الباب العاشر في مدة مرضه- ﷺ واستخلافه أبا بكر في الصلاة بالناس
قال الحافظ: اختلف في مدة مرضه، فالأكثر على أنّه ثلاثة عشر يوما.
وقيل: بزيادة يوم وقيل: بنقصه.
وقيل: تسعة أيام رواه البلاذري عن علي- رضي الله تعالى عنه- وقيل: عشرة، وفيه جزم سليمان التيمي، وكان يخرج إلى الصلاة إلا أنّه انقطع ثلاثة أيّام.
قال في العيون: أمر رسول الله- ﷺ أن يصلى بالناس فصلى بهم فيما روينا سبع عشرة صلاة، ورواه البلاذري عن أبي بكر ابن أبي سبرة-
وفي لفظ- وقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» .
وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن سعد عن عبد الله بن زمعة بن الأسود قال: لما استعز برسول الله- ﷺ وأنا عنده في نفر من المسلمين قال: دعا بلال للصلاة فقال مروا من يصلي بالناس قال: فخرجت فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائبا فقال قم يا عمر فصلّ بالناس، قال: فقام فلما كبر عمر سمع رسول الله- ﷺ صوته وكان عمر رجلا مجهرا قال:
فقام رسول الله- ﷺ : لا، لا، لا يصلي بالناس إلا ابن أبي قحافة يقول ذلك مغضبا فأين أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون،
قال: فبعث إلى أبي بكر بعد ما صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس قال وقال عبد الله بن زمعة قال عمر لي: ويحك ماذا صنعت بي يا بن زمعة، والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله- ﷺ أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صليت بالناس قال:
قلت: والله ما أمرني رسول الله- ﷺ ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحقّ من حضر بالصّلاة.
وروى الشيخان وابن سعد والبلاذري والبيهقي وابن إسحاق عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما مرض رسول الله- ﷺ مرضه الذي مات فيه فثقل، فحضرت الصلاة فأذّن بلال فقال: «أصلّى النّاس؟» قلت: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله! [فقال: ضعوا لي ماء في المخضب قالت: ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: «أصلّى النّاس؟» فقلت: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله] [ (١) ] فقال: «ضعوا إليّ ماء في المخضب» قالت: فقلنا فاغتسل فقال: «أصلّى الناس؟» فقلنا: لا، هم ينتظرونك! قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله- ﷺ لصلاة العشاء الآخرة. فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس فقلت: أن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يسمع النّاس من البكاء.
стр. 5532
وفي لفظ: لم يستطع أن يصلّي بالناس فعاودته مثل مقالتي فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» فقلت لحفصة: قولي له: أن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصلّ بالناس ففعلت حفصة فقال رسول الله- ﷺ : «إنّكنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» ، قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: لقد عاودت رسول الله- ﷺ في ذلك، وما حملني على معاودته إلا أن يتشائم النّاس بأبي بكر.
- وفي لفظ- والله ما أقول ذلك إلا أني كنت أحب أن يصرف الله ذلك عن أبي بكر، وعرفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقامه أبدا، وأن الناس يتشاءمون به في كل حدث كان، فكنت أحبّ أن يصرف ذلك عن أبي بكر.
- وفي لفظ- علمت أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشائم الناس به، فأحببت أن يعدل ذلك رسول الله- ﷺ عن أبي بكر إلى غيره فأرسل رسول الله- ﷺ إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس، وكان أبو بكر رجلا رقيقا، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه من البكاء فقال: يا عمر صلّ بالنّاس قال: أنت أحقّ بذلك فصلى بهم تلك الأيام ثم إن رسول الله- ﷺ وجد خفّة فخرج يهادي بين رجلين، أحدهما العباس لصلاة الظّهر كأني أنظر إلى رجليه يخطان الأرض من الوجع، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا يتأخر وأمرهما فأجلساه إلى جنب أبي بكر عن يساره فأخذ النبي- ﷺ من حيث الآية التي انتهى أبو بكر إليها فقرأ، فجعل أبو بكر يصلي قائما ورسول الله- ﷺ يصلي قاعدا، وفي رواية: فكان أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله والناس يصلون بصلاة أبي بكر.
وروى ابن إسحاق وابن سعد والبلاذري عن عبيد الله بن أبي مليكة عن عبيد بن عمير، أن رسول الله- ﷺ لما فرغ من الصلاة يوم صلى قاعدا عن يمين أبي بكر قال: وأقبل عليهم فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد: يا أيها الناس سعّرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم وإنّي والله لا يمسك الناس عليّ بشيء إني لم أحلّ إلّا ما أحلّ القرآن ولم أحرّم إلّا ما حرّم القرآن يا فاطمة بنت رسول الله- ﷺ يا صفية عمّة محمد اعملا لها عند الله فإني لم أغن عنكما من الله شيئا، فلما فرغ رسول الله- ﷺ من كلامه قال أبو بكر: يا رسول الله إنّي أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما تحب واليوم يوم بنت خارجة فأتها قال: نعم ثم دخل رسول الله- ﷺ وخرج أبو بكر إلى أهله بالسّنح.
وروى الإمام أحمد والنسائي والبيهقي والترمذي وصححه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: صلى رسول الله- ﷺ خلف أبي بكر قاعدا في مرضه الذي مات فيه» .
стр. 5533
وروى ابن سعد عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كشف رسول الله- ﷺ السّتارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: «أنه لم يبق من مبشّرات النّبوّة إلّا الرّؤيا الصّالحة يراها المسلم، أو ترى له ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا، فأمّا الرّكوع فعظموا فيه الرّب، وأما السّجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» .
وروى الطبراني عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كشف رسول الله- ﷺ سترا، وفتح بابا في مرضه، فنظر إلى الناس يصلون خلف أبي بكر، فسرّ رسول الله- ﷺ بذلك.
وروى ابن سعد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: إن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع رسول الله- ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله- ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأنّ وجهه ورقة بمصحف، ثم تبسم رسول الله- ﷺ ضاحكا، فبهشنا ونحن في الصلاة من الفرح بخروج رسول الله- ﷺ ، وفي رواية: «وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم برسول الله- ﷺ حين رأوه ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصّفّ وظنّ أن رسول الله- ﷺ خارج إلى الصلاة فأشار إليهم رسول الله- ﷺ أن أتموا صلاتكم ثم دخل رسول الله- ﷺ وأرخى الستر، قال: فتوفي رسول الله- ﷺ من يومه» .
وروي أيضا عنه قال آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله- ﷺ يوم الاثنين كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فلما رآه الناس تخشخشوا فأومأ إليهم أن امكثوا مكانكم فنظرت إلى وجهه كأنّه ورقة مصحف ثم ألقى السّجف وتوفّي من آخر ذلك اليوم.
في بيان غريب ما سبق:
«استعزّ» بضم المثناة والفوقية وكسر العين المهملة وزاء معجمة يقال: أستعز بفلان أي غلب عن كل شيء من مرض أو غيره.
وقال أبو عمر: استعزّ بالعليل إذا غلب على عقله.
المخضب بالكسر شبه المركن وهي إجّانة تغسل فيها الثياب] .
السّنح هنا بضم السين والنون.
وقيل: بسكونها، أطم الجشم وزيد بن الحارث على ميل من المسجد النبوي، وهو أدنى العالية سميت الناحية، ووهم من جعله بحري مسجد الفتح، لأن ذلك بالمثناة التحتية وكسر السين قاله السيد نور الدين السمهودي في «تاريخ المدينة» .
«قمن-: بقاف مفتوحة فميم مكسورة فنون: حقيق.
стр. 5534
الباب الحادي عشر في إرادته- ﷺ أن يكتب لأبي بكر كتابا ثم لم يكتب
روى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما ثقل رسول الله- ﷺ قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: ائتني بكتف أو لوح أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه، فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: «يأبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر» ورواه البخاري لقد: هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول قائلون، أو يتمنى المتمنون ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون ورواه مسلم بلفظ قال لي رسول الله- ﷺ في مرضه ادع لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن أو يقول قائل: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، وقد ورد أنه أراد أن يكتب كتابا ولم يذكر أبا بكر.
الباب الثاني عشر في إرادته- ﷺ أن يكتب لأصحابه كتابا فاختلفوا فلم يكتب
روى الشيخان عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بلّ دمعه الحصى، قلت يا ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله- ﷺ وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فقال عمر: أن رسول الله- ﷺ مدّ عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت، فاختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم ومنهم من يقول ما قال عمر. فتنازعوا ولا ينبغي عند النبي التنازع، فقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه! فذهبوا يعيدون عليه فقال رسول الله- ﷺ : «قوموا» لما أكثروا اللّغو والاختلاف عنده، دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه. فقال: وأوصاهم عند موته بثلاث فقال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم قال: وسكت عن الثالثة، أو قال: فنسيها فقال ابن عباس إن الرّزيئة سحل الرّزيئة ما حال بين رسول الله- ﷺ وبين أن يكتب لهم هذا الكتاب لاختلافهم ولغطهم» .
وروى أبو يعلى بسند صحيح عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلون بعده وفي رواية: «يكتب فيهما كتابا لأمّته
стр. 5535
لا يظلمون ولا يظلمون» وكان في البيت لغط فنكل عمر فرفضها رسول الله- ﷺ .
وروى الطبراني من طريق ليث بن أبي سليم- وبقية رجاله ثقات- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال دعا رسول الله- ﷺ بكتف فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تختلفون بعدي فأخذ من عنده من الناس وفي لفظ: «فقالت امرأة ممن حضر ويحكم عهد رسول الله- ﷺ إليكم فقال بعض القوم اسكتي فإنه لا عقل لك فقال النبي- ﷺ أنتم لا أحلام لكم.
وروى الإمام أحمد وابن سعد- وفي سنده ضعف- عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال أمرني رسول الله- ﷺ أن آتيه بطبق أكتب فيه ما لا تضلّ أمتي من بعدي قال:
فخشيت أن تسبقني نفسه قال: قلت إني أحفظ وأوعى قال: أوصي بالصّلاة والزّكاة وما ملكت أيمانكم» .
تنبيهات
الأول: قال البيهقي والذهبي: وإنما أراد عمر التخفيف عن رسول الله- ﷺ حين رآه شديد الوجع لعلمه أن الله ﵎ قد أكمل ديننا، ولو كان ذلك الكتاب وحيا لكتبه النبي- ﷺ ولما أخل به لاختلافهم ولغطهم لقول الله تعالى: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] كما لم يترك تبليغ غيره لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه، وإنما أراد ما حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله، أن يكتب استخلاف أبي بكر، ثم ترك كتابته اعتمادا على ما علم من تقدير الله تعالى، كما هم به في ابتداء مرضه حين
قال: «وا رأساه» . ثم بدا له أن لا يكتب ثم قال: «يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر»
ثم نبه أمّته على خلافته باستخلافه إيّاه في الصلاة حين عجز عن حضورها [ (١) ] ، وبسط البيهقي الكلام في ذلك.
стр. 5536
وقال المازري: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره بذلك، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلّت على أن الأمر ليس على التحتم بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه- ﷺ قال ذلك عن غير قصد جازم [وعزمه- ﷺ كان إمّا بالوحي وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه إن كان بالوحي فبالوحي وإلا فبالاجتهاد أيضا] .
