← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

وفيها: اتخذ المنبر وحنين الجذع، وهو أول منبر عمل في الإسلام، كما جزم به ابن النجار وغير واحد. قال الحافظ: وفيه نظر لما ورد في حديث الإفك في الصحيحين عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: فثار الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا، ورسول الله- ﷺ على المنبر فنزل يخفضهم حتى سكنوا، فإن حمل على التجوز في ذكر المنبر وإلا فهو أصح مما مضى. روى الشيخان والبيهقي عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ أرسل إلى علاثة امرأة قد سماها سهل أن مري غلامك النجار أن يعمل لي أعواد المنبر أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة. وفي رواية: فعمل هذه الثلاث درجات، ثم جاء بها فأرسلته إلى رسول الله- ﷺ فأمر بها فوضعت ها هنا. وروى الإمام الشافعي والإمام أحمد وابن ماجة عن أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ يصلي إلى جذع إذ كان المسجد عريشا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله هل لك أن تجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك وتسمع الناس خطبتك، قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات، هي التي أعلى المنبر، فلما صنع وضعه رسول الله- ﷺ موضعه الذي هو فيه، فكان إذا بدأ الرسول- ﷺ أن يخطب عليه تجاوز الجذع الذي كان يخطب إليه أولا ثم أن الجذع خار حتى تصدع وانشق، فنزل رسول الله- ﷺ فلما سمع صوت الجذع مسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، وكان إذا صلى صلّى إليه، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فكان عنده حتى بلي [فأكلته الأرض وعاد رفاتا] . وروي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد، فخطب الناس، فجاءه رومي فقال: ألا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم، فصنع له منبرا له درجان ومقعد على الثالثة، فما قعد رسول الله- ﷺ على المنبر خار الجذع. وفيها: مولد إبراهيم ابن سيدنا رسول الله- ﷺ . وفيها: وفاة زينب بنت سيدنا رسول الله- ﷺ . وفيها: أقام عتّاب بن أسيد- رضي الله تعالى عنه- للناس الحج، وذلك أن رسول الله- ﷺ لما فتح مكة استعمله عليها للصلاة والحج، كما ذكره الإمام أبو الحسن

стр. 5357

الماورديّ في «حاويه» في «السير» و «الحج» فحج بالناس تلك السنة على ما كان عليه الناس في الجاهلية. وفيها: أخذ الجزية من مجوس هجر. وفيها: وهبت سودة يومها لعائشة حين أراد رسول الله- ﷺ طلاقها. وفيها: إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى بضم السين، واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح- براء مكسورة وياء-. روى البيهقي وأبو بكر محمد بن القاسم بن بشار وأبو البركات عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي الأسعد الأنباريان قال: خرج كعب وبجير ابنا زهير حتى أتيا أبرق العراف فقال بجير لكعب: أثبت في عجل هذا المكان حتى آتي هذا الرجل يعني رسول الله- ﷺ ، فأسمع ما يقول، فثبت كعب وخرج بجير فجاء رسول الله- ﷺ فسمع كلامه فآمن به، وذلك أن زهير فيما يزعمون كان يجالس أهل الكتاب فسمع منهم إنه قد آن مبعث نبي. ورأى زهير في منامه أنه قد مد سببا من السماء، وإنه قد مد يده ليتناوله ففاته، فأوله بالنبي- ﷺ يبعث، وأنه في آخر الزمان لا يدركه، وخبّر بنيه بذلك وأوصاهم أن أدركوا النبي- ﷺ أن يسلموا ولما اتصل خبر إسلام بجير ولأخيه أغضبه ذلك فقال: ألا أبلغن عنّي بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا فبيّن لنا إن كنت لست بفاعل ... على أيّ شيء غير ذلك دلّكا على خلق لم تلق أمّا ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخا لكا فإن أنت لم تفعل فلست بآسف ... ولا قائل إمّا عثرت لعا لكا سقاك بها لمأمون كأسا رويّة ... فانهلك المأمون منها وعلّكا وبعث بها إلى بجير فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله- ﷺ فأنشده إياها، فقال رسول الله- ﷺ : «سقاك بها المأمون، صدق وإنّه لكذوب وأنا المأمون وأهدر دمه، وقال: من لقي كعبا فليقتله فكتب بجير إلى أخيه يذكر أن رسول الله- ﷺ قد أهدر دمه وقال: من لقي كعبا فليقتله، وليقول له النجاء وما أراك تنفلت ثم كتب إليه بعد ذلك: اعلم أن رسول الله لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا قبل ذلك منه، وأسقط ما كان قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم وأقبل. وذكر ابن إسحاق أن بجيرا كتب إليه: من مبلغ كعبا فهل لك في الّتي ... تلوم عليها باطلا وهي أحزم إلى الله لا العزّى ولا اللّات وحده ... فتنجو إذا كان النّجاء وتسلم

стр. 5358

لدى يوم لا تنجو ولست بمفلت ... من النّاس إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير وهو لا شيء دينه ... ودين أبي سلمى عليّ محرّم فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره من عدوه، فقالوا: هو مقتول، فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي مطلعها: بانت سعاد ... ... [ (١) ] يمدح بها رسول الله- ﷺ النّوع الثاني عشر: في حوادث السّنة التّاسعة . فيها توفي النجاشي- رضي الله تعالى عنه- في رجب. روى البخاري عن جابر والشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنهما- أن

стр. 5359

رسول الله- ﷺ نعى النّجاشيّ في اليوم الذي مات فيه، وقال: توفي اليوم رجل من الحبشة اسمه أصحمة فهلمّ فصفوا. فصففنا، فصلى عليه النبي- ﷺ وكبر عليه أربع تكبيرات، وقال: استغفروا لأخيكم. وفيها تتابع الوفود، وكانت تسمى سنة الوفود. وفيها إلى رسول الله- ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرا. قال ابن حبيب: يقال إنه ذبح ذبحا فقسمته عائشة بين أزواجه، فأرسلت إلى زينب بنت جحش بنصيبها فردته، فقال: زيديها فزادت ثلاثا فقال: لا أدخل عليكن شهرا. وفيها: بيع المسلمين أسلحتهم، وقالوا: انقطع الجهاد فقال- ﷺ : لا ينقطع الجهاد حتى ينزل عيسى ابن مريم. وفيها: جاء جبريل يعلم الناس دينهم. فقيل: وفيها فرض الحج. وفيها: أمر- ﷺ بهدم المسجد الضرار بعد عوده من تبوك. روى بسند صحيح- عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن جبير أن موضع مسجد قباء كان لامرأة يقال لها: لية، كانت تربط حمارا لها فيه، فابتنى بها سعد بن أبي خيثمة، وبنو عمرو بن عوف مسجدا، وأرسلوا إلى رسول الله- ﷺ يدعوه ليصلي فيه، فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم أخوالهم بنو عمرو بن عوف، فقالوا: نحن نصلي في مربط حمار لية لا، لعمر الله، ولكنا نبني مسجدا فنصلي فيه، ويجيء أبو عامر فيؤمنا فيه، وكان أبو عامر فرّ من الله ورسوله فلحق بمكة، ثم لحق بعد ذلك بالشام، فتنصّر فمات بها فبنوا مسجدا وأرسلوا إلى رسول الله- ﷺ وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة، والليلة المطيرة وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال رسول الله- ﷺ : إني لعلى جناح سفر وحال وشغل، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما قفل ونزل بذي أوان أنزل عليه فيه القرآن وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً [التوبة] . فدعا رسول الله- ﷺ مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وأخاه عاصم بن عدي، فقال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه، فانطلقوا مسرعين حتى أتوا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك: انظروا حتى أخرج إليهم بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه نارا ثم خرجوا يشتدون حتى أتوا [المسجد وفيه أهله، فحرّقوه، وهدموه، وتفرّق أهله عنه، ونزل فيه من القرآن ما نزل وَالَّذِينَ

стр. 5360

اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً] . وفيها: موت عدو الله عبد الله بن أبيّ ابن سلول في ذي القعدة، بعد أن مرض عشرين يوما. روى البخاري عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن عبد الله بن أبيّ لما توفي جاء ابنه إلى النبي- ﷺ فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه، وصل عليه واستغفر له، فأعطاه النبي- ﷺ قميصه ... الحديث. وروي [ (١) ] أيضاً عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: أتى النبي- ﷺ قبر عبد الله بن أبيّ بعد ما دفن، فأخرجه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه. تنبيه: ظاهر قوله في (حديث جابر) [ (٢) ] أتى النبي- ﷺ عبد الله بن أبيّ بعد ما دفن فأخرجه إلى آخره مخالف لقول ابن عمر: لما مات عبد الله بن أبيّ جاء ابنه إلخ ... ، وقد جمع بينهما بأن معنى قول ابن عمر: فأعطاه أي أنعم له بذلك فأطلق على العدة اسم العطية مجازا لتحقق وقوعها، وكذا قوله في حديث جابر بعد ما دفن أي: ولي في حفرته، وكان أهل عبد الله بن أبيّ خشوا على النبي- ﷺ المشقة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي- ﷺ ، فلما وصل وجدهم قد ولوه في حفرته، فأمر بإخراجه إنجازا لوعده في تكفينه في القميص والصلاة عليه، والله تعالى أعلم. وقيل: أعطاهم- ﷺ أحد قميصيه أوّلا، ثم لما حضر أعطاهم الثاني بسؤال ولده، وفي «الإكليل» للحاكم ما يؤيد ذلك. وفيها لاعن- ﷺ بين عويمر العجلاني وبين امرأته في ذي القعدة في مسجده بعد صلاة العصر، وكان عويمر قدم من تبوك فوجدها حبلى. وفيها: حج أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- بالناس في ذي القعدة، فخرج من المدينة في ثلاثمائة رجل، وبعث معه عشرين بدنة قلدها وأشعرها بيده، وعليها ناجية بن جندب الأسلمي، وساق أبو بكر خمس بدنات، وحج عبد الرحمن بن عوف- رضي الله تعالى عنه- وساق هديا وبعث رسول الله- ﷺ عليا على أثره ليقرأ على الناس سورة براءة، فأدركه ب «العرج» [قال ابن سعد: فلما كان بالعرج- وابن عائذ يقول: بضجنان- لحقه علي بن أبي

