← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

رواه الشيخان، عن جابر- رضي الله تعالى عنه-، قال القاضي: فجعل طاعة رسوله طاعته، وقرن طاعته على ذلك بجزيل الثّواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب، وأوجب امتثال أمره واجتناب نهيه، قال المفسّرون والأئمة: طاعة الرّسول في التزام سنّته بأن يعمل ما أمر به ويجتنب ما نهى عنه، وما أرسل الله من رسول إلا فرض طاعته على من أرسله إليهم، أي: بأن يأتمروا بما أمرهم به، وينتهوا عما نهاهم عنه، ومن يطع الرسول في سنته يطع الله في فرائضه، وقيل: أطيعوا الله فيما حرّم عليكم، والرسول فيما بلّغكم عن ربه ، وقيل: أطيعوا الله مخلصين مرغبين بالشهادة له بالربوبية، وأطيعوا الرسول بالشهادة له بالرسالة، فطاعة الرسول من طاعة الله، إذ الله أمر بطاعته، فطاعته- ﷺ امتثال لما أمر الله تعالى. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: أدلجوا- بفتح الهمزة وسكون الدال المهملة فلام مفتوحة فجيم- ساروا أوّل اللّيل، وبفتح الدال وتشديدها السير آخر الليل، والاسم منهما الدّلجة بضم الدال وفتحها. على مهلهم: - بفتح أوله وكسر ثانية (أي بتؤدة وتأن) والاسم المهملة بضم الميم وكسرها، وفي حديث علي- رضي الله تعالى عنه-: إذا سرتم إلى العدوّ فمهلا مهلا- أي-- بفتح الهاء- وإذا وقعت العين في العين فمهلا مهلا أي- بفتح الهاء- قال الأزهري: الساكن للرفق، والمتحرك: للتقدم، أي: إذا سرتم فتأنّوا وإذا التقيتم فاحملوا. اجتاحهم- بجيم، فمثناة فوقية فألف فحاء مهملة- استأصلهم بذراريهم وأموالهم، وفي الحديث «أعاذكم الله من جوح الدّهر» . المأدبة- بميم مفتوحة، فهمزة ساكنة، فدال مضمومة، وقد تفتح- طعام بناء الدار، عند أهل اللغة لا يصنع لما لا سبب له. الباب الثالث: في وجوب اتباعه وامتثال سنته والاقتداء بهديه- ﷺ - قال تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران ٣١] وقال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف ١٥٨] وقال : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء ٦٥] وقال تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران ٣١] .

стр. 5217

روى الآجري عن العرباص بن سارية- رضي الله تعالى عنه- أن النبي- ﷺ قال: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين عضّوا عليها بالنّواجذ وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة» رواه مسلم بمعناه، وزاد «وكلّ ضلالة في النار» . وروى الشافعي في الأم، وأبو داود والترمذي وابن ماجة «لا ألفينّ أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري ممّا أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» . وروى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: صنع رسول الله- ﷺ شيئا يرخّص فيه فتنزّه عنه قوم، فبلغه ذلك فحمد الله ثم قال: «ما بال أقوام يتنزّهون عن الشّيء أصنعه، فو الله إني لأعلمهم بالله وأشدّهم له خشية» . وروى أبو الشيخ وأبو نعيم والدّيلمي أنه- ﵊ قال «القرآن صعب مستصعب على من كرهه وهو الحكم لمن تمسّك بحديثي وفهمه وحفظه جاء مع القرآن ومن تهاون بالقرآن وحديثي فقد خسر الدّنيا والآخرة، أمرت أمّتي أن يأخذوا بقولي وأن يطيعوا أمري ويتّبعوا سنّتي فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن» قال تعالى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر ٧] . وروى عبد الرزاق في مصنّفه مرسلا عن الحسن «من اقتدى بي فهو منّي، ومن رغب عن سنّتي فليس مني» . وروى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- عن النبي- ﷺ قال: «المتمسّك بسنّتي عند فساد أمّتي له أجر مائة شهيد» . وروى الأصبهاني في ترغيبه اللالكائيّ في السنة عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من أحيا سنّتي فقد أحبني ومن أحبّني كان معي في الجنة» . وروى الترمذي، وحسنه، وابن ماجة عن عمرو بن عوف المزنيّ قال: قال رسول الله- ﷺ لبلال بن الحارث «من أحيا سنّة من سنني قد أميتت بعدي فإنّ له من الأجر مثل أجور من عمل بها من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا» . وروى النسائي وابن ماجة عن رجل قال لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن إنّا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولا نجد صلاة السّفر، فقال ابن عمر: يا ابن أخي، أي في الإسلام- أن الله تعالى بعث إلينا محمدا، ولا نعلم شيئا، وقد رأيناه يقصر في السّفر فقصرنا معه، اقتداء به- ﷺ وذكر اللالكائي في السنة قال عمر بن عبد العزيز: سنّ

стр. 5218

رسول الله- ﷺ وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق بكتاب الله واستعمال بطاعة الله، وقوّة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النّظر في رأي من خالفها، من اقتدى بها فهو مهتد ومن انتصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتّبع غير سبيل المؤمنين ولّاه الله ما تولى وأصلاه جهنّم وساءت مصيرا، وذكر فيها أيضا عن ابن شهاب الزّهريّ أنه قال: بلغنا عن رجال من أهل العلم، قالوا: الاعتصام بالسّنّة نجاة. وروى مسلم حين صلى عمر- رضي الله تعالى عنه- بذي الحليفة ركعتين فقال: أصنع كما رأيت رسول الله- ﷺ يصنع. وروى البخاريّ والنّسائي، عن علي- رضي الله تعالى عنه- حين قرن فقال له عثمان: ترى أني أنهى الناس عنه وتفعله، قال: لم أكن أدع سنّة رسول الله- ﷺ تقول أحد من الناس. وروى الدارمي والطبراني واللالكائي في سننه، عن ابن مسعود وأبي الدرداء- رضي الله تعالى عنهما-: القصد في السنّة خير من الاجتهاد في البدعة. وروى عبد بن حميد في مسنده بسند صحيح عن ابن عمر قال: صلاة السّفر ركعتان من خالف السّنّة كفر. وروى الأصبهاني في ترغيبه واللالكائي في «السنة» عن أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه- أنه قال: وعليكم بالسبيل والسّنّة، فإنه ما على الأرض من عبد على السّبيل والسنة، ذكر الله تعالى في نفسه ففاضت عيناه من خشيته تعالى فيعذّبه الله تعالى أبدا، وما على الأرض من عبد على السّبيل والسّنّة ذكر ربه في نفسه فاقشعرّ من خشية الله تعالى ألا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها، فهي كذلك إذ أصابتها ريح شديدة فتحاتّ ورقها إلا حطّ عنه خطاياه كما تحاتّ عن الشّجرة ورقها، فإنّ اقتصادا في سبيل الله وسنّته خير من اجتهاد في خلاف سبيل الله تعالى وسنّته، وانظروا عملكم إن كان اجتهادا واقتصادا أن يكون على منهاج الأنبياء وسنّتهم. وروى الشيخان أن عمر- رضي الله تعالى عنه- نظر إلى الحجر الأسود وقال: أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله- ﷺ يقبّلك ما قبّلتك. وروى الإمام أحمد والبزّار- بسند صحيح- أن عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما- ربي يدير ناقته في مكان، فسئل عن إدارتها، لأيّ شيء؟ فقال: لا أدري إلّا أني رأيت رسول الله- ﷺ يفعله ففعلته، وقال أبو عثمان الحيري- بموحدة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة-، قرأ شيخ الصّوفية بنيسابور: من أمّر السّنّة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن

стр. 5219

أمّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة، وقال سهل بن عبد الله التّستري: أصول مذهبنا: أي: الصوفية عنى الله تعالى بقولهم: ثلاثة الاقتداء بالنبي- ﷺ في الأقوال والأفعال، والأكل من الحلال وإخلاص النّيّة في جميع الأعمال. وجاء في تفسير قوله تعالى وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر ١٠] إنه الاقتداء به- ﷺ وقال محمد بن علي الترمذي في تفسير قوله تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب ٢١] الأسوة: في الرسول الاقتداء به والاتباع لسنته، وترك مخالفته في قول أو فعل. وقال سهل بن عبد الله التّستري في تفسير قوله تعالى صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة ٧] قال: بمتابعة سنته- ﷺ . الباب الرابع في التحذير عن مخالفة أمره، وتبديل سنته- ﷺ - قال تعالى فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النور ٦٣] وقال تعالى وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [النساء ١١٥] . وروى مسلم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه-: أن رسول الله- ﷺ خرج إلى المقبرة فذكر الحديث في صفة أميّة إلى أن قال: «فليذادنّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال فأناديهم ألا هلمّ ألا هلم فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول: فسحقا فسحقاً» . وروى البخاريّ حديثا طويلا عن أنس- رضي الله تعالى عنه- وفيه «من رغب عن سنّتي فليس مني» . وروى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن النبي- ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ليس منه فهو ردّ» . روى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي رافع قال: «لا ألفينّ أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري ممّا أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه» رواه الترمذي والحاكم عن المقداد وزاد «ألا وإنّ ما حرّم رسول الله- ﷺ مثل ما حرم الله» . وروى أبو داود في مراسيله والدّارمي والفريابي، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة أن رسول الله- ﷺ أتي بكتاب في كتف فقال: «كفى بقوم حمقا أو ضلالا، أن يرغبوا عمّا جاءهم به نبيّهم إلى ما جاء به غير نبيّهم أو إلى كتاب غير كتابهم» فنزلت

стр. 5220

أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ [العنكبوت ٥١] . وروى مسلم عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أنه قال: «ألا هلك المتنطّعون» . وروى البخاري، وأبو داود أن أبا بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- قال: لست تاركا شيئا كان رسول الله- ﷺ يعمل به إلا عملت به، إنّي أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ. تنبيه في بيان غريب ما سبق: (شجر بينهم) أي اختلف واختلط، ولذا سمّي الشّجر شجرا لتداخل أغصانه. الأسوة: الخصلة الحميدة التي من حقّها أن يؤتى بها أي تقتدى، وخصاله- ﷺ كلّها كذلك، بل هو نفسه أسوة يقتدى به. النّواجذ: - بنون فواو فألف فجيم فذال معجمتين- أواخر الأسنان [أي التي بعد الأنياب، ضرب مثلا لشدّة التّمسك بالدّين، لأن العض بها يكون بجميع الفم والأسنان] [ (١) ] . يذاذ: - بمثناة تحتية مضمومة، فذال معجمة، فألف فدال مهملة- يصدّ ويطرد. سحقا: - بسين مضمومة فحاء ساكنة مهملتين فكاف- أي: ألزمهم الله بعدا. الأريكة: - بهمزة مفتوحة، فراء، فتحتية ساكنة، فكاف السّرير المزيّن في حجلة من دونه سند، فلا يسمى أريكة بدونها، وقيل: هي كل ما أتكئ عليه. المتنطّعون: - بميم فمثناة فوقية فنون فطاء مهملة فعين- المتعمقون الغالون في أفعالهم وأقوالهم مأخوذ من النّطع وهو الغار الأعلى في أقصى الحلق. الباب الخامس في لزوم محبته وثوابها وبعض ما ورد عن السلف في ذلك- ﷺ - قال تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة ٢٤] . روى الشيخان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «ثلاث

