على رسول لنا محض ضريبته، ... سمح الخليقة، عفّ غير مجهال!
كشّاف مكرمة، مطعام مسغبة، ... وهّاب عانية وجناء شملال!
عفّ مكاسبه، جزل مواهبه، ... خير البريّة سمح غير نكّال!
واري الزّناد وقوّاد الجياد إلى ... يوم الطّراد، إذا شبّت بأجذال
ولا أزكّي على الرّحمن ذا بشر ... لكنّ علمك عند الواحد العالي!
إنّي أرى الدّهر والأيام يفجعني ... بالصّالحين، وأبقى ناعم البال!
يا عين فابكي رسول الله إذ ذكرت ... ذات الإله، فنعم القائد الوالي!
وقال فيما ذكره ابن سعد- رضي الله تعالى عنه-:
يا عين فابكي بدمع ذرى ... لخير البريّة والمصطفى!
وبكّي الرّسول! وحقّ البكاء ... عليه، لدى الحرب عند اللّقا!
على خير من حملت ناقة، ... وأتقى البريّة عند التّقى
على سيّد ماجد جحفل، ... وخير الأنام وخير اللها!
له حسب فوق كلّ الأنا ... م من هاشم ذلك المرتجى
نخصّ بما كان من فضله، ... وكان سراجا لنا في الدّجى!
وكان بشيرا لنا منذرا، ... ونورا لنا ضوءه قد أضا
فأنقذنا الله في نوره، ... ونجّى برحمته من لظى!
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما:
عينيّ، جودا طوال الدّهر وانهمرا ... سكبا وسحّا بدمع غير تعذير!
يا عين، فاسحنفري بالدّمع واحتفلي ... حتّى الممات بسجل غير منزور
يا عين فانهملي بالدّمع واجتهدي ... للمصطفى، دون خلق الله، بالنّور
بمستهلّ من الشّؤبوب ذي سيل، ... فقد رزئت نبيّ العدل والخير!
وكنت من حذر للموت مشفقة، ... والّذي خطّ من تلك المقادير!
من فقد أزهر ضافي الخلق ذي فخر ... صاف من العيب والعاهات والزّور!
فاذهب حميدا! جزاك الله مغفرة، ... يوم القيامة، عند النّفخ في الصّور
وقال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه فيما ذكره ابن إسحاق:
بطيبة رسم للرّسول ومعهد ... منير وقد تعفو الرّسوم وتهمد
стр. 5567
ولا تمتحي الآيات من دار حرمة ... بها منبر الهادي الّذي كان يصعد
وواضح آثار وباقي معالم ... وربع له فيه مصلّى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها ... من الله نور يستضاء ويوقد
معارف لم تطمس على العهد آيها ... أتاها البلى فالآي منها تجدّد
عرفت بها رسم الرّسول وعهده ... وقبرا بها واراه في التّرب ملحد
ظللت بها أبكي الرّسول فأسعدت ... عيون ومثلاها من الجفن تسعد
يذكّرن آلاء الرّسول وما أرى ... لها محصيا نفسي فنفسي تبلّد
مفجّعة قد شفّها فقد أحمد ... فظلّت لآلاء الرّسول تعدّد
وما بلغت من كلّ أمر عشيره ... ولكن لنفسي بعد ما قد توجّد
أطالت وقوفا تذرف العين جهدها ... على طلل القبر الّذي فيه أحمد
فبوركت يا قبر الرّسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرّشيد المسدّد
وبورك لحد منك ضمّن طيّبا ... عليه بناء من صفيح منضّد
تهيل عليه التّرب أيد وأعين ... عليه وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيّبوا حلما وعلما ورحمة ... عشيّة علّوه الثّرى لا يوسّد
وراحوا بحزن ليس فيهم نييّم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
يبكون من تبكي السّماوات يومه ... ومن قد بكته الأرض فالنّاس أكمد
وهل عدلت يوما رزيّة هالك ... رزيّة يوم مات فيه محمّد
تقطّع فيه منزل الوحي عنهم ... وقد كان ذا نور يغور وينجد
يدلّ على الرّحمن من يقتدى به ... وينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمامٌ لهم يهديهم الحقّ جاهداً ... معلّم صدقٍ إن يطيعوه يسعدوا
عفوٌّ عن الزّلاّت يقبل عذرهم ... وإن يحسنوا فالله بالخير أجود
وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله ... فمن عنده تيسير ما يتشدّد
فبينا هم في نعمة الله بينهم ... دليل به نهج الطّريقة يقصد
عزيز عليه أن يجورا عن الهدى ... حريص على أن يستقيموا ويهدوا
عطوفٌ عليهم لا يثني جناحه ... إلى كنفٍ يحنو عليهم ويمهد
стр. 5568
فبينا هم في ذلك النّور إذ غدا ... إلى نورهم سهم من الموت مقصد
فأصبح محموداً إلى الله راجعاً ... يبكّيه حقّ المرسلات ويحمد
وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها ... لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
قفارا سوى معمورة اللّحد ضافها ... فقيد يبكّيه بلاط وغرقد
ومسجده فالموحشات لفقده ... خلاء له فيه مقام ومقعد
وبالجمرة الكبرى له ثمّ أوحشت ... ديار وعرصات وربع ومولد
فبكى رسول الله يا عين عبرة ... ولا أعرفنك الدّهر دمعك يجمد
وما لك لا تبكين ذا النّعمة الّتي ... على النّاس منها سابغ يتغمّد
فجودي عليه بالدّموع وأعولي ... لفقد الّذي لا مثله الدّهر يوجد
وما فقد الماضون مثل محمّد ... ولا مثله حتّى القيامة يفقد
أعفّ وأوفى ذمّة بعد ذمّة ... وأقرب منه نائلا لا ينكّد
وأبذل منه للطّريف وتالد ... إذا ضنّ معطاء بما كان يتلد
وأكرم صيتاً في البيوت إذا انتمى ... وأكرم جدّاً أبطحيّاً يسوّد
وأمنع ذروات وأثبت في العلا ... دعائم عزّ شاهقات تشيّد
وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا ... وعودا غذاه المزن فالعود أغيد
ربّاه وليدا فاستتمّ تمامه ... على أكرم الخيرات ربّ ممجّد
تناهت وصاة المسّلمين بكفّه ... فلا العلم محبوس ولا الرّأي يفند
أقول ولا يلقى لقولي عائب ... من النّاس إلا عازب العقل مبعد
وليس هواي نازعا عن ثنائه ... لعلّي به في جنّة الخلد أخلد
مع المصطفى أرجوا بذاك جواره ... وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد
وقال حسان بن ثابت أيضا [يبكي رسول الله ﷺ ] :
ما بال عينك لا تنام كأنّما ... كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعاً على المهديّ أصبح ثاوياً ... يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
وجهي يقيك التّرب لهفي ليتني ... غيّبت قبلك في بقيع الغرقد
بأبي وأمي من شهدتّ وفاته ... في يوم الاثنين النّبيّ المهتدي
стр. 5569
فظللت بعد وفاته متبلّدا ... متلدّدا يا ليتني لم أولد
أأقيم بعدك بالمدينة بينهم ... يا ليتني صبّحت سمّ الأسود
أو حلّ أمر الله فينا عاجلا ... في روحة من يومنا أو من غد
فتقوم ساعتنا فنلقى طيّبا ... محضا ضرائبه كريم المحتد
يا بكر آمنة المبارك بكرها ... ولدته محصنة بسعد الأسعد
نورا أضاء على البريّة كلّها ... من يهد للنّور المبارك يهتدي
يا ربّ فاجمعنا معا ونبيّنا ... في جنّة تثني عيون الحسّد
في جنّة الفردوس فاكتبها لنا ... يا ذا الجلال وذا العلا والسّؤدد
والله أسمع ما بقيت بهالك ... إلّا بكيت على النبيّ محمّدٍ
يا ويح أنصار النّبيّ ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد
ضاقت بالأنصار البلاد فأصبحوا ... سودا وجوههم كلون الإثمد
ولقد ولدناه وفينا قبره ... وفضول نعمته بنا لا تجحد
والله أهداه لنا وهدى به ... أنصاره في كل ساعة مشهد
صلّى الإله ومن يحفّ بعرشه ... والطيّبون على المبارك أحمد
وقال ﵁:
نبّ المساكين أنّ الخير فارقهم ... مع النّبيّ تولّى عنهم سحرا
من ذا الّذي عنده رحلي وراحلتي ... ورزق أهلي إذا لم يؤنسوا المطرا
أم من نعاتب لا نخشى جنادعه ... إذا اللّسان عتا في القول أو عثرا
كان الضّياء وكان النّور نتبعه ... بعد الإله وكان السّمع والبصرا
فليتنا يوم واروه بملحدة ... وغيّبوه وألقوا فوقه المدرا
لم يترك الله منّا بعده أحدا ... ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا
ذلّت رقاب بني النّجّار كلّهم ... وكان أمرا من أمر الله قد قدرا
واقتسم الفيء دون النّاس كلّهم ... وبدّدوه جهارا بينهم هدرا
وقال حسان بن ثابت يبكي رسول الله- ﷺ أيضا:
آليت ما في جميع النّاس مجتهدا ... منّي أليّة برّ غير إفناد
стр. 5570
تالله، ما حملت أنثى ولا وضعت ... مثل الرّسول نبيّ الأمّة الهادي
ولا برا الله خلقا من بريّته ... أوفى بذمّة جار أو بميعاد
من الّذي كان فينا يستضاء به ... مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد
أمسى نساؤك عطّلن البيوت فما ... يضربن فوق قفا ستر بأوتاد
مثل الرّواهب يلبسن المباذل قد ... أيقنّ بالبؤس بعد النّعمة البادي
يا أفضل النّاس إنّي كنت في نهر ... أصبحت منه كمثل المفرد الصّادي
وقال أيضاً- رضي الله تعالى عنه-:
أن الرّزيّة لا رزيّة مثلها ... ميت بطيبة مثله لم يفقد
ولقد أصيب جميع أمّته به ... من كان مولودا، ومن لم يولد
والنّاس كلّهم بما قد عالهم ... يرجو شفاعته بذاك المشهد
حتّى الخليل أبوه في أشياعه ... ونجيّه موسى النّبيّ المهتدي
متواضعين لربّهم برقابهم ... تلك الفضيلة، واجتماع السّؤدد
يا خير من شدّ المطيّة نحوه ... وفد لحاجته يروح ويغتدي
أنت الّذي استنقذتنا من حفرة ... من يهو فيها من هواه يبعد
فهديتنا بعد الضّلالة والرّدى ... بهدى الإله إلى السّبيل الأرشد
فجزاك عنّا الله خير جزائه ... بمقام محمود المقام مسدّد
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب- رضي الله تعالى عنها-:
يا عين، جودي- ما بقيت- بعبرة ... سحّا على خير البريّة أحمد
يا عين، فاحتفلي وسحّي واسجمي ... وابكي على نور البلاد محمّد!
أنّى، لك الويلات! مثل محمّد ... في كلّ نائبة تنوب ومشهد؟
فابكي المبارك والموفّق ذا التّقى، ... حامي الحقيقة ذا الرّشاد المرشد
من ذا يفكّ عن المغلّل غلّه ... بعد المغيّب في الضّريح الملحد؟
أم من لكلّ مدفّع ذي حاجة، ... ومسلسل يشكو الحديد مقيّد؟
أم من لوحي الله يترك بيننا ... في كلّ ممسى ليلة أو في غد؟
فعليك رحمة ربّنا وسلامه، ... يا ذا الفواضل والنّدى والسّودد!