стр. 5361

طالب- رضي الله تعالى عنه- على العضباء، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ قال: لا بل مأمور، ثم مضيا] . تنبيهات الأول: روى ابن حبان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- في قوله ﵎ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة ١] قال: لما قفل رسول الله- ﷺ حنين اعتمر من الجعرانة ثم أمر أبا بكر في ذلك الحجة. قال الإمام محب الدين الطبري- رحمه الله تعالى-: وهذا مغاير لما تقدم، أن الذي حج بالناس تلك السنة عتّاب بن أسيد، وهي سنة ثمان وأنّ تأمير أبي بكر كان سنة تسع وهو الأظهر. الثّاني: قال في «زاد المعاد» : وهل حجة الصديق هذه أسقطت الفرض؟، أو المسقطة هي حجة الوداع معه- ﷺ علي قولين أصحهما الثاني، والقولان مبنيان على أصلين: أحدهما: هل كان فرض الحجّ قبل عام حجة الوداع أو لا؟ والثّاني: هل كانت حجة أبي بكر في ذي الحجة! أم وقعت في ذي القعدة من أجل النسيء الذي كان في الجاهلية يؤخرون له الأشهر ويقدمونها؟ على قولين. روى البزّاز في «جامعه» في الحج والتفسير وقال: حسن، زاد في بعض النسخ صحيح، عن زيد بن يثيع، قال: سألنا عليا بأيّ شيء بعثت في ذي الحجة؟ قال: بعثت بأربع ... الحديث. فهذا نص صريح في ذلك كون تلك الحجة وقعت في ذي الحجة. وذكر المحب الطبري في «الأحكام» أن حج أبي بكر وقع في ذي القعدة، وعزى ذلك الماوردي في «نكته» والثعلبي والرمّاني وغيرهم. قلت: وجزم به في الإشارة ثم قال: وجزم الأزرقيّ أن حج أبي بكر كان في السنة التاسعة. قال: وذكر بعض المفسرين الروايتين. قال في النور: وأنا أستبعد كونه- ﵊ أمّره عليها وأمره بها، وهي تقع في ذي القعدة على القول بأنها فرض، فهذا ما لا يدخل فهمي أما على القول بأنه فرض فهذا قريب انتهى.

стр. 5362

الثالث: الحكمة في أن النبي- ﷺ بعث عليا ليقرأ سورة براءة على الناس في حجة أبي بكر، ولم يكتف بغير علي أنّ العرب كان من عادتها أن الرجل المتبوع منهم إذا عقد عقدا أو عهد عهدا لا يحله إلا هو أو أحد من أهل بيته، ولهذا بعث عليا- رضي الله تعالى عنه-. وقيل: كان فيه سورة براءة الثناء على الصديق رضي الله تعالى عنه فأحب أن يكون على لسان غيره قال في «الهدي» : لأنّ السورة نزلت بعد ذهاب أبي بكر إلى الحج. النّوع الثالث عشر: في حوادث السّنة العاشرة فيها: حجة الوداع. وفيها: نزول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النور ٥٨] وكانوا لا يفعلونه قبل ذلك. وفيها: قدم جرير بن عبد الله بن جابر بن الشليل بن مالك بن نضر بن ثعلبة بن جشم بن عوف بن خزيمة بن حرب بن علي بن مالك بن سعد بن نذير بن قسر وهو مالك بن عبقر بن إراش بن عمرو بن الغوث مسلما في شهر رمضان. وفيها: أسلم فيروز بن الديلمي بأذان وهب بن منبه ب «اليمن» . تنبيه في بيان غريب ما سبق: [المربد: الموضع الذي يجفف فيه التمر. الحجر: ... ثامنوني: أي اجعلوا لها ثمنا. الغرقد: ... العضادة: ... العريش: ... الثّمام: ... الظّلمة: ... الحمال: ... ] [ (١) ] المسوح: جمع مسح وهو البلاس. مستطيرة في القبلة، منتشرة.

стр. 5363

المصراع من الباب الشطر وهما مصراعان. «العرعر» : بفتح العينين وبرائين مهملات قال في الصحاح: السرو. والسّاج- بالسين المهملة والجيم-: ضرب من خشب أسود عظيم من الشجر، يجلب من الهند وجمعها ساجات. قال الزمخشري: خشب أسود رزين يجلب من الهند، ولا تكاد الأرض تبليه، والجمع سيجان، مثل: نار ونيران مطرورة بالطين، بالطاء المهملة المشالة، أي: مطينة به دونه أي بضم الدال المهملة. الجندل: بالجيم والنون والدال المهملة. ينشأ: يتجدد. الأفق بضمتين، الناحية. اخضلّ لحيته بخاء فضاد معجمتين فلام يليها. مراهق: مقارب الاحتلام. أنال: أدرك وأبلغ. المغشى: المغطى المستور. [البوق: ... بقيع الخصاب: ... الصّرم: ... الذّبحة: وجع في الحلق يخنق. الشّهقة: الصيحة. الإستبرق: ... يلوي عليه: ... ضغطة القبر: ... النعش: ... الاشعار: ... الصّرامة: ... ناجية: ...

стр. 5364

جندب: ... ] [ (١) ] . العرج: بفتح العين وسكون الراء المهملتين وبالجيم: قرية جامعة على نحو من ثمانية وسبعين ميلا من المدينة. ابن عائذ بتحتية وذال معجمة. ضجنان: بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم وبنونين بينهما ألف: جبل على بريد من مكة من جهة الشام. قافلين: راجعين. الحج الأكبر: يوم النّحر هذا هو الصواب. كما روى الترمذي أن عليا- رضي الله تعالى عنه- سأل رسول الله- ﷺ عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر. وروى أبو داود بإسناد صحيح أن رسول الله- ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها فقال: «أيّ يوم هذا» قالوا: يوم النّحر فقال: هذا يوم الحج الأكبر. وروى البخاري «تعليقا» عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال يوم النحر في الحجة التي حج فيها: هذا يوم الحج الأكبر [ (٢) ] .

стр. 5365

جماع أبواب سيرته- ﷺ في الرقى والتمائم الباب الأول في إذنه ﷺ في الرّقى المفهومة المعنى روى الحاكم عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قال رسول الله- ﷺ : «استرقوا لها، فإنّ بها النظرة» . الباب الثاني في نهيه- ﷺ عن التمائم روى أبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً «أنّ الرّقى والتّمائم والتّرلة شرك» . التّمائم: بمثناة فوقية فميمين بينهما ألف فهمزة: خرزة أو قلادة تعلق في الرأس، كانت الجاهلية تعتقد أن ذلك يدفع الآفات والتّرلة: بمثناة فوقية مكسورة فراء ولام مفتوحتين مخففا شيء كانت المرأة تجلب به محبّة زوجها، وهو نوع من السحر، وإنما كان من الشرك، لأنهم كانوا يرون أنها تجلب المنافع وتدفع المضارّ بنفسها، وذلك شرك مع الله تعالى في ألوهيته، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وصفاته، ولا خلاف في شرعية الفزع إلى الله تعالى واللّجوء إليه في كل ما وقع وما يتوقع، والرّقي المنهيّ عنها هي ما أضيف فيها إلى أسماء الله تعالى شيء من ذكر الشياطين، والاستعانة بهم، والتعوذ بمردتهم، وما كان بالعجز الذي لا يفهم معناه. وقال القرطبي: ما كان يرقى به في الجاهلية معا لا يعقل معناه يجب اجتنابه، وما كان بكلام الله تعالى أو بأسمائه فيجوز فإن كان مأثورا فيستحب، وما كان بغير أسماء الله تعالى من ملك أو صالح أو معظّم من المخلوقات كالعرش فليس من الواجب اجتنابه ولا المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله تعالى، والتبرك بأسمائه فيكون تركه أولى، ونقل النوويّ عن القاضي عياض أن قول مالك اختلف في رقية اليهودي والنصراني المسلم وبالجواز قال الشافعي. وروى ابن وهب عن مالك كراهة الرقية بالحديدة والملح، وعقد الخيط، والذي يكتب خاتم سليمان، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم.

стр. 5366

الباب الثالث في سيرته- ﷺ في لدغة العقرب بالرقية روى أبو نعيم في الطّبّ عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: كان في المدينة رجل يكنى أبا مذكر، كان يرقي من العقرب، وينفع الله تعالى بها، فقال رسول الله- ﷺ : يا أبا مذكر، ما رقيتك هذه؟ اعرضها علي، فقال أبو مذكر: شجنة قرنية ملحة بحر قفطا فقال رسول الله- ﷺ : أنه لا بأس بها، إنّما هي مواثيق أخذها سليمان بن داود على الهوامّ [ (١) ] . قال ابن إسحاق: زادني رجل في هذه الرقية: شجنة قرنية ملحة بحر قفطا وقطيفة موسى معها والمسيح يلبسها، ما لنا أن لا نتوكّل على الله، وقد هدانا سبلنا ولنصبرنّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكّل المتوكّلون، وقال محمد بن إسحاق: قرأت ما لا أحصي من هذه الرّقى: الرقية على العقرب، فوقعت لي فيه إن رجلا من الأنصار قال: أفي العقرب رقية؟ فقال رسول الله- ﷺ : «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» وفيه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: لدغ رجل من الأنصار على عهد النبي- ﷺ فذكروه للنبي- ﷺ فقالوا: ما نام فلان من لدغة أصابته من عقرب، فقال: أمّا إنه لو قال حين أمسى: أعوذ بكلمات الله التامّات كلّها من شر ما خلق لم يضرّه لدغة عقرب حتّى يصبح. الباب الرابع في سيرته- ﷺ في رقية النملة بفتح النون وإسكان الميم وهي قروح تخرج من الساق والجنب أو غيره روى أبو نعيم في الطّبّ وأبو داود عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة أن رسول الله- ﷺ قال للشفاء: «علّمي حفصة رقيتك» ، قال إسماعيل: قلت لمحمد بن المنكدر: وما رقيتها؟ قال: رقية النّملة. وروى مسلم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: رخّص رسول الله- ﷺ في الرقية من العين والنملة والحمة، وفي رواية: والأذن الخلّال أنّ الشفاء بنت عبد الله كانت ترقي في الجاهلية من النّملة فلمّا هاجرت إلى النبي- ﷺ وكانت قد بايعته بمكة، قالت: يا رسول الله، إني كنت أرقي في الجاهلية من النّملة، فأريد أن أعرضها عليك فعرضتها، فقالت: باسم الله صلو صلب خير يعود من أفواهها ولا تضرّ أحدا، اللهم، اكشف الناس ربّ الناس،

