الباب السادس في انتقاض عهد الذمي إذا ذمّ المقام الشريف ووجوب قتله والنص على ذلك
[كذلك ينتقض عهد من سبّ منهم، ويحلّ لنا دمه، فكما لم يحصّن الإسلام من سبّه من القتل كذلك لا تحصّنه الذمة.
قال القاضي أبو الفضل: ما ذكره ابن سحنون عن نفسه وعن أبيه مخالف لقول ابن القاسم فيما خفّف عقوبتهم فيه مما به كفروا، فتأمّله.
ويدلّ على أنه خلاف ما روي عن المدنيّين في ذلك، فحكى أبو المصعب الزهري، قال: أتيت بنصرانيّ قال: والذي اصطفى عيسى على محمّد، فاختلف عليّ فيه، فضربته حتى قتلته، أو عاش يوما وليلة، وأمرت من جرّ برجله، وطرح على مزبلة، فأكلته الكلاب.
وسئل أبو المصعب عن نصراني قال: عيسى خلق محمدا. فقال: يقتل.
وقال ابن القاسم: سألنا مالكا عن نصرانيّ بمصر شهد عليه أنه قال: مسكين محمد، يخبركم أنه في الجنة، ما له لم ينفع نفسه! إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه، لو قتلوه استراح منه الناس.
قال مالك: أرى أن تضرب عنقه] .
الباب السابع في عدم قبول توبته إذا سب مع بقائه على كفره
[ ... ] [قلت وهو مذكور في ثنايا البابين السابقين] .
الباب الثامن في أن توبته بالإسلام هل هي صحيحة مسقطة للقتل أم لا وهل يستتاب بالإسلام ويدّعي الندم
قال القاضي: [إن تاب على القول بقبول توبته فهذا يدرأ عنه القتل، ويتسلّط عليه اجتهاد الإمام بقدر شهرة حاله، وقوة الشهادة عليه، وضعفها، وكثرة السّماع عنه، وصورة حاله من التهمة في الدّين والنّبز بالسّفه والمجون، فمن قوي أمره أذاقه من شديد النّكال من التضييق في السّجن، والشدّ في القيود إلى الغاية التي هي منتهى طاقته بما لا يمنعه القيام لضرورته، ولا
стр. 5322
يقعده عن صلاته، وهو حكم كلّ من وجب عليه القتل، لكن وقف عن قتله لمعنى أوجبه، وتربّص به لإشكال وعائق اقتضاه أمره، وحالات الشدة في نكاله تختلف بحسب اختلاف حاله.
وقد روى الوليد عن مالك والأوزاعيّ أنها ردّة، فإذا تاب نكّل.
ولمالك في العتبيّة وكتاب محمد، من رواية أشهب: إذا تاب المرتدّ فلا عقوبة عليه.
وقاله سحنون.
وأفتى أبو عبد الله بن عتّاب فيمن سبّ النبي ﷺ ، فشهد عليه شاهدان عدّل أحدهما بالأدب الموجع والتّنكيل والسّجن الطويل حتى تظهر توبته.
وقال القابسيّ في مثل هذا: ومن كان أقصى أمره القتل فعاق عائق أشكل في القتل لم ينبغ أن يطلق من السجن، ويستطال سجنه، ولو كان فيه من المدة ما عسى أن يقيم، ويحمل عليه من القيد ما يطيق.
وقال في مثله ممّن أشكل أمره: يشدّ في القيود شدّا، ويضيّق عليه في السجن حتى ينظر فيما يجب عليه.
وقال في مسألة أخرى مثلها: ولا تهراق الدماء إلا بالأمر الواضح، وفي الأدب بالسّوط والسّجن نكال للسفهاء، ويعاقب عقوبة شديدة، فأما إن لم يشهد عليه سوى شاهدين، وأثبت من عداوتهما أو جرحتهما ما أسقطهما عنه، ولم يسمع ذلك من غيرها فأمره أخفّ لسقوط الحكم عنه، وكأنه لم يشهد عليه، إلا أن يكون مما لا يليق به ذلك، ويكون الشاهدان من أهل التّبريز فأسقطهما بعداوة، فهو وإن لم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما فلا يدفع الظنّ صدقهما، وللحاكم هنا في تنكيله موضع اجتهاد. والله وليّ الإرشاد] .
الباب التاسع في الخلاف في أن حكم الحاكم بسقوط القتل عن السابّ مع بقائه على الكفر صحيح أم لا ؟
[ ... ] .
стр. 5323
جماع أبواب بعض الحوادث الكائنة بالمدينة الشريفة في سني الهجرة غير ما تقدم
باب مبدأ التاريخ الإسلامي وأسقطت ذكر بقية الأبواب لكثرتها ،
وفيه أنواع
الأول: في بيان من ابتدأ بالتأريخ .
روى الحاكم في «الإكليل» عن ابن شهاب الزهري- رحمه الله تعالى-، قال: لما قدم النبي- ﷺ المدينة أمر بالتاريخ فكتب في ربيع الأول [ (١) ] .
قال الحافظ- رحمه الله تعالى-: هذا معضل [ (٢) ] ، والمشهور خلافه.
قلت: وهذا القول قدمه في الإشارة، ورواه يعقوب بن سفيان- بلفظ- «التّأريخ من يوم قدم النبي- ﷺ المدينة مهاجرا» قال الحافظ، وابن عساكر: وهذا أصوب، والمحفوظ أن الآمر بالتاريخ عمر بن الخطاب [ (٣) ] .
قال الشيخ- رحمه الله تعالى- في كتاب «التاريخ» : ويعضد الأول ما رأيته بخط ابن القماح في مجموع له، قال ابن الصلاح: وقفت على كتاب في «الشروط» لأبي طاهر محمش الزيادي ذكر فيه أن رسول الله- ﷺ ارّخ بالهجرة حين كتب لنصارى نجران، وأمر عليا- رضي الله تعالى عنه- أن يكتب فيه لخمس من الهجرة، فالمؤرخ إذن رسول الله- ﷺ وعمر تبعه في ذلك.
وقد يقال: إن هذا صريح في أنه أرخ سنة خمس، والحديث الأول فيه أنه أرخ يوم
стр. 5324
قدومه المدينة، [ويجاب بأنه لا منافاة فإن الظرف، وهو قوله: يوم قدم المدينة] [ (١) ] ليس متعلقا بالفعل، وهو أمر بالمصدر، وهو التاريخ أي أمر أن يؤرّخ بذلك اليوم، لأنه الأمر في ذلك اليوم فتأمله، فإنه نفيس جدا انتهى كلام الشيخ- رحمه الله تعالى-.
وروى البخاري في تاريخه «الصغير» عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان التاريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله- ﷺ المدينة.
وروى البخاري في «صحيحه» ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- زاد ابن أبي شيبة قال: أخطأ الناس العدد انتهى، أي: لم يعدوا من مبعث النبي- ﷺ ولا من متوفاه، إنما عدوا من مقدمة المدينة.
قال مصعب الزبيري: وكان تاريخ قريش من متوفى هاشم بن المغيرة يعني آخر تاريخهم.
قوله: «أخطأ الناس العدد» أي: أغفلوه وتركوه، ثم استدركوه ولم يرد أن الصواب خلاف ما عملوا، ويحتمل أن يريده، وأنه كان يرى أن البداءة بالمبعث أو الوفاة أولى، وله اتجاه. لكن الراجح خلافه.
وقوله: «مقدمه» أي: زمن قدومه، ولم يرد شهر قدومه، لأن التاريخ إنما وقع من أول السنة.
قاله الحافظ- ﵀.
وقال عمرو بن دينار: أن أول من أرخ في الكتب يعلى بن أمية وهو باليمن.
رواه الإمام أحمد بسند صحيح لكن فيه انقطاع بين عمرو ويعلى.
الثّاني: ذكروا في سبب عمل التّاريخ أشياء .
منها: ما رواه أبو نعيم- الفضل بن دكين بضم الدال المهملة وفتح الكاف وسكون التحتية وبالنون شيخ البخاري في «تاريخه» من طريق الشعبي أن أبا موسى- رضي الله تعالى عنه- كتب إلى عمر- رضي الله تعالى عنه-: أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم: أرخ بالمبعث، وبعضهم: أرخ بالهجرة. فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها، وذلك سنة سبع عشرة، فلما اتفقوا. قال بعضهم: ابدأوا برمضان، فقال بعضهم: بل المحرم فإنّه منصرف الناس من حجّهم، فاتفقوا عليه.
стр. 5325
ومنها: ما رواه الإمام أحمد، والبخاري في «الأدب» وأبو عروبة الحراني في «الأوائل» والحاكم من طريق ميمون بن مهران- رحمه الله تعالى- قال: رفع لعمر صك محله شعبان فقال: أيّ شعبان: الماضي، أو الذي نحن فيه أو الآتي؟ ضعوا للناس شيئا يعرفونه من التاريخ.
فقال بعضهم اكتبوا على تاريخ الروم، فقيل: إنهم يكتبون من عهد ذي القرنين، فهذا يطول، وقال بعضهم: اكتبوا على تاريخ الفرس، فقيل: إن الفرس كلما قام ملك طرح من كان قبله، فاجتمع رأيهم على أن ينظروا: كم أقام رسول الله- ﷺ بالمدينة فوجده عشر سنين، فكتب التاريخ من هجرة رسول الله- ﷺ .
وروى ابن عساكر عن سعيد بن المسيّب- رحمه الله تعالى- قال: أول من كتب التاريخ عمر لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لسنة عشر من المحرم بمشورة عليّ.
وروى ابن أبي خيثمة عن ابن سيرين قال: قدم رجل من اليمن فقال: رأيت شيئا يسمونه التاريخ يكتبون من عام كذا وبشهر كذا، فقال عمر: هذا حسن فأرخوا، فلما أجمع على ذلك قال قوم: أرخوا للمولد، وقال قائل: للمبعث، وقال قائل: من حين خرج مهاجرا، وقال آخرون:
من حين توفي، فقال عمر: «أرّخوا من خروجه من مكة إلى المدينة» .
ثم قال: بأي شهر نبدأ؟ فقال قوم: برجب، وقال قوم: برمضان فقال عثمان: أرخوا من المحرم، فإنه شهر حرام، وهو أول السنة، ومنصرف الناس من الحج، قال: فكان ذلك سنة سبع عشرة في ربيع الأول من الهجرة.
وروى الحاكم عن سعيد بن المسيب- رحمه الله تعالى- لما جمع عمر الناس سألهم من أي يوم نكتب التاريخ، فقال علي- رضي الله تعالى عنه- من يوم هاجر النبي- ﷺ وترك أرض الشرك ففعله عمر.
قال الحافظ- رحمه الله تعالى-: واستفدنا من مجموع هذه الآثار أن الذي أشار بالمحرم عمر، وعثمان، وعلي- رضي الله تعالى عنهم-.
الثالث:
وقد أبدى بعضهم بالبداءة بالهجرة مناسبة فقال: كانت القضايا التي اتفقت له ويمكن أن يؤرخ بها أربع: مولده، ومبعثه، وهجرته، ووفاته فرجح عندهم جعلها من الهجرة، لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين سنته.
وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما يوقع تذكره من الأسف عليه فانحصر في الهجرة، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم، لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم، إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة، وهي مقدمة الهجرة، فكان أول هلال استهل بعد البيعة، والعزم على الهجرة هلال المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأ.
стр. 5326
قال الحافظ: «وهذا أقوى ما وقفت عليه في مناسبة الابتداء بالمحرم» .
قال الشيخ- رحمه الله تعالى-: وقفت على نكتة في جعل المحرم أول السنة.
وروى سعيد بن منصور في «سننه» والبيهقي في «الشعب» بإسناده حسن، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال في قوله تعالى: وَالْفَجْرِ [الفجر ١] قال: الفجر شهر المحرم وهو فجر السنة» [ (١) ] .
