وروى فيه عن أنس قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا شرب تنفّس وقال: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ»
[ (١) ] .
وفيه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : تنفّسوا في الإناء فإنّه أهنأ وأمرأ وأبرأ» .
وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن النبي- ﷺ كان يتنفّس في الإناء ثلاثا إذا شرب ويقول: «هو أمرأ وأروى وأبرأ» .
وأجود الأواني للشّرب ما يظهر كل ما فيه من القذى وغيره وفيه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن النبي- ﷺ كان إذا شرب قطعه ثلاثة أنفاس، يسمي إذا بدأ ويحمد إذا قطع.
ونبيذ الزّبيب يخصب البدن بسرعة وكان أحبّ الأشربة إليه- ﵊ الحلو البارد [ (٢) ] ، كما رواه أبو نعيم- في الطب- والترمذي والحاكم- وصححه- والبيهقي في شعب الإيمان.
ورواه ابن السني، والبيهقي في الشعب- عن ابن عباس، والبيهقي عن الزهري: أنه- ﵊ سئل أيّ الشراب أطيب؟ فقال: الحلو البارد
[ (٣) ] .
وروى الثّعلبي في تفسيره عن أنس- مرفوعا-: «إذا شرب أحدكم الماء فليشرب أبرد ما يقدر عليه، لأنّه أطيب للمعدة وأنفع للعلة، وأبعث للشكر» .
وروي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان- ﷺ يحب الحلواء والعسل وقد رواه عنها وقالت: إنّه يسرو عن فؤادي ويجلو لي عن بصري، وإذا شرب بعد الطّعام دفع مفسدة الأغذية.
وعن عبد الله بن فيروز الديلميّ قال: قدمت على رسول الله- ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنّا أصحاب أعناب كرم، وقد نزل تحريم الخمر، فماذا نصنع بها؟ قال: تصنعونها زبيبا، قالوا: يا رسول الله، فنصنع بالزّبيب ماذا؟ قال: تنقعونه على غذائكم، وتشربونه على عشائكم، وتنقعونه على عشائكم وتشربونه على غذائكم»
[ (٤) ] .
стр. 5392
وقال رسول الله- ﷺ : «ولا تؤخروه حتى يشتدّ، ولا تجعلوه في القلال ولا في الدبا، واجعلوه في الشنان فإنّه إن أخّر عن عصره صار خلّا» رواه أبو نعيم- في الطب-.
ونبيذ التّمر رخيم غليظ ويولد دما جيدا،
وقد نهى النبي- ﷺ أن يخلط الزّهو والتّمر، وعن خلط الزّبيب والتّمر، وقال: «انتبذوا كل واحد منهما على حدته في الأسقية التي يلاث على أفواهها، فإذا خشيتم أن يشتد عليكم فأكثروا يبسته بالماء» . رواه أبو نعيم- في الطب-.
والزّبيب يعدّ غذاء صالحا، وأكله على الرّيق ينفع عللا كثيرا، وينبغي أن لا يكثر أكله على الرّيق إلا مقدار ما لا يتخمّر، وقد كان- ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل سبع تمرات أو سبع زبيبات، رواه أبو نعيم- في الطبّ-.
فائدة:
قال ابن عباس [ (١) ]- في قوله تعالى-: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها [إبراهيم ٢٥] هو شجر جوز الهند، يحمل في كل شهر لا يتعطّل من الثمر.
والبلح الأخضر بارد يعقد البطن، فإذا أكل بالتمر كان أقلّ ضررا.
والبسر الأحمر والأصفر معتدل، فيه شيء من الحرارة. ونبيذه يقال له الفضيخ والرّطب يلطخ المعدة.
وروى أبو نعيم- في الطب- عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «كنت إذا أتيت النبي- ﷺ بالرّطب أكل المعذّق وترك المذنب، ويؤكل مع غيره، ليذهب ثلمته، فقد كان- ﵊ يأكله بالقثاء والبطيخ.
وقال- ﵊ لعائشة- رضي الله تعالى عنها-: أنت أطيب من اللبإ بالتّمر.
وقرّب إليه- ﵊ شيء من سمسم وشيء من تمر، حتّى إذا أكل وأراد أن يقوم دعا له، وأطعم سعد رسول الله- ﷺ تمرا بكسب وأتاه بقدح من لبن فشرب منه.
وأجود أجناس التّمر: البرني
فقد قال- ﵊: «خير تمراتكم البرنيّ» ،
يذهب بالداء، ولا داء فيه. وأكله بالقثاء يخصب البدن، فقد قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: «لمّا تزوّجني رسول الله- ﷺ عالجتني أمّي بكلّ شيء فلم أسمن، فأطعمتني القثاء والرّطب فسمنت كأحسن السّمن.
وأنفع تمر الحجاز العجوة. ولحم الكتف والذّراعين مثل لحمة الرّقبة في سرعة
стр. 5393
الانهضام والرّطوبة للفضلة واللزوجة، وكذا لحم المقدم أجود وأرطب من لحم العجز وما والاها، والعضد والذراع وغيره من الأطراف يسهل الطبيعة، وينفع من السّعال المتولّد من الحرارة.
والأحمر من لحم الظّهر كثير الغذاء.
وأطيب ما في الأرانب المتن والأركان، وأجود ما يؤكل من الأرنب مشويّا يبسان.
ولحم الدّجاج يولّد دما جيّدا، ويزيد في المنيّ، وقد أكله- ﵊ كما رواه أبو نعيم- في الطب.
ولحم الطّيور الجبليّة شديدة الإسخان تولّد دما سوداويّا، وقد أكل- ﵊ لحم حبارى، رواه أبو نعيم في الطب ولحم القبج مسكّن للبطن قويّ الإغذاء، وهو الحجل.
وقد أهدي إليه- ﵊ حجل مشويّ فجبذه وصاغه، فقال: «اللهم، ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا، فدخل علي- رضي الله تعالى عنه-» [ (١) ] رواه أبو نعيم- في الطب-.
ولحم العصافير حارّة تهيّج الباءة.
وإذا أديم أكل لحم الضّبّ سخن البدن، ويتعالج بأكله للسّمنة.
والجراد إذا أديم أكله هزل البدن، وأحمد ما أكل منه ما قلي وجفّف.
تنبيهات
الأوّل: الأمراض نوعان:
أمراض مادّيّة: تكون عن زيادة مادة أفرطت في البدن حتّى أخّرت أفعاله الطبيعيّة، وهي الأمراض الأكثرية، وسببها: إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأوّل، والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن، وتناول الأغذية القليلة النّفع البطيئة الهضم، والإكثار من الأغذية المختلفة التّراكيب المتنوّعة، وإملاء الآدمي بطنه من هذه الأغذية، واعتياده ذلك، أورثته أمراضا متنوّعة، فإذا توسّط في الغذاء، وتناول منه قدر الحاجة، وكان معتدلا في كميته وكيفيّته، كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير.
ومراتب الغذاء ثلاث:
стр. 5394
أحدها: مرتبة الحاجة.
والثانية: مرتبة الكفاية.
والثالثة: مرتبة الفضلة، فأخبر النبي- ﷺ أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه، فلا تسقط قوّته، ولا تضعف معها، فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطن، ويدع الثّلث الآخر للماء، والثّلث للنّفس، وهذا أنفع ما للبدن والقلب، فإنّ البطن إذا امتلأ من الطّعام، ضاق عن الشّراب، فإذا ورد عليه الشّراب، ضاق عن النّفس، وعرض عليه الكرب والتّعب بحمله، بمنزلة حامل الحمل الثّقيل، والشبع المفرط يضعف القوى والبدن، وإنما يقوى البدن بحسب ما يقل من الغذاء لا بحسب كثرته، ومن تأمّل هديه- ﷺ وجده أفضل هدي لحفظ الصحة، فإن حفظها موقوف على حسن تدبير المطعم والمشرب والملبس والمسكن والهواء والنّوم واليقظة والحركة والسّكون والمنكح والاستفراغ والاحتباس.
الثاني: كان- ﵊ إذا عاف طعاما لم يأكله، ولم يكره نفسه عليه، وهذا أصل عظيم في حفظ الصحة، وكان يحبّ اللّحم، ويحبّ من الذّراع، لأنّه أخفّ على المعدة، وأسرع انهضاما، وكذلك لحم الرقبة والعضد، وكان يحب الطواء والعسل، وهذه الثلاثة من أفضل الأغذية وأنفعها للبدن، والكبد والأعضاء وللاغتذاء بها نفع عظيم في حفظ الصحة والقوّة، ولا ينفر منها إلا من به علّة أو آفة، وكان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمي عنها، وهذا أيضاً من أكبر أسباب حفظ الصحة، فإن الله- تعالى- بحكمته جعل في كل بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته، فيكون تناوله من أسباب صحّتهم وعافيتهم ويغني عن كثير من الأدوية إذا لم يسرف في تناولها ولم يفسد بها الغذاء قبل هضمه ولا أفسدها بشرب الماء عليها، وتناول الغذاء بعد التّخلّي منها فمن أكل منها ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي كانت له دواء نافعا، وقلّ من احتمى عن فاكهة بلده خشية السّقم إلا وهو أسقم النّاس وأبعدهم من الصّحّة والقوّة.