стр. 5367

كانت ترقي بها على عود سبع مرّات، وتضعه مكانا وتدلكه على حجر بخل خمر مصفى وتطليه على النّملة. الباب الخامس في سيرته- ﷺ في رقية الحية روى أبو نعيم في الطّبّ عن علقمة عن عبد الله قال: ذكر عند رسول الله- ﷺ رقية الحمة قال: اعرضوها عليّ فعرضوها عليه، بسم الله قرنية شجنة ملحة بحر قفطا، فقال: هذه مواثيق، أخذها سليمان بن داود على الهوامّ لا أرى بها بأسا قال: فلدغ رجل وهو مع علقمة فرقاه بها، فكأنما نشط من عقال. الباب السادس في سيرته- ﷺ في رقية القرحة والجرح روى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أنه- ﷺ كان إذا اشتكى الإنسان الشّيء أو كانت به قرحة أو جرح، قال بإصبعه يعني سبابته بالأرض، ثم رفعها وقال: بسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا يشفى سقيمنا، بإذن ربنا [ (١) ] . وروى الحاكم في تاريخه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «تربة أرضنا شفاء لقرحنا» . وروى: «تربة أرضنا بريقة بعضنا تشفي سقيمنا بإذن ربنا» . قال النووي: معنى الحديث أنه أخذ من ريق نفسه، على أصبعه السبابة ثم وضعها على التراب فعلق به شيء منه ثم مسح به الموضع العليل، أو الجرح قائلا الكلام المذكور في حالة المسح. قال القرطبي: زعم بعض علمائنا أن السّرّ فيه أن تراب الأرض لبرودته ويبسه يبرئ الموضع الذي به الألم، ويمنع انصباب الموادّ إليه ليبسه مع منفعته في تجفيف الجروح واندمالها.

стр. 5368

وقال في الرّيق: لأنه يختص بالتحليل والإنضاح وإبراء الجراح والورم، ولا سيما في الصائم الجائع، وتعقبه بأن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها مع مراعاة مقدار التراب في الرّيق وملازمة ذلك في أوقاته وإلا فالنّفث ووضع السّبّابة على الأرض إنّما يعلق بها ما ليس له بال ولا أثر، وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى وآثار رسول الله- ﷺ ، وإنّما وضع بالأرض فلعله لخاصّية في ذلك، وقال البيضاويّ: قد شهدت المباحث الطّبّية على أن للريق مدخلا في النّضج، وتعديل المزاج، وتراب الوطن له تأثير في حفظ المزاج ودفع الضّرر، فقد ذكروا أنه ينبغي للمسافر أن يستصحب تراب أرضه، إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئا منه في سقائه، ليأمن من مضرّة ذلك، ثم إنّ الرقى والعزائم لها آثار عجيبة تتعاقد العقول عن الوصول إلى معرفتها. وقال التوربشتي: كأن المراد بالتّربة الإشارة إلى فطرة آدم وبالريقة الإشارة إلى النطفة، كأنه تضرع بلسان الحال، إنك اخترعت الأصل الأوّل من التراب ثم أبدعته من ماء مهين، فهيّن عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته. وقال النووي: وقيل: المراد ب «أرضنا» أرض المدينة لبركتها و «بعضنا» رسول الله- ﷺ لشرف ريقه يشفى سقيمنا: بضم أوله على البناء للمجهول، وسقيمنا بالرفع وبفتح أوله على أن الفاعل مقدر وسقيمنا بالنصب على المفعولية. الباب السابع في سيرته- ﷺ في رقى عامة، ورقى جامعة روى الطبراني في الكبير برجال الصحيح عن رافع بن خديج- رضي الله تعالى عنه- قال: دخل رسول الله- ﷺ على ابن نعيمان فقال: «أذهب الياس ربّ الناس إله الناس» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد والطبراني في الكبير- برجال ثقات وأبو معشر- ليس هو نجيح بل من رجال الصحيح- عن كعب بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا وجد أحدكم ألما فليضع يده تحت ألمه، ثم ليقل سبع مرات: أعوذ بعزّة الله وقدرته على كل شيء من شر ما أجد» [ (٢) ] .

стр. 5369

وروى أبو يعلى بسند حسن عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- ﷺ إذا عاد مريضا يضع يده على المكان الذي يألم، ثم يقول: «بسم الله لا بأس» [ (١) ] . وروى الترمذي والحاكم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكي ثمّ قل: بسم الله، أعوذ بعزّة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعي هذا، ثم ارفع يدك ثم أعد ذلك وترا [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه وابن حبان وأبو داود والترمذي وقال: صحيح، والطبراني في الكبير عن عثمان بن أبي العاص أن رسول الله- ﷺ قال: «امسح بيمينك سبع مرّات، وقل: أعوذ بعزّة الله وقوّته على كل شيء من شر ما أجد» وفي لفظ: «ضع يمينك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله- ثلاثا- وقل- سبع مرّات-: أعوذ بالله..» إلى آخره. وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- والخرائطي في «مكارم الأخلاق» عن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله تعالى عنها- قالت: خرج في عنقي خراج فتخوّفت منه، فسألت النبي- ﷺ فقال- ﷺ : «ضعي يدك عليه ثم قولي ثلاث مرات-: «بسم الله، اللهمّ أذهب عنّي شرّ ما أجد بدعوة نبيك الطيب المبارك المكين عندك بسم الله» . وروى أبو داود في سننه عن أبي الدرداء- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «من اشتكى منكم شيئا فليقل: ربّنا الله الذي في السماء تقدّس اسمك، أمرك في السّماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت ربّ الطّيّبين، أنزل رحمة من عندك وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ بإذن الله» [ (٣) ] . وروى الحميديّ والخطيب عن يونس بن يعقوب عن عبد الله قال: كان رسول الله- ﷺ يتعوّذ من الصّداع: «بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الكبير، وأعوذ بالله العظيم من شرّ كلّ عرق نعّار، ومن شرّ حرّ النّار» . وروى البيهقي أن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله تعالى عنهما- أصابها ورم في

стр. 5370

استها [ (١) ] ، فوضع رسول الله- ﷺ يده على ذلك من فوق الثياب فقال: بسم الله، أذهب عنها سوءه، وفحشه بدعوة نبيك الطيب المبارك، المكين عندك، صنع ذلك ثلاث مرات، وأمرها أن تقول» [ذلك، فقالت ثلاثة أيام، فذهب الورم] [ (٢) ] . وروى البيهقي أن عبد الله بن رواحة شكا إلى النبي- ﷺ وجع ضرسه، فوضع- ﷺ يده على خدّه الذي فيه الوجع وقال: اللهم أذهب عنه سوء ما يجد وفحشه بدعوة نبيك المبارك، المكين عندك- سبع مرات- فشفاه قبل أن يبرح» [ (٣) ] . وروى الحميديّ أن فاطمة- رضي الله تعالى عنها- أتت رسول الله- ﷺ تشكو من ضرّ في ضرسها، فأدخل سبابته اليمنى فوضعها على الضرس الذي يألم فقال: «بسم الله، وبالله أسألك بعزك وجلالك وقدرتك على كل شيء فإن مريم لم تلد غير عيسى من روحك وكلمتك أن تكشف فاطمة بنت خديجة من الضّرّ كله» فسكن ما بها. وروى النسائي عن أبي الدّرداء أنّه أتاه رجل فذكر أن أباه احتبس بوله، فأصابته حصاة البول، فعلمه رقية سمعها من رسول الله- ﷺ : «ربّنا الله الذي في السماء، تقدّس اسمك، أمرك في السّماء والأرض كما رحمتك في السّماء، فاجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، فأنزل شفاء من شفائك، ورحمة من رحمتك على هذا الوجع فيبرأ» وأمره أن يرقيه بها فرقاه بها فبرأ [ (٤) ] . وروى البيهقي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: دخل رسول الله- ﷺ علي عائشة وهي موعكة، وهي تسب الحمى، فقال: «لا تسبيها فإنها مأمورة، ولكن إن شئت علمتك كلمات إذا قلتهن أذهبها الله عنك» فقالت: فعلمني، قال: «قولي: اللهم، ارحم جلدي الرّقيق، وعظمي الدّقيق من شدة الحريق، يا أم ملدم، إن كنت آمنت بالله العظيم، فلا تصدعي الرأس، ولا تنتني الفم، ولا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم، وتحولي عني إلى من اتّخذ مع الله إلها آخر» فقالتها فذهبت عنها [ (٥) ] . وروى أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح عن أبان بن عثمان عن أبيه قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «من قال: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء من الأرض

стр. 5371

ولا في السّماء وهو السميع العليم) ثلاث مرات حين يمسي لم تصبه فجأة بلاء، حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي» قال: فأصاب أبان بن عثمان الفالج، فجعل الرّجل، الذي سمع منه الحديث ينظر إليه، فقال: ما لك تنظر إليّ، فو الله ما كذبت على عثمان، ولا كذب عثمان على رسول الله- ﷺ ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما أصابني غضبت، فنسيت أن أقولها [ (١) ] ، وفي لفظ الترمذي: فكان أبان أصابه طرف فالج، فجعل الرّجل ينظر إليه، فقال له أبان: ما تنظر، أما إنّ الحديث كما حدّثتك، ولكني لم أقله يومئذ ليمضي الله علي قدره. وروى الترمذي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال لي رسول الله- ﷺ «أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم» [ (٢) ] . وروى الطبراني عنه قال: قال رسول الله- ﷺ : «من قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم كان دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهمّ» . وروى ابن أبي الدنيا عن أبي موسى- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من قال: لا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرّة في كل يوم لم يصبه فقر» . وروى الطبراني عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من أبطأ عليه رزقه، فليكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله» [ (٣) ] . وروى ابن السني عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى لم تضرّه أمّ الصّبيان» .