стр. 5221

من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» الحديث. وروى الشيخان عنه قال: قال رسول الله- ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» . وروى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده» . وروى أحمد عن عبد الله بن هشام، عن عمر- رضي الله تعالى عنه- أنه قال للنبي- ﷺ : لأنت أحب إلي من كل شيء إلّا من نفسي الّتي هي بين جنبيّ، فقال له: «لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» فقال عمر: والّذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبيّ فقال: «الآن يا عمر» . وروى الشيخان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا أتى النبي- ﷺ فقال له: متى الساعة؟ قال: «ما أعدت لها» ؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكنّي أحبّ الله ورسوله، فقال: «أنت مع من أحببت» . وروى التّرمذيّ والنّسائيّ عن صفوان بن عسّال أن رسول الله- ﷺ قال «المرء مع من أحبّ» وروى الترمذي عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن النبي- ﷺ أخذ بيد حسن وحسين- رضي الله تعالى عنهما- فقال: «من أحبني وأحب هذين وأمّهما وأباهما كان معي في درجتي يوم القيامة» . وروى الطبراني، وابن مردويه، عن عائشة وابن عباس- رضي الله تعالى عنهم- أن رجلا أتى النبي- ﷺ فقال: لأنت أحب إلي من أهلي ومالي، وإني لأذكرك فما أصبر عنك حتى أنظر إليك، وإنّي ذكرت موتى وموتك فعرفت أنك إذا دخلت الجنّة رفعت مع النّبيّين وإن دخلتها لا أراك، فأنزل الله تعالى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء ٦٩] . وروى الأصبهاني في الترغيب عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من أحبّني كان معي في الجنّة» . وروى مسلم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إن من أشدّ أمّتي لي حبّا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله» . وقال سهل بن عبد الله التّستري- رحمه الله تعالى-: من لم ير ولاية الرسول- ﵊ في جميع أحواله، ويرى نفسه في ملكه- ﷺ لا يذوق حلاوة سنّته، لأنه ﵊ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» الحديث.

стр. 5222

وروى ابن عساكر عن ابن عمر: أن أبا بكر- رضي الله تعالى عنه- قال: للنبي- ﷺ : «والذي بعثك بالحق لإسلام أبي طالب أقرّ لعيني من إسلامه- يعني أبا قحافة، وذلك من أجل أنّ إسلام أبي طالب كان أقرّ لعينك. وروى البيهقي والبزار عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن عمر قال للعباس- رضي الله تعالى عنه-: أن تسلم أحب إلي من إسلام الخطّاب، لأن ذلك أحب إلى رسول الله- ﷺ . وروى ابن إسحاق والبيهقي عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص أن امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله- ﷺ فقالت: ما فعل رسول الله- ﷺ قالوا: خيرا هو بحمد الله تعالى كما تحبّين، قالت: أرونيه، فلما رأته قالت: كلّ مصيبة بعدك جلل، وروى ابن المبارك في الزهد، عن زيد بن أسلم أن عمر- رضي الله تعالى عنه- خرج ليلة يحرس النّاس فرأى مصباحا في بيت، وإذا عجوز تنفش صوفا، وهي تقول: على محمّد صلاة الأبرار ... صلّى عليه الطّيبون الأخيار قد كنت قوّاما بكا بالأسحار ... يا ليت شعري والمنايا أطوار هل تجمعنّي وحبيبي الدّار تعني النبي- ﷺ فجلس عمر- رضي الله تعالى عنه- يبكي. وروى ابن السني في «عمل يوم والليلة» أنّ ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- خدرت رجله فقيل له: اذكر أحبّ النّاس إليك يزل عنك فصاح: يا محمّداه، فانتشرت. روى البيهقي عن عروة- رضي الله تعالى عنه- أن أهل مكّة أخرجوا زيد بن الدّثنة من الحرم ليقتلوه، فقال له أبو سفيان: أنشدك بالله يا زيد، أتحبّ أنّ محمّدا عندنا بمقامك تضرب عنقه، وأنت في أهلك، فقال زيد- رضي الله تعالى عنه-: والله ما أحبّ أنّ محمّدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأنا جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: والله ما رأيت أحدا يحبّ أحدا كحبّ أصحاب محمد محمدا. وروى ابن جرير والبزّار عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كانت المرأة إذا أتت النبي- ﷺ حلّفها بالله، ما خرجت من بعض زوج، ولا رغبة بأرض عن أرض، وما خرجت إلّا حبّا لله ورسوله. وروى ابن سعد أنّ ابن عمر وقف على ابن الزبير- رضي الله تعالى عنهم- بعد قتله وقال: كنت والله فيما علمت صوّاما قوّاما تحبّ الله ورسوله.

стр. 5223

تنبيهات الأول: قال القاضي: من علامة حبّه- ﷺ إيثار حبّه، وإلّا كان مدّعيا، فالصّادق في حبّه ﵊ من تظهر علامات ذلك عليه، وأولها: الاقتداء به، واتّباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والتّأدّب بآدابه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران ٣١] وإيثار ما شرعه وحضّ عليه على هوى نفسه. وروى الترمذي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال لي رسول الله- ﷺ : «يا بنيّ إن قدرت على أن تمسي وتصبح ليس في قلبك غشّ لأحد فافعل ثم قال لي: وذلك من سنّتي، ومن أحيا سنّتي فقد أحبني، ومن أحبّني كان معي في الجنّة» . فمن اتّصف بهذه الصّفات فهو كامل المحبّة لله ورسوله، ومن خالفها في بعض هذه الأمور فهو ناقص المحبّة، ولا يخرج عن اسمها. ومن علامة محبته- ﷺ كثرة ذكره، فمن أحبّ شيئا أكثر ذكره. ومنها كثرة الشّوق إلى لقائه- ﷺ فكلّ حبيب يحبّ لقاء حبيبه، وقد قال أنس- رضي الله تعالى عنه-: وحين رأى النبي- ﷺ يتتبّع الدّبّاء من حوالى القصعة: فما زلت أحبّ الدّبّاء من يومئذ. وقد أتى الحسن بن علي وابن عباس وابن جعفر إلى سلمى، خادمته ومولاة عمّته صفيّة، وسألوها أن تصنع لهما طعاما مما كان يعجب رسول الله- ﷺ ، وكان ابن عمر- رضي الله تعالى عنه- يلبس النّعال السّبتيّة، ويصبغ بالصّفرة إزاره، يفعل نحو ذلك. ومن علامة حبّه بغض من أبغض الله ورسوله ومجانبة من خالف سنّته وابتدع في دينه واستثقاله كلّ أمر يخالف شريعته قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة ٢٢] وهؤلاء الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- قد قتلوا أحبّاءهم، وقاتلوا أبناءهم وآباءهم في مرضاته، روى البخاري عن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ ابن سلول قال: يا رسول الله لو شئت لأتيتك برأسه يعني: أباه. الثاني: حقيقة المحبّة الميل إلى ما يوافق الإنسان إما باستلذاذه بإدراكه كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة، والأطعمة والأشربة اللّذيذة وأشباهها ممّا كلّ طبع سليم مائل إليها لموافقتها له، أو استلذاذه بإدراك بحاسّة عقله وقلبه معاني باطنة شريفة كحب الصالحين والعلماء وأهل المعروف المأثور عنهم السّير الجميلة والأفعال الحسنة، فإن طبع الإنسان مائل إلى الشّغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ ذلك ما يؤدي إلى الجلاء عن الأوطان وهتك الحرم واحترام النفوس أو يكون حبّه إيّاه لموافقته له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه، فقد جبلت

стр. 5224

النّفوس على حبّ من أحسن إليها. قال القاضي: فقد استبان لك أنه- ﷺ مستوجب للمحبّة الحقيقيّة شرعا بما قدمناه من صحيح الآثار، لإفاضته الإحسان علينا، من رأفته بنا ورحمته لنا وهدايته إيّانا وشفقته علينا، وإنقاذنا من ورطة الجهالة، وإنه بنا رؤوف رحيم، ورحمة للعالمين وقد جمع الله تعالى فيه جميع أسباب المحبة المتقدمة، فإن الله تعالى جمّله بجمال الصّور الظّريفة وبكمال الأخلاق والباطن وبمكارم الإحسان، وكرائم الإنعام. قال القاضي- رحمه الله تعالى-: فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفا. أو أنقذه من هلكة أو مضرّة مدة التّأذّي بها قليل منقطع فمن منحه ما لا يبيد من النّعيم ووقاه ما لا يفنى من عذاب الجحيم فهو أولى بالحبّ، وإذا كان يحبّ بالطّبع ملك لحسن سيرته، أو حاكم لما يؤثر عنه من قوام طريقته، أو قاصّ بعيد الدار لما يشادّ من علمه، أو كرم شيمته، فمن جمع هذه الخصال على غاية مراتب الكمال أحقّ بالحبّ وأولى بالميل، وقد قال علي- رضي الله تعالى عنه- في صفته- ﷺ : من رآه بديهة هابة ومن خالطه معرفة أحبّه. الثالث في بيان غريب ما تقدم: جلل: - بجيم فلام مفتوحتين فلام أخرى- أي هيّن حقير. بكا: - بضم الموحّدة- قصر لضرورة الوزن. الأسحار: بهمزة مفتوحة، فسين ساكنة، فحاء مفتوحة مهملتين، فألف فراء- خصّتها بالبكاء لأنّها أوقات خلوة وابتهال إلى الله تعالى، قال لقمان لابنه: «يا بني لا يكن الدّيك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم» . المنايا: - بميم فنون مفتوحتين فألف فتحتية فألف- جمع منيّة: وهي الموت من منى الله عليك بمعنى قدّر، لأنه مقدّر بوقت مخصوص. أطوار: - بهمزة مفتوحة، فطاء مهملة ساكنة، فواو فألف فراء- حالات شتى مختلفة. الدّثنة: - بدال مهملة مفتوحة، فمثلثة مكسورة، فنون مشددة مفتوحة-.