قال الحافظ في أماليه: بهذا يحصل الجواب عن الحكمة في تأخير التاريخ من ربيع الأول إلى المحرم. بعد أن اتفقوا على جعل التأريخ من الهجرة وأن كانت في ربيع الأول.
روى البخاري في «تاريخه» عن عبيد بن عمير- رحمه الله تعالى- قال: المحرم شهر الله، وهو رأس السنة، فيه يؤرخ التاريخ، وفيه يكسى البيت، ويضرب فيه الورق.
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر- رحمه الله تعالى-: ذكر أبو الحسن محمد بن أحمد الوراق المعروف ب ابن ... ] أن أول المحرم سنة الهجرة كان يوم الخميس اليوم الثاني من أيام سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة لذي القرنين قلت: أي اليوناني، لا الذي ذكر في القرآن، انتهى.
تنبيهات
الأول [ (٢) ] : قال السهيلي- رحمه الله تعالى-: أخذ الصحابة التأريخ من الهجرة من قوله ﵎ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة ١٠٨] لأنه معلوم أنه ليس أول الأيام مطلقا، فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر، وهو أول الزمن الذي عز فيه الإسلام، وعبد النبي- ﷺ ربه ﵎ آمنا، وابتدأ بناء المسجد فوافق رأي الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- ابتداء التأريخ من ذلك اليوم، وفهمنا من فعلهم أن قوله تعالى: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ... أنه أول أيام التأريخ.
قال الحافظ- رحمه الله تعالى- كذا قال، والمتبادر أن معنى قوله: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أي: يوم دخل فيه النبي- ﷺ وأصحابه المدينة.
الثّاني: إنما يؤرخ بالأشهر الهلالية التي قد تكون ثلاثين، وقد تكون تسعا وعشرين كما ثبت في الحديث دون الشّمسيّة الحسبية وهي ابتداء ثلاثون فتزيد عليها.
قال الله في قصة أصحاب الكهف وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً [الكهف ٢٥] .
стр. 5327
قال المفسرون: زيادة التسعة باعتبار الهلالية، وهي ثلاثمائة فقط هلالية، وإنما كان التأريخ بالهلالية للحديث الصحيح: «إنّا أمة أمّية لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا، وهكذا» .
والحديث الصحيح: «إذا رأيتموه يعني الهلال- فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين» .
وآلى [ (١) ] النبي- ﷺ من نسائه شهرا، ودخل عليهن في التاسع والعشرين، فقيل له:
لقد آليت فقال: الشهر تسع وعشرون
قال الإمام البلقيني في «التدريب» : كل شهر في الشرع فالمراد به الهلال، إلّا شهر المستحاضة وتخليق الحمل.
الثالث: قال الصلاح الصفدي- رحمه الله تعالى-: رأيت بعض الفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا، وبعضها لم يكتبوا فيه شهرا، وطلبت الحكمة في ذلك فلم أجدهم أتوا بشهر إلا مع شهر يكون أوله حرف راء وهو شهر ربيع، وشهر رجب، ورمضان ولم أدر العلة في ذلك ما هي ولا وجه المناسبة، لأنه كان ينبغي أن يحذف لفظ شهر من هذه، لأنه يجتمع في ذلك راءان.
قال الشيخ رحمه الله تعالى في كتاب «نظم العقيان في أعيان الأعيان» : قد تعرّض للمسألة من المتقدمين ابن درستويه فقال في كتابه المتمم: الشهور سجلها مذكرة إلا جمادى، وليس شيء منها يضاف إليه شهر إلا شهر ربيع وشهر رمضان قلت وقال ابن خطيب الدهشة- رحمه الله تعالى- في «المصباح» [ (٢) ] : الربيع عند العرب ربيعان ربيع شهور وربيع زمان فربيع الشهور اثنان قالوا: لا يقال فيهما إلا شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر بزيادة شهر وتنوين ربيع وجعل الأول والآخر وصفا تابعا من الإعراب ويجوز فيه الاضافة ... ] .
قال الشيخ- رحمه الله تعالى- في كتابه «التاريخ» : قال المتأخرون: ويذكر شهر فيما أوله راء فيقال شهر ربيع مثلا دون غيره، فلا يقال: شهر صفر، والمنقول عن سيبويه جواز إضافة شهر إلى كل الشهور وهو المختار. انتهى.
وقال الإمام النووي- رحمه الله تعالى [وجاء من الشهور ثلاثة مضافة إلى شهر رمضان وشهرا ربيع ... ] .
الرابع: إنما يؤرّخ بالليالي، لأن الليلة سابقة على يومها إلا يوم عرفة شرعا، قال الله تعالى: كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [الأنبياء ٣٠] . قالوا: ولا يكون مع الارتفاق إلا الظلام فهو سابق على النور.
стр. 5328
روي أن أول ما خلق الله تعالى النور والظّلمة، ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلا، والنور نهارا.
وقد ثبت أن القيامة لا تقوم إلا نهارا، فدل على أن ليلة اليوم سابقة عليه، إذ كل يوم له ليلة، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا أول المعراج.
الخامس: قال في «المصباح» أرّخت الكتاب بالتثقيل في الأشهر، والتخفيف لغة حكاها ابن القطاع، إذ جعلت له تاريخا [وهو معرّب، وقيل عربيّ] وهو بيان انتهاء وقته ويقال:
ورّخت على البدل والتوريخ قليل الاستعمال.
السّادس: اختلفوا في لفظ التاريخ هل هو عربي أو معرّب.
قال صاحب نور المقاييس، وهو مختصر كتاب «مقاييس اللغة» لابن فارس «تاريخ الكتاب» : ليس عربيا ولا سمع من فصيح.
وقال ابن فارس في «المجمل» : التواريخ والتاريخ فما تحسبهما عربية.
وقال [غيره] التاريخ لفظ معرب أصله: ماه روز، وسبب تعريبه أن أبا موسى كتب إلى عمر- رضي الله تعالى عنهما- فذكر ما تقدم فجمع عمر الصحابة واستشارهم في ذلك فقال الهرمزان: إن للعجم حسابا يسمونه ماه روز ينسبونه إلى ما غلب عليهم من الأكاسرة، فعربوه وقالوا: مؤرخ وجعلوا مصدره التاريخ. واستعملوه في وجوه التصريف، ثم بيّن لهم الهرمزان أن كيفية استعماله، فقال عمر- رضي الله تعالى عنه-: ضعوا تاريخا يتعاملون عليه، فذكر نحو ما سبق أول الباب.
وقال جماعة: هو عربي مشتق من الأرخ بفتح الهمزة وكسرها وهو ولد البقرة الوحشية، إلا إذا كانت أنثى كانت فتى، وقال القزاز: الأرخ البقرة التي لم ينز عليها الثيران، والعرب تشبه بها النساء الخفرات.
وقال أبو منصور الجواليقي يقال: إنّ الأرخ الوقت، والتأريخ: التوقيت [ (١) ] .
قال ابن بري: لم يذهب أحد إلى هذا، وإنما قال ابن درستويه: اشتقاق [الإرخ من بقر الوحش، واشتقاق التأريخ واحد، لأن الفتى وقت من السن، والتاريخ] [ (٢) ] وقت من الزمن.
وقال ابن بري: وقد أحسن كل الإحسان وجمع الأرخ والتاريخ.
стр. 5329
السّابع: التاريخ: تعريف الوقت، وفي الاصطلاح: تعيين وقت ينسب إليه زمان وما بعده.
وقيل: هو يوم معلوم ينسب إليه زمان يأتي بعده.
وقيل: تعريف الوقت بإسناده إلى أول حدوث أمر شائع من ظهور جولة، أو وقوع حادثة من طوفان، أو زلزلة، أو نحو ذلك من الأبيات.
النوع الرابع: في حوادث السّنة الأولى غير المغازي والسّرايا .
فيها صلى الجمعة في طريق بني سالم بن عوف، وهي أول جمعة صلاها في الإسلام وأول خطبة خطبها في الإسلام كما جزم به غير واحد وصاحب العيون.
وروى ابن إسحاق والبيهقي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كانت أول خطبة خطبها رسول الله- ﷺ بالمدينة، أنه قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد: أيّها النّاس فقدموا لأنفسكم تعلمنّ والله ليصعقنّ أحدكم ثمّ ليدعنّ غنمه ليس لها راع ثمّ ليقولنّ له ربه ليس له ترجمان ولا حاجب، يحجبه دونه ألم يأتك رسولي فبلغك وآتيتك مالا وأفضلت عليك، فما قدّمت لنفسك فلينظرنّ يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثمّ لينظرنّ قدّامه فلا يرى غير جهنّم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النّار ولو بشقّ تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيّبة فإنّ بها يجزى الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام على رسول الله ورحمة الله وبركاته» .
ثم خطب رسول الله- ﷺ مرّة أخرى. فقال: «إنّ الحمد لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إنّ أحسن الحديث كتاب الله ﵎ قد أفلح من زينه الله تعالى في قلبه وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس أنه أحسن الحديث وأبلغه أحبّوا من أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملّوا كلام الله تعالى وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي فقد سماه الله خيرته من الأعمال. ومصطفاه من العباد، والصالح الحديث ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام [ (١) ] ، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، واتقوا الله حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابّوا بروح الله بينكم، فإنّ الله يغضب أن ينكث عهده، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
انتهى [ (٢) ] .
стр. 5330
وروى ابن جرير عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحيّ، أنه بلغه عن خطبة رسول الله- ﷺ في أوّل جمعة صلّاها بالمدينة في بني سالم بن عمرو بن عوف:
«الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأومن به، ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة، على فترة من الرسل، وقلّة من العلم، وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا، وأوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله- فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكرى وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله تعالى من أمر السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله تعالى يكن له ذكرا، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله توقيّ مقته وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه، وإنّ تقوى الله تبيّض الوجه، وترضي الرّبّ، وترفع الدّرجة، خذوا بحظّكم، ولا تفرّطوا في جنب الله، قد علّمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنّه من أصلح ما بينه وبين الله تعالى يكفه ما بينه وبين النّاس، ذلك بأنّ الله يقضي على النّاس، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» [ (١) ] .
تنبيهات
الأول: قال في «الرّوض» :
قوله- ﷺ في خطبته «أحبّوا الله من كلّ قلوبكم»
يريد أن يستغرق حب الله جميع أجزاء القلب، فيكون ذكره وعمله خارجا من قلبه خالصا لله، وتقدم الكلام على محبة الله تعالى لعبده، ومحبة العبد لربه في اسمه- ﷺ «حبيب الله» .
وقوله: ﷺ : «لا تملّوا كلام الله تعالى وذكره، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي» .
قال السّهيلي: الهاء في قوله: «فإنه» لا يجوز أن تكون عائدة على كلام الله تعالى،
стр. 5331
ولكنها ضمير الأمر والحديث فكأنه قال: إن الحديث من كل ما يخلق الله ويختار، فالأعمال إذا كلها من خلق الله تعالى، وقد اختار منها ما شاء قال الله تعالى: يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ [القصص ٦٨] .
قوله: «قد سماه خيرته من الأعمال» يعني الذكر وتلاوة القرآن.
وقوله: والمصطفى من عباده أي وسمى المصطفى من عباده
بقوله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج ٧٥] ويجوز أن يكون معناه المصطفى من عباده، أي العمل الذي اصطفاه منهم واختاره من أعمالهم، فلا تكون «من» على هذا للتبعيض، إنما تكون لابتداء الغاية، لأنه عمل استخرجه منهم بتوفيقه إياهم، والتأويل الأول أقرب مأخذا، والله تعالى أعلم بما أراد رسوله- ﷺ .