стр. 5571
هلّا فداك الموت كلّ ملعّن ... شكس خلائقه لئيم المحتد؟
وقالت أيضاً- رضي الله تعالى عنها-:
أعينيّ، جودا بالدّموع السّواجم ... على المصطفى بالنّور من آل هاشمٍ
على المصطفى بالحقّ والنّور والهدى ... وبالرّشد بعد المندبات العظائم
وسحّا عليه وابكيا، ما بكيتما، ... على المرتضى للمحكمات العزائم
على المرتضى للبرّ والعدل والتّقى، ... وللدّين والإسلام بعد المظالم
على الطّاهر الميمون ذي الحلم والنّدى ... وذي الفضل والدّاعي لخير التّراحم
أعينيّ، ماذا، بعد ما قد فجعتما ... به، تبكيان الدّهر من ولد آدم؟
فجودا بسجل واندبا كل شارق ... ربيع اليتامى في السّنين البوازم!
وقالت أروى بنت عبد المطلب- رضي الله تعالى عنها-:
ألا يا عين! ويحك أسعديني ... بدمعك، ما بقيت، وطاوعيني
ألا يا عين ويحك! واستهلّي ... على نور البلاد وأسعديني!
فإن عذلتك عاذلة فقولي: ... علام وفيم، ويحك! تعذليني؟
على نور البلاد معا جميعا ... رسول الله أحمد فاتركيني
فإلّا تقصري بالعذل عنّي، ... فلومي ما بدا لك أو دعيني!
لأمر هدّني وأذلّ ركني، ... وشيّب بعد جدّتها قروني!
وقالت أيضاً- رضي الله تعالى عنها-:
إلا يا رسول الله، كنت رجاءنا، ... وكنت بنا برّا ولم تك جافيا!
وكنت بنا روفا رحيما نبيّنا، ... ليبك عليك اليوم من كان باكيا!
لعمرك، ما أبكي النّبي لموته! ... ولكن لهرج كان بعدك آتيا
كأنّ على قلبي لذكر محمّد، ... وما خفت من بعد النّبيّ المكاويا
أفاطم، صلّى الله، ربّ محمّد، ... على جدث أمسى بيثرب ثاويا!
أبا حسن، فارقته وتركته، ... فبكّ بحزن آخر الدّهر شاجيا!
فدا لرسول الله أمّي وخالتي ... وعمّي ونفسي قصرة ثمّ خاليا
صبرت وبلّغت الرّسالة صادقا، ... وقمت صليب الدّين أبلج صافيا!
стр. 5572
فلو أنّ ربّ النّاس أبقاك بيننا ... سعدنا، ولكن أمرنا كان ماضيا!
عليك من الله السّلام تحيّة، ... وأدخلت جنّات من العدن راضيا!
وقال كعب بن مالك- رضي الله تعالى عنه-:
وباكية حرّاء تحزن بالبكا ... وتلطم منها خدّها والمقلّدا
على هالك بعد النّبيّ محمّد ... ولو علمت لم تبك إلّا محمّدا
فجعنا بخير النّاس حيّا وميّتا ... وأدناه من ربّ البريّة مقعدا
وأفظعهم فقدا على كل مسلم ... وأعظمهم في النّاس كلّهم يدا
لقد ورثت أخلاقه المجد والثّقى ... فلم تلقه إلّا رشيدا ومرشدا
وقالت صفية بنت عبد المطلب- رضي الله تعالى عنها-:
لهف نفسي! وبتّ كالمسلوب ... آرق اللّيل فعلة المحروب!
من هموم وحسرة ردفتني، ... ليت أنّي سقيتها بشعوب!
حين قالوا: إنّ الرّسول قد امسى ... وافقته منيّة المكتوب!
إذ رأينا أنّ النّبيّ صريع، ... فأشاب القذال أيّ مشيب
إذ رأينا بيوته موحشات، ... ليس فيهنّ بعد عيش حبيبي
أورث القلب ذاك حزنا طويلا، ... خالط القلب، فهو كالمرعوب
ليت شعري! وكيف أمسي صحيحا ... بعد أن بين بالرّسول القريب؟
أعظم الناس في البريّة حقّا، ... سيّد النّاس حبّه في القلوب
فإلى الله ذاك أشكوا وحسبي، ... يعلم الله حوبتي ونحيبي!
وقالت أيضاً- رضي الله تعالى عنها-:
أفاطم، بكّي ولا تسأمي ... بصبحك، ما طلع الكوكب!
هو المرء يبكى، وحقّ البكاء! ... هو الماجد السّيّد الطّيّب!
فأوحشت الأرض من فقده، ... وأيّ البريّة لا ينكب؟
فما لي بعدك حتّى المما ... ت إلّا الجوى الدّاخل المنصب
فبكّي الرّسول! وحقّت له ... شهود المدينة والغيّب!
لتبكيك شمطاء مضرورة، ... إذا حجب النّاس لا تحجب
стр. 5573
ليبكيك شيخ أبو ولدة ... يطوف بعقوته أشهب
ويبكيك ركب إذا أرملوا، ... فلم يلف ما طلب الطّلّب
وتبكي الأباطح من فقده، ... وتبكيه مكّة والأخشب
وتبكي وعيرة من فقده ... بحزن ويسعدها الميثب!
فعيني ما لك لا تدمعين؟ ... وحقّ لدمعك يستكب!
وقالت صفية بنت عبد المطلب- رضي الله تعالى عنها-:
ما لعينيّ لا تجودان ريّا ... إذ فقدنا خير البريّة حيّا
يوم نادى إلى الصّلاة بلال ... فبكينا عند النّداء مليّا
لم أجد قبلها، ولست بلاق ... بعدها غصّة أمرّ عليّا
جلّ يوم أصبحت فيه عليلا ... لا يردّ الجواب منك إليّا
ليت يومي يكون قبلك يوما ... أنضج القلب للحرارة كيّا
خلقا عاليا، ودينا كريما ... وصراطا يهدى إليه سويّا
وسراجا يجلو الظّلام منيرا ... ونبيّا مسدّدا عربيّا
حازما، عازما، حليما، كريما ... عائدا بالنّوال، برّا تقيّا
إنّ يوما أتى عليك ليوم ... كوّرت شمسه وكانت جليّا
فعليك السّلام منّا ومن ... ربّك بالرّوح بكرة وعشيّا
وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن عبد المطلب- رضي الله تعالى عنها-:
[أشاب ذؤابتي وأذلّ ركني ... بكاؤك، فاطم، الميت الفقيدا
فأعطيت العطاء فلم تكدّر، ... وأخدمت الولائد والعبيدا
وكنت ملاذنا في كلّ لزب، ... إذا هبّت شامية برودا]
وإنّك خير من ركب المطايا، ... وأكرمهم إذا نسبوا جدودا!
[رسول الله فارقنا، وكنّا ... نرجّي أن يكون لنا خلودا]
أفاطم! فاصبري فلقد أصابت ... رزيئتك التّهائم والنّجودا
وأهل البرّ والأبحار طرّا، ... فلم تخطئ مصيبته وحيدا
وكان الخير يصبح في ذراه، ... سعيد الجدّ قد ولد السّعودا!
فموتي إن قدرتي أن تموتي ... فقدتّ الطّيّب الرّجل الحميدا
стр. 5574
رسول الله خير النّاس حقّا ... فلست أرى له أبدا مديدا
وقال عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه-:
ما زالت مذ وضع الفراش لجنبه ... وثوى مريضا خائفا أتوقّع
شفقا عليه أن يزول مكانه ... عنّا، فنبقى بعده نتوجّع
نفسي فداؤك من لنا في أمرنا ... أو من نشاوره إذا فترجّع
وإذا تحدّثنا الحوادث: من لنا ... بالوحي من ربّ رحيم يسمع
ليت السّماء تفطّرت أكنافها ... وتناثرت فيها النّجوم الطّلّع
لمّا رأيت النّاس هدّ جميعهم ... صوت ينادي بالنّعيّ فيسمع
وسمعت صوتا قبل ذلك هدّني ... عبّاس ينعاه بصوت يقطع
فليبكه أهل المدائن كلّها ... والمسلمون بكلّ أرض تجدع
وقال علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه-:
ألا طرق النّاعي بليل فراعني ... وأرّقني لمّا استهلّ مناديا
فقلت له لمّا رأيت الّذي أتى ... أغير رسول الله أصبحت ناعيا
فحقّق ما أشفيت منه ولم يبل ... وكان خليلي عدّتي وجماليا
فو الله، لا أنساك أحمد ما مشت ... بي العيس في أرض وجاوزت واديا
وكنت متى أهبط من الأرض تلعة ... أجد أثرا منه جديدا وعافيا
جواد تشظّى الخيل عنه كأنّما ... يرين به ليثا عليهنّ ضاريا
من الأسد قد أحمي العرين مهابة ... تفادى سباع الأرض منه تفاديا
شديد جريّ النّفس نهد مصدّر ... هو الموت مغدوّ عليه وغاديا
[ (١) ]
стр. 5575
_________
[ () ]
مادت بي الأرض حتى كدت أدخلها ... بعد النبي رسول الله والآسي
وقال حسان:
متى يبد في الداجي إليهم جبينه ... يلح مثل مصباح الدجى المتوقد
فمن كان أو من يكون كأحمد ... نظام لحق أو نكال لملحد
وقال حسان:
كنت السواد الناظري ... فعمى عليك الناظر
من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر
وقالت فاطمة الزهراء ﵂ ترثى أباها ﷺ :
لقد سال دمع العين من بعد حسرتي ... على صحن خدي من فراق أحبتي
وقد تركوني باكى العين اشتكى ... فراقهم دوما وقلة حيلتي
فبت على فرش السقام مسهدا ... أراعي نجوم الليل من عظم بلوتي
وقد أورثوني حسرة لفراقهم ... ونيران وجد في جوانب مهجتي
وقد سكنوا تحت التراب وأقفرت ... منازلهم من بعد حسن وبهجة
أحباي إن البعد والسقم والنوى ... لقد غيرت لوني وجسمي وصحتي
فيا رب بلغني المرام بنظرة ... إليه لتطفي نار حزني ووحشتي
وأرمق نورا للحبيب محمد ... إمام البرايا خير كل الخليقة
وأشكو إليه الوجد والسقم والجوى ... ليرثي لحالي في الهوى وصبابتي
وأنشده يا خير من وطئ الثرى ... ويا خير مرسول إلى خير أمة
بحقك كن لي في معادي شافعا ... فأنت غياثي في أماني وشدتي
عليك صلاة الله ثم سلامه ... مدى الدهر، ما غنّى الحمام بروضة
وقالت فاطمة:
قل صبري، وبان عني عزائي ... بعد فقدي لخاتم الأنبياء
عين يا عين اسكبي الدمع سحا ... ويك لا تبخلي بفيض الدماء
يا رسول الإله، يا خيرة الله ... وكهف الأيتام والضعفاء
قد بكتك الجبال والوحش جمعا ... والطير والأرض بعد بكى السماء
وبكاك الحجون والركن والمش ... عر يا سيدي مع البطحاء
وبكاك المحراب والدرس للقرا ... ن في الصبح معلنا والمساء
وبكاك الإسلام إذ صار في ... الناس غريبا عن سائر الغرباء
لو ترى المنبر الذي كنت تعلو ... هـ، علاه الظلام بعد الضياء
يا إلهي عجل وفاتي سريعا ... فلقد نغص الحياة يا مولائي
وقالت فاطمة:
قد كنت لي جبلا ألوذ بظله ... فاليوم تسلمني لأجر ضاح
