الباب التاسع والخمسون في علاجه- ﷺ الدبيلة
روى أبو نعيم في الطب عن عم عامر بن الطفيل أن عامر بن الطّفيل أهدى إلى رسول الله- ﷺ فرسا، وكتب إليه عامر أنه قد ظهرت به دبيلة، فابعث إليّ بدواء من عندك قال: فردّ رسول الله- ﷺ الفرس لأنه لم يكن أسلم، وأهدى إليه رسول الله- ﷺ عكّة من عسل وقال: «تداوى بهذا» .
وفيه عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أيضا قال: لما راح رسول الله- ﷺ من كراع الغميم ركبانا ومشاة، فصف المشاة للنبي- ﷺ سماطا، وقالوا: نتعرض لدعوة النبي- ﷺ نرجو بركتها فلما مرّ نبي الله- ﷺ قالوا: يا رسول الله ثقل علينا المشي واشتدّ السّفر فقال: «اللهمّ أعظم أجرهم وذخرهم» ، ثم قال: «لو استمتعتم بالنّسل لخفّت أجسادكم وقطعتم الأرض» ، فنسل المسلمون وخفّت أجسادهم وقطعوا الأرض.
الباب الستون في سيرته- ﷺ في غمز الظهر في السقطة والقدمين من الإعياء
روى أبو نعيم في الطب عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: دخلت على النبي- ﷺ وغليم أسود يغمز ظهره، فقلت: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «إن النّاقة اقتحمت بي البارحة» وفي لفظ: «وإنسان يغمز ظهره» فسأله عمر فقال النبي- ﷺ : «إن الناقة اتعبتني»
وفيه عن أبي زيد قال: أتيت النبي- ﷺ فقال: «ادن فامسح ظهري» ، فدنوت فمسحت ظهره، ووضعت خاتم النبوة بين أصبعي.
وفيه عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن قوما شكوا إلى النبي- ﷺ المشي فدعاهم [ ... ] .
شكا بعض من حصل له ذلك للشيخ أبي محمد المرجاني، فرأى النبي- ﷺ وهو يشير بهذا الدواء وهو أن يأخذ عسل نحل شونيز ودهن ألية والزّيت المرقّى ورقيق البيضة ويخلط ذلك كله ويمده على الموضع، ويدر عليه دقيق العدس بقشرة من الشجر مع الحرمل بعد ما يدق دقا ناعما حتى يعود مثل الدقيق ففعله فبرئ.
стр. 5497
الباب الحادي والستون في علاجه- ﷺ الإعياء من شدة المشي
روى أبو نعيم عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بالزّبيب فإنّه يكشف المرة، ويذهب بالبلغم ويشدّ العصب ويذهب بالعياء ويحسّن الخلق، ويطيّب النّفس، ويذهب بالهمّ» .
وروى ابن السني وأبو نعيم في الطب والخطيب في التلخيص والدّيلمي وابن عساكر عن سعيد بن زياد بن فائد بن زياد بن أبي هند الدّاري عن أبيه عن جده عن أبيه زياد عن أبي هند أن رسول الله- ﷺ قال: «نعم الطّعام الزّبيب يشدّ العصب ويذهب الوصب، ويطفئ الغضب، ويطيّب النّكهة، ويذهب البلغم ويصفّي اللّون»
[ (١) ] .
الباب الثاني والستون في علاجه- ﷺ الحائض والمستحاضة والنفساء
ذكر ابن الحاج في المدخل أن بعض الناس أصابه سلس الرّيح، فرأى الشيخ أبو محمد المرجاني النبي- ﷺ وهو يشير بهذا الدّواء وهو أن يأخذ الشونيز ثلاثة دراهم، ومن الخزامى درهمين ونصفا ومن الكمّون الأبيض ثلاثة دراهم ومثله من السّعتر الشّامي ومثله من الفلية ووزن درهم من البلوط، وهو ثمرة الفؤاد، وأوقية من الزيت المرقى، ويجعل فيه من العسل النحل ما يعتد به وهو ربع رطل، ويأخذ منه غدوة النهار وزن درهمين على الريق، وعند النوم درهم ونصف فاستعمله فبرأ، ثم أنه- ﷺ بعد ذلك قال في النوم لذلك الشخص الذي أخبره بهذا الدواء أنه يدفع الأدواء، وهي الريح وسلس الريح والمعدة وبرودتها ووجع الفؤاد وألم الحيض وألم النّفاس.
وروى الشيخان وابن السني وأبو نعيم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن امرأة سألت النبي- ﷺ عن طهرها من الحيض قال: «خذي فرصة من مسك فتطهري بها» قالت:
كيف أتطهر بها فاجتذبتها إليّ؟ فقلت: تتبعي بها أثر الدم
[ (٢) ] .
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «أطيب الطّيب المسك»
[ (٣) ] .
стр. 5498
وروى ابن السني عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما تستطيع إحداكنّ إذا طهرت من حيضتها أن تدهن بشيء من قسط، فإن لم تجد فشيء من ريحان وفي لفظ: من ريحان يعني: الآس، فإن لم تجد فشيء من نوى، فإن لم تجد فشيء من ملح.
وروى الشيخان وابن السّنّي وأبو نعيم عن أمّ عطيّة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «المرأة تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرا ولا تطيب إلا عند أدنى طهرها نبذة من قسط وأظفار» .
وفيه عن علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «أكرموا عمتكم النّخلة فإنّها خلقت من فضلة طينة آدم- ﵊ وليس من الشّجر شجرة أكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران، فأطعموا نسائكم الولد الرّطب فإن لم يكن رطب فتمرة.
وفيه عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «أطعموا نسائكم الرّطب فإنّه لو علم الله خيرا منه لأطعمه مريم» قالوا: يا رسول الله ليس في كل حين يكون الرّطب قال: «فتمر» قالوا: يا رسول الله فأي التمر؟ قال: «كلّ التّمر طيّب وخير تمركم البرنيّ يشبع الجائع ويدفئ بها المقرور» .
وفيه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «ما للنّفساء عندي شفاء مثل الرّطب ولا للمريض مثل العسل» .
الباب الثالث والستون في إطعامه- ﷺ المزورات للناقة وهو الذي برئ من مرضه ولم يصل لحالته الأولى
روى أبو نعيم في الطب عن أم المنذر قالت: دخل علي رسول الله- ﷺ ومعه علي- رضي الله تعالى عنه- وهو ناقه قالت: ولنا دوال معلّقة قالت: فقام رسول الله- ﷺ ليأكل وقام عليّ يأكل فقال النبي- ﷺ : «مهلا يا عليّ فإنّك ناقه» قالت: فجلس عليّ فأكل منها النبي- ﷺ ثم جعلت لهم سلقا وشعيرا فقال النبي- ﷺ : «من هذا أصب يا علي»
[ (١) ] .
وفيه عن صهيب- رضي الله تعالى عنه- قال: قدمت على رسول الله- ﷺ وبين يديه تمر وخبز فقال: «ادن فكل» ، فأخذت آكل من التّمر فقال: «أتأكل من التّمر وبك رمد؟»
стр. 5499
فقلت: يا رسول الله أمضغه من النّاحية الأخرى فتبسم رسول الله- ﷺ .
تنبيه:
«الناقة» - بنون فألف فقاف- الذي قام من ضعفه.
الباب الرابع والستون في تغذيته- ﷺ المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية
روى البخاري ومسلم من حديث عروة عن عائشة، أنها كانت إذا مات الميت من أهلها واجتمع لذلك النّساء ثم تفرّقن إلى أهلهن أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت وصنعت ثريدا ثم صبت التلبينة عليه، ثم قالت: كلوا منها
فإني سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «التلبينة مجمّة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن» .
وروى ابن ماجه وأحمد والحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله- ﷺ : «عليكم بالبغيض النّافع التلبين»
قالت: وكان رسول الله- ﷺ إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار حتى ينتهي أحد طرفيه يعني: يبرأ أو يموت.
الباب الخامس والستون في بعض فوائد تتعلق بالأبواب السابقة
قال الله تعالى وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء ٣٠] .
روى أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: يا نبيّ الله إذا رأيتك قرّت عيني وطابت نفسي فأخبرنا عن كل شيء قال: «كلّ شيء خلق من الماء» قال الله تعالى وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء ٣٠] فالماء يحفظ على اليدين رطوبته وهو أنفع الأشربة وأوفقها.
وفيه عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «خير الشّراب في الدنيا والآخرة الماء. وأنفع المياه أخفّه وزنا وأعذبه طعما»
[ (١) ] .
وروى أبو نعيم في الطب عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنه- ﷺ كان يستعذب له الماء العذب من السّقيا.
وفيه عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : وذكر العقيق قال «ما ألين موطنه وأعذب ماءه» .
стр. 5500
والماء البارد على الريق يبرد الكبد جيدا، وعلى الطعام يقوي المعدة وينهض الشّهوة.
وروى أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «أوّل ما يقال للعبد يوم القيامة: ألم أصحّ جسمك وأروك من الماء البارد، وأجود المواضع لتبريد الماء المبرّدات والأشجار، والمواضع العالية الهوائية، لأنها أسعد إلى تبريد الماء»
[ (١) ] .
وروى أبو نعيم في الطّب عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: فاتتني العشاء ذات ليلة فخرجت فذكر قصة أبي الهيثم بن التّيّهان وفيها جاء بقربة [ (٢) ] [يزعبها، فوضعها ثم جاء يلتزم النبي- ﷺ ويفديه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطا، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه، فقال النبي- ﷺ : «أفلا تنقيت لنا من رطبه» ؟ فقال: يا رسول الله إني أردت أن تختاروا، أو قال: تخيروا من رطبه وبسره فأكلوا وشربوا من ذلك الماء فقال رسول الله- ﷺ : «هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظل بارد، ورطب طيب وماء بارد» .
وأنفع المياه ما روق وسكن حتى يرسب ما خالطه.
وروى أبو نعيم في الطب عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ عاد رجلا من الأنصار وإلى جانبه ماء في ركي، فقال رسول الله- ﷺ :
«إن كان الليلة عندكم ماء بات في شن، وإلا كرعنا في هذا» فأتي بماء وصب عليه فشرب.
وأنفع المياه أخف المياه وألطفها إذا لم يطل.