ولم يأكل طعاما في وقت شدّة حرارته، ولا طبيخا بايتا يسخّن له بالغد، ولا جمع قطّ بين غذاءين، وكان يأكل متورّكا على ركبتين، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى، وهذه الهيئات أنفع هيئات الأكل وأفضلها، لأن الأعضاء كلّها تكون على وضعها الطبيعيّ وأردأ الجلسات للأكل الاتّكاء على الجنب فإنه يمنع مجرى الطّعام على هيئته، ويعوقه عن سرعة تعوّده إلى المعدة، ولذا
قال- ﵊: «لا آكل متّكئا» رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة،
فإنه يمنع مجرى الطعام ويعوقه على سرعة نفوذه إلى المعدة وقد نهى عن الأكل منبطحا عن ابن عمر والحاكم عن علي.
стр. 5395
الثالث: قال ابن القيم: وأما هديه- ﵊ في الشّراب فمن أكمل هدي يحفظ به الصّحّة، فإنّ الماء إذا جمع وصفّي مع الحلاوة والبرودة كان من أنفع شيء للبدن، ومن أكبر أسباب الصّحّة، وللأرواح والقوى والكبد والقلب عشق شديد له واستمداد منه والماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ على البدن رطوبته الأصليّة، ويرد عليه بدل ما تحلّل منها، ويرقّق الغذاء وينفذه في العروق وإذا كان باردا أو خالطه ما يحليه كالعسل أو الزّبيب أو التّمر أو السّكّر كان من أنفع ما يدخل البدن ويحفظ عليه صحّته، والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضدّ هذه الأشياء، والبائت أنفع من الذي يشرب وقت استقائه، فإنّ الماء البائت بمنزلة العجين الخمير، والذي يشرب لوقته بمنزلة الفطير.
وكان من هديه- ﵊ الشّرب قاعدا، لأنّ في الشّرب قائما آفات عديدة، [منها أنه لا يحصل به الرّيّ التّامّ، ولا يستقرّ في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء] [ (١) ] فينزل بسرعة واحدة إلى المعدة فيخشى منه أن يبرد حرارتها، ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، وكلّ هذا يضرّ بالشارب، وأمّا الشّرب منبطحا فالأطبّاء تكاد تحرّمه ويقولون لأنه يضرّ بالمعدة.
وكان من هديه- ﷺ أنه يشرب في ثلاثة أنفاس، وفي هذا الشرب حكم جمّة وفوائد مهمّة، وقد نبّه- ﵊ على مجامعها
لقوله إنّه أروى وأمرأ وأبرأ.
وكان- ﵊ يشرب نقيع التّمر يلطف به كيموسات الأغذية الشديدة، وله نفع عظيم في زيادة القوّة وحفظه الصّحّة.
وكان يشرب اللّبن خالصا تارة ومشوبا بالماء أخرى وله نفع عظيم في حفظ الصحة، وترطيب البدن، وريّ الكبد، ولا سيّما اللبن الذي يرعى دوابه والقيصوم والخزامى وما أشبهها فإن لبنها غذاء من الأغذية، وشراب مع الأشربة، ودواء مع الأدوية.
وكان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطبّاء، فإنّ شربه ولعقه على الرّيق يذيب البلغم ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات ويسخنها، ويفتح سددها، ويفعل مثل ذلك بالكبد والكلى والمثانة وهو أنفع للمعدة من كلّ حلو دخلها وإنّما يضرّ بالعرض لصاحب الصفراء لحدّته ودفع مضرته بالخلّ، قوله «فإنّه أروى» : أشدّ ريا فأبلغه وأنفعه، وأبرأ: أفعل من البرء وهو الشّفاء أن يبرأ من شدّة العطش ودائه لتردّده على المعدة الملتهبة دفعات فتسكن الدّفعة الثّانية ما
стр. 5396
عجزت الأولى عن تسكينه، والثّالثة ما عجزت عنه الثّانية، وأيضا، فإنّه أسلم لحرارة المعدة وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد، وهلة واحدة، فيطفئ الحرارة الغريزيّة، ويؤدّي إلى فساد مزاج المعدة والكبد، وإلى أمراض رديئة.
وقوله: «وأمرأ» : بميم بعد الهمزة، أي: ألذّ وأنفع، وقيل: أسرع انحدارا عن المريء لسهولته وخفّته عليه.
ومن آفات الشّرب دفعة واحدة أنّه يخاف منه الشّرق، لأنّ الشارب إذا شرب تصاعد البخار الدّخانيّ الحارّ الذي كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه، فإذا أدام الشّرب اتّفق نزول الماء وصعود البخار، فيتدافعان ويتعالجان ومن ذلك يحدث الشرق ولا يهنأ الشارب ولا يتم ريه وقد علم بالتجربة أن ورود الماء على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها، ولذا
قال- ﷺ : «أصل الكباد من العبّ» .
قال في المنهج السّويّ: الكباد بضم الكاف وتخفيف الباء. وجع الكبد.
الرابع: في كثرة أمراضه.
روى ابن السّنيّ وأبو نعيم عن هشام عن عروة عن أبيه قال: «قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، وفي لفظ: يا خالة، إني لأفكر في أمرك وأتعجّب، إني وجدتك عالمة بالطب، فمن أين؟ قالت: أن رسول الله- ﷺ لما طعن في السّنّ كثرت أسقامه، فوفدت إليه وفود العرب والعجم فتنعت له فكنّا نعالجه» [ (١) ] .
وروى ابن سعد عنها قالت: «كان رسول الله- ﷺ رجلا سقّاما، وكانت العرب تنعت له فيتداوى بما تنعت له العرب فيتداوى» .
وروى البيهقي وأبو داود عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله- ﷺ إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات» ومسح عنه بيده.
وروى مسلم عنها قالت: «كان رسول الله- ﷺ إذا اشتكى رقاه جبريل، بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شرّ حاسد إذا حسد، وشرّ كلّ عين» [ (٢) ] .
وروى الخطيب عن أنس قال: كان رسول الله- ﷺ إذا اشتكى تقمّح كفا من شونيز وشرب عليه ماء وعسلا [ (٣) ] .
وروى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- ﷺ إذا
стр. 5397
مرض أحد من أهل بيته نفث عليه بالمعوّذات
وروى الترمذي عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلّى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عادة عشيّة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشيّة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف فيه.
وروى أبو داود والحاكم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: من عاد مريضا لم يحضر أجله، فقال عنده سبع مرّات: أسأل الله العظيم ربّ العرش العظيم، أن يشفيك.
وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا دخلتم على المريض فوسّعوا له في الأجل، فإن ذلك لا يردّ شيئا وهو يطيّب نفس المريض» .
وروى الحاكم عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا عاد أحدكم مريضا فليقل: اللهم، اشف عبدك ينكأ لك عدوّا أو يمشي لك إلى الصلاة» .
وروى أبو يعلى عن عثمان- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ يعود مرضانا ويشهد جنائزنا.
وروى الحميدي برجال ثقات عن عبد الرحمن بن أزهر- رضي الله تعالى عنه- قال:
«جرح خالد بن الوليد في يوم حنين، فمر بي رسول الله- ﷺ وأنا غلام، وهو يقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد، فخرجت وأنا أسعى بين يدي رسول الله- ﷺ وأنا أقول:
من يدل على رحل خالد، حتى أتاه رسول الله- ﷺ وهو مستند إلى رحل، قد أصابته جراحة، فجلس رسول الله- ﷺ عنده، ودعا له أو نفث عليه [ (١) ] .
وروى البخاري في الأدب وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا عاد مريضا جلس عند رأسه ثم قال سبع مرات:
«أسأل الله العظيم، ربّ العرش العظيم أن يشفيك، فإن كان في أجله تأخير عوفي من وجعه
[ (٢) ] .
الخامس: في إرشاده- ﷺ إلي ما يفعله العائذ وما له من الفضل.
روى ابن حبان والطبراني في الكبير وابن السني في عمل يوم وليلة والحاكم عنه: أن رسول الله- ﷺ قال: «ضع يدك على المكان الذي تشتكي منه فامسح بها سبع مرّات،
стр. 5398
وقل: أعوذ بعزّة الله وقدرته من شرّ كلّ ما أجد في كل مسحة»
[ (١) ] .
وروى ابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله تعالى عنها- قالت: خرج في عنقي خرّاج فتخوّفت منه، فأتيت رسول الله- ﷺ فقال: «ضعي يدك عليه ثم قولي ثلاث مرّات: بسم الله، اللهم، أذهب عنّي شرّ ما أجد بدعوة نبيّك الطبيب المبارك، والمكين عندك، بسم الله» .
وروى الطبراني في الكبير وابن السّنّيّ في عمل يوم وليلة عن ميمونة بنت أبي عسيب- أن رسول الله- ﷺ قال: «ضعي يدك اليمنى على فؤادك فامسحيه وقولي: بسم الله، داوني بدوائك، واشفني بشفائك، واغنني بفضلك عمن سواك، وأحدر عني أذاك» .
وروى البيهقي في الشّعب عن واثلة: أنّ رجلا اشتكى إلى النبي- ﷺ وجعا في حلقه، فقال: «عليك بقراءة القرآن»
[ (٢) ] .