قد كنت جار حميتي ما عشت لي ... واليوم بعدك من يريش جناحي
وأغض من طرفي وأعلم أنه ... قد مات خير فوارسي وسلاحي
حضرت منيته فأسلمني العزا ... وتمكنت ريب المنون جواحي
نشر الغراب على ريش جناحه ... فظللت بين سيوفه ورماح
إني لأعجب من يروح ويغتدي ... والموت بين بكوره ورواح
فاليوم أخضع للدليل وأنقى ... ذلي، وأدفع ظالمي بالراح
وإذا بكت قمرية شجنا به ... ليلا على غصن بكيت صباحي
стр. 5576
_________
[ () ]
فالله صبرني على ما حل بي ... مات النبي، قد انطفى مصباحي
وقالت الزهراء:
قل للمغيب تحت أطباق الثرى ... إن كنت تسمع صرختي وندائيا
صبت علي مصائب لو أنها ... صبت على الأيام صرن لياليا
قد كنت ذات حمى لظل محمد ... لا أخشى من ضيم، وكان جماليا
فاليوم أخشع للذليل وأتقي ... ضيمي، وأدفع ظالمي بردائيا
فإذا بكت قمرية في ليلها ... شجنا على غصن بكيت صباحيا
فلأجعلن الحزن بعدك مؤنسي ... ولأجعلن الدمع فيك وشاحيا
ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا
وقالت فاطمة الزهراء:
أغبر آفاق السماء وكورت ... شمس النهار، وأظلم العصران
فالأرض من بعد النبي كئيبة ... أسفا عليه، كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها ... ولتبكه مضر، وكل يمان
وليبكه الطود المعظم جوده ... والبيت ذو الأستار والأركان
يا خاتم الرسل المبارك ضوؤه ... صلى عليك منزل القرآن
نفسي فداؤك، ما لرأسك مائلا ... ما وسدوك وسادة الوسنان
وقالت الزهراء:
إذا مات قرم قل والله ذكره ... وذكر أبي مذ مات والله أزيد
تذكرت لما فرّق الموت بيننا ... فعزيت نفسي بالنبي محمد
فقلت لها: إن الممات سبيلنا ... ومن لم يمت في يومه مات في غد
وقالت الزهراء:
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها ... وغاب مذ غبت عنا الوحي والكتب
فليت قبلك كان الموت صادفنا ... لما نعيت وحالت دونك الكتب
وقالت فاطمة:
ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لم يشم مدى الزمان الغواليا
صبت علي مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدن لياليا
وقالت الزهراء:
قد كان بعدك أنباء وهنبثة ... لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها ... إذ غاب مذ غبت عنا الوحي والكتب
وزاد جرمي بعد أبي العلاء بيتا ثالثا روي بروايتين:
واختل لقومك لما غبت وانقلبوا ... لما قضيت، وحالت دونك الكثب
فليت قبلك كان الموت صادفنا ... لما قضيت، وحالت دونك الكثب
وقد أورد بعضهم بعد البيتين الأولين:
أبدى رجال لنا نجوى صدورهم ... لما مضيت، وحالت دونك الترب
تجهمتنا أناس، واستخف بنا ... لما فقدت، وكل الإرث مغتصب
وكنت بدرا ونورا يستضاء به ... عليك تنزل من ذي العزة الكتب
وكان جبريل بالآيات يؤنسنا ... وإذ فقدت فكل الخير محتجب
فليت قبلك كان الموت صادفنا ... لما مضيت وحالت دونك الكثب
انا رزينا بما لم يرز ذو شجن ... من البرية، لا عجم ولا عرب
стр. 5577
_________
[ () ] وقالت فاطمة:
إن حزني عليك حزن جديد ... وفؤادي والله صب عنيد
كل يوم يزيد فيه شجوني ... واكتئابي عليك ليس يبيد
جل خطبي، وبان عني عزائي ... فبكائي كل وقت جديد
إن قلبا عليك يألف صبرا ... أو عزاء إنه لجليد
وقالت فاطمة الزهراء:
أبي وا أبتاه أجاب ربا دعاه ... جنة الفردوس مأواه من ربه ما أدنا
إلى جبرئيل ننعاه
وقالت فاطمة:
إذا اشتد شوقي رزت قبرك باكيا ... أنوح وأشكو لا أراك مجاوبي
فيا ساكن الصحراء علمتني البكا ... وذكرك أنساني جميع المصائب
فإن كنت عني في التراب مغيبا ... فما كنت من قلب الحزن بغائب
وقالت صفية بنت عبد المطلب (عمة الرسول) ترثيه:
أفاطم بكي ولا تسأمي ... بصبحك ما طلع الكوكب
هو المرء يبكي وحق البكا ... هو الماجد السيد الطيب
فأوحشت الأرض من فقده ... وأي البرية لا ينكب
فما لي بعدك حتى المما ... ت إلا الجوى الداخل المنصب
فبكي الرسول وحقت له ... شهود المدينة والغيب
لتبكيك شمطاء مضرورة ... إذا حجب الناس لا تحجب
ليبكيك شيخ أبو ولدة ... يطوف بعقوته أشهب
ويبكيك ركب إذا أرملوا ... فلم يلف ما طلب الطلب
وتبكي الأباطح من فقده ... وتبكيه مكة والأخشب
وتبكي وعيرة من فقده ... بحزن، ويسعدها الميثب
فعيني ما لك لا تدمع ... ين وحق لدمعك يستسكب
وقال سالم بن زهير المحاربي
أفاطم بكي ولا تسأمي ... فقد فاتك الماجد الطيب
جوى حل بين الحشا والشغا ... ف، فخيم فيه فلا يذهب
فيا عين ويحك لا تهجعي ... وما بال دمعك لا يسكب
فمن ذا- لك الويل- بعد الرسو ... ل، يبكي من الناس أو يندب
وقال عبد الله بن سلمة الهمداني:
أنشد معترفا للمهاجرين بفضل هجرتهم، وللأنصار بفضل نصرتهم مشاركا لهما في رثاء النبي- ﷺ ، فقال:
إن فقد النبي جزعنا اليو ... م فدته الأسماع والأبصار
ما أصيبت به الغداة قريش ... لا، ولا أفردت به الأنصار
فعليه السلام ما هبت الري ... ح، ومدت جنح للظلام نوار
وقال علي بن أبي طالب
أمن بعد تكفين النبي ودفنه ... نعيش بآلاء ونجنح للسلوى
رزئنا رسول الله حقا فلن نرى ... بذاك عديلا ما حيينا من الردى
стр. 5578
_________
[ () ]
وكنت لنا كالحصن من دون أهله ... له معقل حرز حريز من العدى
وكنا بمرآكم نرى النور والهدى ... صباح مساء، راح فينا أو اغتدى
لقد غشيتنا ظلمة بعد فقدكم ... نهارا وقد زادت على ظلمة الدجى
فيا خير من ضم الجوانح والحشا ... ويا خير ميت ضمه الترب والثرى
كأن أمور الناس بعدك ضمنت ... سفينة موج حين في البحر قد سما
وضاق فضاء الأرض عنا برحبه ... لفقد رسول الله إذ قيل قد مضى
فقد نزلت بالمسلمين مصيبة ... كصدع الصفا، لا شعب للصدع في الصفا
فلن يستقل الناس ما حل فيهم ... ولن يجبر العظم الذي منهم وهي
وفي كل وقت للصلاة يهيجها ... بلال، ويدعو باسمه كلها دعا
ويطلب أقوام موارث هالك ... وفينا مواريث النبوة والهدى
وقال الإمام علي:
أمن بعد تكفين النبي ودفنه ... بأثوابه آسى على هالك ثوى
رزئنا رسول الله فينا فلن نرى ... بذاك عديلا ما حيينا من الورى
وكان لنا كالحصن من دون أهله ... لهم معقل حرز حريز من العدى
وكنا به شم الأنوف بنحوه ... على موضع لا يستطاع ولا يرى
فيا خير من ضم الجوانح والحشا ... ويا خير ميت ضمه الترب والثرى
كأن أمور الناس بعدك ضمنت ... سفينة موج البحر، والبحر قد طمى
وضاق فضاء الأرض عنهم برحبه ... لفقد رسول الله إذ قيل قد قضى
فيا حزنا إنا رأينا نبينا ... على حين تم الدين واشتدت القوى
وكان الألى شبهته سفر ليلة ... أضل الهدى لا نجم فيها ولا ضوى
وقالت أم سلمة زوج الرسول ﷺ :
فجعنا بالنبي، وكان فينا ... إمام كرامة، نعم الإمام
وكان قوامنا، والرأس منا ... فنحن اليوم ليس لنا قوام
ننوح ونشتكي ما قد لقينا ... ويشكو فقدك البلد الحرام
فلا تبعد، فكل فتى كريم ... سيدركه- وإن كره- الحمام
وقال كعب:
ألا أنعي النبي إلى العالمينا ... جميعا لا سيما المسلمينا
ألا أنعى النبي لأصحابه ... وأصحاب أصحابه التابعينا
ألا أنعي النبي إلى من هدى ... من الجن ليلة إذ تسمعونا
لفقد النبي إمام الهدى ... وفقد الملائكة المنزلينا
وقال سواد بن قارب الدوسي:
جلت مصيبتك الغداة سواد ... وأرى المصيبة بعدها تزداد
أبقى لنا فقد النبي محمد ... صلى الإله عليه ما يعتاد
стр. 5579
_________
[ () ]
حزنا لعمرك في الفؤاد مخامرا ... أم هل لمن فقد النبي فؤاد؟
كنا نحل به جنابا ممرعا ... جف الجناب، فأجدب الرواد
فبكت عليه أرضنا وسماؤنا ... وتصدعت وجدا به الأكباد
قل المتاع به وكان عيانه ... حلما تضمن سكرتيه رقاد
إن العيان هو الطريف وحزنه ... باق لعمرك في الفؤاد تلاد
إن للنبي وفاته كحياته ... الحق حق والجهاد جهاد
لو قيل تفدون النبي محمدا ... بدلت له الأموال والأولاد
وتسارعت فيه النفوس ببدلها ... هذا له الأغياب والأشهاد
هذا وهذا لا يرد نبينا ... لو كان يفديه سواد
إني أحاذر والحوادث جمة ... أمرا لعاصف ريحه إرعاد
إن جل منه ما يخاف فأنتمو ... للأرض إن رجفت بنا أوتاد
لو زاد قوم فوق منية صاحب ... زدتم، وليس لمنية مزداد
وقال عبد الله بن مالك الأرحبي:
لعمري لئن مات النبي محمد ... لما مات يا بن القبل رب محمد
دعاه إليه ربه فأجابه ... يا خير غورى ويا خير منجد
وقال عامر بن الطفيل الأزدي:
بكت الأرض والسماء على النو ... ر الذي كان للعباد سراجا
من هدينا به سبل الحق ... وكنا لا نعرف المنهاجا
وقال مران ذي عمير بن أبي مران الهمداني:
إن حزني على الرسول طويل ... ذاك مني على الرسول قليل
بكت الأرض والسماء عليه ... وبكاه خديمه جبريل
وقال أبو الهيثم بن التيهان:
لقد جدعنا آذاننا وأنوفنا ... غداة فجعنا بالنبي محمد
