تنبيهات
الأوّل: لا يرد على عصمته قوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف ٢٠٠] قال القاضي: قيل: إنها راجعة لقوله: خُذِ الْعَفْوَ [الأعراف ١٩٩] أي: ما سهل من أخلاق الناس وأفعالهم، وما يسهل فيكم فلاطفه ولا تطلب الجهد، وما يشق عليهم حذرا من أن ينفروا عنك.
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي المعروف والجميل من الأفعال.
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ولا تجادل السفهاء بمثل سفههم، ولا تمارهم، واحلم عنهم، فهذه الآية أجمع لمكارم الأخلاق، وقد سئل جبريل- ﵊ عنها فقال:
«لا أدري حتى أسأل ربّي، ثم رجع فقال: يا محمد إن الله أمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ثم قال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ [الأعراف ٢٠٠] أي: يحملك على خلاف ما أمرت به.
وقيل: النزغ الفساد وقيل: أدنى الوسوسة، فأمره الله تعالى، متى تحرّك عليه غضب على عدوّه أو رامُ الشيطان من إغرائه به أن يستعيذ بالله منه، فيكفيه أمره ويكون سبب تمام [عصمته] ، إذ لم يسلّط عليه بأكثر من التعرّض له، ولم يجعل له قدرة عليه، فيرجع خائبا خاسرا زائدا في نكاله انتهى.
الثاني: لا يرد أيضا على عصمته
من قوله- ﵊ حين نام عن الصلاة في الوادي «إن هذا واد به شيطان» ، كما رواه مالك والبيهقي عن زيد بن أسلم
أن الشيطان أتى بلالا فلم يزل يهدّئه كما يهدّأ الصبي حتى نام» .
[وتسلط الشيطان في ذلك الوادي الذي عرّس به] إنما كان على بلال الموكل بصلاة الفجر فلا اعتراض من هذا الباب [لبيانه وارتفاع اشكاله] ولم يقدر عدو الله على أذاه- ﷺ بسبب التسلط إلى غيره- ﷺ وقد كفاه الله تعالى أمره وعصمه.
الثالث: في بيان غريب ما سبق.
قوله: فأسلم.
روي فأسلم- بفتح الميم- أي آمن.
وروي: فأسلم [بضم الميم، أي فأسلم أنا منه] .
стр. 5252
الباب السادس في حكم عقد قلب النبي- ﷺ من وقت نبوته كغيره من الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام -
«مكث بمكة خمس عشرة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئا، وثمان سنين يوحى إليه، وهذا على أنه عاش خمسا وستين سنة، والصحيح أنه عاش ثلاثا وستين سنة.
وروى البيهقي عن عمرو بن شراحبيل أنه- ﵊ قال لخديجة: «إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء [وقد خشيت- والله- أن يكون هذا الأمر] » .
تنبيهات
الأول: قال القاضي: هذا ما وقع إجماع المسلمين عليه، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه، ولا يعترض على هذا بقول إبراهيم- ﵊ وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة ٢٦٠]
وقول نبينا- ﷺ «نحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم» ﷺ
- ليس اعترافا منه بالشك لهما- ﷺ بل هو نفي له لأن يكون إبراهيم شكّ وإبعاد للخواطر الضعيفة أن تظنّ هذا بإبراهيم، أي: نحن موقنون بالبعث وإحياء الله الموتى، فلو شك إبراهيم لكنّا أولى بالشكّ منه.
الثاني: فإن قلت فما معنى قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [يونس ٩٤] الآية قال القاضي: واختلفوا في معنى الآية، فقيل: المراد قل: يا محمد للشاكّ.
قالوا: وفي السورة نفسها ما دلّ على هذا التأويل، وهو قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي [يونس ١٠٤] الآية.
وقيل: الخطاب للعرب وغير ذلك، والمراد غير النبي- ﷺ قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر ٦٥] الخطاب له والمراد غيره.
ومثله فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ [هود ١٠٩] أي: لا يشك في أن عبادتهم عند الله ضلال، ونظيره كثير قال بكر بن العلاء: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ [يونس ٩٥] وهو- ﷺ كان المكذّب- بفتح الذال- فيما يدعو إليه، فكيف يكون هو المكذّب- بكسرها- أي: فكيف يكذب نفسه المذكور.
وقيل: مثل هذه الآية قوله تعالى الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً [الفرقان ٥٩] الخبير المسؤول، لا المستخبر السائل.
الثالث: فإن قيل: فما معنى
ما رواه مسلم عن الأغر المزني أنه- ﵊-
стр. 5253
قال: «إنّه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرّة» .
وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه-: فأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرّة.
قال القاضي: فاحذر أن يكون هذا الغين وسوسة أو ريبا وقع في قلبه- ﷺ أي: لنزاهته عن قبول الوسوسة: لأن قابلها وهي العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان من ابن آدم استخرجها جبريل من قلبه حين شق صدره الشريف، بل المراد أصل الغين ما يتغشى القلب ويغطّيه، قاله أبو عبيد.
وقال غيره: الغين شيء يغشّي القلب ولا يغطيه كلّ التّغطية. «كالشفاف» و «الغيم» الرقيق الذي لا يمنع ضوء الشمس، فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه، وفترات نفسه، وسهوها عن مداومة الذّكر، ومشاهدة الحق بما كان- ﷺ دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة، ومعاناة الأهل، ومقاومة الوليّ والعدو، ومصلحة النفس وكلفة من أعباء- أي:
ثقل- أداء الرسالة وحمل الأمانة، وهو في كل هذا في طاعة ربه وعبادة خالقه، ولكن لمّا كان النبي- ﷺ عند الله أرفع الخلق مكانة وأعلاهم درجة وأتمّهم به معرفة، وكانت حاله عند خلوص قلبه، وخلوّ همته وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه، ومقامه هنالك أرفع لديه رأى- ﷺ حال فترته عنها، وشغله بسواها غضّا من علي حاله، وخفضا من رفيع مقامه، فاستغفر من ذلك.
واحذر أن تفهم من الحديث أنه يغان على قلبه- ﷺ مائة مرّة، وإنما هو عدد للاستغفار، وقد يكون الغين هنا هو السكينة التي تتغشاه لقوله تعالى فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التوبة ٤٠] ويكون استغفاره ﷺ عندها، إظهارا للعبودية والاستغفار وقال ابن عطاء: استغفاره وفعله هذا تعريف للأمّة بحملهم على الاستغفار.
ويحتمل أن هذه الإغانة حالة خشية وإعظام تغشى قلبه فيطمئن لها، فيستغفر حينئذ شكراً لله تعالى وملازمة لعبوديته كما
قال- ﷺ [في ملازمة العبادة] «أفلا أكون عبدا شكورا
» .
стр. 5254
الباب السابع في عصمته ﷺ في أقواله البلاغية
[قال القاضي عياض] أما أقواله ﷺ فقامت الدلائل الواضحة بصحّة المعجزة على صدقه، وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدا وعمدا، ولا سهوا وغلطا.
أما تعمّد الخلف في ذلك فمنتف، بدليل المعجزة القائمة مقام قول الله فيما قال اتفاقا، وبإطباق أهل الملّة إجماعا.
وأما وقوعه على جهة الغلط في ذلك فبهذه السبيل عند الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني ومن قال بقوله، ومن جهة الإجماع فقط، وورود الشّرع بانتفاء ذلك، وعصمة النبي ﷺ لا من مقتضى المعجزة نفسها عند القاضي أبي بكر الباقلّاني ومن وافقه لاختلاف بينهم في مقتضى دليل المعجزة لا نطوّل بذكره، فنخرج عن غرض الكتاب، فلنعتمد على ما وقع عليه إجماع المسلمين- إنه لا يجوز عليه خلف في القول في إبلاغ الشريعة، والإعلام بما أخبر به عن ربّه، وما أوحاه إليه من وحيه، لا على وجه العمد، ولا على غير عمد، ولا في حالي الرّضا والسخط، والصحة والمرض.
وفي حديث عبد الله بن عمرو: قلت يا رسول الله: أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال:
نعم. قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم، فإنّي لا أقول في ذلك كله إلا حقّا.
إذا قامت المعجزة على صدقه، وأنه لا يقول إلا حقّا، ولا يبلّغ عن الله إلّا صدقا، وأنّ المعجزة قائمة مقام قول الله له: صدقت فيما تذكره عني، وهو يقول: أني رسول الله إليكم لأبلّغكم ما أرسلت به إليكم، وأبيّن لكم ما نزّل عليكم، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم ٣، ٤] . وقَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء ١٧٠] .
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر ٧] ، فلا يصحّ أن يوجد منه في هذا الباب خبر بخلاف مخبره على أيّ وجه كان.
ولو جوّزنا عليه الغلط والسّهو لما تميّز لنا من غيره، ولاختلط الحقّ بالباطل، فالمعجزة مشتملة على تصديقه جملة واحدة من غير خصوص، فتنزيه النبي عن ذلك كله واجب برهانا وإجماعا كما قاله أبو إسحاق.
стр. 5255
الباب الثامن في عصمته ﷺ في جوارحه
قال القاضي عياض: وأما ما يتعلق بالجوارح من الأعمال، ولا يخرج من جملتها القول باللسان فيما عدا الخبر الذي وقع فيه الكلام والاعتقاد بالقلب فيما عدا التوحيد، وما قدمناه من معارفه المختصة به- فأجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات. ومستند الجمهور في ذلك الإجماع الذي ذكرناه.
وهو مذهب القاضي أبي بكر، ومنعها غيره بدليل العقل مع الإجماع، وهو قول الكافّة.
واختاره الأستاذ أبو إسحاق.
وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من كتمان الرّسالة والتقصير في التبليغ، لأنّ كلّ ذلك تقتضي العصمة منه المعجزة، مع الإجماع على ذلك من الكافة.
[والجمهور قائلون بأنهم معصومون من ذلك من قبل الله، معتصمون باختيارهم وكسبهم، إلا حسينا النجار، فإنه قال: لا قدرة لهم على المعاصي أصلا.
وأمّا الصغائر فجوّزها جماعة من السلف وغيرهم على الأنبياء، وهو مذهب أبي جعفر الطبري وغيره من الفقهاء والمحدّثين والمتكلمين.
وذهبت طائفة أخرى إلى الوقف، وقالوا: العقل لا يحيل وقوعها منهم، ولم يأت في الشّرع قاطع بأحد الوجهين.
وذهبت طائفة أخرى من المحقّقين والمتكلّمين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر، قالوا: لاختلاف الناس في الصغائر وتعيينها من الكبائر وإشكال ذلك، وقول ابن عباس وغيره: أن كل ما عصي الله به فهو كبيرة، وإنه إنما سمّي منها الصغير بالإضافة إلى ما هو أكبر منه، ومخالفة الباري في أيّ أمر كان يجب كونه كبيرة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال: إن في معاصي الله صغيرة إلا على معنى أنها تغتفر باجتناب الكبائر، ولا يكون لها حكم مع ذلك، بخلاف الكبائر إذا لم يتب منها فلا يحبطها شيء. والمشيئة في العفو عنها إلى الله تعالى، وهو قول القاضي أبي بكر وجماعة أئمة الأشعرية وكثير من أئمة الفقهاء.
قال القاضي ﵀ وقال بعض أئمتنا: ولا يجب على القولين أن يختلف أنهم معصومون عن تكرار الصغائر وكثرتها، إذ يلحقها ذلك بالكبائر، ولا في صغيرة أدّت إلى إزالة الحشمة، وأسقطت المروءة، وأوجبت الإزراء والخساسة، فهذا أيضا ممّا يعصم عنه الأنبياء
стр. 5256
إجماعا، لأن مثل هذا يحطّ منصبه المتّسم به، ويزري بصاحبه، وينفّر القلوب عنه، والأنبياء منزّهون عن ذلك. بل يلحق بهذا ما كان من قبل المباح، فأدّى إلى مثله، لخروجه بما أدى إليه عن اسم المباح إلى الحظر.
وقد ذهب بعضهم إلى عصمتهم من مواقعة المكروه قصدا. وقد استدلّ بعض الأئمّة على عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى امتثال أفعالهم، واتّباع آثارهم وسيرهم مطلقا.