فائدة في الأدوية الإلهيّة
أعلم أن الله تعالى لم ينزل دواء أعم ولا أنفع ولا أعظم في إزالة الداء من القرآن، فهو للدّاء شفاء قال الله تعالى وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ [الإسراء ٨٢] فالقرآن شفاء لكل داء، ولصدأ القلوب جلاء، وشفاء للأخلاق المذمومة لاشتماله على نقيضها من المفاسد والأخلاق الفاضلة والأعمال المحمودة، وإنما كان شفاء للأمراض الجثمانية، فلأن التبرك بقراءته ينفع كثيرا من الأمراض.
стр. 5501
روى ابن ماجة عن علي- رضي الله تعالى عنه- مرفوعا: «خير الدّواء القرآن ومن أنفع الأدوية الدّعاء وهو عدوّ البلاء» .
وروى الإمام مالك ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأبو داود الطيالسي عن عثمان بن أبي العاص قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا اشتكى أحدكم فليضع يده حيث يجد ألمه ثم ليقل: أعوذ بعزّة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر سبعا»
وروى الترمذي، وقال حسن غريب والحاكم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكي ثم قل: بسم الله أعوذ بعزّة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعي هذا، ثمّ ارفع يدك ثمّ أعد ذلك وترا»
[ (١) ] .
وروى الإمام أحمد والطبراني في الكبير والخرائطي في مكارم الأخلاق عن كعب بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا وجد أحدكم ألما فليضع يده حيث يجد ألمه، وليقل سبع مرّات: أعوذ بعزّة الله وقدرته من شر ما أجد» .
وروى ابن السني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا عسر على المرأة ولادتها فخذ إناء نظيفا فاكتب عليه كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها [النازعات ٤٦] ولَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يوسف ١١١] إلى آخر الآية ثم يغسل وتسقى المرأة منه وينضح على بطنها وفرجها
[ (٢) ] .
وروى الرافعي عن ذكوان بن نوح قال: اشتكى رجل إلى رسول الله- ﷺ وجع الضّرس فقال: «اسكني أيّها الرّيح أسكنتك بالذي سكن له ما في السموات وما في الأرض وهو السميع العليم»
[ (٣) ] .
وروى الترمذي وابن ماجه والطبراني في الكبير عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول الله- ﷺ يعلّمهم من الحمّى والأوجاع كلّها أن يقولوا: «بسم الله الكبير أعوذ بالله العظيم من شرّ كلّ عرق نعاد ومن شرّ حرّ النّار»
[ (٤) ] .
وروى ابن ماجه عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «خير الدّواء القرآن»
[ (٥) ] .
стр. 5502
وروى الدّيلمي وأبو نعيم عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «داووا مرضاكم بالصّدقة وحصّنوا أموالكم بالزّكاة فإنّها تدفع عنكم الأمراض والأعراض، وهي زيادة في أعماركم وحسناتكم» ورواه أبو الشيخ عن أبي أمامة: «واستقبلوا أمواج البلاء بالدّعاء» .
وروى أبو نعيم في الطب، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم دواء من سبعين داء أو تسعة وتسعين داء أيسرها الهمّ»
[ (١) ] .
وروى الدارمي في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان من مرسل عبد الملك بن عمير قال: قال رسول الله- ﷺ : «فاتحة الكتاب شفاء من كل داء»
[ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد في مسنده، والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن جابر أن رسول الله- ﷺ قال: «ألا أخبركم بخير سورة نزلت في القرآن؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: «فاتحة الكتاب» وأحسبه قال: «فيها شفاء من كل داء»
[ (٣) ] .
وروى الثّعلبي من طريق معاوية بن صالح عن أبي سليمان قال: مرّ أصحاب رسول الله- ﷺ في بعض غزواتهم على رجل قد صرع فقرأ بعضهم [في أذنه] [ (٤) ] بأم القرآن فبرأ فقال رسول الله- ﷺ : «هي أم القرآن وهي شفاء من كلّ داء.
وفي سنن سعيد بن منصور وفي شعب الإيمان للبيهقيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ مرفوعا «فاتحة الكتاب شفاء من السم» ورواه أبو الشيخ ابن حيان في الثواب عن حديث أبي سعيد وأبي هريرة.
تنبيه:
قال ابن القيم: [من ساعده التوفيق، وأعين بنور البصيرة حتى وقف على أسرار هذه السورة، وما اشتملت عليه من التوحيد، ومعرفة الذات والأسماء والصفات والأفعال، وإثبات الشرع والقدر والمعاد، وتجريد توحيد الربوبية والإلهية، وكمال التوكل والتفويض إلى من له الأمر كلّه، وله الحمد كله، وبيده الخير كلّه، وإليه يرجع الأمر كله، والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة الدارين، وعلم ارتباط معانيها بجلب مصالحهما، ودفع
стр. 5503
مفاسدهما، وأن العاقبة المطلقة التامة، والنعمة الكاملة منوطة بها، موقوفة على التحقق بها، أغنته عن كثير من الأدوية والرّقى، واستفتح بها من الخير أبوابه، ودفع بها من الشر أسبابه.
وهذا أمر يحتاج استحداث فطرة أخرى، وعقل آخر، وإيمان آخر، وتالله لا تجد مقالة فاسدة، ولا بدعة باطلة إلا وفاتحة الكتاب متضمّنة لردها وإبطالها بأقرب الطرق، وأصحّها وأوضحها، ولا تجد بابا من أبواب المعارف الإلهية، وأعمال القلوب وأدويتها من عللها وأسقامها إلا وفي فاتحة الكتاب مفتاحه، وموضع الدلالة عليه، ولا منزلاً من منازل السائرين إلى ربّ العالمين إلا وبدايته ونهايته فيها.
ولعمر الله إن شأنها لأعظم من ذلك، وهي فوق ذلك. وما تحقق عبد بها، واعتصم بها، وعقل عمن تكلم بها، وأنزلها شفاء تاما، وعصمة بالغة، ونورا مبينا، وفهمها وفهم لوازمها كما ينبغي ووقع في بدعة ولا شرك، ولا أصابه مرض من أمراض القلوب إلا لماما، غير مستقر.
هذا، وإنها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض، كما أنها المفتاح لكنوز الجنة، ولكن ليس كل واحد يحسن الفتح بهذا المفتاح، ولو أن طلّاب الكنوز وقفوا على سر هذه السورة، وتحقّقوا بمعانيها، وركبوا لهذا المفتاح أسنانا، وأحسنوا الفتح به، لوصلوا إلى تناول الكنوز من غير معاوق، ولا ممانع.
ولم نقل هذا مجازفة ولا استعارة، بل حقيقة، ولكن لله تعالى حكمة بالغة في إخفاء هذا السر عن نفوس أكثر العالمين، كما له حكمة بالغة في إخفاء كنوز الأرض عنهم. والكنوز المحجوبة قد استخدم عليها أرواح خبيثة شيطانية تحول بين الإنس وبينها، ولا تقهرها إلا أرواح علوية شريفة غالبة لها لحالها الإيماني، معها منه أسلحة لا تقوم لها الشياطين، وأكثر نفوس الناس ليست بهذه المثابة، فلا يقاوم تلك الأرواح ولا يقهرها، ولا ينال من سلبها شيئا، فإن من قتل قتيلا فله سلبه] .
стр. 5504
الباب السادس والستون في الكلام على بعض المفردات التي جاءت على لسانه- ﷺ -
روى الطيالسي بسند صحيح وابن أبي عمر وابن منيع وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن حبان عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بألبان البقر، فإنّها تأكل من كلّ الشجر» ورواه الحاكم «وهو شفاء من كل داء» .
وروى الحاكم عنه قال: قال رسول الله- ﷺ : «ما أنزل الله داء إلّا وقد أنزل الله له شفاء وفي ألبان البقر شفاء من كل داء»
[ (١) ] .
وروى الطبراني في الكبير عن مليكة بنت عمرو أن رسول الله- ﷺ قال: «ألبان البقر شفاء وسمنها دواء ولحومها داء»
[ (٢) ] .
وروى الطبراني في الكبير والخطيب عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «تداووا بألبان البقر فإني أرجو أن يجعل الله فيها شفاء فإنّها تأكل من كلّ الشّجر»
[ (٣) ] .
وروى ابن السني وأبو نعيم عن صهيب- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بأبوال الإبل البّرّيّة وألبانها» .
وروى ابن عساكر عن طارق بن شهاب- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بألبان الإبل والبقر، فإنّها ترم من الشّجر كلّه، وهو دواء من كل داء» .
وروى ابن السني وأبو نعيم والحاكم عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بألبان الإبل والبقر، فإنّها دواء سمنانها فإنها شفاء وإيّاكم ولحومها فإن لحومها داء» .
وروى ابن السني وأبو نعيم عن صهيب- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بألبان البقر فإنّها شفاء وسمنها دواء ولحمها داء» .
وهو بارد يابس، يقطع الدم من الجراحة ذرورا ونصفه يقطع رائحة الثوم والبصل، وإذا نفخ رماده في أنف الراعف قطع دمه.
стр. 5505
وروى البخاريّ ومسلم أنه لما كسرت رباعية النبي- ﷺ عمدت فاطمة إلى حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رمادا ألصقته على جرحه فاستمسك الدّم.
البطّيخ:
روى الدّيلمي والرافعي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «في البطّيخ عشر خصال، هو طعام وشراب وريحان وفاكهة وأشنان ويغسل البطن ويكثّر ماء الظّهر ويزيد في الجماع، ويقطع الأبردة وينقي البشرة» .
البنفسج:
قال- ﵊: «فضل البنفسج على سائر الأدهان كفضلي على سائر الخلق» وهو بارد في الصيف حارّ في الشتاء رواه أبو نعيم في الطب.
وروى الترمذي وأبو داود أنه- ﵊ كان يأكل البطّيخ بالرّطب ويقول:
يدفع حرّ هذا برد هذا، وبرد هذا حرّ هذا.
وروى ابن السّنّيّ وأبو نعيم عن صهيب- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «عليكم بأبوال الإبل البرّيّة وألبانها» .
تنبيه:
«التلبينة» بمثناة فوقية فلام فموحدة فمثناة تحتية وفسرتها أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- بلت القمح بالسّمن وقال النّضر بن شميل ما اتّخذ من النّخالة، وقيل: دقيق يحسّ وقال قوم: فيه شحم.
وروى محمد بن يحيى بن أبي عمر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «عليكم بالبغيض النّافع» قالوا: وما هو؟ قالت التلبينة قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: كان رسول الله- ﷺ إذا مرض المريض في بيته أتى بالبرمة فوضعت على النّار فلم ترفع عن النّار حتى يقضي على أحد طرفيه، إما أن يموت وإما أن يصح، وفي رواية له ولابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي وابن ماجه بلفظ: «عليكم بالبغيض النّافع» قالوا:
وما هو؟ قال «التلبينة، والذي نفسي بيده إنها لتغسل أحدكم وجهه بالماء من الوسخ» وفي لفظ: «ليغسل، بطن أحدكم كما يغسل الوسخ عن وجهه» .