стр. 5225

الباب السادس في وجوب مناصحته ﷺ قال الله تعالى: وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة ٩١] . قال أهل التفسير: معناه: إذا كانوا مخلصين في أفعالهم وأقوالهم، مسلمين في السّر والعلانية. روى مسلم وأبو داود عن تميم الداري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إنّ الدّين النّصيحة، إنّ الدّين النّصيحة إنّ الدّين النّصيحة. قيل: لمن يا رسول الله، قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمّة المسلمين وعامّتهم» . [قال القاضي: قال أئمّتنا أي: من المالكيّة: النّصيحة لله ورسوله وأئمّة المسلمين وعامّتهم واجبة] [ (١) ] ، وقال الإمام أبو سليمان البستيّ حمد الخطابي: النصيحة كلمة يعبّر بها عن جملة إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبّر عنها بكلمة واحدة تحصرها وتجمع معناها غيرها، ومعناها في اللغة: الإخلاص من قولهم نصحت العسل إذا خلّصته من شمعه بنار لطيفة، وقال أبو بكر بن أبي إسحاق الخفّاف: - بخاء معجمة، بفاءين، أولاهما مشددة بينهما ألف- النصح فعل الشيء الذي به الصلاح والملاءمة، مأخوذ من النّصاح- بنون مكسورة وصاد مهملة مفتوحة وألف وحاء مهملة-، وهو الخيط الذي يخاط به الثوب، فنصيحة الله تعالى الإيمان به، وصحة الاعتقاد له بالوحدانية، ووصفه بما هو أهله، بدون إلحاد في صفاته، وتنزيهه عما لا يجوز عليه ولا يليق به ممّا يوهم نقصا والبعد من جميع ما يسخطه ولا يرضاه، والإخلاص في عبادته، بأن تفرده بالقصد من غير شرك ولا رياء. والنّصيحة لكتابه الإيمان به: أي التصديق بأن كلام الله تعالى بما اشتمل عليه من أحكام ومواعظ وأمثال (وعموم) ، والعمل بما فيه من المحكم والتسليم للمتشابه، والتّخشّع عند تحسين تلاوته والتعظيم له، والتّفقّه في معانيه، والذّبّ عنه من تأويل الغالين وطعن الملحدين. والنّصيحة لرسوله التصديق بنبوّته، وبذل الطّاعة له فيما أمر به ونهى عنه وقال الخفاف: نصيحة الرسول- ﷺ موازرته ونصرته وحمايته حيّا وميّتا، وإحياء سنّته بالعمل بها والذّبّ عنها، ونشرها، والتّخلّق بأخلافه الكريمة وآدابه الجميلة، وقال أبو إبراهيم إسحاق التّجيبي

стр. 5226

- بضم المثناة الفوقية وفتحها، ثم جيم مفتوحة، فمثناة وتحتية ساكنة فموحدة- نسبة إلى تجيبة بطن من كندة- نصيحة رسول الله- ﷺ التّصديق بما جاء به والاعتصام بسنّته ونشرها والحضّ (عليها) ، والدعوة إلى الله تعالى وإلى كتابه وإلى رسوله، والعمل بها. وقال أحمد بن محمد: من مفروضات القلوب اعتقاد النّصيحة له- ﷺ ، وقال أبو بكر الآجريّ- بهمزة ممدودة فجيم مضمومة فراء مشددة-: النّصح له- ﷺ يقتضي، نصحين نصحا في حياته ونصحا بعد مماته، ففي حياته نصح أصحابه له بالنّصر والمحاماة عنه ومعاداة من عاداه والسمع والطاعة له وبذل النّفس والأموال دونه كما قال تعالى: وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر ٨] ، وأمّا نصيحة [ (١) ] المسلمين بعد وفاته فالتزام التّوقير والإجلال والرغبة له والمواظبة على تعليم سنّته، والتّفقّه في شريعته ومحبته لآل بيته وأصحابه، ومجانبة من رغب عن سنّته وانحرف عنها وبغضه والتّحذير منه، والشّفقة على أمّته، والبحث عن تعرف أخلاقه وسيرته وآدابه والصّبر على ذلك، وحكى أبو القاسم القشيري: أن (عمرو) بن اللّيث أحد ملوك خراسان رئي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقيل له: بماذا؟ فقال: صعدت- بكسر العين- ذروة جبل- بكسر المعجمة وضمها- أعلاه فأشرفت على جنودي، فأعجبتني كثرتهم، فتمنّيت أنّي حضرت رسول الله- ﷺ فأعنته ونصرته، فشكر الله تعالى لي ذلك وغفر لي، وأمّا النّصح لأئمّة المسلمين فطاعتهم [في الحق ومعونتهم فيه، وأمرهم به وتذكيرهم إيّاه على أحسن وجه وتنبيههم على ما غفلوا عنه وكتم عنهم من أمور المسلمين، وترك الخروج عليهم] [ (٢) ] وأما النّصح لعامّة المسلمين بإرشادهم إلى مصالحهم ومعاونتهم في أمور دينهم ودنياهم بالقول والفعل، وتنبيه غافلهم، وتبصير جاهلهم، ورفد محتاجهم وستر عوراتهم، ودفع المضارّ عنهم، وجلب المنافع إليهم. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، كلّهم عيال الله تعالى، وأحبّهم إليه أنفعهم لعياله.

стр. 5227

الباب السابع في وجوب تعظيم أمره وتوقيره وبره، وبعض ما ورد عن السلف في ذلك قال الله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح ٩] وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات ١، ٢، ٣] وقال : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور ٦٣] . وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا [البقرة ١٠٤] . وروى مسلم عن عمرو بن العاص- رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: ما كان أحد أحب إلي من رسول الله- ﷺ ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، فإني لم أكن أملأ عيني منه. وروى الترمذي، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان- ﷺ يخرج على أصحابه [من المهاجرين والأنصار وهم جلوس] ، وفيهم أبو بكر وعمر، فلا يرفع أحد منهم إليه بصره إلّا أبو بكر وعمر، فإنّهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما، ويبتسمان إليه ويبتسم إليهما. وروى النّسائي وأبو داود وابن ماجة والتّرمذي، وصححه: أن أسامة بن شريك قال: أتيت النبي- ﷺ وأصحابه حوله كأنّ على رؤوسهم الطير. وروى البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، أن قريشا لمّا وجّهوا عروة ابن مسعود إلى رسول الله- ﷺ عام الحديبية، فرأى تعظيم أصحابه- رضي الله تعالى عنهم- ما رأى، وأنه لا يتوضّأ إلّا ابتدروا وضوءه، فكادوا يقتتلون عليه، ولا يبصق بصاقا، ولا يتنخم نخامة إلا تلّقوها بأكفّهم، فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يجدّون النظر إليه تعظيما له، فقال لهم حين رجع إليهم: يا معشر قريش إني جئت كسرى وقيصر، والنجاشي في ملكهم، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه وفي رواية: إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظّم محمّدا أصحابه وقد رأيت قوما لا يسلمونه أبدا. وروى مسلم عن أنس- رضي الله تعالى عنه-: لقد رأيت رسول الله- ﷺ والحلّاق يعلقه وقد أطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلّا في يد رجل، وقد قال عثمان- رضي

стр. 5228

الله تعالى عنه-: لما أذنت له قريش أن يطوف بالبيت، حين وجّهه- ﷺ إليهم في القضية أبي وقال: ما كنت لأفعل حتّى يطوف به رسول الله- ﷺ . وروى الترمذي وحسنه، في حديث طلحة أنّ أصحاب رسول الله- ﷺ قالوا لأعرابيّ جاهل نتله- ﷺ عمّن قضى نحبه وكانوا يهابونه. فسأله، فأعرض عنه، إذ طلع طلحة فقال: هذا ممّن قضى نحبه. وروى أبو داود في الأدب، والترمذي في الشمائل، في حديث قيلة- بقاف مفتوحة، وتحتية ساكنة- بنت مخرمة، العنبرية، فلما رأته جالسا القرفصاء أرعدت من الفرق هيبة له وتعظيما. وروى الحاكم في علوم الحديث، والبيهقي في المدخل في حديث المغيرة: «كان أصحابه- ﷺ يقرعون بابه بالأظافير» . وروى أبو يعلى أنّ البراء بن عازب- رضي الله تعالى عنه-، قال: لقد كنت أريد أن أسأله- ﷺ عن الأمر فأؤخّره سنين من هيبته. تنبيهات الأول: قوله تعالى: تُعَزِّرُوهُ بعين مهملة، فزاي، فراء، أي: يقوّوه ويعينونه على دينه، وقرئ بزايين من العزّ، وهي الشدّة والقوة، قال القاضي: ونهى عن التقدم بين يديه، بآية لا تُقَدِّمُوا السابقة، وقد اختلف في تفسيرها، فقال ابن عباس، واختاره ثعلب: نهوا عن التقدم بين يديه بالقول وسوء الأدب، بسبقه بالكلام، وقال سهل بن عبد الله التستري: لا تقولوا قبل أن يقول، وإذا قال فاستمعوا له وأنصتوا. الثاني: اختلف في سبب نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الآيات، وقوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ. وقيل: نزلت هي ولا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ في محاورة كانت بين أبي بكر وعمر بين يدي النبي- ﷺ واختلاف جرى بينهما حتّى ارتفعت أصواتهما عنده- ﷺ . وقيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شمّاس خطيب النبي- ﷺ في مفاخرة بني تميم، وكان في أذنيه صمم فكان يرفع صوته فلما نزلت أقام في منزله، وخشي أن يكون قد حبط عمله، ثم تفقده النبي- ﷺ فأخبر بشأنه، فدعاه، فأتى النبي- ﷺ فقال: يا نبي الله، خشيت أن أكون هلكت، نهانا الله- تعالى- أن نجهر بالقول، وأنا امرؤ جهير الصّوت. فقال

стр. 5229

النبي- ﷺ : يا ثابت، أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا، وتدخل الجنّة! فقتل يوم اليمامة، سنة اثنتي عشرة، في ربيع الأول في خلافة الصّدّيق. وروى البزار، من طريق طارق بن شهاب: أن أبا بكر- رضي الله تعالى عنه- لما نزلت هذه الآية قال: والله يا رسول الله لا أكلّمك بعدها إلّا كأخي السّرار. وفي البخاري، كان عمر- رضي الله تعالى عنه- إذا حدّثّه- ﷺ حدّثه كأخي السّرار، أي كصاحب المبارزة ما كان- ﷺ بعد نزول هذه الآية يسمعه حتّى يستفهمه، فأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى [الحجرات ٣] وقيل: نزلت إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ [الحجرات ٤] في غير بني تميم. الثالث: اختلف في سبب نزول قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا [البقرة ١٠٤] قال بعض المفسرين: هي لغة كانت في الأنصار، فنهوا عن قولها تعظيما للنبي- ﷺ وتبجيلا، لأن معناها: ارعنا نرعك، من المراعاة، وهي الحفظ والرفق، فنهوا عن قولها، إذ مقتضاها كأنّهم لا يرعونه إلّا برعايته لهم، بل حقه الذي يجب على كلّ أحد أن يرعاه على كل حال. وقيل: كانت اليهود تعرض بها للنبي- ﷺ لما سمعوا المسلمين يقولونها انتهازا للفرصة، فخاطبوه- ﷺ بها، مريدين بها كلمة يتسابّون بها، لأنّها عندهم من الرّعونة وهي الحمق، فنهى عن قولها قطعا للذريعة، ومنعا للتشبه في قولها.