وجمهور الفقهاء على ذلك من أصحاب مالك والشّافعيّ وأبي حنيفة من غير التزام قرينة، بل مطلقا عند بعضهم، وإن اختلفوا في حكم ذلك.
وحكى ابن خويز منداد وأبو الفرج، عن مالك، التزام ذلك وجوبا، وهو قول الأبهري وابن القصار وأكثر أصحابنا.
وقول أكثر أهل العراق وابن سريج، والإصطخريّ، وابن خيران من الشافعية. وأكثر الشافعية على أن ذلك ندب.
وذهبت طائفة إلى الإباحة.
وقيّد بعضهم الأتّباع فيما كان من الأمور الدينية وعلم به مقصد القربة.
ومن قال بالإباحة في أفعاله لم يقيّد. قال: فلو جوّزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم في أفعالهم، إذ ليس كلّ فعل من أفعاله يتميّز مقصده من القربة أو الإباحة، أو الحظر، أو المعصية. ولا يصحّ أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعلّه معصية، لا سيّما على من يرى من الأصوليين تقديم الفعل على القول إذا تعارضا.
стр. 5257
جماع أبواب الكلام على السهو والنسيان هل يصدر منه أم لا
قال القاضي عياض: حدثنا حاتم بن محمد، حدثنا أبو عبد الله بن الفخّار، حدثنا أبو عيسى، حدثنا عبيد الله، حدثنا يحيى، عن مالك، عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد أنه قال: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: صلى رسول الله- ﷺ صلاة العصر، فسلّم في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبي ﷺ : كلّ ذلك لم يكن.
وفي الرواية الأخرى: ما قصرت وما نسيت ...
الحديث بقصته، فأخبره بنفي الحالتين، وأنها لم تكن، وقد كان أحد ذلك كما قال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله ...
قال القاضي: فاعلم- وفّقنا الله وإياك- أنّ للعلماء في ذلك أجوبة، بعضها بصدد الإنصاف، ومنها ما هو بنيّة التعسّف والاعتساف، وها أنا أقول:
أمّا على القول بتجويز الوهم والغلط فيما ليس طريقه من القول البلاغ وهو الذي زيّفناه من القولين- فلا اعتراض بهذا الحديث وشبهه.
وأمّا على مذهب من يمنع السّهو والنسيان في أفعاله جملة، ويرى أنه في مثل هذا عامد لصورة النسيان ليسنّ، فهو صادق في خبره، لأنه لم ينس ولا قصرت، ولكنه على هذا القول تعمّد هذا الفعل في هذه الصورة لمن اعتراه مثله، وهو قول مرغوب عنه ونذكره في موضعه.
وأما على إحالة السّهو عليه في الأقوال وتجويز السّهو عليه فيما ليس طريقه القول- كما سنذكره- ففيه أجوبة، منها:
أن النبي- ﷺ أخبر عن اعتقاده وضميره، أمّا إنكار القصر فحقّ وصدق باطنا وظاهرا.
وأمّا النّسيان فأخبر- ﷺ عن اعتقاده، وأنه لم ينس في ظنّه، فكأنه قصد الخبر بهذا عن ظنّه وإن لم ينطق به، وهذا صدق أيضا.
ووجه ثان: أنّ قوله: ولم أنس- راجع إلى السلام، أي إني سلمت قصدا، وسهوت عن العدد، أي لم أنسه في نفس السلام، وهذا محتمل، وفيه بعد.
ووجه ثالث- وهو أبعدهما- ما ذهب إليه بعضهم، وإن احتمله اللفظ من قوله: كلّ ذلك لم يكن: أي لم يجتمع القصر والنسيان، بل كان أحدهما. ومفهوم اللفظ خلافه مع الرواية الأخرى الصحيحة،
وهو قوله: ما قصرت الصلاة وما نسيت.
стр. 5258
هذا ما رأيت فيه لأئمتنا، وكلّ من هذه الوجوه محتمل للّفظ على بعد بعضها وتعسّف الآخر منها.
قال القاضي أبو الفضل ﵀: والذي أقول- ويظهر لي أنه أقرب من هذه الوجوه كلّها- أن قوله- ﷺ : لم أنس إنكار للّفظ الذي نفاه عن نفسه، وأنكره على غيره بقوله: بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا وكذا، ولكنه نسّي.
وبقوله في بعض روايات الحديث الآخر: لست أنسى، ولكن أنسّى. فلما قال له السائل: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ أنكر قصرها كما كان، ونسيانه هو من قبل نفسه، وإنه إن كان جرى شيء من ذلك فقد نسّي حتى سأل غيره، فتحقّق أنه نسّي، وأجري عليه ذلك ليسنّ، فقوله على هذا: لم أنس ولم تقصر، وكلّ ذلك لم يكن- صدق وحقّ، لم تقصر، ولم ينس حقيقة، ولكنه نسّي.
ووجه آخر استثرته من كلام بعض المشايخ، وذلك أنه قال: أن النبي- ﷺ كان يسهو ولا ينسى، ولذلك نفى عن نفسه النّسيان، قال: لأنّ النّسيان غفلة وآفة، والسّهو إنما هو شغل بال، قال: فكأن النبي- ﷺ يسهو في صلاته ولا يغفل عنها، وكان يشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة، شغلا بها لا غفلة عنها.
فهذا إن تحقّق على هذا المعنى لم يكن في قوله: ما قصرت ولا نسيت خلف في قول.
وعندي أنّ قوله: ما قصرت الصلاة وما نسيت بمعنى التّرك الذي هو أحد وجهي النسيان، أراد- والله أعلم- أني لم أسلّم من ركعتين تاركا لإكمال الصلاة، ولكني نسيت، ولم يكن من تلقاء نفسي.
والدليل على ذلك
قوله في الحديث الصحيح: إنّي لأنسى أو أنسّى لأسنّ.
قال القاضي: وهذه الأحاديث مبنيّة على السّهو في الفعل الذي قرّرناه، وحكمة الله فيه ليستنّ به، إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول، وأرفع للاحتمال، وشرطه ألّا يقرّ على السّهو، بل يشعر به ليرتفع الالتباس، وتظهر فائدة الحكمة فيه كما قدمناه، فإن النسيان والسهو في الفعل في حقه- ﷺ غير مضادّ للمعجزة، ولا قادح في التصديق،
وقد قال- ﷺ : «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكّروني» .
وقال ﷺ : «رحم الله فلانا، لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطهن» - ويروي: أنسيتهنّ.
وقال- ﷺ : «إني لأنسى، أو أنسّى، لأسنّ» .
стр. 5259
قيل: هذا اللفظ شكّ من الراوي.
وقد روى: «إني لا أنسى، ولكن أنسّى لأسنّ» .
وذهب ابن نافع، وعيسى بن دينار أنه ليس بشكّ، فإنّ معناه التقسيم، أي أنسى أنا، أو ينسيني الله.
قال القاضي أبو الوليد الباجي: يحتمل ما قالاه أن يريد: أني أنسى في اليقظة، وأنسّى في النوم، أو أنسى على سبيل عادة البشر من الذّهول عن الشيء والسّهو، وأنسّى مع إقبالي عليه وتفرّغي له، فأضاف أحد النّسيانين إلى نفسه، إذ كان له بعض السبب فيه، ونفى الآخر عن نفسه، إذ هو فيه كالمضطرّ.
وذهبت طائفة من أصحاب المعاني والكلام على الحديث إلى أن النبي- ﷺ كان يسهو في الصلاة ولا ينسى، لأنّ النسيان ذهول وغفلة وآفة، قال: والنبي- ﷺ منزّه عنها، والسّهو شغل، فكأن النبي- ﷺ يسهو في صلاته، ويشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة، شغلا بها لا غفلة عنها.
واحتجّ بقوله في الرواية الأخرى: إني لا أنسى.
وذهبت طائفة إلى منع هذا كلّه عنه، وقالوا: إنّ سهوه ﵇ كان عمدا وقصدا ليسنّ.
وهذا قول مرغوب عنه، متناقض المقاصد، لا يحلى منه بطائل، لأنه كيف يكون متعمّدا ساهيا في حال. ولا حجّة لهم في قولهم: إنه أمر بتعمّد صورة النسيان ليسنّ، لقوله:
إني لأنسى أو أنسّى. وقد أثبت أحد الوصفين، ونفى مناقضة التعمّد والقصد،
وقال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، [فإذا نسيت فذكروني] .
وقد مال إلى هذا عظيم من المحقّقين من أئمتنا، وهو أبو المظفّر الإسفرايني، ولم يرتضه غيره منهم، ولا أرتضيه، ولا حجّة لهاتين الطائفتين في
قوله: إني لا أنسى، ولكن أنسّى،
إذ ليس فيه نفي حكم النسيان بالجملة، وإنما فيه نفي لفظه وكراهة لقبه، كقوله: بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا، ولكنه نسّي، أو نفي الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الصلاة عن قلبه، ولكن شغل بها عنها، ونسي بعضها ببعضها، كما ترك الصلاة يوم الخندق حتى خرج وقتها، وشغل بالتحرّز من العدوّ عنها، فشغل بطاعة عن طاعة.
وقيل: إنّ الذي ترك يوم الخندق أربع صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وبه احتج من ذهب إلى جواز تأخير الصلاة في الخوف، إذا لم يتمكّن من أدائها إلى وقت الأمن، وهو مذهب الشاميّين.
стр. 5260
والصحيح أنّ حكم صلاة الخوف كان بعد هذا، فهو ناسخ له.
فإن قلت: فما تقول في نومه- ﷺ عن الصلاة يوم الوادي،
قال: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي.
فاعلم أنّ للعلماء في ذلك أجوبة، منها: أنّ المراد بأنّ هذا حكم قلبه عند نومه وعينيه في غالب الأوقات، وقد يندر منه غير ذلك، كما يندر من نومه خلاف عادته.
ويصحّح هذا التأويل
قوله- ﷺ في الحديث نفسه: إنّ الله قبض أرواحنا.
وقول بلال فيه: ما ألقيت عليّ نومة مثلها قطّ، ولكن مثل هذا إنما يكون منه لأمر يريده الله من إثبات حكم، وتأسيس سنّة، وإظهار شرع، كما قال في الحديث الآخر: لو شاء الله لأيقظنا، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم.
الثاني- أنّ قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه، لما روي أنه كان محروسا، وأنه كان ينام حتى ينفخ، وحتى يسمع غطيطه، ثم يصلي ولا يتوضّأ.
وحديث ابن عباس المذكور فيه وضوؤه عند قيامه من النّوم، فيه نومه مع أهله، فلا يمكن الاحتجاج به على وضوئه بمجرّد النّوم، إذ لعلّ ذلك لملامسته الأهل أو لحدث آخر، فكيف وفي آخر الحديث نفسه: ثم نام حتى سمعت غطيطه، ثم أقيمت الصلاة فصلّى ولم يتوضّأ.
وقيل: لا ينام قلبه من أجل أنه يوحى إليه في النّوم، وليس في قصة الوادي إلّا نوم عينيه عن رؤية الشمس. وليس هذا من فعل القلب،
وقد قال- ﷺ : إنّ الله قبض أرواحنا ولو شاء لردّها إلينا في حين غير هذا ...
стр. 5261
الباب الأول في الرد على من أجاز على الأنبياء- صلى الله عليهم وسلّم- الصغائر
قال القاضي: [اعلم أنّ المجوّزين للصغائر على الأنبياء من الفقهاء والمحدثين ومن شايعهم على ذلك من المتكلّمين احتجّوا على ذلك بظواهر كثيرة من القرآن والحديث إن التزموا ظواهرها أفضت بهم إلى تجويز الكبائر وخرق الإجماع، وهو ما لا يقول به مسلم، فكيف وكلّ ما احتجّوا به مما اختلف المفسّرون في معناه، وتقابلت الاحتمالات في مقتضاه، وجاءت أقاويل فيها للسيف بخلاف ما التزموه من ذلك، فإذا لم يكن مذهبهم إجماعا، وكان الخلاف فيما احتجّوا به قديما، وقامت الدلالة على خطأ قولهم، وصحة غيره، وجب تركه، والمصير إلى ما صحّ.