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
لما رأيت الناس في عسلاتهم ... ما بين ملحود له ومضرح
متبادرين لشرجع بأكفهم ... نص الرقاب لفقد أبيض أروح
فهناك صرت إلى الهموم ومن يبت ... جار الهموم يبيت غير مروح
كسفت لمصرعه النجوم وبدرها ... وتضعضعت آطام بطن الأبطح
وتزعزعت أجبال يثرب كلها ... ونخيلها لحلول خطب مفدح
ولقد زجرت الطير قبل وفاته ... بمصابه، وزجرت سعد الأذبح
وزجرت أن نعب المشحج سائحا ... متفائلا فيه بفأل أقبح
وقال عمر الفاروق:
لعمري لقد أيقنت أنك هالك ... ولكنهما أبدي الذي قلته الجزع
стр. 5580
_________
[ () ]
وقلت يغيب الوحي عنا لفقده ... كما غاب موسى، ثم يرجع كما رجع (كذا)
وكان هواي أن تطول حياته ... وليس لحي في بقا ميت طمع
فلما كشفنا البرد عن حر وجهه ... إذا الأمر بالجزع الموعب قد وقع
فلم تك لي عند المصيبة حيلة ... أرد بها أهل الشماتة والقذع
سوى آذن الله الذي في كتابه ... وما آذن الله العباد به يقع
وقد قلت من بعد المقالة قولة ... لها حلوق الشامتين به بشع
إلا إنما كان النبي محمد ... إلى أجل وافى به الموت فانقطع
ندين على العلات منا بدينه ... ونعطي الذي عطى ونمنع ما منع
ووليت محزونا بعين سخينة ... أكفكف دمعي والفؤاد قد انصدع
وقلت لعيني كل دمع دخرته ... فجودي به إن الشجي له دفع
وقال الصديق:
باتت تأويني هموم حشد ... مثل الصخور، فأمست هدت الجسدا
يا ليتني حيث نبئت الغداة به ... قالوا: الرسول قد أمسى ميتا، فقدا
ليت القيامة قامت بعد مهلكه ... ولا نرى بعده مالا ولا ولدا
والله أثنى على شيء فجعت به ... من البرية حتى أدخل اللحدا
كم لي بعدك من هم ينصبني ... إذا تذكرت أني لا أراك أبدا
كان المصفاء في الأخلاق قد علموا ... وفي العفاف. فلم نعدل به أحدا
نفسي فداؤك من ميت ومن بدن ... ما أطيب الذكر، والأخلاق، والجسدا
وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل العدوية:
أمست مراكبه أوحشت ... وقد كان يركبها زينها
وأمست تبكي على سيد ... تردد عبرتها عينها
وأمست نساؤك ما تستفي ... ق، من الحزن يعتادها دينها
وأمست شواحب مثل النصا ... ل، قد عطلت، وكبا لونها
يعالجن حزنا بعيد الذها ... ب، وفي الصدر مكتنع حينها
يضربن بالكف حر الوجو ... هـ، على مثله جادها شونها
هو الفاضل السيد المصطفى ... على الحق مجتمع دينها
فكيف حياتي بعد الرسو ... ل، وقد حان من ميتة حينها
وقالت هند بنت الحارث بن عبد المطلب:
يا عين جودي بدمع منك وابتدري ... كما تنزل ماء الغيث فانثعبا
أو فيض غرب على عادية طويت ... في جدول خرق بالماء قد سربا
لقد أتتني من الأنباء معضلة ... أن ابن آمنة المأمون قد ذهبا
أن المبارك والميمون في جدث ... قد ألحفوه تراب الأرض والحدبا
أليس أوسطكم بيتا، وأكرمكم ... خالا وعما، كريما ليس مؤتشبا
стр. 5581
تنبيهات
الأول:
روى الإمام احمد وابن ماجه والحاكم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: نهى رسول الله- ﷺ عن المراثي وعند ابن أبي شيبة بلفظ: نهانا عن أن نتراثى.
الثاني: في بيان غريب ما سبق سجّي: أي غطّي [والمتسجّي: المتغطي من الليل الساجي، لأنه يغطي بظلامه وسكونه] .
يجلب: بمثناة تحتية فجيم فلام يقال: جلب عليه يجلب بضم اللام جلبا بالفتح صاح من خلفه وأجلب مثله.
عقر: بكسر القاف. دهش فلا يستطيع أن يتقدم أو يتأخر.
وقيل: سقط إلى الأرض من قامته وحكاه ابن السكّيت بالفاء من العفر وهو التراب وصوّب ابن كيسان الروايتين معا والعفر بفتحتين.
يأسن: [أي يتغير] .
حنّ: [أي نزع واشتاق وأصل الحنين ترجيع الناقة صوتها إثر ولدها] .
ضوى: ...
الخدور: ...
الصراخ: ...
الحجيج: ...
تبالة: ...
أمسى: ...
فجعت: [يقال أمر فاجع: يفجع الناس بالدواهي] .
اللّحد: ...
ينصبني: [من نصب ينصب نصبا: أعيا وتعب] .
القوارع: [مفردها القارعة وهي المصيبة] .
البليّة: [المصيبة] .
قارع: ...
فيا ليت شعري: ...
إسبال: [يقال: أسبلت العين: سال دمعها] .
سحّ: [يقال: سح الماء ونحوه: سال من أعلى إلى أسفل وأيضا: سح الماء ونحوه: صبّه صبا متتابعا كثيرا] .
إعوال: [يقال: أعول إعوالا، وعوّل تعويلا إذا صاح وبكى] .
هاجس: [هجس الأمر في صدره: خطر بباله] .
صالي: ...
سحّ الشّعيب: ...
محصن ضريبته: ...
حامي الحقيقة: ...
تسّال الوديقة: سريع ومتقدم للقوم في شدة الحرّ ودنو الشمس.
العناة: الأسرى.
ماجد: الشريف الخيّر.
شملال: السريع الخفيف.
وجناء: الشديدة.
نكّال: المعاقب بما يردع، والمروع لغيره من إتيان مثل صنيع من نكّل به.
واري الزّناد: الذي إذا رام أمرا أنجح فيه وأدرك ما طلب.
جحفل: الجيش الكثير فيه الخيل.
стр. 5584
الحسب: ما يعده المرء من مناقبه وشرف آبائه.
انهمر: انسكب بقوة.
السّجل: الدّلو الملأى ماء.
الشّؤبوب: الدّفعة من المطر.
العبرة: الدمعة.
الضّريح: القبر.
فجعتما: أولمتما إيلاما شديدا.
البوازم: الشدائد.
العذل: اللّوم.
قروني: القرن من رأس الإنسان، موضع القرون منه.
الشّعوب: ...
صريع: المصروع: أي صرعته المنية.
القذال: جماع مؤخر الرأس من الإنسان والفرس.
حوبة: ...
النّحيب: رفع الصوت بالبكاء.
الجوى: شدة الوجد من العشق أو الحزن.
شمطاء: المختلطة سواد شعرها ببياض.
الطوف: ...
أشهب: المخالط بياض شعره سواد، أو حال لونه وتلوّح من برد وحرّ.
أرملوا: ...
يلف: ...
الأباطح: الأمكنة المتسعة يمر بها السّيل، فيترك فيه الرمل والحصى الصغار.
الأخشب: جبل بمكة.
стр. 5585
الباب الثامن والعشرون في بلوغ هذا الخطب الجسيم إلى الصّديق الكريم وثبوته في هذا الأمر
روى البزّار والبلاذري وبقي بن مخلد عن أبي هريرة وابن عباس، وأبو يعلى وأحمد برجال ثقات والطيالسي والترمذي في «الشمائل» . - بإسناد حسن- عن عائشة والطبراني برجال ثقات عن عكرمة عن ابن عباس وإسحاق بن راهويه عن عكرمة وعبد بن حميد بسند صحيح عن سالم بن عبيد الصحابي، أن الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- أرسلوه خلف أبي بكر وفي لفظ أن رسول الله- ﷺ لما خرج يوم الاثنين قال له أبو بكر: يا رسول الله وفي لفظ:
«أصبح رسول الله- ﷺ يوم الاثنين خفيفا فقال أبو بكر: يا رسول الله: أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما تحبّ، واليوم يوم ابنة خارجة يعني: امرأته أفآتها قال: نعم، ثم دخل رسول الله- ﷺ ورجع أبو بكر إلى أهله بالسّنح فلما مات رسول الله- ﷺ سجّي بثوب وجاء عمر فاستأذن على عائشة ومعه المغيرة بن شعبة، فأذنت لهما ومدّت الحجاب، فقال عمر: يا رسول الله فقالت: عائشة غشي عليه مذ ساعة، فكشف عن وجهه وقال: وا غشياه ما أشدّ غشي رسول الله- ﷺ وفي لفظ: دخل أبو بكر على رسول الله- ﷺ فجعل يراوح بين حزنه ميلا وجعل يقول: وا نبيّاه وا صفيّاه ثم غطاه، ولم يتكلم المغيرة، فلما أن دنوا من عتبة الباب قال: مات رسول الله- ﷺ يا عمر: فقال عمر: كذبت، ما مات رسول الله- ﷺ والله لا يموت حتى يؤمر بقتال المنافقين، ولكنه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى إلى ربه، وغاب عن قومه أربعين ليلة، والله ليرجعنّ رسول الله- ﷺ وليقطّعنّ أيدي رجال وأرجلهم وألسنتهم، وتكلم حتى أزبد شدقاه: بل أنت امرؤ تحوشك فتنة وابن أم مكتوم في مؤخّرة المسجد يقرأ ووَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران ١٤٤] والناس يموجون ويبكون ولا يسمعون، فخرج عباس بن عبد المطلب على الناس فقال:
يا أيها الناس هل عند أحد منكم من عهد رسول الله- ﷺ فليحدثنا قالوا: لا. قال: هل عندك يا عمر من علم؟ قال: لا. فقال العباس: أشهد أيها الناس إن أحدا لا يشهد على رسول الله- ﷺ بعهد عهده إليّ في وفاته، والله الذي لا إله إلا هو فقد ذاق رسول الله- ﷺ الموت، فادفنوا صاحبكم أيمت أحدكم إماتة ويميته إماتتين، هو أكرم على الله من ذلك فإن كان كما تقولون فليس على الله بعزيز أن عنه التراب فيخرجه إن شاء الله، ما مات حتى ترك السبيل نهجا واضحا، أحلّ الحلال، وحرّم الحرام، ونكح وطلق، وحارب وسالم، وما كان راعي غنم يتبع بها صاحبها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاة بمخبطه يحدر حوضها بيده بأنصب ولا أدأب من رسول الله- ﷺ كان فيكم، فذهب سالم بن
стр. 5586
عبيد وراء أبي بكر إلى السّنح فأعلمه بموت رسول الله- ﷺ فلما بلغ أبو بكر الخبر وهو بالسّنح أقبل على فرس حتى نزل على باب رسول الله- ﷺ وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله- ﷺ في بيت عائشة ورسول الله- ﷺ مسجّى في ناحية البيت عليه برد حبرة.