وروى الحارث عن إسحاق بن أبي طلحة عن النبي- ﷺ أنه قال: «في التلبينة شفاء من كل داء» .
وروى الإمام أحمد والبيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «التلبينة مجمّة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن» .
التمر:
وروى ابن السني وأبو نعيم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «عليكم بالتمر فإن الله تعالى جعل فيه شفاء من كل داء» .
стр. 5506
الحبّة السّوداء:
وروى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- والطبراني في الكبير أن رسول الله- ﷺ قال: «الحبّة السّوداء شفاء من كل داء إلّا السّام» .
وروى الإمام أحمد والشيخان وابن ماجه عن أبي هريرة والبخاري عن عائشة والطبراني في الكبير والضياء عن أسامة بن شريك أن رسول الله- ﷺ قال: «في الحبّة السّوداء شفاء من كل داء إلّا السّام» .
وروى ابن ماجه عن ابن عمر والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن حبان عن أبي هريرة- والإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بالحبّة السّوداء فإنّ فيها شفاء من كل داء إلّا السّام والسّام الموت» .
وروى ابن السني وأبو نعيم [عن صهيب- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ «عليكم بأبوال الإبل البرّيّة وألبانها» .
وروى] [ (١) ] الديلمي عن أبي رافع- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «عليكم بسيّد الخضاب الحنّاء فإنّه يطيّب البشرة ويزيد في الجماع» .
الراء
الرمان:
وروى أبو نعيم في الطّب عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أنه سأل رسول الله- ﷺ عن الرّمّان فقال: يا أنس ما من رمانة إلا وفيها حبّة من حبّات رمّان الجنّة فسأله الثانية فقال يا بن مالك ما لقحت رمّانّة إلا بقطرة من ماء الجنة فسأله الثالثة فقال: نعم يا بن مالك ما أكل رجل من رمّانة إلّا ارتدّ قلبه إليه وهرب الشّيطان منه أربعين ليلة، ولولا استحياؤه من رسول الله- ﷺ لسأله الرابعة.
الزاي
الزبيب:
وروى أبو نعيم عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بالزّبيب فإنّه يكشف المرة ويذهب بالبلغم ويشدّ العصب ويذهب بالعياء ويحسّن الخلق ويطيّب النّفس ويذهب بالهمّ» .
السين
السنا:
روى ابن ماجة والحاكم في الكنى وابن مندة والطبراني في الكبير والحاكم وابن السني وأبو نعيم في الطب والبيهقي وابن عساكر عن أبي أبي ابن أم حرام أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بالسّنا والسّنوت فإنّ فيهما شفاء من كل داء إلّا السّام» قالوا:
يا رسول الله وما السّام؟ قال: «الموت» .
стр. 5507
السّنا [ (١) ] مقصور قال الفراء: ويمد أيضا، ويثنى سنوان وقال ابن زياد: هو من الأعلاف وورقته رقيقة وله سنة، إذا حرّكته الرّيح تخشخش السّنوت بسين مهملة فنون مضمومة فواو فمثناة فوقية، قال أبو نعيم في الطب: قال ابن أبي خيثمة: السنوت الشّبتّ وقال آخرون: هو العسل الذي يكون في زقاق السّمن وهو قول الشّاعر:
هم السّمن بالسّنّوت لا ألس فيهم ... وهم يمنعون جارهم أن يقرّدا
وقيل لعمر: وما معنى قوله «لا ألس فيهم» قال: «لا غش فيهم» .
قلت: فما معنى أن يقردا قال: لا يذلل.
وقيل: السنوت: الكمون.
وقيل: الرازيانج.
وقيل: التّمر.
السّفرجل:
روى أبو نعيم في الطب أنه- ﵊ قال: «كلوا السّفرجل فإنّه يذهب وغر الصّدر» .
الشين
الشّونيز:
روى ابن أبي شيبة عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «الشّونيز دواء من كل داء، إلا السام، قالوا: يا رسول الله، وما السّام؟ قال:
الموت»
[ (٢) ] .
وروى الطبراني برجال ثقات عن أسامة بن شريك- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «الحبة السّوداء شفاء من كل داء إلّا السّام»
[ (٣) ] .
وروى أبو يعلى عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «العجوة من فاكهة الجنّة والكمأة دواء العين، والشّونيز دواء من كل داء إلا الموت» .
وروى الإمام أحمد عنه مرفوعا: «اعلموا أن الكمأة دواء العين، وأنّ العجوة من فاكهة الجنّة، وأنّ هذه الحبّة السّوداء التي تكون في الملح دواء من كل داء إلّا الموت»
[ (٤) ] .
وروى أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال
стр. 5508
رسول الله- ﷺ : «الحبّة السّوداء فيها شفاء من كل داء إلّا الموت»
[ (١) ] .
وروى ابن السني في الطب وعبد الغني في الإيضاح عن بريدة أن رسول الله- ﷺ قال: «الشّونيز دواء من كل داء إلا السّام وهو الموت» .
وروى ابن ماجه عن ابن عمر والتّرمذي والطبراني في الكبير عن أبي هريرة والإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بهذه الحبّة السّوداء فإن فيها شفاء من كل داء إلا السّام وهو الموت»
[ (٢) ] .
«الشّبرم» بشين معجمة فموحدة فراء فميم: شجرة حارة محرقة.
«شيح» بشين معجمة مكسورة، فمثناة تحتية ساكنة، فحاء مهملة.
وروى أبو نعيم في الطب عن عبد الله بن جعفر القرشيّ أن رسول الله- ﷺ قال: «بخّروا بيوتكم باللبان والشّيح» .
ورق الشّيح طعمه مر ورائحته طيّبة ومنابته القيعان والرّياض يقال: شيح وشيحان للجمع» [ (٣) ] .
العين
العسل:
روى ابن ماجة وابن السني في الطب والحاكم وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه وأبو داود والخطيب عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «عليكم بالشّفاءين العسل والقرآن»
[ (٤) ] .
وروى أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من لعق العسل ثلاث غدوات كلّ شهر لم يصبه عظيم بلاء»
[ (٥) ]
وفيه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «ما طلب الدّواء بشيء أفضل من شربة عسل» .
العجوة:
وروى مسلم وأبو نعيم في الطب عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت:
قال رسول الله- ﷺ : «أن في عجوة العالية شفاء وإنها ترياق أول البكرة» .
وروى أبو نعيم في الطب عنها قالت: قال رسول الله- ﷺ : «في عجوة العالية وقال
стр. 5509
مرة العالية أو إنّها ترياق أول البكرة على الريق» وفي لفظ: «في عجوة العالية شفاء أو ترياق أول البكرة على ريق النّفس شفاء من كل سحر أو سمّ
[ (١) ] .
وروى الشيخان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بالعود الهنديّ، فإنّ فيه سبعة أشفية يسعط به من العذرة ويلدّ به من ذات الجنب» .
الهاء
الهليلج:
روى الحاكم وتعقّب والدّيلمي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بالهليلج الأسود فاشربوه فإنّه من شجر الجنّة طعمه مر وهو شفاء من كل داء»
[ (٢) ] .
في بيان غريب ما سبق:
شونيز:
بشين معجمة مضمومة فواو ساكنة فنون فمثناة تحتية فزاي، قال أبو نعيم في الطب: وهو شنيز فارسيّ الأصل.
روى عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- الشونيز دواء من كل داء إلّا الموت.
صعتر:
بصاد فعين مهملتين فمثناة فوقية فراء.
روى أبو نعيم في الطب عن أبان بن صالح عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «بخّروا بيوتكم بالشّيح والمرّ والصّعتر»
[ (٣) ] وفيه عن [أنس] [ (٤) ]- رضي الله تعالى عنه- قال: مر رسول الله- ﷺ بحائط من حيطاننا، وفيه شجرة نابتة فقالت:
«خذني يا رسول الله، فو الذي بعثك بالحق ما أنزل الله من داء إلّا وفي له شفاء» يعني الصّعتر.
صبر:
بصاد مهملة فموحدة فراء.
وروى أبو نعيم في الطب عن أبان بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفان يخبر عن رسول الله- ﷺ في المحرم يشتكي عينيه قال: يضمدهما بالصبر.
صمع:
بصاد فعين مهملتين بينهما ميم.
روى أبو نعيم في الطب عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن النبي- ﷺ كان يلبد بالصمغ والعسل.
стр. 5510
حنظل:
بحاء مهملة فنون فظاء معجمة مشالة فلام.
روى أبو نعيم في الطب عن أبي موسى- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ «مثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الرّيحان ريحها طيّب وطعمها مرّ ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها خبيث وريحها خبيث» .
حناء:
بحاء مهملة فنون فألف.
روى أبو نعيم في الطب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله- ﷺ : «سيد الرّياحين في الدنيا والآخرة الحنّاء» .
أرز:
بهمزة مفتوحة فراء ساكنة فزاي: قال أبو نعيم في الطب: واحد أرزة الراء ساكنة والإناث من الأرز الصنوبر ومنه يتخذ القطران.
وروي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «مثل المؤمن مثل الخامة من الزّرع لا تزال الرّيح تفيئه ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتزّ حتّى تستحصد» .
ثفاء
بثاء مثلثة، ففاء فألف فهمز: هو الحرف تسمية العامة حبّ الرّشاد.
وروى أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «عليكم بالثفاء فإن الله تعالى جعل فيه شفاء من كل داء» .
قسط
بقاف فسين فطاء مهملتين ويقال له: كست: بكاف فسين مهملة فمثناة فوقية.
روى أبو نعيم في الطب عن أنس- رضي الله تعالى عنه- عن النبي- ﷺ قال: «خير ما تداويتم به الحجامة والقسط البحريّ» .
مرّ:
بميم فراء.
وروى أبو نعيم في الطب عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «بخّروا بالشيح والمرّ والصّعتر» .
أهليلج:
بهمزة فهاء فلامين بينهما مثناة تحتية فجيم.
وروى أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «الأهليلج من شجر الجنّة» .
كمأة:
بكاف فميم فهمزة فهاء.
وروى أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «الكمأة من المنّ وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم» .
стр. 5511
قرع:
بقاف فراء فعين مهملة.
كتم:
بكاف فتاء فميم.
وروى أبو نعيم في الطب عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحنّاء والكتم»
[ (١) ] .