стр. 5372

الباب الثامن في سيرته- ﷺ في علاج داء الحريق وإطفائه روى ابن السّنيّ وابن عدي وابن عساكر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا رأيتم الحريق، فكبّروا فإنّ التكبير يطفئه» . قال في زاد المعاد: لمّا كان الحريق سببه النّار، وهي مادّة الشيطان [التي خلق منها] ، وكانت النار تطلب العلوّ والفساد، وهما هدي الشيطان، وإليهما يدعو، وبهما يهلك بني آدم، فالنّار والشيطان كل منهما يريد العلوّ في الأرض والفساد، وكبرياء الله تقمع الشّيطان وفعله، فلهذا كان تكبير الله تعالى له أثر في إطفاء الحريق، فإن كبرياء الله تعالى لا يقوم لها شيء، فإذا كبّر المسلم ربّه أثّر تكبيره في خمود النّار التي هي مادة الشيطان، وقد جربنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك، انتهى. الباب التاسع في علاج الفزع والأرق المانع من النوم روى الترمذي عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- قال: شكا خالد إلى النبي- ﷺ : ما أنام الليل من الأرق، فقال- ﷺ : «إذا أويت إلى فراشك، فقل: اللهم رب السموات السبع وما أظلت، وربّ الأرضين السّبع وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جارا من شر خلقك كلّهم جميعا أن يفرط علي أحد منهم أو يبغي عليّ، عزّ جارك وجلّ ثناؤك، ولا إله غيرك» [ولا إله إلا أنت] [ (١) ] . الباب العاشر في سيرته- ﷺ في علاج حرّ المصيبة روى أبو داود والحاكم عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «إذا أصابت أحدكم مصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهمّ عندك أحتسب مصيبتي فأجرني منها، [وأبدل لي بها خيرا منها] [ (٢) ] .

стр. 5373

وروى البيهقي في الشّعب والطبراني في الكبير عن سابط أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليذكر مصيبته بي، فإنّها من أعظم المصائب» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفّر الله بها عنه حتى الشّوكة يشاكها» [ (٢) ] . روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من أصيب بمصيبة في ماله أو جسده وكتمها ولم يشكها إلى الناس كان حقّا على الله أن يغفر له» [ (٣) ] . وروى ابن ماجة عن حسين بن علي- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته، فأحدث استرجاعا، وإن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثل يوم أصيب» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد عن رجل من أصحاب النبي- ﷺ أن رسول الله- ﷺ قال: «من أصيب في جسده بشيء فتركه لله كان كفّارة له» [ (٥) ] . وروى سعيد بن منصور وأبو نعيم في الحلية عن مسروق بن الأجدع أن رسول الله- ﷺ قال: «الأمراض والأحزان في الدنيا جزاء» . وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «المصيبة تبيّض وجه صاحبها يوم القيامة يوم تسودّ وجوه» [ (٦) ] . وروى مسلم وابن ماجة عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف الله له خيرا منها» [ (٧) ] . وروى الترمذي وابن حبان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحطّ عنه بها خطيئة» .

стр. 5374

الباب الحادي عشر في سيرته- ﷺ في علاج الكرب والهم والحزن روى الطبراني في الأوسط عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا أصاب أحدكم همّ أو لأواء فليقل: الله الله، ربي لا أشرك به شيئا» . وروى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا تغوّلت لكم الغيلان فنادوا بالأذان، فإنّ الشيطان إذا سمع النداء أدبر وله حصاص» [ (١) ] . وروى البيهقي في الشّعب بسند حسن عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا نزل بكم كرب أو جهد، أو بلاء، فقولوا: الله الله ربّنا لا شريك له» . وروى ابن مردويه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل» . وروى ابن السني في عمل اليوم والليلة عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا وقعت في ورطة فقل: بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإن الله تعالى يصرف بها ما شاء من أنواع البلاء» [ (٢) ] وروى العقيلي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «استكثروا من لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها تدفع تسعة وتسعين بابا من الضر، أدناها الهم» [ (٣) ] . وروى ابن أبي الدنيا في الفرج والحاكم عن سعد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إلا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من بلايا الدّنيا، دعا به يفرج عنه: دعاء ذي النّون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي والحاكم والبيهقي في الشعب، والضياء عن سعد أن رسول الله- ﷺ قال: «دعوة ذي النّون إذا دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء إلا استجاب الله له» .

стр. 5375

وروى الإمام أحمد والبخاري في الأدب وأبو داود وابن حبان عن أبي بكرة. إن رسول الله- ﷺ قال: «دعوات المكروب، اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين. وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت» . وروى أبو داود عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال رسول الله- ﷺ لأبي أمامة: ألا أعلمك كلمات إذا قلتهنّ أذهب الله تعالى همك وقضى عنك دينك قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من ضلع الدين وغلبة الرّجال» . قال: فقلت ذلك، فأذهب الله همّي، وقضى ديني. وروى أبو داود عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من لزم الاستغفار، جعل الله له من كلّ همّ فرجا. ومن كلّ ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب» [ (١) ] . وروى الطبراني عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل، فقال: يا محمد، قل: توكّلت على الحيّ الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتّخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليّ من الذّلّ وكبّره تكبيرا» [ (٢) ] . وروى ابن أبي الدنيا في الفرج عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «كلمات الفرج: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العليّ العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع وربّ العرش الكريم» [ (٣) ] . وروى ابن أبي الدنيا في الفرج من طريق الخليل بن مرّة بلاغا قال: كان رسول الله- ﷺ يقول: «إذا أصاب عبدا همّ وكرب يقول: حسبي الرّبّ من العباد، حسبي الخالق من المخلوقين حسبي الرّازق من المرتزقين، حسبي الّذي هو حسبي، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله الذي لا إله إلا هو عليه توكلت وهو ربّ العرش العظيم» . وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن جعفر عن علي قال: علمني رسول الله- ﷺ إذا نزل بي كرب أن أقول: «لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين» .

стр. 5376

وروى الحاكم عن ابن مسعود أن رسول الله- ﷺ كان إذا نزل به همّ أو غمّ، قال: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد والشيخان والبيهقي والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- كان رسول الله- ﷺ يدعو عند الكرب يقول: لا إله إلا الله العظيم الكريم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع وربّ العرش الكريم [ (٢) ] . وروى الطبراني في الكبير عن أسماء بنت عميس أن رسول الله- ﷺ قال: «من أصابه همّ أو غمّ أو سقم أو شدّة، فقال: الله ربي لا شريك له كشف عنه. وروى أبو نعيم في الطّبّ. عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «ما على أحدكم إذا ألحّ همّه أن يتقلد قوسه ويبقى به همّه» [ (٣) ] . وروي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أنه ﵊ كان إذا حزبه أمرٌ قال: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» . وروى الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله- ﷺ كان إذا أهمّه الأمر، ورفع رأسه إلى السماء، فقال: «سبحان الله العظيم» ، وإذا اجتهد في الدعاء قال: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث» [ (٤) ] . وروى أبو داود عن أبي بكرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: دعوة المكروب: اللهمّ رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت» [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما أصاب أحدا قطّ همّ ولا حزن، فقال: «اللهم، إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همّي وغمّي إلّا أذهب الله همّه وحزنه وأبدله مكانه فرجا» [ (٦) ] .

стр. 5377

تنبيهان: الأول: قال الطبري: معنى قول ابن عباس: «يدعو» إنما هو تهليل وتعظيم، إذ المراد تقديم ذلك كما عند ابن حميد «كان إذا حزبه أمرٌ قال» ... فذكر الذكر المأثور ثم دعا. وقد روى الأعمش عن إبراهيم، قال: كان يقال: إذا بدأ الرّجل بالثّناء قبل الدّعاء استجيب له، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء، أو معناه: أنه لما اشتغل بذكر الله تعالى أعطاه أفضل ما أعطى السائلين، لقوله- ﷺ عن ربه : من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، كما أجاب سفيان بن عيينة من سأله عن أكثر ما كان يدعو به- ﷺ [قال] : «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» . الثّاني في غريب ما سبق: الهمّ: الفكر فيما يتوقّع حصوله من أذى وحزن.

стр. 5378

الباب الثاني عشر في سيرته- ﷺ في علاج الصرع أخرجا في «الصحيحين» من حديث عطاء بن أبي رباح، قال: قال ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبيّ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، فقال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك» ، فقالت: أصبر. قالت: فإني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها [ (١) ] . قلت: - والقائل ابن القيم- الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة. والثاني: هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الأرواح، فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به، ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيّرة العلوية لتلك الأرواح الشّريرة الخبيثة، فتدافع آثارها، وتعارض أفعالها وتبطلها، وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه، فذكر بعض علاج الصرع، وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة. وأما الصرع الذي يكون من الأرواح، فلا ينفع فيه هذا العلاج. وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم، ومن يعتقد بالزندقة فضيلة، فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحسّ والوجود شاهد به، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط، هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها. وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع: المرض الإلهي، وقالوا: إنه من الأرواح، وأما جالينوس وغيره، فتأوّلوا عليهم هذه التسمية، وقالوا: إنما سموه بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس، فتضر بالجزء الإلهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ. وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها، وتأثيراتها، وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده. ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم. وعلاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه، وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتعوّذ

стр. 5379

الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان، فإن هذا نوع محاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحا في نفسه جيدا، وأن يكون الساعد قويا، فمتى تخلّف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل، فكيف إذا عدم الأمران جميعا: يكون القلب خرابا من التوحيد، والتوكل، والتقوى، والتوجه، ولا سلاح له. والثاني: من جهة المعالج، بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا، حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: «اخرج منه» . أو بقول: «بسم الله» ، أو بقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» ، والنبي- ﷺ كان يقول: «اخرج عدو الله أنا رسول الله» [ (١) ] . وشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه، ويقول: قال لك الشيخ: اخرجي، فإن هذا لا يحل لك، فيفيق المصروع، وربما خاطبها بنفسه، وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب، فيفيق المصروع ولا يحس بألم، وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارا. وكان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥] . وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع، فقالت الروح: نعم، ومد بها صوته. قال: فأخذت له عصا، وضربته بها في عروق عنقه حتى كلّت يداي من الضرب، ولم يشكّ الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب. ففي أثناء الضرب قالت: أنا أحبّه، فقلت لها: هو لا يحبك، قالت: أنا أريد أن أحجّ به، فقلت لها: هو لا يريد أن يحجّ معك، فقالت: أنا أدعه كرامة لك، قال: قلت: لا ولكن طاعة لله ولرسوله، قالت: فأنا أخرج منه، قال: فقعد المصروع يلتفت يميناً وشمالاً، وقال: ما جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ قالوا له: وهذا الضرب كلّه؟ فقال: وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب، ولم يشعر بأنه وقع به ضرب البتة. وكان يعالج بآية الكرسي، وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومن يعالجه بها، وبقراءة المعوّذتين. وبالجملة فهذا النوع من الصرع، وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة، وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر، والتعاويذ، والتحصّنات النبوية والإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه، وربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا.