وقوله: في أول الخطبة: «إن الحمد لله أحمده»
هكذا يرفع الدال من قوله الحمد لله وجدته مقيدا مصححا عليه، وإعرابه ليس على الحكاية ولكنه على إضمار الأمر كأنه قال: إن الأمر الذي أذكر وحذف الهاء العائدة على الأمر كي لا يقدم [ (١) ] شيئا في اللفظ من الأسماء على قوله: الحمد لله وليس تقديم «إنّ» في اللفظ من باب تقديم الأسماء، لأنها حرف مؤكد لما بعده مع ما في اللفظ من التحري للفظ القرآن والتيمن به.
الثّاني: اختلف في تسمية اليوم بذلك مع الاتفاق على أنه كان يسمى في الجاهلية العروبة- بفتح المهملة وضم الراء وبالموحدة-.
قلت: قال ابن النحاس في كتاب «صناعة الكتاب» : لا يعرفه أهل اللغة إلا بالألف واللام إلا شاذا، ومعناه اليوم البين المعظم من أعرب «إذا» بيّن [ ... ] فقيل: سمّي بذلك لأن كمال الخلائق جمع فيه، ذكره أبو حذيفة النجاري، في «المبتدأ» عن ابن عباس وهو ضعيف.
وقيل: لأنه خلق آدم جمع فيه.
روى الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن أبي حاتم عن سليمان- رضي الله تعالى عنه-[قال: قال لي رسول الله- ﷺ : أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم قالها ثلاث مرات ثم قال في الثلاثة: هو اليوم الذي جمع فيه أباكم آدم قال: لكني أدري ما يوم الجمعة لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام إلا كان كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة
[ (٢) ] .
стр. 5332
وله شاهد عن أبي هريرة رواه ابن أبي حاتم موقوفا بإسناد قوي في الفتح ما رواه عبد بن حميد عن ابن سيرين والحديث في المصنف أيضا والإمام أحمد مرفوعا بإسناد ضعيف.
قال الحافظ: وهذا أصح الأقوال، ويليه ما رواه عبد الرزاق عن ابن سيرين بسند صحيح إليه في قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة، وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، فصلى بهم وذكرهم، فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه.
وقيل: سمّي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبهذا جزم ابن حزم، فقال: إنه اسم إسلامي لم يكن في الجاهلية، [وإنما كان يسمى العروبة، وفيه نظر، فقد قال أهل اللغة: أن العروبة اسم قديم كان للجاهلية] فالظاهر أنّهم غيروا أسماء الأيّام السبعة بعد أن كانت تسمى أوّل، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شبار.
وقال الجوهري: كانت العرب تسمي يوم الاثنين أهون في أسمائهم القديمة، وهذا يشعر بأنهم أحدثوا لها أسماء، وهي هذه المتعارفة [الآن كالسبت، والأحد] إلى آخرها.
وقيل: أن أول من سمى العروبة الجمعة كعب بن لؤي [وبه جزم الفراء وغيره] فيحتاج من قال إنهم غيروها إلا الجمعة فأبقوه على تسمية العروبة إلى نقل خاص.
الثالث: تقدم أن صلاة الجمعة صلّتها الصحابة بالمدينة، قبل مقدم النبي- ﷺ المدينة فقيل ذلك بإذن النبي- ﷺ
، لما رواه الدّارقطني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: أذن رسول الله- ﷺ بالهجرة قبل أن يهاجر، ولم يستطع رسول الله- ﷺ أن يجمع ولا يبدي لهم، فكتب إلى مصعب بن عمير، أمّا بعد: فانظر اليوم الذي تجتهد فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقربوا إلى الله تعالى بركعتين، قال: فأول من جمع مصعب حتى قدم رسول الله- ﷺ جمع عند الزوال من الظهر، وأظهر ذلك،
وفي سنده أحمد بن محمد بن غالب الباهلي، وهو متهم بالوضع.
قال في «الزهر» : والمعروف في هذا المتن الإرسال، رويناه في كتاب «الأوائل» لأبي عروبة الحرّاني، قال: حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا ابن وهب (أنبأنا ابن جريج) [ (١) ] عن سليمان بن موسى أن النبي- ﷺ كتب إلى مصعب به.
وقيل: باجتهاد الصحابة.
وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمّع أهل المدينة قبل أن
стр. 5333
يقدم رسول الله- ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى أيضا مثل ذلك، فهلمّ فلنجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله تعالى بعد ذلك إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ [الجمعة ٩] الآية.
وقال الحافظ: وهذا وإن كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة، وصححه ابن خزيمة وغير واحد من حديث كعب بن مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم النبي- ﷺ أسعد بن زرارة ... الحديث، وتقدم، فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن يكون النبي- ﷺ علمه بالوحي وهو ب «مكة» فلم يتمكن من إقامتها كما في حديث ابن عباس، والمرسل بعده.
ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق.
وقيل: في الحكمة في اختيارهم الجمعة وقوع خلق آدم فيه، والإنسان إنما خلق للعبادة، فناسب أن يشتغل بالعبادة [فيه، ولأن الله تعالى أكمل فيه الموجودات، وأوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه] [ (١) ] .
ولهذا تتمة تقدمت في الخصائص.
وفيها جعلت صلاة الحضر أربع ركعات، وكانت ركعتين بعد مقدمه بشهر لاثنتي عشرة من ربيع الآخر.
قال الدولابي: يوم الثلاثاء قال السّهيليّ: بعد الهجرة بعام رواه الدولابي.
وروي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- وأكثر الفقهاء أن الصلاة نزلت بتمامها.
قال ابن جرير: وزعم الواقدي أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه.
وفيها بنى رسول الله- ﷺ مسجده، ومساكنه، ومسجد قباء. وسيأتي في التاسعة.
لما أراد رسول الله- ﷺ أن يبني مسجده، وكان مربد اليتيمين سهل وسهيل.
قال البلاذري، ويحيى بن الحسن، وغيرهما: إنهما ابني رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وبه صرح ابن حزم وابن عبد البر، والسهيلي ورجحه السيد وغيره.
стр. 5334
وقال ابن إسحاق: إنهما ابني عمر.
وقال في «العيون» : إنه أشهر.
قال السهيلي فيما نقله عنه الذهبي: ما يحصل به الجمع إلا أن فيه بعض مخالفة لما تقدم. قال: «سهل بن عمرو الأنصاري النجاري أخو سهيل صاحبا المربد» ، ينسبان إلى جدهما وهما ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن النجار انتهى.
فعلى هذا يكون سقط من الرواية المتقدمة ابن عمرو بن رافع وأبي عمرو تصحف وعمرو بعائذ، كانا في حجر أسعد بن زرارة كما في الصحيح عند أكثر الرواة.
وقال أبو ذر الهروي: سعد بإسقاط الألف والأول هو الوجه كما قال: إذا كان أسعد من السابقين إلى الإسلام، وهو المكنى بأبي أمامة، وأما أخوه سعد فتأخّر إسلامه- ولفظ- يحيى بن الحسن: كانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة.
وذكر ابن زبالة ويحيى: إنهما كانا في حجر أبي أيوب وأنه قال: يا رسول الله أنا أرضيهما.
وذكر ابن عقبة: أن أسعد بن زرارة عوضهما عنه نخلا له في بني بياضة.
قال: وقيل: ابتاعه منهما رسول الله- ﷺ .
وذكر ابن إسحاق [أن المربد كان لغلامين يتيمين، وأنهما كانا في حجر معاذ بن عفراء.
قال: [ ... ] والسيد، وقد يجمع باشتراك من ذكر كونهما كانا في حجورهم، أو بانتقال ذلك بعد أسعد إلى من ذكر واحدا بعد واحد سيما وقد روى ابن زبالة عن ابن أبي فديك قال:
سمعت بعض أهل العلم، يقولون: إن أسعد توفي قبل أن يبني رسول الله- ﷺ المسجد، فباعه رسول الله- ﷺ من ولي سهل وسهيل.
وفي «الصحيح» أن رسول الله- ﷺ أرسل إلى ملأ من بني النجار بسبب موضع المسجد فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.
وفي رواية: فدعى بالغلامين فساومهما بالمربد، يتخذه مسجدا فقالا: بلى نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما بهبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا.
ووقع في رواية ابن عيينة فكلم عمهما أي الذي كانا في حجره أن يبتاعه منهما، فطلبه منهما معا، فقالا: ما تصنع به؟ فلم يجد بدا من أن يصدقهما، فأخبرهما أن رسول الله- ﷺ أراده فقالا: نحن نعطيه إياه فأعطياه.
стр. 5335
وطريق الجمع بين ذلك كما أشار إليه الحافظ: أنهم لما قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله سأل عمن يختص بملكه منهم، فعينوا له الغلامين، فابتاعه منهما أو من وليهما، فهما غير بالغين، وحينئذ فيحتمل إن يكون الذين قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تحملوا عنه للغلامين اليتيمين، فقد نقل عن ابن عقبة أن أسعد عوض الغلامين ثمنه نخلا له في بني بياضة.
وتقدم أن أبا أيوب قال: «أنا أرضيهما فأرضاهما، وكذلك معاذ بن عفراء فيكون بعد الشراء، ويحتمل أن كلا من أسعد وأبي أيوب وابن عفراء أرضى اليتيمين بشيء فنسب ذلك لكل منهم.
وقد روى أن اليتيمين امتنعا عن قبول عوض، فيحتمل ذلك على بدء الأمر، لكن يشكل على هذا ما ذكره ابن سعد أن الواقدي، قال: أنه- ﷺ اشتراه من ابني عفراء بعشرة دنانير ذهبا، دفعها أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه-، وقد يقال إن الشراء وقع من ابني عفراء، لأنهما كانا وليين لليتيمين، ورغب أبو بكر في الخير كما رغب فيه أسعد وأبو أمامة، ومعاذ بن عفراء، فدفع لهم أبو بكر العشرة ودفع لهم من كل أولئك ما تقدم، ولم يقبله- ﷺ أولا لكونه لليتيمين.
وذكر البلاذري: أن أسعد بن زرارة عرض على رسول الله- ﷺ أن يأخذه ويدفع لليتيمين ثمنه فأبى رسول الله- ﷺ ذلك وابتاعه منه بعشرة دنانير، أداها من مال أبي بكر، فيحتمل أنه- ﷺ أخذ أولا بعض المربد، ثم أخذ بعضا وقد ورد ما يقتضي أن أسعد بن زرارة كان قد بنى بهذا المربد مسجدا [آخر لما سيأتي من أنه زاد فيه مرة أخرى، فليست القصة متحدة] [ (١) ] .
فروى يحيى بن الحسن عن النوار بنت مالك أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول الله- ﷺ يصلي بالناس الصلوات الخمس، ويجمع لهم في مسجد بناه في مربد سهل وسهيل ابني رافع بن عمرو بن عائذ بن مالك بن النجار قالت: فكأني أنظر إلى رسول الله- ﷺ لما قدم المدينة صلى بهم في ذلك المسجد، وبناه فهو مسجده وذكر البلاذري نحوه. انتهى.
وروى الشيخان والبيهقي أن المسجد كان جدادا مجددا، ليس عليه سقف، وقبلته القدس، فأمر رسول الله- ﷺ بالنخل وبالفرقد الذي فيه أن يقطع، وكان فيه قبور جاهلية، فأمر بها فنبشت، وأمر بالعظام أن تغيب، وكان بالمربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب وكان
стр. 5336
فيه حزب فأمر بها فسويت، فصفوا النخل قبلة- أي: جعلت سواري في جهة القبلة- ليسقف عليها، وجعلوا عضادتيه حجارة.
وروى ابن عائد أن النبي- ﷺ صلى فيه وهو عريش اثني عشر يوما ثم سقف.