وروى أبو داود عن أبي الدرداء- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من اشتكى منكم شيئا، أو اشتكى أخ له، فليقل: ربّنا الله الذي في السماء [تقدّس اسمك أمرك في السّماء والأرض كما رحمتك في السّماء، فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت ربّ الطّيّبين] [ (٣) ] ، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ»
[ (٤) ] .
وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا دخلتم على المريض، فنفّسوا له في أجله، فإن ذلك لا يردّ شيئا، وهو يطيّب نفس المريض»
[ (٥) ] .
وروى الحاكم عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا عاد أحدكم مريضا، فليقل: اللهم، اشف عبدك ينكأ لك عدوّا، أو يمشي لك إلى الصلاة»
[ (٦) ] .
وروى الطبراني في الأوسط عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ
стр. 5399
قال: «عودوا المرضى ومروهم فليدعوا لكم، فإنّ دعوة المريض مستجابة وذنبه مغفور»
[ (١) ] .
وروى البغوي في مسند عثمان عنه أن رسول الله- ﷺ قال: «عودوا المريض، واتّبعوا الجنائز والعيادة غبّا أو ربعا، إلا أن يكون مغلوبا فلا يعاد، والتّعزية مرّة»
[ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عودوا المريض، واتّبعوا الجنازة تذكّركم الآخرة» .
وروى الطبراني في الكبير عن سلمى امرأة أبي رافع قالت: «كان رسول الله- ﷺ إذا مرض أحد من أهل بيته نفث عليه بالمعوّذات» .
وروى البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا دخل على مريض يعوده قال: «طهور إن شاء الله» .
وروى مسلم عن ثوبان- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنّة حتى يرجع»
[ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن السّنّيّ والطبراني في الكبير والحاكم عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا جاء الرّجل يعود مريضا فليقل:
اللهم، اشف عبدك فلانا، ينكأ لك عدوا، أو يمشي لك إلى الصّلاة» ..
وروى ابن ماجه عن رافع بن خديج- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «اكشف البأس، رب الناس، إله النّاس» .
وروى الخرائطيّ في مكارم الأخلاق عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «اكشف البأس رب الناس، لا يكشف الكرب غيرك»
[ (٤) ] .
وروى أبو داود والنّسائيّ عن ثابت أن رسول الله- ﷺ قال: «اكشف البأس رب الناس» .
وروى الترمذي عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألفا حتى يمسي، وإن عاده عشية إلا صلّى عليه سبعون ألفا حتى يصبح وكان له خريف في الجنة»
[ (٥) ] .
وروى أبو داود والحاكم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن
стр. 5400
رسول الله- ﷺ قال: «من عاد مريضا لم يحضر أجله، فليقل عنده سبع مرّات: أسأل الله العظيم ربّ العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض»
[ (١) ] .
وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «من عاد مريضا، أو زار أخا له في الله ناده مناد أن طبت وطاب ممشاك، وتبوّأت من الجنّة منزلا»
[ (٢) ] .
وروى البزار برجال الصحيح عن الأعمش قال: سمعت حيّان بن جد بن أبجر الأكبر يقول: «دع الدواء ما احتمل جسدك الدّاء» [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته فيسأله كيف هو، وتمام تحيّتكم بينكم المصافحة»
[ (٤) ] .
وروى ابن ماجه وابن السني في عمل يوم وليلة عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا دخلت على مريض فمره يدعو لك، فإنّ دعاءه كدعاء الملائكة» .
السّادس: في عيادته- ﷺ بعض المنافقين.
روى الإمام أحمد وأبو داود عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنهما- قال: «دخلت مع رسول الله- ﷺ على عبد الله بن أبيّ يعوده في مرضه الذي مات فيه، فلما دخل عليه رسول الله- ﷺ عرف فيه الموت، فقال له رسول الله- ﷺ : «قد كنت أنهاك عن حب يهود، فقال: فقد أبغضهم أسعد بن زرارة، فمات»
[ (٥) ] .
السابع: في عيادته- ﷺ بعض أهل الكتاب.
روى البخاري وأبو داود عن أنس- رضي الله تعالى عنه- «أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي- ﷺ فمرض، فعاده رسول الله- ﷺ فقعد عند رأسه فقال: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج رسول الله- ﷺ وهو يقول:
«الحمد لله الذي أنقذه من النار» .
وروى مسلم عن ثوبان- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عائد
стр. 5401
المريض في مخرفة الجنّة حتى يرجع» .
وروى الإمام أحمد والطبراني عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «عائد المريض يخوض في الرّحمة، فإذا جلس عنده غمرته الرّحمة.
ومن تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على وجهه، أو على يده، فيسأله كيف هو، وتمام تحيتكم بينكم المصافحة»
[ (١) ] .
وروى البيهقي في الشّعب عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا عاد رجلا على غير الإسلام جلس عنده، وقال: كيف أنت يا يهوديّ، كيف أنت يا نصراني،»
بدينه الّذي هو عليه [ (٢) ] . وصار كثير من الناس يعتمده.
تنبيه:
لم يكن- ﷺ يخصّ يوما من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتا من الأوقات فترك العيادة يوم السبت مخالفة للسّنّة ابتدعها يهوديّ طبيب لملك قد مرض، وألزمه بملازمته، فأراد يوم الجمعة أن يمضي لسبته فمنعه فخاف على استحلال سبته، ومن سفك دمه، فقال: إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت، فتركه الملك، ثم أشيع عليه ذلك.
لكن روى ابن أبي داود عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «أيّما رجل عاد مريضا فإنما يخوض في الرّحمة، فإذا قعد عند المريض غمرته الرحمة، فقيل له: هذا للصحيح، فما للمريض؟ قال: تحطّ عنه ذنوبه»
[ (٣) ] .
وروى ابن ماجه والبيهقي في الشعب، وقال: إسناده غير قويّ عن أنس أن النبي- ﷺ «كان لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث» .
الثّامن: في نهيه- ﷺ عن إكراه المريض على التّداوي، وعلى الطّعام وأمره بإطعامه ما اشتهاه
روى البزّار والحاكم والطبراني برجال ثقات غير الوليد بن عبد الرحمن بن عوف، فيحرر حاله عن عبد الرحمن بن عوف، والترمذي وقال: حسن غريب، وابن ماجة، والحاكم، والطبراني في الكبير، والبيهقي عن عقبة بن عامر، والشيرازي في الألقاب، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر عن جابر أن رسول الله- ﷺ قال: «لا تكرهوا مرضاكم على الطّعام، فإنّ الله يطعمهم ويسقيهم» . ورواه أبو نعيم في الطّبّ- عن ابن عمر وعقبة بن عامر.
стр. 5402
وروى ابن ماجه عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: [أن رسول الله- ﷺ عاد رجلا من الأنصار، فقال: أتشتهي شيئا؟ قال: نعم، خبزا، فقال رسول الله- ﷺ للقوم:
من كان عنده شيء من الخبز البرّ، فليأتني به، فجاء رجل بكسرة فأطعمه إياه] [ (١) ] ، ثم قال رسول الله- ﷺ : «إذا اشتهى مريض أحدكم شيئا فليطعمه إيّاه»
[ (٢) ] .
وروى أبو نعيم في الطبّ عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: عاد رسول الله- ﷺ مريضا فقال له: أتشتهي كعكا؟ قال: نعم، فطلبه له.
وروى فيه عن علي- رضي الله تعالى عنه- أنه دخل علي رسول الله- ﷺ وهو رمد، وبين يدي رسول الله- ﷺ تمر، فأكله، فقال: يا علي، أتشتهيه؟ قال: نعم، فرمى إليه بتمرة، ثم رمى إليه بأخرى، حتى رمى إليه تسعا، ثم قال: حسبك يا عليّ»
[ (٣) ] .
وفيه عن جعفر بن محمد- رضي الله تعالى عنه- قال: أهدي للنبي ﷺ صاع من تمر وعلي محموم فناوله تمرة ثم أخرى حتى ناوله سبعا ثم قال: «حسبك» .
وروى فيه عن محمد بن إسحاق أن رسول الله- ﷺ زار أخواله من الأنصار، ومعه علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- فقدّموا إليه صاعا من رطب، فأهوى عليّ ليأكل، فقال رسول الله- ﷺ : «لا تأكل فإنّك حديث عهد بحمّى» .
التّاسع: في عيادته- ﷺ بعض نساء أصحابه
روى أبو داود عن أم العلاء عمّة حزام بن حكيم الأنصاري- رضي الله تعالى عنهما- قالت: عادني رسول الله- ﷺ [وأنا مريضة فقال: أبشري، يا أم العلاء، فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النّار خبث الذّهب والفضّة]
[ (٤) ] .
العاشر: في عيادته- ﷺ من يشتكي عينيه.
روى الإمام أحمد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: دخلت مع رسول الله- ﷺ نعود زيد بن أرقم- رضي الله تعالى عنه- قال: أصابني رمد، فعادني رسول الله- ﷺ الحديث.
[وروى الإمام أحمد وأبو داود والبخاري في الأدب والحاكم وصححه عن زيد بن أرقم- رضي الله تعالى عنه- قال: أصابني رمد فعادني رسول الله- ﷺ الحديث] [ (٥) ] .
стр. 5403
الحادي عشر: في سؤاله- ﷺ عن المريض وعن حاله:
روي عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخل رسول الله- ﷺ على أبي سلمة، فقال: «كيف تجدك؟» قال: صالحا [قال:] أصلحك الله.