مرنجوش:
بميم فراء فنون فجيم فواو فشين معجمة.
الهندبا:
بهاء فنون فدال مهملة فموحدة فألف.
روى أبو نعيم في الطب عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «ما من ورقة من ورق الهندباء إلا عليها قطرة من ماء الجنة»
[ (٢) ] .
الزيت:
بزاي فمثناة تحتية فأخرى فوقية.
روى أبو نعيم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «كلوا الزّيت وادّهنوا به فإنّه شفاء من سبعين داء منها الجذام»
[ (٣) ] .
العدس:
بعين فدال فسين مهملة.
وروى أبو نعيم في الطب عن واثلة بن الأسقع- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «عليكم بالعدس فإنّه قدّس على لسان سبعين نبيّا»
[ (٤) ] .
العسل:
بعين فسين مهملتين فلام.
إثمد:
روى أبو داود الطيالسي والبيهقي عن ابن عباس وابن النجار عن أبي هريرة وعبد بن حميد وابن ماجة وابن منيع وأبو يعلى والعقيلي والضياء عن جابر وابن ماجة والحاكم عن ابن عمر وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بالإثمد» وفي لفظ: «عند النّوم فإنّه يجلو البصر وينبت الشّعر» .
وروى الطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن السني عن علي قال: قال رسول الله- ﷺ : «عليكم بالإثمد فإنّه منبتة للشّعر مذهبة للقذاء مصفاة للبصر»
[ (٥) ] .
وروي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «البلح بالتّمر
стр. 5512
كلوا الخلق بالجديد فإن الشّيطان إذا رآه غضب» وقال: «عاش ابن آدم حتى أكل الخلق بالجديد» .
الكحل:
بالكاف.
روى البغوي في مسند عثمان عن عثمان أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بالكحل فإنّه ينبت الشّعر» .
اللّبن
الحليب يخصب البدن، وينفع من الربو والسعال ويزيد في الباءة ولبن الإبل أكثرها فضولا وأدسمها، وإذا شئت اللبن بما كان أقل ضررا لمن يعتريه الصداع.
وألبان الإبل تشفي من فساد المزاج وتغير المياه والسدر.
وألبان الأتن نافعة من فساد الرئة، وقد ذكر أبو نعيم في الطب أن النبي- ﷺ رخص فيه واللّبن الحليب مع التّمر يخصب البدن جدا، وكان ﵊ يسميهما الأطيبان، والزبد نافع للقوباء ولخشونة الصّدر والسّمن أقوى الأدهان وأغذاها يلين الصلابات، والجبن يقوي المعدة فإذا أكل بعد الطّعام أذهب الرخامة، والبشم.
اللحم .
روي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إنّ للقلب فرحة عند أكل اللّحم» رواه البيهقي في الشّعب وأبو نعيم في الطب
وعنه- ﵊ أنه قال: «سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم»
وعنه- ﵊ قال: «سيّد طعام الدّنيا والآخرة اللّحم ثم الأرز» وكان أحبّ اللّحم إليه الكتف والذّراع ولحم الظهر
كما روى جميع ذلك كله أبو نعيم في الطب.
الدباء .
روى الديلمي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ يكثر من أكل الدّباء فقلت: يا رسول الله- إنّك لتحبّ الدّبّاء قال: «الدّبّاء يكثّر الدّماغ ويزيد في العقل»
[ (١) ] .
الهندباء .
وروى أبو نعيم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «عليكم بالهندباء فإنّه ما من يوم إلّا وهو يقطر عليه قطر من قطر الجنّة»
[ (٢) ] .
стр. 5513
العجوة .
روى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنهما- قالت: قال رسول الله- ﷺ «في عجوة العالية أوّل البكرة شفاء من كل سحر أو سمّ» .
غبار المدينة .
روى أبو سعيد السّمّان في مشيخته والرّافعي عن إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس ابن شماس عن أبيه عن جده والدّيلمي عن إسماعيل عن جده ثابت أن رسول الله- ﷺ قال: «غبار المدينة شفاء من الجذام» .
النبق .
القرع .
روى الطبراني في الكبير عن واثلة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «عليكم بالقرع فإنّه يزيد في الدّماغ، وعليكم بالعدس فإنّه قدّس على لسان سبعين نبيّا» .
стр. 5514
جماع أبواب مرض رسول الله- ﷺ ووفاته
الباب الأول في كثرة أمراضه- ﷺ -
روى أبو يعلى بسند جيد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان عرق الكلية وهي الخاصرة تأخذ رسول الله- ﷺ شهرا ما يستطيع أن يخرج للنّاس، ولقد رأيته يكرب حتّى آخذ بيده فأتفل فيها بالقرآن ثمّ أكبّها على وجهه ألتمس بذلك بركة القرآن وبركة يد رسول الله- ﷺ فأقول يا رسول الله إنّك مجاب الدّعوة فادع الله يفرّج عنك ما أنت فيه فيقول: «يا عائشة أنا أشدّ النّاس بلاء»
[ (١) ] .
وروى ابن السني، وأبو نعيم عنها: «أنّ الخاصرة كانت تنهز رسول الله- ﷺ فكنّا ندعوها عرق الكلية» .
وروى أبو يعلى- بسند ضعيف عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «مات رسول الله- ﷺ من ذات الجنب» [ (٢) ] .
قال الحافظ بهاء الدين محمد بن أبي بكر البوصيري في «إتحاف المهرة» إنه حديث منكر
فقد ثبت في الصحيح أن النبي- ﷺ قال: «ذلك ما كان الله يعذّبني به» .
وروى الحاكم وصححه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- «أن رسول الله- ﷺ كانت تأخذه الخاصرة فيشتدّ به جدّا فاشتدّت به حتّى أغمي عليه وفزع النّاس إله فظننّا أنّ به ذات الجنب فلددناه ثمّ سرّي عن النبي- ﷺ وأفاق فعرف أنّه قد لدّ فقال: «ظننتم إن الله قد سلّطها على ما كان ليفعل إنّها من الشّيطان وما كان الله ليسلّطه عليّ»
[ (٣) ] .
وروى البخاري وابن سعد والحاكم وابن جرير عن عائشة وابن سعد عن أم سلمة وابن سعد عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قالوا: «كانت تأخذ رسول الله- ﷺ الخاصرة فاشتدّت به فأغمي عليه حتّى ظننّا أنه قد مات فلددناه فجعل يشير إلينا أن لا تلدّوني فقلنا:
كراهية المريض للدّواء فلما أفاق. قال: «ألم أنهكم أن تلدّوني» .
- وفي لفظ- «أما إنّكم لددتموني وأنا صائم» ثم قال: «أكنتم ترون أنّ الله يسلّط عليّ
стр. 5515
ذات الجنب ما كان الله ليجعل لها عليّ سلطانا إنّ ذات الجنب من الشّيطان والله لا يبقى في البيت أحد إلا لدّ وأنا أنظر، إلا العباس فإنّه لم يشهدكم فما بقي أحد في البيت إلا لدّ ولددنا ميمونة وهي صائمة»
[ (١) ] .
وروى ابن إسحاق- بسند فيه متهم وهو علي- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت «تمادى على رسول الله- ﷺ وجعه وهو يدور على نسائه في بيت ميمونة فاجتمع إليه أهله فقال العباس: إنا لنرى برسول الله- ﷺ ذات الجنب لألدنّه فلدّوه وأفاق رسول الله- ﷺ فقال: «من فعل هذا؟» قالوا: عمّك العباس تخوّف أن يكون بك ذات الجنب فقال رسول الله- ﷺ : «إنّها من الشّيطان وما كان الله ليسلّطه عليّ لا يبقى في البيت أحد إلا لددتموه إلّا عمّي العباس» فلدّ أهل البيت كلّهم حتى ميمونة وإنّها لصائمة يومئذ وذلك بعين رسول الله- ﷺ .
قلت: ولا منافاة بين حديث أبي يعلى وهذين الحديثين: لأن في ذات الجنب تطلق بإزاء مرضين.
أحدهما: ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن.
والآخر: ريح محتقن بين الأضلاع، فالأول هو المنفي هنا، والثاني هو الذي أثبت في حديث أبي يعلى وليس فيه محذور كالأول.
«اللّدود» بفتح اللام وبدالين مهملتين أن تجعل الدواء في أحد جانبي الفم، وكان الذي لدّوه به العود الهندي، والزيت والورس.
стр. 5516
الباب الثاني في نعى الله تعالى إلى رسوله- ﷺ نفسه الشريفة
قال الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر ٣٠] .
وقال : وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ؟
[الأنبياء ٣٤] وقال تعالى تقدس اسمه كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [الأنبياء ٣٥] .
وقال : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران ١٤٤] .
وقال ﵎: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر ١- ٣] .
وروى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبزار وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: نزلت على رسول الله- ﷺ أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً [النصر ١- ٣] حتى ختمها فعرف رسول الله- ﷺ أنه الوداع فخطب الناس خطبة أمرهم فيها ونهاهم.
وروى الإمام أحمد والبلاذري وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر ١] قال رسول الله- ﷺ : «نعيت إليّ نفسي وقرب أجلي» .
وروى النسائي وعبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عنه قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ نعيت إلى رسول الله- ﷺ نفسه حتى أنزلت فأخذني أشد ما يكون اجتهادا في أمر الآخرة.
وروى الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم عن الفضيل بن عياض قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر ١] إلى آخر السورة قال محمد- ﷺ : «يا جبريل نعيت إليّ نفسي» قال جبريل: «الآخرة خير لك من الأولى» .
стр. 5517
وروى ابن سعد عن الحسن البصري- رحمه الله تعالى- قال: لما نزلت على رسول الله- ﷺ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلى آخرها قال قرّب لرسول الله- ﷺ أجله وأمر بكثرة التّسبيح والاستغفار.
وروى عبد الرزاق والشيخان وابن سعد عن عائشة وابن جرير وابن مردويه عن أم سلمة وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والحاكم عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- ﷺ منذ نزلت عليه السورة كان لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال:
وفي لفظ لعائشة: كان يكثر في آخر عمره من قول: «سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك اللهم اغفر لي إنّك أنت التوّاب الرّحيم» ويقول ذلك في ركوعه وسجوده يتأول القرآن يعني إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر ١] قالت عائشة: فقلت له: يا رسول الله إنك تكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليك ما لم تكن تفعله قبل اليوم، فقال:
«إنّ ربي كان أخبرني بعلامة في أمّتي فقال إذا رأيتها فسبّح بحمد ربك واستغفره فقد رأيتها» إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر ١] إلى آخر السورة.
وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم حبيبة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال رسول الله- ﷺ : «إن الله لم يبعث نبيا إلا عمّر في أمّته شطر ما عمّر النّبيّ الماضي قبله، وإنّ عيسى ابن مريم كان عمره أربعين سنة في بني إسرائيل، وهذه لي عشرون سنة وأنا ميّت في هذه السنة فبكت فاطمة فقال النبي- ﷺ : «وأنت أول أهل بيتي لحوقا بي» فتبسّمت.
وروى الطبراني والحاكم والطحاوي والبيهقي بسند صحيح عن فاطمة الزهراء- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ قال: «إنه لم يكن نبي إلا عاش من بعده نصف عمر الذي كان قبله وإنّ عيسى ابن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبا على رأس الستين. يا بنيّة إنّه ليس منّا من نساء المسلمين امرأة أعظم ذريّة منك فلا تكوني من أدنى امرأة صبرا، إنك أول أهل بيتي لحوقا بيّ وإنّك سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من البتول مريم بنت عمران» .
وروى إسحاق بن راهويه وابن سعد عن يحيى بن جعدة أن رسول الله- ﷺ قال: «يا فاطمة أنه لم يبعث نبيّ إلا عمّر نصف الذي كان قبله [وإنّ عيسى ابن مريم بعث رسولا لأربعين وإنّي بعثت لعشرين]
[ (١) ] .
стр. 5518
وروى البخاري في «تاريخه» عن زيد بن أرقم- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «ما بعث الله نبيا إلا عاش نصف ما عاش الذي كان قبله» .
وروى ابن سعد عن يزيد بن زياد أن رسول الله- ﷺ قال في السّنة التي قبض فيها لعائشة- رضي الله تعالى عنها-: «أن جبريل كان يعرض عليّ القرآن في كل سنة مرّة فقد عرض عليّ العام مرّتين وأنه لم يكن نبيّ إلا عاش نصف عمر أخيه الذي كان قبله عاش عيسى ابن مريم مائة وخمسا وعشرين سنة وهذه اثنتان وستون سنة، ومات في نصف السنة» .
وروى أبو يعلى من طريق الحسين بن علي بن الأسود وباقي رجاله ثقات عن يحيى بن جعدة قال: قالت فاطمة- رضوان الله تعالى عليها-: قال لي رسول الله- ﷺ : «أن عيسى ابن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة» .
تنبيه:
قال البيهقي كذا في هذه الرواية.
وقد روى عن ابن المسيب أن عيسى حين رفع كان ابن ثلاث وثلاثين سنة.
وعن وهب بن منبه: اثنان وثلاثون سنة، فإن صحّ قول ابن المسيب وابن وهب فالمراد من الحديث والله تعالى أعلم: ما بقي في الأرض بعد نزوله من السماء والله تعالى أعلم.
قلت: لم يصح ما نقله عن سعيد ووهب وقد بسطت الكلام على ذلك في باب [ ... ]
فراجعه.
وقال الحافظ ابن حجر بعد إيراده في «المطالب العالية» : حديث يحيى بن جعدة معناه عمره في النبوة.
стр. 5519
الباب الثالث في عرضه- ﷺ القرآن على جبريل- ﵊ في العام الذي مات فيه مرتين ونعيه- ﷺ نفسه لأصحابه
روى الإمام أحمد وابن سعد عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول الله- ﷺ يعرض القرآن على جبريل في كلّ رمضان فلما كان في العام الذي مات فيه عرضه عليه مرّتين» .
وروى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ يعتكف في كل شهر رمضان عشرة أيّام، فلما كان العام الذي توفي فيه عكف عشرين يوما وكان جبريل يقرأ عليه القرآن مرة كل رمضان فلما كان العام الذي توفي فيه عرضه عليه مرتين.
وروى الشيخان عن فاطمة الزهراء- رضي الله تعالى عنها- أنها أسرّ إليها رسول الله- ﷺ فقال: «إن جبريل كان يعارضني القرآن كل عام مرة وإنّه عارضني به العام مرتين ولا أرى أجلي إلّا قد قرب فاتّقي الله واصبري فإنّي نعم السلف أنا لك» .
وروى مسلم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال رأيت رسول الله- ﷺ يرمي الجمار فوقف وقال: «لتأخذوا عنّي مناسككم فلعلّي لا أحجّ بعد عامي هذا» .
وروى ابن مردويه عن معاوية بن أبي سفيان والإمام أحمد وابن سعد وأبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن واثلة بن الأسقع- رضي الله تعالى عنهما- قالا: خرج علينا رسول الله- ﷺ فقال: «أتزعمون أنّي من آخركم وفاة قلنا: أجل، قال: فإنّي من أوّلكم وفاة وتتبعوني أفنادا يهلك بعضكم بعضا» .
وروى ابن سعد عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إني أوشك أن أدعى فأجيب وإنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي إنّ اللّطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»
[ (١) ] .
وروى ابن سعد عن عكرمة مرسلا قال: قال العباس: لأعلمن ما بقاء رسول الله- ﷺ فينا فقال له: يا رسول الله لو اتخذت عرشا فإن النّاس قد آخوك، فقال:
«والله لا أزال بين ظهرانيهم ينازعوني ردائي ويصيبني غبارهم حتّى يكون الله يريحني منهم» !
قال العباس: فعرفنا أنّ بقاء رسول الله- ﷺ فينا قليل.
стр. 5520
وروى البزار عن العباس- رضي الله تعالى عنه- قال رأيت في المنام كأن الأرض تنزع إلى السماء بأشطان شداد، فقصصت ذلك على رسول الله- ﷺ فقال: «ذاك وفاة ابن أخيك» .
أفناد قال في القاموس أي: تتبعوني ذوي فند: أي ذوي عجز وكفر للنّعمة والأشطان:
بشين جمع شطن بشين معجمة فطاء مهملة فنون: الحبل.
الباب الرابع فيما جاء أنه خيّر بين أن يبقى حتى يرى ما يفتح على أمته وبين التعجيل واستغفاره- ﷺ لأهل البقيع
روى ابن إسحاق والإمام أحمد وابن سعد والبيهقي عن أبي مويهبة والإمام أحمد وابن سعد والبيهقي عن أبي رافع موليا رسول الله- ﷺ ورضي الله عنهما- واللفظ لأبي مويهبة- قال: أمر رسول الله- ﷺ أن يصلى على أهل البقيع فصلى عليهم ثلاث مرّات، فلما كان في الثانية هبنى من جوف اللّيل فقال: «يا أبا مويهبة إني أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فأسرج لي دابّتي» قال: فركب ومشيت حتّى انتهى إليهم فنزل عن دابته، وأمسكت الدّابة، فلما وقف بين أظهرهم قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر ليهن لكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح فيه الناس، لو تعلمون ما نجاكم الله منه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضاً، يتبع آخرهم أوّلها، الآخرة شر من الأولى» ، ثم أقبل على وقال: «يا أبا مويهبة إنّي قد أتيت مفاتيح خزائن الدّنيا والخلد فيها، ثم الجنة. فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربّي والجنة» قال: قلت بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: «لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة» ، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ رسول الله- ﷺ في وجعه الّذي قبضه الله فيه حين أصبح.
وروى ابن سعد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قام رسول الله- ﷺ ذات ليلة فلبس ثيابه ثم خرج، فأمرت خادمتي بريرة، فتبعته حتى إذا جاء البقيع وقف في أدناه ما شاء الله أن يقف ثم انصرف فسبقته بريرة فأخبرتني فلم أذكر له شيئا حتى أصبح، ثم ذكرت له ذلك فقال «إني بعثت لأهل البقيع لأصلّي عليهم»
[ (١) ] .
وروى أيضا عنها قالت: فقدت رسول الله- ﷺ من الليل فتبعته فإذا هو بالبقيع فقال:
стр. 5521
«السّلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط أتانا الله وأتاكم ما توعدون، وأنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم» قالت: ثم التفت إلى فقال: «ويحها لو تستطيع ما فعلت»
[ (١) ] .
وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: خطب رسول الله- ﷺ فقال: «إن عبدا خيره الله تعالى بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله» ، فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه فكان المخير رسول الله- ﷺ وكان أبو بكر هو أعلمنا به فقال رسول الله- ﷺ : «لا تبك يا أبا بكر إنّ أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوّة الإسلام، لا يبقى باب في المسجد إلا سدّ إلا باب أبي بكر» .
وروى عبد الرزاق بسند جيد قوي عن طاووس مرسلا قال: قال رسول الله- ﷺ : «نصرت بالرعب وأعطيت الخزائن، وخيّرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل فاخترت التعجيل» .
وروي عن عقبة بن عامر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع على المنبر فقال: «إنّي بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد! وإنّ موعدكم الحوض وإنّي لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدّنيا أن تنافسوا فيها» .
قال عقبة: وكانت أخر نظرة نظرتها إلى رسول الله- ﷺ .
تنبيه:
«هبّ من نومه» هب بضم الهاء وأهببته أي استيقظته وأنبهته من نومه وأنتبه بمعناه.
القطع: بكسر القاف وسكون الطاء ظلمة آخر الليل.
стр. 5522
الباب الخامس في ابتداء مرضه- ﷺ وسؤال أبي بكر- رضي الله تعالى عنه- أن يمرّضه في بيته
قال ابن إسحاق: لما قفل رسول الله- ﷺ من حجة الوداع أقام بالمدينة ذا الحجة، والمحرم، وصفر. وضرب على الناس بعث أميره أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنه- وقد تقدم ذكر ذلك في جمّاع أبواب بعوثه فبينا الناس على ذلك إذ ابتدأ رسول الله- ﷺ بشكواه الذي قبضه الله تعالى فيه إلى ما أراده به من رحمة وكرامة في ليال بقين من صفر، أو في أول ربيع الأول صبيحة ليلة خروجه البقيع ليلا مع أبي مويهبة، فلما أصبح ابتدأ بمرضه من يومه ذلك.
وروى ابن سعد عن محمد بن عمر عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن جده- رضي الله تعالى عنه- والبيهقيّ عن محمد بن قيس قالا: أوّل ما بدأ رسول الله- ﷺ شكواه يوم الأربعاء فكان شكوه إلى أن قبض- ﷺ ثلاثة عشر يوما. ومشى على ذلك أبو عمرو وغيره.