وروى ابن زبالة ويحيى عن الحسن عن شهر بن حوشب قال: لما أراد رسول الله- ﷺ أن يبني مسجدا قال: ابنوا لي عريشا كعريش موسى ثمام وخشيبات وظلة كظلة موسى والأمر أعجل من ذلك، وقيل: وما ظلة موسى؟ قال: كان إذا قام أصاب رأسه السّقف.
وروى البيهقي عن الحسن قال: لما بنى رسول الله- ﷺ المسجد أعانه عليه أصحابه، وهو معهم يتناول اللبن، حتى اغبرّ صدره، فقال: ابنوه عريشا كعريش موسى، فقيل للحسن: ما عريش موسى؟ قال: كان إذا رفع يده بلغ العريش، يعني السقف.
وقد روى في الصحيح أنه طفق ينقل معهم اللبن ترغيبا لهم، ويقول وهو ينقل اللبن:
هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر
ويقول:
لا همّ، إنّ الأجر أجر الآخره ... فارحم الأنصار والمهاجره
قال ابن شهاب: فتمثل رسول الله- ﷺ بشعر رجل من المسلمين وجعل الصحابة ينقلون الصخر وهم يرتجزون،
ورسول الله- ﷺ يقول معهم:
لاهمّ، لا خير إلّا خير الآخره ... فانصر الأنصار والمهاجره
ويذكر أن هذا البيت لعبد الله بن رواحة.
وعن الزهري- رحمه الله تعالى- أن رسول الله- ﷺ كان يقول:
لاهمّ، لا خير إلّا خير الآخره ... فارحم المهاجرين والأنصار
وكان لا يقيم الشّعر وعمل المسلمون في ذلك ودأبوا فيه فقال قائل منهم:
لئن قعدنا والنّبيّ يعمل ... لذاك منّا العمل المضلّل
وكان عثمان رجلا متنظفا، وكان يحمل اللّبنة، فيجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كمّه ونظر.
[وروى ابن زبالة وغيره عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: بنى رسول الله- ﷺ مسجده] [ (١) ] .
стр. 5337
ونقل ابن الجوزي عن محمد بن عمر الأسلمي قال: كانت لحارثة بن النعمان منازل قرب المسجد وحوله، وكلما أحدث رسول الله- ﷺ أخلا ونزل له حارثة عن منزل- أي:
محل حجرة- حتى صارت منازله كلّها لرسول الله- ﷺ وأزواجه.
وروى ابن سعد ويحيى بن الحسن من طريق محمد بن عمر: حدثنا عبد الله بن زيد الهذلي قال: رأيت بيوت أزواج رسول الله- ﷺ حين هدمها عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد بن عبد الملك، كانت بيوتا بالّلبن ولها حجر من جريد مطرورة بالطين، عددت تسعة أبيات بحجرها، وهي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبي- ﷺ إلى منزل أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، ورأيت بيت أم سلمة وحجرتها من لبن، فسألت ابن ابنها فقال: لما غزا رسول الله غزوة دومة الجندل بنت أم سلمة حجرتها بلبن،
فلما قدم رسول الله- ﷺ نظر إلى اللبن، فدخل عليها أول نسائه، فقال: ما هذا البناء؟ فقالت:
أردت يا رسول الله- ﷺ أن أكف أبصار الناس فقال: يا أم سلمة إن شر ما ذهب فيه مال المسلمين البنيان.
قال محمد بن عمر: فحدثت هذا الحديث معاذ بن محمد الأنصاري فقال: سمعت عطاء الخرساني في مجلس فيه عمر بن أبي أنس يقول وهو فيما بين القبر الشريف والمنبر:
أدركت حجر أزواج النبي- ﷺ من جريد النّخل على أبوابها المسوح، شعر أسود فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ، يأمر بإدخال حجر أزواج رسول الله- ﷺ في مسجد رسول الله- ﷺ فما رأيت أكثر باكيا من ذلك اليوم فقال عطاء: فسمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ: والله لوددت أنهم [ (١) ] تركوها على حالها ينشأ ناشئ من أهل المدينة، ويقدم القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله- ﷺ في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس في التّكاثر والتّفاخر.
قال معاذ: فلما فرغ عطاء الخراساني من حديثه قال عمر بن أبي أنس: كان منها أربعة أبيات بلبن، لها حجر من جريد، وكانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها، على أبوابها مسوح الشعر ذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع والعظم أو أدنى من العظم، فأما ما ذكرت من البكاء يومئذ فلقد رأيتني في مجلس فيه نفر من أبناء أصحاب رسول الله- ﷺ منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، وخارجة بن زيد بن ثابت، وإنهم ليبكون حتى أخضل لحاهم الدمع.
стр. 5338
وقال يومئذ أبو أمامة: ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء ويروا ما رضي الله لنبيه- ﷺ ومفاتيح خزائن الدنيا بيده.
وروى ابن سعد والبخاري في «الأدب» وابن أبي الدنيا والبيهقي في «الشعب» عن الحسن البصري قال: كنت وأنا مراهق أدخل بيوت أزواج النبي- ﷺ في خلافة عثمان فأتناول سقفها بيدي.
وروى البخاري في «الأدب» وابن أبي الدنيا والبيهقي عن داود بن قيس قال: رأيت الحجر من جريد النّخل مغشى من الخارج بمسوح الشعر، وأظن عرض البيت الداخل عشرة أذرع، وأظن مسكنه بين الثمان والسبعة.
وروى محمد بن الحسن المخزومي عن محمد بن هلال قال: أدركت بيوت أزواج رسول الله- ﷺ كانت من جريد مستورة بمسوح الشعر مستطيرة في القبلة، وفي المشرق وفي الشام ليس في غربي المسجد شيء منها، وكان باب عائشة يواجه الشام، وكان مصراع واحد من عرعر أو ساج.
وروى ابن منده عن بشر بن صحار العبدي قال: كنت أدخل بيوت أزواج رسول الله- ﷺ فأنال سقفها.
وروى ابن سعد عن عمرو بن دينار وعبيد الله بن أبي مرثد قال: لم يكن على عهد رسول الله- ﷺ على بيت رسول الله- ﷺ حائط وكان أول من بنى عليه جدارا عمر ابن الخطاب- رضي الله تعالى عنه-.
قال عبيد الله: كان جداره قصيرا ثم بناه عبد الله بن الزبير.
وفي «تاريخ البخاري» أن بابه- ﷺ كان يقرع بالأظافر.
قال السّهيلي: فدل على أنه لم يكن لأبوابه خلق.
تنبيه: قال في «الروض» : كانت بيوته- ﷺ تسعة، بعضها من جريد مطين بالطين.
وسقفها من جريد وبعضها من حجارة مرصوصة بعضها على بعض وسقفها من جريد النخل.
قال السيد: ظاهر ما نقله ابن الجوزي عن محمد بن عمر يخالف ما تقدم من أنه- ﷺ بنى أوّلا بيتين لزوجتيه، وأنه لما تزوج نساءه بنى لهن حجرا، فظاهره أن كان كلما أحدث زوجة أحدث لها بناء حجرة، فيحمل ما هنا على أن حارثة كان ينزل له عن مواضع المساكن وكان- ﷺ يبنيها.
ونقل الزركشي عن الحافظ الذهبي أنه قال في تكميل الروض: لم يبلغنا أنه- ﷺ بنى
стр. 5339
له تسعة أبيات حين بنى المسجد، ولا أحسبه فعل ذلك، إنما كان يريد بيتا واحدا لسودة أم المؤمنين ثم لم يحتج لبيت آخر حتى بنى لعائشة في شوال سنة اثنتين، فكأنه- ﷺ بناها في أوقات مختلفة.
قال السيد: وهو مقتضى ما قدمناه، غير أنه مخالف لما تقدم في بيت عائشة أنه بناه هو وبيت سودة في بيت المسجد مع بناء المسجد وهو الظاهر، لأنها كانت حينئذ زوجة غير أنه لم يكن بنى بها، فتأهب لذلك بأن بنى حجرتها، وفيها بدأ الأذان.
وقيل: في الثانية.
روى ابن إسحاق وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله- ﷺ حين قدم المدينة كان يجتمع الناس للصلاة لحين وقتها بغير دعوة، فهمّ رسول الله- ﷺ أن يجعل بوقا كبوق اليهود الذي يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، فبينما هم على ذلك إذ رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه أحد بني الحارث بن الخزرج النداء الحديث.
وفيها ولد محمد بن مسلمة- رضي الله تعالى عنه-.
وفيها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وورث بعضهم بين بعض حتى نزلت وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأحزاب/ ٦] بعد مقدمة بثمانية أشهر كذا في العيون.
ونقل القطب الحلبي عن أبي عمر أنها بعد خمسة أشهر، ونقل في الإشارة عنه ما في العيون.
وفيها رمى سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه- بسهم في غزوة ودان، وكان أوّل سهم رمي به في سبيل الله.
وفيها: مات أسعد بن زرارة- رضي الله تعالى عنه- والمسجد يبنى.
وقال ابن الجوزي في الثانية: فكان أول من مات من المسلمين ودفن بالبقيع، وكان أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة على قومه من بني النجار، وقد شهد العقبات الثلاث، وكان أول من بايع النبي- ﷺ ليلة العقبة الثانية في قول، وكان شابا، وهو أول من جمع بالمدينة في بقيع الخصاب في حرم البيت،
ولما قال رسول الله- ﷺ فيما رواه ابن إسحاق: بئس الميّت أبى أمامة، ليهود ومنافقي العرب! يقولون: لو كان محمد نبيّا لم يمت صاحبه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا.
قال ابن كثير: وهذا يقتضي أنه أول من مات بعد مقدم النبي- ﷺ وقد زعم أبو الحسن بن الأثير: أنه مات في شوال بعد مقدم النبي- ﷺ بسبعة أشهر والله أعلم.
стр. 5340
وقال ابن جرير في «التاريخ» : كان أول من توفّي بعد مقدم النبي- ﷺ المدينة من المسلمين فيما ذكر صاحب منزله كلثوم بن الهدم، لم يلبث بعد مقدمه إلا يسيرا حتى مات.
ثم توفي بعده أسعد بن زرارة، وكانت وفاته في سنة مقدمه قبل أن يفرغ من بناء المسجد بالذّبحة والشّهقة.
وروى ابن جرير عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشّوكة، رجاله ثقات.
وروى ابن إسحاق عن عامر بن عمر بن قتادة أن بني النجار سألوا رسول الله- ﷺ أن يقيم لهم نقيبا بعد أبي أمامة أسعد بن زرارة فقال: «أنتم أخوالي وأنا بما فيكم وأنا نقيبكم»
وكره أن يختص بها بعضهم دون بعض فكان من فضيلة بني النجار الذي يعتدون به على قومهم إن كان رسول الله ﷺ نقيبهم.
قال ابن الأثير وصدّقهم ابن كثير، وهذا يرد قول أبي نعيم وابن مندة في قولهما إن أسعد ابن زرارة كان نقيبا لبني ساعدة، إنما كان لبني النجار. وفيها: مات عثمان بن مظعون- رضي الله تعالى عنه-.
وقيل: في الثانية بعد مشهده بدرا، فكان أول من دفن في البقيع من المهاجرين كلثوم ابن الهدم- رضي الله تعالى عنه- والبراء بن معرور قبل قدوم النبي ﷺ وأوصى أن يوجه إلى الكعبة، وصلى رسول الله- ﷺ على قبره، والوليد بن المغيرة بمكة، والعاص بن وائل بمكة، وأبو أحيحة بالطائف، الثلاثة ماتوا على شركهم.
وفيها: ولد عبد الله بن الزبير في شوال سنة الهجرة، وصححه ابن كثير.
