← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

قال الشيخ في الحبائك: وقال الصفوي الأموي في رسالته بعد أن ذكر عصمتهم واستدل عليها واحتج المخالف بقصة هاروت وماروت، وبقصة إبليس مع آدم، وباعتراضهم على الله تعالى في خلق آدم بقولهم أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وجوابه على سبيل الإجمال: أن جميع ما ذكرتم محتمل احتمالا بعيدا أو قريبا، وعلى التقديرين لا يعارض ما دل على عصمتهم زمن الصرائح والظواهر، قال الشيخ: وهذا الجواب في قصة هاروت وماروت أعقد من الجواب الذي قبله لما تقدم عند ذكرهما من الأحاديث الصحيحة. وقال القرافي من أئمة المالكية: ومن اعتقد في هاروت وماروت إنما يعذبان بأرض الهند على خطيئتهما مع الزهرة فهو كافر، بل هم رسل الله وخاصته يجب تعظيمهم وتوقيرهم وتنزيههم عن كل ما يخل بعظيم قدرهم، ومن لم يفعل ذلك وجب إراقة دمه. وقال البلقيني في منهج الأصلين: العصمة واجبة لصفة النبوة والملائكة، وجائزة لغيرهما، ومن وجبت له العصمة فلا يقع منه كبيرة ولا صغيرة، ولذلك نعتقد عصمة الملائكة المرسلين منهم وغير المرسلين، [قال الله تعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ والآيات في هذا المعنى كثيرة] وإبليس لم يكن من الملائكة، وإنما كان من الجن ففسق عن أمر ربه، وأما هاروت وماروت [فلا يصح فيهما خبر، وفي كتاب الجامع من المحلى لابن حزم أن هاروت وماروت] [ (١) ] من الجن، وليسا ملكين. قال الشيخ: قلت: فإن صح هذا لم يحتج إلى الجواب عن قصتهما، كما أن إبليس لم يكن من الملائكة، وإنما كان بينهم وهو من الجن. وقال الإمام أبو منصور الماتريدي إمام الحنفية في الاعتقاديات: كما أن الشيخ أبا الحسن الأشعري إمام الشافعية في ذلك ما نصه: «ثم إن الملائكة كلهم معصومون، خلقوا للطاعة إلا هاروت وماروت» . وقال القرافي: اعلم أنه يجب على كل مكلف تعظيم الأنبياء بأسرهم، وكذلك الملائكة ومن نال من أعراضهم شيئا فقد كفر، سواء كان بالتعريض أو بالتصريح، فمن قال في رجل يراه شديد البطش هذا أقسى قلبا من مالك خازن النار، وقال في رجل يراه مشوه الخلق هذا أوحش من منكر ونكير، فهو كافر، إذ قال ذلك في معرض النقص بالوحاشة والقساوة. الثاني: من الأدلّة التي استدل بها من قال بعدم عصمتهم في قصة آدم وأمرهم بالسجود له ما قالوا عند خلقه والاحتجاج بها من وجوه:

стр. 5287

أحدها: اعتراضهم بقولهم أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها. الثاني: غيبتهم لبني آدم بذلك. والثالث: إعجابهم وافتخارهم على بني آدم بقولهم وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ. والرابع: مخالفة إبليس في الأمر بالسجود مع أنه كان من الملائكة. فهذه الوجوه الأربعة أشبه ما احتج به المخالف من هذه الآية، وإن كان فيها وجوه أخر من الاحتجاج، لكن أعرضنا عنها لضعفها ووضوح الجواب عنها، والجواب عن هذه الوجوه. أما الأول: وهو أنهم اعترضوا على الله تعالى، فقد أجاب عنه أهل السنة بوجوه ثلاثة. أحدها: أن هذا ليس على سبيل الاعتراض، وإنما هو على سبيل التعلم لأمر الله تعالى، ومعناه أنهم قالوا ذلك ليظهروا عظمة حكمة الله تعالى، وأنّه جعل في الأرض من هذه صنعته، وهذا الذي ظهر من حاله بحكمه عليها ومصلحة قدرها هو أعلم بها، فكأنهم قالوا: سبحانك ربّنا وتعاليت ما أعظم شأنك وحكمتك، فعلمك بخفايا الأمور حيث تجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء، وأنت أعلم بموضع المصلحة في ذلك، ولهذا أجابهم بقوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فإنه تقرير لهم على ما اعتقدوه من خفي حكمة الله تعالى وعلمه. والثاني: أنهم لشدة محبتهم لله تعالى وحرصهم على الطاعة كرهوا المعصية، فسألوا أعلامهم بما خفي من الحكمة في ذلك، ليطمئنوا ويسكنوا إليه، وهو قول الأخفش. والثالث: وهو الذي اختاره القفال، إنّ ذلك على سبيل الإثبات والإيجاب، فهو استفهام تقرير وإيجاب، وليس المراد به الاستعلام ولا الإنكار، فكأنهم قالوا يفعل ذلك، وهو كقول الشاعر: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح [ (١) ] أي: أنتم كذلك وقد قيل غير هذه الأجوبة لكن هذه أقواها. فإن قيل: فكيف علم الملائكة أن بني آدم يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض وكيف أضافوا ذلك إلى جميعهم مع أنه مضاف إلى البعض. قلنا: لعلهم كانوا قد اطلعوا على ذلك من اللوح المحفوظ، وأن الله تعالى أعلمهم

стр. 5288

بذلك أو علموه من جهة أنهم رأوا خلقه مركبا على الغضب والشهوة، ومن كان كذلك فالظاهر أنه يفسد ويسفك الدماء، أو علموه لأنهم لما رأوا ما خلق للإنسان من العذاب في النار، أو لتسمية الله تعالى آدم خليفة فإنه قيّم بفصل الخصومات، فعلموا أحواله من جهة خلافته، وكل هذه الوجوه منقولة. وأما إضافتهم ذلك إلى جميع بني آدم فليس في الكلام صريح إضافة إلى الجميع، ولو صدر هذا من واحد صحّ أن يقال: جعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء، لأن من تقع على الواحد والجمع. والجواب عن هذا الوجه الثاني: وهو أن قولهم: إن هذه غيبة لبني آدم، أن الغيبة قد تباح للمصلحة في مواضع، منها نصيحة المسلم في عبد يشتريه، أو زوجة يتزوجها، أو ما ناسب ذلك، لحديث فاطمة بنت قيس، لما خطبها معاوية وأبو جهم، وقول رسول الله- ﷺ لها: «أما معاوية فصعلوك، وأمّا أبو جهم فلا يضع العصي عن عاتقه» ، ومنها إعلامه بما يقال فيه ليتجنبه، ومنها الإعلام بحال من لا يصلح لأمر مهم من أمور المسلمين، مثل وليّ أمر يريد أن يولّي رجلا ما لا يصلح له، ومثل رجل يريد أن يستفتي أو يتعلم منه، ومنها أن يكون ذلك للتعريف، كالألقاب، ومنها ما يقع في الفتوى والتعلم، فيجوز للمتعلم والمستفتي أن يوضح الحال فيما أريد السؤال عنه، كقول المرأة للمفتي: زوجي كذا فما أفعل، وقد صحّ في هذا حديث هند امرأة أبي سفيان وأنها قالت للنبي- ﷺ أن أبا سفيان رجل شحيح، وجاز ذلك لحاجتها إلى علم ما يجوز لها أن تتناول من ماله، وقصة الملائكة من هذا الباب، لأن قصدهم إنما كان معرفة الحكم وإزالة الإشكال في ذلك والتعلم، فكان ذلك من الغيبة الجائزة. والجواب عن الوجه الثالث، وهو أن قولهم: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ إلى آخره جار مجرى الإعجاب من وجهين. أحدهما: أنا لا نسلم أن ذلك من باب مدح النفس، بل هو من التحدث بنعم الله ، والتحدث بنعم الله شكر، وقد قال تعالى لنبيه- ﷺ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ. والثاني: أن ذلك جار مجرى الاعتذار عما ذكروه، لأن قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها في صورة الاعتراض، فأراد الملائكة نفي توهم ذلك عنهم، فأتبعوا سؤالهم بقولهم وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ يعنون الله تعالى أعلم، أنا لسنا نعترض عليك في أمرك، فإنّا عبيدك المسبحون المقدسون. والجواب عن الرابع هو أن إبليس كان من الملائكة وعصى، وأن الناس اختلفوا فيه. قال الإمام النووي: روي عن طاوس ومجاهد وابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أنه

стр. 5289

كان من الملائكة، واسمه عزرائيل فلما عصى الله تعالى لعنه وجعله شيطانا مريدا وسماه إبليس لأنّ الله أبلسه من الخير كله أي: أيس من رحمه الله تعالى، والمبلس المكتئب الحزين. قال الواحدي: والاختيار أنه ليس بمشتق لإجماع النحويين على أنه منع من الصرف للعجمة والمعرفة، ثم قال وبهذا أي: بالقول أنه كان من الملائكة. قال ابن مسعود وابن المسيب وقتادة وابن جرير واختاره الرّازي وابن الأنباري قالوا: وهو مستثنى من المستثنى منه، قالوا وقول الله تعالى كانَ مِنَ الْجِنِّ أي: طائفة من الملائكة يقال له الجن. وقال الحسن، وعبد الله بن يزيد، وشهر بن حوشب: ما كان من الملائكة قطّ، والاستثناء منقطع، والمعنى عندهم أن الملائكة وإبليس أمروا بالسجود فأطاعت الملائكة كلهم وعصى إبليس، والصحيح أنه من الملائكة، لأنه لم ينقل أن غير الملائكة أمر بالسجود والأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، والله تعالى أعلم. وأما إنظاره إلى يوم الدين فزيادة في عقوبته وتكفير معاصيه وغوايته. انتهى. وقال القاضي: الأكثرون ينفون أنه ليس من الملائكة، ويقولون: إنه أبو الجن، كما أن آدم أبو الإنس.