وقال النووي: اتفق العلماء على أن قول عمر «حسبنا كتاب الله» من قوة فقهه ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب أمورا ربما عجزوا عنها فيستحقوا العقوبة لكونها منصوصة وأراد أن لا يسد باب الاجتهاد من العلماء، وفي تركه- ﷺ الإنكار على عمر الإشارة إلى تصويبه وأشار بقوله: «حسبنا كتاب الله» إلى قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:
٣٨] ولا يعارض ذلك قول ابن عباس: أن الرزية ... إلخ، لأن عمر كان أفقه منه قطعا، ولا يقال: أن ابن عباس لم يكتف بالقرآن مع أنه حبر القرآن وأعلم الناس بتفسيره ولكنه أسف على ما فاته من البيان وبالتنصيص عليه لكونه أولى من الاستنباط والله تعالى أعلم.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
قولهم: «أهجر» بإثبات همز الاستفهام وفتح الهاء والجيم، قالوا: ولبعضهم هجرا بضم الهاء وسكون الجيم والتنوين أي قال هجرا والهجر بضم الهاء وسكون الجيم، وهو الهذيان الذي يقع من كلام المريض، الذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته ووقوع ذلك من النبي- ﷺ في حقه مستحيل.
وإنما هذا على طريق الاستفهام الذي معناه الإنكار والإبطال- أي أنه- ﷺ لا يهجر أي: لم يختلفوا في الأخذ عنه ولم ينكروا عليه الكتاب، وهو لا يهجر أصلا.
الرزيئة براء مفتوحة فزاي مكسورة فياء فهمز المصيبة.
اللغط: بغين معجمة فطاء مهملة محركا الصوت أو الجلبة، أو أصوات مبهمة لا تفهم.
стр. 5537
الباب الثالث عشر في إخراجه- ﷺ من المال كان عنده وعتق عبيده
روى ابن سعد والطبراني- برجال الصحيح- عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- قال: كان عند رسول الله- ﷺ سبعة دنانير وضعها عند عائشة فلما كان في مرضه قال: يا عائشة ابعثي الذّهب إلى علي، ثم أغمي عليه وشغل عائشة ما به حتى قال ذلك مرارا كل ذلك يغمى على رسول الله- ﷺ ويشغل عائشة ما به فبعث به إلى علي فتصدّق به، ثم أمسى رسول الله- ﷺ ليلة الاثنين في جديد الموت، فأرسلت عائشة إلى امرأة من النساء بمصباحها فقالت: اقطري لنا في مصباحي من عكيك السن فإن رسول الله- ﷺ أمسى في جديد الموت» .
وروى ابن سعد أيضا عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أن رسول الله- ﷺ قال لعائشة- وهي مسندته إلى صدرها: «يا عائشة ما فعلت تلك الذّهب؟ قالت: هي عندي قال فأنفقيها ثم غشي عليه وهو على صدرها فلما أفاق قال: هل أنفقت تلك الذّهب يا عائشة قالت: لا والله يا رسول الله، قالت: فدعا بها فوضعها في كفّه، فعدّها، فإذا هي ستّة دنانير فقال: ما ظنّ محمّد بربّه أن لو لقي الله وهذه عنده؟ فأنفقها كلها، ومات من ذلك اليوم.
وروى مسدد وابن أبي عمر وابن أبي شيبة والإمام أحمد- برجال الصحيح- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال لي رسول الله- ﷺ في وجعه الذي مات فيه: ما فعلت بالذّهب؟ قلت: هو عندي يا رسول الله قال: ائت بها فأتيت بها فجعلها في كفّه وهي بين الخمس والسّبع فرفع بها كفّه وقال: أنفقيها وقال: ما ظنّ محمّد إن لقي الله وهذه عنده أنفقيها.
وروى أبو طاهر المخلص عن سهل بن يوسف عن أبيه عن جده قال: أعتق النبي- ﷺ في مرضه أربعين نفسا-.
стр. 5538
الباب الرابع عشر في إعلامه- ﷺ ابنته فاطمة- رضي الله تعالى عنها- بموته
روى الخمسة والطبراني وابن حبان والحاكم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: اجتمع نساء رسول الله- ﷺ لم يغادر منهم امرأة في وجعه الذي مات فيه وما رأيت أحدا أشبه سمتا وهديا ودلّا برسول الله- ﷺ في قيامها وقعودها من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها وقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك، فلما مرض جاءت تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله- ﷺ فقال: مرحبا يا بنتي فأجلسها عن يمينه أو عن شماله فأكبت عليه تقبّله، فسارّها بشيء، فبكت، ثم سارّها فضحكت فقلت:
ما رأيت اليوم فرحا أقرب من حزن فسألتها عن ذلك قلت لها: ما خصك رسول الله- ﷺ بالسّرار وتبكين فلما أن قامت قلت لها: أخبريني بما سارّك؟ قالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله- ﷺ فلما أن توفي قلت لها: أسألك بما لي عليك من الحق لما أخبرتيني قالت أما الآن فنعم: سارّني فقال: إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، وأنه لم يكن نبيّ كان بعده نبيّ إلا عاش بعده نصف عمر الذي كان قبله، ولا أرى ذلك إلا اقترب أجلي- وفي لفظ- فقالت إنه أخبرني أنه يقبض في وجعه، فاتقي الله واصبري، إن جبريل أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المؤمنين أعظم رزنة منك فلا تكوني أدنى امرأة منهن صبرا فنعم السلف أنا لك فبكيت ثم سارني فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة- وفي لفظ- «أخبرني أني أول أهله لحوقا به، فضحكت ضحكي الذي رأيت» .
تنبيهات
الأول: قال الحافظ: اتفقت الروايات على أن الذي سارها به أولا فبكت هو إعلامه إياها بأنه ميت في مرضه ذلك، واختلف فيما سارّها به فضحكت.
ففي رواية عروة أنه إخباره إياها بأنها أول أهله لحوقا به.
وفي رواية مسروق بأنه إخباره إياها أنها سيدة نساء أهل الجنّة، وجعل كونها أول أهله لحوقا به مضموما إلى الأول وهو الراجح، ويحتمل تعدد القضية.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
«السمت» : - بسين مهملة مفتوحة فميم ساكنة: الطريق وهيئة أهل الخير والهدي.
ساره في أذنه سارة وسرارا بكسر السين، وتسارّوا: أي تناجوا.
стр. 5539
الباب الخامس عشر في وصيته- ﷺ الأنصار عند موته
روى البخاري والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ خرج في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء ملتحفا بملحفة على منكبيه فجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «أما بعد فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار حتى يكونوا في النّاس مثل الملح في الطعام، فمن ولى منكم أمرا يضرّ به قوما وينفع به آخرين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئتهم» وكان آخر مجلس جلسه.
وروى البيهقي عن أبي أيوب بن بشير أن رسول الله- ﷺ خرج في مرضه الذي توفي فيه فجلس على المنبر فكان أول ما ذكره بعد حمد الله تعالى والثناء عليه ذكر أصحاب أحد، فاستغفر لهم ودعا لهم، ثم قال: «يا معشر المهاجرين إنكم أصبحتم تزيدون والأنصار على هيئتها لا تزيد، وإنّهم عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» .
وروى البخاري وسيف بن عمر في «الفتوح» عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن أبا بكر وعمر كانا يوما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقالا: ما يبكيكم قالوا: ذكرنا مجلس رسول الله- ﷺ منا، فدخل أحدهما على النبي- ﷺ فأخبره بذلك- وعند سيف- أن الأنصار لما رأوا رسول الله- ﷺ يزداد وجعا طافوا بالمسجد، فدخل العباس فأعلم النبي- ﷺ بمكانهم وإشفاقهم ثم دخل الفضل فأعلمه بمثل ذلك ثم دخل عليه علي بن أبي طالب كذلك،
وخرج النبي- ﷺ ، زاد سيف: «متوكئا على عليّ والفضل والعباس، أمامهم قد عصب على رأسه حاشية برد- زاد سيف: - يخطّ الأرض برجله فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم- زاد سيف- أنه جلس على أسفل مرقاة منه، وثار الناس إليه فحمد الله وأثنى عليه- زاد سيف- فقال: أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم قبلكم فمن بعث إليكم فأخلد فيكم، ألا إني لاحق بربّي وإنكم لاحقون به، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا وأوصي المهاجرين فيما بينهم، فإن الله تعالى يقول: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ١، ٢] إلى آخرها، وإن الأمور تجري بإذن الله تعالى ولا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله فإن الله لا يعجل بعجلة أحد ومن غالب الله غلبه ومن خادع الله خدعه فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ [محمد: ٢٢] انتهى. أوصيكم بالأنصار- وزاد سيف- خيرا فإنهم الذين تبوّأوا الدّار والإيمان من قبلكم، ألم يشاطروكم في الثّمار، ألم يوسّعوا لكم في الدّيار، ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم خصاصة، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم- زاد سيف- ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل
стр. 5540
من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم وفي لفظ: فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئتهم.
- زاد سيف- ولا تستأثروا عليهم، ألا وإنّي فرط لكم وأنتم لاحقون بي ألا وإنّ موعدكم الحوض فمن أحب أن يرده غدا فليكفف لسانه ويده ألا فيما ينبغي يا أيها الناس إنّ الذّنوب تغيّر النّعم وتبدّل القسم، فإذا بر الناس برهم وإذا فجر الناس عقهم.
في بيان غريب ما سبق .
دسما: بدال فسين مهملتين فميم أي: سوداء الملحفة.
كرشي وعيبتي قال الحافظ: أي بطانتي وخاصّتي قال القزاز: ضرب المثل بالكرش لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه، ويقال: كرش منثورة أي عيال كثيرة، والعيبة بفتح المهملة وسكون المثناة بعدها موحدة ما يحرز فيه الرجل نفيس ما عنده، يريد أنهم موضع سره وأمانته، قال ابن دريد: هذا من كلامه- ﷺ الموجز الذي لم يسبق إليه وقال غيره الكرش بمنزلة المعدة للإنسان والعيبة: مستودع الثياب، والأول أمر باطن، والثاني أمر ظاهر، فكأنه ضرب المثل بهما في إرادة اختصاصهم بأموره الباطنة والظاهرة، والأوّل أولى وكل من الأمرين مستودع لما يخص فيه] .
الباب السادس عشر في جمعه- ﷺ أصحابه في بيت عائشة- رضي الله تعالى عنها- ووصيته لهم
روي عن مرّة عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنهم- قال: نعى إلينا نبيّنا وحبيبنا- ﷺ نفسه قبل موته بشهر، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة فنظر إلينا وتشدّد ودمعت عيناه، وتداوم القوم ونظر إلى الأرض وقال: مرحبا بكم- حيّاكم الله رحمكم الله آواكم الله قبلكم الله أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله بكم وأستخلفه عليكم وأذكّركم الله وأشهدكم أنّي لكم منه نذير وبشير أن لا تعلوا على الله في عباده وبلاده فإنه قال لي ولكم تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣] وقال: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:
٦٠] قلنا: متى أجلك يا رسول الله؟ فقال: دنا الأجل والمنقلب إلى الله وإلى سدرة المنتهى، وإلى جنّة المأوى والفردوس الأعلى والكأس الأوفى والعيش والحظّ المهنّى قلنا:
فمن يغسّلك يا رسول الله؟ قال رجال من أهل بيتي الأدنى فالأدنى.
стр. 5541
قلنا: ففيم نكفّنك يا رسول الله؟ قال: في ثيابي هذه إن شئتم، أو فى بياض مصر أو حلّة يمانية.