وقال سليمان التيمي: يوم السبت ومشى عليه الخطابي وقال الإمام الليث بن سعد: يوم الاثنين في صفر سنة إحدى عشرة ليلة إحدى وعشرين رواه يعقوب بن سفيان قال أبو عمر:
لليلتين بقيتا منه.
وروى محمد بن قيس لإحدى عشرة ليلة بقيت منه.
وقال عمر بن علي: لليلة بقيت منه قال أبو الفرج بن الجوزي: ابتدأ به صداع في بيت عائشة، ثم اشتد أمره في بيت ميمونة وقيل: في بيت زينب بنت جحش.
وقيل: في بيت ريحانة.
قال الحافظ: وكونه في بيت ميمونة هو المعتمد، لأنه الذي رواه الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها-.
وروى البلاذري عنها أنه- ﷺ أقام في بيت ميمونة سبعة أيام.
وروى ابن إسحاق والإمام أحمد عنها قالت: رجع رسول الله- ﷺ ذات يوم من البقيع فدخل عليّ وهو يصدع وأنا اشتكي رأسي فقلت: وا رأساه فقال: «والله بل أنا والله وا رأساه» .
وفي رواية قال: كان رسول الله- ﷺ إذا مر ببابي يلقي إليّ الكلمة ينفع الله بها فمرّ
стр. 5523
ذات يوم فلم يقل شيئا مرتين، أو ثلاثا فقلت: يا جارية دعي لي وسادة على الباب: فجلست عليها على طريقه وعصبت رأسي فمرّ بي وقال: «ما شأنك» ؟ فقلت: أشتكي رأسي! فقال: «بل أنا وا رأساه» ! ثم مضى فلم يلبث إلا يسيرا حتى جيء به محمولا في كساء فدخل عليّ وقال:
«وما عليك لو مت قبلي، فوليت أمرك وصليت عليك ودفنتك» فقلت: والله إني لأحسب أن لو كان ذلك، لقد خلوت ببعض نسائك في بيتي في آخر النهار فأعرست بها فضحك رسول الله- ﷺ ثم تمادى به وجعه وهو يدور على نسائه ثم استعزّ به وهو في بيت ميمونة» .
وروى البخاري نحوه.
وروى أبو يعلى والإمام أحمد- برجال ثقات- عنها قالت: ما مر رسول الله- ﷺ على بابي قطّ إلّا قد قال كلمة تقرّ بها عيني قالت: فمر يوما فلم يكلمني ومرّ من الغد فلم يكلمني قالت: ومر من الغد فلم يكلمني، قلت: قد وجد على رسول الله- ﷺ في شيء:
قالت فعصبت رأسي وصفّرت وجهي، وألقيت وسادة قبالة باب الدّار فاجتنحت عليها، قالت:
فمرّ رسول الله- ﷺ فنظر إليّ فقال: «ما لك يا عائشة» ؟ قالت: قلت يا رسول الله اشتكيت وصدّعت قال: «تقولين: وا رأساه، بل أنا وا رأساه» قالت فما لبث إلا قليلا حتى أتيت به يحمل في كساء قالت: فمرّضته ولم أمرّض مريضا قطّ ...
الحديث.
وروى ابن سعد عن عطاء بن يسار- رحمه الله تعالى- مرسلاً قال: أتى رسول الله- ﷺ فقيل له: اذهب فصل على أهل البقيع، فذهب فصلى عليهم فقال: اللهم اغفر لأهل البقيع، ثم رجع فرقد فأتي فقيل له: اذهب فصل على الشهداء فذهب إلى أحد فصلى على قتلى أحد فرجع معصوب الرأس فكان بدء الوجع الذي مات فيه- ﷺ .
وروى أبو طاهر المخلص عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: جاء أبو بكر إلى النبي- ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي فأمرّضك فأكون الذي أقوم عليك فقال: «يا أبا بكر إني إن لم أجد أزواجي وبناتي علاجي ازدادت مصيبتي عليهم عظما، وقد وقع أجرك على الله.
стр. 5524
الباب السادس فيما جاء أنه- ﷺ كان يدور على بيوت أزواجه في مرضه
روى ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي- ﷺ كان يحمل في ثوب يطوف على نسائه وهو مريض يقسم بينهن [ (١) ] .
وروى البلاذري عن ابن إسحاق قال: كان رسول الله- ﷺ إذا دير به [ (٢) ] على نسائه يحمل في ثوب يأخذ بأطرافه الأربعة أبو مويهبة، وشقران، وثوبان، وأبو رافع مواليه وذلك أن زينب بنت جحش كلّمته في ذلك فقال: أنا أطوف وأدور عليكنّ وأقام ببيت ميمونة سبعة أيّام يبعث إلى نسائه أسماء بنت عميس يقول لهن: أن رسول الله- ﷺ يشقّ عليه أن يدور عليكنّ فحللنه.
وروى ابن سعد بإسناد صحيح عن الزهري أن فاطمة هي التي خاطبت أمهات المؤمنين بذلك فقالت لهن: إنّه يشقّ عليه الاختلاف.
وروى ابن إسحاق- بسند فيه متهم وهو علي- كما في الصحيح والبخاري وابن سعد والحاكم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- الحديث المتقدم في الباب الأول، وفيه: ثم استأذن نساءه أن يمرّض في بيتي فقال: إني أشتكي ولا أستطيع أن أدور بيوتكنّ فإن شئتنّ أذنتن لي كنت في بيت عائشة، فأذن له فخرج رسول الله- ﷺ [يهادي] [ (٣) ] إلى بيتي وهو بين العبّاس وبين رجل آخر تخطّ قدماه الأرض إلى بيت عائشة،
وفي رواية عنها عند مسلم: فخرج بين الفضل بن عباس ورجل آخر، وفي أخرى: بين رجلين أحدهما عليّ، وعند الدارقطني أسامة والفضل وعند ابن حبّان «بريرة ونوبة» بضم النون وسكون ونوبة الواو ثم موحدة، قيل:
هو اسم أمة، وقيل: عبد، وعند ابن سعد من وجه آخر والفضل وثوبان.
وجمعوا بين هذه الروايات على تقدير ثبوتها بأن خروجه تعدد فتعدد من اتكأ عليه.
وروى البخاري وابن سعد عنها أن رسول الله- ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه. أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟ يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، وكان في بيت عائشة حتى مات عندها، قالت: فمات في يومي الذي كان يدور على فيه،
وفي رواية أن
стр. 5525
دخوله- ﵊ بيتها كان في يوم الاثنين، وموته يوم الاثنين الذي يليه [ (١) ] .
وروى الإسماعيلي قالت: «لما كان رسول الله- ﷺ في مرضه جعل يدور على نسائه ويقول أين أنا حرصا على بيت عائشة قالت: فلما كان يومي سلت» .
وروى البخاري والإسماعيلي والبرقاني عنها قالت كان رسول الله- ﷺ يقول في مرضه: أين أنا اليوم؟ أين أنا؟ استبطاء ليوم عائشة، فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري، ودفن في بيتي» .
وروى البزار عنها قالت: كان رسول الله- ﷺ إذا مر بحجرتي ألقى كلمة إليّ ينفعني فمر رسول الله- ﷺ يوما فلم يكلمني، فقلت: يا رسول الله- ﷺ فعصبت رأسي ونمت على فراشي فجاء رسول الله- ﷺ فقال: «ما لك يا عائشة» قلت: أشتكي رأسي، فقال: بل أنا وا رأساه، وذاك حين أخبره جبرئيل- ﷺ أنّه مقبوض، فلبث أياما يحمل في كساء بين أربعة فيدخل علي فقال: «يا عائشة استبقي إلى النسوة» فلما جئن قال: «إني لا أستطيع أن أختلف بينكن فائذنّ لي أن أكون في بيت عائشة» ، قلن: نعم يا رسول الله فكان في بيت عائشة.
الباب السابع في اشتداد الوجع عليه- زاده الله فضلا وشرفا -
روى ابن حبان وابن سعد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: جعل رسول الله- ﷺ يشتكي ويتقلّب على فراشه فقلت له: لو فعل هذا بغضنا قال: «إنّ الأنبياء يشدّد عليهم» .
وروى الإمام أحمد والشيخان وابن سعد عن عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: دخلت على رسول الله- ﷺ فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا قال: «أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» قلت: ذاك بأنّ لك أجرين؟ قال:
«نعم، والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله عنه من خطاياه كما تحطّ الشجرة ورقها» -.
وروى ابن سعد والشيخان والبلاذري عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما رأيت أحدا أشدّ عليه الوجع من رسول الله- ﷺ .
стр. 5526
وروى الإمام أحمد وابن سعد والبخاري في «الأدب» وابن أبي الدنيا وابن ماجه وأبو يعلى والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- فإذا عليه صالب من الحمى ما تكاد تقرّ يد أحدنا عليه من شدّة الحمّى.
وفي رواية «دخلنا على رسول الله- ﷺ وعليه قطيفة فوضعت يدي عليه فوق القطيفة فوجدت حرارتها فوق القطيفة فجعلنا نسبّح فقال: «ليس أحد أشدّ بلاء من الأنبياء، كما يشدّد علينا البلاء يضاعف لنا الأجر، إن كان النبي من الأنبياء ليسلّط عليه القمّل حتّى يقتله وإن كان النبي من الأنبياء ليعرّى ما يجد شيئا يواري عورته إلا العباءة يدرعها، وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء»
[ (١) ] .
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد بإسناد صحيح والنسائي والحاكم وابن الجوزي عن أبي عبيدة عن عمته فاطمة بنت اليمان أخت حذيفة قالت: أتينا رسول الله- ﷺ في نساء نعوده فإذا سقاء معلّق نحوه يقطّر ماؤه عليه من شدّة ما يجد من حرّ الحمى فقلنا: يا رسول الله لو دعوت الله يكشف عنك فقال: رسول الله- ﷺ «إن أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» .
وروى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ طرقه وجع فجعل يشتكي ويتقلّب على فراشه فقالت له عائشة لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه! فقال رسول الله- ﷺ «إنّ الصالحين يشدّد عليهم وإنّه لا يصيب المؤمن نكبة من شوكة فما فوق ذلك إلّا حطّت بها عنه خطيئة ورفع بها درجة» .
وروى ابن سعد عنها قالت: مرض رسول الله- ﷺ مرضا اشتد منه ضجره أو وجعه فجعل يشتكي ويتقلب على فراشه فقلت: يا رسول الله إنك لتجزع أو تضجر، لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه فقال رسول الله- ﷺ «إن المؤمنين يشدّد عليهم، لأنّه لا يصيب المؤمن نكبة من شوكة فما فوقها ولا وجع إلا رفع الله تعالى له بها درجة وحطّ عنه بها خطيئة» .
وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه عن أسامة بن يزيد- رضي الله تعالى عنه- قال: لما ثقل على رسول الله- ﷺ وجعه هبط وهبط الناس معه إلى المدينة، فدخلت على رسول الله- ﷺ وقد أصمت فلم يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها عليّ، أعرف أنه يدعو لي.
وروى النسائي والبيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أغمي على
стр. 5527
رسول الله- ﷺ وهو في حجرتي، فجعلت أمسح له وجهه وأدعو له بالشفاء، فقال: «بل أسأل الله الرفيق الأعلى لأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل» .
وروى الإمام أحمد في «الزهد» وابن سعد عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال دخلت على رسول الله- ﷺ وهو يوعك فوضعت يدي فوق ثوبه، فوجدت حرّها من فوق الثوب، فقلت: يا رسول الله ما وجدت أحدا تأخذه الحمّى أشدّ من أخذها إيّاك قال:
«كذلك يضاعف لنا الأجر إن أشدّ الناس بلاء الأنبياء ثمّ الصّالحون» .
وروى ابن أبي شيبة والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ كان بين يديه ركوة، أو عليه فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ثم يقول: اللهم أعني على سكرات الموت» - وفي لفظ: «لا إله إلا الله إن للموت سكرات» ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرّفيق الأعلى» .
وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن الجوزي عنها قالت: رأيت رسول الله- ﷺ وهو يموت وعنده قدح فيه ماء فيدخل يده في القدح ثم يمسح بها وجهه- وفي لفظ- ثم يمسح وجهه بالماء، ثم قال: «اللهم أعني على سكرات الموت» .
وروى البلاذري عنها قالت: لا أغبط أحدا يخفف عليه الموت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله- ﷺ .
ورواه البخاري بلفظ: لا أكره شدّة الموت لأحد أبدا بعد النبي- ﷺ .
صالب الحمّى- قال في الصحاح: الصّالب: الحارّة من الحمى، خلاف الناقص تقول:
صلبت عليه حمّة تصلب بالكسر أي دامت واشتدّت، فهو مصلوب عليه هذا أي: طورا ونارا.
الباب الثامن في أمره- ﷺ أن يصب عليه الماء لتقوى نفسه فيعهد إلى الناس
روى الشيخان وابن سعد والحاكم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما ثقل رسول الله- ﷺ واشتدّ وجعه قال: «اهريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهنّ، لعلّي أعهد إلى الناس» قالت: فأجلسناه في مخضب لحفصة ثم طفقنا نصبّ عليه من تلك القرب حتى جعل يشير إلينا أن قد فعلتم، ثمّ خرج إلى الناس فصلّى بهم وخطبهم.
وروى ابن إسحاق عنها قالت: قال النبي- ﷺ في مرضه: «صبوا عليّ من سبع قرب
стр. 5528
من آبار شتى حتّى أخرج إلى النّاس فأعهد إليهم» قالت: فأقعدناه في مخضب لحفصة فصببنا عليه الماء صبّا أو شننا عليه الماء شنّا فوجد راحة فخرج عاصبا رأسه وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه واستغفر للشهداء من أصحاب أحد ودعا لهم ثم قال: «أما بعد فإنّ الأنصار عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم، إلا في حدّ ألا إن عبدا من عباد الله قد خيّره الله بين الدّنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله» ففهمها أبو بكر وعرف أنّ نفسه يريد، فبكى وقال: بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا فقال النبي- ﷺ : «على رسلك يا أبا بكر سدّوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر فإني لا أعلم امرءا أفضل عندي يدا في الصحابة من أبي بكر» وفي رواية: «لو كنت متخذا من العباد خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صحبة وإخاء وإيمان حتى يجمع الله بيننا عنده» .
وروى البخاريّ والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: خرج رسول الله- ﷺ في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء ملتحفا بملحفة على منكبيه، فصعد المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «أنه ليس من الناس أحد آمنّ عليّ بنفسه وماله من أبي بكر، ولو كنت متخذا من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن خلّة الإسلام أفضل سدّوا عنّي كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر» .
وروي عن عروة بن الزبير- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ استبطأ الناس في بعث أسامة بن زيد وهو في وجعه، فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر وقد كان الناس قالوا في إمرة أسامة: أمّر غلاما حدثا على جلّة المهاجرين والأنصار فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها النّاس انفذوا بعث أسامة فلعمري لئن قلتم في إمارته فقد قلتم في إمارة أبيه من قبله وإنّه لخليق بالإمارة وإن كان أبوه لخليق الإمارة ثم نزل رسول الله- ﷺ وانكمش الناس في جهازهم واستقر برسول الله- ﷺ وجعه، فخرج وخرج جيشه معه حتى تدلوا الجرف من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره وتتامّ إليه الناس، وثقل رسول الله- ﷺ ، فقام أسامة والناس ينتظرون ما الله قاض في رسول الله- ﷺ .
وروى عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: خرج رسول الله- ﷺ عاصبا رأسه بخرقة فلما استوى على المنبر تحدق الناس بالمنبر واستنكفوا حوله فقال: والذي نفسي بيده إني لقائم على الحوض الساعة ثم تشهد، فلما قضى تشهّده كان أول ما تكلم به أن استغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد ثم قال: إن عبدا من عباد الله خيّر بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه، وقال: بأبي أنت وأمي نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا، فكان رسول الله- ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا
стр. 5529
برسول الله- ﷺ فجعل رسول الله- ﷺ يقول: على رسلك»
[ (١) ] .
في بيان غريب ما سبق:
الوكاء ...
أحدق من الحدقة وهي العين والتحديق: شدة النّظر.
استنكف حوله بمعنى: أحاط عليه.
أهرق يقال: هراق الماء يهريقه- بفتح الهاء، هراقة أي صبّه.
الباب التاسع فيما روي أنه- ﷺ طلب من أصحابه القود من نفسه
روى ابن سعد وأبو يعلى والطبراني وابن جرير والبيهقي وأبو نعيم وابن الجوزي عن الفضل بن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «شدّوا رأسي، لعلّي أخرج إلى المسجد» ، فشددت رأسه بعصابة ثم خرج إلى المسجد يهادي بين رجلين، حتى قدم على المنبر ثم قال: نادوا في الناس فصحت في الناس فاجتمعوا إليه فقال: أمّا بعد أيّها النّاس فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وإنه قد دنا مني خفوق من بين أظهركم وإنما أبا بشر فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ولا يقولن أحد: إني أخشى الشّحناء من رسول الله- ﷺ ، ألا وإن الشّحناء ليست من طبعي ولا من شأني، ألا وإن أخيركم إليّ من أخذ مني شيئا كان له، أو حلّلني فلقيت الله وأنا طيّب النّفس، وإني أرى أن هذا غير مغن حتى أقوم فيكم مرارا ثم نزل، فصلى الظهر، ثم جلس على المنبر، فعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها فقام رجل فقال: إذا والله يا رسول الله إن لي عندك ثلاثة دراهم فقال: أما أنا فلا أكذّب قائلا ولا أستحلفه على يمين، فيم كانت لك عندي؟ فقال يا رسول الله أتذكر يوم مرّ بك المسكين، فأمرتني، فأعطيته ثلاثة دراهم، فقال: يا فضل أعطه ثم قال: أيها الناس من كان عليه شيء فليؤدّه ولا يقولنّ رجل فضوح الدنيا ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ثم عاد رسول الله- ﷺ مقالته الأولى ثم قال: «أيها الناس من كان عنده من الغلول شيء فليردّه» ، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله قال: «ولم غللتها؟» قال: كنت محتاجا إليها، قال: «خذها منه يا فضل» ، فقال: ألا
стр. 5530
من أحس- وفي لفظ- خشي من نفسه شيئا فليأت. ادع الله له، فقام رجل فقال: يا رسول الله إني لكذوب وإني لفاحش فقال: «اللهم ارزقه الصدق واذهب عنه الكذب إذا أراد» ، ثم قام رجل فقال: يا رسول الله إني منافق وإني لبخيل وإني لجبان [وإني لنؤوم وإني لكذوب فقام عمر بن الخطاب فقال: فضحت نفسك أيّها الرجل] [ (١) ] فقال النبي- ﷺ يا بن الخطاب:
فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة فقال اللهم ارزقه إيمانا وصدقا واذهب عنه النوم وشحّ نفسه وشجّع جبنه.
قال الفضل: فلقد رأيته في الغزو وما معنا رجل [أسخى] منه نفسا ولا أشدّ بأسا، ولا أقلّ نوما فقال عمر: كلمة فضحك رسول الله- ﷺ ثم قال: عمر معي وأنا مع عمر، والحق مع عمر حيث كان وقامت امرأة وأومأت بإصبعها إلى نسائها فقال: انطلقي إلى بيت عائشة حتى آتيك ثم أتاها، فوضع قضيبا على رأسها ثم دعا لها، قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- فإني كنت لا أعرف دعوة النبي- ﷺ فيها إذ كانت تقول: يا عائشة أحسني صلاتك.
تنبيهات
الأوّل: حديث ابن عباس في قصة عكّاشة وطلبه القصاص من النبي- ﷺ وطلب رسول الله- ﷺ القضيب المسوق مع الحسن والحسين من السيدة فاطمة- رضي الله تعالى عنها- فهو حديث باطل رواه الطبراني من حديث عبد المنعم بن إدريس، وهو كذاب أشر، وقد صرح بوضعه الرازي في كتاب العلل له وابن الجوزي والذهبي في كتاب «العلوّ الإلهي المقدس» والشيخ وغيرهم فليحذر.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
يهادي: أي كان يمشي بينهما يعتمد عليهما من ضعفه وتمايله.
خفوق: - «بخاء معجمة مضمومة وفاء آخره قاف يقال: خفقت الشّمس إذا تدلّت للغروب.
الشّحناء: - العداوة.
فضوح: «بفاء فضاد معجمة مضمومة فواو فحاء، كشف المساوىء.
стр. 5531
الباب العاشر في مدة مرضه- ﷺ واستخلافه أبا بكر في الصلاة بالناس
قال الحافظ: اختلف في مدة مرضه، فالأكثر على أنّه ثلاثة عشر يوما.
وقيل: بزيادة يوم وقيل: بنقصه.
وقيل: تسعة أيام رواه البلاذري عن علي- رضي الله تعالى عنه- وقيل: عشرة، وفيه جزم سليمان التيمي، وكان يخرج إلى الصلاة إلا أنّه انقطع ثلاثة أيّام.