قال الذهبي: إنه ولد في الثانية، وعلى الأول فهو أول مولود ولد بالإسلام بالمدينة بعد الهجرة، وكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله- ﷺ حنّكه بتمرة، ثم دعا له.
كما قالت أمه أسماء بنت أبي بكر- رضي الله تعالى عنها- وفيه أي الحديث أنها حملت بعبد الله بن الزبير، أي بمكة قالت: فخرجت وأنا متم فأتيت المدينة. فنزلت بقباء، فولدته ثم أتيت به رسول الله- ﷺ فوضعه في حجرة ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله- ﷺ ثم حنّكه بتمرة، ثم دعا له وبرك عليه، فكان أول مولود ولد في الإسلام عبد الله بن الزبير. رواه البخاري، وقالت أختها عائشة- رضي الله تعالى عنها-: أول مولود في الإسلام عبد الله بن الزبير.
стр. 5341
وذكر الواقدي وغيره أن النبي- ﷺ بعث مع عبد الله بن أريقط لما رجع إلى مكة زيد بن حارثة وأبا رافع ليأتوا بعياله وعيال أبي بكر فقدموا بهم أثر هجرة النبي- ﷺ وأسماء حامل متم. أي: مقرب قد دنا وضعها لولدها، فلما ولدته كبر المسلمون تكبيرة عظيمة فرحا بمولده، لأنهم كانوا قد بلغهم عن اليهود أنهم سحروهم حتى لا يولد لهم بعد هجرتهم ولد، فأكذب الله اليهود مع هذا، فزعم الأسود أنه ولد بعد الهجرة بعشرين شهرا.
ورواه الواقدي عن محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه عن جده وزعموا أن النعمان ولد قبل ابن الزبير بستة أشهر على رأس أربعة عشر شهرا، وما تقدم من الأحاديث الصحيحة يرد ذلك.
وفيها جاءت أم سليم بأنس ليخدم رسول الله- ﷺ فإن الأنصار كانوا يتقربون إلى رسول الله- ﷺ بالهدايا رجالهم ونساؤهم فكانت أم سليم تتأسف على ذلك، وما كان لها شيء فجاءت بابنها أنس وقالت: يخدمك يا رسول الله، قاله رزين.
وفي الصحيح عن أنس قدم رسول الله- ﷺ المدينة وليس له خادم فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله أن أنسا غلام كيس فليخدمك، قال: فخدمته ... الحديث.
وقد يجمع بأنها جاءت به أولا فانطلق به أبو طلحة ثانية، لأنه وليه وعصبته، وهذا غير مجيئه به لخدمته- ﷺ في غزوة خيبر كما يفهمه لفظ الحديث.
وفيها: فرضت الزكاة وفيها عرس بعائشة، وقيل في الثانية.
وفيها أسلم عبد الله بن سلام- رضي الله تعالى عنه-[ومكث عند] رسول الله- ﷺ ثم رجع إلى أهل بيته فأسلموا وكتم إسلامه، ثم خرج إلى رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله أن اليهود قوم بهت فإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني، فأحب أن تدخلني بعض بيوتك، فأدخله بعض بيوته فجائت اليهود إليه فقال: أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا، قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، يا معشر اليهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فو الله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله، وأومن به وأصدقه وأعرفه، قالوا:
كذبت، أنت شرنا وابن شرنا، وانتقصوا. قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله، ألم أخبرك أنّهم قوم بهت، أهل غدر، وكذب وفجور، قال: فأظهرت إسلامي، وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمتي [خالدة] ابنة الحارث فحسن إسلامها. وفيها: ولد عمرو بن عبسة الأسلمي.
стр. 5342
روى ابن سعد عن شهر بن حوشب عن عمرو بن عبسة السّلمي- رضي الله تعالى عنه- قال: رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية. وذلك أنها باطل، فلقيت رجلاً من أهل الكتّاب من أهل تيماء فقلت: إني امرؤ ممن يعبد الحجارة فينزل الحي ليس معهم إله، فيخرج الرجل منهم فيأتي بأربعة أحجار فينصب ثلاثة، لقدره ويجعل أحسنها إلها يعبده، ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره إذا نزل منزلا سواه، فرأيت أنه إله باطل لا ينفع ولا يضر، فدلني على خير من هذا فقال: يخرج من مكة رجل يرغب عن آلهة قومه، ويدعو إلى غيرها، فإذا رأيت ذلك فاتبعه، فإنه يأتي بأفضل الدين فلم تكن لي همة منذ قال لي ذلك إلا مكة، فآتي فأسأل هل حدث فيها حدث؟ فيقال: لا، ثم قدمت مرة فسألت فقالوا: حدث فيها رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها، فشددت راحلتي برحلها،
ثم قدمت منزلي الذي كنت أنزل بمكة فسألت عنه، فوجدته مستخفيا، ووجدت قريشا عليه أشداء، فتلطفت له حتى دخلت عليه، فسألته فقلت: أيّ شيء أنت؟ قال: نبي قلت: ومن أرسلك؟ قال: الله قلت: وبما أرسلك قال: بعبادة الله وحده لا شريك له، وبحقن الدماء، وبكسر الأوثان، وصلة الرحم، وأمان السبيل. فقلت: نعم ما أرسلت به، قد آمنت بك وصدقتك أتأمرني أن أمكث معك، أو أنصرف؟ فقال: ألا ترى إلى كراهة الناس ما جئت به فلا تستطيع أن تمكث، كن في أهلك فإذا سمعت بي قد خرجت مخرجا فاتبعني، فمكثت في أهلي حتى إذا خرج إلى المدينة سرت إليه، فقدمت المدينة فقلت: يا نبي الله أتعرفني؟ قال: نعم أنت السلمي الذي أتيتني بمكة. [فسألتني عن كذا وكذا فقلت لك كذا وكذا، فاغتنمت ذلك المجلس وعلمت أن لا يكون الدهر أفرغ قلبا لي منه في ذلك المجلس، فقلت: يا نبي الله أيّ الساعات أسمع قال:
الثلث الآخر فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى تطلع الشمس، فإذا رأيتها طلعت حمراء كأنها الجحفة، فأقصر عنها، فإنها تطلع بين قرني شيطان، فيصلي لها الكفار، فإذا ارتفعت قيد رمح أو رمحين فإن الصلاة مشهودة مقبولة، حتى يساوي الرّجل ظلّه فأقصر عنها، فإنها حينئذ تسجّر جهنّم فإذا فاء الفيء فصلّ، فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى تغرب الشمس، فإذا رأيتها غربت حمراء كأنها الجحفة فأقصر، ثم ذكر الوضوء فقال: إذا توضأت فغسلت يديك ووجهك ورجليك، فإن جلست كان ذلك لك طهورا، وإن قمت فصليت وذكرت ربك بما هو أهله انصرفت من صلاتك كهيئتك يوم ولدتك أمك من الخطايا] .
النّوع الخامس: في حوادث السّنة الثّانية
وفيها وفاة رقية بنت رسول الله- ﷺ زوجة عثمان بن عفان- رضي الله تعالى عنه-.
قال النووي: في ذي الحجة، لكن ذكر أهل السير ما يقتضي أن وفاتها كانت في رمضان منها.
стр. 5343
وفيها تحويل القبلة.
روى ابن إسحاق وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والستة وأبو داود في «ناسخه» وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني وابن حبان والبيهقي عن البراء بن عازب وابن إسحاق وابن أبي شيبة وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في «ناسخه» والطبراني وابن المنذر عن ابن عباس وأبو داود في «سننه» عن أبي العالية، ويحيى ابن الحسين بن جعفر العبيدي في أخبار المدينة، عن رافع بن خديج عن ابن عمر ويحيى عن عثمان بن محمد بن الأخفش، والبيهقي عن الزهري والإمام مالك وأبو داود في ناسخه والإمام مالك والشيخان وأبو داود في سننه والنسائي، وابن جرير عن سعيد بن المسيب وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة- رضي الله تعالى عنه- أن أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله- ﷺ كان يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، ولما هاجر إلى المدينة كان أكثر أهلها اليهود أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فكان رسول الله- ﷺ يصلي نحو بيت المقدس، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنّه صلى بالمدينة إلى بيت المقدس ستة عشر، وعند الزهري: تسعة عشر، وعند معاذ على رأس ثلاثة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً كذا بالشك في حديث البراء، وقال لجبريل: وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك لا أملك لك شيئاً إلا ما أمرت به فادع ربك وسله، وكان رسول الله- ﷺ يدعو الله ويكثر النظر إلى السماء، فينظر أمر الله وخرج رسول الله- ﷺ زائرا أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعاما، وحانت صلاة الظهر، فلما صلى ركعتين نزل جبريل، فأشار إليه أن صلّ إلى البيت، وصلى جبريل إلى البيت فاستدار رسول الله- ﷺ إلى الكعبة، واستقبل الميزاب فهي القبلة التي أنزل الله تعالى فيها قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [البقرة ١٤٤] فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين، وكان الظهر يومئذ أربعا فصلى منها ثنتان إلى بيت المقدس وثنتان إلى الكعبة.
وفي رواية: فصرفت القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة في رجب على رأس سبعة عشر شهرا في صلاة الظهر في الركعتين الأخيرتين، فنزل جبريل فأشار إليه أن صلّ إلى البيت، وصلى جبريل إلى البيت فاستدار.
وفي رواية: أن أول صلاة صلاها رسول الله- ﷺ صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه.
قال الحافظ: هو عباد بن بشر، فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله
стр. 5344
لقد صليت مع رسول الله- ﷺ قبل البيت فاستداروا.
قال رافع بن خديج: وأتاني آت ونحن نصلي في بني عبد الأشهل فقال: إن رسول الله- ﷺ قد أمر أن يوجه إلى الكعبة فأدارنا إمامنا إلى الكعبة، ودرنا معه.
وقال ابن عمر: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله- ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشّام فاستداروا إلى الكعبة، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك، فقال المنافقون: حنّ محمد إلى أرضه، وقال المشركون: أراد محمد أن يجعلنا قبلة له ووسيلة، وعرف أن ديننا أهدى من دينه، وقالت اليهود للمؤمنين: ما صرفكم عن قبلة موسى ويعقوب والأنبياء إن أنتم إلا تفتنون، وقال المؤمنون: [فيمن مضى من إخوانهم المسلمين وهم يصلون نحو بيت المقدس بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت] .
وأتى رسول الله- ﷺ رفاعة بن قيس وقردم بن عمرو وكعب بن الأشرف ورافع بن أبي رافع والحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، والربيع بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، فقالوا: يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها، وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، فارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك، وإنما يريدون فتنة فأنزل الله تعالى سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها إلى قوله: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة ١٤٧] .
تنبيهات
الأول: اختلف أي صلاة كانت ذلك؟ ففي الصحيح عن [البراء] أن أوّل صلاة صلاها- أي متوجها- صلاة العصر.
والأكثر على أنها صلاة الظهر.
قال الحافظ: والتحقيق أن أول صلاة صلاها في بني سلمة الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر.
الثاني: قال الحافظ: طريق الجمع بين رواية ستة عشر وسبعة عشر شهرا ورواية الشك في ذلك، أن من جزم ستة عشر لفق من شهر التحويل وشهر القدوم شهرا وألغى الأيام الزائدة، ومن جزم بسبعة عشرة شهرا عدهما معا، ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأوّل بلا خلاف، وكان التحويل في نصف رجب من السنة الثانية على الصحيح،
стр. 5345
وبه جزم الجمهور ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقول ابن حبان: سبعة عشر شهراً وثلاثة أيام مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأول.
قال الحافظ: وأسانيد رواية ثلاثة عشر وتسعة عشر ونحوها شاذة.