زاد أبو الربيع وأبو اليمن بن عساكر في «إتحاف الزائر» وعيناه تهملان وزفراته تتردّد في صدره وعصصه ترتفع كقطع الحرة، وهو في ذلك جلد العقل والمقالة حتى دخل على رسول الله- ﷺ وكشف عن وجهه ومسح وقبل بين عينيه، وجعل يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي طبت حيّا وميتا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء وحصصت حتى صرت مسلاة وعممت حتى صرت فينا سواء، ولولا أنّ موتك كان اختبارا لجدنا لموتك بالنّفوس، ولولا أنّك نهيت عن البكاء عليك ما الشئون، فأما ما لا نستطيع تقيه ففيه كمد وإدناف يتخالفان لا يبرحان، اللهم فأبلغه عنا، اذكرنا يا محمد عند ربك ولتكن من جاء لك فلولا ما خلقت من السكينة لم تعم لما خلقت من الوحشة، اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه ميتا ثم صرخ. انتهى.
وفي حديث عائشة عند ابن سعد وأبي يعلى وأحمد برجال ثقات أن أبا بكر لما رأى رسول الله- ﷺ قال: أنا لله وإنا إليه راجعون، مات رسول الله- ﷺ ثم تحول من قبل رأسه فقال: وا نبيّاه، ثم حدر فمه وقبل وجهه ثم [قال: وا صفيّاه ثم] [ (١) ] رفع رأسه وحدر فمه وقبّل جبهته وقال: وا خليلاه، مات رسول الله- ﷺ وفي حديث عائشة عند أبي يعلى وأحمد فقال: كيف ترين؟ قالت: غشي عليه فدنا منه فكشف عن وجهه فقال: يا غشياه ما أكون هذا الغشي، ثم كشف عن وجهه فعرف الموت فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون ثم بكى قالت عائشة: فقلت في سبيل الله انقطاع الوحي ودخول جبريل بيتي، ثم وضع يديه على صدغيه ووضع فاه على جبهته فبكى حتى سالت دموعه على وجه رسول الله- ﷺ وفي لفظ ثم أقبل عليه فقبّله ثم قال: بأبي وأمي أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متّها فلن يصيبك بعدها موتة أبدا، ثم ردّ البرد على وجه رسول الله- ﷺ ثم خرج إلى الناس.
زاد أبو الربيع: وهم في خطبهم غمراتهم وشديد سكراتهم، ثم خرج عمر يكلّم الناس فقال: على رسلك يا عمر أنصت ثلاث مرّات فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه.
стр. 5587
زاد أبو الربيع وأبو اليمن، ثم خطب خطبة جلّها الصلاة على النبي ﷺ وقال فيها:
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وخاتم أنبيائه، وأشهد أن الكتاب كما نزّل، وأن الدين كما شرع وأن الحديث كما حدّث، وأن القول كما قال، وأن الله هو الحقّ المبين، في كلام طويل انتهى.
ثم قال: أيها الناس إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلى هذه الآية: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران ١٤٤] .
زاد ابن عقبة وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ [الزمر ٣٠] وقال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران ١٨٥] وقال: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص ٨٨] كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن ٢٦، ٢٧] زاد أبو الربيع وأبو اليمن: إن الله قد تقدم لكم في أمره فلا تدعوه جزعا، وأن الله تعالى قد اختار لنبيّه ما عنده على ما عندكم ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [النحل ٩٦] وقبضه إلى ثوابه، وخلّف فيكم كتابه وسنّة رسوله، فمن أخذ بهما عرف، ومن فرق بينهما أنكر، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ [النساء ١٣٥] لا يشغلنّكم الشيطان بموت نبيّكم ولا يلفتنكم عن دينكم، وعالجوا الشيطان بالخزي تعجزوه ولا تستنظروه فيلحق بكم، انتهى.
زاد ابن عقبة إنّ الله عمّر محمّدا وأبقاه حتى أقام دين الله وأظهر أمر الله وبلّغ رسالة الله وجاهد أعداء الله حتّى توفّاه الله صلوات الله وسلامه عليه وهو على ذلك وترككم على الطّريقة فلن يهلك هالك إلا من بعد البينة [والشفاء فمن كان الله ربّه فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمّدا وينزله إلها فقد هلك إلهه] فاتقوا الله أيها الناس واعتصموا بدينكم، وتوكلوا على ربكم، فإن دين الله قائم وكلمته باقية، وإن الله ناصر من نصره ومعزّ دينه وأن كتاب الله بين أظهرنا وهو النور والشفاء، وبه هدى الله محمداً ﷺ وفيه حلال الله وحرامه والله لا نبالي من أجلب علينا من خلق الله، إنّ سيوف الله لمسلولة، ما وضعناها بعد ولنجاهدنّ من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله- ﷺ فلا يبقينّ أحد إلا على نفسه. انتهى.
وفي لفظ فو الله لكأن الناس لم يعلموا إن الآية نزلت [إلا] حين تلاها أبو بكر يومئذ فأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم، فلما تلاها أبو بكر أيقن الناس بموت رسول الله- ﷺ وتلقاها كثير من الناس من أبي بكر حتى تلاها. قال عمر- رضي الله تعالى
стр. 5588
عنه- فو الله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت وأنا قائم حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت حين تلاها أن رسول الله- ﷺ قد مات. زاد أبو الربيع فلما فرغ من خطبته التفت إلى عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- فقال: يا عمر أنت الذي تقول على باب رسول الله- ﷺ : والذي نفسي بيده ما مات رسول الله، أما علمت أن رسول الله- ﷺ قال يوم كذا وكذا، أو قال يوم كذا كذا وكذا، وقال الله تعالى في كتابه إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر ٣٠] فقال عمر: لكأني والله لم أسمع بها في كتاب الله تعالى قبل ذلك لما نزل بنا، أشهد أن الكتاب كما نزّل، وأن الحديث كما حدّث، وأن الله تعالى حي لا يموت- صلوات الله وسلامه على رسوله- وعند الله تحتسب رسوله وقال عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- فيما كان منه يومئذ:
لعمري لقد أيقنت أنّك ميّت ... ولكنّما أبدي الّذي قلته الجزع
وقلت يغيب الوحي عنّا لفقده ... كما غاب موسى ثمّ يرجع كما رجع
وكان هواي أن تطول حياته ... وليس لحيّ في بكا ميّت طمع
فلمّا كشفنا البرد عن حرّ وجهه ... إذا الأمر بالجزع المرعب قد وقع
فلم يك لي عند المصيبة حيلة ... أردّ بها أهل الشّماتة والقزع
سوى إذن الله في كتابه ... وما أذن الله العباد به يقع
وقد قلت من بعد المقالة قولة ... لها في حلوق الشّامتين به بشع
ألا إنّما كان النّبيّ محمّد ... إلى أجل وافى به الموت فانقطع
ندين على العلّات منّا بدينه ... ونعطي الّذي أعطى ونمنع ما منع
وولّيت محزونا بعين سخينة ... أكفكف دمعي والفؤاد قد انصدع
وقلت لعيني كلّ دمع دخرته ... فجودي به إنّ الشّجيّ له دفع
وروى ابن إسحاق عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال له في خلافته: هل تدري ما حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله- ﷺ قال: قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين أنت أعلم قال: فإنه والله ما حملني على ذلك إلا أني كنت أقرأ هذه الآية: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة ١٤٣] فو الله إني كنت لا أظن أن رسول الله- ﷺ سيبقى في أمته حتى تشهد عليها بآخر أعمالها، فإنّه الذي حملني على أن قلت ما قلت.
стр. 5589
تنبيهات
الأول:
قول سيدنا أبي بكر- رضي الله تعالى عنه-: «لا يجمع الله عليك موتتين» .
قيل: هو على حقيقته، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم بأنه سيحيا ليقطع أيدي رجال، لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين كما جمع على غيره، كالّذين خرجوا من ديارهم ألوف أو كالذي مر على قرية.
قال الحافظ: وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها وقيل: أراد لا يموت موتة أخرى في القبر كغيره، إذ يحيا ليسأل ثم يموت، قاله الداودي.
وقيل: لاي يجمع الله موت نفسك وموت شريعتك.
وقيل: كنى بالموت الثاني عن الكرب أي: لا تلقي بعد كرب هذا الموت كربا آخر.
الثاني:
في بيان غريب ما سبق «السّنّح» هنا بضم السين والنون.
وقيل: بسكونها أطم لجشم ومنازل بني الحارث على ميل من المسجد النبوي، وهو أدنى العالية، وسميت به الناحية، ووهم من جعله نجديا مساجد الفتح، لأن ذاك بالمثناة التحتية وكسر السين، قاله السيد نور الدين السمهودي في تاريخ المدينة.
«أزبد» «شدقاه» .
«تحوسك» بحاء وسين مهملتين بينهما واو أي: تخالطك وتحث على ارتكابها.
«يبرحون» .
مسلاة.
стр. 5590
الباب التاسع والعشرون في اختيار الله تعالى له- ﷺ بأن يجمع له مع النبوة الشهادة
روى البخاري تعليقا والبيهقي مسندا عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة ما أزال أجد ألم الطّعام الّذي أكلت بخيبر وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السّمّ وفي رواية «ما زالت أكلة خيبر تعاودني» .
وروى ابن سعد بسند صحيح، والبيهقي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: لأن أحلف تسعا أن رسول الله- ﷺ قتل قتلا أحب إلي من أن أحلف واحدة، وذلك أنّ الله اتّخذه نبيّا، وجعله شهيدا» .
وروى ابن سعد عن ابن عباس- وجابر وأبي هريرة وغيرهم أن رسول الله- ﷺ عاش بعد أكلة الشّاة المسمومة بخيبر ثلاثة سنين حتى وجعه الذي توفي فيه، فجعل يقول في مرضه: ما زلت أجد من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر عدادا حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري، وذلك عرق في الظّهر، وتوفي رسول الله- ﷺ شهيدا.
وروى الإمام أحمد والحاكم عن أم معبد امرأة كعب أن أمّ مبشر دخلت على رسول الله- ﷺ في وجعه الذي قبض فيه فقالت: بأبي وأمّي أنت يا رسول الله- ﷺ ما تتهم بنفسك؟ فإني لا أتّهم بابني إلا الطعام الذي أكل معك بخيبر، وكان ابنها مات قبل النبي- ﷺ قال: وأنا لا أتّهم غيرها هذا أوان انقطاع أبهري» .
وروى ابن ماجه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قالت: أم سلمة يا رسول الله لا يزال يصيبك كلّ عام وجع من الشاة المسمومة التي أكلت؟ قال: ما أصابني شيء منها إلا وهو مكتوب عليّ وآدم في طينته» .
وروى ابن سعد عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وابن عباس- رضي الله تعالى عنهم- وسعيد بن المسيّب- رحمه الله تعالى- حديث الشاة المسمومة، وفيه «واحتجم رسول الله- ﷺ على كاهله من أجل الذي أكل، حجمه أبو هند بالقرن والشّقرة، وأمر رسول الله- ﷺ أصحابه فاحتجموا أوساط رؤوسهم
وعاش رسول الله- ﷺ بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي قبض فيه، جعل يقول: هذا أوان انقطاع أبهري، وهو عرق في الظّهر
وتوفي رسول الله- ﷺ شهيدا» .