قلنا: فمن يصلي عليك يا رسول الله؟ قال: فبكى وبكينا فقال: «مهلا غفر الله لكم وجزاكم عن نبيّكم خيرا إذا أنتم غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري هذا على شفير قبري من بيتي هذا ثم اخرجوا عني ساعة، فإن أول من يصلي عليّ خليلي وحبيبي جبريل، ثم ميكائيل ثم إسرافيل، ثم ملك الموت معه جنوده بأجمعهم مع الملائكة عليهم الصلاة والسلام ثم ادخلوا عليّ أفواجا فصلوا علي وسلموا تسليما، ولا يؤمكم أحدا، ولا تؤذوني بتزكية ولا بضجّة ولا برنّة أقرؤوا أنفسكم مني السلام، ومن كان غائبا من أصحابي فأبلغوه عني السلام، وأشهدكم أني قد سلمت على من دخل في الإسلام ومن تابعني على ديني إلى يوم القيامة قلنا: فمن يدخلك قبرك يا رسول الله؟ قال: رجال من أهل بيتي، الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثير، يرونكم من حيث لا ترونهم.
روى البزار عن محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن الأصبهاني عن مرّة بن عبد الله، وعبد الرحمن هذا لم يسمع من مرّة كما قال البزار بينه وبينه اثنان كما عند ابن منيع والطبراني، أو ثلاثة كما عند ابن جرير والطبراني وخلاد بن مسلم الأسدي الصفا والأشعث بن طليق ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا [ (١) ] .
روى عن الحسن العرني وروى عن خلاد بن مسلم الصّفّار أبو مسلم ثقة في الكوفيين، سمعت أبي وأبا زرعة يقولان ذلك، وذكره الأزدي في الضعفاء وتبعه وقال: لا يصح حديثه لكنهما صحفا اسم أبيه فقالا: طابق.
والحسن العرني هو ابن عبد الله ثقّة من رجال البخاري ومسلم، ورواه ابن سعد عن شيخه محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون عن ابن مسعود به.
قلت: ورواه أحمد بن منيع في مسنده والطبراني في «الدعاء» عن ابن الأصبهاني عن الأشعث بن طليق أنه سمع الحسن العرني يحدث عن مرة عن ابن مسعود.
ورواه ابن جرير عن محمد بن عمر الصباح الهمذاني، حدثنا يحيى بن عبد الرحمن حدثنا مسلم بن جعفر البجلي قال: سمعت عبد الملك بن الأصبهاني عن خلاد الأسدي قال: قال عبد الله بن مسعود يذكره.
стр. 5542
ورواه ابن سعد عن محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن أبي عون عن ابن مسعود به.
ورواه الطبراني في «الدعاء» من طريق ابن عيينة حدثني نبيط بن شريط عن عبد الملك بن عبد الرحمن الأصفهاني عن الأشعث بن طليق أنه سمع الحسن العرني يحدث عن مرة.
ومن طريق محمد بن أبان البلخي، حدثنا عمرو بن محمد العبقري حدثنا عبد الملك الأصبهاني حدثنا خلاد بن الصفار عن الأشعث بن طليق عن الحسن العرني عن مرة.
ورواه البيهقي من طريق سلام بن سليم الطويل عن عبد الملك بن عبد الرحمن وقال:
انفرد به سلام الطويل وقد علمت مما تقدم أن سلام لم ينفرد به.
وروى أبو الحسن بن الضحاك من طريق سيف عن بشر بن الفضل عن أبيه، أن رسول الله- ﷺ قال في مرضه الذي توفي فيه لأبي بكر: «أجمع لي يا أبا بكر الأربعين الذين سبقوا الناس إلى هذا الدين، وأودع عمر معهم ففعل، وكان قبل وفاته بخمسة عشر ليلة، فخلص لهم ودعا لهم، وعهد عهده وهم شهود، وهي آخر وصية أوصاها رسول الله- ﷺ .
وروى ابن أبي شيبة وأبو يعلى والنسائي في «الكبرى» عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: والذي أحلف به إن كان عليّ لأقرب النّاس عهدا برسول الله- ﷺ قالت:
كان رسول الله- ﷺ يوم قبض في بيت عائشة فجعل رسول الله- ﷺ غداة بعد غداة يقول: جاء عليّ، مرارا قالت فاطمة: كان بعثه في حاجة، فخرجنا من البيت، فقعدنا عند البيت، فكنت من أدناهم إلى الباب فأكب عليه عليّ فجعل يسارّه ويناجيه حتى قبض من يومه ذلك، فكان أقرب الناس به عهدا
[ (١) ] .
стр. 5543
الباب السابع عشر في وصيته- ﷺ بالصلاة وغيرها من أمور الدين وأنه لم يوص بشيء من أمور الدنيا
روى الإمام أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة وابن سعد والبيهقي وابن الجوزي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كانت عامة وصية رسول الله- ﷺ حين حضره الموت وهو يغرغر بنفسه «الصّلاة وما ملكت أيمانكم» - وفي لفظ «الصلاة واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» حتى جعل رسول الله- ﷺ يغرغر بها في صدره، وما يفيض بها لسانه- وفي لفظ- ما كان يفيض بها لسانه.
وروى الجماعة إلا البخاري عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما ترك رسول الله- ﷺ دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء.
وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة وابن سعد عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أن رسول الله- ﷺ لما حضر جعل يقول: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» فجعل يتكلم بها وما كان لسانه يفيض بها.
وروى ابن سعد عن كعب بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: أغمي على رسول الله- ﷺ ثم أفاق فقال: «الله الله فيما ملكت أيمانكم، ألبسوا ظهورهم وأشبعوا بطونهم، وألينوا لهم القول» .
وروى الجماعة إلا أبا داود عن طلحة بن مصرف قال: سألت ابن أبي أوفى هل أوصى رسول الله- ﷺ ؟ قال: لا. قلت: كيف كتب على الناس وأمر بها ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله.
وروى أبو داود وابن ماجه عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: كان آخر كلام رسول الله- ﷺ : «الصلاة وما ملكت أيمانكم» يغرغر بها نفسه.
стр. 5544
الباب الثامن عشر في تحذيره- ﷺ أن يتخذ قبره مسجدا
روى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- وابن سعد قال: لما نزل برسول الله- ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنّصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت عائشة: يحذّر مثل ما صنعوا.
وروى البخاري عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود [والنّصارى] [ (١) ] اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
قالت عائشة: لولا ذلك لأبرز قبره خشي أن يتّخذ مسجدا.
وروى الطيالسي والإمام أحمد عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنه- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «أدخلوا عليّ أصحابي» فدخلوا عليه وهو متقنّع ببرد له معافر. فقال:
«لعن الله اليهود» زاد الإمام أحمد «والنّصارى، اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
وروى ابن أبي شيبة والحارث وأبو يعلى عنه قال: دخلنا على رسول الله- ﷺ نعوده وهو مريض فوجدناه نائما قد غطّى وجهه ببرد عدنيّ فكشف عن وجهه ثم قال: لعن الله اليهود يحرّمون شحم الغنم ويأكلون أثمانها ...
الحديث.
وروى الحارث عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- قال: دخلت على رسول الله- ﷺ في مرضه الذي مات فيه فقال: «أجلسوني» . فأجلسه [علي- رضي الله تعالى عنه-] [ (٢) ] إلى صدره.
стр. 5545
الباب التاسع عشر في ما يؤثر عنه- ﷺ من ألفاظه في مرض موته وآخر ما تكلم به
روى البخاري عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: لما ثقل رسول الله- ﷺ جعل يتغشّاه الكرب فقالت فاطمة- رضي الله تعالى عنها- وا كرب أبتاه فقال: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» ، ورواه الإمام أحمد وابن ماجة بلفظ إنه قد حضر بأبيك ما ليس الله ﵎ بتارك منه أحدا لموافاة يوم القيامة [ (١) ] .
وروى ابن سعد والشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كنت أسمع أنه لا يموت نبيّ حتى يخير بين الدنيا والآخرة قالت: فأصابت رسول الله- ﷺ بحّة شديدة في مرضه فسمعته يقول: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: ٦٩] فظننت أنه خيّر.
وروى الإمام أحمد وابن سعد والشيخان والبيهقي عنها قالت: كان جبريل يعوّذ رسول الله- ﷺ إذا مرض «وفي لفظ: كأن رسول الله- ﷺ يعوذ بهؤلاء الكلمات:
«اذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، شفاء لا يغادر سقما» ، قالت: فلما ثقل رسول الله- ﷺ أخذت بيده فجعلت أمسحه بها وأعوّذه فنزع يده منّي.
زاد ابن سعد «ارفعي عني، فإنها إنما كانت تنفعني في المرة» .
وعند الحاكم من حديث أنس أنّ آخر كلمة يتكلم بها: جلال ربي الرفيع.
وروى النسائي والحارث بن أبي أسامة عنها قالت: أغمي على رسول الله- ﷺ وهو في حجري فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء بهذه الكلمات: «اذهب البأس رب الناس» ففاق فانتزع يده من يدي فقال: «بل اسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل» .
وروى ابن سعد عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه- أن كعب الأحبار قدم زمن عمر فقال: يا أمير المؤمنين، ما كان آخر ما تكلم به رسول الله- ﷺ فقال: سل عليّا فسأله فقال: الصلاة الصلاة فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء» .
وروى البلاذري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: كشف عن رسول الله- ﷺ الستر، فرأيته معصوبا في مرضه الذي مات فيه، فقال: اللهم هل بلغت ثلاثا ثم قال: لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح، أو ترى له.
стр. 5546
وروى الإمام أحمد من طريقين منها ثقات متصل اتصل إسنادهما عن أبي عبيدة- رضي الله تعالى عنه- قال: أخر ما تكلم به رسول الله- ﷺ أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أنّ شرار النّاس الّذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
وروى البخاريّ والبيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- ﷺ بين يديه ركوة أو علبة وفيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، ثم نصب يده اليمنى فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده في الماء.
وروى ابن سعد والبيهقي وصححه الذهبي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ قبل موته بثلاث يقول: «أحسنوا الظّنّ بالله» .
وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: رأيت رسول الله- ﷺ يموت وعنده قدح فيه ماء، يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: «اللهم أعنّي على سكرات الموت» .
وروى الإمام أحمد بسند قال ابن كثير: لا بأس به عنها أن رسول الله- ﷺ قال: «إنه ليهوّن عليّ الموت، إني رأيت بياض كفّ عائشة في الجنة» [ (١) ] ورواه ابن سعد عن الشعبي مرسلا،
وهذا دليل على صحة محبته- ﵊ لعائشة.
تنبيه في بيان غريب ما سبق:
«الكرب» : بكاف مفتوحة فراء ساكنة فموحدة الغم.
«البحّة» : بموحدة فمهملة خشونة وغلظ في الصوت.
«الرّكوة» : [شبه تور من أدم وقال المطرزي: دلو صغير: وقال غيره: كالقصعة تتخذ من جلد، ولها طوق خشب] .
«العلبة» : بعين مهملة مضمومة فلام ساكنة فموحدة المراد به هنا قدح من خشب.
الرفيق قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى.