وروى الإمام أحمد والترمذي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: دخل رسول الله- ﷺ على رجل ليعوده وهو في الموت فسلّم عليه فقال: «كيف تجدك؟» قال:
بخير، يا رسول الله، أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله- ﷺ : «لا يجتمعان في قلب رجل عند هذا الموطن إلا أعطاه الله رجاءه وأمّنه مما يخاف»
[ (١) ] .
الثاني عشر: في تبشيره- ﷺ المريض:
روى الإمام أحمد والبيهقي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: عاد رسول الله- ﷺ : مريضا من وعك كان به وأنا معه فقال رسول الله- ﷺ أبشر إن الله يقول: [ناري أسلّطها على عبدي المؤمن في الدنيا لتكون حظّه من النار في الآخرة]
[ (٢) ] .
وروى الطبراني في الكبير والضياء عن أسد بن كرز أن رسول الله- ﷺ قال: «المريض تحاتّ خطاياه كما يحاتّ ورق الشّجر»
[ (٣) ] .
وروى الخليليّ في جزء حديثه عن جرير قال: قال رسول الله- ﷺ : «المرض سوط الله في الأرض يؤدّب به عباده»
[ (٤) ] .
وروى الإمام أحمد والحاكم والطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية عن شداد بن أوس أن رسول الله- ﷺ قال: قال الله تعالى: «إذا ابتليت عبدا من عبادي مؤمنا فحمدني وصبر على ما ابتليته فإنّه يقوم من مضجعه ذك كيوم ولدته أمه من الخطايا» ويقول الرّبّ للحفظة «إنّي أنا قيّدت عبدي هذا وابتليته فأجروا له ما كنتم تجرون له قبل ذلك من الأجر وهو صحيح»
[ (٥) ] .
وروى الحكيم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: قال الله تعالى: «إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده فاستقبله بصبر جميل
стр. 5404
استحييت يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر له ديوانا»
[ (١) ] .
وروى الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: قال الله تعالى: «إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عوّاده أطلقته من أسارى ثم أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه ثمّ يستأنف العمل»
[ (٢) ] .
وروى الحكيم الترمذي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : من مرض ليلة فصبر ورضي بها عن الله، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
стр. 5405
الباب الثاني في أمره- ﷺ بالتداوي وإخباره- ﷺ بأن الله تعالى خلق لكل داء دواء [إلا الهرم والموت] [ (١) ]
وروى أبو داود الطيالسيّ وابن حبان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- عن أسامة بن شريك والقضاعيّ عن أبي هريرة وأبو نعيم في الطّبّ عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إن الله لم ينزل داء، وفي لفظ: «في الأرض» إلا أنزل الله له شفاء، وفي لفظ: «إلا وقد أنزل له شفاء» إلا السّام والهرم، وفي لفظ: «أن الّذي أنزل الدّاء أنزل الدّواء» .
وروى الطبراني برجال الصّحيح عن أمّ الدرداء- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «إن الله خلق الدّاء والدّواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام» .
وروى أبو داود والطبراني في الكبير وابن السّنّيّ وأبو نعيم في الطب والبيهقي عن أبي الدرداء- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «إن الله تعالى أنزل الدّاء والدّواء وجعل لكل داء دواء فتداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام»
[ (٢) ] .
وروى مسلم عن جابر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الدّاء برأ بإذن الله تعالى»
[ (٣) ] .
وروى أبو داود والترمذيّ عن أسامة بن شريك- رضي الله تعالى عنه- قال: جاءت الأعراب من ها هنا ومن ها هنا يسألونه فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ قال: «نعم عباد الله تداووا، فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحدا» قالوا: يا رسول الله ما هو؟
قال: «الهرم» .
وروى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما أنزل الله تعالى من داء إلا [كتب] [ (٤) ] له دواء» .
وروى الإمام أحمد والطبراني ورجاله ثقات ومسدّد والحميديّ عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «ما أنزل الله- داء إلا وأنزل له دواء
стр. 5406
علمه من علمه وجهله من جهله» ورواه ابن ماجة بلفظ «ما أنزل الله داء إلّا أنزل ... » «ومن علمه» إلى آخره
[ (١) ] .
وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن رجل من الأنصار- رضي الله تعالى عنهم- قال: عاد رسول الله- ﷺ رجلا من جرح فقال رسول الله- ﷺ : «ادعوا له طبيب بني فلان» فدعوه فجاء فقالوا: يا رسول الله ويغني الدّواء شيئا فقال: «سبحان الله، وهل أنزل الله ﵎ من داء في الأرض ألا جعل له شفاء» .
وروى الطبراني بسند جيّد عن الحارث بن سعيد عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقي لها وأدوية نتداوى بها هل تردّ من قدر الله؟ قال: هي من قدر الله» .
وروى الإمام أحمد وابن أبي شيبة وأبو يعلى بسند حسن وابن السني وأبو نعيم في الطب عن أنس- رضي الله تعالى عنه- والضياء عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إن الله- حين خلق الداء خلق الدّواء فتداووا» .
وروى الحاكم عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء إلا الهرم فعليكم بألبان البقر، فإنها ترم من كلّ الشّجر [وهو شفاء من كل داء] »
[ (٢) ] .
[وروى الإمام أحمد عن طارق بن شهاب أن رسول الله- ﷺ قال: إن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء فعليكم بألبان البقر، فإنها ترم من كل الشجر]
[ (٣) ] .
وروى الحاكم عن [أبي سعيد] [ (٤) ]- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : أن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله إلا السّام وهو الموت» .
وروي عن أبي صالح ذكوان عن رجل من الأنصار قال: عاد رسول الله- ﷺ رجلا به قرح فقال: «ادعوا له طبيب بني فلان» قالوا: يا رسول الله، ويغني الدواء شيئا قال: «سبحان الله، وهل أنزل من داء إلا أنزل معه شفاء» .
وروى أبو نعيم في الطّبّ عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: إن رسول الله- ﷺ قال: «إنّ الّذي أنزل الداء أنزل له الدّواء، فجعل شفاء ما شاء فيما يشاء» .
стр. 5407
وروى الإمام أحمد والأربعة وابن حبان والحاكم عن أسامة بن شريك أن رسول الله- ﷺ قال: «يا عباد الله، تداووا فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد وهو الهرم» .
وروى الطبراني في الكبير بسند حسن وأبو نعيم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «الدّواء من القدر وقد ينفع بإذن الله» .
وروى ابن السنيّ عنه أن رسول الله- ﷺ قال: «الدواء من القدر، وهو ينفع من يشاء بما يشاء»
انتهى.
стр. 5408
الباب الثالث في نهيه- ﷺ عن التداوي بالخمر وغيرها مما يذكر
روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر- رضي الله تعالى عنه- أن طارق بن سويد الجعفيّ- رضي الله تعالى عنه- سأل رسول الله- ﷺ عن الخمر؟
فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنّما أصنعها للدّواء فقال رسول الله- ﷺ : «إنّها ليست بدواء ولكنّها داء»
[ (١) ] .
وروى أبو يعلى وابن حبان في صحيحه والطبراني عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: اشتكت ابنة لي فنبذت لها في تور، فرآه رسول الله- ﷺ وهو يغلي فقال: «ما هذا» ؟
فقلت: إن ابنة لي اشتكت فنبذت لها هذا فقال: «إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم في حرام»
[ (٢) ] .
وروى الترمذي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: نهى رسول الله- ﷺ عن كلّ دواء خبيث كالسّمّ ونحوه.
وروى أبو داود والإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم بلفظ: نهى عن الدّواء الخبيث يعني السّمّ.
وروى أبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن عثمان- رضي الله تعالى عنه- قال: «إن طبيبا سأل رسول الله- ﷺ عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه عن قتلها [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن طارق بن سويد- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، إن بأرضنا أعنابا نعتصرها فنشرب منها؟ فقال: «لا» فراجعته فقال: «لا» فقلت: إنّا نستشفي بها للمريض، فقال: «أن ذلك ليس بشفاء. ولكنّه داء»
[ (٤) ] .
وروى ابن عساكر عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من أكل الطّين حوسب على ما نقص من لونه» .
وروى الطبراني في الكبير عن سلمان وابن عديّ والبيهقي عن أبي هريرة- رضي الله
стр. 5409
تعالى عنه- والبيهقيّ وضعّفه وابن عساكر عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «من أكل الطّين» وفي لفظ: «من انهمك في أكل الطين فقد أعان على قتل نفسه» [ (١) ] .
وروى الطبراني في الكبير عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «أن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم» .
وروى الطبراني في الكبير عن أم الدرداء- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ «إن الله خلق الدّاء والدّواء فتداووا ولا تداووا بحرام» .
وروى الترمذي عن وائل بن حجر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: [ «إنّها ليست بدواء، ولكنّها داء» [ (٢) ] يعني: الخمر]
[ (٣) ] .
وروى أبو نعيم في الطّبّ عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «من تداوى بخمر لم يجعل الله له فيه شفاء» .
وروى أبو نعيم في الطّبّ عن علقمة بن وائل عن أبيه أن سويد بن طارق سأل رسول الله- ﷺ عن الخمر يجعل في الدّواء فقال: «إنّها داء وليست بالدّواء» .