стр. 5591
تنبيه في بيان غريب ما سبق:
الأبهر بفتح الهاء عرق إذا قطع مات صاحبه وهما أبهران يخرجان من القلب، ثم يتشعب منهما سائر الشّرايين.
«الأكلة» بالضم اللّقمة التي أكل من الشاة، وبعض الرواة بفتح الألف وهو خطأ لأنه- ﷺ لم يأكل منها إلا لقمة واحدة.
قال ابن الأثير: ومعنى الحديث أنه نقض سمّ الشّاة التي أهدتها له اليهودية وكان ذلك يثور عليه أحيانا.
تعاودني أي: تراجعني ويعاودني ألم سمّها، في أوقات معلومة ويقال به: عداد من ألم:
أي: يعاوده في أوقات معلومة، والعداد- بعين مكسورة فدالين مهملات- اهتياج وجع اللديغ، وذلك إذا تمّت له سنة من يوم لدغ هاج به الألم.
стр. 5592
الباب الثلاثون في تاريخ وفاته- ﷺ -
روى الشيخان والبلاذري وابن جرير والبيهقي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ لم يخرج ثلاثا وأبو بكر يصلي بالناس، وأن الناس بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يصلي لهم لم يفجأهم إلا رسول الله- ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، فما رأيت رسول الله- ﷺ أحسن هيئة منه في تلك الساعة، وكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله- ﷺ وهم صفوف في الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف فظن أن رسول الله- ﷺ يريد أن يخرج إلى الصّلاة، قال أنس: وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله- ﷺ فأشار إليهم أن أتمّوا صلاتكم
فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشّرات النّبوّة إلا الرّؤيا الصالحة، يراها المسلم أو ترى له إلا وإنّي نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظّموا فيه الرّبّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» ،
ثم دخل الحجرة وأرخى السّتر فتوفي من يومه ذلك.
وروى ابن سعد عن ابن شهاب قال: توفي رسول الله- ﷺ يوم الاثنين حين زاغت الشمس.
وروى عنه أيضاً عن ابن شهاب قال: توفي رسول الله- ﷺ يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول» .
تنبيهات
الأول: قال السّهيلي وابن كثير والحافظ: لا خلاف أنه- ﷺ توفي يوم الاثنين في ربيع الأول.
قال: ابن عقبة حين زاغت الشمس.
قال في المنهل: والأكثر على أنّه حين اشتدّ الضّحى.
قال الأكثر في الثاني عشر منه وعند ابن عقبة، والليث والخوارزمي من هلال ربيع الأول.
وعند أبي مخنف والكلبي في ثانيه، وجزم به سليمان بن طرخان في «مغازيه» ورواه ابن سعد عن محمد بن قيس، ورواه ابن عساكر عن سعيد بن إبراهيم عن الزهري وعن أبي نعيم الفضل بن دكين ورجحه السهيلي.
стр. 5593
وعلى القولين يتنزل ما نقله الرّافعيّ أنه عاش بعد حجته ثمانين يوما.
وقيل: إحدى وثمانين، وأما على ما جزم به النووي فيكون عاش بعد حجّته تسعين يوما، أو إحدى وتسعين يوما.
الثاني: استشكل السّهيليّ وتابعه غير واحد ما عليه الأكثر من كونه مات يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، وذلك أنهم اتفقوا على أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة، وهو التاسع من ذي الحجة، فدخل ذي الحجة يوم الخميس، فكان المحرم إما الجمعة وإما السبت، فإن كان الجمعة فقد كان صفر إما السبت وإما الأحد، وإن كان السبت فقد كان ربيع الأول الأحد أو الاثنين، وكيفما دارت الحال على هذا الحساب فلم يكن الثاني عشر من ربيع الأول بوجه.
وقول أبي مخنف والكلبي وإن كان خلاف [أهل] الجمهور، فإنّه لا يبعد أن كانت الثلاثة الأشهر التي قبله كلّها تسعة وعشرين فتدبره، فإنه صحيح.
وقول ابن عقبة والخوارزمي أقرب في القياس من قول أبي مخنف ومن تابعه.
قال ابن كثير: وقد حاول جماعة الجواب عنه، ولا يمكن الجواب عنه إلا بمسلك واحد، وهو اختلاف المطالع، بأن يكون أهل مكة رأوا هلال ذي الحجة ليلة الخميس، وأما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة الجمعة.
ويؤيد هذا قول عائشة وغيرها، خرج رسول الله- ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة، يعني: من المدينة إلى حجة الوداع [ويتعين بما ذكرناه أنه خرج يوم السبت، وليس كما زعم ابن حزم أنه خرج يوم الخميس، لأنه قد بقي أكثر من خمس بلا شك، ولا جائز أن يكون خرج يوم الجمعة لأن أنسا قال: صلى رسول الله- ﷺ الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين فتعين أنه خرج يوم السبت لخمس بقين] .
فعلى هذا إنما رأى أهل المدينة هلال ذي الحجة ليلة الجمعة، وإذا كان هلال ذي الحجة عند أهل المدينة الجمعة، وحسبت الشّهور بعده كوامل يكون أوّل ربيع الأوّل يوم الخميس، فيكون ثاني عشر يوم الاثنين، والله تعالى أعلم.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
لم يفجأهم: ...
«السّتر: ... نكص» : ...
قمن: بقاف فميم مفتوحتين أي: خليق وحقيق وجدير لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإن كسرت الميم أو قلت: قمين ثنّيت وجمعت، وهذا مقمنة أي: مخلقة ومجدرة وتقمّنت موافقتك: توخيتها.
стр. 5594
الباب الحادي والثلاثون في مبلغ سنّه- ﷺ -
روى مسلم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «قبض رسول الله- ﷺ وهو ابن ثلاث وستّين سنة، وقبض أبو بكر وهو ابن ثلاث وستّين سنة، وقبض عمر وهو ابن ثلاث وستّين سنة» [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد والشيخان عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ أنزل عليه وهو ابن أربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستّين سنة» [ (٢) ] .
وروى أبو داود الطيالسي ومسلم عن معاوية بن أبي سفيان- رضي الله تعالى عنهما- قال: قبض رسول الله- ﷺ وهو ابن ثلاث وستّين وأبو بكر وعمر وأنا ابن ثلاث وستّين» [ (٣) ] .
وروى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: توفي رسول الله- ﷺ وهو ابن ثلاث وستّين [ (٤) ] .
وروى الإمام أحمد ومسلم عن عمار بن أبي عمّار قال: قلت لابن عباس: «كم أتى لرسول الله- ﷺ يوم مات قال: أتحسب؟ قلت: نعم قال: أمسك أربعين. بعث لها خمس عشرة بمكّة، يأمن ويخاف وعشر من مهاجره إلى المدينة» [ (٥) ] .
وروى الحاكم في «الإكليل» عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: توفي رسول الله- ﷺ وهو ابن خمس وستّين.
وروى ابن سعد وعمر بن شبه والحاكم في «الإكليل» عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: بعث رسول الله- ﷺ علي رأس أربعين سنة، فأقام بمكّة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفّي وهو ابن ستّين سنة» .
تنبيهات
الأول: قال ابن عساكر، والإمام النّوويّ: القول بأن عمره حين توفي ثلاث وستون سنة هو الأصحّ الأشهر.
стр. 5595
وقال أبو عمر: هو الصحيح عندنا.
وقال ابن سعد: هو الثّبت إن شاء الله تعالى.
قال الذهبي: وهو الصحيح الذي قطع به المحققون.
الثاني: قال الحاكم في «الإكليل» والنووي: اتفق العلماء على أنّ أصح الرّوايات ثلاث وستّون سنة وتأوّلوا الباقي على ذلك، فرواية ستين اقتصر فيها على العقود وترك الكسور.
ورواية الخمس وستين متأولة عليها أو حصل فيها شك، وقد أنكر عروة على ابن عباس قوله: خمس وستون، ونسبه إلى الغلط، وأنه لم يدرك أوّل النّبوّة بخلاف الباقين.
قلت: أكثر الرواة عن ابن عباس حكوا عنه رواية ثلاث وستين، فالظاهر أنه إن كان قال غير ذلك فقد رجع إلى ما عليه الأكثرون، والله تعالى أعلم.
قالا: واتفقوا على أنه- ﷺ أقام بالمدينة بعد الهجرة عشرة سنين، وبمكة قبل النبوة أربعين سنة، وإنما الخلاف في قدر إقامته بمكة بعد النبوة وقبل الهجرة، الصحيح أنّه ثلاث عشرة سنة، فيكون عمره ثلاث وستين سنة.
قال النووي: وهذا الصواب المشهور الذي أطبق العلماء عليه.
وحكى القاضي عن ابن عباس وسعيد بن المسيّب رواية شاذة، أنه بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة والصواب أربعون كما سبق.
стр. 5596
الباب الثاني والثلاثون في عدم استخلافه أحداً بعينه، وأنه لم يوص إلى أحد بعينه
روى البخاري والبيهقي عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منّي- يعني: أبا بكر- وإن أترك فقد ترك من هو خير منّي، هو رسول الله- ﷺ » [ (١) ] .
وروى البيهقي عن علي- رضي الله تعالى عنه- أنه قال «يوم الجمل» : أن رسول الله- ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا، حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثمّ أن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر فأقام واستقام حتّى ضرب بالدين بجرانه ثمّ إنّ أقواما طلبوا هذه الدّنيا فكانت أمور يقضي الله- فيها»
[ (٢) ] .
وروى البخاري وابن جرير والبيهقي عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهم-: «أنّ عليّا خرج من عند رسول الله- ﷺ في وجعه الذي توفي فيه فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله- ﷺ ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا قال:
فأخذ بيده العباس فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا وإنّي والله لأرى رسول الله- ﷺ سوف يتوفّاه الله من وجعه هذا، إني أعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا إلى رسول الله- ﷺ فلنسأله فيمن هذا الأمر، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا كلّمناه، فأوصى بنا، قال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله- ﷺ فمنعناها، لا يعطيناها الناس بعده أبدا. وإنّي والله، لا أسألها رسول الله- ﷺ
[ (٣) ] .
وروى البخاريّ والبيهقي عن إبراهيم بن الأسود قال: قيل لعائشة: إنهم يقولون أن رسول الله- ﷺ أوصى إلى عليّ فقالت: بما أوصى إلى عليّ وقد رأيته دعا بطست ليبول فيها، وأنا مسندته إلى صدري فانخنس أو قال: فانحنث، فمات وما شعرت فيم يقول هؤلاء إنّه أوصى إلى عليّ [ (٤) ] .
وروى البخاريّ والبيهقي عن إبراهيم النبي عن أبيه قال: خطبنا عليّ فقال: من زعم أن عندنا كتابا نقرأه ليس إلا كتاب الله وهذه الصحيفة صحيفة معلقة في سيفه، فيها أسنان الإبل
стр. 5597
وأشياء من الجراحات فقد كذب [وفيها المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث يعني حدثاً أو آوى محدثا. فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين ... ]
[ (١) ] .