стр. 5290

[المجلد الثاني عشر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ في جماع أبواب ما يخصه- ﷺ من الأمور الدنيوية وما يطرأ عليه من العوارض البشرية وكذا سائر الأنبياء الباب الأول في حاله في جسمه ﷺ قال القاضي: فيما يخصّهم في الأمور الدنيوية ويطرأ عليهم من العوارض البشرية قد قدّمنا أنه- ﷺ وسائر الأنبياء والرسل من البشر، وأنّ جسمه وظاهره خالص للبشر، يجوز عليه من الآفات والتغييرات، والآلام والأسقام، وتجرّع كأس الحمام ما يجوز على البشر، وهذا كلّه ليس بنقيصة فيه، لأنّ الشيء، إنما يسمّى ناقصا بالإضافة إلى ما هو أتمّ منه وأكمل من نوعه، وقد كتب الله تعالى على أهل هذه الدار: فيها تحيون، وفيها تموتون، ومنها تخرجون، وخلق جميع البشر بمدرجة الغير، فقد مرض ﷺ ، واشتكى، وأصابه الحرّ والقرّ، وأدركه الجوع والعطش، ولحقه الغضب والضّجر، وناله الإعياء والتّعب، ومسّه الضّعف والكبر، وسقط فجحش شقّه، وشجّه الكفّار، وكسروا رباعيته، وسقي السمّ، وسحر، وتداوى، واحتجم، وتنشّر وتعوّذ، ثم قضى نحبه فتوفّي ﷺ ، ولحق بالرفيق الأعلى، وتخلّص من دار الامتحان والبلوى، وهذه سمات البشّر التي لا محيص عنها، وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم منه، فقتلوا قتلا. ورموا في النار، ووشروا بالمياشير. ومنهم من وقاه الله ذلك في بعض الأوقات. ومنهم من عصمه كما عصم بعد نبيّنا من الناس، فلئن لم يكف نبيّنا ربّه يد ابن قميئة يوم أحد، ولا حجبه عن عيون عداه عند دعوته أهل الطائف، فلقد أخذ على عيون قريش عند خروجه إلى ثور، وأمسك عنه سيف غورث، وحجر أبي جهل، وفرس سراقة، ولئن لم يقه من سحر ابن الأعصم فلقد وقاه ما هو أعظم، من سمّ اليهودية. وهكذا سائر أنبيائه مبتلى ومعافى، وذلك من حكمته، ليظهر شرفهم في هذه المقامات، ويبيّن أمرهم، ويتمّ كلمته فيهم، وليحقّق بامتحانهم بشريّتهم، ويرتفع الالتباس عن أهل الضّعف فيهم لئلا يضلّوا بما يظهر من العجائب على أديهم ضلال النصارى بعيسى ابن مريم، وليكون في محنهم تسلية لأممهم، ووفور لأجورهم عند ربهم تماما على الّذي أحسن إليهم.

стр. 5291

قال بعض المحققين: وهذه الطوارئ والتغييرات المذكورة إنما تختصّ بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر، ومعاناة بني آدم لمشاكلة الجنس. وأمّا بواطنهم فمنزّهة غالبا عن ذلك معصومة منه، متعلقة بالملإ الأعلى والملائكة لأخذها عنهم، وتلقّيها الوحي منهم. قال: وقد قال ﷺ : إن عيني تنامان ولا ينام قلبي. وقال: إنّي لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربّي ويسقيني. وقال: لست أنسي، ولكن أنسّى، ليستنّ بي. فأخبر أنّ سرّه وباطنه وروحه بخلاف جسمه وظاهره، وأنّ الآفات التي تحلّ ظاهره من ضعف وجوع، وسهر ونوم، لا يحلّ منها شيء باطنه، بخلاف غيره من البشر في حكم الباطن، لأن غيره إذا نام استغرق النوم جسمه وقلبه، وهو ﷺ في نومه حاضر القلب كما هو في يقظته حتى قد جاء في بعض الآثار أنه كان محروسا من الحدث في نومه لكون قلبه يقظان كما ذكرناه. وكذلك غيره إذا جاع ضعف لذلك جسمه، وخارت قوّته، فبطلت بالكليّة جملته، وهو ﷺ قد أخبره أنه لا يعتريه ذلك، وأنه بخلافهم، لقوله: لست كهيئتكم: إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني. وكذلك أقول: إنه في هذه الأحوال كلّها، من وصب ومرض، وسحر وغضب، لم يجز على باطنه ما يخلّ به، ولا فاض منه على لسانه وجوارحه ما لا يليق به، كما يعتري غيره من البشر ممّ نأخذ بعد في بيانه. فإن قلت: فقد جاءت الأخبار الصحيحة أنه ﷺ سحر كما حدثنا الشيخ أبو محمد العتّابي بقراءتي عليه، قال: حدثنا حاتم بن محمد، حدثنا أبو الحسن علي بن خلف، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا البخاري، حدثنا عبيد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: سحر رسول الله ﷺ حتى أنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله. وفي رواية أخرى: حتى كان يخيّل إليه أنه كان يأتي النساء ولا يأتيهن ... الحديث. وإذا كان هذا من التباس الأمر على المسحور فكيف حال النبي ﷺ في ذلك؟ وكيف جاز عليه- وهو معصوم؟

стр. 5292

فاعلم- وفّقنا الله وإياك- إن هذا الحديث صحيح متفق عليه، وقد طعنت فيه الملحدة، وتدرّعت به لسخف عقولها وتلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في الشّرع، وقد نزّه الله الشّرع والنبيّ عما يدخل في أمره لبسا وإنما السّحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل، يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوّته. وأمّ ما ورد أنه كان يخيّل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه، لقيام الدّليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طروءه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها، ولا فضّل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيّل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه، كما كان. وأيضا فقد فسّر هذا الفصل الحديث الآخر من قوله: حتى يخيّل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن. وقد قال سفيان- وهذا أشدّ من السّحر، ولم يأت في خبر منها أنه نقل عنه في ذلك قول بخلاف ما كان أخبر أنه فعله ولم يفعله، وإنما كانت خواطر وتخيلات. وقد قيل: إنّ المراد بالحديث أنه كان يتخيّل الشيء أنه فعله، وما فعله، لكنه تخييل لا يعتقد صحته، فتكون اعتقاداته كلها على السّداد، وأقواله على الصحة. هذا ما وقفت عليه لأئمتنا من الأجوبة عن هذا الحديث مع ما أوضحناه من معنى كلامهم، وزدناه بيانا من تلويحاتهم. وكلّ وجه منها مقنع، لكنه قد ظهر لي في الحديث تأويل أجلى وأبعد من مطاعن ذوي الأضاليل يستفاد من نفس الحديث، وهو أنّ عبد الرزّاق قد روي هذا الحديث عن ابن المسيب، وعروة بن الزبير، وقال فيه عنهما: سحر يهود بني زريق رسول الله ﷺ ، فجعلوه في بئر حتى كاد رسول الله ﷺ أن ينكر بصره، ثمّ دلّه الله على ما صنعوا فاستخرجه من البئر. وروى نحوه، عن الواقدي، وعن عبد الرحمن بن كعب، وعمر بن الحكم. وذكر عن عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر: حبس رسول الله ﷺ عن عائشة سنة، فبينا هو نائم أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ... الحديث. قال عبد الرزاق: حبس رسول الله ﷺ عن عائشة خاصة سنة حتى أنكر بصره. وروى محمد بن سعد، عن ابن عباس: مرض رسول الله ﷺ ، فحبس عن النساء والطعام والشراب، فهبط عليه ملكان ... وذكر القصة.

стр. 5293

فقد استبان لك من مضمون هذه الروايات أن السّحر إنما تسلّط على ظاهره وجوارحه، لا على قلبه واعتقاده وعقله، وأنه إنما أثّر في بصره، وحبسه عن وطء نسائه [وطعامه، وأضعف جسمه وأمرضه] ، ويكون معنى قوله: يخيّل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن، أي يظهر له من نشاطه ومتقدّم عادته القدرة على الإيتاء، فإذا دنا منهنّ أصابته أخذة السّحر، فلم يقدر على إتيانهنّ، كما يعتري من أخّذ واعترض. ولعله لمثل هذا أشار سفيان بقوله: وهذا أشدّ ما يكون من السّحر. ويكون قول عائشة في الرواية الأخرى: إنه ليخيّل إليه أنه فعل الشيء وما فعله، من باب اختلّ من بصره، كما ذكر في الحديث، فيظنّ أنه رأى شخصا من بعض أزواجه، أو شاهد فعلا من غيره، ولم يكن على ما يخيّل إليه لما أصابه في بصره وضعف نظره، لا لشيء طرأ عليه في ميزه. وإذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابة السّحر له وتأثيره فيه ما يدخل لبسا ولا يجد به الملحد المعترض أنسا ... ] .

стр. 5294

الباب الثاني في حكم عقد قلبه- ﷺ في الأمور الدنيوية أما العقد منها فقد يعتقد في أمور الدنيا الشيء على وجه ويظهر خلافه، أو يكون منه على شكّ أو ظن بخلاف أمور الشرع، كما حدثنا أبو بحر سفيان بن العاصي وغير واحد سماعا وقراءة، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر، قال: حدثنا أبو العباس الرازي، حدثنا أبو أحمد بن عمرويه، حدثنا ابن سفيان، حدثنا مسلم، حدثنا عبد الله بن الرّومي، وعباس العنبري، وأحمد المعقري، قالوا: حدثنا النضر بن محمد، قال: حدثني عكرمة، حدثنا أبو النجاشيّ، قال: حدثنا رافع بن خديج، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يأبرون النّخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنّا نصنعه. قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا، فتركوه، فنقصت، فذكروا ذلك له، فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر. وفي رواية أنس: أنتم أعلم بأمر دنياكم. وفي حديث آخر: إنما ظننت ظنّا، فلا تؤاخذوني بالظّنّ. وفي حديث ابن عباس في قصة الخرص، فقال رسول الله ﷺ : إنما أنا بشر فما حدثتكم عن الله فهو حق، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب. وهذا على ما قرّرناه فيما قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا وظنّه من أحوالها، لا ما قاله من قبل نفسه واجتهاده في شرع شرعه، وسنّة سنّها. وكما حكى ابن إسحاق أنه ﷺ لما نزل بأدنى مياه بدر قال له الخباب بن المنذر: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّمه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: لا، بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال: فإنه ليس بمنزل، انهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نعوّر ما وراءه من القلب، فنشرب ولا يشربون. فقال: أشرت بالرأي، وفعل ما قاله. وقد قال له الله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ. وأراد مصالحة بعض عدوّه على ثلث ثمر المدينة، فاستشار الأنصار، فلمّا أخبروه برأيهم رجع عنه. فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها، يجوز عليه فيه ما ذكرناه، إذ ليس في هذا كلّه نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور

стр. 5295

اعتيادية يعرفها من جرّبها، وجعلها همّه، وشغل نفسه بها، والنبي- ﷺ مشحون القلب بمعرفة الرّبوبية ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيّد البال بمصالح الأمة الدينية والدّنيوية، ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور، ويجوز في النادر فيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها، لا في الكثير المؤذن بالبله والغفلة. وقد تواتر بالنّقل عنه ﷺ من المعرفة بأمور الدنيا ودقائق مصالحها، وسياسة فرق أهلها ما هو معجز في البشر.