وروى أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «من أصابه شيء من هذه الأدواء فلا يفزعنّ إلى شيء ممّا حرّم الله تعالى، فإن الله لم يجعل في شيء ممّا حرّم شفاء» .
وروى ابن السني وأبو نعيم فيه عن صالح بن خوات عن أبيه عن جده أن رسول الله- ﷺ نهى أن يؤكل ما حملت النملة بفيها وقوائمها.
وروى أبو نعيم في الطب عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ «اتّقوا بيتا يقال له الحمام» ، قالوا: يا رسول الله إنه يذهب بالدّرن وينفع المريض قال: «فمن دخله فليستتر» وفي لفظ: «بئس البيت الحمّام» قالوا: يا رسول الله، إنه يستشفي به المريض ويذهب عنه الوسخ قال: «فإن فعلتم فاستتروا» .
وفيه عن ثعلبة عن سهيل قال: «إنّ الحمّام جيّد للتّخمة» .
وفيه «نعم البيت الحمّام يذهب الوسخ ويذكّر النار» وما أحسن ما ذكر في ذلك:
стр. 5410
وما أشبه الحمّام بالموت لامرئ ... يذكّر لكن أين من يتذكّر
يجرّد من أهل ومال وملبس ... ويتبعه من كلّ ذلك مستّر
وروى ابن عدي في الكامل عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أنه- ﵊ نهى عن أذني القلب [ (١) ] .
وروى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن محمد- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ يكره من الشّاة سبعا: المرارة والمثانة والحياء والذّكر والأنثيين والغدّة والدّم»
[ (٢) ] .
وروى ابن السني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ يكره الكليتين لمكانهما من البول
[ (٣) ] .
وروى البيهقي عن صهيب قال: نهى رسول الله- ﷺ عن أكل الطعام الحارّ حتى يسكن
[ (٤) ] .
وروى مسلم والترمذي وابن ماجه والبيهقي في الشّعب من طريق قتادة عن أنس قال: نهى رسول الله- ﷺ عن الشّرب قائما قال: قلت: فالأكل؟ قال: ذاك أشرّ
قال البيهقيّ:
النّهي عن الشّرب قائما لما فيه من الدّاء فيما زعم أهل الطّبّ وخصوصا لمن كان في أسافله علّة يشكوها من برد.
وروى سعيد بن منصور في سننه عن إبراهيم النّخعيّ قال: إنّما كره البول تحت الميزاب وفي البالوعة، وفي الماء الرّاكد والشّرب قائما، لأنّه إذا حدث عنده داء اشتدّ.
وروى ابن السني والبيهقي في الشعب عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «مصّوا الماء مصّا ولا تعبّوه عبّا فإن الكباد من العب»
[ (٥) ] .
وروى البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله- ﷺ : «مصّوه مصّا، ولا تعبّوه عبّا»
[ (٦) ] .
وروى البيهقي عن معمر عن ابن أبي حسين أن النبي- ﷺ قال: «إذا شرب أحدكم فليمصّ مصّا، ولا يعبّ عبّا فإنّ الكباد من العبّ»
[ (٧) ] .
стр. 5411
وروى أبو داود والبيهقي في الشعب أنه- ﵊ نهى عن الشّرب من ثلمة القدح، وأن ينفخ في الشّراب
[ (١) ] .
وروى الحاكم وصححه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «لا يتنفس أحدكم في الإناء إذا كان يشرب منه ولكن يؤخّره ويتنفّس» .
وروى الشيخان عن أبي قتادة قال: نهى رسول الله- ﷺ أن يتنفّس في الإناء.
[وروى البيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: نهى رسول الله- ﷺ أن يتنفّس في الإناء] [ (٢) ] أو ينفخ فيه.
قال الحليميّ: وهذا لأنّ البخار الّذي يرتفع من المعدة أو ينزل من الرّأس قد يعلقان بالماء فيضرّان. انتهى.
стр. 5412
الباب الرابع في سيرته- ﷺ في التطبّب
وفيه أنواع:
الأول: في أمره بدعاء الطّبيب:
روى الإمام أحمد عن رجل من الأنصار- رضي الله تعالى عنه- قال: عاد رسول الله- ﷺ رجلا من جرح، فقال: «ادعوا له طبيب بني فلان، قال: فدعوه فجاء فقال:
يا رسول الله، أو يغني الدّواء شيئا؟ فقال: سبحان الله، وهل أنزل الله من داء في الأرض ألا جعل له شفاء» .
الثّاني: في تضمينه- ﷺ الطّبيب إذا جنى:
روى أبو نعيم في الطب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله- ﷺ : «من تطيّب ولم يكن بالطّبّ معروفا فأصاب نفسا فما دونها فهو ضامن» .
الثالث: في كراهيته أن يسمى طبيبا:
روى أبو نعيم في الطّب عن أبي رمثة قال: دخلت مع أبي على رسول الله- ﷺ فرأى أبي الّذي بظهره، فقال: دعني أعالج الذي بظهرك فإنّي طبيب فقال: أنت رفيق والله الطبيب
[ (١) ] .
الرّابع: في استعمال الفراسة والاستدلال في صناعة الطّبّ:
روى أبو نعيم في الطّبّ عن أبي سعيد وأبي أمامة أن رسول الله- ﷺ قال: اتّقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله .
وروى فيه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «أن لله عبادا يعرفون الناس بالتّوسّم» .
وروى فيه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: إذا رأيتم الرّجل اصفرّ من غير مرض ولا عبادة فذلك من غشّ الإسلام في قلبه
[ (٢) ] .
قال شيخ شيوخنا الحافظ السّيوطيّ في المنهج السّويّ: قاعدة: تشريع النبي- ﷺ
стр. 5413
لأصحابه يدخل فيه كلّ الأمّة إلا أن يخصّه دليل، وتطبيبه- ﷺ لأصحابه. وأهل أرضه خاصّ بطبائعهم، إلا أن يدل دليل على التعميم.
فائدة:
الأولى: طبّ النبي- ﷺ طب التجارب، وأكثر ما وضعه- ﷺ إنما هو على مذهب العرب إلا ما خصه الله تعالى به من العلم النّبويّ من طريق الوحي، فإن ذلك يخرق كلّ ما تدركه الأطباء، وتعرفه الحكماء، وكلّ ما فعله أو قاله في أعلى درجات الصّواب، عصمة الله تعالى فلا يقول إلا صدقا أو حقّا، وقال ابن القيم: كان علاجه- ﷺ للمريض ثلاثة أنواع:
أحدها: بالأدويّة الطّبيعيّة.
والثاني: بالأدويّة الإلهيّة.
والثالث: المركّب من الأمرين.
الثانية:
أخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمّد الصّادق عن أبيه عن جده أن رسول الله- ﷺ قال: [ «أن الله تعالى جعل لابن آدم الملوحة في العينين لأنّهما شحمتان، ولولا ذلك لذابتا، وجعل المرارة في الأذنين حجابا من الدّوابّ فإن دخلت الرأس دابّة والتمست الوصول إلى الدّماغ، فإذا ذاقت المرارة التمست الخروج، وجعل الحرارة في المنخرين يستنشق بهما الرّيح ولولا ذلك لأنتن الدّماغ، وجعل العذوبة في الشّفتين يجد بهما استطعام كل شيء، ويسمع النّاس بها حلاوة منطقه» [ (١) ] وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير وأبو الشيخ في العظمة.
الثّالثة:
روى ابن السّنيّ عن عبد الله بن بسر المازنيّ عن النبي- ﷺ قال] [ (٢) ] : «لا تنتفوا الشّعر الّذي في الأنف، فإنّه يورث الأكلة ولكن قصّوه قصّا» .
стр. 5414
الباب الخامس في سيرته- ﷺ في حفظ الصحة بالصوم والسفر ونفي الهموم وتعديل الغذاء والطيب وغير ذلك
وقد أشار الله تعالى إلى حفظ الصحة بقوله تعالى فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة ١٨٤] لأنّ السّفر مظنّة التّعب وهو من مغيّرات الصّحّة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفطر وكذا القول في المرض.
وروى ابن السني وأبو نعيم في الطّبّ عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «صوموا تصحّوا» .
وروى البخاري في الأدب والتّرمذيّ والحاكم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومنّ إلا نفسه» .
وروى الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «من بات وفي يده ريح غمر فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه
[ (١) ] .
[وروى أبو داود والترمذي وحسنه وابن السّنّيّ وأبو نعيم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومنّ إلا نفسه»
[ (٢) ]] [ (٣) ] .
وروى الترمذي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «أن الشيطان حسّاس لحّاس فاحذروه على أنفسكم، من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومنّ إلا نفسه» وفي رواية: «فأصابه لمم» وفي رواية: «فأصابه خبل» وفي بعضها «فأصابه وضح»
[ (٤) ] .
وروى الإمام أحمد ومسلم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «غطّوا الإناء وأوكوا السّقاء، فإن في السّنة ليلة ينزل فيها وباء لم يمرّ بإناء لم يغطّ ولا سقاء ليس عليه وكاء إلا وقع فيه من ذلك الوباء»
[ (٥) ] .