стр. 5380

ولو كشف الغطاء، لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى هذه الأرواح الخبيثة، وهي في أسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت، ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها، وبها الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة، فهناك يتحقق أنه كان هو المصروع حقيقة، وبالله المستعان. وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل، وأن تكون الجنة والنار نصب عينيه وقبلة قلبه، ويستحضر أهل الدنيا، وحلول المثلات والآفات بهم، ووقوعها خلال ديارهم كمواقع القطر، وهم صرعى لا يفيقون، وما أشدّ داء هذا الصرع، ولكن لما عمّت البليّة به بحيث لا يرى إلا مصروعا، لم يصر مستغربا ولا مستنكرا، بل صار لكثرة المصروعين عين المستنكر المستغرب خلافه. فإذا أراد الله بعبد خيرا أفاق من هذه الصرعة، ونظر إلى أبناء الدنيا مصروعين حوله يمينا وشمالا على اختلاف طبقاتهم، فمنهم من أطبق به الجنون، ومنهم من يفيق أحيانا قليلة، ويعود إلى جنونه، ومنهم من يفيق مرة، ويجن أخرى، فإذا أفاق عمل عمل أهل الإفاقة والعقل، ثم يعاوده الصرع فيقع في التخبط. فصل وأما صرع الأخلاط، فهو علة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال والحركة والانتصاب منعا غير تام، وسببه خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سدة غير تامة، فيمتنع نفوذ الحس والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذا تاما من غير انقطاع بالكلية، وقد تكون لأسباب أخر كريح غليظ يحتبس في منافذ الروح، أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء، أو كيفية لاذعة، فينقبض الدماغ لدفع المؤذي، فيتبعه تشنّج في جميع الأعضاء، ولا يمكن أن يبقى الإنسان معه منتصبا، بل يسقط، ويظهر في فيه الزبد غالبا. وهذه العلة تعد من جملة الأمراض الحادة باعتبار وقت وجوده المؤلم خاصة، وقد تعد من جملة الأمراض المزمنة باعتبار طول مكثها، وعسر برئها، لا سيما إن تجاوز في السن خمسا وعشرين سنة، وهذه العلة في دماغه، وخاصة في جوهره، فإن صرع هؤلاء يكون لازما. قال أبقراط: إن الصرع يبقى في هؤلاء حتى يموتوا. إذا عرف هذا، فهذه المرأة التي جاء الحديث أنها كانت تصرع وتتكشف، يجوز أن يكون صرعها من هذا النوع، فوعدها النبي- ﷺ الجنة بصبرها على هذا المرض، ودعا لها

стр. 5381

أن لا تتكشف، وخيّرها بين الصبر والجنة، وبين الدعاء لها بالشفاء من غير ضمان، فاختارت الصبر والجنة. وفي ذلك دليل على جواز ترك المعالجة والتداوي، وأن علاج الأرواح بالدعوات والتوجه إلى الله يفعل ما لا يناله علاج الأطباء، وأن تأثيره وفعله، وتأثر الطبيعة عنه وانفعالها أعظم من تأثير الأدوية البدنية، وانفعال الطبيعة عنها، وقد جربنا هذا مرارا نحن وغيرنا، وعقلاء الأطباء معترفون بأن لفعل القوى النفسية، وانفعالاتها في شفاء الأمراض عجائب، وما على الصناعة الطبية أضرّ من زنادقة القوم، وسفلتهم، وجهالهم. والظاهر أن صرع هذه المرأة كان من هذا النوع، ويجوز أن يكون من جهة الأرواح، ويكون رسول الله- ﷺ قد خيّرها بين الصبر على ذلك مع الجنة، وبين الدعاء لها بالشفاء، فاختارت الصبر والستر، والله أعلم] . الباب الثالث عشر في سيرته- ﷺ في علاج الغيراء روى الطبراني في الكبير وابن السني في عمل اليوم والليلة بسند ضعيف عن ميمونة بنت أبي عسيب أن امرأة من جرش أتت النبي- ﷺ على بعير فنادت: يا عائشة أعينيني بدعوة من رسول الله- ﷺ تسكنني قالت: «ضعي يدك اليمنى على فؤادك فامسحيه، وقولي: بسم الله، اللهمّ، داوني بدوائك واشفني بشفائك، وأغثني بفضلك عمن سواك وأحدر عنّي أذاك» [ (١) ] .

стр. 5382

جماع أبواب سيرته- ﷺ في الطب الباب الأول في فوائد كالمقدمة للأبواب الآتية وفيه أنواع: الأوّل: في ابتدائه: روى البزّار في مسنده والطبراني في الكبير وابن السّنّيّ وأبو نعيم كلاهما في الطب النبوي من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما-: «أن نبيّ الله سليمان- ﵊ كان إذا قام يصلّي رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا، فيقول: لأيّ شيء أنت؟ فتقول: لكذا، فإن كانت لداء كنّت وإن كانت لغرس غرست» [ (١) ] . وروى الحاكم في المستدرك وصححه وابن مردويه من طريق سلمة بن كميل عن سعيد بن جبير عنه قال: «كان سليمان بن داود- عليهما الصلاة والسلام- إذا صلى الصلاة طلعت بين عينيه شجرة، فيقول لها: ما أنت؟ فتقول: أنا شجرة كذا وكذا، فيقول: لأيّ شيء طلعت؟ فتقول: طلعت لكذا وكذا، فيؤمر بها فتزرع» [ (٢) ] . وروى ابن مردويه من طريق علي بن بذيمة عن عكرمة عنه قال: «كان ينبت في مصلى سليمان بن داود- عليهما الصلاة والسلام- كلّ غداة شجرة، فيقول لها سليمان: ما أنت؟ فتقول: أنا كذا وكذا، فيقول لها: لأي شيء تصلحين؟ فتقول: لكذا وكذا فيعطيهما طباخه» . وروى أبو نعيم في الطبّ من طريق قتادة عن الحسن قال: «أن سليمان بن داود- عليهما الصلاة والسلام- لما فرغ من بناء بيت المقدس، وأراد الله قبضه، دخل المسجد فإذا أمامه في القبلة شجرة خضراء بين عينيه، فلما فرغ من صلاته تكلّمت الشّجرة فقالت: ألا تسألني، ما أنا؟ فقال سليمان: ما أنت؟ قالت: أنا شجرة كذا وكذا، دواء كذا وكذا من داء كذا

стр. 5383

وكذا، فأمر سليمان بقطعها، وكان كل يوم إذا دخل المسجد يرى شجرة قد نبتت، فوضع عند ذلك كتاب الطب الفيلسوفيون ووضعوا الأدوية وأسماء الأشجار التي نبتت في المسجد. روى البيهقي- بإسناد ضعيف- عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً قال: قال رسول الله- ﷺ : المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة، وإذا سقمت المعدة صدرت العروق بالسّقم. تنبيه: أخرج البيهقي من طريق أرطأة قال: اجتمع رجال من أهل الطّبّ عند ملك من الملوك، فسألهم ما رأس دواء المعدة؟ فقال كل رجل منهم قولا وفيهم رجل ساكت فلما فرغوا قال: ما تقول أنت؟ قال: ذكروا أشياء وكلها تنفع بعض النفع، ولكنّ ملاك ذلك ثلاثة أشياء: لا تأكل طعاما أبدا إلا وأنت تشتهيه، ولا تأكل لحما يطبخ لك حتّى يتم إنضاجه، ولا تبتلع لقمة حتى تمضغها مضغا شديدا لا يكون على المعدة فيها مؤونة. وروى البيهقي عن إبراهيم بن علي الذّهليّ قال: «أخرج من جميع الكلام أربعة آلاف كلمة، وأخرج منها أربعمائة كلمة، وأخرج منها أربعون كلمة، وأخرج منها أربع كلمات، أولهن لا تثقنّ بالنّساء و الثاني ة: لا تحمّل معدتك ما لا تطيق، والثالثة: لا يغرنّك المال، والرابعة: يكفيك من العلم ما ينتفع به. والأمور الطبيعية سبعة: إحداها: الأركان، وهي أربعة: النار وهي حارّة يابسة باردة. الثاني: المزاج، وأقسامه تسعة وهي منقسمة إلى: معتدل، وغير معتدل. فالمعتدل: واحد. وغير المعتدل: إما مفرد، وهو أربعة: حارّ، وبارد ورطب ويابس. وإما مركب وهو أربعة أيضا: حار يابس، وحار رطب، وبارد يابس، وبارد رطب. وأعدل أمزجه الحيوان مزاج الإنسان، وأعدله مزاج المؤمنين، وأعدله مزاج الأنبياء، وأعدله مزاج المرسلين، وأعدله مزاج أولي العزم، وأعدل أولي العزم مزاجا مزاج محمد- ﷺ وعليهم أجمعين وذلك أنّ من فوائد الأطباء أن أخلاق النّفس تابعة لمزاج البدن، فكلما كان أعدل كانت أخلاق النّفس أحسن. إذا علم ذلك فالحق- قد شهد لرسول الله- ﷺ بأنه على خلق عظيم، وقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: «كان خلق رسول الله- ﷺ القرآن» . فلزم من ذلك أن مزاجه- ﷺ أعدل الأمزجة، وإذا كان كذلك كان خلقه أحسن