قال الأزهري: وهو غلط، بل الرفيق ها هنا جماعة يسكنون أعلى عليين، اسم جاء على فعيل ومعناه: الجماعة من قوله ﵎: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: ٦٩] ويجوز أن يقال في الجماعة: هم لي صديق وعدو فتفرد، لأنه صفة الرّفيق، ويصح أن يقال: قومك
стр. 5547
صاحبك وأبوك، فإنما يحسن هذا إذا وصف الصديق وفريق وعدو، لأنها صفة لفريق والحزب، لأن الصداقة والعداوة صفتان متضادتان، فإذا كان أحدهما على الفريق الواحد كان الآخر على ضدها، وكانت قلوب أحد الفريقين في تلك الصفة على قلب رجل واحد في عرف العادة، فحسن الإفراد وليس يلزم مثل هذا في القيام والقعود ونحوه حتى يقال: هو قائم أو قاعد كما يقال: هم لي صديق وعدو كما قدمناه من الاتفاق والاختلاف، وأهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد، وهذه الكلمة آخر كلمة تكلم بها رسول الله- ﷺ وهي تتضمن معنى التوحيد الذي يجب أن يكون آخر كلام المؤمن
لأنه- ﷺ قال: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء: ٦٩]
وهم أصحاب الصراط المستقيم وهم أهل لا إله إلا الله، ويؤيد ذلك قول عائشة رضي الله تعالى عنها ب «ثم نصب يده» .
وفي رواية عنها «فأشار بإصبعه» .
وفي رواية: «اللهمّ الرّفيق الأعلى» وأشار بإصبعه السبابة يريد التوحيد قاله السهيلي.
الباب العشرون في آخر صلاة صلاها بالناس- ﷺ -
روى البخاري والبلاذري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- عن أمّه أم الفضل قالت: خرج علينا رسول الله- ﷺ وهو عاصب رأسه في مرضه في بيته في ثوب واحد، قد توشّح به، فصلى بنا المغرب، فقرأ بالمرسلات فما صلى لنا بعدها حتى لقي الله، أرادت فما صلى بعدها بالناس.
وروى البيهقي من طريقين، قال ابن كثير: وإسناده على شرط الصحيح عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: آخر صلاة صلاها رسول الله- ﷺ مع القوم في ثوب واحد برد مخالفا بين طرفيه فلما أراد أن يقوم قال: ادع لي أسامة بن زيد فجاء فأسند ظهره إلى نحره فكانت آخر صلاة صلاها.
قال البيهقيّ: ففي هذا دلالة أن هذه الصلاة التي صلاها خلف أبي بكر كانت صلاة الصبح يوم الاثنين يوم الوفاة، لأنها آخر صلاة صلاها لما ثبت أنه توفي في ضحى يوم الاثنين.
قال ابن كثير: وهو تابع في ذلك ابن عقبة وعروة وهو قول ضعيف، بل هذا آخر صلاة صلاها مع القوم، ثم لا يجوز أن تكون هذه صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة، لأن تلك لم يصلّها مع الجماعة، بل في بيته لما به من الضعف- ﵊ ويدل لذلك
стр. 5548
حديث أنس الآتي في ذلك في تاريخ وفاته- ﷺ وهو أوضح دليل على أنه- ﷺ لم يصل يوم الاثنين صلاة الصبح وأنه كان قد انقطع عنهم لم يخرج إليهم، فعلى هذا يكون آخر صلاة صلاها الظهر كما جاء مصرحا به في حديث عائشة- رضي الله تعالى عنها- في صلاة أبي بكر، ويكون ذلك يوم الخميس لا يوم السبت، ولا يوم الأحد كما حكاه البيهقيّ عن مغازي ابن عقبة وهو ضعيف لما قدمناه من خطبته بعدها، ولا انقطع عنهم يوم الجمعة والسبت والأحد، وهذه ثلاثة أيام كوامل.
الباب الحادي والعشرون في استعماله- ﷺ السواك قبل وفاته
روى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «إن من أنعم الله علي أن رسول الله- ﷺ توفي في بيتي وبين سحري ونحري» وفي رواية «بين حاقنتي وداقنتي» وأن الله تعالى جمع بين ريقي وريقه عند الموت، فدخل عليّ عبد الرحمن وبيده سواك» .
وفي رواية «جريدة خضراء يشير بها وأنا مسندة رسول الله- ﷺ إلى صدري، فرأيته ينظر إليه، فعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه أي نعم فقّصمته ثم مضغته ونقضته فأخذه، فاستنّ به أحسن ما كان مستتنا.
وروى محمد بن يحيى بن أبي عمرو العرني- برجال ثقات- عنها أن رسول الله- ﷺ رفع رأسه في مرضه قالت: فأخذته فأسندته إلى صدري فدخل أسامة بن زيد وبيده سواك أراك رطب، فلحظه إليه، فظننت أنه يريده، فأخذته فنكشته بفي، فدفعته إليه فأخذه وأهواه إلى فيه، فخفقت يده فسقط من يده.
وروى الحارث بن أبي أسامة وابن أبي شيبة عنها قالت: «مات رسول الله- ﷺ أو توفي بين حاقنتي وداقنتي، فلا أكره شدّة الموت لأحد بعد الذي رأيت من رسول الله- ﷺ .
وروى ابن سعد عنها قالت: لا أزال أغبط المؤمن شدة الموت بعد شدته على رسول الله- ﷺ .
تنبيهات
الأول: قال السهيلي في هذا الحديث أي: حديث السواك: فيه من الفقه التنظف
стр. 5549
والتطهر [ولذلك يستحب الاستحداد لمن استشعر القتل أو الموت لأن الميت قادم على ربه كما أن المصلي مناج لربّه فالنظافة من شأنهما.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
«السّحر» بسين مفتوحة وتضم وحاء ساكنة مهملتين وبفتحتان الرّئة يريد أنه مات وهو مستند لصدرها ما بين جوفها وعنقها وما ألصق بالحلقوم والمريء من أعلى البطن، ورواه عمارة بن عقيل بشين وجيم معجمتين وسئل عنه فشبك بين أصابع يديه وضمها إلى نحره، كأنه يضم شيئا إليه أي أنّه مات وقد ضمته بيدها إلى صدرها ونحرها، والشحر التشبيك وهو الذقن أيضا والمحفوظ الأول.
«القضم» بالقاف وهو الكسر ودق الشيء وأبانته أي كسّرته فأبانت منه الموضع الذي كان استن به عبد الرحمن، وإن كان تالفا فهو الكسر من غير إبانة.
والحاقنة: المعدة أو النقرة بين الترقوة وحبلي العاتق.
الذاقنة: طرف الحلقوم، وقيل: الذّقن، وقيل: ما يناله الذقن من الصدر. والله تعالى أعلم.
الباب الثاني والعشرون في معاتبته- ﷺ نفسه على كراهية الموت
روى ابن سعد عن أبي الحويرث أن رسول الله- ﷺ لم يشتك شكوى إلّا سأل الله تعالى العاقبة، حتى كان في مرضه الذي توفي فيه فإنه لم يكن يدعو بالشفاء وطفق يقول: «يا نفسي ما لك تلوذين كلّ ملاذ» .
الباب الثالث والعشرون فيما جاء أنه قبض ثم أري مقعده من الجنة ثم ردّت إليه روحه ثم خيّر
روى الإمام أحمد والشيخان وابن سعد والطّبرانيّ وأبو نعيم بسند صحيح عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان النبي- ﷺ يقول وهو صحيح: ما من نبي إلا تقبض نفسه ثم يرى مقعده من الجنّة ثم تردّ إليه روحه فيخير بين أن يرد إليه إلى أن يلحق، فكنت قد حفظت ذلك، فإني لمسندته إلى صدري، فنظرت إليه قد غشى عليه ساعة حتى مات عنقه،
стр. 5550
فقلت قد قضى قالت: فعرفت الذي قال: ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت، فنظرت إليه حين ارتفع نظره فقلت: إذا والله لا يختار إلّا الرّفيق الأعلى، مع جبريل وميكائيل وإسرافيل، ومع الّذين أنعم الله عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، فعرفت أنه الحديث الذي حدثناه وهو صحيح.
قال الحافظ: وفي «مغازي» أبي الأسود عن عروة: أن جبريل نزل إليه في تلك الحالة «فخيّره» وتقدمت أحاديث في باب «ما يؤثر عنه من ألفاظه» .
الباب الرابع والعشرون في تردد جبريل إليه واستئذان ملك الموت وزيارة إسماعيل صاحب السماء الدنيا له- ﷺ وقبض روحه الشريفة وصفة خروجها وصفة الثياب التي قبض فيها
روى ابن سعد والبيهقي عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه معضلاً والإمام الشافعي في مسنده، والطبراني عنه عن جده عن أبي الحسين مرسلا، ومحمد بن يحيى وبقي بن مخلد عنه عن أبيه عن جده عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب موصولا- ورجاله ثقات- أنه لما كان قبل وفاة رسول الله- ﷺ بثلاثة أيام هبط جبريل إلى النبي- ﷺ فقال: يا محمد وفي رواية يا أحمد إنّ الله أرسلني إليك إكراما لك وتفضيلا وخاصّة لك، ليسألك عما هو أعلم به منك
- وفي حديث أبي هريرة عن ابن الجوزي فقال: إن الله يقرئك السّلام يقول: كيف تجدك؟ قال: «أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا» [فلما كان اليوم الثاني هبط إليه جبريل فقال: يا أحمد إن الله أرسلني إليك إكراما لك وتفضيلا لك وخاصة لك يسألك عما هو أعلم به منك، يقول لك: كيف تجدك؟
قال: «أجدني يا جبريل مغموما؟ وأجدني يا جبريل مكروبا» ] .
فلما كان اليوم الثالث هبط جبريل ومعه ملك الموت، ومعهما ملك آخر يسكن الهواء لم يصعد إلى السماء قط، ولم يهبط إلى الأرض قط، يقال له إسماعيل، على سبعين ألف ملك كلّ ملك على سبعين ألف ملك، فسبقهم جبريل فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك إكراما لك وتفضيلا وخاصة لك، يسألك عما هو أعلم به منك- وفي حديث أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- عند ابن الجوزي فقال: يا محمد إن الله يقرئك السّلام [يقول: كيف تجدك؟ قال: «أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا»
وفي حديث أبي الحويرث
стр. 5551
عند البيهقي «إنّ جبريل قال له: إنّ ربك يقرئك السلام] [ (١) ] ويقول لك: إن شئت شفيتك وكفيتك، وإن شئت توفّيتك، وغفرت لك قال: «ذلك إلى ربّي يصنع بي ما يشاء»
انتهى.
ثم استأذن ملك الموت على الباب فقال جبريل يا أحمد هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمي كان قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، قال ائذن له، فدخل.
وفي حديث ابن عباس عند الطبراني أنه قال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، إن ربك يقرئك السلام، قال: فبلغني أن ملك الموت لم يسلم على أهل بيت قبله، ولا يسلم بعده.
انتهى.
فوقف بين يدي رسول الله- ﷺ فقال: إن الله أرسلني إليك، وأمرني أن أطيعك فيما أمرتني، إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها يا أحمد، وإن أمرتني أن أتركها تركتها قال: وتفعل ذلك يا ملك الموت؟ قال نعم، بذلك أمرت أن أطيعك في كل ما أمرتني، فقال جبريل: يا أحمد إن الله قد اشتاق إلى لقائك. فقال: يا ملك الموت امض لما أمرت به فقال جبريل ﵊: عليك يا رسول الله، هذا آخر موطئ الأرض.
وفي حديث أبي هريرة عند ابن الجوزي وهذا آخر عهدي بالدّنيا بعدك، وهذا آخر عهدك بها، ولن أستأذن على هالك من بني آدم بعدك، ولن أهبط إلى الأرض على أحد بعدك أبدا، فوجد النبي- ﷺ سكرات الموت.