وروى أبو نعيم في الطّبّ عن بلال قال: قال رسول الله- ﷺ : «عليكم بقيام اللّيل،
стр. 5415
فإنه دأب الصّالحين قبلكم، وإنّ قيام اللّيل قربة إلى الله تعالى، وتكفير للسيئات ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد» .
وفيه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «سافروا تصحّوا وتسلموا» .
وفيه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من ساء خلقه عذّب نفسه، ومن كثر همّه سقم بدنه» .
عن المقدام بن معدي كرب- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه» .
وفيه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «استدفئوا من الحرّ والبرد» .
وروى الطبراني عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- عن النبي- ﷺ قال: «من شرب الماء على الرّيق نقصت قوّته» .
تنبيه في بيان غريب ما سبق:
«الصّحّة» بصاد مهملة ضد المرض، وهو مجرى الجسم عن المجرى الطبيعيّ.
[ريح غمر: الغمر الدّسم والزهومة من اللحم] .
стр. 5416
الباب السادس في سيرته- ﷺ في الحمية
وقد أشار الله تعالى إليها بقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء ٢٩] وقال تعالى:
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف ٣١] .
روى ابن ماجة عن أم المنذر بنت قيس الأنصارية- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخل علي رسول الله- ﷺ ومعه عليّ، وهو ناقه من مرض، ولنا دوالي معلقة فقام رسول الله- ﷺ يأكل منها وقام عليّ ليأكل منها فطفق رسول الله- ﷺ يقول لعليّ:
«إنك ناقه» حتى كفّ قالت: وصنعت شعيرا وسلعا فجئت به، فقال رسول الله- ﷺ لعليّ:
«من هذا اصبّ فإنّه أنفع لك»
[ (١) ] .
وروى ابن ماجه عن صهيب- رضي الله تعالى عنه- قال: قدمت على النبي- ﷺ وبين يديه خبز فقال: ادن وكل فأخذت وأكلت فقال: تأكل تمرا، وبك رمد فقلت: يا رسول الله، أمضغ من الناحية الأخرى فتبسم رسول الله- ﷺ ورواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
وروى الإمام أحمد والحاكم عن الحسن قال: قال رسول الله- ﷺ : «لا يجامعنّ أحدكم وبه حقن من خلاء، فإنّه يكون منه البواسير»
[ (٢) ] .
وروى مسلم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «غطّوا الإناء وأوكئوا السقاء، فإن في السّنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا ينزل عليه الوباء» .
وروى أبو داود في المراسيل بإسناد صحيح عن زياد السّهمي، مرفوعا قال: نهى رسول الله- ﷺ أن تسترضع الحمقى، فإنّ اللّبن «يشبه» وعند ابن أبي خيثمة «يعدي»
[ (٣) ] .
وروى القضاعي بسند حسن من حديث ابن عبّاس مرفوعا «الرّضاع يغيّر الطّباع» .
وروى ابن حبيب مرفوعا أنه- ﵊ نهى عن استرضاع الفاجرة.
وروى الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد مرفوعا بسند فيه محمد بن مخلد الرّعيني وهو ضعيف: «من شرب الماء على الرّيق انتقصت قوّته» [ (٤) ] .
стр. 5417
وروى الدارقطنيّ والشافعيّ عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «لا تغتسلوا بالماء المشمس، فإنه يورث البرص» ورواه الدارقطني من حديث عامر عن النبي- ﷺ وهو ضعيف.
وروى العقيلي نحوه عن أنس وعن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: إذا وقع الذّباب في إناء أحدكم فليغمسه كلّه ثم ليطرحه فإنّ في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء» .
وعن أبي داود- رضي الله تعالى عنه- فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كلّه وفي البخاري: «فإنه يقدم السّمّ ويؤخّر الشّفاء» .
وفي مسلم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «غطّوا الإناء وأوكئوا السّقاء فإنّ في السّنة ليلة فيها وباء لا يمرّ بإناء ليس عليه غطاء ولا سقاء ليس عليه وكاء إلا ينزل فيه من ذلك الوباء»
قيل: وذلك في آخر شهور السّنة الرّوميّة.
وروى أبو نعيم في الطب عن قتادة بن النعمان- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إن الله إذا أحبّ عبدا حماه الدّنيا كما يظلّ أحدكم يحمي سقيمه الماء»
[ (١) ] .
وفيه عن محمود بن لبيد مثله وفيه قال: «إن الله تعالى يحمي المؤمن نظرا له وشفقة عليه كما يحمي المريض أهله الطّعام» .
تنبيهات
الأول: الحمية قسمان: حمية عما يجلب المرض، وهي حمية الأصحّاء، وحمية عما يزيده وهي حمية المرض، فإذا حمي وقف مرضه عن التزايد وأخذت القوى في دفعه وأمثلتها قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى إلى قوله فَتَيَمَّمُوا [النساء ٤٣] فحمي المريض من استعمال الماء.
قال بعض فضلاء الأطباء: رأس الطب الحمية، وأنفع ما يكون الحمية للناقة من المرض لأن التخليط يوجب الانتكاس، والانتكاس أصعب من ابتداء المرض والفاكهة تضر بالناقة من المرض لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن دفعها لعدم القوة.
الثاني: إنما منع رسول الله- ﷺ عليا- رضي الله تعالى عنه- من الفاكهة لأنها نوع ثقيل على المعدة، ولم يمنعه من السّلق والشعير، لأنه من أنفع الأغذية للناقة، ففي ماء الشعير
стр. 5418
التغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة، فالحمية من أكبر الأدوية مثل الدّوالي يمنع زائده وانتشاره.
الثالث: وقال ابن القيم: ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا مما يحمى عنه العليل والناقة والصحيح إذا اشتدت الشهوة إليه، ومالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضرّه تناوله، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة والمعدة تتلقيانه بالقبول والمحبة فيصلحان ما يخشى من ضرره، وقد يكون أنفع من تناول ما تكرهه الطبيعة، وتدفعه من الدّاء، ولهذا أقرّ النبي- ﷺ صهيبا، وهو أرمد على تناول التمرات اليسيرة، وعلم أنها لا تضرّه فإنّ المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق وكان فيه ما كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه وإن كان نافعا في نفسه فإن صدقت شهوته ومحبة الطبيعة له تدفع ضرره وكذلك العكس.
الرابع: لم يكره مالك الماء المشمس مطلقا وصححه النووي في الروضة، وحكاه الروياني في البحر عن النص، ومذهب الشافعي كراهة استعماله في البلاد والأوقات الحارة، وفي الأواني المنطبعة على الأصح، دون الحجر والخشب ونحوهما، واستثنى النقدان لصفائهما، ولا يكره في الأحياض والبرك قطعا، والكراهة مخصوصة بالثوب لا البدن، ولوقت حرارته، لو برد فلا كراهة على ما صححه في الروضة، وصحح في الشرح بقاءها، وخصّه صاحب التهذيب بالإناء المنسد الرأس لحبس الحرارة به، وفي شرح المهذب: الكراهة شرعية يثاب تاركها، وفي شرح التنبيه: إذا اعتبرنا القصد فشرعية وإلا فإرشادية، وهي للتنزيه، فلا تمنع صحة الطهارة، وقال الطبري: إن خاف الأذى جزم، وقال ابن عبد السلام: لو لم يجد غيره وجب استعماله.
الخامس: قوله «كلّه» رفع توهم المجاز في البعض، ولم يعين في شيء من الروايات الجناح الذي فيه الشّفاء، لكن ذكر بعض العلماء إنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر فعلم أن الشفاء في الأيمن.
السادس: روى أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعا «الذّباب غالب عمره أربعون ليلة، والذباب كلّه في النار إلا النّحل» وسنده لا بأس به، قال الجاحظ: كونه في النار ليس تعذيبا له، بل ليعذب به أهل النار، [قال أفلاطون: الذباب أحرص الأشياء، حتى أنه يلقي نفسه في كل شيء، ولو كان فيه هلاكه] . ويتولد من العفونة [ولا جفن للذبابة لصغر حدقتها، والجفن يصقل الحدقة، فالذبابة تصقل بيديها فلا تزال تمسح عينيها] ومن عجيب أمره أن رجيعه يقع على الثّوب الأسود أبيض وبالعكس، وأكثر ما يظهر في أماكن العفونة، ومبدأ خلقه منها، ثم من
стр. 5419
التوالد وهو أكثر الطير سفادا [وربما بقي عامة اليوم على الأنثى] [ (١) ] ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الإمام الشافعي- رضي الله تعالى عنه- لأي علة خلق الذّباب؟ فقال: لمذلّة الملوك، وكانت ألحّت عليه ذبابة قال الشافعي- رحمه الله تعالى-: سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطت ذلك من الهيئة الحاصلة.
стр. 5420
الباب السابع في سيرته- ﷺ في تدبير المأكول والمشروب
وفيه أنواع:
الأول:
في إرشاده- ﷺ لما يفعل من الآداب.
روى أبو داود عن صفوان بن أمية- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «أدن الطعام في فيك فإنه أهنأ وأمرأ»
[ (١) ] .
الثاني:
فيما نهى عنه من ذلك.
قال الله تعالى كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف ٣١] .
وروى الإمام أحمد في المسند والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والنسائي وابن السني عن عبد الرحمن بن المرفع قال: قال رسول الله- ﷺ : «أن الله لم يخلق وعاء إذا ملئ شرّ من بطن، فإذا كان لا بدّ فاجعلوا ثلثا للطّعام، وثلثا للشّراب وثلثا للريح» .
