأذن، فقال: استأذنوا رسول الله- ﷺ فأتى قيصر فقيل: إن على الباب رجلا يزعم أنه رسول رسول الله ففزعوا لذلك، وقال: أدخلوه، فأدخل عليه وعنده بطارقته، فأعطاه الكتاب وقرأ عليه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله- ﷺ إلى هرقل عظيم الروم، وفي رواية «صاحب الرّوم وعنده ابن أخ له أحمر أزرق سبط الشعر فقال: لا تقرأ الكتاب، لأنّه بدأ بنفسه، وكتب (صاحب الروم» ولم يكتب «ملك الرّوم» .
فقال: إن يكن بدأ بنفسه فهو الذي كتب إليّ.
وإن كان سمّاني صاحب الرّوم، فأنا صاحب الرّوم ليس لهم صاحب غيري، فجعل يقرأ الكتاب وهو يعرق جبينه من كرب الكتاب «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم» سلام على من اتّبع الهدى: أما بعد فإن أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإن عليك إثم الأريسيين وفي رواية «الأكارين» قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ، أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
» فلما قرئ الكتاب قال قيصر: هذا كتاب لم أسمع بمثله بعد سليمان بن داود، ثم أمرهم فخرجوا من عنده فبعث إلى الأسقف، فدخلت عليه فسألني فأخبرته وكان صاحب أمرهم، يصدرون عن قوله ورأيه، فلما قرأ الكتاب قال الأسقف: هو والله الّذي لا إله إلا هو الذي بشرنا به عيسى ابن مريم، وموسى، والذي ننتظره، فقال قيصر: فما تأمرني؟ قال الأسقف: أمّا أنا فمصدّقه ومتّبعه، فقال قيصر لصاحب شرطته: قلت لي الشام ظهر البطن حتى يؤتي برجل من قدم هذا فأسأله عن شأنه، قال أبو سفيان: فو الله، إني وأصحابي كبعرة إذ هجم علينا، فسأل ممّن أنتم؟
فأخبرناه، فساقنا إليه جميعا، وكان أبو سفيان وكفار قريش فأتوهم وهم بإيليا فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم، ودعا بترجمانه، فقال: أيّكم أقرب نسبا لهذا الرّجل؟
الذي يزعم- أنه نبيّ؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبا، فقال: ادنوه مني، وقرّبوا أصحابه، فاجعلوهم خلف ظهره ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا الرجل عن هذا الرجل فإن كذبني فكذّبوه، قال أبو سفيان: فو الله، لولا أن يؤثر عنّي الكذب لكذبت عليه ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم
стр. 5145
أحد قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه ملك قلت: لا، قال: فأشراف النّاس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتدّ أحد منكم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يغدر قلت: لا، ونحن الآن معه في مدّة لا ندري ما هو فاعل فيها قال: فما كلّمني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه، قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما كان يعبد آباؤكم، ويأمرنا بالصّلاة والزّكاة والصّدق والعفاف، والصّلة، فقال لترجمانه: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنّه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل تأسّى بقول قيل قبله، وسألتك: هل من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك آبائه، وسألتك: هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على النّاس، ويكذب على الله، وسألتك: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أنّ ضعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرّسل، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنّهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتّى يتمّ، وسألتك:
أيرتد أحد منكم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخلط بشاشته القلوب، وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرّسل لا يغدرون وسألتك: بم يأمركم؟ فذكرت أنّه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والزكاة والصّدق والعفاف والصلة، فإن كان ما تقول حقّا، فسيملك موضع قدميّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنّه منكم، فلو أعلم أني أخلص إليه لتجشّمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه، ثم قال: الحق بشأنك، قال: فقمت أضرب بإحدى يديّ على الأخرى وأقول: يا عباد الله، لقد أمر أمرا ابن أبي كبشة أصبح ملوك بني الأصفر يخافونه في سلطانهم، فما زلت موقنا أنه سيظهر ثم أخذ كتاب رسول الله- ﷺ فوضعه فوق رأسه ثم قبّله وطواه في الدّيباج، والحرير، وجعله في سقط صاحب له بروميّة، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص ولم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل بخروج النبي- ﷺ وإنه النبي الذي ينتظر لا شك فيه فاتبعه، فأمر بعظماء الروم، فجمعوا له في دسكرة ملكه، ثم أمر بها فأغلقت عليهم، ثم اطلع عليهم من علية له، وهو منهم خائف فقال: يا معشر الروم، إنّه جاءني كتاب أحمد وإنه والله النبي الذي ينتظر لا شك فيه الذي بشّر به عيسى، وإنّه والله النبيّ الذي ننتظره ونجد ذكره في كتابنا نعرفه بعلاماته
стр. 5146
وزمانه، فأسلموا واتّبعوه، تسلم لكم آخرتكم ودنياكم فنخروا نخرة رجل واحد، وحاصوا حيصة حمير الوحش، وابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها مغلّقة دونهم فلمّا رأى هرقل نفرتهم يئس من الإيمان وخافهم، قال: ردّوهم عليّ فردّوهم عليه، فقال: يا معشر الرّوم، إنّما قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدّتكم على دينكم، وقد رأيت ما يسرّني، فوقعوا له سجّدا ورضوا عنه، فقال الأسقف قاضيه: أشهد أنه رسول الله- ﷺ فأخذوه فما زالوا يضربونه ويعضّونه حتّى قتلوه،
فقال النبي- ﷺ عند ذلك: إنّه يبعث أمة وحده،
ثم فتحت لهم أبواب الدّسكرة فخرجوا، فقال دحية: ثم بعث إليّ من الغد سرّا فأدخلني بيتا عظيما فيه ثلاثمائة وثلاثة وعشرون صورة، فإذا هي صور الأنبياء والمرسلين قال: انظر أين صاحبك من هؤلاء، فرأيت صورة النبي- ﷺ كأنّه ينطق، قلت: هذا، قال: صدقت، فقال: صورة من هذا عن يمينه؟، قلت:
رجل من قومه، يقال له أبو بكر، قال: فمن ذا الذي عن يساره؟ قلت: رجل من قومه، يقال له عمر، قال: إنا نجد في الكتاب أن بصاحبيه هذين، يتمّ الله هذا الدّين،
فلمّا قدمت على رسول الله- ﷺ أخبرته، فقال: صدق بأبي بكر وعمر، يتمّ الله هذا الدين بعدي.
الثانية-
روى أبو يعلى وعبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند وابن عساكر عن سعيد ابن أبي راشد قال: لقيت التّنوخي رسول هرقل إلى رسول الله- ﷺ فقلت: ألا تخبرني عن رسالة هرقل؟ قال: بلى، قدم رسول الله- ﷺ تبوك، فبعث دحية إلى هرقل، فلمّا جاء كتاب رسول الله- ﷺ دعا قسيس الرّوم وبطارقتهم، ثم أغلق عليه وعليهم الدّار، فقال: إن هذا الرّجل أرسل يدعوني، وو الله لقد قرأتم فيما تقرؤون من الكتب ليأخذنّ ما تحت قدمي، فهلمّ إليّ أن نتَّبعه فنخروا نخرة رجل واحد، فلما ظن أنّهم إن خرجوا من عنده أفسدوا الرّوم، قال:
إنما قلت لأعلم صلابتكم على أمركم بينكم، ثم إنّه دعاني فقال: اذهب بكتابي إلى هذا الرجل، فما ضيّعت من حديثه فاحفظ لي ثلاث خصال انظر هل تذكر الصحيفة التي كتبت إلي بشيء انظر إذا قرأ كتابي هل يذكر الليل وانظر في ظهره؟ هل به شيء يريبك، فانطلقت بكتابه حتّى جئت تبوك، فناولت كتابي فقال: يا أخا تنوخ، إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه، والله ممزّقه وملكه وكتبت إلى النّجاشي بصحيفة فحرّقها، والله محرّقه، ومحرق ملكه، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها ولن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش، قلت: هذه إحدى الثلاث الذي أوصاني ثمّ إنّه ناول الصحيفة رجلا عن يساره فقرأها فإذا فيها يدعوني إلى جنّة عرضها السّموات والأرض، فأين النار؟ فقال رسول الله- ﷺ : أين الليل إذا جاء النّهار؟ ثم قال: فقال: يا أخا تنوخ، فهل حبوته عن ظهره ثم قال: هاهنا امض لما أمرت فجلت في ظهره، فإذا النبوة في موضع غضروف الكتف مثل المحجمة الضّخمة، وفي رواية فكتبه في جفن (سيفي) فلما أن فرغ من قراءة كتابي قال: إنّ لك حقّا، وأنك رسول الله فلو