وفي حديث عائشة عند البخاري وغيره: «فبينما رأسه على منكبي إذ مال رأسه نحو رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجت من فيه نقطة باردة فوقعت على ثغري ونحري فاقشعرّ لها جلدي، فظننت أنه أغشي عليه، فسجّيته ثوبا.
وفي حديث عائشة عند الطبراني فجعل رسول الله- ﷺ يمد يده ويقول: «يا جبريل» وهو يقبضها ويبسطها.
وعند ابن عقبة فلم يزل يغمى عليه ساعة ثم يفيق، ثم يشخّص بصره إلى السماء.
وفي حديث أبي الحويرث عند البيهقي أنه قال: ادن مني يا جبريل، ادن مني يا جبريل.
وفي حديث جعفر بن محمد عن أبيه إنه جعل يقول: «ادن مني يا جبريل، ادن منّي يا جبريل» ثلاثا قالت عائشة: فلقد سمعت ما لم أسمع أدن مني يا جبريل، وهو يقول: لبّيك لبّيك.
وفي حديث علي عند محمد بن يحيى بن أبي عمر- برجال ثقات- فقال جبريل: يا
стр. 5552
أحمد عليك السلام هذا آخر موطئ الأرض إنما كنت حاجتي من الدنيا.
وفي حديث علي عند أبي نعيم لما قبض رسول الله- ﷺ صعد ملك الموت باكيا إلى السماء والذي بعثه بالحق. لقد سمعت صوتاً من السماء ينادي وا محمّداه.
انتهى.
وعند ابن عقبة واشتدّ برسول الله- ﷺ الوجع فأرسلت إلى علي، وأرسلت حفصة إلى عمر، وأرسلت كلّ امرأة إلى خيمها، فلم يرجعوا حتى توفي رسول الله- ﷺ على صدر عائشة في يومها.
وعند البلاذري عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- رأيت يوما رسول الله- ﷺ يحمرّ وجهه ويعرق جبينه ولم أكن رأيت قطّ ميّتا قبله ثم قال: أقعديني فأقعدته فأسندته إليّ ووضعت يدي عليه فقلب رأسه فوضعت يدي عنه ووقعت من فيه نقطة على صدري- أو قالت على ترقوتي- فسقط على الفراش فسجّيناه بثوب فتوفي رسول الله- ﷺ .
وفي حديث عائشة عند الإمام أحمد والبزّار والبيهقي بسند صحيح قالت: لما خرجت نفسه لم أجد قطّ ريحا أطيب منها.
وفي حديث لعائشة عند أبي يعلى وأحمد- برجال ثقات- ثم أقبل بوجهه إليّ حتى إذا كان فاه في ثغرة نحري سال من فيه نقطة باردة اقشعرّ منها جلدي، وثار ريح المسك في وجهي، ومال رأسه فظننت أنه غشي عليه، فأخذته فنوّمته على الفراش وغطيت وجهه.
وفي حديث أم سلمة عند البيهقي قال: وضعت يدي على صدر النبي- ﷺ يوم مات فمرّ بي جمع، آكل وأتوضّأ ما تذهب ريح المسك من يدي.
وفي حديث ابن عمر عند البلاذري أنه- ﷺ لما قبض سجّي بثوب، وقعدنا حوله، فبكى، انتهى، فأتاهم آت يسمعون حسّه ولا يرون شخصه فقال: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته.
وفي حديث ابن عمر عند البلاذري فرددنا ﵇ فقال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [آل عمران ١٨٥] إلى قوله: مَتاعُ الْغُرُورِ انتهى، إنّ في الله خلفا من كلّ هالك، وعزاء عن كل مصيبة ودركا من كل ما فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا.
وفي حديث ابن عمر عند البلاذري نظركم في النبي ومصيبتكم، فإن المصاب من حرم الثّواب. انتهى.
وفي حديث ابن عمر عند البلاذري فظننا أنه جبريل جاء يعزّينا.
стр. 5553
وفي حديث بقي بن مخلد عند الشّعبي وعند المدائني فقال عليّ: هذا الخضر يعزّيّكم عن نبيّكم.
وروى البخاري والطبراني وابن سعد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قالت فاطمة لما مات رسول الله- ﷺ : يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه من جنّة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل فنعاه، يا أبتاه من ربه ما أدناه.
وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي بردة قال: أخرجت لنا عائشة- رضي الله تعالى عنها- كساء ملبّدا وإزارا غليظا فقالت: قبض رسول الله- ﷺ في هذين.
وروى الإمام أحمد والبيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: رأيت رسول الله- ﷺ : بين سحري ونحري وفي دولتي لم أظلم فيه أحدا. فمن سفهي وحداثة سنّي أن رسول الله- ﷺ قبض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت مع النساء أبكي وألتدم.
وروى البزار وأبو الحسن بن الضحاك عنها قالت: رأيت رسول الله- ﷺ يوما في مرضه وقد عرق وجهه وجبينه فقال: «أقعديني» فأسندته إلي فوضعت يدي عليه، فقلب رأسه فرفعت يدي عنه، فظننت أنه يريد شيئا من رأسي، فوقعت من فمه نقطة باردة على صدري، ثم مال فسقط على الفراش فسجّيته بثوب ولم أكن رأيت الموت» .
تنبيهات
الأول: قوله: «إن الله قد اشتاق إلى لقائك» معناه: قد أراد لقاءك بأن يردك من دنياك إلى معادك. زيادة في قربك وكرامتك.
الثاني: روى البيهقي وأبو نعيم من طريق الواقدي عن شيوخه: شكوا في النبي- ﷺ قال بعضهم: مات وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفي النبي- ﷺ فقالت قد رفع الخاتم من بين كتفيه فكان هذا عرف بعد موت النبي- ﷺ ورواه ابن سعد [ (١) ] عن الواقدي حدثني القاسم بن إسحاق عن أمّه عن أبيها القاسم بن محمد بن أبي بكر أو عن أم معاوية أنه لما شك فذكره.
قال ابن كثير: والواقدي ضعيف وشيوخه لم يسمون، ثم هو منقطع بكل حال ومخالف لما صحّ، وفيه غرابة شديدة.
قلت: وذكر في «الزهر» أن الحاكم رواه في تاريخ نيسابور عن عائشة فطلبت التاريخ
стр. 5554
لأنظر سنده فرأيت منه مجلدات فمررت عليه فلم أر ذلك فيه فليحرر حاله فإنه كثيرا ما يسأل عن ذلك.
الثالث: اشتهر على الألسنة أن جبريل لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبي- ﷺ .
قال الشيخ في «فتاويه» وهذا شيء لا أصل له، ومن الدليل على بطلانه
ما رواه الطبراني عن ميمونة بنت سعد قالت: قلت: يا رسول الله هل يرقد الجنب قال: «ما أحبّ أن يرقد حتّى يتوضّأ فإنّي أخاف أن يتوفّى فلا يجهزه جبريل» .
وما رواه أيضا نعيم بن حماد [في كتاب الفتن والطبراني] من حديث ابن مسعود عن النبي- ﷺ في وصف الدّجّال قال: «فيمرّ بمكة فإذا هو بخلق عظيم فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا ميكائيل بعثني الله لأمنعه من حرمه [ويمر بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا جبريل بعثني الله لأمنعه من حرمه]
[ (١) ] .
وقال الضحاك: في قوله تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [القدر ٤] إن الروح هنا جبريل، وإنه ينزل مع الملائكة في ليلة القدر، ويسلمون على المسلمين في كل سنة.
الرابع: قول السيدة عائشة «ألتدم» .
قال السهيلي وغيره: الالتدام: ضرب الخد باليد، واللّادم: المرأة التي تلدم والجمع:
اللّدم بتحريك الدال وقد لدمت المرأة تلدم لدما ولم يدخل هذا في التحريم، لأن التحريم إنما وقع على الصّراخ والنّوح، ولعنت الخارقة والحالقة والصّالقة- وهي الرافعة لصوتها- ولم يذكر اللّدم لكنه وإن لم يذكر فإنه مكروه في حال المصيبة، وتركه أحمد إلا على أحمد- ﷺ :
فالصّبر يحمد في المصائب كلّها ... إلّا عليك فإنّه مذموم
وقد كان يدعى لابس الصّبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع
وهذا الحديث تفرد به ابن إسحاق، وهو حسن الحديث إذا صرح بالتحدث، وقد صرح به فقال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: سمعت عائشة إلخ.
وقول السّهيلي: إنه لا يدخل في التحريم خلاف الصحيح.
الخامس: في بيان غريب ما سبق «سجّيته» : بسين مهملة مفتوحة فجيم: غطيت سائر بدنه.
стр. 5555
الباب الخامس والعشرون في إخبار أهل الكتاب بموته- ﷺ يوم مات وهم باليمن
روى البخاري عن جرير بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت باليمن فلقيت رجلين من أهل اليمن ذا كناع وذا عمرو، فجعلت أحدثهم عن رسول الله- ﷺ فقال لي:
إن كان تقول حقا فقد مضى صاحبك إلى أجله منذ ثلاث، قال: فأقبلت وأقبل معي حتى إذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من قبل المدينة، فسألناهم فقالوا: قبض رسول الله- ﷺ .
[واستخلف أبو بكر، والناس صالحون. قال: فقال لي: أخبر صاحبك أنّا قد جئنا، ولعلنا سنعود- إن شاء الله- ورجع إلى اليمن، قال فأخبرت أبا بكر بحديثهم، فقال: أفلا جئت بهم، قال: فلما كان بعد، قال لي ذو عمر يا جرير، إنّ بك عليّ كرامة وإني مخبرك خبرا، إنكم معشر العرب، لم تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير، تأمرتم في آخر، فإذا كانت بالسيف، كانوا ملوكا يغضبون غضب الملوك، ويرضون رضى الملوك] .
وروى البيهقي من وجه آخر عنه قال: لقيني حبر باليمن فقال: إن كان صاحبكم نبيا فقد مات يوم الاثنين.
وروى عن كعب بن عدي قال: أقبلت في وفد من أهل الحيرة إلى النبي- ﷺ فعرض علينا الإسلام فأسلمنا ثم انصرفنا إلى الحيرة فلم نلبث أن جاءنا وفاة رسول الله- ﷺ فارتدّ أصحابي وقالوا: لو كان نبيا لم يمت فقلت: قد مات الأنبياء قبله، وثبتّ على الإسلام، ثم خرجت أريد المدينة فمررت براهب كنا لا نقطع أمرا دونه فأخبرته فأخرج سفرا فتصفح فيه فإذا بصفة النبي- ﷺ كما رأيته وإذا هو يموت في الحين الذي مات فيه، فاشتدّت بصيرتي في إيماني، وقدمت على أبي بكر فأعلمته.
[فأقمت عنده، فوجهني إلى المقوقس، فرجعت، فوجهني أيضا عمر بن الخطاب، فقدمت عليه بكتابه، فأتيته وقعة اليرموك، ولم أعلم بها، فقال لي: علمت أنّ الروم قتلت العدو، وهزمتهم، قلت: كلّا، قال: ولما، قلت: إنّ الله وعد نبيه ﷺ أن يظهره على الدين كله، وليس يخلف الميعاد، قال: إن نبيكم قد صدقكم، قتلت الروم، والله قتل عاد، ثم سألني عن وجوه أصحاب النبي ﷺ فأخبرته، فأهدى إليّ، عمرو إليهم، وكان ممن أهدي إليه عليّ وعبد الرحمن والزبير، وأحسبه ذكر العباس، قال كعب: وكنت شريكا لعمر في اليمن في الجاهلية، فلما فرض الديوان، فرض لي في بني عدي بن كعب] .