فمن ذلك قوله تعالى لنبيّنا محمد- ﷺ : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح ٢] .
وقوله: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد ١٩] .
وقوله: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح ٢] .
وقوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة ٤٣] .
وقوله: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [الأنفال ٦٨] .
وقوله: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ... [عبس ١] .
وما قصّ من قصص غيره من الأنبياء، كقوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه ١٢١] .
وقوله: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف ١٩٠] .
وقوله: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الأعراف ٢٣] .
وقوله- عن يونس: سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء ٨٧] .
وما ذكر من قصته وقصة داود، وقوله: وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ. فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص ٢٤، ٢٥] .
وقوله: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها [يوسف: ٢٤] وما قصّ من قصّته مع إخوته.
стр. 5262
وقوله- عن موسى: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ: هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [القصص ١٥] .
وقول النبي- ﷺ في دعائه: اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت.
ونحوه من أدعيته ﷺ .
وذكر الأنبياء في الموقف ذنوبهم في حديث الشفاعة.
وقوله: إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله.
وفي حديث أبي هريرة: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» .
وقوله تعالى- عن نوح: وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ [هود ٤٧] .
وقد كان قال الله له: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [هود ٣٧] .
وقال- عن إبراهيم: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء ٨٢] .
وقوله- عن موسى: تُبْتُ إِلَيْكَ [الأعراف ١٤٣] .
وقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ [ص ٣٤] ... إلى ما أشبه هذه الظواهر.
قال القاضي ﵀: فأمّا احتجاجهم بقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح ٢] : فهذا قد اختلف فيه المفسّرون، فقيل: المراد ما كان قبل النبوة وبعدها.
وقيل: المراد ما وقع لك من ذنب وما لم يقع- أعلمه أنه مغفور له.
وقيل: المتقدم ما كان قبل النبوّة، والمتأخّر عصمتك بعدها، حكاه أحمد بن نصر.
وقيل: المراد بذلك أمته.
وقيل: المراد ما كان عن سهو وغفلة، وتأويل، حكاه الطبري، واختاره القشيري.
وقيل: ما تقدّم لأبيك آدم، وما تأخّر من ذنوب أمّتك، حكاه السمرقندي والسّلميّ عن ابن عطاء.
وبمثله والذي قبله يتأوّل قوله: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد ١٩] ، قال مكّي: مخاطبة النبي ﷺ هاهنا هي مخاطبة لأمته.
وقيل: أن النبي ﷺ لمّا أمر أن يقول: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف ٩]- سرّ بذلك الكفّار، فأنزل الله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ... [الفتح: ٢] الآية، وبمآل المؤمنين في الآية الأخرى بعدها، قاله ابن عباس، فمقصد الآية: أنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب إن لو كان. قال بعضهم: المغفرة هاهنا تبرئة من العيوب.
стр. 5263
وأما قوله: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح ٢، ٣] ، فقيل: ما سلف من ذنبك قبل النبوة، وهو قول ابن زيد، والحسن، ومعنى قول قتادة. وقيل: معناه أنه حفظ قبل نبوّته منها، وعصم، ولولا ذلك لأثقلت ظهره، حكى معناه السمرقندي.
وقيل: المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى بلّغها، حكاه الماوردي، والسّلميّ.
وقيل: حططنا عنك ثقل أيّام الجاهلية، حكاه مكيّ.
وقيل: ثقل شغل سرّك وحيرتك وطلب شريعتك حتى شرعنا ذلك لك، حكى معناه القشيري.
وقيل المعنى: خفّفنا عليك ما حمّلت بحفظنا لما استحفظت، وحفظ عليك.
ومعنى أنقض ظهرك، أي كاد ينقضه، فيكون المعنى على من جعل ذلك لما قبل النبوة- اهتمام النبي- ﷺ بأمور فعلها قبل نبوّته، وحرّمت عليه بعد النبوّة، فعدّها أوزارا، وثقلت عليه، وأشفق منها.
أو يكون الوضع عصمة الله له وكفايته من ذنوب لو كانت لأنقضت ظهره.
أو يكون من ثقل الرسالة، أو ما ثقل عليه وشغل قلبه من أمور الجاهلية، وإعلام الله تعالى له بحفظ ما استحفظه من وحيه.
وأمّا قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة ٤٣]- فأمر لم يتقدّم للنبي ﷺ فيه من الله تعالى نهي فيعدّ معصية، ولا عدّه الله تعالى عليه معصية، بل لم يعدّه أهل العلم معاتبة.
وغلّطوا من ذهب إلى ذلك، قال نفطويه وقد حاشاه الله تعالى من ذلك، بل كان مخيّرا في أمرين، قالوا: وقد كان له أن يفعل ما شاء فيما لم ينزّل عليه فيه وحي، فكيف وقد قال الله تعالى: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [النور ٦٢] . فلمّا أذن لهم أعلمه الله بما لم يطّلع عليه من سرّهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا وأنه لا حرج عليه فيما فعل، وليس «عفا» هنا بمعنى غفر، بل كما
قال النبي ﷺ : عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق. ولم تجب عليهم قطّ، أي لم يلزمكم ذلك.
ونحوه للقشيريّ، قال: وإنما يقول العفو: لا يكون إلا عن ذنب- من لم يعرف كلام العرب، قال: ومعنى عفا الله عنك- أي لم يلزمك ذنبا.
قال الداودي: روي أنها تكرمة.
وقال مكي: هو استفتاح كلام، مثل أصلحك الله وأعزّك.
стр. 5264
وحكى السمرقندي أنّ معناه عافاك الله.
وأما قوله في أسارى بدر: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [الأنفال ٦٧، ٦٨] فليس فيه إلزام ذنب للنبي ﷺ ، بل فيه بيان ما خص به وفضّل من بين سائر الأنبياء، فكأنه قال: ما كان هذا لنبيّ غيرك،
كما قال ﷺ : أحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لنبيّ قبلي.
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال ٦٧] .
قيل: المعنيّ بالخطاب لمن أراد ذلك منهم، وتجرّد غرضه لعرض الدنيا وحده، والاستكثار منها، وليس المراد بهذا النبي ﷺ ، ولا علية أصحابه، بل قد روي عن الضحّاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر، واشتغل الناس بالسّلب وجمع الغنائم عن القتال، حتى خشي عمر أن يعطف عليهم العدوّ.
ثم قال تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [الأنفال ٦٨] ، فاختلف المفسّرون في معنى الآية، فقيل: معناها لولا أنه سبق مني أن لا أعذّب أحدا إلا بعد النّهي لعذّبتكم.
فهذا ينفي أن يكون أمر الأسرى معصية.
وقيل: المعنى لولا إيمانكم بالقرآن، وهو الكتاب السابق فاستوجبتم به الصّفح- لعوقبتم على الغنائم.
ويزاد هذا القول تفسيرا وبيانا بأن يقال: لولا ما كنتم مؤمنين بالقرآن، وكنتم ممّن أحلّت لهم الغنائم لعوقبتم، كما عوقب من تعدّى.
وقيل: لولا أنه سبق في اللّوح المحفوظ أنّها حلال لكم لعوقبتم.
فهذا كلّه ينفي الذّنب والمعصية، لأنّ من فعل ما أحلّ له لم يعص، قال الله تعالى:
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً [الأنفال ٦٩] .
وقيل: بل كان ﷺ قد خيّر في ذلك،
وقد روي عن علي ﵁، قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ يوم بدر، فقال: خيّر أصحابك في الأسارى، إن شاءوا القتل، وإن شاءوا الفداء، على أن يقتل منهم في العام المقبل مثلهم. فقالوا: الفداء ويقتل منّا.
وهذا دليل على صحة ما قلناه، وأنهم لم يفعلوا إلّا ما أذن لهم فيه، لكن بعضهم مال
стр. 5265
إلى أضعف الوجهين مما كان الأصلح غيره من الإثخان والقتل، فعوتبوا على ذلك، وبيّن لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار غيرهم، وكلّهم غير عصاة ولا مذنبين، وإلى نحو هذا أشار الطبريّ.
وقوله- ﷺ في هذه القضيّة: لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر-
إشارة إلى هذا من تصويب رأيه ورأي من أخذ بمأخذه، في إعزاز الدّين، وإظهار كلمته، وإبادة عدوّه، وأنّ هذه القضيّة لو استوجبت عذابا نجا منه عمر ومثله: وعيّن عمر لأنه أول من أشار بقتلهم، ولكنّ الله لم يقدّر عليهم في ذلك عذابا لحلّه لهم فيما سبق.
وقال الداوديّ: والخبر بهذا لا يثبت، ولو ثبت لما جاز أن يظنّ أن النبي ﷺ حكم بما لا نصّ فيه ولا دليل من نصّ، ولا جعل الأمر فيه إليه، وقد نزهه الله تعالى عن ذلك.
وقال القاضي بكر بن العلاء: أخبر الله تعالى نبيه في هذه الآية أنّ تأويله وافق ما كتبه له من إحلال الغنائم والفداء، وقد كانوا قبل هذا فأدوا في سرية عبد الله بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرميّ بالحكم بن كيسان وصاحبه، فما عتب الله ذلك عليهم، وذلك قبل بدر بأزيد من عام.
فهذا كلّه يدل على أن فعل النبي ﷺ في شأن الأسرى كان على تأويل وبصيرة، وعلى ما تقدّم قبل مثله، فلم ينكره الله تعالى عليهم، لكن الله تعالى أراد- لعظم أمر بدر وكثرة أسراها، والله أعلم- إظهار نعمته، وتأكيد منّته بتعريفهم ما كتبه في اللّوح المحفوظ من حلّ ذلك لهم، لا على وجه عتاب وإنكار وتذبيب. هذا معنى كلامه.
وأما قوله: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ... [عبس ١] .
فليس فيه إثبات ذنب له ﷺ ، بل إعلام الله أنّ ذلك المتصدّى له ممّن لا يتزكّى، وأنّ الصّواب والأولى- لو كشف لك حال الرّجلين- الإقبال على الأعمى.
وفعل النبي ﷺ لما فعل، وتصدّيه لذاك الكافر، كان طاعة لله وتبليغا عنه، واستئلافا له، كما شرعه الله له، لا معصية، ولا مخالفة له.
وما قصّه الله عليه من ذلك إعلام بحال الرّجلين وتوهين أمر الكافر عنده، والإشارة إلى الإعراض عنه، بقوله: وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى [عبس: ٧] .
وقيل: أراد ب «عبس» ، و «تولّى» - الكافر الذي كان مع النبي ﷺ ، قاله أبو تمام.
وأمّا قصة آدم ﵇، وقوله تعالى: فَأَكَلا مِنْها- بعد قوله: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة ٣٥] . وقوله أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ
стр. 5266
[الأعراف ٢٢] ، وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه ١٢١] ، أي جهل.
وقيل: أخطأ، فإن الله تعالى قد أخبر بعذره بقوله: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه ١١٥] ، قال ابن زيد: نسي عداوة إبليس له، وما عهد الله إليه من ذلك بقوله: إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ... [طه ١١٧] الآية.
وقيل: نسي ذلك بما أظهر لهما.
وقال ابن عباس: إنما سمّي الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسي.
وقيل: لم يقصد المخالفة استحلالا لها، ولكنهما اغترّا بحلف إبليس لهما: إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف ٢١] ، وتوهّما أن أحداً لا يحلف بالله حانثا.
وقد روي عذر آدم بمثل هذا في بعض الآثار.
وقال ابن جبير: حلف بالله لهما حتى غرّهما، والمؤمن يخدع.
وقد قيل: نسي، ولم ينو المخالفة، فلذلك قال: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً، أي قصدا للمخالفة.
وأكثر المفسرين على أنّ العزم هنا الجزم والصّبر.
وقيل: كان عند أكله سكرانا، وهذا فيه ضعف، لأن الله تعالى وصف خمر الجنّة أنها لا تسكر، فإذا كان ناسيا لم تكن معصية، وكذلك إن كان ملبّسا عليه غالطا، إذ الاتفاق على خروج الناسي والسّاهي عن حكم التكليف.
وقال الشيخ أبو بكر بن فورك وغيره: إنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوّة، ودليل ذلك قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى. ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى، فذكر أَنَّ الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان.