стр. 5384

الأخلاق، والشّباب أعدل، والصّبيان أرطب، والكهل والشيخ أبرد، وأعدل الأعضاء مزاجا جلد أنملة السّبّابة، ثم جلد الأنامل. وأحرّ الأعضاء القلب ثم الكبد ثم اللّحم. قال وهب بن منبّه: ومن قدرته تعالى ولطفه جعل عقله في دماغه، وسرّه في كليته وغضبه في كبده وصرامته في قلبه وصحته في طحاله وحزنه وفرحه في وجهه، وجعل فيه ثلاثمائة وستين مفصلا، وأبردها العظم ثم العصب ثم النّخاع ثم الدّماغ، وأيبسها العظم، وأرطبها السّمين. وثالثها: الأخلاط الأربعة، فإذا تساوت في الشخص اعتدل خلقه، فإذا غلب أحدهم سمي الشخص باسم ما يغلب عليه منها، فيقال لصاحب الدم- وهو أفضلها- وهو رطب حارّ دموي. وفائدته: تغذية البدن الطبيعي ومنه يتولّد عنه حمرة العينين والرّمد والجدري والدّماميل والأورام الرّخوة وأمراض أخر ثم البلغم، وهو رطب بارد. فائدته أن يستحيل دما إذا فقد البدن الغذاء وأن يرطب الأعضاء لئلا تجفّفها الحركة. والطبيعي منه: ما قارب الاستحالة إلى الدّمويّة. وغير الطبيعي منه: المالح، ويميل إلى حرارة، والحامض ويميل إلى البرد والمشيخ وهو خالص البرد ويتولد منه البرص، والفالج، والحمّى المطبقة، وأمراض أخر ثم الصّفراء وينصبّ جزء منها إلى الأمعاء، فينبه على خروج البخر. والطبيعيّ منها: أحمر خفيف. وغير الطّبيعيّ: فالمخي والكداني والزنجاري والاحتراقي وهو في الزّنجاري أقوى من الكداني، فلذلك ينذر بالموت، وتسمّى المرة الصفراء وينشأ عنه الصّداع واليرقان الأصفر، والأورام الصفيراء، وحمّى الغبّ، وأمراض أخر، ثم السّوداء وهي يابسة باردة، وهي تغلظ الدّم، وتغذي الطّحال والعظام، وينصبّ جزء منها إلى فم المعدة، فينبه على الجوع لحموضتها. والطبيعيّ منها: رديء الدّم. وغير الطبيعيّ: يحدث عن احتراق أي خلط كان، ويسمى المرة السوداء، وينشأ عنها الجذام والجرب والحكّة والفالج والسّكتة وحمّى الثّلث. ورابعها: الأعضاء الأصليّة، وهي تتولّد من المنيّ. وخامسها: الأرواح. وسادسها: القوى، وهي ثلاث: الطبيعية، والحيوانية، والنّفسانيّة.

стр. 5385

وسابعها: الأفعال، وهي الجذب والدّفع. وأحوال بدن الإنسان ثلاثة: الصّحّة، والمرض وحالة لا صحّة ولا مرض كالنّاقة، وهو الّذي برئ من مرضه ولم يرجع لحالته الأولى، والشّيخة. فالصّحّة هيئة بدنية تكون الأفعال معها سليمة، فالعافية أفضل ما أنعم الله على الإنسان بعد الإسلام، إذ لا يتمكّن الإنسان من حسن تصرّفه والقيام بطاعة ربّه إلا بوجودها، ولا مثل لها، فليشكرها العبد ولا يكفرها. وقد قال- ﷺ : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصّحّة والفراغ» [ (١) ] رواه البخاريّ. وقال- ﵊: «سلوا الله، العفو والعافية، فإنّه ما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من معافاة» [ (٢) ] رواه النّسائيّ. وعنه- ﷺ : «ما سئل الله شيئا أحب إليه من أن يسأل العافية» [ (٣) ] رواه الترمذي. وسأل أعرابي رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله، ما أسأل الله بعد الصّلوات؟ قال: «سل الله العافية» . وفي حكمة داود- ﵊: «العافية ملك خفيّ وغمّ ساعة هرم سنة» . وقيل: العافية تاج على رؤوس الأصحّاء، لا يبصرها إلا المرضى. وقيل: العافية نعمة مغفول عنها. وكان بعض السلف يقول: كم لله من نعمة تحت كل عرق ساكن، اللهم، ارزقنا العفو والعافية في الدّين والدنيا والآخرة. والمرض: حالة مضادّة للصّحّة يخرج بها الجسم عن المجرى الطبيعيّ، وكل مرض له ابتداء فيزيد، وانحطاط وانتهاء، و الأسباب ستّة: أحدها: الهواء، ويضطرّ إليه لتعديل الرّوح، فما دام صافيا لا يخالطه نتن وريح خبيثة، كان حافظا للصّحة، فإن تغيّر تغير حكمه، وكل فصل فإنه يورث الأمراض المناسبة له ويزيل المضادّة له، فالصّيف يثير الصّفراء، ويوجب أمراضها، ويبرئ الأمراض الباردة، والهواء البارد يشدّ البدن ويقوّيه، ويجيد الهضم، والحارّ بالضّدّ، وعند تغير الهواء يكون الوباء.

стр. 5386

والثاني: ما يؤكل ويشرب، فإن كان حارّا أثّر في البدن حرارة وبالضد. و الثالث: الحركة والسّكون البدنيان، فالحركة تؤثّر في البدن تسخينا، والسّكون بالضد. والرابع: الحركة والسّكون النّفسانيّان، كما في القبض والفرح والهمّ والغمّ والخجل، فإنّ هذه الأحوال تحصل بحركة الرّوح، إمّا إلى داخل البدن، وإمّا إلى خارجه. والخامس: النّوم واليقظة، فالنّوم يغوّر الروح إلى داخل البدن، فيبرد الظّاهر ولذلك يحتاج النائم إلى الدّثار، واليقظة بالضّدّ. والسّادس: الاستفراغ والاحتباس. فالمعتدل منهما نافع حافظ للصّحّة ولعق الإناء يعيق على الهضم ويفتّق المعدة. الثالث: في كيفيّة تولّد الأخلاط فالغذاء إذا ورد على المعدة استحال فيها إلى جوهر شبيه بماء الكشك الثّخين، ويسمى كيلوجا وينجذب الصافي منه إلى الكبد، فينطبخ فيه، ويحصل منه شيء كالرّغوة، وشيء كالرّسوب، وقد يكون معهما شيء محترق، إن أفرط الطّبخ، وشيء فجّ إن قصّر الطّبخ، فالرّغوة هي الصّفراء الطبيعية والرسوب السّوداء الطبيعية، والمحترق صفراء غير طبيعية، وكثيفة سوداء غير طبيعيّة. والفجّ هو: البلغم، والمتصفي من هذه الجملة نضجا هو الدّم، فإذا انفصل هذا الدّم عن الكبد تصفى أيضا عن ما فيه فضلته فينجذب إلى عرق نازل إلى الكليتين، ومعها جزء من الدّم بقدر غذاء الكليتين، فتغذوهما ويندفع بقيتها إلى المثانة والإحليل، وأمّا الدّم الحسن القوام فيندفع إلى العرق الأعظم الطّالع من حدبة الكبد، فيسلك في الأوردة المتشعبة منه ثم في جداول الأوردة ثم في سواقي الجداول ثم في رواضع السواقي ثم في العروق الليفية الشعرية ثم يرشح فوهاتها في الأعضاء بتقدير العزيز الحكيم. والغذاء جسم من شأنه أن يصير جزءا من بدن الإنسان. روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «ما نبت من سحت فالنّار أولى به» . والأعضاء: أجسام تتولّد من أوّل مزاج الأخلاط كما أن الأخلاط أجسام متوكّدة من أوّل مزاج الأركان والأعضاء مفردة: كاللّحم والعظم والعصب. ومركّبة: كالوجه واليدين. وأوّل الأعضاء المتشابهة الأجزاء: العظم، وقد خلق صلبا، لأنّه أساس البدن، ودعامة الحركة، ثم الغضروف وهو أصلب من سائر الأعضاء، ومنفعته: أن يحسن اتصال العظام

стр. 5387

بالأعضاء اللينة، ثم الأعصاب وهي أجزاء دماغية المنبت، أو نخاعيّة في الهواء والمنبت بيض لدنه ليّنة في الانعطاف، صلبة من الانفصال، خلقت ليتمّ بها للأعضاء الإحساس والحركة، ثم الأوتار وهي أجسام نبتت من أطراف العضل شبيهة بالعصب، ثم الرّباطات وهي أجسام شبيهة بالعصب، ثم الشّريانات وهي أجسام نابتة في القلب، ممتدّة مجوّفة طولا، عصبانية رباطيّة الجوهر، ثم الأوردة وهي شبيهة بالشّريانات، لكنّها نابتة من الكبد، ثم الأغشية وهي أجسام منتسجة من ليف عصباني غير محسوس، ثم اللّحم وهو حشو جلل، وعليه وضع هذه الأعضاء في البدن وقوتها، ثم من الأعضاء ما هو قريب المزاج من الدّم فلا يحتاج الدم في تغذيته إلى أن ينصرف في استحالات كثيرة، ومنها ما هو بعيد المزاج عنه، فيحتاج الدّم في أن يستحيل إليه إلى أن يستحيل أوّلا استحالات متدرجة إلى مشاكلة جوهره كالعظم. وقال- ﵊: «إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم ينفخ فيه الرّوح. قال في المنهج السّويّ: واتّفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر. وروي فيه عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما-: «أن خزيمة بن حكيم السلمي سأل رسول الله- ﷺ عن قرار ماء الرّجل وماء المرأة؟ وعن ما للرّجل من الولد وما للمرأة؟ وعن موضع النّفس من الجسد؟ وعن شراب المولود في بطن أمه؟ فقال رسول الله- ﷺ : «أما ما للرجل من الولد وما للمرأة، فإنّ للرّجل العظام والعروق والعصب، وللمرأة اللّحم والدّم والشّعر، وأما قرار ماء الرّجل فإنّه يخرج ماؤه من الإحليل، وهو عرق يجري [من ظهره حتّى يستقر قراره في البيضة اليسرى، وأما ماء المرأة فإنّ ماءها في الثّرائبيّة يتغلغل لا يزال يدنو حتّى تذوق عسيلتها، وأمّا موضع النّفس ففي القلب، والقلب معلّق بالنّياط والنّياط تسقي العروق، فإذا هلك القلب انقطع العرق، وأمّا شراب المولود في بطن أمه، فإنّه يكون نطفة أربعين ليلة ثم علقة أربعين ليلة ومشيجا أربعين ليلة ونجيشا أربعين ليلة ثم مضغة أربعين ليلة ثم العظم حبيكا أربعين ليلة ثم جنينا، فعند ذلك يستهل وينفخ فيه الرّوح وتجلب عليه عروق الرّحم] . قال الخطّابيّ: اعلم أن الطب على نوعين: الطب القياسي: وهو طبّ يونان الذي يستعمل في أكثر البلاد. وطبّ العرب والهند: وهو طبّ التّجارب، وأكثر ما وصفه النبي- ﷺ إنما هو على مذهب العرب، إلا ما خص به من العلم النّبويّ من طريق الوحي، فإن ذلك يخرق كلّ ما تدركه