وروى ابن سعد عن محمد بن عمرو الأسلمي عن شيوخه قالوا: كان عمرو بن العاص عاملا لرسول الله- ﷺ على عمان فجاءه يهودي فقال أرأيت إن سألتك عن شيء يخشى
стр. 5556
عليّ منك؟ قال: لا، قال اليهودي: أنشدك بالله من أرسلك إلينا؟ قال اللهم رسول الله- ﷺ فقال اليهودي: الله إنك لتعلم أنه رسول الله- ﷺ قال له عمرو: اللهم نعم، قال اليهودي: إن كان ما تقول حقا لقد مات اليوم، ثم بلغ عمرو وفاة رسول الله- ﷺ .
وروى ابن سعد وأبو نعيم عن الحارث بن عبد الله الجهني قال: بعثني رسول الله- ﷺ إلى اليمن ولو أظن أنه يموت لم أفارقه فأتاني الحبر فقال إن محمدا قد مات قلت له: متى؟ قال: اليوم فلو أن عندي سلاحا لقتلته، فلم أمكث إلا يسيرا حتى أتى كتاب من أبي بكر بذلك فدعوت الحبر فقلت: من أين تعلم ذلك؟ فقال: إنه نبي نجده في الكتاب أنه يموت يوم كذا وكذا، قلت: وكيف، يكون بعده؟ قال: تستدير رحاكم إلى خمس وثلاثين سنة ما زاد يوما.
وروى ابن عساكر عن كعب الأحبار قال: خرجت أريد الإسلام فلقيت ذا قربات الحميري، فقال لي: أين تقصد فأخبرته فقال لي: لئن كان نبيا إنه الآن لتحت التراب، فخرجت فإذا أنا براكب فقال: مات محمد.
وروى ابن عساكر عن أبي ذؤيب خويلد وقيل: ابن الحارث الهذلي قال: بلغنا أن رسول الله- ﷺ عليل فاستشعرت حزنا، وبت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها، ولا يطلع نورها فظللت أقاسي طولها حتى إذا كان قرب السّحر أغفيت فهتف بي هاتف وهو يقول:
خطب أجلّ أناخ بالإسلام ... بين النّخيل ومعقد الآطام
قبض النّبيّ محمّد فعيوننا ... تذري الدّموع عليه بالتّسجام
فوثبت من نومي فزعا فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذّابح فتفاءلت به ذبحا يقع في العرب، وعلمت أن رسول الله- ﷺ قد قبض وهو ميّت من علّته، فركبت ناقتي وسرت، فلما أصبحت طلبت شيئا أزجر به فعنّ شيهم- يعني القنفذ- وقد قبض على صل يعني الحية فهي تلتوي عليه والشّيهم يقضمها حتى أكلها، فزجرت ذلك وقلت: الشيهم شيء مهم والتواء الصّل التواء الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله- ﷺ ثم أوّلت أكل الشيهم إياها غلبة القائم بعده على الأمر فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالغابة فزجرت الطائر، فأخبرني بوفاته ونعب غراب سانح، فنطق بمثل ذلك، فتعوذت بالله من شر ما عنّ لي في طريقي، وقدمت المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحاج إذا أهلّوا بالإحرام فقلت: مه؟ فقالوا:
قبض رسول الله- ﷺ فجئت إلى المسجد فوجدته خاليا فأتيت بيت رسول الله- ﷺ فأصبت بابه مرتجا، وقيل: هو مسجّى وقد خلا به أهله.
стр. 5557
تنبيه: في بيان غريب ما سبق
«الحيرة» : - بحاء مهملة مكسورة فمثناة تحتية فراء محلة بنيسابور.
السفر: بسين مهملة مكسورة ففاء ساكنة فراء المراد به هنا [جزء من أجزاء التوراة.
تنجاب: - بمثناة فوقية فنون فجيم فألف فباء ينكشف ولا يذهب.
الدّيجور: - بدال مهملة فتحتية فجيم- المراد به هنا] [ (١) ] الظلام الهاتف.
الخطب- بخاء معجمة فطاء مهملة فموحدة هنا الأمر العظيم.
معقد- بفتح القاف وكسرها- الآطام: - حصن مبني بحجارة.
بالتسجام: - بفتح التاء مصدر وبكسر اسم.
أزجر: - بهمزة فزاي فجيم فراء نظير.
شيهم: - بشين معجمة فمثناة تحتية فهاء القنفذ.
الصّل: بصاد مهملة فلام: الحية.
نعب: - بنون فعين مهملة فباء فموحدة: الغراب وغيره، ونعبانا: صاح وصوّت ومد عنقه وحرك رأسه [في صياحه] .
السّانح: - بسين مهملة فألف فنون فحاء مهملة المبارك، وفي المثل: «من لي بالسّانح بعد البارح» أي: المبارك بعد الشؤم.
стр. 5558
الباب السادس والعشرون في بيان معنى قوله- ﷺ : «حياتي خير لكم وموتي خير لكم»
روى مسلم عن أبي موسى- رضي الله تعالى عنه- عن رسول الله- ﷺ أنه قال: «إذا أراد الله بأمّة خيرا قبض نبيها قبلها فجعله فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلاك أمّة عذّبها، ونبيّها حيّ، فأهلكها وهو ينظر فيقرّ عينه بهلاكها حيث عذّبوه وعصوا أمره
وإنما كان قبض النبي- ﷺ خيرا لأمته لأنهم إذا قبضوا قبله انقطعت أعمالهم وإذا أراد الله بهم خيرا جعل خيرهم مستمرا ببقائهم محافظين على ما أمروا به من العبادات وحسن المعاملات، نسلا بعد نسل، وعقبا بعد عقب» .
وروى ابن سعد وإسماعيل القاضي- بسند رجاله ثقات- عن بكر بن عبد الله المازني مرسلا قال: قال رسول الله- ﷺ «حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خير لكم، تعرض عليّ أعمالكم، فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت شرا استغفرت لكم» .
قال الشيخ: - رحمه الله تعالى- في «فتاويه» : ليس قوله (خيرا) أفعل تفضيل فإن (خيرا) لها
استعمالان:
أحدهما:
أن يراد بها معنى التفضيل لا الأفضلية، وضدها الشر وهي كلمة باقية على أصلها لم يحذف منها شيء.
والثاني:
أن يراد بها معنى الأفضلية، وهي التي توصل ب «من» وهذه أصلها أخير حذفت همزتها تخفيفا، ويقابلها شر التي أصلها أشر.
قال في «الصحاح» : الخير ضد الشر قال الشاعر:
فما كنانة في خير بخائرة ... ولا كنانة في شرّ بأشرار
وتأنيث هذه خيّرة وجمعها: خيرات وهن الفاضلات من كل شيء، قال تعالى: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ [الرحمن ٧٠] أُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ [التوبة ٨٨] ولم يريدوا بها معنى أفعل فلو أردت معنى التفضيل قلت: فلانة خير الناس ولم تقل: خيرة [وفلان خير الناس ولم تقل أخير] ولا تثنى ولا تجمع، لأنه في معنى أفعل انتهى كلام الصحاح.
وقال الراغب في «مفردات القرآن» الخير والشر يقالان على
وجهين أحدهما:
أن يكونا اسمين كقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران ١٠٤] .
стр. 5559
الثاني:
أن يكونا وصفين وتقديرهما تقدير أفعل من نحو: هذا خير من ذاك وأفضل وقوله تعالى: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها [البقرة ١٠٦] ويحتمل الاسمية والوصفية معا كقوله تعالى:
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة ١٨٤] .
وقال أبو حيان في «البحر» في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ [البقرة ١٠٣] ليس «خير» هذا أفعل تفضيل بل هي للتفضيل لا للأفضلية كما في قوله تعالى: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ [فصلت ٤٠] وخَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان ٢٤] .
وفي قول حسان:
............... ..... ... فشرّكما لخيركما الفداء
وإذا عرفت ذلك «فخير» من الحديث من القسم الأوّل وهي التي يراد بها التفضيل لا الأفضلية، فلا توصل ب «من» وليست بمعنى أفعل وإنما المقصود إن في كل من حياته ومماته- ﷺ خيرا لا أن هذا خير من هذا، ولا أن هذا خير من هذا.
стр. 5560
الباب السابع والعشرون في عظم المصيبة وما نزل بالمسلمين بموته- ﷺ والظّلمة التي غشيت المدينة وتغير قلوب الناس وأحوالهم وبعض ما رثي به من الشعر
روى ابن ماجة عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: فتح رسول الله- ﷺ بابا بينه وبين الناس أو كشف سترا فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم ورجاء أن يخلفه الله فيهم بالذي رآهم فقال: يا أيها الناس أيّما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزّ بمصيبته بيّ عن المصيبة التي تصيبه بغيري فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي.
وروى ابن سعد وابن الجوزي عن عطاء مرسلا قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا أصابت أحدكم بمصيبة فليذكر مصابه بي، فإنّها من أعظم المصائب»
[ (١) ] .
وروى البيهقي عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: يا لها من مصيبة ما أصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت، إذا ذكرنا مصيبتنا به- ﷺ .
وروى ابن سعد عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «سيعزّي الناس بعضهم بعضا من بعدي التعزية بي»
[ (٢) ] فكان الناس يقولون: ما هذا؟ فلما قبض رسول الله- ﷺ لقى الناس بعضهم بعضا يعزّي بعضهم برسول الله- ﷺ .
ورحم الله تعالى القائل:
اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد ... واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
واصبر كما صبر الكرام فإنّها ... نوب تنوب اليوم تكشف في غد
وإذا أتتك مصيبة تسجى بها ... فاذكر مصابك بالنّبيّ محمّد
وقال القائل:
تذكّرت لمّا فرّق الدّهر بيننا ... فعزّيت نفسي بالنّبيّ محمّد
وقلت لها إنّ المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت في يومه مات في غد
стр. 5561
قال ابن المنير: لما توفي رسول الله- ﷺ وسجّته الملائكة ودهش الناس واختلف أحوالهم في ذلك وأفحموا واختلطوا فمنهم من خبل ومنهم من أقعد ومنهم من أصمت فلم يطق الناس الكلام، ومنهم من أخبل فكان عمر فجعل يجلب ويصيح ما مات رسول الله- ﷺ ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران حين غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم، وكان ممن أقعد وفي لفظ عقر علي فلم يستطع حراكا، وكان من أخرس عثمان بن عفان حتى جعل يذهب به ويجاء ولا يستطيع كلاما، وأما عبد الله بن أنيس فأضنى حتى مات كمدا.
وروى ابن سعد عن عكرمة قال: لما توفي رسول الله- ﷺ قالوا: عرج بروحه كما عرج بروح عيسى الحديث وقال العباس- رضي الله تعالى عنه-: أن رسول الله- ﷺ يأسن كما يأسن البشر وإن رسول الله- ﷺ قد مات ... إلى آخره، فهذا مرسل كما ترى، ورواه إسحاق بن راهويه بسند رجاله رجال البخاري إلا أنّ عكرمة لم يسمع من العباس فإن كان الواسطة بينهما عبد الله بن عباس فهو صحيح، وقد رواه الطبراني من طريق ابن عيينة عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عن العباس بنحوه وهو على شرط البخاري.