الثالث: فرض صوم رمضان على رأس سبعة عشر شهرا، وزكاة الفطر قبل العيد بيومين، وصلى العيد بالمصلى وضحى ضحوه في ذي الحجة صلى وضحى بكبشين أحدهما عن أمّته، والآخر عنه وعن آله.
روى ابن سعد عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري وعائشة- رضي الله تعالى عنهم- قالوا: نزل فرض شهر رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من مهاجر رسول الله- ﷺ وأمر رسول الله- ﷺ في هذه السنة بزكاة الفطر قبل أن تفرض الزكاة في الأموال، وأن تخرج عن الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من زبيب أو مدان من برّ، وكان يخطب قبل الفطر بيومين، فيأمر بإخراجها قبل أن يغدو إلى المصلى، وقال: اغنوهم يعني المساكين عن طواف هذا اليوم، وكان يقسمها إذا رجع، وصلى رسول الله- ﷺ العيد يوم الفطر بالمصلى قبل الخطبة، وصلى العيد يوم الأضحى، وأمر بالأضحية، وأقام بالمدينة عشر سنين يضحي كل عام.
وروى ابن سعد عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: أقام رسول الله- ﷺ بالمدينة عشر سنين لا يدع الأضحى، انتهى.
قالوا: وكان يصلي العيدين قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، وكان بلال يحمل العنزة بين يديه، وكانت العنزة للزبير بن العوام قدم بها من أرض الحبشة، فأخذها منه رسول الله- ﷺ .
وروى ابن سعد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي- ﷺ كانت تحمل له عنزة يوم العيد يصلي إليها، انتهى.
قالوا: وكان رسول الله- ﷺ إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب أتى بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بيده بالمدينة، ثم يقول: اللهم هذا عن أمتي جميعا من شهد لك بالتوحيد ولي بالبلاغ، ثم يؤتي بالآخر فيذبحه بيده، ثم يقول: هذا عن محمد وآل محمد، فيأكل هو وأهله منه ويطعم المساكين، وكان يذبح عند طرف الزقاق عند دار معاوية.
قال محمد بن عمر الأسلمي: وكذلك تصنع الأئمة عندنا بالمدينة.
стр. 5346
وفيها: قدم عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- من الحبشة فسلم عليه- فلم يرد عليه [الصلاة] [ (١) ] والسلام- وفيها: كانت أول غنيمة وقعت في الإسلام في سرية عبد الله بن جحش- رضي الله تعالى عنه- إلى نخلة.
وفيها: أعرس علي بفاطمة- رضي الله تعالى عنها- قاله مغلطاي، وغيره.
قال المحب الطبري: تزوجها في صفر، وبنى بها في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا من التاريخ.
قال أبو عمر: بعد وقعة أحد.
وقال غيره: بعد بنائه بعائشة بأربعة أشهر ونصف.
وروى الإمام أحمد في «المناقب» وابن حبان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء أبو بكر ثم عمر يخطبان فاطمة إلى رسول الله- ﷺ فسكت، ولم يرجع إليهما شيئا ... ،
وقد تقدم في أبواب أولاده- ﷺ .
وفيها ولد النعمان بن بشير والمسور بن مخرمة.
النّوع السّادس: في حوادث السّنة الثّالثة .
فيها: تزوج رسول الله- ﷺ بحفصة بنت عمر في شعبان على الأصح، وزينب بنت خزيمة أم المساكين في رمضان، فمكثت عنده شهرين.
وقيل: ثلاثة.
وقيل: ثمانية، وماتت.
وفيها: مات عبد الله بن عثمان بن عفان- رضي الله تعالى عنهما- ابن رقية بنت رسول الله- ﷺ وهو ابن ست سنين.
وقيل: في الرابعة.
وفيها تزوج عثمان- رضي الله تعالى عنه- بأم كلثوم بنت سيدنا رسول الله- ﷺ .
وفيها: ولد الحسن بن علي- رضي الله تعالى عنهما- في منتصف رمضان، وعلقت أمّه بالحسين بعد خمسين ليلة.
وفيها: كان تحريم الخمر.
وقيل: في الرابعة كما سيأتي.
قال الحافظ: والذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان.
стр. 5347
قال السيد: واستدل بشيء فيه نظر.
وفيها:
أمر رسول الله- ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود، وقال: لا آمن أن يبدلوا كتابي.
وفيها: صلى صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع قاله القطب.
وقيل: في الرابعة، ونزول آية التيمم، وبراءة الله تعالى لأم المؤمنين عائشة مما رميت به، وضياع العقد.
تنبيهات
الأوّل: قول عائشة- رضي الله تعالى عنها- في بعض أسفاره:
روى ابن سعد وابن حبان وأبو عمر في «الاستذكار» والنووي وابن دقيق العيد: كأن ذلك في غزوة بني المصطلق، وهي المريسيع.
قال الحافظ: فإن كان ما جزموا به ثابتا حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين لاختلاف القصتين. أي: قصة سقوط العقد، وحديث الإفك، وقصة سقوط العقد في حديث التيمم كما هو بين في سياقهما استبعد بعض شيوخنا ذلك، قال: لأن المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر لقولها في الحديث: حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش، وهما بين المدينة وخيبر، كما جزم به النووي.
قال الحافظ: وما جزم به مخالف لما جزم به ابن التين، فإنه قال: البيداء أدنى شيء إلى مكة من ذي الحليفة، ثم ساق حديث عائشة هذا ثم ساق حديث ابن عمر، قال: بيداؤكم هذا الذي تكذبون فيها ما أهلّ رسول الله- ﷺ إلّا من عند المسجد ... الحديث.
قال: والبيداء هو الشّرف الذي قدام ذي الحليفة في طريق مكة.
وقال أيضا: ذات الجيش من المدينة على بريد وبينها وبين العقيق سبعة أميال.
وقال الحافظ: العقيق من طريق مكة لا من طريق خيبر، فاستقام ما قاله ابن التين، ويؤيده ما رواه الحميدي في «مسنده» عن سفيان قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه في هذا الحديث، فقال فيه: «إن القلادة سقطت ليلة الأبواء» والأبواء بين مكة والمدينة.
وفي رواية على بن مسهر في الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه قال: «وكان ذلك المكان يقال له: الصلصل» رواه جعفر الفريابي في كتاب «الطهارة» .
«والصلصل» بصادين مهملتين مضمومتين، وبعد كل منهما لام، الأولى ساكنة.
قال البكري: هو جبل عند ذي الحليفة فعرف من تضافر هذه الروايات تصويب ما قاله ابن التين.
стр. 5348
قلت: جزم محمد بن حبيب الأخباري في تعدد سقوط العقد، سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرّقاع، وفي غزوة بني المصطلق انتهى.
الثاني: ورد ما يدل على تأخر سقوط العقد، فروى ابن أبي شيبة عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع ... الحديث، فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق، لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة، وهي بعدها بلا خلاف كما تقدم في غزوة ذات الرقاع.
ومما يدل على تأخر القصة عن قصة الإفك ما رواه الطبراني من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا خرجت مع رسول الله- ﷺ في غزوة أخرى، فسقط أيضا عقدي حتى حبس الناس على الماء، فقال أبو بكر: يا بنيّة في كل سفر تكونين عناء وبلاء على الناس، فأنزل الله تعالى الرخصة في التيمم فقال أبو بكر: إنك لمباركة.
في إسناده محمد بن حميد الرازي في إسناده مقال.
الثالث: النكتة في قول عائشة- رضي الله تعالى عنها-: فعاتبني أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- ولم تقل: أبي لأن قضية الأبوة الحنو، وما وقع من العتاب بالقول، والتأنيب بالفعل مغاير لذلك في الظاهر، فلذلك أنزلته منزلة الأجنبي فلم تقل: أبي.
الرّابع: استدل بهذا الحديث على أن الوضوء كان واجبا عليهم قبل نزول آيته، ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء. ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع.
قال أبو عمر: معلوم عند جميع أهل المغازي أنه- ﷺ لم يصل منذ افترضت الصلاة عليه إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند قال: وفي قوله [في هذا الحديث «آية التيمم» إشارة إلى أن الذي طرأ إليهم من العلم حينئذ حكم التيمم لا حكم الوضوء. قال:
والحكمة في نزول آية الوضوء- مع تقدم العمل به- ليكون فرضه متلوا بالتنزيل] . الخامس: إنما قال أسيد بن الحضير ما قاله، لأنه كان رأس من بعث في طلب العقد الذي ضاع، قوله: ما هي بأول بركتكم، يعني أنها مسبوقة بغيرها من البركات، والمراد بآل أبي بكر نفسه وأهله وأتباعه.
وفي رواية عمرو بن الحارث عند [البخاري] : «لقد بارك الله للناس فيكم» .
وفي تفسير [إسحاق البستي] من طريق عائشة عنها أن النبي- ﷺ قال لها: ما كان كان أعظم بركة قلادتك.
стр. 5349
السّادس: في رواية عند الشيخين: فبعث ناسا في طلب العقد.
وفي أخرى عند أبي داود «فبعث أسيد بن الحضير وناسا معه» .
وطريق الجمع بين هذه الروايات أن أسيد كان رأس من بعث فلذلك، سمي في بعض الروايات دون غيره، وكذا أسند الفعل إلى واحد مبهم، وهو المراد به، كأنهم لم يجدوا العقد أولا، فلما رجعوا ونزلت آية التيمم وأرادوا الرحيل وأثاروا البعير وجده أسيد بن حضير، فعلى هذا فقوله في رواية عروة: «فوجدها» أي: بعد جميع ما تقدم من التفتيش وغيره.
السّابع: في لفظ عن عائشة: «انقطع عقدي» .
وفي لفظ: «سقطت قلادة لي» .
وفي لفظ: أنها «استعارت قلادة من أسماء» - يعني أختها- فهلكت: يعني ضاعت.
والجمع بينهما أن إضافة القلادة إلى عائشة لكونها في يدها وتصرفها، وإلى أسماء لكونها ملكها وجنح البخاري في التفسير إلى تعددها حيث أورد حديث الباب- التيمم- في تفسير المائدة وحديث عروة- أي بلفظ الاستعارة- في تفسير سورة النساء.
النّوع السّابع: في حوادث السّنة الرّابعة .
فيها: تحريم الخمر.
روى أبو داود عن [عائشة] قالت: لما نزلت الآيات الأواخر من سورة البقرة خرج رسول الله- ﷺ فقرأهن علينا، وقال: حرمت التجارة في الخمر.
قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون هذا متصلا بعد تحريم الخمر.
وفيها نهي أو أوحى إليه بمنع بيع الخمر بظاهر الحديث، لأن سورة المائدة التي فيها تحريم الخمر من آخر ما نزل من القرآن، وآية الربا آخر ما نزل، ويحتمل أن يكون هذا بعد بيان النبي- ﷺ تحريم الخمر، فلما نزلت آية الربا اشتملت على تحريم ما عدا البيع الصحيح [ (١) ] أكد تحريم ذلك.
واعلم- ﷺ أن التجارة في الخمر من جملة ذلك، ثم كرر تحريمه والإعلام بذلك عام الفتح بالنداء.
قال شيخنا- رحمه الله تعالى-: قد وقفت في بعض طرق الحديث على ما يزيل الإشكال، ما خرّجه الخطيب في «تاريخ بغداد» من طريق الحسن بن عرفة عن داود بن الزبير
стр. 5350
قال: عن عبد الأعلى بن الحجاج عن أبي الضحى، عن مسروق عن عائشة قالت: لما نزلت سورة البقرة نزل فيها تحريم الخمر، فنهى رسول الله- ﷺ عن ذلك، يدل على انه كان في الآيات المذكورة تحريم الخمر، وكأنه نسخت تلاوته.