стр. 5296

الباب الثالث في حكم عقد قلبه- ﷺ في أمور البشر الجارية على يديه ومعرفة المحق من المبطل وعلم المصلح من المفسد وأمّا ما يعتقد في أمور أحكام البشر الجارية على يديه وقضاياهم، ومعرفة المحق من المبطل، وعلم المصلح من المفسد، فبهذه السّبيل، لقوله ﷺ : «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له على نحو ممّا أسمع، فمن قضيت له من حقّ أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار» . حدثنا الفقيه أبو الوليد ﵀، حدثنا الحسين بن محمد الحافظ، حدثنا أبو عمر، حدثنا أبو محمد، حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ ... الحديث. وفي رواية الزهري، عن عروة: «فلعلّ بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق فأقضي له» . وتجرى أحكامه ﷺ على الظاهر وموجب غلبات الظنّ بشهادة الشاهد، ويمين الحالف، ومراعاة الأشبه، ومعرفة العفاص والوكاء، مع مقتضى حكمة الله في ذلك، فإنه تعالى لو شاء لأطلعه على سرائر عباده، ومخبّآت ضمائر أمته، فتولّى الحكم بينهم بمجرّد يقينه وعلمه دون حاجة إلى اعتراف أو بيّنة أو يمين أو شبهة، ولكن لما أمر الله أمّته باتّباعه والاقتداء به في أفعاله وأحواله وقضاياه وسيره، وكان هذا لو كان ممّا يختصّ بعلمه ويؤثّره الله به، لم يكن للأمّة سبيل إلى الاقتداء به في شيء من ذلك، ولا قامت حجّة بقضيّة من قضاياه لأحد في شريعته، لأنا لا نعلم ما اطلع عليه هو في تلك القضيّة لحكمه هو إذا في ذلك بالمكنون من إعلام الله له بما أطلعه عليه من سرائرهم، وهذا ما لا تعلمه الأمة، فأجرى الله تعالى أحكامه على ظواهرهم التي يستوي في ذلك هو وغيره من البشر، ليتمّ اقتداء أمته به في تعيين قضاياه، وتنزيل أحكامه، ويأتون ما أتوا من ذلك على علم ويقين من سنّته، إذ البيان بالفعل أوقع منه بالقول، وأدفع لاحتمال اللّفظ وتأويل المتأوّل، وكان حكمه على الظاهر أجلى في البيان، وأوضح في وجوه الأحكام، وأكثر فائدة لموجبات التّشاجر والخصام، وليقتدي بذلك كلّه حكّام أمّته، ويستوثق بما يؤثر عنه، وينضبط قانون شريعته، وطيّ ذلك عنه من علم الغيب الذي استأثر به عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول، فيعلّمه منه بما شاء، ويستأثر بما شاء، ولا يقدح هذا في نبوّته، ولا يفصم عروة من عصمته.

стр. 5297

الباب الرابع في حكم أقواله الدنيوية من إخباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو فعله- ﷺ - قال القاضي: وأما أقواله الدنيوية من إخباره عن أحوال غيره وما يفعله أو فعله الخلف فيها ممتنع عليه في كلّ حال، وعلى أيّ وجه، من عمد أو سهو، أو صحة أو مرض، أو رضا أو غضب، وأنه معصوم منه ﷺ . هذا فيما طريقه الخبر المحض ممّا يدخله الصّدق والكذب، فأمّا المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في الأمور الدنيوية لا سيّما لقصد المصلحة، كتوريته عن وجه مغازيه لئلا يأخذ العدوّ حذره. وكما روي من ممازحته ودعابته لبسط أمّته وتطييب قلوب المؤمنين من صحابته، وتأكيدا في تحبّبهم ومسرّة نفوسهم، كقوله: لأحملنّك على ابن النّاقة. وقوله للمرأة التي سألته عن زوجها: أهو الذي بعينه بياض. وهذا كلّه صدق، لأنّ كلّ جمل ابن ناقة، وكلّ إنسان بعينه بياض وقد قال ﷺ : إني لأمزح ولا أقول إلا حقّا. هذا كلّه فيما بابه الخبر، فأما ما بابه غير الخبر مما صورته صورة الأمر والنّهي في الأمور الدنيوية فلا يصحّ منه أيضا، ولا يجوز عليه أن يأمر أحدا بشيء أو ينهى أحدا عن شيء وهو يبطن خلافه. وقد قال ﷺ : ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين، فكيف أن تكون له خيانة قلب. فإن قلت: فما معنى إذا قوله تعالى في قصة زيد: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ، وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ.... فاعلم- أكرمك الله، ولا تسترب في تنزيه النبي ﷺ عن هذا الظاهر وأن يأمر زيدا بإمساكها وهو يحبّ تطليقه إياها. وأصحّ ما في هذا ما حكاه أهل التفسير عن علي بن حسين- أن الله تعالى كان أعلم نبيّه أن زينب ستكون من أزواجه، فلما شكاها إليه زيد قال له: أمسك عليك زوجك، واتق الله. وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنه سيتزوّجها مما الله مبديه ومظهره بتمام التّزويج وتطليق زيد لها.

стр. 5298

وروى نحوه عمرو بن فائد، عن الزهري، قال: نزل جبريل على النبي ﷺ يعلمه أنّ الله يزوّجه زينب بنت جحش، فذلك الذي أخفى في نفسه. ويصحّح هذا قول المفسرين في قوله تعالى بعد هذا: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا، أي لا بد لك أن تتزوّجها. ويوضّح هذا إن الله لم يبد من أمره معها غير زواجه لها، فدلّ أنه الذي أخفاه ﷺ ممّا كان أعلمه به تعالى. وقوله تعالى في القصة: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. فدلّ أنه لم يكن عليه حرج في الأمر. قال الطّبريّ: ما كان الله ليؤثم نبيه فيما أحلّ مثال فعله لمن قبله من الرسل، قال الله تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، أي: من النبيّين فيما أحلّ لهم، ولو كان على ما روي في حديث قتادة من وقوعها من قلب النبي ﷺ عند ما أعجبته، ومحبته طلاق زيد لها لكان فيه أعظم الحرج، وما لا يليق به من مد عينيه لما نهى عنه من زهرة الحياة الدنيا، ولكان هذا نفس الحسد المذموم الذي لا يرضاه ولا يتسم به الأتقياء، فكيف سيّد الأنبياء؟. قال القشيري: وهذا إقدام عظيم من قائله، وقلة معرفة بحقّ النبي ﷺ وبفضله. وكيف يقال: رآها فأعجبته وهي بنت عمته، ولم يزل يراها منذ ولدت، ولا كان النساء يحتجبن منه ﷺ ، وهو زوجها لزيد، وإنما جعل الله طلاق زيد لها، وتزويج النبي ﷺ إياها، لإزالة حرمة التبني، وإبطال سنّته، كما قال: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ. وقال: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ. ونحوه لابن فورك. وقال أبو الليث السمرقندي: فإن قيل: فما الفائدة في أمر النبي ﷺ لزيد بإمساكها؟ فهو أنّ الله أعلم نبيّه أنها زوجته، فنهاه النبي ﷺ عن طلاقها، إذ لم تكن بينهما ألفة، وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به، فلما طلّقها زيد خشي قول الناس: يتزوّج امرأة ابنه، فأمره الله بزواجها ليباح مثل ذلك لأمّته، كما قال تعالى: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً. وقد قيل: كان أمره لزيد بإمساكها قمعا للشّهوة، وردّا للنفس عن هواها. وهذا إذا جوّزنا عليه أنه رآها فجأة واستحسنها. ومثل هذا لا نكرة فيه، لما طبع عليه ابن آدم من استحسانه

стр. 5299

للحسن، ونظرة الفجاءة معفوّ عنها، ثم قمع نفسه عنها، وأمر زيدا بإمساكها، وإنما تنكر تلك الزيادات التي في القصّة. والتعويل والأولى ما ذكرناه عن علي بن حسين، وحكاه السمرقندي، وهو قول ابن عطاء، وصححه واستحسنه القاضي القشيري، وعليه عوّل أبو بكر بن فورك، وقال: إنه معنى ذلك عقد المحققين من أهل التفسير، قال: والنبي ﷺ منزّه عن استعمال النّفاق في ذلك، وإظهار خلاف ما في نفسه، وقد نزّهه الله عن ذلك بقوله تعالى: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ، قال: ومن ظنّ ذلك بالنبي ﷺ فقد أخطأ. قال: وليس معنى الخشية هنا الخوف، وإنما معناه الاستحياء، أي يستحي منهم أن يقولوا: تزوّج زوجة ابنه. وأن خشيته ﷺ من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود وتشغيبهم على المسلمين بقولهم: تزوّج زوجة ابنه بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء، كما كان، فعاتبه الله على هذا، ونزّهه عن الالتفات إليهم فيما أحلّه له، كما عتبة على مراعاة رضا أزواجه في سورة التحريم بقوله: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وكذلك قوله له ها هنا: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ. وقد روي عن الحسن وعائشة: لو كتم رسول الله- ﷺ شيئا كتم هذه الآية، لما فيه من عتبة وإبداء ما أخفاه.

стр. 5300

الباب الخامس في حكم أفعاله الدنيوية- ﷺ - قال القاضي: وأمّا أفعاله ﷺ الدّنيويّة فحكمه فيها من توقّي المعاصي والمكروهات ما قد قدمناه، ومن جواز السّهو والغلط في بعضها ما ذكرناه. وكلّه غير قادح في النبوّة، بلى، إن هذا فيها على النّدور، إذ عامّة أفعاله على السّداد والصواب، بل أكثرها أو كلّها جارية مجرى العبادات والقرب على ما بيّنّا، إذ كان ﷺ لا يأخذ منها لنفسه إلا ضرورته، وما يقيم رمق جسمه، وفيه مصلحة ذاته التي بها يعبد ربّه، ويقيم شريعته، ويسوس أمّته، وما كان فيما بينه وبين الناس من ذلك فبين معروف يصنعه، أو بر يوسّعه، أو كلام حسن يقوله أو يسمعه، أو تألّف شارد، أو قهر معاند، أو مداراة حاسد، وكلّ هذا لاحق بصالح أعماله، منتظم في زاكي وظائف عباداته، وقد كان يخالف في أفعاله الدنيوية بحسب اختلاف الأحوال، ويعدّ للأمور أشباهها، فيركب- في تصرّفه لما قرب- الحمار، وفي أسفاره الراحلة، ويركب البغلة في معارك الحرب دليلا على الثبات، ويركب الخيل ويعدّها ليوم الفزع وإجابة الصارخ. وكذلك في لباسه وسائر أحواله بحسب اعتبار مصالحه ومصالح أمّته. وكذلك يفعل الفعل من أمور الدنيا مساعدة لأمّته وسياسة وكراهية لخلافها وإن كان قد يرى غيره خيرا منه، كما يترك الفعل لهذا، وقد يرى فعله خيرا منه. وقد يفعل هذا في الأمور الدينية مما له الخيرة في أحد وجهيه، كخروجه من المدينة لأحد، وكان مذهبه التحصّن بها، وتركه قتل المنافقين، وهو على يقين من أمرهم مؤالفة لغيرهم، ورعاية للمؤمنين من قرابتهم، وكراهة لأن يقول الناس: إنّ محمدا يقتل أصحابه، كما جاء في الحديث، وتركه بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مراعاة لقلوب قريش وتعظيمهم لتغييرها، وحذرا من نفار قلوبهم لذلك، وتحريك متقدّم عداوتهم للدّين وأهله، فقال لعائشة في الحديث الصحيح: لولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم. ويفعل الفعل ثم يتركه، لكون غيره خيرا منه، كانتقاله من أدنى مياه بدر إلى أقربها للعدوّ من قريش، وقوله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي. ويبسط وجهه للكافر والعدوّ رجاء استئلافه. ويصبر للجاهل، ويقول: إنّ من شرار الناس من اتّقاه الناس لشرّه، ويبذل له الرغائب ليحبّب إليه شريعته ودين ربّه.