стр. 5230

الباب الثامن في كون حرمته- ﷺ بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازماً [ (١) ] كما كان في حال حياته قال القاضي: قال أبو إبراهيم التّجيبي: «واجب على كل مؤمن متى ذكر- ﷺ أو ذكر عنده أن يخضع ويخشع ويتوقّر، ويسكّن من حركته، ويأخذ من هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه، ويتأدّب بما أدّبنا الله تعالى به من قوله تعالى: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ [الحجرات ١] لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ [الحجرات ٢] لا تَقُولُوا راعِنا [البقرة ١٠٤] لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور ٦٣] . ولما ناظر أبو جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن عباس ثاني خلفاء بني العباس مالكا في مسجده- ﵊ قال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدب قوما فقال: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات ٢] . وإن حرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان لها أبو جعفر، وقال لمالك: يا أبا عبد الله أأستقبل القبلة وادعو أم استقبل رسول الله- ﷺ ؟ فقال له: لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله- تعالى- يوم القيامة بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله، فإنه تقبل به شفاعتك لنفسك قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [النساء ٦٤] أي بتحاكمهم إلى الطّاغوت وهو كعب بن الأشرف، سمي طاغوتا لعتوه وفرط طغيانه، وعداوته لرسول الله- ﷺ جاؤُكَ تائبين من نفاقهم فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ [النساء ٦٤] . مما تقدم منهم وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ/ [النساء ٦٤] التفت تفخيما لشأنه- ﷺ وإيذانا بأن شفاعة من اسمه الرسول من الله تحل من القبول لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء ٦٤] أي لتاب عليهم ورحمهم، فلا يؤاخذهم بسوء صنيعهم. وقال مالك- رحمه الله تعالى-: وقد سئل عن أبي أيوب السّختياني- بسين مفتوحة فمعجمة ساكنة فتاء مكسورة، نسبته لبيع السختيان أي: الجلد المدبوغ- ما حدّثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه. وقال: وحج أيوب حجتين فكنت أرمقه ولا أسمع منه غير أنه إذا ذكر النبي- ﷺ بكى حتى أرحمه فلما رأيت منه ما رأيت، [وإجلاله للنبي- ﷺ ] ، كتبت عنه. وقال مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت الزبيري: كان مالك- إمام دار الهجرة إذا

стр. 5231

ذكر النبي- ﷺ يتغير لونه، وينحني حتى يصعب على جلسائه لما يراه من هيبته، وعظيم قدره، ورفعة محله عند ربه، فقيل له يوما في ذلك: أي لم تتغير إذا ذكر النبي- ﷺ ؟ فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليّ ما ترون مني، ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير التيمي وكان سيّد القراء لا يكاد نسأله عن حديث ورد عن النبي- ﷺ إلا بكى حتى نرحمه، لما يأخذه من لوعة الاحتراق بألم الفراق. ولقد كنت أرى جعفر الصادق ابن محمد الصادق ابن زين العابدين وكان كثير الدّعابة- بضم أوله، أي: المزاح والتبسم أي: الضحك بلا صوت- إذا ذكر النبي- ﷺ اصفر لونه مهابة منه وإجلالا له، وما رأيته يحدث عن رسول الله- ﷺ إلا على طهارة تعظيما لحديثه وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم ٣، ٤] ولقد اختلفت متردداً إليه زماناً فما كنت أراه إلّا على ثلاث خصال، إمّا مصليا، وإما صامتا، وإما يقرأ القرآن، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله تعالى. ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر الصديق يذكر النبي- ﷺ فينظر إلى لونه كأنه نزف- أي سال منه الدم- وقد جفّ لسانه في فمه هيبة لرسول الله- ﷺ ولقد كنت آتى عمار بن عبد الله بن الزبير بن العوام، فإذا ذكر عنده الرسول ﷺ بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع. ولقد رأيت محمد بن شهاب الزهري وكان من أهنأ الناس وأقررهم، فإذا ذكر عنده النبي- ﷺ فكأنه ما عرفك ولا عرفته. ولقد كنت آتي صفوان بن سليم- أي: بضم أوله وفتح ثانية- الزهري مولاهم وكان من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذكر النبي- ﷺ بكى حتى يقوم الناس عنه، ويتركوه رحمة به، وحذرا من رؤيته على تلك الحالة المحزنة. روي عن قتادة- رضي الله تعالى عنه- أنه كان إذا سمع حديثا لرسول الله- ﷺ أخذه العويل- أي: صوت الصدر بالبكاء، والزّويل أي القلق- والانزعاج بحيث لا يستقر بمكان. ولما كثر على مالك الناس، قيل له: لو جعلت مستمليا يسمعهم ما تمليه لكثرتهم وبعد بعضهم عنك فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات ٢] وكان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرئ حديثه- ﷺ أمر بالسكوت وقال: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات ٢] ويتأوّل أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند سماع قوله.

стр. 5232

الباب التاسع في سيرة السلف- رحمهم الله تعالى- في تعظيم رواة حديثه- ﷺ - وروى الدّارمي عن عمرو بن ميمون قال: كنت اختلف إلى ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- فما سمعته يقول: قال رسول الله- ﷺ ألا إنه حدّث يوما فجرى على لسانه قال: قال رسول الله- ﷺ : ثم علاه كرب فرأيت العرق ينحدر عن جبهته ثم قال هكذا إن شاء الله، أو فوق، أو قريب من ذا، أو ما دون ذا. وفي رواية: فتزبّد وجهه- بباء موحدة مشددة وبالزاي- أي تغير إلى الغبرة- بغين معجمة مضمومة ثم باء موحدة ساكنة فراء-: سواد مشرب ببياض. وفي رواية: وقد تغرغرت عيناه أو انتفخت أوداجه وقال إبراهيم بن عبد الله بن قريم وهو المقدام في المعرفة، المجرب في الأمور الأنصاري، قاضي المدينة: مر مالك بن أنس على أبي حازم- رضي الله تعالى عنهما-: وهو يحدث فحاذاه وقال: إني لم أجد موضعا أجلس فيه، فكرهت أن آخذ حديث رسول الله- ﷺ وأنا قائم. وقال مالك: جاء رجل إلى ابن المسيب- رضي الله تعالى عنه- فسأله عن حديث وهو مضطجع فجلس فحدّثه، فقال الرجل: وددت أنك لم تتعنّ فقال: إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله- ﷺ وأنا مضطجع. وروى ابن سيرين أنّه قد يكون يضحك، فإذا ذكر عنده حديث رسول الله- ﷺ خشع. وقال أبو مصعب: كان مالك بن أنس لا يحدث إلا وهو على وضوء إجلالا لحديثه- ﷺ . وحكى ذلك مالك عن جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنهم-. وقال مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت الزبيري: كان مالك إذا حدث توضأ وليس ثيابه، ثم يحدّث من أراد منه أن يحدثه. قال مصعب: فسئل عن ذلك، فقال: لأنه حديث رسول الله- ﷺ فلا أحدثه إلا على وضوء.

стр. 5233

قال مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار: كان الناس إذا أتى الناس مالكا خرجت إليهم الجارية فتقول لهم: يقول لكم سيدي تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا المسائل، خرج إليهم، وإن قالوا الحديث، دخل مغتسله فاغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا ولبس ساجة- بسين مهملة فألف فجيم فهاء- طيلسان أخضر. وقال الأزهري: وهو القور الذي ينسج مستديرا، وتعمّم ووضع على رأسه رداءه وتلقى له منصّة- بكسر الميم- أي شيئا مرتفعا يجلس عليه فيجلس عليها وعليه الخشوع، ولا يزال يبخّر بالعود حتى يفرغ من حديثه. قال غيره: ولم يكن يجلس عليها إلا إذا حدّث عنه- ﷺ . قال ابن أبي أويس إسماعيل ابن أخت مالك: فقيل لمالك في ذلك، فقال: أحب أن أعظّم حديثه- ﷺ ولا أحدّث به إلّا على طهارة متمكّنا، وكان يكره أن يحدث في الطريق أو وهو قائم أو مستعجل. وقال: أحبّ أن أفهم من أحدّثه حديثه- ﷺ . قال ضرار بن مرّة- أبو سنان الشّيباني الكوفي-: كانوا- أي: من لقيتهم من التابعين كعبد الله بن شداد وأبو الأحوص بن سعيد بن جبير- يكرهون أن يحدثوا عنه- ﷺ علي غير وضوء. وكان سليمان بن مهران الأعمش إذا حدّث- أي: أراد أن يحدث على غير وضوء تيمم. وكان قتادة بن دعامة لا يحدث إلا على طهارة، ولا يقرأ إلا على وضوء. قال عبد الله بن المبارك: كنت عند مالك وهو يحدثنا، فلدغته عقرب ست عشرة مرّة، ولونه يتغير ويصفرّ، ولا يقطع حديث رسول الله- ﷺ فلما فرغ من المجلس وتفرق عنه الناس قلت له: رأيت منك اليوم عجبا، قال: نعم، لدغتني عقرب ست عشرة مرة، [وأنا صابر في جميع ذلك] ، وإنما صبرت إجلالا لحديثه- ﷺ . قال ابن مهدي: مشيت يوما مع مالك إلى «العقيق» فسألته عن حديث فانتهرني، وقال لي: كنت في عيني أجل من أن تسألني عن حديث من حديثه- ﷺ ونحن نمشي، وسأله جرير بن عبد الحميد عن حديث وهو قائم، فأمر بحبسه، فقيل له: إنه قاض فقال: القاضي أحق بالأدب.