стр. 5388

الأطبّاء، وتعرفه الحكماء، وكلّ ما فعله أو قاله في أعلى درجات الصّواب، عصمه الله أن يقول إلا صدقا حقّا. وقال ابن القيم في الهدي: كان علاجه- ﷺ ثلاثة أنواع: أحدها: بالأدوية الطّبيعية. والثاني: بالأدوية الإلهيّة. والثالث: بالمركب من الأمرين، ثم قال: كان من هديه- ﷺ فعل التّداوي في نفسه، والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه، ولكن لم يكن من هديه- ﷺ ولا هدي أصحابه- رضي الله تعالى عنهم- فعل هذه الأدوية المركّبة، التي تسمّى أقرباذين، بل كان غالب أدويتهم بالمفردات، وربّما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه أو يكسر سورته، وهذا غالب طبّ الأمم على اختلاف أجناسها من العرب والتّرك وأهل البوادي قاطبة، وإنما عنى بالمركّبات الرّوم واليونان، وقد اتّفق الأطبّاء على أنّه متى أمكن التّداوي بالغذاء لا يعدل إلى الدّواء ومتى أمكن بالبسيط لا يعدل إلى المركّب. قالوا: وكلّ داء قدر على دفعه بالأغذية والحمية، لم يحاول دفعه بالأدوية. قالوا: ولا ينبغي للطّبيب أن يولع بسقي الأدوية، فإنّ الدّواء إذا لم يجد في البدن داء حلله أو وجد داء لا يوافقه أو وجد ما يوافقه، فزادت كميّته عليه، أو كيفيّته، تشبث بالصّحّة، وعبث بها، وأرباب التّجارب من الأطبّاء طبّهم بالمفردات غالبا، وهم أحد فرق الطّبّ الثلاث، والتحقيق في ذلك أن الأدوية من جنس الأغذية، فالقوم الذين غالب أغذيتهم المفردات، أمراضهم قليلة جدّا، وطبّهم بالمفردات، وأهل المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركّبة يحتاجون إلى الأدوية المركبة، وسبب ذلك أن أمراضهم في الغالب مركبة، فالأدوية المركبة أنفع لها، وأمراض أهل البوادي والصّحاري مفردة، فيكفي في مداواتها الأدوية المفردة، فهذا برهان بحسب الصّناعة الطّبّيّة. ونحن نقول: إن ها هنا أمرا آخر، نسبة طب الأطبّاء إليه كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبّهم، وقد اعترف به حذّاقهم وأئمتهم فإن ما عندهم من العلم بالطّبّ إما قياس، وإما تجربة، وإما إلهامات ومنامات وحدس صائب، وإما مأخوذ من الحيوانات، كما نشاهد السّنانير إذا أكلت ذوات السّموم تعمد إلى السّراج فتلغ من الزّيت تتداوى به، وكما رؤيت الحيّات إذا خرجت من بطون الأرض وقد غشيت أبصارها تأتي إلى ورق الرازيانج، فتمرّ عيونها عليها، وأين يقع هذا وأمثاله من الوحي الذي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضرّه فنسبة ما عند الأطبّاء من الطّب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم-

стр. 5389

وقال [ (١) ] الحافظ أبو عبد الله الذّهبيّ في تلخيص المستدرك: تشريع النبي- ﷺ لأصحابه يدخل فيه كلّ الأمة إلا أن يخصّه دليل، وتطبيبه لأصحابه وأهل أرضه خاصّ بأرضهم وطباعهم إلّا أن يدلّ دليل على التّعميم. الرّابع: وقد نهى عن الجمع بين السمك واللبن والخس والسمك، والثوم والبصل، والقديد والطّري، والحامض والحرّيف، وسماق وخلّ وأرز والعنب والروس المغمومة والرّمان والهريسة وبين غذاءين باردين أو حارّين أو منفخين وينبغي أن يتجنب الخلّ والدّهن إذا باتا تحت إناء نحاس وكذلك الجبن والشّواء والطّعام الحارّ إذا كنّ في خبزه أو غيره، وكذلك يتجنب الطعام المنشوف، والماء المكشوف، فإنّ في السّنة ليلة ينزل فيها وباء من السّماء، لا يصادف إناء مكشوفا إلا وقع فيه من ذلك الوباء وقال- ﷺ : «غطّوا الإناء وأوكئوا الأسقية لئلّا يسقط فيه حيوان سمّيّ فيقتل آكله أو شاربه» . رواه مسلم. «ومن أكل البصل أربعين يوما فكلف وجهه فلا يلومنّ إلّا نفسه. ومن اقتصد فأكل مالحا فأصابه بهق أو جرب فلا يلومنّ إلا نفسه. ومن أكل البيض والسّمك معا ففلج فلا يلومنّ إلا نفسه. ومن شبع ودخل الحمّام ففلج فلا يلومنّ إلا نفسه. [ومن احتلم فلم يغتسل حتى جامع فولد له مجنون أو مختلّ فلا يلومنّ إلا نفسه] [ (٢) ] . ومن نظر في المرآة ليلا فأصابته لقوة فلا يلومنّ إلا نفسه. ومن أكل الأترجّ ليلا فانحول فلا يلومنّ إلا نفسه. وروى أنس وابن مسعود- رضي الله تعالى عنهما- عن النبي- ﷺ قال: «أصل كلّ داء البردة» [ (٣) ] وهي التّخمة، لأنّها تبرد حرارة الشّهوة، فينبغي الاقتصار على الموافق للشهوة بلا إكثار منه، فقد قال- ﵊: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن بها صلبه للكسب والعمل، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» [ (٤) ] رواه النّسائيّ والترمذي وقال حسن صحيح، والشّبع بدعة ظهرت بعد القرن الأوّل.

стр. 5390

قال- ﵊: «المؤمن يأكل في معيّ واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» . ونهى النبي- ﷺ عن الطعام الثخن. الخامس: في كثرة أمراضه إذا لم يطل مكثه في المصانع. روى أبو نعيم- في الطب- عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- «أن النبي- ﷺ مر على نهر من ماء السّماء في يوم صائف، والمشاة كثير، والناس صيام، فقال: «أيها الناس، اشربوا» . وقد نهى- ﵊ عن الماء المشمس، فقد روى أبو نعيم- في الطب- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «سخّنت للنبي- ﷺ ماء في الشمس، فقال: لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص» [ (١) ] . ومياه السباخ يتولّد منها الأمراض البلغميّة، وبلدانها وبيئة. روى أبو نعيم- في الطب- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما قدم النبي- ﷺ المدينة، قدمها وهي أوبأ أرض الله تعالى وكانت بطحاؤه تجري نجلا فوعك أبو بكر وبلال، فقال النبي- ﷺ : الّلهم، بارك لنا في صاعنا ومدّنا وصحّحها لنا وانقل حماها إلى الجحفة [ (٢) ] . والماء العذب في الاغتسال أنفع من المالح، لأنه ينقي البدن والملح يورث الجرب. روى أبو نعيم- في الطب- عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب جار أو غمر على باب أحدكم يغتسل منه كلّ يوم خمس مرات، ماذا يبقينّ عليه من درنه؟» [ (٣) ] ، وكثرة الاغتسال بالماء مما يتغير منه اللون ويسحب منه الجلد. وروى الحاكم وصححه عن صهيب: أن رسول الله- ﷺ قال: «ألا إنّ سيّد الأشربة في الدنيا والآخرة الماء، وأنفع الماء ما كان مصّا ويقطعه على ثلاثة مرّات» [ (٤) ] . وروى أبو نعيم- في الطب- عن شهر قال: «كان رسول الله- ﷺ يستاك عرضا، ويشرب مصّا ويقول: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ» .

стр. 5391

وروى فيه عن أنس قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا شرب تنفّس وقال: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ» [ (١) ] . وفيه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : تنفّسوا في الإناء فإنّه أهنأ وأمرأ وأبرأ» . وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن النبي- ﷺ كان يتنفّس في الإناء ثلاثا إذا شرب ويقول: «هو أمرأ وأروى وأبرأ» . وأجود الأواني للشّرب ما يظهر كل ما فيه من القذى وغيره وفيه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن النبي- ﷺ كان إذا شرب قطعه ثلاثة أنفاس، يسمي إذا بدأ ويحمد إذا قطع. ونبيذ الزّبيب يخصب البدن بسرعة وكان أحبّ الأشربة إليه- ﵊ الحلو البارد [ (٢) ] ، كما رواه أبو نعيم- في الطب- والترمذي والحاكم- وصححه- والبيهقي في شعب الإيمان. ورواه ابن السني، والبيهقي في الشعب- عن ابن عباس، والبيهقي عن الزهري: أنه- ﵊ سئل أيّ الشراب أطيب؟ فقال: الحلو البارد [ (٣) ] . وروى الثّعلبي في تفسيره عن أنس- مرفوعا-: «إذا شرب أحدكم الماء فليشرب أبرد ما يقدر عليه، لأنّه أطيب للمعدة وأنفع للعلة، وأبعث للشكر» . وروي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان- ﷺ يحب الحلواء والعسل وقد رواه عنها وقالت: إنّه يسرو عن فؤادي ويجلو لي عن بصري، وإذا شرب بعد الطّعام دفع مفسدة الأغذية. وعن عبد الله بن فيروز الديلميّ قال: قدمت على رسول الله- ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنّا أصحاب أعناب كرم، وقد نزل تحريم الخمر، فماذا نصنع بها؟ قال: تصنعونها زبيبا، قالوا: يا رسول الله، فنصنع بالزّبيب ماذا؟ قال: تنقعونه على غذائكم، وتشربونه على عشائكم، وتنقعونه على عشائكم وتشربونه على غذائكم» [ (٤) ] .