стр. 5147
وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفراء مرسلون قال: فناداه رجل من طائفة الناس، أنا أجوزه ففتح رحله فإذا هو يجمله بجائزة صفورية فوضعها في حجري، فقلت: من صاحب الجائزة؟
قيل لي: عثمان، ثم قال رسول الله- ﷺ : أيكم ينزل هذا الرّجل؟: فقال فتى من الأنصار:
أنا، فقام الأنصاري، وقمت معه، حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله- ﷺ ، فقال: يا أخا تنوخ، تعال تعالى، يا أخا تنوخ، فأقبلت أهوي حتّى كنت قائما في المجلس الّذي كنت بين يديه، فحلّ حبوته عن ظهره، وقال: ههنا امض لمّا أمرت له فجلت في ظهره فإذا خاتم النبوة في موضع غضروف الكتف مثل المحجمة الضّخمة. قال محمد بن عمر: فانصرف الرّجل إلى هرقل، فذكر ذلك له فدعا قومه إلى التّصديق بالنبي- ﷺ فأبوا حتى خالفهم عن ملكه، وهو في موضعه بحمص ثم لم يتحرك، ولم يزحف وكان الذي خبر النبي- ﷺ إلى أصحابه ودنوّه إلى أرض الشام بالجلاء، ولم يرد ذلك ولا همّ به. وذكر السهيلي- رحمه الله تعالى- أن هرقل أهدى لرسول الله- ﷺ هديّة وفرقها على المسلمين، وأنّ هرقل أمر مناديا: ألا إن هرقل قد آمن بمحمد- ﷺ واتّبعه فدخلت الأجناد في سلاحها، وطافت بقصره تريد قتله، فأرسل إليهم: إني أردتّ أن أختبر صلابتكم في دينكم، فقد رضيت عنكم فرضوا عنه، ثم كتب لرسول الله- ﷺ كتابا مع دحية يقول فيه-: إنّي مسلم ولكنّي مغلوب على أمري، فلما قرأ رسول الله- ﷺ كتابه، قال: كذب عدوّ الله، ليس بمسلم بل هو على النّصرانيّة.
стр. 5148
الباب الثاني عشر في إرساله ﷺ رفاعة بن زيد- رضي الله تعالى عنه- إلى قومه
[قال ابن عبد البرّ رفاعة بن زيد بن وهب الضّبيبي، من بني الضّبيب- هذا قول أهل الحديث. وقال أهل النّسب: الضّبيني- بالنون قبل الياء الأخيرة من بني ضبينة من جذام. قدم على النبي ﷺ في هدنة الحديبية في جماعة من قومه فأسلموا، وعقد له رسول الله- ﷺ لواء، وأهدى إلى رسول الله- ﷺ غلاما، وكتب له كتابا إلى قومه فأسلموا. يقال: إنّه أهدى إلى رسول الله- ﷺ الغلام الأسود المسمّى مدغما المقتول بخيبر] .
الباب الثالث عشر في إرساله- ﷺ زياد بن حنظلة- رضي الله تعالى عنه- إلى قيس بن عاصم والزّبرقان بن بدر
[زياد بن حنظلة التّميمي ثم العمريّ. قال ابن عبد البرّ: له صحبة، ولا أعلم له رواية، وهو الذي بعثه رسول الله- ﷺ إلى قيس بن عاصم والزّبرقان بن بدر ليتعاونوا على مسيلمة وطليحة والأسود، وقد عمل لرسول الله- ﷺ ، وكان منقطعا إلى علي- ﵁ وشهد معه مشاهده كلّها وذكره سيف بن عمر في كتاب الرّدّة]
الباب الرابع عشر في إرساله- ﷺ سليط بن عمرو- رضي الله تعالى عنه- إلى هوذة وثمامة بن أثال
هو سليط بن عمرو العامريّ، هاجر الهجرتين، قال ابن سعد: وشهد بدرا، قتل باليمامة سنة اثنتي عشرة وقيل: أربع عشر، بعثه رسول الله- ﷺ إلى هوذة بن علي الحنفي، فلما قدم سليط على هوذة أكرمه وأنزله،
وقرأ كتاب رسول الله- ﷺ وكان فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي: سلام على من اتّبع الهدى، واعلم أنّ ديني سيظهر إلى منتهى الخفّ والحافر، فأسلم تسلم واجعل لك ما تحت يديك، فلما قرأه ردّ ردّا دون ردّ وأجاز سليطا بجائزة، وكساه ثوبا من نسج هجر، وكتب إلى رسول الله- ﷺ : ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي
стр. 5149
بعض الأمر أتّبعك، فقدم سليط إلى النبي- ﷺ وأخبره بما قال، وقرأ كتابه، وقال: «لو سألني سيابة من الأرض ما فعلت. باد وباد ما في يديه» فلما انصرف من عام الفتح جاءه جبريل فأخبره أنه قد مات.