وقيل: بل أكلها متأوّلا، وهو لا يعلم أنّها الشجرة التي نهى عنها، لأنّه تأوّل نهى الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل: إنما كانت التوبة من ترك التحفّظ، لا من المخالفة.
وقيل: تأوّل إن الله لم ينهه عنها نهي تحريم.
فإن قيل: فعلى كل حال فقد قال الله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ، وقال: فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى. وقوله في حديث الشفاعة: ويذكر ذنبه، وقال: إني نهيت عن أكل الشجرة فعصيت، فسيأتي الجواب عنه وعن أشباهه مجملا آخر الفصل إن شاء الله.
стр. 5267
وأمّا قصّة يونس فقد مضى الكلام على بعضها آنفا، وليس في قصة يونس نصّ على ذنب، وإنما فيها: أبق وذهب مغاضبا وقد تكلمنا عليه.
وقيل: إنما نقم الله عليه خروجه عن قومه فارّا من نزول العذاب.
وقيل: بل لمّا وعدهم العذاب ثم عفا الله عنهم قال: والله لا ألقاهم بوجه كذّاب أبدا.
وقيل: بل كانوا يقتلون من كذب فخاف ذلك ...
وقيل: ضعف عن حمل أعباء الرسالة. وقد يقدم الكلام أنه لم يكذبهم.
وهذا كلّه ليس فيه نصّ على معصية إلّا على قول مرغوب عنه.
وقوله: إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
[الصافات/ ١٤]- قال المفسرون تباعد.
وأما قوله: إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء ٨٧] ، فالظّلم وضع الشيء في غير موضعه، فهذا اعتراف منه عند بعضهم بذنبه، فإما أن يكون لخروجه عن قومه بغير إذن ربّه، أو لضعفه عمّا حمّله، أو لدعائه بالعذاب على قومه. وقد دعا نوح بهلاك قومه فلم يؤاخذ.
وقال الواسطي في معناه: نزّه ربّه عن الظّلم، وأضاف الظّلم إلى نفسه اعترافا واستحقاقا.
ومثل هذا قول آدم وحوّاء: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف ٢٣] ، إذ كانا السبب في وضعهما غير الموضع الذي أنزلا فيه، وإخراجهما من الجنّة، وإنزالهما إلى الأرض.
وأما قصة داود ﵇ فلا يجب أن يلتفت إلى ما سطّره فيه الأخباريون من أهل الكتاب الذين بدّلوا وغيّروا، ونقله بعض المفسرين. ولم ينصّ الله على شيءٍ من ذلك، ولا ورد في حديث صحيح. والذي نصّ الله عليه قوله: وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ. فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص ٢٤، ٢٥] .
وقوله فيه: أَوَّابٌ.
فمعنى فتنّاه: اختبرناه. وأوّاب: قال قتادة: مطيع.
وهذا التفسير أولى.
وقال ابن عباس، وابن مسعود: ما زاد داود على أن قال للرجال: انزل لي عن امرأتك وأكفلنيها، فعاتبه الله على ذلك، ونبّهه عليه، وأنكر عليه شغله بالدنيا، وهذا الذي ينبغي أن يعوّل عليه من أمره.
وقيل: خطبها على خطبته.
وقيل: بل أحبّ بقلبه أن يستشهد.
стр. 5268
وحكى السمرقندي أنّ ذنبه الذي استغفر منه قوله لأحد الخصمين: لَقَدْ ظَلَمَكَ، فظلّمه بقول خصمه.
وقيل: بل لما خشي على نفسه، وظنّ من الفتنة بما بسط له من الملك والدّنيا. وإلى نفي ما أضيف في الأخبار إلى داود من ذلك- ذهب أحمد بن نصر، وأبو تمام، وغيرهما من المحققين.
وقال الدّاوديّ: ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت، ولا يظنّ بنبيّ محبّة قتل مسلم.
وقيل: إنّ الخصمين اللذين اختصما إليه رجلان في نعاج غنم، على ظاهر الآية.
وأما قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف فيها تعقّب، وأمّا إخوته فلم تثبت نبوّتهم فيلزم الكلام على أفعالهم. وذكر الأسباط وعدّهم في القرآن عند ذكر الأنبياء ليس صريحا في كونهم من أهل الأنبياء.
قال المفسرون: يريد من نبّئ من أبناء الأسباط.
وقد قيل: إنهم كانوا حين فعلوا بيوسف ما فعلوه صغار الأسنان، ولهذا لم يميّزوا يوسف حين اجتمعوا به، ولهذا قالوا: أرسله معنا غدا نرتع ونلعب، وإن ثبتت لهم نبوّة فبعد هذا، والله أعلم.
وأما قول الله تعالى فيه: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [يوسف ٢٤] فعلى طريق كثير من الفقهاء والمحدّثين أنّ همّ النّفس لا يؤاخذ به، وليس سيئة، لقوله- ﷺ عن ربّه: «إذا همّ عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة» ، فلا معصية في همّه إذا.
وأما على مذهب المحقّقين من الفقهاء والمتكلّمين فإنّ الهمّ إذا وطّنت عليه النفس سيئة. وأما ما لم توطّن عليه النفس من همومها وخواطرها فهو المعفو عنه.
وهذا هو الحقّ، فيكون- إن شاء الله- همّ يوسف من هذا، ويكون قوله: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف ٥٣] .
أي ما أبرّئها من هذا الهمّ، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع والاعتراف بمخالفة النفس لما زكّي قبل وبرّئ، فكيف وقد حكى أبو حاتم عن أبي عبيدة- أنّ يوسف لم يهمّ، وأن الكلام فيه تقديم وتأخير، أي: ولقد همّت به، ولولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها، وقد قال الله تعالى- عن المرأة وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ [يوسف ٣٢] . وقال تعالى:
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ [يوسف ٢٤] . وقال تعالى: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف ٢٣] الآية.
стр. 5269
قيل في «ربي» : الله تعالى. وقيل: الملك.
وقيل: همّ بها، أي بزجرها ووعظها.
وقيل: همّ بها، أي غمّها امتناعه عنها.
وقيل: همّ بها: نظر إليها.
وقيل: همّ بضربها ودفعها.
وقيل: هذا كلّه كان قبل نبوّته.
وقد ذكر بعضهم: ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة حتى نبّأه الله، فألقى عليه هيبة النبوّة، فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه.
وأمّا خبر موسى ﷺ مع قتيله الذي وكزه فقد نصّ الله تعالى أنه من عدوّه، قال: كان من القبط الذين على دين فرعون.
ودليل السورة في هذا كلّه أنّه قبل نبوّة موسى.
وقال قتادة: وكزه بالعصا، ولم يتعمّد قتله، فعلى هذا لا معصية في ذلك.
وقوله: هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [القصص ١٥] . وقوله: ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص ١٦]- قال ابن جريج: قال ذلك من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر.
وقال النقّاش: لم يقتله عن عمد مريدا للقتل، وإنما وكزه وكزة يريد بها رفع ظلمه، قال:
وقد قيل: إن هذا كان قبل النبوة، وهو مقتضى التّلاوة.
وقوله تعالى- في قصّته: وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً [طه ٤٠] ، أي ابتليناك ابتلاء بعد ابتلاء. قيل في هذه القصة وما جرى له مع فرعون. وقيل: إلقاؤه في التابوت واليمّ، وغير ذلك.
وقل: معناه أخلصناك إخلاصا، قاله ابن جبير ومجاهد، من قولهم: فتنت الفضّة في النار إذا خلّصتها. وأصل الفتنة معنى الاختبار، وإظهار ما بطن، إلا أنه استعمل في عرف الشرع في اختبار أدّى إلى ما يكره.
وكذلك ما روي في الخبر الصحيح، من أن ملك الموت جاءه فلطم عينه ففقأها ...
الحديث ...
ليس فيه ما يحكم به على موسى بالتعدّي وفعل ما لا يجب له، إذ هو ظاهر الأمر، بيّن
стр. 5270
الوجه، جائز الفعل، لأنّ موسى دافع عن نفسه من أتاه لإتلافها، وقد تصوّر له في صورة آدميّ، ولا يمكن أنه علم حينئذ أنه ملك الموت، فدافعه عن نفسه مدافعة أدّت إلى ذهاب عين تلك الصورة التي تصوّر له فيها الملك امتحانا من الله له، فلما جاءه بعد، وأعلمه الله تعالى أنه رسوله إليه استسلم.
وللمتقدمين والمتأخّرين على هذا الحديث أجوبة هذا أشدّها عندي، وهو تأويل شيخنا الإمام أبي عبد الله المازري.
وقد تأوّله قديما ابن عائشة وغيره على صكّه ولطمه بالحجّة، وفقء عين حجّته، وهو كلام مستعمل في هذا الباب في اللغة معروف.
وأمّا قصة سليمان وما حكى فيها أهل التفاسير من ذنبه وقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ [ص ٣٤] ، فمعناه ابتلينا، وابتلاؤه:
ما حكي عن النبي ﷺ أنه قال: لأطوفنّ الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين كلّهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل. فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشقّ رجل.
قال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله.
قال أصحاب المعاني: والشقّ هو الجسد الذي ألقي على كرسيّه حين عرض عليه، وهي عقوبته ومحنته.
وقيل: بل مات فألقي على كرسيّه ميّتا.
وقيل: ذنبه حرصه على ذلك وتمنّيه.
وقيل: لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص، وغلب عليه من التّمنّي.
وقيل: عقوبته أن سلب ملكه، وذنبه أن أحبّ بقلبه أن يكون الحقّ لأختانه على خصمهم.
وقيل: أوخذ بذنب قارفه بعض نسائه. ولا يصحّ ما نقله الأخباريّون من تشبّه الشيطان به، وتسلّطه على ملكه، وتصرّفه في أمته بالجور في حكمه، لأنّ الشياطين لا يسلّطون على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله.
وإن سئل: لم يقل سليمان في القصة المذكورة: إن شاء الله؟ - فعنه أجوبة: أحدها- ما روي في الحديث الصحيح أنه نسي أن يقولها، وذلك لينفذ مراد الله تعالى.
стр. 5271
والثاني- أنه لم يسمع صاحبه وشغل عنه.
وقوله: هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص ٣٥] . لم يفعل هذا سليمان غيرة على الدنيا ولا نفاسة بها، ولكن مقصده في ذلك- على ما ذكره المفسرون- ألا يسلّط عليه أحد كما سلّط عليه الشيطان الذي سلبه إياه مدّة امتحانه على قول من قال ذلك.
وقيل: بل أراد أن يكون له من الله فضيلة وخاصة يختصّ بها كاختصاص غيره من أنبياء الله ورسله بخواصّ منه.
وقيل: ليكون ذلك دليلا وحجّة على نبوّته، كإلانة الحديد لأبيه، وإحياء الموتى لعيسى، واختصاص محمد ﷺ بالشفاعة، ونحو هذا.
وأما قصة نوح ﵇ فظاهرة العذر، وإنه أخذ فيها بالتأويل وظاهر اللّفظ، لقوله تعالى: وَأَهْلَكَ، فطلب مقتضى هذا اللفظ، وأراد علم ما طوي عليه من ذلك، لا أنه شكّ في وعد الله تعالى، فبيّن الله عليه أنه ليس من أهله الذين وعده بنجاتهم لكفره وعمله الذي هو غير صالح، وقد أعلمه أنه مغرق الذين ظلموا، ونهاه عن مخاطبته فيهم، فووخذ بهذا التأويل، وعتب عليه، وأشفق هو من إقدامه على ربه لسؤاله ما لم يؤذن له في السؤال فيه، وكان نوح- فيما حكاه النقاش- لا يعلم بكفر ابنه.
وقيل في الآية غير هذا، وكلّ هذا لا يقضي على نوح بمعصية سوى ما ذكرنا من تأويله وإقدامه بالسؤال فيما لم يؤذن له فيه، ولا نهي عنه.
وما روي في الصحيح من أنّ نبيّا قرصته نملة فحرّق قرية النمل، فأوحى الله إليه: أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبّح ... فليس في هذا الحديث أنّ هذا الذي أتّى معصية، بل فعل ما رآه مصلحة وصوابا بقتل من يؤذي جنسه، ويمنع المنفعة مما أباح الله.