قال الحافظ ابن حجر فما وجد بخطه: وهذا الذي قاله العباس لم ينقله عن توقيف بل اجتهادا على العادة ولا يستلزم أن يقع ذلك، ولما قبض رسول الله- ﷺ تزيّنت الجنان لقدوم روحه الكريمة كزينة المدينة يوم قدومه إذا كان عرش الرّحمن قد اهتزّ بموت بعض أتباعه فرحا واستبشارا فكيف بقدوم روح الأرواح، وكادت الجمادات تتصدّع من ألم مفارقته- ﷺ فكيف بقلوب المؤمنين لما فقد الجذع الذي كان يخطب إليه قبل اتخاذ المنبر حنّ إليه وصاح، كان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال: هذه خشبة تحن إلى رسول الله- ﷺ فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه.
فلو ذاق من طعم الفراق رضوى ... لكان من وجده يميد
فقد حمّلوني عذاب شوق ... يعجز عن حمله الحديد
وقال غيره:
وقد كان يدعى لابس الصّبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع
وروى أبو علي بن شاذان عن سالم بن عبيد الأشجعي قال: لما مات رسول الله- ﷺ كان أجزع النّاس عليه عمر بن الخطاب.
وروى أبو الحسن البلاذري بسند جيد عن عروة قال: لما مات رسول الله- ﷺ دخل عمر فأصابه خبل فأقبل يقول ما مات رسول الله- ﷺ .
стр. 5562
وروى أيضا عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: بكى الناس يوم مات رسول الله- ﷺ حتى النساء في الخدور، وكادت البيوت تسقط من الصّراخ.
وروى ابن عساكر عن أبي ذؤيب الهذلي: أنه لما قدم المدينة يوم مات رسول الله- ﷺ فإذا لها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلّوا بالإحرام.
وروى ابن سعد عن القاسم بن محمد أن رجلا من أصحاب رسول الله- ﷺ ذهب بصره فدخل عليه أصحابه يعودونه، فقال: إنما كنت أريدهما لأنظر بهما رسول الله- ﷺ فأما إذ قبض الله نبيّه فما يسرني أن ما بهما بظبي من ظباء تبالة.
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى بسند صحيح وابن أبي شيبة والبزار والطبراني عن الزهري قال: أخبرني رجل من الأنصار من أهل الثقة، وأبو عبد الله بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعنا عثمان بن عفان يقول: لما مات رسول الله- ﷺ وسوس رجال فإني كنت فيمن وسوس فمر عليّ عمر فسلّم فلم أردّ عليه ما علمت بتسليمه ... الحديث.
وروى ابن سعد وابن أبي شيبة والإمام أحمد وابن عدي والدارقطني في «الإفراد» والعقيلي والبيهقي في «شعب الإيمان» والضياء عن عثمان- رضي الله تعالى عنه- أن رجالا من أصحاب رسول الله- ﷺ حزنوا عليه حتى كاد بعضهم يوسوس وكنت منهم فقلت لأبي بكر: توفي رسول الله- ﷺ قبل أن أسأله عن نجاة هذه الأمة، قال أبو بكر: قد سألته عن ذلك، فقال: من قبل مني الكلمة التي عرضتها على عمي فردها عليّ فهي له نجاة.
وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه والبيهقي بسند قال ابن كثير: على شرط الشيخين عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: لما كان اليوم الذي [دخل فيه رسول الله- ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي] [ (١) ] مات فيه أظلم من المدينة كل شيء.
وفي رواية: أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض، وكان أحدنا يبسط يده فلا يبصرها، وفي رواية: فلم أر يوما أقبح منه فما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا انتهى.
وروى الإمام أحمد ومسلم والبيهقيّ عنه قال: إن أمّ أيمن بكت لما قبض رسول الله- ﷺ فقيل لها: ما يبكيك يا أم أيمن ما عند الله خير لرسوله- ﷺ قد أكرم الله نبيه- ﷺ وأدخله جنته، وأراحه من نصب الدنيا فقالت: والله ما أبكي، أن لا أكون أعلم أنّ ما عند الله خير لرسوله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء كان يأتينا غضّا جديدا كل يوم وليلة، فعجب الناس من قولها» .
стр. 5563
وروى أبو الربيع بهذا اليوم- يعني يوم الاثنين- كم خير لست فيه إلى أهل الأرض وأي مصيبة نزلت فيه عشية ضاق عنها منفسح الطول والعرض:
وهل عدلت يوما رزيئة هالك ... رزيئة يوم مات فيه محمّد
فيا لها والله مصيبة أحرقت الأكباد ... وغمرت بالأسف والحزن الأبناء والآباء
وزرا ثقيلا إلى كاهل الإيمان منه ما أباد ... وخطبا جليلا أودى بكلّ جميل أو كاد
وأنشد بعض الأنصار عند موته- ﷺ :
فالصّبر يحمد في المصائب كلّها ... إلّا عليك فإنّه مذموم
ولولا أن الله ربط على القلوب من بعده بأمر من عنده لأورث مكانها كمدا، ولما وجدت إلى البقاء مستلفا ولا عن وحي الغناء ملتحدا.
وقال أبو الفتح:
فيا له من خطب جلّ على الخطوب ... ومصاب دمع العين كيف يصوب؟
ورزّء عزيت له النّيران ... ولا تعلّل شروقها والغروب
وجادت هجمة الموت فلا نجا ... منها هارب ولا فرار منه لمطلوب
ولا صباح له فتجلو غياهبه الملمة ودياجيه المدلهمة، ولكل ليل إذا رجى صباح يؤوب، ومن شر أهل الأرض ثم بكى أنس، بكى بعيون سرفها وقلوب فإنا لله وإنا إليه راجعون.
من نار حنت عليه الأضالع ... ولا تخبو ولا تخمد
ومصيبة تستكّ منها المسامع ... فلا يبكّي على مرّ الجديد من حزنها المجدّد
وهل عدلت يوما رزيئة هالك ... رزيئة يوم مات فيه محمّد
وما فقد الماضون مثل محمّد ... ولا مثله حتّى القيامة يفقد
وقال أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- فيما ذكره ابن سعد يرثيه- ﷺ :
أجدّك ما لعينك لا تنام ... كأنّ جفونها فيها كلام
بوقع مصيبة عظمت وجلّت ... فدمع العين أهونه انسجام
فجعنا بالنّبيّ، وكان فينا ... مقدّمنا، وسيدنا الإمام
وكان قوامنا، والرأس فينا ... فنحن اليوم ليس لنا قوام
ننوح ونشتكي ما قد لقينا ... ويشكو فقده البلد الحرام
كأنّ أنوفنا لاقين جدعا ... لفقد محمّد، فيها اصطلام
стр. 5564
لفقد أغرّ أبيض هاشميّ ... إمام نبوّة، ربه الختام
أمين، مصطفى، للخير يدعو ... كضوء البدر زايله الظّلام
سأتبع هديه ما دمت حيّا ... طوال الدّهر ما سجع الحمام
كأنّ الأرض بعدك طار فيها ... فأشعلها لساكنها ضرام
وفقد الوحي إذ ولّيت عنّا ... وودّعنا من الله الكلام
سوى أن قد تركت لنا سراجا ... تواريه القراطيس الكرام
لقد ورّثتنا مرآة صدق ... عليك به التّحيّة والسّلام
من الرّحمن في أعلى جنان ... من الفردوس طاب بها المقام
رفيق أبيك إبراهيم فيه ... وما في مثل صحبته ندام
وإسحاق وإسماعيل فيه ... بما صلّوا لربّهم وصاموا
وقال أيضاً- رضي الله تعالى عنه- ورحمه:
يا عين فابكي ولا تسأمي، ... وحقّ البكاء على السّيّد!
على خير خندف عند البلا ... ء أمسى يغيّب في الملحد
فصلّى المليك وليّ العباد ... وربّ البلاد على أحمد
فكيف الحياة لفقد الحبيب ... وزين المعاشر في المشهد؟
فليت الممات لنا كلّنا ... وكنّا جميعا مع المهتدي!
وقال أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- فيما ذكره ابن سعد:
لمّا رأيت نبيّنا متجدّلا ... ضاقت عليّ بعرضهنّ الدّور
وارتعت روعة مستهام واله، ... والعظم مني واهن مكسور
أعتيق ويحك! إنّ حبّك قد ثوى ... وبقيت منفردا وأنت حسير
يا ليتني من قبل مهلك صاحبي ... غيّبت في جدث عليّ صخور!
فلتحدثنّ بدائع من بعده، ... تعيا بهنّ جوانح وصدور
وقال أبو بكر أيضا: فيما ذكره ابن سعد:
باتت تأوّبني هموم ... حشّد ... مثل الصّخور فأمست هدّت الجسدا
يا ليتني حيث نبّئت الغداة به ... قالوا الرّسول قد امسى ميّتا فقدا
стр. 5565
ليت القيامة قامت بعد مهلكه، ... ولا نرى بعده مالا ولا ولدا!
والله أثني علي شيء فجعت به ... من البريّة حتّى أدخل اللّحدا
كم لي بعدك من همّ ينصّبني ... إذا تذكّرت أني لا أراك أبدا!
كان المصفّاء في الأخلاق قد علموا، ... وفي العفاف فلم نعدل به أحدا
نفسي فداؤك من ميت ومن بدن! ... ما أطيب الذّكر والأخلاق والجسدا!
وقال عبد الله بن أنيس- رضي الله تعالى عنه- فيما ذكره ابن سعد:
تطاول ليلي واعترتني القوارع ... وخطب جليل للبلية جامع!
عذاة نعى النّاعي إلينا محمّدا، ... وتلك الّتي تستكّ منها المسامع
فلو ردّ ميتا قتل نفسي قتلتها! ... ولكنه لا يدفع الموت دافع
فآليت لا أثني على هلك هالك ... من النّاس، ما أوفى ثبير وفارع
ولكنّني باك عليه ومتبع ... مصيبته. إنّي إلى الله راجع!
وقد قبض الله النّبيّين قبله، ... وعاد أصبيت بالرّزى والتّبابع
فيا ليت شعري! من يقوم بأمرنا؟ ... وهل في قريش من إمام ينازع؟
ثلاثة رهط من قريش هم هم ... أزمّة هذا الأمر، والله صانع
عليّ أو الصّدّيق أو عمر لها، ... وليس لها بعد الثّلاثة رابع!
فإن قال منّا قائل غير هذه ... أبينا، وقلن: الله راء وسامع
فيا لقريش! قلّدوا الأمر بعضهم، ... فإنّ صحيح القول للناس نافع
ولا تبطئوا عنها فواقا فإنّها ... إذا قطعت لم يمن فيها المطامع
وقال حسان بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- فيما ذكره ابن سعد:
يا عين جودي بدمع منك إسبال! ... ولا تملّنّ من سحّ وإعوال!
لا ينفدن لي بعد اليوم دمعكما، ... إنّي مصاب وإنّي لست بالسّالي
فإنّ منعكما من بعد بذلكما ... إيّاي مثل الّذي قد غرّ بالآل!
لكن أفيضي على صدري بأربعة، ... إنّ الجوانح فيها هاجس صالي
سحّ الشّعيب وماء الغرب يمنحه ... ساق يحمّله ساق بإزلال
حامي الحقيقة نسّال الوديقة فكّ ... اك العناة، كريم ماجد عال!
стр. 5566
على رسول لنا محض ضريبته، ... سمح الخليقة، عفّ غير مجهال!