وروى أبو داود وابن ماجة والحاكم عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ «نهى عن مائدة يشرب عليها خمر، وأن يأكل الرجل وهو مضطجع» .
وروى النسائي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «نهى رسول الله- ﷺ عن الشرب قائما، والأكل قائما» .
وروى البيهقي في الشعب عن عبد الواحد بن معاوية بن خديج مرسلا، أن رسول الله- ﷺ «نهى عن الطعام الحارّ حتى يبرد»
[ (٢) ] .
وروى في الشعب أيضا عن ابن شهاب مرسلا، أن رسول الله- ﷺ نهى عن العبّ نفسا واحدا، وقال: «ذلك شرب الشّيطان» .
وروى أبو داود والدّارقطني في العلل، عن أنس وابن السني وأبو نعيم في الطب، عن علي وعن أبي سعيد عن الزهري مرسلا أن رسول الله- ﷺ قال: «أصل كلّ داء البرودة» .
стр. 5421
الباب الثامن في سيرته- ﷺ في تدبير الحركة والسكون البدنيين
روى ابن السّنيّ وأبو نعيم عن بلال وابن السني، وأبو نعيم عن سلمان أنه ﵊ قال: «عليكم بقيام اللّيل، فإنه دأب الصّالحين قبلكم، وهو مطردة للدّاء عن الجسد» .
وروى الطبراني في الأوسط، وابن السني في اليوم والليلة وفي الطب، وأبو نعيم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة، ولا تناموا عليه فتقسوا قلوبكم» .
وروى ابن ماجه وابن السني وأبو نعيم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «دخل علي النبي- ﷺ المسجد وأنا نائم في المسجد فقال: يا شنبوذ اشكمت درد؟ قلت:
نعم قال: «قم فصلّ، فإنّ في الصلاة شغلا» .
تنبيه:
قال في المنهج السوي [والمنهل الروي في الطب النبوي] في المؤخر [ ... ] .
الباب التاسع في سيرته- ﷺ في تدبير الحركة والسكون النفسانيين .
[ ... ] .
الباب العاشر في سيرته- ﷺ في تدبير النوم واليقظة .
روى أبو يعلى بسند ضعيف من طريق عمران بن حصين، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «من نام بعد العصر فاختلس عقله، فلا يلومنّ إلّا نفسه» .
وروى أبو نعيم في الطب عن أنس- رضي الله تعالى عنه-: أن رسول الله- ﷺ نهى أن ينام الرجل بعضه في الظل وبعضه في الشّمس [قال: قال رسول الله- ﷺ : «قيّلوا فإن الشيطان لا يقيّل» ]
[ (١) ] .
وروي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله- ﷺ قال: «من نام وبه ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومنّ إلا نفسه» .
стр. 5422
الباب الحادي عشر في سيرته- ﷺ في تدبير النكاح .
روى أبو يعلى في مسنده، وعبد الرزاق في الجامع عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها، فإن سبقها فلا يعجلها» وفي لفظ:
«ثم إذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها»
[ (١) ] .
وروى ابن عدي عن طلق أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا جامع أحدكم امرأته فلا يتنحّى عنها حتى تقضي حاجتها، كما يحب أن يقضي حاجته»
[ (٢) ] .
وروى بقي بن مخلد وابن عدي بسند قال ابن الصلاح: جيد عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها فإنّ ذلك يورث العمى» .
وروى ابن عساكر عن قبيصة بن ذؤيب- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء، فإنّ منه يكون الخرس والفأفأة» .
الباب الثاني عشر في سيرته- ﷺ في تدبير فصول السنة .
[ ... ] .
الباب الثالث عشر في سيرته- ﷺ في تدبيره لأمر المسكن .
روى البخاري ومسلم عن أنس- رضي الله تعالى عنه-: أن رهطا من عكل أو عرينة قدموا فاجتووا المدينة، فأمر لهم رسول الله- ﷺ بلقاح وأمرهم أن يخرجوا ويشربوا من ألبانها وأبوالها [ (٣) ] .
стр. 5423
الباب الرابع عشر في أمره- ﷺ باختياره البلدان الصحيحة التربة وتوقي الوبيئة
روى محمد بن يحيى عن أبي عمرو بسند ضعيف لجهالة التابعي، وأبو نعيم في الطب وابن السني عن فروة بن مسيك قال: قلت: عن رجل من آل بحير بن ريسان عن رجل منهم أنه قال: يا رسول الله- أن أرضا من أرضنا يقال لها أبين وهي أرض ميراثنا وريفنا وهي وبية فقال رسول الله- ﷺ : «دعوها فإنّ من القرف التّلف»
[ (١) ] .
وروى عن عبد الله بن عمر، والصواب أنه من مراسيل عبد الله بن شداد، أن قوما جاءوا رسول الله- ﷺ فقالوا: يا رسول الله دخلنا هذه الدار ونحن ذو وفر فافتقرنا، وكثير عددنا فقلّ عددنا، وحسن ذات بيننا فساء ذات بيننا، فقال رسول الله- ﷺ : «دعوها وهي ذميمة» قالوا: كيف ندعها؟ قال: «بيعوها أو هبوها» .
وروى الطبراني في الكبير بسند لا بأس به عن سهل بن حارثة الأنصاري قال: اشتكى قوم إلى رسول الله- ﷺ أنهم سكنوا دارا وهم ذو عدد فقلّوا، فقال: «فهلا تركتموها وهي ذميمة»
[ (٢) ] .
وروى أبو نعيم في الطب عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنهما- أنه ذكر الطاعون عند رسول الله- ﷺ فقال: «رجس ورجز، عذّب به أمة من الأمم، وبقيت منه بقايا، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع وأنتم بها فلا تفروا منه» .
وفيه عن رباح قال: قال رسول الله- ﷺ : «أن مصر ستفتح بعدي فانتجعوا خيرها ولا تتخذوها دارا، فإنه يساق إليها أقل النّاس أعمارا» .
وروى فيه وابن السني عن فروة بن مسيك قال: قلت: يا رسول الله، أن عندنا أرضا يقال لها أبين، وهي أرض ريفنا وأرض بيوتنا وهي شديدة الوباء فقال: «دعها عنك فإنّ القرف تلف» .
وروى الشيخان والترمذي وابن السني وأبو نعيم عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «الطّاعون رجز أرسله الله على طائفة من بني إسرائيل، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه» .
стр. 5424
وروى الإمام أحمد وابن السني والطبراني في الصغير، وأبو نعيم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا طلع النّجم ارتفعت العاهة [عن كلّ بلد]
[ (١) ] » [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد عنه قال: قال رسول الله- ﷺ : «ما طلع النّجم صباحا قطّ بقوم عاهة إلا ارتفعت عنهم، أو خفّت»
[ (٣) ] .
تنبيهات
الأول: قال الخطابي: ليس في هذا إثبات العدوى، وإنما هو من باب التداوي فإن استصلاح الأهوية من أنفع الأشياء على تصحيح الأبدان وفساد الهواء من أضرها وأسرعها إلى أسقام الأبدان عند الأطبّاء.
الثاني: قال ابن القيم في الهدي: قد جمع النبي- ﷺ للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي بها الطاعون، وعن الخروج منها بعد وقوعه بها كمال التحرز، فإن في الدخول إلى الأرض التي هو بها تعرضا للبلاء، وموافاة له في محل سلطانه، وإعانة الإنسان على نفسه، وهذا مخالف للشّرع والعقل، بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشد الشّرع إليها، وهي حمية عن الأمكنة والأهوية المؤذية وأما نهيه- ﵊ عن الخروج من بلده ففيه معنيان:
أحدهما: حمل النفس على الثقة بالله تعالى، والتوكل عليه والصبر على المصيبة والرضى بها.
والثاني: ما قاله أئمة الطب: أنه يجب عند وقوع الطاعون السكون والدعة وتسكين هيجان الأخلاط، ولا يمكن الخروج عن أرض الوباء والسفر منها إلا بحركة شديدة، وهي مضرة جدا قال في المنهج السوي: هذا كلام أفضل الأطباء المتأخرين، وظهر المعنى الطبي من الحديث النبوي وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما، وفي المنع من الدخول إلى الأرض التي وقع بها عدّة حكم منها:
تجنب الأسباب المؤذية والبعد منها.
ومنها أن لا يستنشقوا الهواء الذي قد عفن وفسد فيمرضون.
стр. 5425
ومنها أن لا يجاور المرضى الذين قد مرضوا بذلك، فيحصل له بمجاورتهم من جنس أمراضهم.
الثالث: قال في المنهج السوي: وأما الثّريّا فالأمراض تكثر وقت طلوعها مع الفجر وسقوطها قال التميمي في كتاب «مادة البقاء» : أشد أوقات السنة فسادا وأعظمها بليّة على الأجساد وقتان:
أحدهما: وقت سقوط الثّريّا [للمغيب عند طلوع الفجر] [ (١) ] .
والثاني: وقت طلوعها من المشرق قبل طلوع الشمس على العالم، بمنزلة من منازل القمر، وهو وقت تصرّم فصل الربيع وانقضائه، غير أن الفساد الكائن عند طلوعها أقلّ ضررا من الفساد الكائن عند سقوطها.