ألا ترى أن هذا النبيّ كان نازلا تحت الشجرة، فلما آذته النملة تحوّل برجله عنها مخافة تكرار الأذى عليه وليس فيما أوحى الله إليه ما يوجب معصية، بل ندبه إلى احتمال الصّبر وترك التّشفي، كما قال تعالى: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، إذ ظاهر فعله إنما كان لأجل أنها آذته هو في خاصّته، فكان انتقاما لنفسه، وقطع مضرّة يتوقّعها من بقيّة النمل هناك، ولم يأت في كلّ هذا أمرا نهي عنه، فيعصّى به، ولا نصّ فيما أوحى الله إليه بذلك، ولا بالتوبة والاستغفار منه. والله أعلم.
فإن قيل: فما معنى
قوله ﵇: ما من أحد إلّا ألمّ بذنب أو كاد إلا يحيى بن زكريا، أو كما قال النبي ﷺ .
стр. 5272
فالجواب عنه- كما تقدم من ذنوب الأنبياء التي وقعت عن غير قصد وعن سهو وغفلة.
فصل معقود لدفع شبه نشأت مما قدمه
فإن قلت: فإذا نفيت عنهم صلوات الله عليهم الذنوب والمعاصي بما ذكرته من اختلاف المفسرين وتأويل المحقّقين- فما معنى قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه ١٢١] ، وما تكرّر في القرآن والحديث الصحيح من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم، وبكائهم على ما سلف منهم، وإشفاقهم. وهل يشفق ويتاب ويستغفر من لا شيء؟
فاعلم- وفّقنا الله وإيّاك أنّ درجة الأنبياء في الرّفعة والعلوّ والمعرفة بالله، وسنّته في عباده، وعظم سلطانه، وقوّة بطشه، ممّا يحملهم على الخوف منه ﷻ ، والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وأنهم- في تصرّفهم بأمور لم ينهوا عنها، ولا أمروا بها، ثم أوخذوا عليها، وعوتبوا بسببها، أو حذروا من المؤاخذة بها، وأتوها على وجه التّأويل أو السّهو، أو تزيّد من أمور الدنيا المباحة- خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى عليّ منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم، فإن الذنب مأخوذ من الشيء الدنيّ الرّذل، ومنه ذنب كل شيء، أي آخره. وأذناب الناس رذالهم، فكأن هذه أدنى أفعالهم، وأسوأ ما يجري من أحوالهم لتطهيرهم وتنزيههم وعمارة بواطنهم وظواهرهم بالعمل الصالح، والكلم الطيب، والذّكر الظاهر والخفيّ، والخشية لله، وإعظامه في السرّ والعلانية، وغيرهم يتلوّث من الكبائر والقبائح والفواحش ما تكون بالإضافة إليه هذه الهنات في حقّه كالحسنات، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، أي يرونها بالإضافة إلى عليّ أحوالهم كالسيئات.
وكذلك العصيان الترك والمخالفة، فعلى مقتضى اللفظة كيفما كانت من سهو أو تأويل فهي مخالفة وترك.
وقوله تعالى: فَغَوى، أي جهل أنّ تلك الشجرة هي التي نهى عنها، والغيّ: الجهل.
وقيل: أخطأ ما طلب من الخلود، إذ أكلها وخابت أمنيته.
وهذا يوسف ﵇ قد أوخذ بقوله لأحد صاحبي السّجن: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف ٤٢] .
قيل: أنسي يوسف ذكر الله.
وقيل: أنسي صاحبه أن يذكره لسيّده الملك،
قال النبي ﷺ : لولا كلمة يوسف ما لبث في السّجن ما لبث.
стр. 5273
قال ابن دينار: لمّا قال ذلك يوسف قيل له: اتّخذت من دوني وكيلا، لأطيلنّ حبسك.
فقال: يا رب، أنسى قلبي كثرة البلوى.
وقال بعضهم: يؤاخذ الأنبياء بمثاقيل الذّرّ، لمكانتهم عنده، ويجاوز عن سائر الخلق لقلة مبالاته بهم في أضعاف ما أتوا به من سوء الأدب.
وقد قال المحتج للفرقة الأولى على سياق ما قلناه: إذا كان الأنبياء يؤاخذون بهذا ممّا لا يؤاخذ به غيرهم من السّهو والنّسيان، وما ذكرته، وحالهم أرفع فحالهم إذا في هذا أسوأ حالا من غيرهم.
فاعلم- أكرمك الله- إنا لا نثبت لك المؤاخذة في هذا على حدّ مؤاخذة غيرهم، بل نقول: إنهم يؤاخذون بذلك في الدنيا، ليكون ذلك زيادة في درجاتهم، ويبتلون بذلك، ليكون استشعارهم له سببا لمنماة رتبهم، كما قال: ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى. وقال لداود: فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص ٢٥] .
وقال- بعد قول موسى: تُبْتُ إِلَيْكَ [الأعراف ١٤٣] : إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ [الأعراف ١٤٤] . وقال- بعد ذكر فتنة سليمان وإنابته: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ. وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ. هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ. وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص ٣٦- ٤٠] .
وقال بعض المتكلمين: زلّات الأنبياء في الظاهر زلّات، وفي الحقيقة كرامات وزلف، وأشار إلى نحو مما قدّمناه.
وأيضا فلينبّه غيرهم من البشر منهم، أو ممّن ليس في درجتهم بمؤاخذتهم بذلك، فيستشعروا الحذر، ويعتقدوا المحاسبة ليلتزموا الشكر على النّعم، ويعدّوا الصّبر على المحن بملاحظة ما وقع بأهل هذا النصاب الرّفيع المعصوم، فكيف بمن سواهم، ولهذا قال صالح المرّي: ذكر داود بسطة للتوّابين.
قال ابن عطاء: لم يكن ما نصّ الله تعالى عليه من قضية صاحب الحوت نقصا له، ولكن استزادة من نبينا ﷺ .
وأيضا فيقال لهم: فإنكم ومن وافقكم تقولون بغفران الصغائر باجتناب الكبائر.
ولا خلاف في عصمة الأنبياء من الكبائر، فما جوّزتم من وقوع الصغائر عليهم هي مغفورة على هذا، فما معنى المؤاخذة بها إذا عندكم وخوف الأنبياء وتوبتهم منها، وهي مغفورة لو كانت؟
стр. 5274
فما أجابوا به فهو جوابنا عن المؤاخذة بأفعال السّهو والتأويل.
وقد قيل: إنّ كثرة استغفار النبي ﷺ وتوبته وغيره من الأنبياء على وجه ملازمة الخضوع والعبوديّة، والاعتراف بالتقصير، شكرا لله على نعمه، كما
قال- ﷺ وقد أمن من المؤاخذة مما تقدّم وتأخّر: «أفلا أكون عبدا شكورا» ! وقال: «إني أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتّقي» .
قال الحارث بن أسد: خوف الملائكة والأنبياء خوف إعظام وتعبّد لله، لأنهم آمنون.
وقيل: فعلوا ذلك ليقتدى بهم، وتستنّ بهم أممهم، كما
قال ﷺ : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» .
وأيضا فإنّ في التوبة والاستغفار معنى آخر لطيفا أشار إليه بعض العلماء، وهو استدعاء محبّة الله، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة ٢٢٢] .
فإحداث الرسل والأنبياء الاستغفار والتوبة والإنابة والأوبة في كل حين- استدعاء لمحبّة الله! والاستغفار فيه معنى التّوبة، وقد قال الله لنبيّه- بعد أن غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [التوبة ١١٧] .
وقال تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر ٣] .
стр. 5275
الباب الثاني في الكلام على الملائكة- ﷺ -
وفيه أنواع:
الأوّل: في اشتقاق لفظ الملك وكيفيّة تصريفه .
فقيل: هو مشتق من الألوكة وهي الرّسالة وكذلك المألكة (ومنه قولهم: ألكني إليه) [ (١) ] قال الشاعر:
أبلغ النّعمان عنّي مالكا ... أنّه قد طال حبسي وانتظاري
[ (٢) ] أي: رسالة، ويقال فيها: ألوك أيضا قال لبيد:
وغلام أرسلته أمّه ... بألوك فبذلنا ما سأل
[ (٣) ] وقيل في الملك: إنه جمع مألكة، لما كانت الملائكة رسلا سميت لذلك.
قال الخليل بن أحمد- رحمه الله تعالى-: إنّما سمّيت الرّسالة مألكة، لأنّها تلوك في الفم من قولهم: فرس مألك اللّجام أي: يعلكه، وعلى هذا أصله مألك لكنهم قالوا في جمع مألك: ملائكة، فأتوا بالهمزة في موضع عين الكلمة فيكون واحده مألكا، وقد جاء ذلك في الشعر أنشد أبو وجزة:
فلست لإنسيّ ولكن لملأك ... ينزّل من جوّ السّماء يصوب
[ (٤) ] ووجه اشتقاقه من الألوكة يقتضي أن يكون مقلوبا، قلبت فاؤه إلى موضع عينه، ووزن ملأك معفل وإنما قلبت ليخفف بنقل حركة همزته، فلما نقلت حركة همزته إلى الساكن قبلها حذفت تخفيفا لها، فقيل: ملك، ولهذا ردّت همزة في جمعه فقيل: ملائكة وزنه: معافلة على هذا القول.
وقال ابن كيسان: هو الملاك فيكون فعالا، وأصله ملأك أيضا، لورود الهمزة في الجمع، لكن لا قلب فيه على هذا القول.
стр. 5276
وقال أبو عبيدة: أصله ملأك أيضا، لكن من لأك إذا أرسل، وقال أبو عمرو بن الحاجب- رحمه الله تعالى- الوجه هو القول الأوّل إذ ليس فيه إلا ارتكاب القلب، ولا بد فيه من إرادة الهمزة في مفرده لورودها في جمعه، قال ابن كيسان: فعال بعيد، لأن مثل ذلك نادر، ويفعل كثيرا وحمله على الكثير أولى من حمله على النّادر، لا سيما مع مناسبته للرسالة بخلاف الملك.
وأمّا قول أبي عبيد الله: إنه مفعل من لأك إذا أرسل فبعيد، لأنه يكون مرسلا لا مرشدا، وإذا كان من الألوكة كان مرسلا فترجح الأول.
الثاني: في حقيقة معناه:
ذهب أكثر المسلمين إلى أن الملائكة أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، مسكنها السموات، وهذا المذهب الذي يقوم عليه الدلالة، وقد دلت الأدلة السمعية على وجود الملائكة وأثبتها أهل الإسلام على الوجه الذي بيناه، واتفقت على وجودها الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم-، والملل كلها مجتمعة على ذلك وإن كان المرجع والاعتماد في إثباتها ووجودها على الأدلة السمعية، وما قاله الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- واجب المصير في معرفة حقائقهم إلى ما دلت عليه الأدلة السمعية من الكتب الإلهية وقول الأنبياء.
الثالث: في وجوب الإيمان بهم .
قال الله : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ قال النبي ﷺ في حديث جبريل لما سأله عن الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله قال الحافظ أبو بكر البيهقي- رحمه الله تعالى- في «شعب الإيمان» ، والإيمان بالملائكة ينتظم معاني:
أحدها: التصديق بوجودهم.
والثاني: إنزالهم منازلهم، وإثبات أنهم عباد الله وخلقه، كالإنس والجن، مأمورون مكلفون، لا يقدرون إلا على ما يقدرهم الله تعالى عليه، والموت عليهم جائز، ولكن الله تعالى جعل لهم أمدا بعيدا، فلا يتوفاهم حتى يبلغوه، ولا يوصفون بشيء يؤدي وصفهم به إلى إشراكهم بالله تعالى جده ولا يدعون آلهة كما دعتهم الأوائل.
والثالث: الاعتراف بأن منهم رسلا يرسلهم الله إلى من يشاء من البشر، وقد يجوز أن يرسل بعضهم إلى بعض ويتبع ذلك الاعتراف بأن منهم حملة العرش، ومنهم الصّافّون، ومنهم خزنة الجنة، ومنهم خزنة النار، ومنهم كتبة الأعمال، ومنهم الذين يسوقون السحاب، فقد ورد القرآن بذلك كله أو بأكثره.