стр. 5301

ويتولّى في منزله ما يتولّى الخادم من مهنته، ويتسمّت في ملئه، حتى لا يبدو شيء من أطرافه، وحتى كأن على رؤوس جلسائه الطير، ويتحدث مع جلسائه بحديث أوّلهم، ويتعجّب مما يتعجبون منه، ويضحك مما يضحكون منه، قد وسع الناس بشره وعدله، لا يستفزّه الغضب، ولا يقصّر عن الحقّ، ولا يبطن على جلسائه، يقول: ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين. فإن قلت: فما معنى قوله لعائشة ﵂ في الداخل عليه: بئس ابن العشيرة. فلما دخل ألان له القول وضحك معه، فلما سألته عن ذلك قال: إن من شرّ الناس من اتّقاه الناس لشرّه. وكيف جاز أن يظهر له خلاف ما يبطن، ويقول في ظهره ما قال؟ فالجواب أنّ فعله ﷺ كان استئلافا لمثله، وتطييبا لنفسه، ليتمكّن إيمانه، ويدخل في الإسلام بسببه أتباعه، ويراه مثله فينجذب بذلك إلى الإسلام. ومثل هذا على هذا الوجه قد خرج من حدّ مداراة الدنيا إلى السياسة الدّينية. وقد كان النبي ﷺ يستألفهم بأموال الله العريضة فكيف بالكلمة اللّيّنة؟ قال صفوان: لقد أعطاني وهو أبغض الخلق إليّ، فما زال يعطيني حتى صار أحبّ الخلق إليّ. وقوله فيه: بئس ابن العشيرة- هو غير غيبة، بل هو تعريف ما علمه منه لمن لم يعلم، ليحذر حاله، ويحترز منه، ولا يوثق بجانبه كلّ الثّقة، ولا سيما وكان مطاعا متبوعا. ومثل هذا إذا كان لضرورة ودفع مضرّة لم يكن بغيبة، بل كان جائزا، بل واجبا في بعض الأحيان كعادة المحدّثين في تجريح الرواة والمزكّين في الشّهود. فإن قيل: فما معنى المعضل الوارد في حديث بريرة من قوله ﷺ لعائشة، وقد أخبرته أنّ موالي بريرة أبوا بيعها إلا أن يكون لهم الولاء، فقال لها ﷺ : اشتريها واشترطي لهم الولاء. ففعلت، ثم قام خطيبا، فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل والنبي- ﷺ قد أمرها بالشّرط لهم، وعليه باعوها، ولولاه- والله أعلم- لما باعوها من عائشة، كما لم يبيعوها قبل حتى شرطوا ذلك عليها، ثم أبطله ﷺ ، وهو قد حرّم الغشّ والخديعة. فاعلم- أكرمك الله- أن النبي ﷺ منزّه عمّا يقع في بال الجاهل من هذا، ولتنزيه النبي ﷺ عن ذلك ما قد أنكر قوم هذه الزيادة: قوله: اشتر لهم الولاء، إذ ليست في أكثر طرق

стр. 5302

الحديث، ومع ثباتها فلا اعتراض بها، إذ يقع «لهم» بمعنى «عليهم» ، قال الله تعالى: أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ. وقال: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها. فعلى هذا اشترطي عليهم الولاء لك، ويكون قيام النبي ﷺ ووعظه لما سلف من شرط الولاء لأنفسهم قبل ذلك. ووجه ثان: أنّ قوله ﷺ : اشترطي لهم الولاء، ليس على معنى الأمر، لكن على معنى التسوية والإعلام بأنّ شرطه لهم لا ينفعهم بعد بيان النبي ﷺ لهم قبل أنّ الولاء لمن أعتق، فكأنه قال: اشترطي أو لا تشترطي، فإنه شرط غير نافع. وإلى هذا ذهب الدّاوديّ وغيره، وتوبيخ النبي ﷺ ، وتقريعهم على ذلك يدلّ على علمهم به قبل هذا. الوجه الثالث: أن معنى قوله: اشترطى لهم الولاء، أي أظهري لهم حكمه، وبيّني سنّته بأنّ الولاء إنما هو لمن أعتق. ثم بعد هذا قام هو ﷺ مبيّنا ذلك وموبّخا على مخالفة ما تقدّم منه فيه. فإن قيل: فما معنى فعل يوسف ﵇ بأخيه، إذ جعل السّقاية في رحله وأخذه باسم سرقتها، وما جرى على إخوته في ذلك، وقوله تعالى: إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ، ولم يسرقوا. فاعلم- أكرمك الله- أنّ الآية تدل على أنّ فعل يوسف كان عن أمر الله، لقوله تعالى: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ، ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. فإذا كان كذلك فلا اعتراض به، كان فيه ما فيه. وأيضا فإنّ يوسف كان أعلم أخاه بأني أنا أخوك فلا تبتئس، فكان ما جرى عليه بعد هذا من وفقه ورغبته، وعلى يقين من عقبى الخير له به، وإزاحة السّوء والمضرّة عنه بذلك. وأما قوله: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ، فليس من قول يوسف. فيلزم عليه جواب لحلّ شبهه. ولعلّ قائله إن حسّن له التأويل كائنا من كان ظنّ على صورة الحال ذلك. وقد قيل: قال ذلك لفعلهم قبل بيوسف وبيعهم له. وقيل غير هذا. ولا يلزم أن نقوّل الأنبياء ما لم يأت أنهم قالوه، حتى يطلب الخلاص منه، ولا يلزم الاعتذار عن زلّات غيرهم.

стр. 5303

الباب السادس في الحكمة في إجراء الأمراض وشدتها عليه وكذا سائر الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - قال القاضي: [فإن قيل: فما الحكمة في إجراء الأمراض وشدتها عليه وعلى غيره من الأنبياء على جميعهم السلام؟ وما الوجه فيما ابتلاهم الله به من البلاء، وامتحانهم بما امتحنوا به، كأيوب، ويعقوب، ودانيال، ويحيى، وزكريا، وعيسى، وإبراهيم، ويوسف، وغيرهم. صلوات الله عليهم، وهم خيرته من خلقه وأحبّاؤه وأصفياؤه. فاعلم- وفّقنا الله وإياك- أنّ أفعال الله تعالى كلّها عدل، وكلماته جميعها صدق، لا مبدّل لكلماته، يبتلي عباده كما قال تعالى لهم لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. ولِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا- وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ. فامتحانه إياهم بضروب المحن زيادة في مكانتهم، ورفعة في درجاتهم، وأسباب لاستخراج حالات الصبر والرضا، والشكر والتسليم، والتوكّل، والتفويض، والدعاء، والتضرّع منهم، وتأكيد لبصائرهم في رحمة الممتحنين، والشفقة على المبتلين، وتذكرة لغيرهم، وموعظة لسواهم ليتأسّوا في البلاء بهم، فيتسلّوا في المحن بما جرى عليهم، ويقتدوا بهم في الصّبر، ومحو لهنات فرطت منهم، أو غفلات سلفت لهم، ليلقوا الله طيّبين مهذّبين، وليكون أجرهم أكمل، وثوابهم أوفر وأجزل. حدثنا القاضي أبو عليّ الحافظ، حدثنا أبو الحسين الصّيرفيّ وأبو الفضل بن خيرون، قالا: حدثنا أبو يعلى البغداديّ، حدثنا أبو علي السنجي، حدثنا محمد بن محبوب، حدثنا أبو عيسى التّرمذي، حدثنا قتيبة، حدثنا حمّاد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدّ بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرّجل على حسب دينه، فلما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة. وكما قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وعن أبي هريرة: ما يزال البلاء بالمؤمن [والمؤمنة] في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة.

стр. 5304

وعن أنس، عنه ﷺ : إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشرّ أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة. وفي حديث آخر: إذا أحبّ الله عبدا ابتلاه ليسمع تضرّعه. وحكى السمرقندي أن كل من كان أكرم على الله تعالى كان بلاؤه أشدّ كي يتبيّن فضله، ويستوجب الثواب، كما روي عن لقمان أنه قال: يا بنيّ، الذهب والفضة يختبران بالنار، والمؤمن يختبر بالبلاء. وقد حكي أنّ ابتلاء يعقوب بيوسف كان سببه التفاته في صلواته إليه، ويوسف نائم محبّة له. وقيل: بل اجتمع يوما هو وابنه يوسف على أكل حمل مشويّ، وهما يضحكان، وكان لهم جار يتيم، فشمّ ريحه واشتهاه وبكى، وبكت جدّة له عجوز لبكائه، وبينهما جدار، ولا علم عند يعقوب وابنه، فعوقب يعقوب بالبكاء أسفا على يوسف إلى أن سالت حدقتاه، وابيضّت عيناه من الحزن. فلما علم بذلك كان بقيّة حياته يأمر مناديا ينادي على سطحه: إلا من كان مفطرا فليتغدّ عند آل يعقوب. وعوقب يوسف بالمحنة التي نصّ الله عليها. وروي عن الليث أنّ سبب بلاء أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ملكهم، فكلّموه في ظلمه، وأغلظوا له إلّا أيوب، فإنه رفق به مخافة على زرعه، فعاقبه الله ببلائه. ومحنة سليمان لما ذكرناه من نيته في كون الحقّ في جنبه أصهاره، أو للعمل بالمعصية في داره، ولا علم عنده. وهذه فائدة شدّة المرض والوجع بالنبي ﷺ ، قالت عائشة: رأيت الوجع على أحد أشدّ منه على رسول الله ﷺ . وعن عبد الله: رأيت النبي ﷺ في مرضه، يوعك وعكا شديدا، فقلت: إنك لتوعك وعكا شديدا! قال: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت: ذلك أنّ الأجر مرتين، قال: أجل، ذلك كذلك. وفي حديث أبي سعيد أن رجلا وضع يده على النبي ﷺ وقال: والله ما أطيق أضع يدي عليك من شدّة حمّاك. فقال النبي ﷺ : إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء، إن كان النبيّ ليبتلى بالقمل حتى يقتله، وإن كان النبي ليبتلى بالفقر، وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء.