стр. 5234

وذكر أن هشام بن هشام بن الغازي قيل صوابه هشام بن عمار خطيب جامع دمشق. وأما ابن الغازي فتابعي لم يرو عن مالك، لموته قبل مالك سنة ست وخمسين ومائة سأل مالكا عن حديث من حديثه- ﷺ وهو واقف فضربه عشرين سوطا ثم أشفق عليه، فحدثه عشرين حديثا، فقال هشام: وددت لو زادني سياطا ويزيدني حديثا. وقال عبد الله بن صالح الجهني: كان مالك والليث لا يكتبان الحديث إلا وهما طاهران. وكان قتادة، يستحب أن لا يقرأ حديثا إلا على وضوء، ولا يحدث إلّا على طهارة. وكان الأعمش إذا أراد أن يحدث وهو على غير وضوء تيمم.

стр. 5235

الباب العاشر من بره وتوقيره- ﷺ برّ آله وذريته وزوجاته ومواليه قال تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب ٣٣] وقال تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى ٢٣] وقال تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب ٦] . روى مسلم عن زيد بن أرقم- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: أذكركم الله في أهل بيتي فقلنا لزيد: ومن أهل بيته؟ قال: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل عباس [ (١) ] . وروى الترمذي وحسنه عن زيد بن أرقم وجابر- رضي الله تعالى عنهما- أنه- ﵊ قال: «إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وأهل بيتي» . لن تضلوا: أي: إن ائتمرتم بأوامر كتاب الله وانتهيتم بنواهيه واهتديتم بهدي أهل البيت واقتديتم بسيرهم «فانظروا كيف تخلفوني فيهما» [ (٢) ] . وروى الترمذي عن عمر بن أبي سلمة، ربيب النبي- ﷺ وابن أخيه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة أمة أبي لهب لما نزلت إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب ٣٣] وذلك في بيت أم سلمة، دعا فاطمة وحسنا وحسينا فجلّلهم بكساء وعليّ خلف ظهره فجلله بكسائه ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا» [ (٣) ] . وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه- قال: دعا النبي- ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، قال: «اللهم هؤلاء أهلي» [ (٤) ] . وروى الشيخان عن المسور بن مخرمة أنه- ﵊ قال: «فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها أغضبني» [ (٥) ] .

стр. 5236

وقال ﷺ : «من كنت مولاه» أي: وليه وناصره «فعليّ مولاه» [ (١) ] . قال الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى-: «يعني به ولاء الإسلام» . وروى الإمام أحمد عن أبي أيوب الأنصاري أنه- ﵊ قال في علي- رضي الله تعالى عنه-: «اللهم وال من والاه» [ (٢) ] . وروى مسلم عنه أنه- ﵊ قال له: «لا يحبّك إلّا مؤمن، ولا يبغضك إلّا منافق» [ (٣) ] . وروى ابن ماجه والترمذي وصححه أنه- ﵊ قال للعباس- رضي الله تعالى عنه-: «والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ورسوله» ، «ومن آذى عمّي» يعني العباس «فقد آذاني، وإنّما عمّ الرجل صنو أبيه» . وروى البيهقي عن أبي أسيد الساعدي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ للعباس: «اغد عليّ يا عمّ مع ولدك من ذكور وإناث فجمعهم وجللهم بملاءته وقال: «اللهم هذا عمي صنوا أبي وهؤلاء أهل بيتي، فاسترهم من النار كستري إيّاهم بملاءتي هذه، فأمّنت أسكفّة الباب وحوائط البيت فقالت: آمين، آمين، آمين. وقال أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- «ارقبوا محمّدا» أي: احفظوه «في أهل بيته» . وروى البخاري عنه أنه قال: «والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله- ﷺ أحب إلي من أن أصل من قرابتي» . وروى الترمذي وحسنه وابن ماجة عن يعلى بن مرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا» ، وفي رواية: «حسنا» وقال- ﷺ : «من أحبني، وأحب هذين- وأشار إلى حسن وحسين- وأحبّ أباهما وأمهما، كان معي في درجتي يوم القيامة» . وروى البخاري عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ «لا تؤذوني في عائشة» .

стр. 5237

وروى البخاري عن عقبة بن الحارث قال: «رأيت أبا بكر، وحمل الحسن على عنقه وهو يقول: بأبي شيبه بالنّبيّ ... ليس شبيها بعليّ، وعلي يضحك» [ (١) ] . وروي عن عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- قال: «أتيت عمر بن عبد العزيز بن مروان في حاجة فقال: إذا كان لك حاجة فأرسل إلي، [أو أكتب] فإني أستحيي من الله تعالى أن أراك على بابي» . وروى الحاكم وصححه البيهقي في المدخل والطبراني عن الشعبي قال: أن زيد بن ثابت بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري كبّر على جنازة أمه أربعا ثم قربت له بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه فقال زيد: خل عنه يا ابن عم رسول الله، فقال: هكذا نفعل بالعلماء [الكبراء] ، فقبّل زيد يد ابن عباس، وقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله. ورأى ابن عمر محمد بن أسامة بن زيد بن حارثة فقال: ليت هذا عبدي. رواه البيهقي- بفتح العين المهملة وسكون الموحدة-. ورواه الحافظ- بكسر العين وسكون النون- فقيل له: هو محمد بن أسامة فطأطأ ابن عمر رأسه، ونفر بيده الأرض حياء من رسول الله- ﷺ وقال: لو رآه رسول الله- ﷺ لأحبه كحبّ أبيه أسامة. وحكى ابن عساكر في «تاريخ دمشق» عن الأوزاعي: أنه قال: دخلت بنت أسامة بن زيد صاحب رسول الله- ﷺ على عمر بن عبد العزيز حين ولايته على المدينة للوليد بن عبد الملك بن مروان أو في خلافته، ومعها مولى لها يمسك بيدها، فقام إليها عمر ومشى إليها حتى جعل يديها بين يديه، ويداه في ثيابه، ومشى بها حتى أجلسها على مجلسه [وجلس بين يديها] وما ترك لها حاجة إلّا قضاها. وروى الترمذي وحسنه لما فرض عمر- رضي الله تعالى عنه- لابنه عبد الله في ثلاثة آلاف ولأسامة في ثلاثة آلاف وخمس مائة، فقال عبد الله لأبيه: لم فضلت أسامة عليّ فو الله ما سبقني إلى مشهد، فقال له: لأن زيدا كان أحب إلى رسول الله- ﷺ من أبيك وأسامة أحب إليه منك، فآثرت حب رسول الله- ﷺ على حبي. وروى ابن مالك بن أنس لما ضربه جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس يقول بعضهم: إنه لا يرى الأيمان ببيعتكم شيئا، لأن يمين المكره لا تلزم، فغضب جعفر ودعاه وجرّده وضربه ونال منه ما نال، وحمل إلى بيته مغشيا عليه، دخل عليه الناس فأفاق فقال:

стр. 5238

أشهدكم على أني جعلت ضاربي في حلّ. فسئل بعد ذلك فقال: خفت أن أموت فألقى النبي- ﷺ فأستحي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي والله ما ارتفع منها سوط عن جسمي إلا جعلته في حلّ لقرابته لرسول الله- ﷺ وقال أبو بكر بن عياش- بمثناة تحتية وشين معجمة-، ابن سالم (المقري) [ (١) ] أحد الأعلام- الأسدي: لو أتاني أبو بكر وعمر وعلي لبدأت بحاجة عليٍّ قبلهما، لقرابته من رسول الله- ﷺ ولأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقدّمه عليهما، ولولا قرباه من رسول الله- ﷺ لما قدمته عليهما، لأفضليتهما عليه. وروى أبو داود والترمذي وحسنه أنه قيل لابن عباس: ماتت فلانة لبعض أزواج النبي- ﷺ فسجد فقيل له: أتسجد في هذه الساعة؟ فقال: أليس قال رسول الله- ﷺ إذا رأيتم آية فاسجدوا، وأي آية أعظم من ذهاب أزواج رسول الله- ﷺ لفوات بركتهن، لأنهن كما قال الله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب ٣٢] وقد اتقين الله تعالى. وروى مسلم أن أبا بكر وعمر كانا يزوران أمّ أيمن مولاته- ﷺ تبرّكا بها وتأسّيا به- ﷺ ويقولان: أنه- ﵊ كان يزورها. وروى ابن سعد عن عمر بن سعد بن أبي وقاص مرسلا لما وردت حليمة السّعديّة- وفي سيرة «الدمياطي» : ابنتها الشيماء- على رسول الله- ﷺ فبسط لها رداءه، وقضى حاجتها، فلما توفي رسول الله- ﷺ وفدت على أبي بكر وعمر- رضي الله تعالى عنهما- فصنعا بها مثل ذلك.

стр. 5239

الباب الحادي عشر من بره وتوقيره ﷺ توقير أصحابه وبرّهم ومعرفة حقوقهم وحسن الثناء عليهم والاستغفار لهم والإمساك عما شجر بينهم قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ [الفتح ٢٩] وقوله فَاسْتَغْلَظَ [الفتح ٢٩] أي: صار بعد قوته غليظا فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ [الفتح ٢٩] أي: قام على قضيبه يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الفتح ٢٩] وقال : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة ١٠٠] وقال عزّ من قائل: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح ١٨] وقال تعالى: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب ٢٣] . وروي أنه ﵊ قال: الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا- بغين وضاد معجمتين بينهما مفتوحات- بعدي فمن أحبّهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن أذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، فيوشك أن يأخذه. وروى الشيخان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «قال رسول الله- ﷺ : آية الإيمان حبّ الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار» [ (١) ] . وروى الطبراني والحارث بن أبي أسامة عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» [ (٢) ] . وروى الطبراني وابن ماجة عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- قال: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» [ (٢) ] . وروى البزار وأبو يعلى عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «أصحابي» وزاد البغوي في «المصابيح» و «شرح السنة» «مثل أصحابي في أمّتي كمثل الملح