стр. 5277
وروينا عن ابن عمر عن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي- ﷺ حين سئل عن الإيمان، فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وقال الإمام كمال الدّين ابن الزّملكانيّ- رحمه الله تعالى-: وبهذا الترتيب المذكور في الآية سرّ لطيف، وذلك لأن الفوز والكمال والرحمة والخير كله مضاف إلى الله ومنه والوسائط في ذلك الملائكة، والقابل لتلك الرحمة هم الأنبياء والرسل، فلا بد أولا، من أصل، وثانيا: من وسائط، وثالثا: من حصول تلك الرحمة، ورابعا: من وصولها إلى القابل لها بالأصل المفيض للخيرات والرحمة من الله تعالى، ومن أعظم رحمة رحم بها عباده إنزال كتبه إليهم، والموصل لها هم الملائكة، والقابل لها المنزل عليهم هم الأنبياء، فجاء الترتيب كذلك بحسب الواقع.
الرابع: في مبدأ خلقهم والدلالة على أنهم أجسام خلافا للفلاسفة
روى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ خلقت الملائكة من نور، وخلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم.
وروى أبو الشيخ في كتاب «العظمة» عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «خلق الله تعالى الملائكة من نور العزّة» .
وروى أبو الشيخ عن يزيد بن رومان، أنه بلغه أن الملائكة خلقت من روح الله تعالى.
الخامس: في فضلهم وشرفهم .
لا نزاع بين العقلاء المثبتين للملائكة في فضلهم وشرفهم، وعلو مرتبتهم وطهارتهم، منهم الكرام البررة المطهّرون، العباد المكرمون، وقد اشتمل القرآن الكريم من فضائلهم وذكر شرفهم عن مقامهم على ما لا يخفى، وجعل الله تعالى الإيمان بهم تاليا للإيمان به كما تقدم تقريره، ومن شرفهم أن الله جعل شرفهم شهادتهم بالقسط تلو شهادته، فقد قال تعالى شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران ١٨] ومن شرفهم قوله تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ [الأنبياء ١٩] فخصهم بالتعبدية المقتضية لقرب التكريم والتشريف.
وقوله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء ٢٠] وقوله :
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وقوله تعالى: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ [عبس ١٥، ١٦] .
وقوله : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ [الانفطار ١٠، ١١] إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 5278
السادس: في كثرتهم
قال الله : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر ٣١] .
روى البزار، وأبو الشيخ وابن مندة في كتاب «الرد على الجهمية» ، عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: خلق الله تعالى الملائكة من نور، وينفخ في ذلك، ثم يقول: ليكن منكم ألف، ألفان، فإن الملائكة لخلق أصغر من الذباب، وليس شيء أكثر من الملائكة.
وروى البيهقي في «الشعب» عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: إنّ من السموات لسماء ما فيها موضع شبر إلا وعليها جبهة ملك أو قدماه ثم قرأ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات ١٦٥] .
قال: روى أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: ما في السماء موضع إلا عليه ملك، إما ساجد وإما قائم حتى تقوم الساعة.
وروى أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال:
قال رسول الله- ﷺ : أطّت السّماء وحقّ لها أن تئطّ ما فيها موضع أربع أصابع إلّا وعليه ملك واضع جبهته [ساجدا لله، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذّذتم بالنّساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله، لوددت أنّي كنت شجرة تعضد] .
وروى أبو الشيخ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله- ﷺ : «ما من السّماء موضع إلّا عليه ملك ساجد أو قائم» فذلك قوله تعالى وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات ١٦٤- ١٦٥] .
وروى ابن أبي حاتم والطبراني والضياء في «المختارة» وأبو الشيخ عن حكيم بن حزام- رضي الله تعالى عنه- قال: بينما رسول الله- ﷺ مع أصحابه فقال لهم «هل تسمعون ما أسمع؟ قالوا ما نسمع من شيء، قال: إني لأسمع أطيط السّماء، وما تلام أن تئطّ، ما فيها موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد أو قائم أو ملك راكع» .
وروى الطبراني عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «ما في السموات السّبع موضع قدم ولا شبر ولا كفّ إلّا وفيه ملك قائم، أو ملك ساجد فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك إلا أنا لم نشرك بك شيئا» .
وروى الدينوري في «المجالسة» عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: ليس من خلق
стр. 5279
الله أكثر من الملائكة، ليس من بني آدم أحد إلا ومعه ملكان سائق يسوقه، وشاهد يشهد عليه، فهذا ضعف بني آدم، ثم بعد ذلك السموات والأرض، مكبوسات، ومن فوق السموات بعد الذين حول العرش أكثر مما في السموات.
وروى أبو الشيخ عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- عن رسول الله- ﷺ قال: «إنّ في الجنّة نهرا ما يدخله جبريل ممن دخله فيخرج فينتفض إلا خلق الله من كل قطرة تقطر منه ملكا» .
وروى أبو الشيخ عن وهب بن منبه: إنّ لله نهرا في الهواء سعة الأرضين كلّها سبع مرّات ينزل على ذلك النّهر ملك من السماء فيملؤه ويسدّ ما بين أطرافه، ثمّ يغتسل منه، فإذا خرج قطرت منه قطرات من نور، فيخلق من كل قطرة منها ملك، يسبّح الله تعالى بجميع تسبيح الخلائق كلّهم.
وروى أبو الشيخ عن الأوزاعي قال: قال موسى- ﵊ يا ربّ من معك في السماء قال: ملائكتي، قال: وكم هم يا رب قال: اثني عشر سبطا قال: وكم عدد كلّ سبط قال: عدد التّراب.
وروى أبو الشيخ عن كعب قال: لا تقطر عين ملك منهم إلا كانت ملكا، يطير من خشية الله تعالى.
وروى أبو الشيخ عن العلاء بن هارون قال: «لجبريل في كل يوم اغتماسة في الكوثر ثم ينتفض، فكل قطرة يخلق منها ملك» .
وروى أبو الشيخ عن الحكم بن عتيبة قال: بلغني أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من ولد آدم وولد إبليس يحصون كلّ قطرة، وأين تقع ومن يرزق ذلك النّبات.
وروى أبو الشيخ عن وهب قال: إنّ السّموات السّبع محشوّة من الملائكة، لو قيست شعرة ما انقاست، منهم الذّاكر والرّاكع والسّاجد، ترعد فرائصهم وتضطّرب أجنحتهم فرقا من الله تعالى، ولم يعصوه طرفة عين وإنّ حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى مخّه مسيرة خمس مائة عام.
وروى ابن المنذر في تفسيره عن عبد الله بن عمر يرفعه قال: الملائكة عشرة أجزاء تسعة أجزاء الكروبيون الذي يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزء قد وكّلوا بخزانة كلّ شيء وما من السّماء موضع إهاب إلّا وفيه ملك ساجد وملك راكع وإنّ الحرم بحيال العرش وإنّ البيت المعمور لبحيال الكعبة، لو سقط لسقط عليها، يصلّي فيه كلّ يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه» .
стр. 5280
وروى ابن المنذر عن عمر البكالي قال: إن الله جزّأ الملائكة عشرة أجزاء، منهم الكروبيون وهم الملائكة الذين يحملون العرش، ومنهم أيضا الذي يسبحون الليل والنهار لا يفترون، قال ومن بقي من الملائكة لأمر الله ورسالات الله.
وروى ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن عبد الرحمن بن سلمان أبي الأعيس عن أبيه قال: الإنس والجنّ عشرة أجزاء، فالإنس من ذلك جزء، والجنّ تسعة أجزاء، والجن والملائكة عشرة أجزاء، فالجن جزء والملائكة تسعة أجزاء، والملائكة والروح عشرة أجزاء، فالملائكة جزء، والروح تسعة أجزاء [ (١) ] ، فالرّوح والكروبيون عشرة أجزاء، فالروح من ذلك جزء، والكروبيون تسعة أجزاء.
وروى أبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان، والخطيب وابن عساكر من طريق عباد عن ابن منصور عن عدي بن أرطأة عن رجل من الصحابة سماه، قال عباد: فنسيت اسمه عن رسول الله- ﷺ قال: «إن لله ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته، ما منهم ملك يقطر من عينيه دمعة إلا وقعت ملكا قائما يسبّح، وملائكة سجودا منذ خلق الله السموات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وركوعا لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وصفوفا لم ينصرفوا عن مصافهم، ولا ينصرفون عنها إلى يوم القيامة فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ربهم فنظروا إليه، وقالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك» .
السابع: في رؤسائهم الأربعة الذين يدبّرون أمر الدنيا
روى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الشعب عن ابن سابط قال:
يدبّر أمر الدّنيا أربعة جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل، فأمّا جبريل فموكّل بالرّياح والجنود، وأمّا ميكائيل فموكّل بالقطر والنبات، وأمّا ملك الموت فموكل بقبض الأرواح وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم.
وروى أبو الشيخ عن ابن سابط قال: في أم الكتاب كلّ شيء هو كائن إلى يوم القيامة، ووكل ثلاثة من الملائكة أن يحفظوه، فوكّل جبريل بالكتاب أن ينزل به إلى الرسل ووكله أيضا بالهلكات، إذا أراد الله أن يهلك قوما، ووكله بالنّصر عند القتال، ووكّل ميكائيل بالحفظ وبالقطر ونبات الأرض، ووكل ملك الموت بقبض الأنفس فإذا ذهبت الدنيا جمع من حفظهم وقابل أم الكتاب فيجدونه سواء.
وروى البيهقي والطبراني وأبو الشيخ عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال بينا
стр. 5281
رسول الله- ﷺ ومعه جبريل بناحية إذ انشق أفق السّماء فأقبل جبريل يتضاءل، ويدخل بعضه في بعض ويدنو من الأرض، فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله- ﷺ فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويخيّرك بين أن تكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا، قال رسول الله- ﷺ فأشار إليّ جبريل بيده إن تواضع، فعرفت أنّه ناصح، فقلت له: نبيّا عبدا، فعرج ذلك الملك إلى السّماء، فقلت: يا جبريل قد كنت أردت أن أسالك عن هذا، فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة، فمن هذا يا جبريل؟ قال: هذا إسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافّا قدميه، لا يرفع طرفه بينه وبين الرب سبعون نورا، ما منها نور يدنو منه إلا احترق، بين يديه اللّوح المحفوظ، فإذا أذن الله بشيء في السّماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللّوح فضرب جبهته فينظر فيه، فإذا كان من عملي أمرني به، وإذا كان من عمل ميكائيل أمره به، وإن كان من عمل ملك الموت أمره به، قلت: يا جبريل على أي شيء أنت قال: على الرياح والجنود، قلت: على أي شيء ميكائيل قال على النبات والقطر، قلت: على أي شيء ملك الموت قال:
على قبض الأنفس. وما ظننت أنه هبط إلا بقيام الساعة، وما ذاك الذي رأيت مني إلّا خوفا من قيام الساعة.
وروى أبو الشيخ في العظمة عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «أن أقرب الخلق من الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، وإنّهم من الله لمسيرة خمسين ألف سنة، جبريل عن يمينه، وميكائيل عن الأخرى، وإسرافيل بينهما.
وروى أبو الشيخ عن وهب قال: هؤلاء الأربعة أملاك جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، أول من خلقهم الله تعالى من الخلق، وآخر من يميتهم، وأول من يحييهم هم المدبّرات أمرا والمقسّمات أمرا.
وروى أبو الشيخ عن خالد بن أبي عمران. قال: جبريل أمين الله إلى رسله، وميكائيل يتلقى الكتب التي ترفع من أعمال الناس، وإسرافيل بمنزلة الحاجب.
وروى أبو الشيخ عن عكرمة بن خالد أن رجلا قال: يا رسول الله أيّ الملائكة أكرم على الله تعالى؟ قال: لا أدري فجاءه جبريل فقال: يا جبريل أيّ الخلق أكرم على الله قال: لا أدري فعرج جبريل ثم هبط، فقال: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فأما جبريل فصاحب الحرب وصاحب المرسلين، وأمّا ميكائيل فصاحب كلّ قطرة تسقط وكلّ ورقة تسقط وكل حبة تنبت، وأمّا ملك الموت فهو موكّل بقبض روح كل عبد في برّ أو بحر، وأما إسرافيل فأمين الله تعالى بينه وبينهم.