стр. 5305

وعن أنس، عنه ﷺ : «أن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنّ الله إذا أحبّ قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرّضا، ومن سخط فله السّخط. وقد قال المفسرون في قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ، إنّ المسلم يجزى بمصائب الدنيا، فتكون له كفارة. وروي هذا عن عائشة، وأبيّ، ومجاهد. وقال أبو هريرة، عنه ﷺ : «من يرد الله به خيرا يصب منه» . وقال في رواية عائشة: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلّا يكفّر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها» . وقال في رواية أبي سعيد: «ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب، ولا همّ ولا حزن، ولا أذى ولا غمّ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه» . وفي حديث ابن مسعود: «ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتّ الله عنه خطاياه كل تحاتّ ورق الشّجر» . وحكمة أخرى أودعها الله في الأمراض لأجسامهم، وتعاقب الأوجاع عليها وشدّتها عند مماتهم، لتضعف قوى نفوسهم، فيسهل خروجها عند قبضهم، وتخفّ عليهم مؤنة النّزع، وشدة السكرات بتقدّم المرض، وضعف الجسم والنّفس لذلك. وهذا خلاف موت الفجاءة وأخذه، كما يشاهد من اختلاف أحوال الموتى في الشدة واللّين، والصعوبة والسهولة. وقد قال ﷺ : «مثل المؤمن مثل خامة الزّرع تفيّؤها الرّيح هكذا وهكذا. وفي رواية أبي هريرة عنه: «من حيث أتتها الريح تكفؤها، فإذا سكنت اعتدلت، وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء. ومثل الكافر كمثل الأرزة صمّاء معتدلة حتى يقصمه الله» . معناه أن المؤمن مرزّأ، مصاب بالبلاء والأمراض، راض بتصريفه بين أقدار الله تعالى، منصاع لذلك، ليّن الجانب برضاه وقلّة سخطه، كطاعة خامة الزّرع وانقيادها للرياح، وتمايلها لهبوبها وترنحها من حيث ما أتتها، فإذا أزاح الله عن المؤمن رياح البلايا، واعتدل صحيحا كما اعتدلت خامة الزّرع عند سكون رياح الجوّ إلى شكر ربّه ومعرفة نعمته عليه برفع بلائه، منتظرا رحمته وثوابه عليه. فإذا كان بهذه السبيل لم يصعب عليه مرض الموت، ولا نزوله، ولا اشتدّت عليه سكراته ونزعه، لعادته بما تقدم من الآلام ومعرفة ما له فيها من الأجر، وتوطينه نفسه على المصائب ورقّتها وضعفها بتوالي المرض أو شدّته، والكافر بخلاف هذا: معافى في غالب

стр. 5306

حاله، ممتّع بصحة جسمه، كالأرزة الصمّاء، حتى إذا أراد الله هلاكه قصمه لحينه على غرّة، وأخذه بغتة من غير لطف ولا رفق، فكان موته أشدّ عليه حسرة، ومقاساة نزعه مع قوة نفسه وصحة جسمه أشدّ ألما وعذابا، ولعذاب الآخرة أشدّ، كانجعاف الأرزة. وكما قال تعالى: فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. وكذلك عادة الله تعالى في أعدائه، كما قال تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا ... ، ففاجأ جميعهم بالموت على حال عتوّ وغفلة، وصبّحهم به على غير استعداد بغتة، ولهذا ما كره السلف موت الفجاءة. ومنه في حديث إبراهيم: كانوا يكرهون أخذة كأخذة الأسف: أي الغضب، يريد موت الفجاءة. وحكمة ثالثة أنّ الأمراض نذير الممات، وبقدر شدّتها شدة الخوف من نزول الموت، فيستعدّ من أصابته وعلم تعاهدها له، للقاء ربّه، ويعرض عن دار الدنيا الكثيرة الأنكاد، ويكون قلبه معلّقا بالمعاد، فيتنصّل من كل ما يخشى تباعته من قبل الله، وقبل العباد، ويؤدّي الحقوق إلى أهلها، وينظر فيما يحتاج إليه من وصيّة فيمن يخلّفه أو أمر يعهده. وهذا نبينا ﷺ المغفور له ما تقدم وما تأخّر، قد طلب التنصّل في مرضه ممّن كان له عليه مال أو حقّ في بدن، وأفاد من نفسه وماله، وأمكن من القصاص منه، على ما ورد في حديث الفضل، وحديث الوفاة، وأوصى بالثقلين بعده: كتاب الله، وعترته، وبالأنصار عيبته، ودعا إلى كتب كتاب لئلا تضلّ أمته بعده، إما في النصّ على الخلافة، أو الله أعلم بمراده. ثم رأى الإمساك عنه أفضل وخيرا. وهكذا سيرة عباد الله المؤمنين وأوليائه المتقين. وهذا كلّه يحرمه غالبا الكفّار، لإملاء الله لهم، ليزدادوا إثما، وليستدرجهم من حيث لا يعلمون، قال الله تعالى: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ. فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ. ولذلك قال ﷺ في رجل مات فجأة: «سبحان الله! كأنه على غضب، المحروم من حرم وصيّته» . وقال: «موت الفجاءة راحة للمؤمن، وأخذة أسف للكافر والفاجر» ، وذلك لأن الموت يأتي المؤمن، وهو غالبا مستعدّ له منتظر لحلوله، فهان أمره عليه كيفما جاء، وأفضى إلى راحته من نصب الدنيا وأذاها، كما قال ﷺ : مستريح ومستراح منه. وتأتي الكافر والفاجر منيّته على

стр. 5307

غير استعداد ولا أهبة ولا مقدّمات منذرة مزعجة، بل تأتيهم بغتة فتبهتهم، فلا يستطيعون ردّها ولا هم ينظرون، فكان الموت أشدّ شيء عليه. وفراق الدّنيا أفظع أمر صدمه، وأكره شيء له، وإلى هذا المعنى أشار ﷺ بقوله: «من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» ] .

стр. 5308

جماع أبواب حكم من سبه أو انتقصه وكذا سائر الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - الباب الأول في ذكر فوائد كالمقدمة للأبواب الآتية [قال القاضي أبو الفضل ﵁: قد تقدّم من الكتاب والسّنّة وإجماع الأمّة ما يجب من الحقوق للنبي ﷺ ، وما يتعيّن له من برّ وتوقير، وتعظيم وإكرام، وبحسب هذا حرّم الله تعالى أذاه في كتابه، وأجمعت الأمة على قتل متنقّصه من المسلمين وسابّه، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً. وقال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. وقال الله تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً. وقال تعالى في تحريم التعريض به: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ. وذلك أن اليهود كانوا يقولون: راعنا يا محمد، أي أرعنا سمعك، واسمع منا، ويعرّضون بالكلمة، يريدون الرّعونة، فنهى الله المؤمنين عن التشبّه بهم، وقطع الذريعة بنهي المؤمنين عنها، لئلا يتوصّل بها الكافر والمنافق إلى سبّه والاستهزاء به. وقيل: بل لما فيها من مشاركة اللفظ، لأنها عند اليهود بمعنى اسمع لا سمعت. وقيل: بل لما فيها من قلّة الأدب، وعدم توقير النبي ﷺ وتعظيمه، لأنها في لغة الأنصار بمعنى: ارعنا نرعك، فنهوا عن ذلك، إذ مضمّنه أنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم، وهو- ﷺ واجب الرعاية بكل حال، وهذا هو ﷺ قد نهى عن التكني بكنيته، فقال: تسموا باسمي، ولا تكنّوا بكنيتي، صيانة لنفسه، وحماية عن أذاه، إذ كان ﷺ استجاب لرجل نادى: يا أبا القاسم، فقال: لم أعنك، إنما دعوت هذا، فنهى حينئذ عن التكنّي بكنيته لئلا يتأذّى بإجابة دعوة غيره لمن لم يدعه، ويجد بذلك المنافقون والمستهزئون ذريعة إلى أذاه والإزراء به، فينادونه، فإذا التفت قالوا: إنما أردنا هذا- لسواه- تعنيتا له، واستخفافا بحقه على عادة المجان والمستهزئين، فحمى ﷺ حمى أذاه بكل وجه، فحمل محقّقو العلماء نهيه عن هذا على مدة حياته، وأجازوه بعد وفاته لارتفاع العلّة.

стр. 5309

وللناس في هذا الحديث مذاهب ليس هذا موضعها، وما ذكرناه هو مذهب الجمهور، والصواب إن شاء الله. وإنّ ذلك على طريق تعظيمه وتوقيره، وعلى سبيل النّدب والاستحباب، لا على التحريم، ولذلك لم ينه عن اسمه، لأنه قد كان الله منع من ندائه به بقوله: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً، وإنما كان المسلمون يدعونه برسول الله، وبنبيّ الله، وقد يدعوه- بكنيته أبا القاسم- بعضهم في بعض الأحوال. وقد روى أنس ﵁، عنه ﷺ ، ما يدلّ على كراهة التسمّي باسمه، وتنزيهه عن ذلك، إذا لم يوقّر، فقال: تسمون أولادكم محمدا ثم تلعنونهم. وروى أن عمر ﵁ كتب إلى أهل الكوفة: لا يسمّى أحد باسم النبي ﷺ ، حكاه أبو جعفر الطبري. [وحكى محمد بن سعد أنه نظر إلى رجل اسمه محمد، ورجل يسبّه ويقول له: فعل الله بك يا محمد وصنع. فقال عمر لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب: لا أرى محمدا ﷺ يسبّ بك، والله لا تدعى محمدا ما دمت حيّا، وسمّاه عبد الرحمن، وأراد أن يمنع أن يسمّى أحد بأسماء الأنبياء إكراما لهم بذلك، وغيّر أسماء جماعة تسمّوا بأسماء الأنبياء، ثم أمسك] . والصواب جواز هذا كلّه بعده ﷺ ، بدليل إطباق الصحابة على ذلك. وقد سمّى جماعة منهم ابنه محمدا، وكناه بأبي القاسم. وروي أن النبي ﷺ أذن في ذلك لعلي ﵁. وقد أخبر ﷺ أنّ ذلك اسم المهدي وكنيته. [وقد سمّى به النبي ﷺ محمد بن طلحة، ومحمد بن عمرو بن حزم، ومحمد بن ثابت بن قيس، وغير واحد، وقال: ما ضرّ أحدكم أن يكون في بيته محمد ومحمدان وثلاثة] .

стр. 5310

الباب الثاني في بيان ما هو في حقه- ﷺ سب من المسلم [اعلم- وفّقنا الله وإياك- أنّ جميع من سبّ النبي ﷺ ، أو عابه، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبّهه بشيء على طريق السبّ له، أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغضّ منه، والعيب له، فهو سابّ له، والحكم فيه حكم السابّ، يقتل كما نبيّنه، ولا نستثني فصلا من فصول هذا الباب على هذا المقصد، ولا نمتري فيه تصريحا كان أو تلويحا. وكذلك من لعنه أو دعا عليه، أو تمنّى مضرّة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذّمّ، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر، ومنكر من القول وزور، أو عيّره بشيء ممّا جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه. وهذا كلّه إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلمّ جرّا. وقال أبو بكر بن المنذر: أجمع عوامّ أهل العلم على أن من سبّ النبي ﷺ يقتل، وممّن قال ذلك مالك بن أنس، والليث، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب الشافعيّ. قال القاضي أبو الفضل: وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق ﵁، ولا تقبل توبته عند هؤلاء المذكورين. وبمثله قال أبو حنيفة، وأصحابه، والثّوريّ وأهل الكوفة، والأوزاعيّ في المسلم، لكنهم قالوا: هي ردّة. روى مثله الوليد بن مسلم عن مالك. وحكى الطبري مثله عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن تنقّصه ﷺ ، أو برئ منه أو كذّبه. وقال سحنون فيمن سبّه: ذلك ردّة كالزّندقة. وعلى هذا وقع الخلاف في استتابته وتكفيره، وهل قتله حدّ أو كفر، كما سنبيّنه في الباب الثالث إن شاء الله تعالى، ولا نعلم خلافا في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة، وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره، وأشار بعض الظاهرية- وهو أبو محمد علي بن أحمد الفارسيّ إلى الخلاف في تكفير المستخفّ به.