الباب الخامس عشر في إرساله- ﷺ السائب بن العوام- رضي الله تعالى عنه- إلى مسيلمة الكذاب
قال ابن سعد: قالوا: وكتب رسول الله- ﷺ إلى مسيلمة الكذّاب يدعوه إلى الإسلام، وبعث به مع عمرو بن أميّة الضّمريّ، فكتب إليه مسيلمة جواب كتابه ويذكر فيه أنّه نبيّ مثله ويسأله أن يقاسمه الأرض ويذكر أن قريشا قوم لا يعدلون، فكتب إليه رسول الله- ﷺ وقال: العنوه لعنه الله، وكتب إليه بلغني كتابك الكذب والإفك والافتراء على الله، وإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعافية للمتّقين، والسّلام على من اتّبع الهدى.
قال: وبعث به مع السائب بن العوام أخي الزبير بن العوام.
الباب السادس عشر في إرساله- ﷺ شجاع بن وهب- رضي الله تعالى عنه- إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك البلقاء
قاله ابن إسحاق والواقدي.
قال في زاد المعاد: وقيل إنّما توجه لجبلة بن الأيهم: هو ابن وهب شجاع بن ربيعة بن أسد الأسديّ.
قال في زاد المعاد: وقيل: توجّه لهما معا، وقيل: لهرقل مع دحية بن خليفة والله أعلم.
أسلم قديما، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وعاد إلى مكّة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا والمشاهد كلها، استشهد باليمامة وهو ابن بضع وأربعين سنة بعثه رسول الله- ﷺ إلى الحارث بن أبي شمر ذكره الواقدي وابن إسحاق وابن حزم، وقال ابن هشام. توجّه لجبلة بن الأيهم، وقال أبو عمر لهما معا
قال محمد بن عمر الأسلمي: قال الواقدي وابن إسحاق وغيرهما أن رسول الله- ﷺ بعث شجاع بن وهب إلى الحارث بن
стр. 5150
أبي شمر، وكتب معه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله- ﷺ إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتّبع الهدى وآمن به، وصدّقه، وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبق لك ملكك،
وختم الكتاب، وخرج به، قال شجاع: فأتيته به وهو بغوطة دمشق مشغول بتهيئة الأموال والألطاف لقيصر، وقد جاء من حمص إلى إيلياء، فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة، فقلت لحاجبه: إنّي رسول رسول الله- ﷺ إلى صاحبك، فقال: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا كذا، وجعل حاجبه وكان روميّا اسمه مرّي يسألني عن رسول الله- ﷺ وما يدعو إليه، فكنت أحدّثه فيرقّ حتى يغلبه البكاء، ويقول: إني قد قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النّبي فأنا أومن به وأصدّقه، وأخاف من الحارث أن يقتلني. وكان الحاجب يكرمني ويحسن ضيافتي ويخبرني عن الحارث باليأس منه الحاجب ويقول: هو يخاف قيصر فخرج الحارث يوما وجلس للناس، ووضع التّاج على رأسه، فأذن لي، فدخلت عليه، ودفعت إليه الكتاب فقرأه، ثم رمى به، وقال: من ينتزع منّي ملكي! أنا سائر إليه، ولو كان باليمن جئته، عليّ بالناس، فلم يزل يفرض حتى قام، ثم أمر بالخيل أن تنعل، وقال: أخبر صاحبك ما ترى، وكتب إلى قيصر يخبره خبري وما عزم عليه، فكتب إليه قيصر ألّا تسير إليه واله عنه، ووافني بإيلياء، فلما جاءه جواب كتابه دعاني، فقال: متى تريد أن تخرج لصاحبك؟
فقلت: غدا، فأمر لي بمائة مثقال ذهبا، ووصّلني مرّيّ، وأمر لي بكسوة ونفقة،
وقال: أقرئ رسول الله- ﷺ منّي السّلام- وأخبره أني متبع دينه قال شجاع: فقدمت على رسول الله- ﷺ فأخبرته فقال: «باد ملكه» وأقرأته من مرّيّ السّلام، وأخبرته بما قال، فقال:
صدق،
ومات الحارث بن أبي شمر عام الفتح [ (١) ] .
الباب السابع عشر في إرساله- ﷺ صدي بن عجلان إلى جبلة بن الأيهم
[....]