قال في العيون: أمر رسول الله- ﷺ أن يصلى بالناس فصلى بهم فيما روينا سبع عشرة صلاة، ورواه البلاذري عن أبي بكر ابن أبي سبرة-
وفي لفظ- وقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» .
وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن سعد عن عبد الله بن زمعة بن الأسود قال: لما استعز برسول الله- ﷺ وأنا عنده في نفر من المسلمين قال: دعا بلال للصلاة فقال مروا من يصلي بالناس قال: فخرجت فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائبا فقال قم يا عمر فصلّ بالناس، قال: فقام فلما كبر عمر سمع رسول الله- ﷺ صوته وكان عمر رجلا مجهرا قال:
فقام رسول الله- ﷺ : لا، لا، لا يصلي بالناس إلا ابن أبي قحافة يقول ذلك مغضبا فأين أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون،
قال: فبعث إلى أبي بكر بعد ما صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس قال وقال عبد الله بن زمعة قال عمر لي: ويحك ماذا صنعت بي يا بن زمعة، والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله- ﷺ أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صليت بالناس قال:
قلت: والله ما أمرني رسول الله- ﷺ ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحقّ من حضر بالصّلاة.
وروى الشيخان وابن سعد والبلاذري والبيهقي وابن إسحاق عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما مرض رسول الله- ﷺ مرضه الذي مات فيه فثقل، فحضرت الصلاة فأذّن بلال فقال: «أصلّى النّاس؟» قلت: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله! [فقال: ضعوا لي ماء في المخضب قالت: ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: «أصلّى النّاس؟» فقلت: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله] [ (١) ] فقال: «ضعوا إليّ ماء في المخضب» قالت: فقلنا فاغتسل فقال: «أصلّى الناس؟» فقلنا: لا، هم ينتظرونك! قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله- ﷺ لصلاة العشاء الآخرة. فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس فقلت: أن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يسمع النّاس من البكاء.
стр. 5532
وفي لفظ: لم يستطع أن يصلّي بالناس فعاودته مثل مقالتي فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» فقلت لحفصة: قولي له: أن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصلّ بالناس ففعلت حفصة فقال رسول الله- ﷺ : «إنّكنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» ، قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: لقد عاودت رسول الله- ﷺ في ذلك، وما حملني على معاودته إلا أن يتشائم النّاس بأبي بكر.
- وفي لفظ- والله ما أقول ذلك إلا أني كنت أحب أن يصرف الله ذلك عن أبي بكر، وعرفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقامه أبدا، وأن الناس يتشاءمون به في كل حدث كان، فكنت أحبّ أن يصرف ذلك عن أبي بكر.
- وفي لفظ- علمت أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشائم الناس به، فأحببت أن يعدل ذلك رسول الله- ﷺ عن أبي بكر إلى غيره فأرسل رسول الله- ﷺ إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس، وكان أبو بكر رجلا رقيقا، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه من البكاء فقال: يا عمر صلّ بالنّاس قال: أنت أحقّ بذلك فصلى بهم تلك الأيام ثم إن رسول الله- ﷺ وجد خفّة فخرج يهادي بين رجلين، أحدهما العباس لصلاة الظّهر كأني أنظر إلى رجليه يخطان الأرض من الوجع، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا يتأخر وأمرهما فأجلساه إلى جنب أبي بكر عن يساره فأخذ النبي- ﷺ من حيث الآية التي انتهى أبو بكر إليها فقرأ، فجعل أبو بكر يصلي قائما ورسول الله- ﷺ يصلي قاعدا، وفي رواية: فكان أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله والناس يصلون بصلاة أبي بكر.
وروى ابن إسحاق وابن سعد والبلاذري عن عبيد الله بن أبي مليكة عن عبيد بن عمير، أن رسول الله- ﷺ لما فرغ من الصلاة يوم صلى قاعدا عن يمين أبي بكر قال: وأقبل عليهم فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد: يا أيها الناس سعّرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم وإنّي والله لا يمسك الناس عليّ بشيء إني لم أحلّ إلّا ما أحلّ القرآن ولم أحرّم إلّا ما حرّم القرآن يا فاطمة بنت رسول الله- ﷺ يا صفية عمّة محمد اعملا لها عند الله فإني لم أغن عنكما من الله شيئا، فلما فرغ رسول الله- ﷺ من كلامه قال أبو بكر: يا رسول الله إنّي أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما تحب واليوم يوم بنت خارجة فأتها قال: نعم ثم دخل رسول الله- ﷺ وخرج أبو بكر إلى أهله بالسّنح.
وروى الإمام أحمد والنسائي والبيهقي والترمذي وصححه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: صلى رسول الله- ﷺ خلف أبي بكر قاعدا في مرضه الذي مات فيه» .
стр. 5533
وروى ابن سعد عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كشف رسول الله- ﷺ السّتارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: «أنه لم يبق من مبشّرات النّبوّة إلّا الرّؤيا الصّالحة يراها المسلم، أو ترى له ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا، فأمّا الرّكوع فعظموا فيه الرّب، وأما السّجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» .
وروى الطبراني عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كشف رسول الله- ﷺ سترا، وفتح بابا في مرضه، فنظر إلى الناس يصلون خلف أبي بكر، فسرّ رسول الله- ﷺ بذلك.
وروى ابن سعد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: إن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع رسول الله- ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله- ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأنّ وجهه ورقة بمصحف، ثم تبسم رسول الله- ﷺ ضاحكا، فبهشنا ونحن في الصلاة من الفرح بخروج رسول الله- ﷺ ، وفي رواية: «وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم برسول الله- ﷺ حين رأوه ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصّفّ وظنّ أن رسول الله- ﷺ خارج إلى الصلاة فأشار إليهم رسول الله- ﷺ أن أتموا صلاتكم ثم دخل رسول الله- ﷺ وأرخى الستر، قال: فتوفي رسول الله- ﷺ من يومه» .
وروي أيضا عنه قال آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله- ﷺ يوم الاثنين كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فلما رآه الناس تخشخشوا فأومأ إليهم أن امكثوا مكانكم فنظرت إلى وجهه كأنّه ورقة مصحف ثم ألقى السّجف وتوفّي من آخر ذلك اليوم.
في بيان غريب ما سبق:
«استعزّ» بضم المثناة والفوقية وكسر العين المهملة وزاء معجمة يقال: أستعز بفلان أي غلب عن كل شيء من مرض أو غيره.
وقال أبو عمر: استعزّ بالعليل إذا غلب على عقله.
المخضب بالكسر شبه المركن وهي إجّانة تغسل فيها الثياب] .
السّنح هنا بضم السين والنون.
وقيل: بسكونها، أطم الجشم وزيد بن الحارث على ميل من المسجد النبوي، وهو أدنى العالية سميت الناحية، ووهم من جعله بحري مسجد الفتح، لأن ذلك بالمثناة التحتية وكسر السين قاله السيد نور الدين السمهودي في «تاريخ المدينة» .
«قمن-: بقاف مفتوحة فميم مكسورة فنون: حقيق.
стр. 5534
الباب الحادي عشر في إرادته- ﷺ أن يكتب لأبي بكر كتابا ثم لم يكتب
روى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما ثقل رسول الله- ﷺ قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: ائتني بكتف أو لوح أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه، فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: «يأبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر» ورواه البخاري لقد: هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول قائلون، أو يتمنى المتمنون ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون ورواه مسلم بلفظ قال لي رسول الله- ﷺ في مرضه ادع لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن أو يقول قائل: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، وقد ورد أنه أراد أن يكتب كتابا ولم يذكر أبا بكر.
الباب الثاني عشر في إرادته- ﷺ أن يكتب لأصحابه كتابا فاختلفوا فلم يكتب
روى الشيخان عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بلّ دمعه الحصى، قلت يا ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله- ﷺ وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فقال عمر: أن رسول الله- ﷺ مدّ عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت، فاختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم ومنهم من يقول ما قال عمر. فتنازعوا ولا ينبغي عند النبي التنازع، فقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه! فذهبوا يعيدون عليه فقال رسول الله- ﷺ : «قوموا» لما أكثروا اللّغو والاختلاف عنده، دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه. فقال: وأوصاهم عند موته بثلاث فقال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم قال: وسكت عن الثالثة، أو قال: فنسيها فقال ابن عباس إن الرّزيئة سحل الرّزيئة ما حال بين رسول الله- ﷺ وبين أن يكتب لهم هذا الكتاب لاختلافهم ولغطهم» .
وروى أبو يعلى بسند صحيح عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلون بعده وفي رواية: «يكتب فيهما كتابا لأمّته
стр. 5535
لا يظلمون ولا يظلمون» وكان في البيت لغط فنكل عمر فرفضها رسول الله- ﷺ .
وروى الطبراني من طريق ليث بن أبي سليم- وبقية رجاله ثقات- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال دعا رسول الله- ﷺ بكتف فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تختلفون بعدي فأخذ من عنده من الناس وفي لفظ: «فقالت امرأة ممن حضر ويحكم عهد رسول الله- ﷺ إليكم فقال بعض القوم اسكتي فإنه لا عقل لك فقال النبي- ﷺ أنتم لا أحلام لكم.
وروى الإمام أحمد وابن سعد- وفي سنده ضعف- عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال أمرني رسول الله- ﷺ أن آتيه بطبق أكتب فيه ما لا تضلّ أمتي من بعدي قال:
فخشيت أن تسبقني نفسه قال: قلت إني أحفظ وأوعى قال: أوصي بالصّلاة والزّكاة وما ملكت أيمانكم» .
تنبيهات
الأول: قال البيهقي والذهبي: وإنما أراد عمر التخفيف عن رسول الله- ﷺ حين رآه شديد الوجع لعلمه أن الله ﵎ قد أكمل ديننا، ولو كان ذلك الكتاب وحيا لكتبه النبي- ﷺ ولما أخل به لاختلافهم ولغطهم لقول الله تعالى: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] كما لم يترك تبليغ غيره لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه، وإنما أراد ما حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله، أن يكتب استخلاف أبي بكر، ثم ترك كتابته اعتمادا على ما علم من تقدير الله تعالى، كما هم به في ابتداء مرضه حين
قال: «وا رأساه» . ثم بدا له أن لا يكتب ثم قال: «يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر»
ثم نبه أمّته على خلافته باستخلافه إيّاه في الصلاة حين عجز عن حضورها [ (١) ] ، وبسط البيهقي الكلام في ذلك.