стр. 5311

والمعروف ما قدّمناه، قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء أنّ شاتم النبي ﷺ المتنقّص له كافر. والوعيد جار عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شكّ في كفره وعذابه كفر. واحتجّ إبراهيم بن حسين بن خالد الفقيه في مثل هذا بقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة لقوله- عن النبي ﷺ : صاحبكم. وقال أبو سليمان الخطّابي: لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلما. وقال ابن القاسم- عن مالك في كتاب ابن سحنون، والمبسوط، والعتبيّة، وحكاه مطرّف عن مالك في كتاب ابن حبيب: من سبّ النبي ﷺ من المسلمين قتل، ولم يستتب. قال ابن القاسم في العتبيّة: من سبه أو شتمه أو عابه أو تنقّصه فإن يقتل، وحكمه عند الأمة القتل كالزّنديق. وقد فرض الله تعالى توقيره وبرّه. وفي المبسوط- عن عثمان بن كنانة: من شتم النبي ﷺ من المسلمين قتل أو صلب حيّا ولم يستتب والإمام مخيّر في صلبه حيّا أو قتله. ومن رواية أبي المصعب، وابن أبي أويس: سمعنا مالكا يقول: من سب رسول الله ﷺ ، أو شتمه، أو عابه، أو تنقّصه- قتل مسلما كان أو كافرا، ولا يستتاب. وفي كتاب محمد: أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سبّ النبي ﷺ أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب. وقال أصبغ: يقتل على كل حال أسرّ ذلك أو أظهره، ولا يستتاب، لأنّ توبته لا تعرف. وقال عبد الله بن الحكم: من سبّ النبي ﷺ من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب. وحكى الطبريّ مثله عن أشهب، عن مالك. وروى ابن وهب، عن مالك: من قال: إن رداء النبي ﷺ . ويروي زرّ النبي ﷺ وسخ، أراد عيبه- قتل. وقال بعض علمائنا: أجمع العلماء على أنّ من دعا على نبي من الأنبياء بالويل، أو بشيء من المكروه- أنّه يقتل بلا استتابة. وأفتى أبو الحسن القابسيّ فيمن قال في النبي ﷺ : الحمّال يتيم أبي طالب بالقتل.

стр. 5312

وأفتى أبو محمد بن أبي زيد بقتل رجل سمع قوما يتذاكرون صفة النبي ﷺ إذ مرّ بهم رجل قبيح الوجه واللّحية، فقال لهم: تريدون تعرفون صفته، هي في صفة هذا المارّ في خلقه ولحيته. قال: ولا تقبل توبته. وقد كذب- لعنه الله، وليس يخرج من قلب سليم الإيمان. وقال أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون: من قال: إن النبي ﷺ كان أسود يقتل. وقال في رجل قيل له: لا، وحقّ رسول الله. فقال: فعل الله برسول الله كذا وكذا- وذكر كلاما قبيحا، فقيل له: ما تقول يا عدو الله؟ فقال أشدّ من كلامه الأول، ثم قال: إنما أردت برسول الله العقرب. فقال ابن أبي سليمان الذي سأله: اشهد عليه وأنا شريكك- يريد في قتله وثواب ذلك. قال حبيب بن الربيع: لأنّ ادّعاءه التأويل في لفظ صراح لا يقبل، لأنه امتهان، وهو غير معزّز لرسول الله ﷺ ، ولا موقّر له، فوجب إباحة دمه. وأفتى أبو عبد الله بن عتّاب في عشّار قال لرجل: أدّ واشك إلى النبي ﷺ ، وقال: إن سألت أو جعلت فقد جهل وسأل النبي ﷺ بالقتل. وأفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقّه الطليطليّ وصلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي ﷺ وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، وختن حيدرة، وزعمه أنّ زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على الطيبات أكلها، إلى أشباه لهذا. وأفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل إبراهيم الفزاري، وكان شاعرا متفنّنا في كثير من العلوم، وكان ممّن يحضر مجلس القاضي أبي العباس بن طالب للمناظرة، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء بالله وأنبيائه ونبينا ﷺ ، فأحضر له القاضي يحيى بن عمر وغيره من الفقهاء، وأمر بقتله وصلبه، فطعن بالسكين، وصلب منكّسا، ثم أنزل وأحرق بالنار. وحكى بعض المؤرخين أنه لمّا رفعت خشبته، وزالت عنها الأيدي استدارت، وحوّلته عن القبلة، فكان آية للجميع، وكبّر الناس، وجاء كلب فولغ في دمه، فقال يحيى بن عمر: صدق رسول الله ﷺ ، وذكر حديثا عنه ﷺ أنه قال: لا يلغ الكلب في دم مسلم. وقال القاضي أبو عبد الله بن المرابط: من قال: إن النبي ﷺ هزم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، لأنه تنقّص، إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته، إذ هو على بصيرة من أمره، ويقين من عصمته.

стр. 5313

وقال حبيب بن ربيع القروي: مذهب مالك وأصحابه أنّ من قال فيه ﷺ : ما فيه نقص قتل دون استتابة. وقال ابن عتّاب: الكتاب والسنة موجبان أنّ من قصد النبي ﷺ بأذى أو نقص، معرّضا أو مصرّحا، وإن قلّ- فقتله واجب، فهذا الباب كلّه مما عده العلماء سبّا أو تنقّصا يجب قتل قائله، لم يختلف في ذلك متقدّمهم ولا متأخّرهم، وإن اختلفوا في حكم قتله على ما أشرنا إليه ونبيّنه بعد. وكذلك أقول: حكم من غمصه أو عيّره برعاية الغنم أو السّهو أو النسيان أو السّحر، أو ما أصابه من جرح أو هزيمة لبعض جيوشه، أو أذى من عدوّه، وشدة من زمنه، أو بالميل إلى نسائه، فحكم هذا كلّه لمن قصد به نقصه القتل. وقد مضى من مذاهب العلماء في ذلك، ويأتي ما يدل عليه] ..

стр. 5314

الباب الثالث في بيان ما هو في حقه- ﷺ سب من الكافر قال القاضي: [فأمّا الذّمّي إذا صرّح بسبّه أو عرّض، أو استخفّ بقدره، أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به- فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم، لأنّا لم نعطه الذمّة أو العهد على هذا، وهو قول عامة الفقهاء، إلا أبا حنيفة والثوريّ وأتباعهما من أهل الكوفة، فإنهم قالوا: لا يقتل، ما هو عليه من الشّرك أعظم، ولكن يؤدب ويعزّر. واستدلّ بعض شيوخنا على قتله بقوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ، إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ. ويستدلّ عليه أيضا بقتل النبي ﷺ لابن الأشرف وأشباهه، ولأنّا لم نعاهدهم، ولم نعطهم الذّمّة على هذا، ولا يجوز لنا أن نفعل ذلك معهم، فإذا أتوا ما لم يعطوا عليه العهد ولا الذمّة فقد نقضوا ذمّتهم، وصاروا كفارا يقتلون لكفرهم. وأيضا فإنّ ذمّتهم لا تسقط حدود الإسلام عنهم، من القطع في سرقة أموالهم، والقتل لمن قتلوه منهم، وإن كان ذلك حلالا عندهم فكذلك سبّهم للنبي ﷺ يقتلون به. ووردت لأصحابنا ظواهر تقتضي الخلاف إذا ذكره الذميّ بالوجه الذي كفر به، ستقف عليها من كلام ابن القاسم وابن سحنون بعد. وحكى أبو المصعب الخلاف فيها عن أصحابه المدنيين. واختلفوا إذا سبّه ثم أسلم، فقيل: يسقط إسلامه قتله، لأن الإسلام يجبّ ما قبله، بخلاف المسلم إذا سبّه ثم تاب، لأنّا نعلم باطنة الكافر في بغضه له، وتنقّصه بقلبه، لكنّا منعناه من إظهاره، فلم يزدنا ما أظهره إلا مخالفة للأمر، ونقضا للعهد، فإذا رجع عن دينه الأول إلى الإسلام سقط ما قبله، قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ. والمسلم بخلافه، إذ كان ظنّنا بباطنه حكم ظاهره، وخلاف ما بدا منه الآن، فلم نقبل بعد رجوعه، ولا استنمنا إلى باطنه، إذ قد بدت سرائره، وما ثبت عليه من الأحكام باقية عليه لا يسقطها شيء. وقيل: لا يسقط إسلام الذميّ السابّ قتله، لأنه حقّ للنبي ﷺ وجب عليه، لانتهاكه حرمته، وقصده إلحاق النّقيصة والمعرّة به، فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي يسقطه، كما وجب عليه من حقوق المسلمين من قبل إسلامه من قتل وقذف، وإذا كنّا لا نقبل توبة المسلم فإنّا لا نقبل توبة الكافر أولى.

стр. 5315

وقال مالك في كتاب ابن حبيب، والمبسوط، وابن القاسم، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ- فيمن شتم نبيّنا من أهل الذّمّة أو أحدا من الأنبياء ﵈ قتل إلا أن يسلم، وقاله ابن القاسم في العتبية، وعند محمد، وابن سحنون. وقال سحنون وأصبغ: لا يقال له: أسلم، ولا لا تسلم، ولكن إن أسلم فذلك له توبة. وفي كتاب محمد: أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب رسول الله ﷺ أو غيره من الأنبياء من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب. وروي لنا عن مالك: إلّا أن يسلم الكافر. وقد روى ابن وهب، عن ابن عمر- أنّ راهبا تناول النبي ﷺ ! فقال ابن عمر: فهلّا قتلتموه! وروى عيسى عن ابن القاسم في ذمّيّ قال: إن محمدا لم يرسل إلينا، إنما أرسل إليكم، وإنما نبيّنا موسى أو عيسى، ونحو هذا: لا شيء عليهم، لأن الله تعالى أقرّهم على مثله. وأمّا إن سبّه فقال: ليس بنبيّ، أو لم يرسل، أو لم ينزّل عليه قرآن، وإنما هو شيء تقوّله أو نحو هذا فيقتل. وقال ابن القاسم: وإذا قال النصرانيّ: ديننا خير من دينكم، وإنما دينكم دين الحمير، ونحو هذا من القبيح، أو سمع المؤذّن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، فقال: كذلك يعطيكم الله، ففي هذا الأدب الموجع والسجن الطّويل. قال: وأمّا إن شتم النبي ﷺ شتما يعرف فإنه يقتل إلا أن يسلم، قاله مالك غير مرّة، ولم يقل: يستتاب. قال ابن القاسم: ومحمل قوله عندي إن أسلم طائعا. وقال ابن سحنون في سؤالات سليمان بن سالم في اليهوديّ يقول للمؤذّن، إذا تشهّد: كذبت- يعاقب العقوبة الموجعة مع السّجن الطويل. وفي النوادر من رواية سحنون عنه: من شتم الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفروا ضربت عنقه إلّا أن يسلم. قال محمد بن سحنون: فإن قيل: لم قتلته في سبّ النبي ﷺ ومن دينه سبّه وتكذيبه؟ قيل: لأنا لم نعطهم العهد على ذلك، ولا على قتلنا، وأخذ أموالنا، فإذا قتل واحدا منا قتلناه، وإن كان من دينه استحلاله، فكذلك إظهاره لسبّ نبينا ﷺ . قال سحنون: كما لو بذل هنا أهل الحرب الجزية على إقرارهم على سبّه لم يجز لنا ذلك في قول قائل.