كشّاف مكرمة، مطعام مسغبة، ... وهّاب عانية وجناء شملال!
عفّ مكاسبه، جزل مواهبه، ... خير البريّة سمح غير نكّال!
واري الزّناد وقوّاد الجياد إلى ... يوم الطّراد، إذا شبّت بأجذال
ولا أزكّي على الرّحمن ذا بشر ... لكنّ علمك عند الواحد العالي!
إنّي أرى الدّهر والأيام يفجعني ... بالصّالحين، وأبقى ناعم البال!
يا عين فابكي رسول الله إذ ذكرت ... ذات الإله، فنعم القائد الوالي!
وقال فيما ذكره ابن سعد- رضي الله تعالى عنه-:
يا عين فابكي بدمع ذرى ... لخير البريّة والمصطفى!
وبكّي الرّسول! وحقّ البكاء ... عليه، لدى الحرب عند اللّقا!
على خير من حملت ناقة، ... وأتقى البريّة عند التّقى
على سيّد ماجد جحفل، ... وخير الأنام وخير اللها!
له حسب فوق كلّ الأنا ... م من هاشم ذلك المرتجى
نخصّ بما كان من فضله، ... وكان سراجا لنا في الدّجى!
وكان بشيرا لنا منذرا، ... ونورا لنا ضوءه قد أضا
فأنقذنا الله في نوره، ... ونجّى برحمته من لظى!
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما:
عينيّ، جودا طوال الدّهر وانهمرا ... سكبا وسحّا بدمع غير تعذير!
يا عين، فاسحنفري بالدّمع واحتفلي ... حتّى الممات بسجل غير منزور
يا عين فانهملي بالدّمع واجتهدي ... للمصطفى، دون خلق الله، بالنّور
بمستهلّ من الشّؤبوب ذي سيل، ... فقد رزئت نبيّ العدل والخير!
وكنت من حذر للموت مشفقة، ... والّذي خطّ من تلك المقادير!
من فقد أزهر ضافي الخلق ذي فخر ... صاف من العيب والعاهات والزّور!
فاذهب حميدا! جزاك الله مغفرة، ... يوم القيامة، عند النّفخ في الصّور
وقال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه فيما ذكره ابن إسحاق:
بطيبة رسم للرّسول ومعهد ... منير وقد تعفو الرّسوم وتهمد
стр. 5567
ولا تمتحي الآيات من دار حرمة ... بها منبر الهادي الّذي كان يصعد
وواضح آثار وباقي معالم ... وربع له فيه مصلّى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها ... من الله نور يستضاء ويوقد
معارف لم تطمس على العهد آيها ... أتاها البلى فالآي منها تجدّد
عرفت بها رسم الرّسول وعهده ... وقبرا بها واراه في التّرب ملحد
ظللت بها أبكي الرّسول فأسعدت ... عيون ومثلاها من الجفن تسعد
يذكّرن آلاء الرّسول وما أرى ... لها محصيا نفسي فنفسي تبلّد
مفجّعة قد شفّها فقد أحمد ... فظلّت لآلاء الرّسول تعدّد
وما بلغت من كلّ أمر عشيره ... ولكن لنفسي بعد ما قد توجّد
أطالت وقوفا تذرف العين جهدها ... على طلل القبر الّذي فيه أحمد
فبوركت يا قبر الرّسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرّشيد المسدّد
وبورك لحد منك ضمّن طيّبا ... عليه بناء من صفيح منضّد
تهيل عليه التّرب أيد وأعين ... عليه وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيّبوا حلما وعلما ورحمة ... عشيّة علّوه الثّرى لا يوسّد
وراحوا بحزن ليس فيهم نييّم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
يبكون من تبكي السّماوات يومه ... ومن قد بكته الأرض فالنّاس أكمد
وهل عدلت يوما رزيّة هالك ... رزيّة يوم مات فيه محمّد
تقطّع فيه منزل الوحي عنهم ... وقد كان ذا نور يغور وينجد
يدلّ على الرّحمن من يقتدى به ... وينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمامٌ لهم يهديهم الحقّ جاهداً ... معلّم صدقٍ إن يطيعوه يسعدوا
عفوٌّ عن الزّلاّت يقبل عذرهم ... وإن يحسنوا فالله بالخير أجود
وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله ... فمن عنده تيسير ما يتشدّد
فبينا هم في نعمة الله بينهم ... دليل به نهج الطّريقة يقصد
عزيز عليه أن يجورا عن الهدى ... حريص على أن يستقيموا ويهدوا
عطوفٌ عليهم لا يثني جناحه ... إلى كنفٍ يحنو عليهم ويمهد
стр. 5568
فبينا هم في ذلك النّور إذ غدا ... إلى نورهم سهم من الموت مقصد
فأصبح محموداً إلى الله راجعاً ... يبكّيه حقّ المرسلات ويحمد
وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها ... لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
قفارا سوى معمورة اللّحد ضافها ... فقيد يبكّيه بلاط وغرقد
ومسجده فالموحشات لفقده ... خلاء له فيه مقام ومقعد
وبالجمرة الكبرى له ثمّ أوحشت ... ديار وعرصات وربع ومولد
فبكى رسول الله يا عين عبرة ... ولا أعرفنك الدّهر دمعك يجمد
وما لك لا تبكين ذا النّعمة الّتي ... على النّاس منها سابغ يتغمّد
فجودي عليه بالدّموع وأعولي ... لفقد الّذي لا مثله الدّهر يوجد
وما فقد الماضون مثل محمّد ... ولا مثله حتّى القيامة يفقد
أعفّ وأوفى ذمّة بعد ذمّة ... وأقرب منه نائلا لا ينكّد
وأبذل منه للطّريف وتالد ... إذا ضنّ معطاء بما كان يتلد
وأكرم صيتاً في البيوت إذا انتمى ... وأكرم جدّاً أبطحيّاً يسوّد
وأمنع ذروات وأثبت في العلا ... دعائم عزّ شاهقات تشيّد
وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا ... وعودا غذاه المزن فالعود أغيد
ربّاه وليدا فاستتمّ تمامه ... على أكرم الخيرات ربّ ممجّد
تناهت وصاة المسّلمين بكفّه ... فلا العلم محبوس ولا الرّأي يفند
أقول ولا يلقى لقولي عائب ... من النّاس إلا عازب العقل مبعد
وليس هواي نازعا عن ثنائه ... لعلّي به في جنّة الخلد أخلد
مع المصطفى أرجوا بذاك جواره ... وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد
وقال حسان بن ثابت أيضا [يبكي رسول الله ﷺ ] :
ما بال عينك لا تنام كأنّما ... كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعاً على المهديّ أصبح ثاوياً ... يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
وجهي يقيك التّرب لهفي ليتني ... غيّبت قبلك في بقيع الغرقد
بأبي وأمي من شهدتّ وفاته ... في يوم الاثنين النّبيّ المهتدي
стр. 5569
فظللت بعد وفاته متبلّدا ... متلدّدا يا ليتني لم أولد
أأقيم بعدك بالمدينة بينهم ... يا ليتني صبّحت سمّ الأسود
أو حلّ أمر الله فينا عاجلا ... في روحة من يومنا أو من غد
فتقوم ساعتنا فنلقى طيّبا ... محضا ضرائبه كريم المحتد
يا بكر آمنة المبارك بكرها ... ولدته محصنة بسعد الأسعد
نورا أضاء على البريّة كلّها ... من يهد للنّور المبارك يهتدي
يا ربّ فاجمعنا معا ونبيّنا ... في جنّة تثني عيون الحسّد
في جنّة الفردوس فاكتبها لنا ... يا ذا الجلال وذا العلا والسّؤدد
والله أسمع ما بقيت بهالك ... إلّا بكيت على النبيّ محمّدٍ
يا ويح أنصار النّبيّ ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد
ضاقت بالأنصار البلاد فأصبحوا ... سودا وجوههم كلون الإثمد
ولقد ولدناه وفينا قبره ... وفضول نعمته بنا لا تجحد
والله أهداه لنا وهدى به ... أنصاره في كل ساعة مشهد
صلّى الإله ومن يحفّ بعرشه ... والطيّبون على المبارك أحمد
وقال ﵁:
نبّ المساكين أنّ الخير فارقهم ... مع النّبيّ تولّى عنهم سحرا
من ذا الّذي عنده رحلي وراحلتي ... ورزق أهلي إذا لم يؤنسوا المطرا
أم من نعاتب لا نخشى جنادعه ... إذا اللّسان عتا في القول أو عثرا
كان الضّياء وكان النّور نتبعه ... بعد الإله وكان السّمع والبصرا
فليتنا يوم واروه بملحدة ... وغيّبوه وألقوا فوقه المدرا
لم يترك الله منّا بعده أحدا ... ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا
ذلّت رقاب بني النّجّار كلّهم ... وكان أمرا من أمر الله قد قدرا
واقتسم الفيء دون النّاس كلّهم ... وبدّدوه جهارا بينهم هدرا
وقال حسان بن ثابت يبكي رسول الله- ﷺ أيضا:
آليت ما في جميع النّاس مجتهدا ... منّي أليّة برّ غير إفناد
стр. 5570
تالله، ما حملت أنثى ولا وضعت ... مثل الرّسول نبيّ الأمّة الهادي
ولا برا الله خلقا من بريّته ... أوفى بذمّة جار أو بميعاد
من الّذي كان فينا يستضاء به ... مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد
أمسى نساؤك عطّلن البيوت فما ... يضربن فوق قفا ستر بأوتاد
مثل الرّواهب يلبسن المباذل قد ... أيقنّ بالبؤس بعد النّعمة البادي
يا أفضل النّاس إنّي كنت في نهر ... أصبحت منه كمثل المفرد الصّادي
وقال أيضاً- رضي الله تعالى عنه-:
أن الرّزيّة لا رزيّة مثلها ... ميت بطيبة مثله لم يفقد
ولقد أصيب جميع أمّته به ... من كان مولودا، ومن لم يولد
والنّاس كلّهم بما قد عالهم ... يرجو شفاعته بذاك المشهد
حتّى الخليل أبوه في أشياعه ... ونجيّه موسى النّبيّ المهتدي
متواضعين لربّهم برقابهم ... تلك الفضيلة، واجتماع السّؤدد
يا خير من شدّ المطيّة نحوه ... وفد لحاجته يروح ويغتدي
أنت الّذي استنقذتنا من حفرة ... من يهو فيها من هواه يبعد
فهديتنا بعد الضّلالة والرّدى ... بهدى الإله إلى السّبيل الأرشد
فجزاك عنّا الله خير جزائه ... بمقام محمود المقام مسدّد
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب- رضي الله تعالى عنها-:
يا عين، جودي- ما بقيت- بعبرة ... سحّا على خير البريّة أحمد
يا عين، فاحتفلي وسحّي واسجمي ... وابكي على نور البلاد محمّد!
أنّى، لك الويلات! مثل محمّد ... في كلّ نائبة تنوب ومشهد؟
فابكي المبارك والموفّق ذا التّقى، ... حامي الحقيقة ذا الرّشاد المرشد
من ذا يفكّ عن المغلّل غلّه ... بعد المغيّب في الضّريح الملحد؟
أم من لكلّ مدفّع ذي حاجة، ... ومسلسل يشكو الحديد مقيّد؟
أم من لوحي الله يترك بيننا ... في كلّ ممسى ليلة أو في غد؟
فعليك رحمة ربّنا وسلامه، ... يا ذا الفواضل والنّدى والسّودد!