وفيها: فرضت صلاة الخوف.
وقيل: في السابعة.
وفيها: رجم النبي ﷺ اليهودي واليهودية.
وفيها: ولد الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما.
وفيها: وفاة زينب بنت خزيمة- رضي الله تعالى عنها-.
وفيها: تزوج رسول الله- ﷺ أم سلمة- رضي الله تعالى عنها-.
وفيها: تزوج زينب بنت جحش- رضي الله تعالى عنها-.
وقيل: في الخامسة.
وفيها: نزل الحجاب.
وفيها: نزل قصر الصلاة في السفر.
وفيها: أمر رسول الله- ﷺ زيد بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- أن يتعلم كتاب يهود.
النّوع الثّامن: في حوادث السّنة الخامسة .
فيها: تزوج ريحانة بنت يزيد النصرانية، وجويرية بنت الحارث.
وفيها: حديث الإفك، وصححه الذهبي.
وقيل: في السادسة سابق- ﷺ بين الخيل.
وفيها:
زلزلت المدينة فقال- ﷺ : «أن الله يستعتبكم فاعتبوه» .
وفيها: وفاة سعد بن معاذ- رضي الله تعالى عنه- في ذي الحجة.
وقال ابن كثير: وكانت بعد منصرف الأحزاب بخمس وعشرين ليلة، وكان قدوم الأحزاب في شوال سنة خمس.
وروى الإمام أحمد من طريق علقمة بن وقاص، والشيخان من طريق عروة عن عائشة، والإمام أحمد والترمذي وصححه عن جابر، وفي حديث كل ما ليس في الآخر، أن سعدا أصيب يوم الخندق رماه حبّان بن العرقة- لعنه الله- رماه في الأكحل فقطعه، فضرب
стр. 5351
النبي- ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، وحسمه رسول الله- ﷺ بالنار فانتفخت يده، فتركه فنزفه الدم، فحسمه أخرى فانتفخت يده، فلما رأى ذلك سعد قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقرّ عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه فما قطر منه قطرة حتى نزلوا على حكمه، فأرسل إليه رسول الله- ﷺ فحكم أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم، يستعين بهم المسلمون، فقال رسول الله- ﷺ لسعد: أصبت حكم الله فيهم، ثم دعا سعد فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي من أن أجاهد فيك، من قوم كذبوا رسولك، وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فابقني لهم حي أجاهدهم فيك، وإن كنت قد وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها، فانفجرت من ليلته فلم ترعهم ومعهم في المسجد أهل خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم، فقال: يا أهل الخيمة: ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد جرحه يغذو فمات منها- رحمه الله تعالى ورضي عنه-.
وروى الطبراني- برجال الصحيح- عن أسماء بنت يزيد قالت: لما توفي سعد بن معاذ صاحت أمه فقال رسول الله- ﷺ : «ليرقأ دمعك، وليذهب حزنك، فإن ابنك أول من ضحك الله له، واهتز له عرش الرحمن» .
وروى الطبراني بسند جيد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما مات سعد بن معاذ بكى أبو بكر وبكى عمر حتى عرفت بكاء أبي بكر من بكاء عمر وبكاء عمر من بكاء أبي بكر فقلت لعائشة: هل كان رسول الله- ﷺ يبكي؟ قالت: لا، ولكنه كان يقبض دمعه على لحيته.
وروى الطبراني بسند حسن عنها قالت: رجع رسول الله- ﷺ من جنازة سعد بن معاذ ودموعه تحادر على لحيته.
وروى البيهقي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء جبريل إلى النبي- ﷺ فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات، ففتحت له أبواب السماء، وتحرك له العرش، فخرج فإذا سعد قد مات.
وروى أيضا عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ في سعد بن معاذ: «تحرك له العرش وتبع جنازته سبعون ألف ملك» .
وروى أيضا عن معاذ بن رفاعة الزرقي- رضي الله تعالى عنه- قال: أخبرني من شئت من رجال قومي أن جبريل أتى النبي- ﷺ في جوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق فقال
стр. 5352
له: من الميت الذي فتحت له أبواب السماء، واهتز له العرش؟ فقام مبادرا إلى سعد بن معاذ فوجده قد قبض.
وروى أيضا عن الحسن قال: «اهتزّ له عرش الرّحمن فرحا بروحه» .
وروى أبو نعيم عن سعد بن أبي وقاص أن سعد بن معاذ لما مات بعد الخندق خرج رسول الله- ﷺ مسرعا فإنه ينقطع بسبعة رجال فما يرجع ويسقط رداؤه فلا يلوي عليه، وما نفح أحد على أحد، فقالوا: يا رسول الله إن كدت لتقطعنا، قال: خشيت أن تسبقنا الملائكة إلى غسله، كما سبقتنا إلى غسل حنظلة.
وروى البزار- برجال الصحيح- عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «لقد نزل لموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملك، ما وطئوا الأرض قبلها» وقال حين دفن: «سبحان الله لو انفلت أحد من ضغطة القبر لانفلت سعد بن معاذ» .
وروى الإمام أحمد والبزّار والطبراني- برجال الصحيح- والإمام أحمد والطبراني- برجال ثقات-، عن أبي رمثة والإمام أحمد عن أسيد بن حضير، والطبراني- برجال الصحيح- عن أسامة بن زيد وابن السكن والطبراني عن معيقب- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ قال: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ» .
وروى البيهقي عن سلمة بن أسلم بن حريش قال: دخل رسول الله- ﷺ وما بالبيت أحد إلّا سعد مسجى، فرأيته يتخطاه، وأومأ أقف فوقفت ورددت من ورائي، وجلس ساعة ثم خرج، فقلت: يا رسول الله ما رأيت أحدا وقد رأيتك تتخطاه، فقال: «ما قدرت على مجلس حتى قبض لي ملك من الملائكة أحد جناحيه» .
وروى أبو نعيم عن الأشعث بن قيس بن سعد بن أبي وقاص قال: قبض رسول الله- ﷺ يومئذ ركبتيه وقال: دخل ملك فلم يجد مجلسا، فأوسعت فلما حملوا جنازته وكان من أعظم الناس وأطولهم قال قائل من المنافقين: ما حملنا نعشا أخف من اليوم فقال رسول الله- ﷺ : «لقد شيعه سبعون ألفا من الملائكة، ما وطئوا الأرض قط» .
وروى ابن سعد عن محمود بن لبيد قال: قال القوم: يا رسول الله ما حملنا ميّتا أخفّ علينا من سعد قال: «ما منعكم أن يخفّ عليكم وقد شيّعته من الملائكة كذا وكذا، لم يهبطوا قطّ قبل يومهم، قد حملوه معكم» .
وروى ابن سعد وأبو نعيم عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال: قبض إنسان يومئذ بيده من تراب قبره قبضة فذهب بها ثم نظر إليها بعد ذلك، فإذا هي مسك، فقال رسول الله- ﷺ : «سبحان الله» حتى عرف ذلك في وجهه فقال: «الحمد لله، لو كان أحد
стр. 5353
ناج من ضمّة القبر لنجا منها سعد، ضمّه ضمة ثم فرّج الله عنه» .
وروى ابن سعد عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت ممن يحفر لسعد قبره، فكان يفوح علينا المسك، كلما حفرنا قترة من تراب حتى انتهينا إلى اللحد.
وروى الشيخان عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «اهتز عرش الرّحمن لموت سعد بن معاذ» .
وروى ابن إسحاق: ولسعد يقول الرجل من الأنصار:
وما اهتزّ عرش الله من موت هالك ... سمعنا به إلّا لسعد أبي عمرو
وروى عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قالت أمه كبيشة بنت رافع [بن معاوية] [ (١) ] حين احتمل على نعشه وهي تبكيه:
ويل امّ سعد سعدا ... صرامة وجدّا
وسؤددا ومجدا ... وفارسا معدّا
سدّ به مسدّا
قال رسول الله ﷺ : «كل نائحة تكذب إلّا نائحة سعد» .
وفي لفظ: قال- ﷺ «لا تزيدون على هذا وكان والله ما علمت حازما في أمر الله قويا في أمر الله، كلّ النّوائح تكذب [إلا أمّ سعد] [ (٢) ] .
وروى ابن إسحاق عنه قال: لما دفن سعد ونحن مع رسول الله- ﷺ سبح رسول الله- ﷺ فسبّح الناس معه، ثم كبر فكبر الناس معه، فقالوا: يا رسول الله مما سبحت؟
فقال: «لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرّج عنه» .
وروى ابن أبي الدنيا والطبراني- برجال ثقات- عن أسماء بنت زيد بن السكن قالت:
قال رسول الله- ﷺ لأم سعد: «لا يرقأ دمعك ويذهب حزنك، فإنّ ابنك لأوّل من ضحك الله له واهتز له العرش» .
وروى البيهقي عن أمية بن عبد الله أنه سأل بعض أهل سعد: ما بلغكم من قول
стр. 5354
رسول الله- ﷺ في هذا؟ فقالوا: ذكر لنا أن رسول الله- ﷺ سئل عن ذلك فقال: «كان يقصر في بعض الطّهور من البول» .
وروى الطبراني- برجال ثقات- عن عطارد رحمه الله تعالى أنه أهدى إلى رسول الله- ﷺ ثوب ديباج كساه إياه كسرى، فدخل أصحابه فقالوا: أنزلت عليك من السماء؟ فقال: ما تعجبون من ذا لمنديل من مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا ثم قال: يا غلام اذهب به إلى أبي جهم بن حذيفة، وقال له يبعث إليّ بالخميصة.
وروى البزار- برجال الصحيح- عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن أكيدر الدّومة أهدى رسول الله- ﷺ جبّة من سندس، فلبسها رسول الله- ﷺ فتعجب الناس منها، فقال: أتعجبون من هذه، فو الله الذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها، ثم أهداها إلى عمر، فقال: يا رسول الله تكرهها وألبسها، قال: يا عمر إنما أرسلت بها إليك لتبعث بها وجها، فتصيب بها مالا، وذلك قبل أن ينهي عن الحرير.
وروى أبو يعلى- برجال ثقات- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ثلاثة من الأنصار كلهم من بني عبد الأشهل لم يكن أحد يعتد عليهم فضلا، سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر، وفيها ماتت أم سعد بن معاذ- رضي الله تعالى عنهما-.
وفيها: كسف القمر في جمادى الآخرة، فصلى رسول الله- ﷺ بهم صلاة الكسوف، وجعلت اليهود يضربون بالسوط، ويقولون: سحر القمر.
وفيها: أصابت قريش شدة، فبعث إليهم حذيفة بفضة يتألفهم بها.
وفيها: وفد بلال بن الحارث المزني، وهو أول وافد مسلم. ثم قدم ضمام بن ثعلبة قيل: وفيها إسلام خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص.
وقيل: في الثالثة.
النّوع التّاسع: في أحوال السّنة السّادسة
فيها: قحط الناس فاستسقى لهم رسول الله- ﷺ فسقوا في رمضان.
وفيها: إسلام أبي العاص بن الربيع- رضي الله تعالى عنه- وفيها: نزول سورة الفتح.
وفيها: فرض الحج على الصحيح.
وفيها: خسفت الشمس.
وفيها: ظاهر أوس بن الصامت امرأته خولة.
стр. 5355
وفيها:
قال- ﷺ «من كنت مولاه فعليّ مولاه» .
النّوع العاشر: في أحوال السّنة السّابعة
فيها: تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان وصفية بنت حيي، وميمونة بنت الحارث- رضي الله تعالى عنهم-.
وفيها قدم جعفر بن أبي طالب، وأبو موسى ومن معه من الحبشة.
وفيها: أسلم أبو هريرة وعمران بن الحصين- رضي الله تعالى عنهما-.