стр. 5316

الباب الرابع في بيان قتل الساب إذا كان ممن يدّعي الإسلام ولم يتب قال القاضي: [الحجة في إيجاب قتل من سبه أو عابه ﷺ فمن القرآن لعنه تعالى لمؤذيه في الدنيا والآخرة، وقرانه تعالى أذاه بأذاه، ولا خلاف في قتل من سبّ الله، وأنّ اللّعن إنما يستوجبه من هو كافر، وحكم الكافر القتل، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً. وقال- في قاتل المؤمن مثل ذلك، فمن لعنته في الدّنيا القتل، قال الله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا. مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا. وقال- في المحاربين، وذكر عقوبتهم: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ. ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا. وقد يقع القتل بمعنى اللّعن، قال الله تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ. وقاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، أي لعنهم الله، ولأنه فرق بين أذاهما وأذى المؤمنين، وفي أذى المؤمنين ما دون القتل، من الضّرب والنّكال، فكان حكم مؤذي الله ونبيّه أشدّ من ذلك، وهو القتل. وقال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً. فسلب اسم الإيمان عمّن وجد في صدره حرجا من قضائه، ولم يسلّم له، ومن تنقّصه فقد ناقض هذا. وقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ. ولا يحبط العمل إلا الكفر، والكافر يقتل. وقال تعالى: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ... ثم قال: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وقال تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ: هُوَ أُذُنٌ. ثم قال: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.

стр. 5317

وقال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ، إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ. قال أهل التفسير: كفرتم بقولكم في رسول الله ﷺ . وأمّا الإجماع فقد ذكرناه. وأمّا الآثار فحدّثنا الشيخ أبو عبد الله أحمد بن غلبون، عن الشيخ أبي ذرّ الهروي إجازة، قال: حدثنا أبو الحسن الدارقطني، وأبو عمر بن حيوة، حدثنا محمد بن نوح، حدثنا عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة، حدثنا عبد الله بن موسى بن جعفر، عن علي بن موسى، عن أبيه، عن جدّه، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن الحسين بن علي، عن أبيه- أن رسول الله ﷺ قال: من سب نبيّا فاقتلوه، ومن سبّ أصحابي فاضربوه. وفي الحديث الصحيح: أمر النبي ﷺ بقتل كعب بن الأشرف. وقوله: من لكعب بن الأشرف فإنه يؤذي الله ورسوله. توجّه إليه من قتله غيلة دون دعوة، بخلاف غيره من المشركين، وعلّل قتله بأذاه له، فدلّ أنّ قتله إياه لغير الإشراك، بل للأذى. وكذلك قتل أبا رافع، قال البراء: وكان يؤذي رسول الله ﷺ ، ويعين عليه. وكذلك أمره يوم الفتح بقتل ابن خطل وجاريتيه اللّتين كانتا تغنّيان بسبّه ﷺ . وفي حديث آخر أن رجلا كان يسبّه- ﷺ ، فقال: من يكفيني عدوّي؟ فقال خالد: أنا. فبعثه ﷺ فقتله. وكذلك لم يقل جماعة ممّن كان يؤذيه من الكفّار ويسبّه، كالنّضر بن الحارث، وعقبة ابن أبي معيط. وعهد بقتل جماعة منهم قبل الفتح وبعده، فقتلوا إلا من بادر بإسلامه قبل القدرة عليه. وقد روى البزار، عن ابن عباس- أن عقبة بن أبي معيط نادى: يا معشر قريش، ما لي أقتل من بينكم صبرا! فقال له النبي ﷺ : بكفرك وافترائك على رسول الله ﷺ . وذكر عبد الرزّاق أن النبي ﷺ سبّه رجل، فقال: من يكفيني عدوّي؟ فقال الزبير: أنا، فبارزه فقتله الزبير. وروى أيضاً أن امرأة كانت تسبّه ﷺ ، فقال: من يكفيني عدوّتي؟ فخرج إليها خالد ابن الوليد فقتلها. وروي أن رجلا كذب على النبي ﷺ ، فبعث عليّا والزّبير إليه ليقتلاه.

стр. 5318

وروى ابن قانع أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، سمعت أبي يقول فيك قولا قبيحا فقتلته! فلم يشقّ ذلك على النبي ﷺ . وبلغ المهاجر بن أبي أمية أمير اليمن لأبي بكر ﵁ أن امرأة هناك في الردّة غنّت بسبّ النبي ﷺ ، فقطع يدها، ونزع ثنيّتها، فبلغ أبا بكر ﵁ ذلك، فقال له: لولا ما فعلت لأمرتك بقتلها، لأنّ حدّ الأنبياء ليس بشبه الحدود. وعن ابن عباس: هجت امرأة من خطمة النبي ﷺ ، فقال: من لي بها؟ فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله. فنهض فقتلها، فأخبر النبي ﷺ ، فقال: لا ينتطح فيها عنزان. وعن ابن عباس أن أعمى كانت له أمّ ولد تسبّ النبي ﷺ فيزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فقتلها، وأعلم النبي ﷺ بذلك، فأهدر دمها. وفي حديث أبي برزة الأسلمي: كنت يوما جالسا عند أبي بكر الصديق، فغضب على رجل من المسلمين- وحكى القاضي إسماعيل وغير واحد من الأئمة في هذا الحديث أنه سب أبا بكر. ورواه النّسائي: أتيت أبا بكر، وقد أغلظ لرجل فردّ عليه، قال: فقلت: يا خليفة رسول الله، دعني أضرب عنقه. فقال: اجلس، فليس ذلك لأحد إلا لرسول الله ﷺ . قال القاضي أبو محمد بن نصر: ولم يخالف عليه أحد، فاستدلّ الأئمة بهذا الحديث على قتل من أغضب النبي ﷺ بكلّ ما أغضبه أو آذاه أو سبّه. ومن ذلك كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالكوفة، وقد استشاره في قتل رجل سبّ عمر ﵁، فكتب إليه عمر: إنه لا يحلّ قتل امرئ مسلم بسبّ أحد من الناس إلا رجلا سب رسول الله ﷺ ، فمن سبه فقد حلّ دمه. وسأل الرشيد مالكا في رجل شتم النبي ﷺ ، وذكر له أنّ فقهاء العراق أفتوه بجلده، فغضب مالك، وقال: يا أمير المؤمنين، ما بقاء الأمة بعد شتم نبيّها! من شتم الأنبياء قتل، ومن شتم أصحاب النبي ﷺ جلد. قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى: كذا وقع في هذه الحكاية، ورواها غير واحد من أصحاب مناقب مالك ومؤلّفي أخباره وغيرهم، ولا أدري من هؤلاء الفقهاء بالعراق الذين أفتوا الرشيد بما ذكر! وقد ذكرنا مذهب العراقيين بقتله، ولعلّهم ممن لم يشهر بعلم، أو من لا يوثق بفتواه، أو يميل به هواه بقتله أو يكون ما قاله يحمل على غير السبّ، فيكون الخلاف: هل

стр. 5319

هو سبّ أو غير سب؟ أو يكون رجع وتاب من سبّه، فلم يقله لمالك على أصله، وإلا فالإجماع على قتل من سبّه كما قدّمناه. ويدلّ على قتله من جهة النّظر والاعتبار أنّ من سبه أو تنقّصه ﷺ فقد ظهرت علامة مرض قلبه، وبرهان سرّ طويّته وكفره، ولهذا ما حكم له كثير من العلماء بالردّة، وهي رواية الشاميين عن مالك والأوزاعي، وقول الثوري، وأبو حنيفة، والكوفيين. والقول الآخر أنه دليل على الكفر، فيقتل حدّا، وإن لم يحكم له بالكفر إلا أن يكون متماديا على قوله، غير منكر له، ولا مقلع عنه، فهذا كافر، وقوله: إمّا صريح كفر كالتكذيب ونحوه، أو من كلمات الاستهزاء والذمّ، فاعترافه بها وترك توبته عنها دليل استحلاله لذلك، وهو كفر أيضا، فهذا كافر بلا خلاف، قال الله تعالى في مثله: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ. قال أهل التفسير: هي قولهم: إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير. وقيل: قول بعضهم: ما مثلنا ومثل محمد إلا قول القائل: سمّن كلبك يأكلك، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ. وقد قيل: إنّ قائل مثل هذا إن كان مستترا به إنّ حكمه حكم الزّنديق يقتل، ولأنه قد غيّر دينه، وقد قال ﷺ : «من غيّر دينه فاضربوا عنقه» ، ولأنّ لحكم النبي ﷺ في الحرمة مزيّة على أمته، وساب الحرّ من أمّته يحدّ، فكانت العقوبة لمن سبّه ﷺ القتل، لعظيم قدره، وشفوف منزلته على غيره ... ] .

стр. 5320

الباب الخامس في الكلام على توبة المسلم واستتابته [إذا قلنا بالاستتابة حيث تصحّ فالاختلاف فيها على الاختلاف في توبة المرتدّ، إذ لا فرق. وقد اختلف السّلف في وجوبها وصورتها ومدّتها، فذهب جمهور أهل العلم إلى أنّ المرتدّ يستتاب. وحكى ابن القصّار أنه إجماع من الصحابة على تصويب قول عمر في الاستتابة، ولم ينكره واحد منهم، وهو قول عثمان، وعليّ، وابن مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رباح، والنّخعي، والثّوري، ومالك، وأصحابه، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وذهب طاوس، ومحمد بن الحسن، وعبيد بن عمير، والحسن في إحدى الروايتين عنه- أنه لا يستتاب، وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة، وذكره عن معاذ، وأنكره سحنون عن معاذ، وحكاه الطحاوي عن أبي يوسف، وهو قول أهل الظاهر، قالوا: وتنفعه توبته عند الله، ولكن لا تدرأ القتل عنه، لقوله ﷺ ، [من بدّل دينه] فاقتلوه. وحكي أيضا عن عطاء: إن كان ممّن ولد في الإسلام لم يستتب، ويستتاب الإسلاميّ. وجمهور العلماء على أنّ المرتدّ والمرتدّة في ذلك سواء. وروي عن علي ﵁: لا تقتل المرتدّة، وتسترقّ، وقاله عطاءة وقتادة. وروى عن ابن عبّاس: لا تقتل النساء في الردة، وبه قال أبو حنيفة. قال مالك: والحرّ والعبد والذّكر والأنثى في ذلك سواء] .