وروى البيهقي عن أبي حسان أن عليا قال: ما عهد إلي رسول الله- ﷺ شيئا خاصّة دون النّاس إلا شيئا سمعته منه في صحيفة في قراب سيفي، قال: فلم أزل به حتى أخرج الصحيفة، فإذا فيها من أحدث حدثاً أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا وإذا فيها إن إبراهيم حرم مكّة وأنا أحرم المدينة ما بين حرّتيها وحماها، ولا يختلى خلاها، ولا ينفّر صيدها ولا يلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها- يعني منشدا- ولا يقطع شجرها، إلا أن يعلف رجل بعيرا، ولا يحمل فيها السّلاح لقتال، والمؤمنون يكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده
[ (٢) ] .
تنبيهان:
الأول:
حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب مرفوعا: «يا عليّ أوصيك بوصيّة فاحفظها؟ فإنك لا تزال ما حفظت وصيتي يا علي، يا علي إن للمؤمنين من ثلاث علامات الصلاة والصيام والزكاة» ،
فذكر حديثا طويلا في الرغائب والآداب وهو حديث موضوع اختلقه حمّاد بن عمرو النصيبي، وهو كذاب وضاع وقد أوضعه الحارث بن أبي أسامة في مسنده.
وقال الحافظ في «المطالب العالية» [ ... ] .
الثاني في بيان غريب ما سبق:
انخنس: ...
الحدث: ...
الصّرف: ...
العدل: ...
يختلي: ...
خلاها: ...
أشاد: ...
стр. 5598
الباب الثالث والثلاثون في ذكر خبر السّقيفة وبيعة أبي بكر- رضي الله تعالى عنه- بالخلافة بعد موت سيدنا رسول الله- ﷺ -
قال ابن إسحاق: ولما قبض رسول الله- ﷺ انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر، وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل، فأتى آت إلى أبي بكر وعمر فقال: إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة وقد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرهم ورسول الله- ﷺ في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله.
قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء حتى ننظر ما هم عليه [ (١) ] .
وروى ابن إسحاق والإمام أحمد والبخاري وابن جرير عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال وهو على المنبر: إنّه قد بلغني أن فلانا، وفي رواية البلاذري عن ابن عباس أن قائل ذلك الزبير بن العوام، قال: والله لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا.
وفي رواية البلاذري عن ابن عباس: «بايعت عليا» لا يغرنّ امرءا أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت.
[والله ما كانت بيعة أبي بكر فلتة، ولقد إقامة رسول الله- ﷺ مقامه واختاره لدينهم على غيره وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» فهل منكم أحد تقطع إليه الأعناق كما تقطع إلى أبي بكر؟ فمن بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له، وإنه كان من خيرنا حين توفي رسول الله- ﷺ وإن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة، وتخلّف عنّا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمّهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان
عويم بن ساعد وهو الذي قال فيه رسول الله- ﷺ لما سئل من الذين قال الله لهم [فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ فقال النبي- ﷺ : «نعم المرء
стр. 5599
عويم بن ساعدة» ]
[ (١) ] ومعن بن عديّ ويقال: إنه لما بكى الناس على رسول الله- ﷺ حين توفّاه الله تعالى، وقالوا وددنا والله أن متنا قبله، إنا نخشى أن نفتن بعده، فقال معن: إني والله ما أحب أني متّ قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا، وقتل ﵀ شهيدا يوم اليمامة، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، وقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار قالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم قال: قلت: والله لنأتينّهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمّل فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ فقالوا: وجع فلما جلسنا نشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا، وقد دفت إلينا دافّة من قومكم، قال: وإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، ويغصبونا الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلّم، وقد زودت في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدّمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الجدّ فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر فكرهت أن أعصبه، فتكلم وكان هو أعلم مني، وأوقر فو الله ما ترك من كلمة أعجبتني كنت زورتها في نفسي إلا قالها في بديهته أو مثلها أو أفضل منها، حتى سكت.
وذكر ابن عقبة أن عمر أراد أن يتكلم ويسبق بالقول ويمهد لأبي بكر ويتهدد من هناك من الأنصار، وقال عمر: خشيت أن يقصر أبو بكر عن بعض الكلام، وعن ما أجد في نفسي من الشدة على من خالفنا، وزجره أبو بكر، فقال: على رسلك، فسيكثر الكلام إن شاء الله تعالى، ثم سوف تقول بعدي ما بدا لك فتشهد أبو بكر، وأنصت القوم ثم قال: بعث الله محمدا بالهدى ودين الله حق، فدعى رسول الله- ﷺ إلى الإسلام فأخذ الله بقلوبنا ونواصينا، إلى ما دعانا إليه، فكنا معشر المهاجرين أوّل الناس إسلاما، ونحن عشيرته وأقاربه وذوو رحمه، فنحن أهل النبوة وأهل الخلافة وأوسط الناس أنسابا في العرب، ولدتنا كلها، فليس منا قبيلة إلا لقريش فيها ولادة، ولن تعترف العرب ولا تصلح إلا على رجل من قريش، هم أصبح الناس وجوها، وأبسطهم لسانا، وأفضلهم قولا، فالناس لقريش تبع، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم قسمة إلا بثلمة، وأنتم يا معشر الأنصار إخواننا في كتاب الله، وشركاؤنا في الدين، وأحبّ الناس إلينا، وأنتم الذين آووا ونصروا، وأنتم أحق الناس بالرضا بقضاء الله والتسليم لفضيلة ما أعطى الله إخوانكم من المهاجرين، وأحق الناس ألا تحسدوهم على خير أتاهم الله إياه وأما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر، إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسباً ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين،
стр. 5600
فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، ولم أكره شيئا مما قاله غيرها، كان والله أن أقدّم فتضرب عنقي ولا يقرّبني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر، وعند ابن عقبة فقال أبو بكر: فأنا أدعوكم إلى أحد هذين الرجلين عمر بن الخطاب وأبى عبيدة بن الجراح، ووضع يده عليهما، وكان نائما بينهما، فكلاهما قد رضيته للقيام بهذا الأمر، ورأيته أهلا لذلك الأمر، فقال عمر وأبو عبيدة: ما ينبغي لأحد بعد رسول الله- ﷺ أن يكون فوقك يا أبا بكر، أنت صاحب الغار مع رسول الله- ﷺ وثاني اثنين، وأمرك رسول الله- ﷺ حين اشتكى فصليت بالناس فأنت أحق بهذا الأمر، قالت الأنصار والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم، وما خلق الله قوما أحبّ إلينا ولا أعزّ علينا منكم، ولا أرضى عندنا هديا منكم، ولكنا نشفق بعد اليوم، فلو جعلتم اليوم أصلا منكم، فإذا مات أخذتم رجلا من الأنصار فجعلناه، فإذا مات أخذنا رجلا من المهاجرين فجعلناه، فكنا كذلك أبدا ما بقيت هذه الأمّة، بايعناكم ورضينا بذلك من أمركم، وكان ذلك أجدر أن يشفق القرشي، إن زاغ أن ينقض عليه الأنصاري، فقال عمر لا ينبغي هذا الأمر، ولا يصلح إلا لرجل من قريش، ولن ترضى العرب إلا به، ولن تعرف العرب الإمارة إلا له، ولن يصلح إلا عليه، والله لا يخالفنا أحد إلا قتلناه انتهى.
وروى الإمام أحمد عن حميد بن عبد الرحمن أن أبا بكر قال لسعد بن عبادة، لقد علمت يا سعد أن رسول الله- ﷺ قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر، فبرّ النّاس تبع لبرّهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم، قال: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء،
وعند الإمام أحمد قال قائل من الأنصار: أنا جديلها المحكّك وعذيقها المرجّب، منّا أمير، ومنكم أمير يا معشر قريش، قال: فكثر اللّغط، وارتفعت الأصوات، حتى خشينا الاختلاف، فقلت ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، وعند ابن عقبة فكثر القول حتى كادت الحرب تقع بينهم وأوعد بعضهم بعضا، ثم تراضى المسلمون، وعصم الله لهم دينهم، فرجعوا وعصوا الشيطان، ووثب عمر فأخذ بيد أبي بكر، وقام أسيد بن حضير الأشهليّ وبشر بن سعد أبو النعمان بن بشير يستبقان ليبايعا أبا بكر، فسبقهما عمر فبايع، ثم بايعا معا وعند ابن إسحاق في بعض الروايات وابن سعد أن بشر بن سعد سبق عمر.
وروى البيهقي عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- أن خطيب الأنصار قام فقال: تعلمون أن رسول الله- ﷺ كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين ونحن كنّا أنصار رسول الله- ﷺ ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره، فقام عمر بن الخطاب فقال:
صدق قائلكم، أما لو قلتم غير هذا لم نتابعكم، ووثب أهل السقيفة يبتدرون البيعة وسعد بن
стр. 5601
عبادة مضطجع يوعك فازدهم الناس على أبي بكر، فقال رجل من الأنصار: اتقوا سعدا لا تطأوه فتقتلوه فقال: عمر: وهو مغضب قتل الله سعدا، فإنّه صاحب فتنة، فلما فرغ أبو بكر من البيعة رجع إلى المسجد، فقعد على المنبر، فبايعه الناس حتى أمسى، وشغلوا عن دفن رسول الله- ﷺ .
وقال ابن أبي عزة القرشي في ذلك:
نشكو لمن هو بالثّناء خليق ... ذهب اللّجاج وبويع الصّدّيق
من بعد ما وخضت بسعد بغلة ... ورحا رحاه دونه العيّوق
جاءت به الأنصار عاصب رأسه ... فأتاهم الصّدّيق والفاروق
وأبو عبيدة والّذين إليهم ... نفس المؤمّل للبقاء تشوق
كنّا نقول لها عليّ ذو الرّضى ... وأولاهم عمر بتلك عتيق
فدعت قريش باسمه فأجلبها ... إنّ المنوّة باسمه الموثوق
وذكر وثيمة بن موسى أنه كان لأشراف قريش فيما كان من الأنصار مقامات محمودة، فمن ذلك إن خالد بن الوليد قام على أثر أبي بكر بعد وفاة رسول الله- ﷺ وكان خطيب قريش، فقال: أيّها النّاس إنّا رمينا في بدء هذا الدين بأمر ثقل علينا محمله وصعب علينا مرتقاه وكنا كأنّا منه على أوفاز، والله ما لبثنا أن خفّ علينا ثقله وذلّلنا صعبه، وعجبنا من شكّ فيه بعد عجبنا من آمن به، حتى والله أمرنا بما كنا ننهي عنه، ونهينا عما كنا نأمر به، ولا والله ما سبقنا إليه بالعقول ولكنه التوفيق، ألا وإن الوحي لم ينقطع حتى أكمل، ولم يذهب النبي- ﷺ حتى أعذر، فلسنا ننتظر بعد النبيّ نبيّا ولا بعد الوحي وحيا، ونحن اليوم أكثر منّا بالأمس، ونحن بالأمس خير منّا اليوم، من دخل في هذا الدين كان من ثوابه على حسب عمله، ومن تركه ودّدنا إليه، إنّه والله ما صاحب هذا الأمر، يعني أبا بكر بالمسئول عنه، ولا المختلف فيه، ولا بالمخفي الشخصي، ولا المغمور القناة ثم سكت فعجب النّاس من كلامه، وقام حزن بن أبي وهب، وهو الذي سمّاه رسول الله- ﷺ سهلا:
وقامت رجال من قريش كثيرة ... فلم يك في القوم القيام كخالد
ترقّى فلم يزلق به صدر بغله ... وكفّ فلم يعرض لتلك الأوابد
فجاء بها غدو كالبدر وسهلة ... فشبّهتها في الحسن أمّ القلائد
أخالد، لا تعدم لؤي بن غالب ... قيامك فيها عند قذف الجلامد
كساك الوليد بن المغيرة مجده ... وعلّمك الشّيخان ضرب القماحد
стр. 5602
تقارع في الإسلام عن صدر دينه ... وفي الشّرك عن إجلال جدّ ووالد
وكنت المخزوم بن يقظة جنّة ... كلا اسببك فيها ماجد وابن ماجد
إذا ما عنا في هيجها ألف فارس ... عدلت يألف عند تلك الشّدائد
ومن يك في الحرب المصرّة واحدا ... فما أنت في الحرب العوان بواحد
إذا ناب أمر في قريش مخلّج ... تشيب له رأس العذارى النّواهد
تولّيت منه ما يخاف وإن تغب ... يقولوا جميعا خطبنا غير شاهد
روى ابن إسحاق والبخاري عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: لما بويع أبو بكر في السّقيفة، وكان الغد جلس أبو بكر، فقام عمر فتكلم، وأبو بكر صامت لا يتكلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها النّاس، إنّي كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إلى رسول الله- ﷺ ولكنّي كنت أرى أن رسول الله- ﷺ سيدبّر أمرنا بقول يكون آخرنا، وأن الله تعالى قد أبقى فيكم كتابه الّذي به هدى الله رسوله، فإن اعتصمتم هداكم الله كما كان هداه به وأن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله- ﷺ ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع النّاس أبا بكر بيعة العامّة بعد بيعة السّقيفة، ثمّ تكلّم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالّذي هو أهله.