وروى الطبراني والحاكم عن أبي المليح عن أبيه إنه صلى مع النبي- ﷺ ركعتي
стр. 5282
الفجر فصلّى قريبا منه، فصلى النبي- ﷺ ركعتين خفيفتين، فسمعته يقول: اللهمّ ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمّد أعوذ بك من النار ثلاث مرّات.
وروى أحمد في الزهد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن النبي- ﷺ أغمي عليه ورأسه في حجرها، فجعلت تمسح وجهه وتدعو له بالشّفاء، فلما أفاق قال: لا. بل اسألي الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل- عليهم الصلاة والسلام-.
[الثامن: في تفرقة أسماء من سمي منهم في الكتاب والسنة وكلام السلف وفيه فرعان .]
الأوّل: أن جميع أسمائهم غير عربية، رضوان ومالكا ونكرا ونكيرا، ولا ينصرف من أسمائهم إلا مالك ومن بعده] [ (١) ] .
الفرع الثاني [ (٢) ] : ورد في القرآن الكريم ذكر جبريل وميكائيل، وفي اسمهما لغات تقدمت في أبواب المعراج.
التاسع: قال الشيخ في «الحبائك» سئلت قديما أيّهما أفضل جبريل، أم إسرافيل، والجواب لم أقف على نقل في ذلك لأحد من العلماء، والآثار المتقدمة متعارضة، فحديث الطبراني مرفوعا «ألا أخبركم بأفضل الملائكة، جبريل» وأثر وهب «إن أدنى الملائكة من الله جبريل ثم ميكائيل يدل على تفضيل جبريل» .
وحديث ابن مسعود مرفوعا «إنّ أقرب الخلق إلى الله إسرافيل» وحديث أبي هريرة مرفوعا «إن الملك الذي يليه إسرافيل، ثم جبريل، ثم ميكائيل، ثم ملك الموت» وحديث ابن مسعود مرفوعا إسرافيل صاحب الصور، وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره» .
وحديث عائشة مرفوعا «إسرافيل ملك الله، ليس دونه شيء، وأثر كعب «إنّ أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل» . إلى آخره.
وأثر أبي بكر الهذلي: «ليس شيء من الخلق أقرب إلى الله من إسرافيل» إلى آخره.
وحديث ابن أبي جبلة «أول من يدعى يوم القيامة إسرافيل» إلى آخره. وأثر ابن سابط:
«يدبر أمر الدنيا أربعة جبريل وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل» إلى أن قال: «وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم» .
وحديث عكرمة بن خالد مرفوعا «وأما إسرافيل فأمين الله بينه وبينهم» أي: بين الله وبين جبريل وميكائيل وملك الموت.
стр. 5283
وأثر خالد بن أبي عمران «وإسرافيل بمنزلة الحاجب» .
وما شاكل ذلك يدل على تفضيل إسرافيل.
العاشر:
ذكر الإمام الحليمي في شعبه، وتبعه البيهقي والقاضي عياض والقونوي أن من الملائكة رسلا، وغير رسل، وأطلق الإمام الرازي القول أن الملائكة رسل الله، واحتج عليه بقوله تعالى جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فاطر ١] واعترض عليه بقوله تعالى اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج ٧٥] وأجاب بأن «من» للتبيين أو للتبعيض، وأطلق ذكر الخلاف في عصمتهم، والجمهور الأعظم من علماء الدين على عصمة كل من الملائكة عن جميع الذنوب ومن الحشوية من خالف في ذلك، وفي كلام غيره نظر من العلماء، منهم القاضي عياض وغيره ما يدل على أن منهم الرسل، ومنهم من ليس برسول، وجعل القاضي عياض الخلاف مبينا على ذلك، وسيأتي نقل كلامه بحروفه.
الحادي عشر: في عصمتهم
قال القاضي- رحمه الله تعالى-: اتفق أئمة المسلمين أن حكم المرسلين من الملائكة حكم النبيين، سواء في العصمة مما ذكرنا عصمتهم منه، وأنهم في حقوق الأنبياء والتبليغ إليهم كالأنبياء مع الأمم، واختلفوا في غير المرسلين منهم، فذهبت طائفة إلى عصمة جميعهم عن المعاصي، واحتجوا بقوله تعالى لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم ٦] .
قال الإمام الرازي- رحمه الله تعالى- هذه الآية تتناول جميع الملائكة في فعل جميع المأمورات وترك جميع المنهيات، لأن كل ما أمر بفعله فقد نهى عن ضده، والدليل على العموم صحة الاستثناء وبقوله تعالى يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء ٢٠] ومن هذه صفته لا يتصور منه صدور الذنب، إذ لو صدر منه الذنب لفتر عن التسبيح، وللمنع في هذا الوجه والذي قبله مجال واضح لقوله تعالى بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء ٢٧] وهذا يقتضي توقفهم في كل الأمور على أمر الله تعالى، ومن كان كذلك لم يصدر منه الذنب، وقرره الآمدي بأن قال المعصية إما بمخالفة الأمر والنهي، لا جائز أن يقع مخالفة الأمر، إذ هو خلاف الآية، ولا جائز أن يقع لمخالفة النّهي، لأن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، ومخالفة النهي إنما تكون بارتكاب المنهي عنه وارتكاب المنهي يقتضي عدم التلبس، وهذا بناء على أن النهي عن الشيء أمر بضده، وهي مسألة مشهورة.
واحتج الإمام مع من ذكر بوجهين آخرين:
أحدهما: أنهم طعنوا في البشر بالعصمة، فلو كانوا عصاة لما حسن منهم هذا الطعن، ولا يخفى ما فيه.
стр. 5284
الثاني: أنهم رسل الله تعالى بقوله تعالى جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فاطر ١] والرسول معصوم لقوله تعالى اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ وهو بناء على أن الكل رسل، وقد تقدم الكلام فيه، وعلى أن قوله تعالى اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ من أدلة العصمة غير الأنبياء ولمانع أن يمنع ذلك.
قال القاضي- رحمه الله تعالى-: وذهبت طائفة إلى أن هذا خصوص للمرسلين منهم والمقربين. واحتجوا بأشياء ذكرها أهل الأخبار والتفاسير نحن نذكرها إن شاء الله تعالى بعد، ونبين الوجه فيها إن شاء الله تعالى، والصواب عصمة جميعهم وتنزيه جانبهم الرفيع عن جميع ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم، واحتج من لم يوجب عصمة الملائكة جميعهم بأمور.
أحدهما: قصة هاروت وماروت، وهي قصة مشهورة، وخلاصتها أن هاروت وماروت كانا ملكين، وعجبا من عصيان بني آدم، وقالا: لو ركبت فينا شهوة بني آدم لما عصينا، فأنزلهما الله تعالى إلى الأرض، وركب فيهما الشهوة وقيض الله لهما الزهرة- وكانت من أجمل نساء وقتها- وأعجبتهما، وحملتها على السجود للصنم وقتل النفس وشرب الخمر، وتعلمت منهما الاسم الأعظم وصعدت به إلى السماء، فمسخت إما كوكبا، وإما سحابا، وإنهما استشفعا بإدريس، فخيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فلبسا الحديد ومكثا في بيوتهما ببابل، بينهما وبين الماء أربعة أصابع، ويوجد في هذه القصة زيادة ونقصان واختلاف كثير.
قال الشيخ كمال الدين: وأئمة النقل لم يصححوا هذه القصة، ولا أثبتوا روايتها عن علي وابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال القاضي رحمه الله تعالى: إن هذه الأخبار لم يرو منها شيء لا صحيح ولا سقيم عن النبي- ﷺ ، قال وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم.
فإن قيل: ففي كتاب الله تعالى وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة: ١٠٢] .
قلت: للناس في ذلك أقوال كثيرة، والمحققون ذهبوا في معناها إلى غير ما ذكر أولا في قصة هاروت وماروت، وقالوا في الآية قراءتان في (ملكين) إحداهما بكسر اللام وهي شاذة، والمشهورة بفتح اللام، ولكن ذكروا في تأويل ذلك أن الله تعالى كان قد امتحن الناس بالملكين، فإن السحر كان قد ظهر، وظهر قول أهله، فأنزل الله تعالى ملكين يعلمان الناس
стр. 5285
حقيقة السحر، ويوضحان أمره ليعلم الناس ذلك، ويميزوا بينه وبين المعجزة والكرامة، فمن جاء يطلب ذلك منهما ابتدراه وعلّماه، إنا إنّما أنزلنا فتنة لتعليم السحر، فمن تعلمه ليجتنبه ويعلم الفرق بينه وبين المعجزات والكرامات وما يظهره الله تعالى على أيدي عباده المؤمنين فذلك هو المرضي، ومن تعلمه لغير ذلك أدّى به إلى الكفر، فلهذا كان الملكان يقدمان للملكين هذه المقالة، ثم يقولان له: إن فعل الساحر كذا فرّق بين المرء وزوجه، فلا تتحيل بهذه الحيلة ولا تقل هذا القول، فإنه من قول السحرة ويودي إلى الكفر، ثم على هذا يكون فعل الملكين طاعة لأمر الله تعالى، ومن الناس من ذكر وجها آخر، وهو أن الله تعالى لما بين أن الكفار واليهود ادعوا على سليمان أنه ساحر، وقالوا: إن الجن دفنت كتب السحر تحت مصلاه، ثم أظهرتها بعد موته ليقول الناس كان ساحرا، وأن سليمان قد جمع كتب السحر ودفنها لتضيع على الناس، وأخرجها الجن واليهود بعد موته وصارت في أيديهم وفشا السحر فيما بينهم، ولهذا كثر ما يؤخذ من السحر عند اليهود، وكان اليهود يعزون ذلك إلى سليمان، فقال تعالى وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ثمّ إن اليهود ادّعت بعد ذلك أن السحر الذي في أيديهم من ميراث سليمان، وأن جبريل وميكائيل نزلا به، فأكذبهم الله تعالى في الأمرين، فقال: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ فتكون ما نافية على هذا القول عطفا على قوله تعالى وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ويكون قوله (ببابل) متعلق بقوله يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وعلى هذا فقيل: هاروت وماروت رجلان تعلما السحر.
وروى الحسن أنه قال: هاروت وماروت علجان من أهل بابل، وما أنزل على الملكين بكسر اللام، لكن ما على هذه القراءة اسمية، ويكون الإنزال من الشياطين، ويجوز أن تكون نافية وقرأ كذلك عبد الرحمن بن أبزى وفسر الملكين بداود وسليمان، ولا تكون ما على هذا القول إلا نافية.
وقال الإمام الرازي: ويدل على بطلان هذه القصة التي تروى في حديث هاروت وماروت أنهم ذكروا فيها أن الله تعالى قال لهما: لو ابتليتما مما ابتلى بنو آدم لعصيتماني، فقالا: لو فعلت ذلك يا رب ما عصيناك وهذا لا يجوز نسبته إلى ملكين، فإنه رد على الله تعالى، ويدل على بطلانها أيضا أن التخيير وقع بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، والله تعالى خير العصاة بل الكفار بين التوبة والعذاب، ولذلك رووا أنهما يعلمان الناس السحر حال كونهما معذبين، وهذا من أعجب العجب ثم إنهم يروون أن المرأة التي فجرت صعدت إلى السماء ومسخت كوكبا مضيئا من السبعة السيارة، وهذا مخالف للإقسام بالخنّس الجوار الكنّس.
стр. 5286
قال الشيخ في الحبائك: وقال الصفوي الأموي في رسالته بعد أن ذكر عصمتهم واستدل عليها واحتج المخالف بقصة هاروت وماروت، وبقصة إبليس مع آدم، وباعتراضهم على الله تعالى في خلق آدم بقولهم أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وجوابه على سبيل الإجمال: أن جميع ما ذكرتم محتمل احتمالا بعيدا أو قريبا، وعلى التقديرين لا يعارض ما دل على عصمتهم زمن الصرائح والظواهر، قال الشيخ: وهذا الجواب في قصة هاروت وماروت أعقد من الجواب الذي قبله لما تقدم عند ذكرهما من الأحاديث الصحيحة.