стр. 5321

الباب السادس في انتقاض عهد الذمي إذا ذمّ المقام الشريف ووجوب قتله والنص على ذلك [كذلك ينتقض عهد من سبّ منهم، ويحلّ لنا دمه، فكما لم يحصّن الإسلام من سبّه من القتل كذلك لا تحصّنه الذمة. قال القاضي أبو الفضل: ما ذكره ابن سحنون عن نفسه وعن أبيه مخالف لقول ابن القاسم فيما خفّف عقوبتهم فيه مما به كفروا، فتأمّله. ويدلّ على أنه خلاف ما روي عن المدنيّين في ذلك، فحكى أبو المصعب الزهري، قال: أتيت بنصرانيّ قال: والذي اصطفى عيسى على محمّد، فاختلف عليّ فيه، فضربته حتى قتلته، أو عاش يوما وليلة، وأمرت من جرّ برجله، وطرح على مزبلة، فأكلته الكلاب. وسئل أبو المصعب عن نصراني قال: عيسى خلق محمدا. فقال: يقتل. وقال ابن القاسم: سألنا مالكا عن نصرانيّ بمصر شهد عليه أنه قال: مسكين محمد، يخبركم أنه في الجنة، ما له لم ينفع نفسه! إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه، لو قتلوه استراح منه الناس. قال مالك: أرى أن تضرب عنقه] . الباب السابع في عدم قبول توبته إذا سب مع بقائه على كفره [ ... ] [قلت وهو مذكور في ثنايا البابين السابقين] . الباب الثامن في أن توبته بالإسلام هل هي صحيحة مسقطة للقتل أم لا وهل يستتاب بالإسلام ويدّعي الندم قال القاضي: [إن تاب على القول بقبول توبته فهذا يدرأ عنه القتل، ويتسلّط عليه اجتهاد الإمام بقدر شهرة حاله، وقوة الشهادة عليه، وضعفها، وكثرة السّماع عنه، وصورة حاله من التهمة في الدّين والنّبز بالسّفه والمجون، فمن قوي أمره أذاقه من شديد النّكال من التضييق في السّجن، والشدّ في القيود إلى الغاية التي هي منتهى طاقته بما لا يمنعه القيام لضرورته، ولا

стр. 5322

يقعده عن صلاته، وهو حكم كلّ من وجب عليه القتل، لكن وقف عن قتله لمعنى أوجبه، وتربّص به لإشكال وعائق اقتضاه أمره، وحالات الشدة في نكاله تختلف بحسب اختلاف حاله. وقد روى الوليد عن مالك والأوزاعيّ أنها ردّة، فإذا تاب نكّل. ولمالك في العتبيّة وكتاب محمد، من رواية أشهب: إذا تاب المرتدّ فلا عقوبة عليه. وقاله سحنون. وأفتى أبو عبد الله بن عتّاب فيمن سبّ النبي ﷺ ، فشهد عليه شاهدان عدّل أحدهما بالأدب الموجع والتّنكيل والسّجن الطويل حتى تظهر توبته. وقال القابسيّ في مثل هذا: ومن كان أقصى أمره القتل فعاق عائق أشكل في القتل لم ينبغ أن يطلق من السجن، ويستطال سجنه، ولو كان فيه من المدة ما عسى أن يقيم، ويحمل عليه من القيد ما يطيق. وقال في مثله ممّن أشكل أمره: يشدّ في القيود شدّا، ويضيّق عليه في السجن حتى ينظر فيما يجب عليه. وقال في مسألة أخرى مثلها: ولا تهراق الدماء إلا بالأمر الواضح، وفي الأدب بالسّوط والسّجن نكال للسفهاء، ويعاقب عقوبة شديدة، فأما إن لم يشهد عليه سوى شاهدين، وأثبت من عداوتهما أو جرحتهما ما أسقطهما عنه، ولم يسمع ذلك من غيرها فأمره أخفّ لسقوط الحكم عنه، وكأنه لم يشهد عليه، إلا أن يكون مما لا يليق به ذلك، ويكون الشاهدان من أهل التّبريز فأسقطهما بعداوة، فهو وإن لم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما فلا يدفع الظنّ صدقهما، وللحاكم هنا في تنكيله موضع اجتهاد. والله وليّ الإرشاد] . الباب التاسع في الخلاف في أن حكم الحاكم بسقوط القتل عن السابّ مع بقائه على الكفر صحيح أم لا ؟ [ ... ] .

стр. 5323

جماع أبواب بعض الحوادث الكائنة بالمدينة الشريفة في سني الهجرة غير ما تقدم باب مبدأ التاريخ الإسلامي وأسقطت ذكر بقية الأبواب لكثرتها ، وفيه أنواع الأول: في بيان من ابتدأ بالتأريخ . روى الحاكم في «الإكليل» عن ابن شهاب الزهري- رحمه الله تعالى-، قال: لما قدم النبي- ﷺ المدينة أمر بالتاريخ فكتب في ربيع الأول [ (١) ] . قال الحافظ- رحمه الله تعالى-: هذا معضل [ (٢) ] ، والمشهور خلافه. قلت: وهذا القول قدمه في الإشارة، ورواه يعقوب بن سفيان- بلفظ- «التّأريخ من يوم قدم النبي- ﷺ المدينة مهاجرا» قال الحافظ، وابن عساكر: وهذا أصوب، والمحفوظ أن الآمر بالتاريخ عمر بن الخطاب [ (٣) ] . قال الشيخ- رحمه الله تعالى- في كتاب «التاريخ» : ويعضد الأول ما رأيته بخط ابن القماح في مجموع له، قال ابن الصلاح: وقفت على كتاب في «الشروط» لأبي طاهر محمش الزيادي ذكر فيه أن رسول الله- ﷺ ارّخ بالهجرة حين كتب لنصارى نجران، وأمر عليا- رضي الله تعالى عنه- أن يكتب فيه لخمس من الهجرة، فالمؤرخ إذن رسول الله- ﷺ وعمر تبعه في ذلك. وقد يقال: إن هذا صريح في أنه أرخ سنة خمس، والحديث الأول فيه أنه أرخ يوم

стр. 5324

قدومه المدينة، [ويجاب بأنه لا منافاة فإن الظرف، وهو قوله: يوم قدم المدينة] [ (١) ] ليس متعلقا بالفعل، وهو أمر بالمصدر، وهو التاريخ أي أمر أن يؤرّخ بذلك اليوم، لأنه الأمر في ذلك اليوم فتأمله، فإنه نفيس جدا انتهى كلام الشيخ- رحمه الله تعالى-. وروى البخاري في تاريخه «الصغير» عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان التاريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله- ﷺ المدينة. وروى البخاري في «صحيحه» ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- زاد ابن أبي شيبة قال: أخطأ الناس العدد انتهى، أي: لم يعدوا من مبعث النبي- ﷺ ولا من متوفاه، إنما عدوا من مقدمة المدينة. قال مصعب الزبيري: وكان تاريخ قريش من متوفى هاشم بن المغيرة يعني آخر تاريخهم. قوله: «أخطأ الناس العدد» أي: أغفلوه وتركوه، ثم استدركوه ولم يرد أن الصواب خلاف ما عملوا، ويحتمل أن يريده، وأنه كان يرى أن البداءة بالمبعث أو الوفاة أولى، وله اتجاه. لكن الراجح خلافه. وقوله: «مقدمه» أي: زمن قدومه، ولم يرد شهر قدومه، لأن التاريخ إنما وقع من أول السنة. قاله الحافظ- ﵀. وقال عمرو بن دينار: أن أول من أرخ في الكتب يعلى بن أمية وهو باليمن. رواه الإمام أحمد بسند صحيح لكن فيه انقطاع بين عمرو ويعلى. الثّاني: ذكروا في سبب عمل التّاريخ أشياء . منها: ما رواه أبو نعيم- الفضل بن دكين بضم الدال المهملة وفتح الكاف وسكون التحتية وبالنون شيخ البخاري في «تاريخه» من طريق الشعبي أن أبا موسى- رضي الله تعالى عنه- كتب إلى عمر- رضي الله تعالى عنه-: أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم: أرخ بالمبعث، وبعضهم: أرخ بالهجرة. فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها، وذلك سنة سبع عشرة، فلما اتفقوا. قال بعضهم: ابدأوا برمضان، فقال بعضهم: بل المحرم فإنّه منصرف الناس من حجّهم، فاتفقوا عليه.

стр. 5325

ومنها: ما رواه الإمام أحمد، والبخاري في «الأدب» وأبو عروبة الحراني في «الأوائل» والحاكم من طريق ميمون بن مهران- رحمه الله تعالى- قال: رفع لعمر صك محله شعبان فقال: أيّ شعبان: الماضي، أو الذي نحن فيه أو الآتي؟ ضعوا للناس شيئا يعرفونه من التاريخ. فقال بعضهم اكتبوا على تاريخ الروم، فقيل: إنهم يكتبون من عهد ذي القرنين، فهذا يطول، وقال بعضهم: اكتبوا على تاريخ الفرس، فقيل: إن الفرس كلما قام ملك طرح من كان قبله، فاجتمع رأيهم على أن ينظروا: كم أقام رسول الله- ﷺ بالمدينة فوجده عشر سنين، فكتب التاريخ من هجرة رسول الله- ﷺ . وروى ابن عساكر عن سعيد بن المسيّب- رحمه الله تعالى- قال: أول من كتب التاريخ عمر لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لسنة عشر من المحرم بمشورة عليّ. وروى ابن أبي خيثمة عن ابن سيرين قال: قدم رجل من اليمن فقال: رأيت شيئا يسمونه التاريخ يكتبون من عام كذا وبشهر كذا، فقال عمر: هذا حسن فأرخوا، فلما أجمع على ذلك قال قوم: أرخوا للمولد، وقال قائل: للمبعث، وقال قائل: من حين خرج مهاجرا، وقال آخرون: من حين توفي، فقال عمر: «أرّخوا من خروجه من مكة إلى المدينة» . ثم قال: بأي شهر نبدأ؟ فقال قوم: برجب، وقال قوم: برمضان فقال عثمان: أرخوا من المحرم، فإنه شهر حرام، وهو أول السنة، ومنصرف الناس من الحج، قال: فكان ذلك سنة سبع عشرة في ربيع الأول من الهجرة. وروى الحاكم عن سعيد بن المسيب- رحمه الله تعالى- لما جمع عمر الناس سألهم من أي يوم نكتب التاريخ، فقال علي- رضي الله تعالى عنه- من يوم هاجر النبي- ﷺ وترك أرض الشرك ففعله عمر. قال الحافظ- رحمه الله تعالى-: واستفدنا من مجموع هذه الآثار أن الذي أشار بالمحرم عمر، وعثمان، وعلي- رضي الله تعالى عنهم-. الثالث: وقد أبدى بعضهم بالبداءة بالهجرة مناسبة فقال: كانت القضايا التي اتفقت له ويمكن أن يؤرخ بها أربع: مولده، ومبعثه، وهجرته، ووفاته فرجح عندهم جعلها من الهجرة، لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين سنته. وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما يوقع تذكره من الأسف عليه فانحصر في الهجرة، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم، لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم، إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة، وهي مقدمة الهجرة، فكان أول هلال استهل بعد البيعة، والعزم على الهجرة هلال المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأ.
следующие страницы →