وفي رواية البلاذري عن الزّهريّ أنه قال: الحمد لله أحمده وأستعينه على الأمر كله، علانيته وسرّه، ونعوذ بالله من شر ما يأتي باللّيل والنّهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمداً عبده ورسوله أرسله بالحقّ بشيرا ونذيرا، قدّام السّاعة، فمن أطاعه رشد ومن عصاه هلك، انتهى.
ثم قال: أما بعد أيّها النّاس، فإنّي قد ولّيت عليكم ولست بخيركم وقد كانت بيعتي فلتة، وذلك أنّي خشيت الفتنة، وأيم الله ما حرصت عليها يوما قطّ، ولا طلبتها ولا سألت الله تعالى إيّاها سرّا ولا وعلانية وما لي فيها من راحة، ولقد قلّدت أمرا عظيما ما لي به طاقة ولا يدان ولوددت أنّ أقوى النّاس عليها مكاني، فعليكم بتقوى الله، فإن أكيس الكيس التقى وإن أحمق الحمق الفجور، وإنّي متّبع ولست بمبتدع» زاد عاصم بن عدي كما رواه ابن جرير «إنّما أنا مثلكم وإنّي لا أدري لعلكم ستكلّفونني ما كان رسول الله- ﷺ يطيق، إن الله اصطفى محمّدا على العالمين، وعصمه من الآفات، فإن رسول الله- ﷺ قبض وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة، ضربة سوط فما دونها، ألا وإن شيطانا يعتريني فإذا أتاني فاجتنبوني، لا
стр. 5603
أؤثّر في أشعاركم وأبشاركم، تغدون وتروحون في أجل قد غيّب عنكم علمه، فإن استطعتم أن لا يمضي هذا الأجل إلّا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلّا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فإن قوما نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم لغيرهم، فإيّاكم أن تكونوا أمثالهم. الجد الجد، والوحا الوحا والنّجاء النّجاء، فإنّ وراءكم طالبا حثيثا، أجلا سريعا، احذروا الموت بالآباء والأبناء والإخوان، ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبطوا به الأموات انتهى.
«فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني، الصّدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علّته إن شاء الله تعالى، والقويّ فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحقّ منه- إن شاء الله تعالى- لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذّلّ، ولم تشع الفاحشة من قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أيّها النّاس اتّبعوا كتاب الله، واقبلوا نصيحته، فإن الله يقبل التّوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون واحذروا يوما ما للظالمين فيه من حميم ولا شفيع يطاع اليوم فليعمل عامل ما استطاع من عمل يقرّبه إلى الله قبل: أن لا يقدر على ذلك.
أيّها النّاس أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله، فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
وروى البلاذري والبيهقيّ- بإسناد صحيح- من طريقين، عن أبي سعيد أن أبا بكر لما صعد المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، فسأل عنه، فقام ناس من الأنصار فأتوا به فقال أبو بكر: قلت ابن عمة رسول الله- ﷺ وحواريّه أردت أن تشقّ عصا المسلمين، فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله- ﷺ فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليّا، فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به، فجاء فقال أبو بكر: قلت: ابن عم رسول الله- ﷺ وختنه على ابنته أردت أن تشقّ عصا المسلمين قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله- ﷺ فبايعه.
وروى البلاذري عن علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- قال: أن رسول الله- ﷺ لم يمت فجأة، كان بلال يأتيه في مرضه فيؤذنه بالصّلاة، فيأمر أبا بكر إن يصلّي بالناس، وهو يرى مكاني، فلما قبض رسول الله- ﷺ رأوا أن رسول الله- ﷺ قد ولّاه أمر دينهم فولّوه أمر دنياهم.
وروى البلاذري عنه قال: لما قبض رسول الله- ﷺ نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي- ﷺ قد قدّم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله- ﷺ لديننا، فقدّمنا أبا بكر، ومن ذا كان يؤخّره عن مقام إقامة رسول الله- ﷺ فيه.
стр. 5604
وروى البلاذري- بسند جيد- أن عمر بن عبد العزيز بعث ابن الزبير الحنظليّ إلى الحسن فقال له: هل كان رسول الله- ﷺ استخلف أبا بكر؟ فقال الحسن أوفي شكّ صاحبك، والله الذي لا إله إلا هو، استخلفه حين أمره بالصّلاة دون النّاس، ولهو كان أتقى لله من أن يتوثّب عليها.
وروى البلاذري عن إبراهيم التيمي، وابن سيرين قال: لما مات رسول الله- ﷺ أتوا أبا عبيدة بن الجراح، فقالوا: ابسط يدك نبايعك فإنّك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله- ﷺ فقال: أتأتوني وفيكم الصّدّيق، ثاني اثنين؟ وفي لفظ: ثالث ثلاثة، قيل:
لابن سيرين: وما ثالث ثلاثة؟ قال: ألم تقرأ هذه الآية ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: ٤٠] .
وروى ابن عقبة- بإسناد جيد- عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أن رجالا من المهاجرين غضبوا في بيعة أبي بكر، منهم عليّ والزّبير، فدخلا بيت فاطمة بنت رسول الله- ﷺ ومعهما السّلاح، فجاءهما عمر بن الخطاب في عصابة من المهاجرين والأنصار، فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن وقش الأشهليّان وثابت بن قيس بن شمّاس الخزرجيّ، فكلّموهما حتى أخذ أحدهم سيف الزّبير فضرب به الحجر حتى كسره، ثم قام أبو بكر فخطب النّاس، واعتذر إليهم، وقال: والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما قطّ، ولا ليلة، ولا سألتها الله تعالى قطّ سرّا ولا علانية. ولكنّي أشفقت من الفتنة وما لي في الإمارة من راحة، ولكنّي قلّدت أمرا عظيما ما لي به طاقة، ولا يدان إلا بتقوية الله تعالى، ولوددت أنّ أقوي الناس عليها مكاني اليوم، فقبل المهاجرون منه ما قاله، وما اعتذر به، وقال عليّ والزبير:
ما غضبنا إلّا أنّا أخّرنا عن المشورة، وإنا لنرى أن أبا بكر أحقّ النّاس بها بعد رسول الله- ﷺ وإنّه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنّا لنعرف له شرفه ولقد أمره رسول الله- ﷺ بالصّلاة بالنّاس وهو حيّ.
قال أبو الربيع: وذكر غير ابن عقبة أن أبا بكر- رضي الله تعالى عنه- قام في النّاس بعد مبايعتهم إيّاه يقيلهم في بيعتهم، وأستقيلهم فيما تحمّله من أمرهم، ويعيد ذلك عليهم، كلّ ذلك يقولون: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدّمك رسول الله- ﷺ فمن ذا يؤخّرك.
قلت:
وروى البلاذري عن أبي الجحاف قال: لما بويع أبو بكر، وبايعه النّاس، قام ينادي ثلاثا: أيّها النّاس قد أقلتكم بيعتكم فقال علي: والله لا نقيلك ولا نستقيلك قدّمك رسول الله- ﷺ في الصّلاة، فمن ذا يؤخّرك ولم يبدأ أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- بعد أن فرغ من أمر البيعة، واطمأنّ الناس بشيء من النّظر قبل إنفاذ أسامة، فقال له: امض لوجهك الذي
стр. 5605
بعثك له رسول الله- ﷺ فكلّمه رجال من المهاجرين والأنصار، فقالوا: أمسك أسامة وبعثه، فإنّا نخشى أن تميل علينا العرب، إذا سمعوا بوفاة رسول الله- ﷺ فقال أبو بكر وكان أفضلهم رأيا: «أحبس بعثا بعثه رسول الله- ﷺ : «فإنّه ذو رأي ونصيحة للإسلام وأهله
فقلت [ ... ] أسامة وأذن لعمر فقام بالمدينة مع أبي بكر- رضي الله تعالى عنهم أجمعين-.
تنبيه في بيان غريب ما سبق:
«سقيفة بني ساعدة» - بسين مهملة مفتوحة فقاف مكسورة، فمثنّاة، فتحتيّة ففاء- مكان لهم كانوا يستظلّون به وقيل: صفة، وبنو ساعدة بطن من الأنصار.
يتفاقم: ...
«الفلتة» : بفاء فلام فمثناة فوقية والفجأة ما وقع من غير إحكام، وذلك أنهم لم ينظروا في بيعة أبي بكر بإجماع الصّحابة، وإنما ابتدرها عمر مخافة الفرقة، وقيل: يجوز أن يريد بالفلتة الخلسة بمعنى أنّ الإمامة يوم السّقيفة مالت إلى توليتها الأنفس، ولذلك كثر فيها التّشاجر فما قلدها أبو بكر إلا انتزاعا من الأيدي واختلاسا، ومثل هذه البيعة جديرة أن تكون مثيرة للفتن فعصم الله من ذلك، ووقى شرّها.
بقطع الأعناق إليه: قيل: هو من قولهم منقطع القرين وقيل: معناه ليس فيكم سابق إلى الخيرات مثله مأخوذ من سبق الجواد، يقال: للفرس إذ سبق، تقطعت أعناق الخيل فلم تلحقه يومهم.
قالا: ...
مزمّل: مدّثر في الثّوب المغطّى به.
كتيبة ...
دفّت: الدّفّ بالفتح السير الذي ليس بشديد، والدّافّة الجماعة، سارت سيرا رقيقا فهي دافّة والمعنى جاءت جماعة من قومكم.
يختزلونا: بالخاء والزاي المعجمتين أي: يقطعونا من أصلنا ويمنعونا أمرنا، يقال: اختزل الرجل إذا ضعف.
زوّرت: هيّأت ورتّبت في نفسي كلاما أقوله.
أداري منه بعض الحسد: يقال في الحسن الخلق والمعاشرة: دارأته وداريته إذا لاينته.