وقال القرافي من أئمة المالكية: ومن اعتقد في هاروت وماروت إنما يعذبان بأرض الهند على خطيئتهما مع الزهرة فهو كافر، بل هم رسل الله وخاصته يجب تعظيمهم وتوقيرهم وتنزيههم عن كل ما يخل بعظيم قدرهم، ومن لم يفعل ذلك وجب إراقة دمه.
وقال البلقيني في منهج الأصلين: العصمة واجبة لصفة النبوة والملائكة، وجائزة لغيرهما، ومن وجبت له العصمة فلا يقع منه كبيرة ولا صغيرة، ولذلك نعتقد عصمة الملائكة المرسلين منهم وغير المرسلين، [قال الله تعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ والآيات في هذا المعنى كثيرة] وإبليس لم يكن من الملائكة، وإنما كان من الجن ففسق عن أمر ربه، وأما هاروت وماروت [فلا يصح فيهما خبر، وفي كتاب الجامع من المحلى لابن حزم أن هاروت وماروت] [ (١) ] من الجن، وليسا ملكين.
قال الشيخ: قلت: فإن صح هذا لم يحتج إلى الجواب عن قصتهما، كما أن إبليس لم يكن من الملائكة، وإنما كان بينهم وهو من الجن.
وقال الإمام أبو منصور الماتريدي إمام الحنفية في الاعتقاديات: كما أن الشيخ أبا الحسن الأشعري إمام الشافعية في ذلك ما نصه: «ثم إن الملائكة كلهم معصومون، خلقوا للطاعة إلا هاروت وماروت» . وقال القرافي: اعلم أنه يجب على كل مكلف تعظيم الأنبياء بأسرهم، وكذلك الملائكة ومن نال من أعراضهم شيئا فقد كفر، سواء كان بالتعريض أو بالتصريح، فمن قال في رجل يراه شديد البطش هذا أقسى قلبا من مالك خازن النار، وقال في رجل يراه مشوه الخلق هذا أوحش من منكر ونكير، فهو كافر، إذ قال ذلك في معرض النقص بالوحاشة والقساوة.
الثاني: من الأدلّة التي استدل بها من قال بعدم عصمتهم في قصة آدم وأمرهم بالسجود له ما قالوا عند خلقه والاحتجاج بها من وجوه:
стр. 5287
أحدها: اعتراضهم بقولهم أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها.
الثاني: غيبتهم لبني آدم بذلك.
والثالث: إعجابهم وافتخارهم على بني آدم بقولهم وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.
والرابع: مخالفة إبليس في الأمر بالسجود مع أنه كان من الملائكة.
فهذه الوجوه الأربعة أشبه ما احتج به المخالف من هذه الآية، وإن كان فيها وجوه أخر من الاحتجاج، لكن أعرضنا عنها لضعفها ووضوح الجواب عنها، والجواب عن هذه الوجوه.
أما الأول: وهو أنهم اعترضوا على الله تعالى، فقد أجاب عنه أهل السنة بوجوه ثلاثة.
أحدها: أن هذا ليس على سبيل الاعتراض، وإنما هو على سبيل التعلم لأمر الله تعالى، ومعناه أنهم قالوا ذلك ليظهروا عظمة حكمة الله تعالى، وأنّه جعل في الأرض من هذه صنعته، وهذا الذي ظهر من حاله بحكمه عليها ومصلحة قدرها هو أعلم بها، فكأنهم قالوا: سبحانك ربّنا وتعاليت ما أعظم شأنك وحكمتك، فعلمك بخفايا الأمور حيث تجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء، وأنت أعلم بموضع المصلحة في ذلك، ولهذا أجابهم بقوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فإنه تقرير لهم على ما اعتقدوه من خفي حكمة الله تعالى وعلمه.
والثاني: أنهم لشدة محبتهم لله تعالى وحرصهم على الطاعة كرهوا المعصية، فسألوا أعلامهم بما خفي من الحكمة في ذلك، ليطمئنوا ويسكنوا إليه، وهو قول الأخفش.
والثالث: وهو الذي اختاره القفال، إنّ ذلك على سبيل الإثبات والإيجاب، فهو استفهام تقرير وإيجاب، وليس المراد به الاستعلام ولا الإنكار، فكأنهم قالوا يفعل ذلك، وهو كقول الشاعر:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
[ (١) ] أي: أنتم كذلك وقد قيل غير هذه الأجوبة لكن هذه أقواها.
فإن قيل: فكيف علم الملائكة أن بني آدم يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض وكيف أضافوا ذلك إلى جميعهم مع أنه مضاف إلى البعض.
قلنا: لعلهم كانوا قد اطلعوا على ذلك من اللوح المحفوظ، وأن الله تعالى أعلمهم
стр. 5288
بذلك أو علموه من جهة أنهم رأوا خلقه مركبا على الغضب والشهوة، ومن كان كذلك فالظاهر أنه يفسد ويسفك الدماء، أو علموه لأنهم لما رأوا ما خلق للإنسان من العذاب في النار، أو لتسمية الله تعالى آدم خليفة فإنه قيّم بفصل الخصومات، فعلموا أحواله من جهة خلافته، وكل هذه الوجوه منقولة.
وأما إضافتهم ذلك إلى جميع بني آدم فليس في الكلام صريح إضافة إلى الجميع، ولو صدر هذا من واحد صحّ أن يقال: جعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء، لأن من تقع على الواحد والجمع.
والجواب عن هذا الوجه الثاني: وهو أن قولهم: إن هذه غيبة لبني آدم، أن الغيبة قد تباح للمصلحة في مواضع، منها نصيحة المسلم في عبد يشتريه، أو زوجة يتزوجها، أو ما ناسب ذلك، لحديث فاطمة بنت قيس، لما خطبها معاوية وأبو جهم،
وقول رسول الله- ﷺ لها: «أما معاوية فصعلوك، وأمّا أبو جهم فلا يضع العصي عن عاتقه» ،
ومنها إعلامه بما يقال فيه ليتجنبه، ومنها الإعلام بحال من لا يصلح لأمر مهم من أمور المسلمين، مثل وليّ أمر يريد أن يولّي رجلا ما لا يصلح له، ومثل رجل يريد أن يستفتي أو يتعلم منه، ومنها أن يكون ذلك للتعريف، كالألقاب، ومنها ما يقع في الفتوى والتعلم، فيجوز للمتعلم والمستفتي أن يوضح الحال فيما أريد السؤال عنه، كقول المرأة للمفتي: زوجي كذا فما أفعل، وقد صحّ في هذا حديث هند امرأة أبي سفيان وأنها قالت للنبي- ﷺ أن أبا سفيان رجل شحيح، وجاز ذلك لحاجتها إلى علم ما يجوز لها أن تتناول من ماله، وقصة الملائكة من هذا الباب، لأن قصدهم إنما كان معرفة الحكم وإزالة الإشكال في ذلك والتعلم، فكان ذلك من الغيبة الجائزة.
والجواب عن الوجه الثالث، وهو أن قولهم: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ إلى آخره جار مجرى الإعجاب من وجهين.
أحدهما: أنا لا نسلم أن ذلك من باب مدح النفس، بل هو من التحدث بنعم الله ، والتحدث بنعم الله شكر، وقد قال تعالى لنبيه- ﷺ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ.
والثاني: أن ذلك جار مجرى الاعتذار عما ذكروه، لأن قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها في صورة الاعتراض، فأراد الملائكة نفي توهم ذلك عنهم، فأتبعوا سؤالهم بقولهم وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ يعنون الله تعالى أعلم، أنا لسنا نعترض عليك في أمرك، فإنّا عبيدك المسبحون المقدسون.
والجواب عن الرابع هو أن إبليس كان من الملائكة وعصى، وأن الناس اختلفوا فيه.
قال الإمام النووي: روي عن طاوس ومجاهد وابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أنه
стр. 5289
كان من الملائكة، واسمه عزرائيل فلما عصى الله تعالى لعنه وجعله شيطانا مريدا وسماه إبليس لأنّ الله أبلسه من الخير كله أي: أيس من رحمه الله تعالى، والمبلس المكتئب الحزين.
قال الواحدي: والاختيار أنه ليس بمشتق لإجماع النحويين على أنه منع من الصرف للعجمة والمعرفة، ثم قال وبهذا أي: بالقول أنه كان من الملائكة. قال ابن مسعود وابن المسيب وقتادة وابن جرير واختاره الرّازي وابن الأنباري قالوا: وهو مستثنى من المستثنى منه، قالوا وقول الله تعالى كانَ مِنَ الْجِنِّ أي: طائفة من الملائكة يقال له الجن.
وقال الحسن، وعبد الله بن يزيد، وشهر بن حوشب: ما كان من الملائكة قطّ، والاستثناء منقطع، والمعنى عندهم أن الملائكة وإبليس أمروا بالسجود فأطاعت الملائكة كلهم وعصى إبليس، والصحيح أنه من الملائكة، لأنه لم ينقل أن غير الملائكة أمر بالسجود والأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، والله تعالى أعلم.
وأما إنظاره إلى يوم الدين فزيادة في عقوبته وتكفير معاصيه وغوايته. انتهى.
وقال القاضي: الأكثرون ينفون أنه ليس من الملائكة، ويقولون: إنه أبو الجن، كما أن آدم أبو الإنس.
стр. 5290
[المجلد الثاني عشر]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في جماع أبواب ما يخصه- ﷺ من الأمور الدنيوية وما يطرأ عليه من العوارض البشرية وكذا سائر الأنبياء
الباب الأول في حاله في جسمه ﷺ
قال القاضي: فيما يخصّهم في الأمور الدنيوية ويطرأ عليهم من العوارض البشرية قد قدّمنا أنه- ﷺ وسائر الأنبياء والرسل من البشر، وأنّ جسمه وظاهره خالص للبشر، يجوز عليه من الآفات والتغييرات، والآلام والأسقام، وتجرّع كأس الحمام ما يجوز على البشر، وهذا كلّه ليس بنقيصة فيه، لأنّ الشيء، إنما يسمّى ناقصا بالإضافة إلى ما هو أتمّ منه وأكمل من نوعه، وقد كتب الله تعالى على أهل هذه الدار: فيها تحيون، وفيها تموتون، ومنها تخرجون، وخلق جميع البشر بمدرجة الغير، فقد مرض ﷺ ، واشتكى، وأصابه الحرّ والقرّ، وأدركه الجوع والعطش، ولحقه الغضب والضّجر، وناله الإعياء والتّعب، ومسّه الضّعف والكبر، وسقط فجحش شقّه، وشجّه الكفّار، وكسروا رباعيته، وسقي السمّ، وسحر، وتداوى، واحتجم، وتنشّر وتعوّذ، ثم قضى نحبه فتوفّي ﷺ ، ولحق بالرفيق الأعلى، وتخلّص من دار الامتحان والبلوى، وهذه سمات البشّر التي لا محيص عنها، وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم منه، فقتلوا قتلا. ورموا في النار، ووشروا بالمياشير. ومنهم من وقاه الله ذلك في بعض الأوقات. ومنهم من عصمه كما عصم بعد نبيّنا من الناس، فلئن لم يكف نبيّنا ربّه يد ابن قميئة يوم أحد، ولا حجبه عن عيون عداه عند دعوته أهل الطائف، فلقد أخذ على عيون قريش عند خروجه إلى ثور، وأمسك عنه سيف غورث، وحجر أبي جهل، وفرس سراقة، ولئن لم يقه من سحر ابن الأعصم فلقد وقاه ما هو أعظم، من سمّ اليهودية.
وهكذا سائر أنبيائه مبتلى ومعافى، وذلك من حكمته، ليظهر شرفهم في هذه المقامات، ويبيّن أمرهم، ويتمّ كلمته فيهم، وليحقّق بامتحانهم بشريّتهم، ويرتفع الالتباس عن أهل الضّعف فيهم لئلا يضلّوا بما يظهر من العجائب على أديهم ضلال النصارى بعيسى ابن مريم، وليكون في محنهم تسلية لأممهم، ووفور لأجورهم عند ربهم تماما على الّذي أحسن إليهم.