стр. 5392

وقال رسول الله- ﷺ : «ولا تؤخروه حتى يشتدّ، ولا تجعلوه في القلال ولا في الدبا، واجعلوه في الشنان فإنّه إن أخّر عن عصره صار خلّا» رواه أبو نعيم- في الطب-. ونبيذ التّمر رخيم غليظ ويولد دما جيدا، وقد نهى النبي- ﷺ أن يخلط الزّهو والتّمر، وعن خلط الزّبيب والتّمر، وقال: «انتبذوا كل واحد منهما على حدته في الأسقية التي يلاث على أفواهها، فإذا خشيتم أن يشتد عليكم فأكثروا يبسته بالماء» . رواه أبو نعيم- في الطب-. والزّبيب يعدّ غذاء صالحا، وأكله على الرّيق ينفع عللا كثيرا، وينبغي أن لا يكثر أكله على الرّيق إلا مقدار ما لا يتخمّر، وقد كان- ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل سبع تمرات أو سبع زبيبات، رواه أبو نعيم- في الطبّ-. فائدة: قال ابن عباس [ (١) ]- في قوله تعالى-: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها [إبراهيم ٢٥] هو شجر جوز الهند، يحمل في كل شهر لا يتعطّل من الثمر. والبلح الأخضر بارد يعقد البطن، فإذا أكل بالتمر كان أقلّ ضررا. والبسر الأحمر والأصفر معتدل، فيه شيء من الحرارة. ونبيذه يقال له الفضيخ والرّطب يلطخ المعدة. وروى أبو نعيم- في الطب- عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «كنت إذا أتيت النبي- ﷺ بالرّطب أكل المعذّق وترك المذنب، ويؤكل مع غيره، ليذهب ثلمته، فقد كان- ﵊ يأكله بالقثاء والبطيخ. وقال- ﵊ لعائشة- رضي الله تعالى عنها-: أنت أطيب من اللبإ بالتّمر. وقرّب إليه- ﵊ شيء من سمسم وشيء من تمر، حتّى إذا أكل وأراد أن يقوم دعا له، وأطعم سعد رسول الله- ﷺ تمرا بكسب وأتاه بقدح من لبن فشرب منه. وأجود أجناس التّمر: البرني فقد قال- ﵊: «خير تمراتكم البرنيّ» ، يذهب بالداء، ولا داء فيه. وأكله بالقثاء يخصب البدن، فقد قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: «لمّا تزوّجني رسول الله- ﷺ عالجتني أمّي بكلّ شيء فلم أسمن، فأطعمتني القثاء والرّطب فسمنت كأحسن السّمن. وأنفع تمر الحجاز العجوة. ولحم الكتف والذّراعين مثل لحمة الرّقبة في سرعة

стр. 5393

الانهضام والرّطوبة للفضلة واللزوجة، وكذا لحم المقدم أجود وأرطب من لحم العجز وما والاها، والعضد والذراع وغيره من الأطراف يسهل الطبيعة، وينفع من السّعال المتولّد من الحرارة. والأحمر من لحم الظّهر كثير الغذاء. وأطيب ما في الأرانب المتن والأركان، وأجود ما يؤكل من الأرنب مشويّا يبسان. ولحم الدّجاج يولّد دما جيّدا، ويزيد في المنيّ، وقد أكله- ﵊ كما رواه أبو نعيم- في الطب. ولحم الطّيور الجبليّة شديدة الإسخان تولّد دما سوداويّا، وقد أكل- ﵊ لحم حبارى، رواه أبو نعيم في الطب ولحم القبج مسكّن للبطن قويّ الإغذاء، وهو الحجل. وقد أهدي إليه- ﵊ حجل مشويّ فجبذه وصاغه، فقال: «اللهم، ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا، فدخل علي- رضي الله تعالى عنه-» [ (١) ] رواه أبو نعيم- في الطب-. ولحم العصافير حارّة تهيّج الباءة. وإذا أديم أكل لحم الضّبّ سخن البدن، ويتعالج بأكله للسّمنة. والجراد إذا أديم أكله هزل البدن، وأحمد ما أكل منه ما قلي وجفّف. تنبيهات الأوّل: الأمراض نوعان: أمراض مادّيّة: تكون عن زيادة مادة أفرطت في البدن حتّى أخّرت أفعاله الطبيعيّة، وهي الأمراض الأكثرية، وسببها: إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأوّل، والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن، وتناول الأغذية القليلة النّفع البطيئة الهضم، والإكثار من الأغذية المختلفة التّراكيب المتنوّعة، وإملاء الآدمي بطنه من هذه الأغذية، واعتياده ذلك، أورثته أمراضا متنوّعة، فإذا توسّط في الغذاء، وتناول منه قدر الحاجة، وكان معتدلا في كميته وكيفيّته، كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير. ومراتب الغذاء ثلاث:

стр. 5394

أحدها: مرتبة الحاجة. والثانية: مرتبة الكفاية. والثالثة: مرتبة الفضلة، فأخبر النبي- ﷺ أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه، فلا تسقط قوّته، ولا تضعف معها، فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطن، ويدع الثّلث الآخر للماء، والثّلث للنّفس، وهذا أنفع ما للبدن والقلب، فإنّ البطن إذا امتلأ من الطّعام، ضاق عن الشّراب، فإذا ورد عليه الشّراب، ضاق عن النّفس، وعرض عليه الكرب والتّعب بحمله، بمنزلة حامل الحمل الثّقيل، والشبع المفرط يضعف القوى والبدن، وإنما يقوى البدن بحسب ما يقل من الغذاء لا بحسب كثرته، ومن تأمّل هديه- ﷺ وجده أفضل هدي لحفظ الصحة، فإن حفظها موقوف على حسن تدبير المطعم والمشرب والملبس والمسكن والهواء والنّوم واليقظة والحركة والسّكون والمنكح والاستفراغ والاحتباس. الثاني: كان- ﵊ إذا عاف طعاما لم يأكله، ولم يكره نفسه عليه، وهذا أصل عظيم في حفظ الصحة، وكان يحبّ اللّحم، ويحبّ من الذّراع، لأنّه أخفّ على المعدة، وأسرع انهضاما، وكذلك لحم الرقبة والعضد، وكان يحب الطواء والعسل، وهذه الثلاثة من أفضل الأغذية وأنفعها للبدن، والكبد والأعضاء وللاغتذاء بها نفع عظيم في حفظ الصحة والقوّة، ولا ينفر منها إلا من به علّة أو آفة، وكان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمي عنها، وهذا أيضاً من أكبر أسباب حفظ الصحة، فإن الله- تعالى- بحكمته جعل في كل بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته، فيكون تناوله من أسباب صحّتهم وعافيتهم ويغني عن كثير من الأدوية إذا لم يسرف في تناولها ولم يفسد بها الغذاء قبل هضمه ولا أفسدها بشرب الماء عليها، وتناول الغذاء بعد التّخلّي منها فمن أكل منها ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي كانت له دواء نافعا، وقلّ من احتمى عن فاكهة بلده خشية السّقم إلا وهو أسقم النّاس وأبعدهم من الصّحّة والقوّة. ولم يأكل طعاما في وقت شدّة حرارته، ولا طبيخا بايتا يسخّن له بالغد، ولا جمع قطّ بين غذاءين، وكان يأكل متورّكا على ركبتين، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى، وهذه الهيئات أنفع هيئات الأكل وأفضلها، لأن الأعضاء كلّها تكون على وضعها الطبيعيّ وأردأ الجلسات للأكل الاتّكاء على الجنب فإنه يمنع مجرى الطّعام على هيئته، ويعوقه عن سرعة تعوّده إلى المعدة، ولذا قال- ﵊: «لا آكل متّكئا» رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، فإنه يمنع مجرى الطعام ويعوقه على سرعة نفوذه إلى المعدة وقد نهى عن الأكل منبطحا عن ابن عمر والحاكم عن علي.

стр. 5395

الثالث: قال ابن القيم: وأما هديه- ﵊ في الشّراب فمن أكمل هدي يحفظ به الصّحّة، فإنّ الماء إذا جمع وصفّي مع الحلاوة والبرودة كان من أنفع شيء للبدن، ومن أكبر أسباب الصّحّة، وللأرواح والقوى والكبد والقلب عشق شديد له واستمداد منه والماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ على البدن رطوبته الأصليّة، ويرد عليه بدل ما تحلّل منها، ويرقّق الغذاء وينفذه في العروق وإذا كان باردا أو خالطه ما يحليه كالعسل أو الزّبيب أو التّمر أو السّكّر كان من أنفع ما يدخل البدن ويحفظ عليه صحّته، والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضدّ هذه الأشياء، والبائت أنفع من الذي يشرب وقت استقائه، فإنّ الماء البائت بمنزلة العجين الخمير، والذي يشرب لوقته بمنزلة الفطير. وكان من هديه- ﵊ الشّرب قاعدا، لأنّ في الشّرب قائما آفات عديدة، [منها أنه لا يحصل به الرّيّ التّامّ، ولا يستقرّ في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء] [ (١) ] فينزل بسرعة واحدة إلى المعدة فيخشى منه أن يبرد حرارتها، ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، وكلّ هذا يضرّ بالشارب، وأمّا الشّرب منبطحا فالأطبّاء تكاد تحرّمه ويقولون لأنه يضرّ بالمعدة. وكان من هديه- ﷺ أنه يشرب في ثلاثة أنفاس، وفي هذا الشرب حكم جمّة وفوائد مهمّة، وقد نبّه- ﵊ على مجامعها لقوله إنّه أروى وأمرأ وأبرأ. وكان- ﵊ يشرب نقيع التّمر يلطف به كيموسات الأغذية الشديدة، وله نفع عظيم في زيادة القوّة وحفظه الصّحّة. وكان يشرب اللّبن خالصا تارة ومشوبا بالماء أخرى وله نفع عظيم في حفظ الصحة، وترطيب البدن، وريّ الكبد، ولا سيّما اللبن الذي يرعى دوابه والقيصوم والخزامى وما أشبهها فإن لبنها غذاء من الأغذية، وشراب مع الأشربة، ودواء مع الأدوية. وكان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطبّاء، فإنّ شربه ولعقه على الرّيق يذيب البلغم ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات ويسخنها، ويفتح سددها، ويفعل مثل ذلك بالكبد والكلى والمثانة وهو أنفع للمعدة من كلّ حلو دخلها وإنّما يضرّ بالعرض لصاحب الصفراء لحدّته ودفع مضرته بالخلّ، قوله «فإنّه أروى» : أشدّ ريا فأبلغه وأنفعه، وأبرأ: أفعل من البرء وهو الشّفاء أن يبرأ من شدّة العطش ودائه لتردّده على المعدة الملتهبة دفعات فتسكن الدّفعة الثّانية ما
следующие страницы →