стр. 5240

في الطّعام لا يصلح الطعام إلا به» [ (١) ] . وروى مسلم عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ «لا تسبّوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» [ (٢) ] لغة في النّصف. وروى الديلمي عن عويم بن ساعدة، وأبو نعيم في «الحلية» ، عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أنه- ﵊ قال: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منهم صرفا» - أي توبة- أو نافلة- «ولا عدلا» أي: فدية أو فريضة [ (٣) ] . وروى الديلمي والبزار عنه أنه- ﷺ قال: «إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعليا، فجعلهم خير أصحابي، وفي أصحابي كلهم خير» [ (٤) ] . وروى الطبراني في «الأوسط» بسند صحيح حسن، عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال- رسول الله- ﷺ : «من أحبّ عمر فقد أحبني، ومن أبغض عمر فقد أبغضني» [ (٥) ] . وروى الطبراني وابن منده عن خالد بن عمرو عن سهل بن يوسف بن سهل ابن أخي كعب بن مالك عن أبيه عن جده قال ابن مندة: غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه أنه- ﵊ لما قدم المدينة من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس إنّي راض عن أبي بكر لم يسؤني قط فاعرفوا ذلك له [وقال] : يا أيها الناس إنّي راض عن عمر وعن عثمان وعن علي وعن طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين والأنصار فاعرفوا لهم ذلك، أيها الناس إن الله غفر لأهل بدر والحديبية وقال: أيّها النّاس احفظوني في أصحابي وفي أصهاري وأختاني لا يطلبنكم أحد منهم بمظلمة، فإنها مظلمة لا توهب في القيامة غدا» . وروى الترمذي وضعفه عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: أتى النبي- ﷺ بجنازة رجل يصلي عليه فلم يصل عليه فقيل: يا رسول الله ما رأيناك تركت الصلاة على أحد قبل هذا

стр. 5241

قال: إنه كان يبغض عثمان فأبغضه الله. وروى الشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه- ﵊ قال في الأنصار «اعفوا من مسيئهم، واقبلوا من محسنهم» وللبخاري «أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين والأنصار أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم» . وروى أبو نعيم والدّيلمي عن عياض الأنصاري، وابن منيع عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أنه- ﵊ قال: «احفظوني في أصحابي وأصحاري، فإنّه من حفظني فيهم حفظه الله في الدنيا والآخرة، ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله عنه، - أي: أعرض عنه- (وترك في غيّه) يتردد ومن تخلى الله عنه يوشك أن يأخذه» . وروى سعيد بن منصور عن عطاء بن أبي رباح مرسلا، أنه- ﵊ قال: «من حفظني فيهم كنت له حافظا يوم القيامة [وقال: ومن حفظني في أصحابي ورد علي الحوض] ومن لم يحفظني فيهم لم يرد علي الحوض، ولم يرني يوم القيامة إلا من بعيد» . وقال رجل للمعافى بن عمران: أين عمر بن عبد العزيز من معاوية فغضب وقال: لا يقاس على أصحاب رسول الله- ﷺ أحد، أي: لحديث الشيخين «خير أمّتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله تعالى. قال مالك- رحمه الله تعالى- وغيره: من أبغض الصحابة وسبّهم فليس له في المسلمين شيء، ونزع من الإيمان بقوله تعالى وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا. رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحشر ١٠] . وقال: من غاظ أصحاب محمد فهو كافر، قال الله تعالى: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ. وقال عبد الله بن المبارك: خصلتان من كانتا فيه نجا، [الصدق وحب أصحاب محمّد] وقال أيّوب السّختياني: من أحبّ أبا بكر فقد أقام الدين، ومن أحبّ عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحبّ عثمان فقد استضاء بنور الله، ومن أحب عليا فقد أخذ بالعروة الوثقى ومن أحسن الثناء على أصحاب محمد فقد برئ من النفاق، ومن انتقص أحدا منهم فهو مبتدع مخالف للسّنة والسلف الصالح، وأخاف أن لا يصعد له عمل إلى السماء حتى يحبهم جميعا ويكون قلبه سليما.

стр. 5242

الباب الثاني عشر من إعظامه وإجلاله ﷺ إعظام جميع أصحابه وأشباهه وهي ما وصل به- ﷺ بالزواج لقوله- ﵊: «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلّا نسبي وصهري» ومعاهده وإكرام مشاهده وأمكنته وما لمسه وما عرف به- ﷺ . وروى ابن عساكر أنه بلغ معاوية بن أبي سفيان أن حابس بن ربيعة بن مالك الشامي من بني سامة بن لؤي بصري يشبه رسول الله- ﷺ فتوجه إليه معاوية فلما دخل عليه قام فتلقاه، وقبّله بين عينيه وأقطعه المرغاب بميم مكسورة وإسكانه فمعجمة لشبهه برسول الله- ﷺ . وروى عن صفيّة بنت نجدة، قالت: كان لأبي محذورة «قصّة» بقاف مضمومة فمهملة مشددة- ما أقبل على الجبهة من شعر الرأس. قال ابن دريد: هي كل خصلة من شعر الرأس وقال الجوهري: هي شعر الناصية في مقدم رأسه إذا قعد وأرسلها أصابت الأرض، فقيل له: ألا تحلقها فقال: لم أكن بالذي أحلقها وقد مسّها رسول الله- ﷺ بيده. وروى أبو يعلى أنه كان في قلنسوة خالد بن الوليد- بفتح القاف واللام وسكون النون وضم السين المهملة- وهي ما تسمى الآن تبعا- شعرات من شعر رسول الله- ﷺ فسقطت قلنسوته في بعض حروبه فشدّ عليها- أي على القلنسوة- شدة أنكر عليه أصحاب رسول الله- ﷺ كثرة من قتل فيها، فقال: لم أفعلها بسبب القلنسوة، بل لم تضمّنته من شعر رسول الله- ﷺ لئلا أسلب بركتها، وتقع في أيدي المشركين. وروى ابن سعد عن إبراهيم أن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: رئي ابن عمر واضعا يده على مقعد رسول الله- ﷺ من المنبر ثم وضعها على وجهه. ولهذا كان مالك ﵀ لا يركب بالمدينة دابّة وكان يقول: استحي من الله تعالى أن أطأ تربة وطأ فيها رسول الله- ﷺ بحافر دابة. وروي أنه وهب للشافعي كراعا- بكاف مضمومة فراء مخففة، أي: خيلا- كثيرا كان عنده فقال له الشافعي: أمسك منها دابة، فأجابه بمثل هذا الجواب. وحكى الإمام الجليل أبو عبد الرحمن السّلمي عن أحمد بن فضلويه الزّاهد وكان من الغزاة الرّماة أنه قال: ما مسست- بكسر المهملة وقد تفتح- القوس بيدي إلّا على طهارة منذ بلغني أن النّبيّ- ﷺ أخذ القوس بيده.

стр. 5243

وقد أفتى مالك- رحمه الله تعالى- فيمن قال: تربة المدينة رديئة- بالهمزة، وقد لا تهمز تخفيفا- بضربه ثلاثين درّة، وأمر بحبسه وكان المضروب له قدر فقال الإمام: ما أحوجه إلى ضرب عنقه تربة دفن فيها رسول الله- ﷺ يزعم أنها غير طيبة. وفي الصحيحين عن علي وأنس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال في المدينة: «من أحدث فيها حدثا أي: منكرا مبتدعا غير مرضي ولا معروف، أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» . وروى مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه ﵊ قال: «من حلف على منبري كاذبا فليتبوأ مقعده من النّار» . وحكي أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة [زائرا وقرب من بيوتها] ترجّل ومشى باكيا منشدا: ولمّا رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرّسوم ولا لبّا نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلمّ به ركبا [ (١) ] وأنشأ يقول: رفع الحجاب لنا فلاح لناظر ... قمر تقطّع دونه الأوهام وإذا المطيّ بنا بلغن محمّدا ... فظهورهنّ على الرّجال حرام قرّبننا من خير من وطئ الثّرى ... ولها علينا حرمة وذمام [ (٢) ] وحكي أن بعض المشايخ حج ماشيا فقيل له في ذلك فقال: العبد الآبق لا يأتي إلى بيت مولاه راكبا لو قدرت أن أمشي على رأسي ما مشيت على قدمي. قال القاضي- رحمه الله تعالى-: وجدير- أي حقيق- لمواطن عمّرت بالوحي والتنزيل وتردد بها جبريل وميكائيل وعرجت منها الملائكة والروح، وضجت- أي صوتت- عرصاتها [ (٣) ]- جمع عرصة ما وسع من المكان- بالتقديس والتسبيح، واشتملت تربتها على سيد البشر، وانتشر عنها من كتاب الله تعالى ودينه وسنّة رسوله ما انتشر مدارس آيات، ومساجد، وصلوات، ومشاهد الفضائل والخيرات، ومعاهد البراهين من الآيات والمعجزات،

стр. 5244

ومناسك الدين ومشاعر المسلمين، ومواقف سيد المرسلين، ومتبوأ خاتم النبيين، حيث انفجرت النبوّة وأين فاض عبابها ومواطن مهبط الرسالة، وأول موطن مس جلد المصطفى ترابها أن تعظم عرصاتها وتتنسم نفحاتها، وتقبل ربوعها وجدرانها: يا دار خير المرسلين ومن به ... هدي الأنام وخصّ بالآيات عندي لأجلك لوعة وصبابة ... وتشوّق متوقّد الجمرات وعليّ عهد إن ملأت محاجري ... من تلكم الجدران والعرصات لأعفّرنّ مصون شيبي بينها ... من كثرة التّقبيل والرّشفات لولا العوادي والأعادي زرتها ... أبدا ولو سحبا على الوجنات لكن سأهدي من حفيل تحيّتي ... لقطين تلك الدّار والحجرات أزكى من المسك المفتّق نفحة ... تغشاه بالآصال والبكرات [ (١) ] وتخصّه بزواكي الصّلوات ... ونوامي التّسليم والبركات

стр. 5245

جماع أبواب الكلام على النبي والرسول والملك وعصمتهم وبما يعرف به كون النبي نبياً- ﷺ - الباب الأول في الكلام على النبي والرسول غير ما تقدم [ ....] الباب الثاني فيما يعرف به كون النبي نبيا وهو تثبيته بالعصمة وتأييده بالحكمة الآتي بها الملك من الله تعالى إلى أحد أنبيائه- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- بحيث لا يشك بأنه من رسل الله تعالى إليه بالوحي، لعدم صحة تصور السلطان من صورة الملك بعلم ضروري يخلقه الله تعالى فيه، أو بدليل قاطع مظهر لديه لتتم كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته. الباب الثالث في عصمته- ﷺ قبل النبوة وبعدها كغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قال القاضي- رحمه الله تعالى-: الصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله تعالى وصفاته والتشكك في شيء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا ونشأتهم على التوحيد والإيمان، بل على إشراق أنوار المعارف ونفحات ألطاف السعادة كما نبهنا عليه في الباب الثاني من القسم الأول. قلت: وقد أوردت في باب [....] ما فيه كفاية. ولم ينقل عن أحد من أهل الأخبار أن أحدا نبّئ واصطفي ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك، ومستند هذا الباب النقل، وقد استدلّ بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله. قال القاضي: وأنا أقول: قد رمت قريش نبينا- ﷺ بكل ما افترته وعيّر