وقال ابن قتيبة: يقال: ما طلعت الثريا، ولا نأت إلا بعاهة من الناس والإبل، وعند غروبها أهون من طلوعها، وفي الحديث قول ثالث وهو أولى الأقوال: أن المراد بالنجم الثريا، وبالعاهة الآفة التي تلحق الثمار والزرع في فصل الشتاء وصدر من فصل الربيع فيحصل في الوقت المذكور.
وقيل: المراد بالنجم طلوع النبات زمن الربيع ومنه وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [الرحمن ٦] فإن كمال طلوعهما وتمامه يكون في فصل الربيع، وهو الفصل الذي ترتفع فيه الآفات.
الرابع: في بيان غريب ما سبق.
القرف: بقاف فراء ففاء قال ابن قتيبة: القرف مداناة الوباء، ومداناة المرض.
стр. 5426
الباب الخامس عشر في سيرته- ﷺ في الجلوس في الشمس
روى أبو نعيم في الطب عن أبي بردة عن أبيه، أن النبي- ﷺ «نهى أن يجلس الرجل بين الظّلّ والشّمس» .
وروى أن مدرك بن عجرة ذكر أن رسول الله- ﷺ رأى رجلا نائما في الشمس فقال: «قم فإنها تغيّر اللّون، وتبلي الثّوب» .
وروى الحاكم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إيّاكم والجلوس في الشّمس، فإنّها تبلي الثوب، وتنتت الرّيح، وتظهر الدّاء الدّفين»
[ (١) ] .
وروى أبو داود عن قيس عن أبيه إنه جاء رسول الله- ﷺ يخطب، فقام في الشّمس، فأمر به فحوّل إلى الظّلّ.
وروى أبو داود عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا كان أحدكم في الشّمس وقلص عنه الظل وصار بعضه في الشّمس وبعضه في الظّلّ فليقم»
[ (٢) ] .
وروى ابن السني وأبو نعيم عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «لا ينام أحدكم بعضه في الظّلّ وبعضه في الشّمس» .
стр. 5427
الباب السادس عشر في إرشاده- ﷺ إلى دفع مضار الأغذية بالحركة والأشربة
روى أبو نعيم في الطب عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «أذيبوا طعامكم بذكر الله والصّلاة ولا تناموا عليه فتقسوا قلوبكم»
[ (١) ]
وفيه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: دخل رسول الله- ﷺ وأنا ألوي في بطني في المسجد فقال: اشكمت درد؟ قلت: نعم، قال: «قم فصلّ، فإن في الصلاة شفاء
[ (٢) ] .
وفيه عن قيس بن طلق عن أبيه قال: جلسنا عند نبي الله- ﷺ فجاء وفد عبد القيس فقال: «ما لكم قد اصفرّت ألوانكم، وعظمت بطونكم وظهر عروقكم» قالوا: أتاك سيدنا وسألك عن شراب كان لنا موافقا فنهيته عنه، وكنا بأرض ذميمة وبيئة وخمة قال: «فاشربوا ما طاب لكم» .
وفيه عن صحار أنه قال: يا رسول الله إني رجل مسقام فائذن لي أن انتبذ في جزيرة مثل هاتيه يعني: صغيرة، فأذن له فيه.
وعنه قال: قلت: يا رسول الله إنك نهيتنا عن ظروف كانت لنا فيما منعته فقال النبي- ﷺ : يا صحار أطب شرابك واسق جارك.
وفيه عن عبد الله بن الديلمي عن أبيه قال: أتينا رسول الله- ﷺ فقلنا: يا رسول الله إن لنا أعنابا فما نصنع بها؟ قال: زبّبوها قلنا: فما نصنع بالزبيب؟ قال: «انبذوه على غدائكم واشربوه على عشائكم وانبذوه على عشائكم واشربوه على غدائكم، وانبذوه في الشّنان، ولا تنبذوه في القلل، فإنه إذا تأخر عن عصره صار خلا
[ (٣) ] .
وفيه: عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان يتمشى بعد عشاء الآخرة.
стр. 5428
الباب السابع عشر في إرشاده- ﷺ إلى استعمال المعاجين والجوارش
روى أبو نعيم في الطب عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: أهدى ملك الرّوم إلى النبي- ﷺ جرّة زنجبيل فأطعم كلّ إنسان قطعة وأطعمني قطعة.
الباب الثامن عشر في إرشاده- ﷺ إلى تعهد العادات والامتناع عن الأطعمة التي لم تجر العادة بها
روى أبو نعيم في الطب عن معاوية بن أبي سفيان- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «الخير عادة والشّرّ لحاجة»
وفيه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «تعشّوا ولو بكفّ من حشف فإن ترك العشاء مهرمة» .
وفيه عن خالد بن الوليد دخل مع رسول الله- ﷺ بيت ميمونة بنت الحارث فأتى بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله- ﷺ فقال بعض النّسوة اللاتي في بيت رسول الله- ﷺ : أخبروا رسول الله- ﷺ بما يريد أن يأكل فقالوا: هو ضبّ فرفع يده فقال خالد بن الوليد: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: «لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه
قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله- ﷺ ينظر.
ورواه عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- وفيه: فقربت إليه ظبيا مطبوخا بتمر فقالت: أخبروا رسول الله- ﷺ بما يريد أن يأكل منه.
وفيه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- ما عاب رسول الله- ﷺ طعاما قطّ، كان إذا اشتهى طعاما ما أكل وإلّا ترك» .
стр. 5429
الباب التاسع عشر في سيرته- ﷺ في الصداع والشقيقة
روى الإمام أحمد عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان ربما أخذت الشّقيقة النبي- ﷺ فيمكث اليوم واليومين لا يخرج.
وروى البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: احتجم رسول الله- ﷺ وهو محرم في وسط رأسه من شقيقة كانت به.
وروى ابن ماجة عن بعض من [ ... ] أن رسول الله- ﷺ كان إذا صدع غلّف رأسه بالحنّاء ويقول: «إنّه نافع بإذن الله من الصّداع» .
وروى ابن السني أبو نعيم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ إذا نزل عليه الوحي تصدّع فيغلّف رأسه بالحناء.
وروى البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال في مرض موته: «وا رأساه» وأنّه عصب رأسه.
وروى أبو نعيم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: «احتجم رسول الله- ﷺ في رأسه من أذى كان به» وفي لفظ: «من شقيقة كانت به» .
وروى ابن السّنّي وأبو نعيم في الطّب وابن عساكر، عن قتادة مرسلا أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا ادّهن أحدكم فليبدأ بحاجبيه فإنّه يذهب بالصّداع» .
وروى الطبراني في الكبير، وأبو نعيم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «الحجامة في الرأس شفاء من سبع إذا ما نوى صاحبها، من الجنون والصّداع والجذام والبرص والنّعاس ووجع الضّرس وظلمة يجدها في عينيه» .
وروى ابن عساكر عن أبي الدرداء- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «المليلة والصّداع يولعان بالمؤمن وإنّ ذنبه مثل جبل أحد حتى لا تدع عليه من ذنبه مثقال حبة من خردل» .
وروى الشيخان عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ [ «احتجم في رأسه وهو محرم من وجع كان به» وفي لفظ البخاري: «من شقيقة كانت به بماء يقال له:
لحي جمل» [ (١) ] .
стр. 5430
وروى الشيخان عن عبد الله بن بحينة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ ] [ (١) ] احتجم بلحي جمل من طريق مكّة وهو محرم وسط رأسه.
وروى الطبراني في الكبير عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : [ «إنّ الحجامة في الرّأس دواء من كل داء الجنون والجذام والعشاء والبرص والصّداع [ (٢) ] .
وروى الحكيم الترمذي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ ] : [ (٣) ] «إذا ادّهن أحدكم فليبدأ بحاجبيه فإنّه يذهب بالصّداع وذلك أوّل ما ينبت على ابن آدم من الشّعر» .
ورواه أيضاً ابن السّنّي وأبو نعيم في الطب وابن عساكر عن قتادة بن دعامة مرسلا وسنده ضعيف، والدّيلمي عنه عن أنس بدون وذلك ... إلخ.
وروى أبو نعيم في الطّب عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء أعرابي إلى النبي- ﷺ فأعجبه صحّته وجلده فقال له رسول الله- ﷺ : «متى أحسست بالصّداع» قال: «وأيّ شيء الصّداع؟» قال: «ضرب يكون في الرأس قال: ما لي بذلك من عهد قال: فلما ولّى الأعرابي قال رسول الله- ﷺ : «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى الأعرابي» وفي لفظ: «فهل أخذك هذا الصّداع؟ قال: وما الصّداع؟ قال «عرق يضرب الإنسان في رأسه قال: ما وجدت هذا قطّ قال: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النّار فلينظر إلى هذا» [ (٤) ] .
وفيه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ إذا نزل عليه الوحي صدّع فيغلّف رأسه بالحنّاء.
وفيه عن سلمى قالت: ما شكا أحد إلى رسول الله- ﷺ وجعا في رأسه إلا أمره بالحجامة.
وفيه عن أنس أن النبي- ﷺ احتجم من وجع كان برأسه وهو محرم.
وفيه عن عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : من صدع رأسه في سبيل الله فاحتسبه غفر له ما كان قبل ذلك من ذنب» .