وفيها: بعث رسول الله- ﷺ إلى الملوك، واتخذ الخاتم يختم الكتب.
وفيها: حرمت الحمر الأهليّة.
وفيها: نهى عن متعة النّساء.
وفيها: اتخذ المنبر كما جزم به ابن سعد وقيل في السنة الثامنة.
قال الحافظ: وفيه نظر، لذكر العباس وتميم الداري فيه، وكان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان، وقدوم تميم سنة تسع.
وفيها: كانت قصة أبي سفيان مع هرقل في الشام.
وفيها: جاءته مارية القبطية- رضي الله تعالى عنها- هدية وبغلته دلدل.
وفيها: أكل من الشاة المسمومة.
وفيها: استشهد غلامه مدعم.
وفيها: في المحرم سحر النبي- ﷺ .
وفيها: عمرة القضية.
وفيها: مطر الناس:
فقال رسول الله- ﷺ : أصبح الناس بين مؤمن بالله وكافر بالكوكب، ومؤمن بالكوكب وكافر بالله.
وفيها: رد رسول الله- ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع، وقدم حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس.
النّوع الحادي عشر: في حوادث السّنة الثّامنة
فيها: قدم خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة وعمرو بن العاص، فأسلموا.
قال ابن أبي خيثمة: كان ذلك سنة خمس.
وقال الحاكم: سنة سبع.
стр. 5356
وفيها: اتخذ المنبر وحنين الجذع، وهو أول منبر عمل في الإسلام، كما جزم به ابن النجار وغير واحد.
قال الحافظ: وفيه نظر لما ورد في حديث الإفك في الصحيحين عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: فثار الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا، ورسول الله- ﷺ على المنبر فنزل يخفضهم حتى سكنوا، فإن حمل على التجوز في ذكر المنبر وإلا فهو أصح مما مضى.
روى الشيخان والبيهقي عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ أرسل إلى علاثة امرأة قد سماها سهل أن مري غلامك النجار أن يعمل لي أعواد المنبر أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة.
وفي رواية: فعمل هذه الثلاث درجات، ثم جاء بها فأرسلته إلى رسول الله- ﷺ فأمر بها فوضعت ها هنا.
وروى الإمام الشافعي والإمام أحمد وابن ماجة عن أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ يصلي إلى جذع إذ كان المسجد عريشا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله هل لك أن تجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك وتسمع الناس خطبتك، قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات، هي التي أعلى المنبر،
فلما صنع وضعه رسول الله- ﷺ موضعه الذي هو فيه، فكان إذا بدأ الرسول- ﷺ أن يخطب عليه تجاوز الجذع الذي كان يخطب إليه أولا ثم أن الجذع خار حتى تصدع وانشق، فنزل رسول الله- ﷺ فلما سمع صوت الجذع مسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، وكان إذا صلى صلّى إليه، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فكان عنده حتى بلي [فأكلته الأرض وعاد رفاتا] .
وروي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد، فخطب الناس، فجاءه رومي فقال: ألا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم، فصنع له منبرا له درجان ومقعد على الثالثة، فما قعد رسول الله- ﷺ على المنبر خار الجذع.
وفيها: مولد إبراهيم ابن سيدنا رسول الله- ﷺ .
وفيها: وفاة زينب بنت سيدنا رسول الله- ﷺ .
وفيها: أقام عتّاب بن أسيد- رضي الله تعالى عنه- للناس الحج، وذلك أن رسول الله- ﷺ لما فتح مكة استعمله عليها للصلاة والحج، كما ذكره الإمام أبو الحسن
стр. 5357
الماورديّ في «حاويه» في «السير» و «الحج» فحج بالناس تلك السنة على ما كان عليه الناس في الجاهلية.
وفيها: أخذ الجزية من مجوس هجر.
وفيها: وهبت سودة يومها لعائشة حين أراد رسول الله- ﷺ طلاقها.
وفيها: إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى بضم السين، واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح- براء مكسورة وياء-.
روى البيهقي وأبو بكر محمد بن القاسم بن بشار وأبو البركات عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي الأسعد الأنباريان قال: خرج كعب وبجير ابنا زهير حتى أتيا أبرق العراف فقال بجير لكعب: أثبت في عجل هذا المكان حتى آتي هذا الرجل يعني رسول الله- ﷺ ، فأسمع ما يقول، فثبت كعب وخرج بجير فجاء رسول الله- ﷺ فسمع كلامه فآمن به، وذلك أن زهير فيما يزعمون كان يجالس أهل الكتاب فسمع منهم إنه قد آن مبعث نبي.
ورأى زهير في منامه أنه قد مد سببا من السماء، وإنه قد مد يده ليتناوله ففاته، فأوله بالنبي- ﷺ يبعث، وأنه في آخر الزمان لا يدركه، وخبّر بنيه بذلك وأوصاهم أن أدركوا النبي- ﷺ أن يسلموا ولما اتصل خبر إسلام بجير ولأخيه أغضبه ذلك فقال:
ألا أبلغن عنّي بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا
فبيّن لنا إن كنت لست بفاعل ... على أيّ شيء غير ذلك دلّكا
على خلق لم تلق أمّا ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخا لكا
فإن أنت لم تفعل فلست بآسف ... ولا قائل إمّا عثرت لعا لكا
سقاك بها لمأمون كأسا رويّة ... فانهلك المأمون منها وعلّكا
وبعث بها إلى بجير فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله- ﷺ فأنشده إياها،
فقال رسول الله- ﷺ : «سقاك بها المأمون، صدق وإنّه لكذوب وأنا المأمون وأهدر دمه، وقال: من لقي كعبا فليقتله
فكتب بجير إلى أخيه يذكر أن رسول الله- ﷺ قد أهدر دمه وقال: من لقي كعبا فليقتله، وليقول له النجاء وما أراك تنفلت ثم كتب إليه بعد ذلك: اعلم أن رسول الله لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا قبل ذلك منه، وأسقط ما كان قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم وأقبل.
وذكر ابن إسحاق أن بجيرا كتب إليه:
من مبلغ كعبا فهل لك في الّتي ... تلوم عليها باطلا وهي أحزم
إلى الله لا العزّى ولا اللّات وحده ... فتنجو إذا كان النّجاء وتسلم
стр. 5358
لدى يوم لا تنجو ولست بمفلت ... من النّاس إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شيء دينه ... ودين أبي سلمى عليّ محرّم
فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره من عدوه، فقالوا: هو مقتول، فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي مطلعها:
بانت سعاد ... ...
[ (١) ]
يمدح بها رسول الله- ﷺ
النّوع الثاني عشر: في حوادث السّنة التّاسعة .
فيها توفي النجاشي- رضي الله تعالى عنه- في رجب.
روى البخاري عن جابر والشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنهما- أن
стр. 5359
رسول الله- ﷺ نعى النّجاشيّ في اليوم الذي مات فيه، وقال: توفي اليوم رجل من الحبشة اسمه أصحمة فهلمّ فصفوا. فصففنا، فصلى عليه النبي- ﷺ وكبر عليه أربع تكبيرات، وقال: استغفروا لأخيكم.
وفيها تتابع الوفود، وكانت تسمى سنة الوفود.
وفيها إلى رسول الله- ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرا.
قال ابن حبيب: يقال إنه ذبح ذبحا فقسمته عائشة بين أزواجه، فأرسلت إلى زينب بنت جحش بنصيبها فردته، فقال: زيديها فزادت ثلاثا فقال: لا أدخل عليكن شهرا.
وفيها: بيع المسلمين أسلحتهم، وقالوا: انقطع الجهاد
فقال- ﷺ : لا ينقطع الجهاد حتى ينزل عيسى ابن مريم.
وفيها: جاء جبريل يعلم الناس دينهم.
فقيل: وفيها فرض الحج.
وفيها: أمر- ﷺ بهدم المسجد الضرار بعد عوده من تبوك.
روى بسند صحيح- عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن جبير أن موضع مسجد قباء كان لامرأة يقال لها: لية، كانت تربط حمارا لها فيه، فابتنى بها سعد بن أبي خيثمة، وبنو عمرو بن عوف مسجدا، وأرسلوا إلى رسول الله- ﷺ يدعوه ليصلي فيه، فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم أخوالهم بنو عمرو بن عوف، فقالوا: نحن نصلي في مربط حمار لية لا، لعمر الله، ولكنا نبني مسجدا فنصلي فيه، ويجيء أبو عامر فيؤمنا فيه، وكان أبو عامر فرّ من الله ورسوله فلحق بمكة، ثم لحق بعد ذلك بالشام، فتنصّر فمات بها فبنوا مسجدا وأرسلوا إلى رسول الله- ﷺ وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة، والليلة المطيرة وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال رسول الله- ﷺ : إني لعلى جناح سفر وحال وشغل، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما قفل ونزل بذي أوان أنزل عليه فيه القرآن وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً [التوبة] .
فدعا رسول الله- ﷺ مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وأخاه عاصم بن عدي، فقال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه،
فانطلقوا مسرعين حتى أتوا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك: انظروا حتى أخرج إليهم بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه نارا ثم خرجوا يشتدون حتى أتوا [المسجد وفيه أهله، فحرّقوه، وهدموه، وتفرّق أهله عنه، ونزل فيه من القرآن ما نزل وَالَّذِينَ
стр. 5360
اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً] .
وفيها: موت عدو الله عبد الله بن أبيّ ابن سلول في ذي القعدة، بعد أن مرض عشرين يوما.
روى البخاري عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن عبد الله بن أبيّ لما توفي جاء ابنه إلى النبي- ﷺ فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه، وصل عليه واستغفر له، فأعطاه النبي- ﷺ قميصه ... الحديث.
وروي [ (١) ] أيضاً عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: أتى النبي- ﷺ قبر عبد الله بن أبيّ بعد ما دفن، فأخرجه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه.
تنبيه:
ظاهر قوله في (حديث جابر) [ (٢) ] أتى النبي- ﷺ عبد الله بن أبيّ بعد ما دفن فأخرجه إلى آخره مخالف لقول ابن عمر: لما مات عبد الله بن أبيّ جاء ابنه إلخ ... ، وقد جمع بينهما بأن معنى قول ابن عمر: فأعطاه أي أنعم له بذلك فأطلق على العدة اسم العطية مجازا لتحقق وقوعها، وكذا قوله في حديث جابر بعد ما دفن أي: ولي في حفرته، وكان أهل عبد الله بن أبيّ خشوا على النبي- ﷺ المشقة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي- ﷺ ، فلما وصل وجدهم قد ولوه في حفرته، فأمر بإخراجه إنجازا لوعده في تكفينه في القميص والصلاة عليه، والله تعالى أعلم.
وقيل: أعطاهم- ﷺ أحد قميصيه أوّلا، ثم لما حضر أعطاهم الثاني بسؤال ولده، وفي «الإكليل» للحاكم ما يؤيد ذلك.
وفيها لاعن- ﷺ بين عويمر العجلاني وبين امرأته في ذي القعدة في مسجده بعد صلاة العصر، وكان عويمر قدم من تبوك فوجدها حبلى.
وفيها: حج أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- بالناس في ذي القعدة، فخرج من المدينة في ثلاثمائة رجل، وبعث معه عشرين بدنة قلدها وأشعرها بيده، وعليها ناجية بن جندب الأسلمي، وساق أبو بكر خمس بدنات، وحج عبد الرحمن بن عوف- رضي الله تعالى عنه- وساق هديا وبعث رسول الله- ﷺ عليا على أثره ليقرأ على الناس سورة براءة، فأدركه ب «العرج» [قال ابن سعد: فلما كان بالعرج- وابن عائذ يقول: بضجنان- لحقه علي بن أبي