стр. 5246

كفّار الأمم وأنبيائها بكل ما أمكنها، واختلقته مما نصّ الله تعالى عليه أو نقلته إلينا الرواة، ولم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهته وتقريعه بذمّه بترك ما كان قد جامعهم عليه. ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين، وبتلوّنه في معبوده محتجبين، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل، ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه، إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه، كما لم يسكتوا عن تحويل القبلة، وقالوا: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [البقرة ١٤٢] كما حكاه الله تعالى عنهم، وقد استدل القاضي القشيري على تنزيههم عن هذا بقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب ٧] وبقوله وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ إلى قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران ٨١] قال: فطهّره الله تعالى في الميثاق وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه، ثم أخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور، ويجوز عليه الشرك أو غيره من الذنوب هذا ما لا يجوّزه إلا ملحد. هذا معنى كلامه. وكيف يكون ذلك وقد أتاه جبرائيل- ﵇ وشق قلبه صغيرا واستخرج منه علقة، وقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله وملأه حكمة وإيمانا [كما تظاهر أخبار المبدأ] وكيف يكون نبيا وآدم بين الروح والجسد، ثم يجوز عليه شيء من النقائص التي نزه الله تعالى عنها أنبياءه، وهذا ما لا يقوله إلا جاهل أو معاند. فصل قال القاضي: واختلف في عصمتهم من المعاصي قبل النبوة، فمنعها قوم، وجوّزها قوم آخرون. والصحيح إن شاء الله تعالى تنزيههم من كلّ عيبٍ، وعصمتهم من كل ما يوجب الرّيب، فكيف والمسألة تصوّرها كالممتنع، فإن المعاصي والنواهي إنما تكون بعد تقرّر الشّرع، ثم ذكر اختلاف الناس في حال النبي- ﷺ قبل أن يوحى إليه هل كان متبعا لشرع قبله أم لا؟ وقد تقدم الكلام على ذلك مبسوطا في أبواب عبادته- ﷺ . ثم قال: هذا حكم ما يكون المخالفة فيه من الأعمال عن قصد، وهو ما يسمى معصية، ويدخل تحت التكليف، ثم ذكر الكلام على عصمتهم من السّهو والنّسيان.

стр. 5247

تنبيهات الأول: قال ابن سيده عصمه يعصمه عصما وقاه، وفي التنزيل لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [هود ٤٣] أي: لا معصوم إلا المرحوم انتهى. والمراد بالعصمة هنا: منع الأنبياء من المعاصي. الثاني: قال القاضي: ولا يشبّه عليك بقول إبراهيم- ﵊ في الكوكب والقمر والشمس هذا رَبِّي فإنه قد قيل: هذا في سن الطفولية وابتداء النظر والاستدلال [وقبل لزوم التكليف] . قلت: قال أبو محمد بن حزم: هذا القول خرافة موضوعة ظاهرة الافتعال، ومن المحال الممتنع، وقد أكذب الله تعالى هذا بقوله الصادق وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ [الأنبياء ٥١] فكيف يدخل في عقله أن الكوكب والشمس والقمر ربه من أجل أنها أكبر قرصا من القمر، هذا ما لا يظنه إلا سخيف العقل [....] . الثالث: قال القاضي: فإن قلت ما معنى قوله لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الأنعام ٧٧] قيل: إنّه إن لم يؤيدني الله بمعونته أكن مثلكم في ضلالتكم وعبادتكم على معنى الإشفاق والحذر وإلا فهو معصوم في الأزل من الضّلال. الرابع: قال القاضي: فإن قلت: ما معنى قوله تعالى وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [إبراهيم ١٣] ثم قال تعالى بعد ذلك عن الرسل قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها [الأعراف ٨٩] فلا يشكل عليك لفظة العود وأنها تقتضي أنهم إنما يعودون إلى ما كانوا فيه من ملتهم، فقد تأتي هذه اللفظة في كلام العرب لغير ما ليس ابتداء بمعنى الصيرورة، كما جاء في حديث الجهنّميين عادوا حمما ولم يكونوا قبل كذلك. ومثله قول الشاعر: تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا [ (١) ] وما كان قبل ذلك. وقال أبو حيّان: [....] . الخامس: الحديث الذي يرويه عثمان بن أبي شيبة، عن جابر ﵁ أنّ

стр. 5248

النبي- ﷺ قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم فسمع ملكين خلفه، أحدهما يقول لصاحبه: اذهب حتى تقوم خلفه فقال الآخر: كيف أقوم خلفه وعهده باستلام الأصنام؟ فلم يشهدهم بعد. [فهذا حديث] أنكره الإمام أحمد جدّا، وقال: هو موضوع أو شبيه بالموضوع. وأما عصمتهم بعد النبوة، فقد قال القاضي: اعلم أنّ الطوارئ من التغيرات والآفات على آحاد البشر لا يخلو أن تطرأ على جسمه أو حواسه بغير قصد واختيار، كالأمراض والأسقام، أو بقصد واختيار، وكله في الحقيقة عمل وفعل، ولكن جرى رسم المشايخ بتفصيله إلى ثلاثة أنواع: [عمل بالجوارح، وعقد بالقلب، وقول باللسان] . الأول: عمل بالجوارح وجميع البشر تطرأ عليهم الآفات والتغيرات بالاختيار وبغير الاختيار في هذه الوجوه كلّها. والنبي- ﷺ وأن كان من البشر، ويجوز على جبلّته ما يجوز على جبلة البشر. فقد قال: قامت البراهين القاطعة، وتمت كلمة الإجماع على خروجه عنهم وتنزيهه عن كثير من الآفات التي تقع على الاختيار وعلى غير الاختيار، كما سنبينه- إن شاء الله تعالى- فيما يأتي من التفاصيل. والكلام على ذلك يتضمن ثلاثة فصول: الفصل الأول في حكم عقد قلب النبي- ﷺ [من وقت نبوته] قال القاضي: اعلم أنّ ما تعلّق منه بطريق التوحيد والعلم بالله وصفاته، والإيمان به، وبما أوحى إليه، فعلى غاية المعرفة، ووضوح العلم واليقين والانتفاء عن الجهل بشيء من ذلك، أو الشك، أو الرّيب فيه، والعصمة من كل ما يضادّ المعرفة بذلك اليقين. هذا ما وقع إجماع المسلمين عليه، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه، ولا يعترض على هذا بقول إبراهيم ﵇ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. قال القاضي: وذهب معظم الحذاق من العلماء المفسرين إلى أنه إنما قال وذلك تبكيتا لقومه، ومستدلا عليهم. قيل: معناه الاستفهام الوارد مورد الإنكار، والمراد: فهذا ربي. قال الزجاج: قوله هذا رَبِّي [الأنعام ٧٦] على قولكم: كما قال تعالى أَيْنَ شُرَكائِيَ [النحل ٢٧] أي: عندكم ويدل على أنه لم يعبد شيئا من ذلك ولا أشرك قطّ بالله

стр. 5249

طرفة عين، قول الله تعالى عنه إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ [الصافات ٨٥] ثم قال: أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [الشعراء ٧٥، ٧٦، ٧٧] وقال تعالى جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات ٨٤] أي: من الشرك وقوله: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [إبراهيم ٣٥] . قال أبو محمد بن حزم: الصحيح من ذلك أنه- ﵊ إنما قال ذلك توبيخا لقومه كما قال ذلك لهم في الكبير من الأصنام ولا فرق أنّهم كانوا على دين الصابئين] [ (١) ] يعبدون الكواكب ويصورون الأوثان على صورها وأسمائها في هياكلهم ويعيّدون لها الأعياد ويذبحون لها الذبائح ويقربون لها القرابين، ويقولون: إنها تقبل وتدبر، وتضر وتنفع، ويقيمون لكل كوكب منها شريعة محدودة، فوبخهم الخليل- ﷺ علي ذلك، وسخر منهم وجعل يريهم تعظيم الشمس، لكبر جرمها كما قال تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين ٣٤] فأراهم ضعف عقولهم في تعظيمهم لهذه الأجرام الجمادية، وبين لهم أنها مدبرة تنتقل في الأماكن، ومعاذ الله أن يكون الخليل أشرك قطّ أو شك أن الفلك بما فيه غير مخلوق، ويؤيد قولنا هذا أن الله تعالى لم يعاتبه على شيء ركونا ولا عنفه على ذلك، بل وافق مراد الله تعالى بما قال من ذلك وبما فعل، قاله الطوفي [ (٢) ] .

стр. 5250

الباب الرابع في فوائد كالمقدمة للأبواب الآتية [....] . الباب الخامس في عصمته ﷺ من الشيطان أجمعت الأمّة على عصمته- ﵊ من الشيطان. روى البخاري عن عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ «ما منكم من أحد إلّا وكّل الله به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا: وإياك يا رسول الله قال: وإيّاي ألا إن الله أعانني عليه فأسلم» . وفي رواية: «فلا يأمرني إلا بخير» [ (١) ] . وروى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أنه- ﵊ قال: إن الشيطان عرض لي. زاد عبد الرزاق «في صورة هرّ فشدّ عليّ، يقطع الصلاة عليّ، فأمكنني الله منه فذعتّه ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية» . وفي رواية: «بسارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه فذكرت قول أخي سليمان: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فرده الله خاسئا» . وروى مسلم عن أبي الدرداء- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ «أن عدوّ الله إبليس جاءني بشهاب من نار ليجعله في وجهي والنبي- ﷺ في الصلاة، وذكر تعوّذه بالله منه ولعنه له ثم أردت أن آخذه» وذكر نحوه وقال: «لأصبح موثقا يتلاعب به ولدان أهل المدينة» انتهى. وروى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت حين لدّ من مرضه- ﷺ وقيل له: خشينا أن يكون بك ذات الجنب فقال: إنّها من الشّيطان ولم يكن الله ليسلّطه عليّ.

стр. 5251

تنبيهات الأوّل: لا يرد على عصمته قوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف ٢٠٠] قال القاضي: قيل: إنها راجعة لقوله: خُذِ الْعَفْوَ [الأعراف ١٩٩] أي: ما سهل من أخلاق الناس وأفعالهم، وما يسهل فيكم فلاطفه ولا تطلب الجهد، وما يشق عليهم حذرا من أن ينفروا عنك. وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي المعروف والجميل من الأفعال. وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ولا تجادل السفهاء بمثل سفههم، ولا تمارهم، واحلم عنهم، فهذه الآية أجمع لمكارم الأخلاق، وقد سئل جبريل- ﵊ عنها فقال: «لا أدري حتى أسأل ربّي، ثم رجع فقال: يا محمد إن الله أمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ثم قال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ [الأعراف ٢٠٠] أي: يحملك على خلاف ما أمرت به. وقيل: النزغ الفساد وقيل: أدنى الوسوسة، فأمره الله تعالى، متى تحرّك عليه غضب على عدوّه أو رامُ الشيطان من إغرائه به أن يستعيذ بالله منه، فيكفيه أمره ويكون سبب تمام [عصمته] ، إذ لم يسلّط عليه بأكثر من التعرّض له، ولم يجعل له قدرة عليه، فيرجع خائبا خاسرا زائدا في نكاله انتهى. الثاني: لا يرد أيضا على عصمته من قوله- ﵊ حين نام عن الصلاة في الوادي «إن هذا واد به شيطان» ، كما رواه مالك والبيهقي عن زيد بن أسلم أن الشيطان أتى بلالا فلم يزل يهدّئه كما يهدّأ الصبي حتى نام» . [وتسلط الشيطان في ذلك الوادي الذي عرّس به] إنما كان على بلال الموكل بصلاة الفجر فلا اعتراض من هذا الباب [لبيانه وارتفاع اشكاله] ولم يقدر عدو الله على أذاه- ﷺ بسبب التسلط إلى غيره- ﷺ وقد كفاه الله تعالى أمره وعصمه. الثالث: في بيان غريب ما سبق. قوله: فأسلم. روي فأسلم- بفتح الميم- أي آمن. وروي: فأسلم [بضم الميم، أي فأسلم أنا منه] .

стр. 5252

الباب السادس في حكم عقد قلب النبي- ﷺ من وقت نبوته كغيره من الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام - «مكث بمكة خمس عشرة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئا، وثمان سنين يوحى إليه، وهذا على أنه عاش خمسا وستين سنة، والصحيح أنه عاش ثلاثا وستين سنة. وروى البيهقي عن عمرو بن شراحبيل أنه- ﵊ قال لخديجة: «إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء [وقد خشيت- والله- أن يكون هذا الأمر] » . تنبيهات الأول: قال القاضي: هذا ما وقع إجماع المسلمين عليه، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه، ولا يعترض على هذا بقول إبراهيم- ﵊ وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة ٢٦٠] وقول نبينا- ﷺ «نحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم» ﷺ - ليس اعترافا منه بالشك لهما- ﷺ بل هو نفي له لأن يكون إبراهيم شكّ وإبعاد للخواطر الضعيفة أن تظنّ هذا بإبراهيم، أي: نحن موقنون بالبعث وإحياء الله الموتى، فلو شك إبراهيم لكنّا أولى بالشكّ منه. الثاني: فإن قلت فما معنى قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [يونس ٩٤] الآية قال القاضي: واختلفوا في معنى الآية، فقيل: المراد قل: يا محمد للشاكّ. قالوا: وفي السورة نفسها ما دلّ على هذا التأويل، وهو قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي [يونس ١٠٤] الآية. وقيل: الخطاب للعرب وغير ذلك، والمراد غير النبي- ﷺ قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر ٦٥] الخطاب له والمراد غيره. ومثله فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ [هود ١٠٩] أي: لا يشك في أن عبادتهم عند الله ضلال، ونظيره كثير قال بكر بن العلاء: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ [يونس ٩٥] وهو- ﷺ كان المكذّب- بفتح الذال- فيما يدعو إليه، فكيف يكون هو المكذّب- بكسرها- أي: فكيف يكذب نفسه المذكور. وقيل: مثل هذه الآية قوله تعالى الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً [الفرقان ٥٩] الخبير المسؤول، لا المستخبر السائل. الثالث: فإن قيل: فما معنى ما رواه مسلم عن الأغر المزني أنه- ﵊-

стр. 5253

قال: «إنّه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرّة» . وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه-: فأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرّة. قال القاضي: فاحذر أن يكون هذا الغين وسوسة أو ريبا وقع في قلبه- ﷺ أي: لنزاهته عن قبول الوسوسة: لأن قابلها وهي العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان من ابن آدم استخرجها جبريل من قلبه حين شق صدره الشريف، بل المراد أصل الغين ما يتغشى القلب ويغطّيه، قاله أبو عبيد. وقال غيره: الغين شيء يغشّي القلب ولا يغطيه كلّ التّغطية. «كالشفاف» و «الغيم» الرقيق الذي لا يمنع ضوء الشمس، فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه، وفترات نفسه، وسهوها عن مداومة الذّكر، ومشاهدة الحق بما كان- ﷺ دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة، ومعاناة الأهل، ومقاومة الوليّ والعدو، ومصلحة النفس وكلفة من أعباء- أي: ثقل- أداء الرسالة وحمل الأمانة، وهو في كل هذا في طاعة ربه وعبادة خالقه، ولكن لمّا كان النبي- ﷺ عند الله أرفع الخلق مكانة وأعلاهم درجة وأتمّهم به معرفة، وكانت حاله عند خلوص قلبه، وخلوّ همته وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه، ومقامه هنالك أرفع لديه رأى- ﷺ حال فترته عنها، وشغله بسواها غضّا من علي حاله، وخفضا من رفيع مقامه، فاستغفر من ذلك. واحذر أن تفهم من الحديث أنه يغان على قلبه- ﷺ مائة مرّة، وإنما هو عدد للاستغفار، وقد يكون الغين هنا هو السكينة التي تتغشاه لقوله تعالى فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التوبة ٤٠] ويكون استغفاره ﷺ عندها، إظهارا للعبودية والاستغفار وقال ابن عطاء: استغفاره وفعله هذا تعريف للأمّة بحملهم على الاستغفار. ويحتمل أن هذه الإغانة حالة خشية وإعظام تغشى قلبه فيطمئن لها، فيستغفر حينئذ شكراً لله تعالى وملازمة لعبوديته كما قال- ﷺ [في ملازمة العبادة] «أفلا أكون عبدا شكورا » .

стр. 5254

الباب السابع في عصمته ﷺ في أقواله البلاغية [قال القاضي عياض] أما أقواله ﷺ فقامت الدلائل الواضحة بصحّة المعجزة على صدقه، وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدا وعمدا، ولا سهوا وغلطا. أما تعمّد الخلف في ذلك فمنتف، بدليل المعجزة القائمة مقام قول الله فيما قال اتفاقا، وبإطباق أهل الملّة إجماعا. وأما وقوعه على جهة الغلط في ذلك فبهذه السبيل عند الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني ومن قال بقوله، ومن جهة الإجماع فقط، وورود الشّرع بانتفاء ذلك، وعصمة النبي ﷺ لا من مقتضى المعجزة نفسها عند القاضي أبي بكر الباقلّاني ومن وافقه لاختلاف بينهم في مقتضى دليل المعجزة لا نطوّل بذكره، فنخرج عن غرض الكتاب، فلنعتمد على ما وقع عليه إجماع المسلمين- إنه لا يجوز عليه خلف في القول في إبلاغ الشريعة، والإعلام بما أخبر به عن ربّه، وما أوحاه إليه من وحيه، لا على وجه العمد، ولا على غير عمد، ولا في حالي الرّضا والسخط، والصحة والمرض. وفي حديث عبد الله بن عمرو: قلت يا رسول الله: أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال: نعم. قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم، فإنّي لا أقول في ذلك كله إلا حقّا. إذا قامت المعجزة على صدقه، وأنه لا يقول إلا حقّا، ولا يبلّغ عن الله إلّا صدقا، وأنّ المعجزة قائمة مقام قول الله له: صدقت فيما تذكره عني، وهو يقول: أني رسول الله إليكم لأبلّغكم ما أرسلت به إليكم، وأبيّن لكم ما نزّل عليكم، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم ٣، ٤] . وقَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء ١٧٠] . وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر ٧] ، فلا يصحّ أن يوجد منه في هذا الباب خبر بخلاف مخبره على أيّ وجه كان. ولو جوّزنا عليه الغلط والسّهو لما تميّز لنا من غيره، ولاختلط الحقّ بالباطل، فالمعجزة مشتملة على تصديقه جملة واحدة من غير خصوص، فتنزيه النبي عن ذلك كله واجب برهانا وإجماعا كما قاله أبو إسحاق.

стр. 5255

الباب الثامن في عصمته ﷺ في جوارحه قال القاضي عياض: وأما ما يتعلق بالجوارح من الأعمال، ولا يخرج من جملتها القول باللسان فيما عدا الخبر الذي وقع فيه الكلام والاعتقاد بالقلب فيما عدا التوحيد، وما قدمناه من معارفه المختصة به- فأجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات. ومستند الجمهور في ذلك الإجماع الذي ذكرناه. وهو مذهب القاضي أبي بكر، ومنعها غيره بدليل العقل مع الإجماع، وهو قول الكافّة. واختاره الأستاذ أبو إسحاق. وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من كتمان الرّسالة والتقصير في التبليغ، لأنّ كلّ ذلك تقتضي العصمة منه المعجزة، مع الإجماع على ذلك من الكافة. [والجمهور قائلون بأنهم معصومون من ذلك من قبل الله، معتصمون باختيارهم وكسبهم، إلا حسينا النجار، فإنه قال: لا قدرة لهم على المعاصي أصلا. وأمّا الصغائر فجوّزها جماعة من السلف وغيرهم على الأنبياء، وهو مذهب أبي جعفر الطبري وغيره من الفقهاء والمحدّثين والمتكلمين. وذهبت طائفة أخرى إلى الوقف، وقالوا: العقل لا يحيل وقوعها منهم، ولم يأت في الشّرع قاطع بأحد الوجهين. وذهبت طائفة أخرى من المحقّقين والمتكلّمين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر، قالوا: لاختلاف الناس في الصغائر وتعيينها من الكبائر وإشكال ذلك، وقول ابن عباس وغيره: أن كل ما عصي الله به فهو كبيرة، وإنه إنما سمّي منها الصغير بالإضافة إلى ما هو أكبر منه، ومخالفة الباري في أيّ أمر كان يجب كونه كبيرة. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال: إن في معاصي الله صغيرة إلا على معنى أنها تغتفر باجتناب الكبائر، ولا يكون لها حكم مع ذلك، بخلاف الكبائر إذا لم يتب منها فلا يحبطها شيء. والمشيئة في العفو عنها إلى الله تعالى، وهو قول القاضي أبي بكر وجماعة أئمة الأشعرية وكثير من أئمة الفقهاء. قال القاضي ﵀ وقال بعض أئمتنا: ولا يجب على القولين أن يختلف أنهم معصومون عن تكرار الصغائر وكثرتها، إذ يلحقها ذلك بالكبائر، ولا في صغيرة أدّت إلى إزالة الحشمة، وأسقطت المروءة، وأوجبت الإزراء والخساسة، فهذا أيضا ممّا يعصم عنه الأنبياء
следующие страницы →