عبادة مضطجع يوعك فازدهم الناس على أبي بكر، فقال رجل من الأنصار: اتقوا سعدا لا تطأوه فتقتلوه فقال: عمر: وهو مغضب قتل الله سعدا، فإنّه صاحب فتنة، فلما فرغ أبو بكر من البيعة رجع إلى المسجد، فقعد على المنبر، فبايعه الناس حتى أمسى، وشغلوا عن دفن رسول الله- ﷺ .
وقال ابن أبي عزة القرشي في ذلك:
نشكو لمن هو بالثّناء خليق ... ذهب اللّجاج وبويع الصّدّيق
من بعد ما وخضت بسعد بغلة ... ورحا رحاه دونه العيّوق
جاءت به الأنصار عاصب رأسه ... فأتاهم الصّدّيق والفاروق
وأبو عبيدة والّذين إليهم ... نفس المؤمّل للبقاء تشوق
كنّا نقول لها عليّ ذو الرّضى ... وأولاهم عمر بتلك عتيق
فدعت قريش باسمه فأجلبها ... إنّ المنوّة باسمه الموثوق
وذكر وثيمة بن موسى أنه كان لأشراف قريش فيما كان من الأنصار مقامات محمودة، فمن ذلك إن خالد بن الوليد قام على أثر أبي بكر بعد وفاة رسول الله- ﷺ وكان خطيب قريش، فقال: أيّها النّاس إنّا رمينا في بدء هذا الدين بأمر ثقل علينا محمله وصعب علينا مرتقاه وكنا كأنّا منه على أوفاز، والله ما لبثنا أن خفّ علينا ثقله وذلّلنا صعبه، وعجبنا من شكّ فيه بعد عجبنا من آمن به، حتى والله أمرنا بما كنا ننهي عنه، ونهينا عما كنا نأمر به، ولا والله ما سبقنا إليه بالعقول ولكنه التوفيق، ألا وإن الوحي لم ينقطع حتى أكمل، ولم يذهب النبي- ﷺ حتى أعذر، فلسنا ننتظر بعد النبيّ نبيّا ولا بعد الوحي وحيا، ونحن اليوم أكثر منّا بالأمس، ونحن بالأمس خير منّا اليوم، من دخل في هذا الدين كان من ثوابه على حسب عمله، ومن تركه ودّدنا إليه، إنّه والله ما صاحب هذا الأمر، يعني أبا بكر بالمسئول عنه، ولا المختلف فيه، ولا بالمخفي الشخصي، ولا المغمور القناة ثم سكت فعجب النّاس من كلامه، وقام حزن بن أبي وهب، وهو الذي سمّاه رسول الله- ﷺ سهلا:
وقامت رجال من قريش كثيرة ... فلم يك في القوم القيام كخالد
ترقّى فلم يزلق به صدر بغله ... وكفّ فلم يعرض لتلك الأوابد
فجاء بها غدو كالبدر وسهلة ... فشبّهتها في الحسن أمّ القلائد
أخالد، لا تعدم لؤي بن غالب ... قيامك فيها عند قذف الجلامد
كساك الوليد بن المغيرة مجده ... وعلّمك الشّيخان ضرب القماحد
стр. 5602
تقارع في الإسلام عن صدر دينه ... وفي الشّرك عن إجلال جدّ ووالد
وكنت المخزوم بن يقظة جنّة ... كلا اسببك فيها ماجد وابن ماجد
إذا ما عنا في هيجها ألف فارس ... عدلت يألف عند تلك الشّدائد
ومن يك في الحرب المصرّة واحدا ... فما أنت في الحرب العوان بواحد
إذا ناب أمر في قريش مخلّج ... تشيب له رأس العذارى النّواهد
تولّيت منه ما يخاف وإن تغب ... يقولوا جميعا خطبنا غير شاهد
روى ابن إسحاق والبخاري عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: لما بويع أبو بكر في السّقيفة، وكان الغد جلس أبو بكر، فقام عمر فتكلم، وأبو بكر صامت لا يتكلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها النّاس، إنّي كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إلى رسول الله- ﷺ ولكنّي كنت أرى أن رسول الله- ﷺ سيدبّر أمرنا بقول يكون آخرنا، وأن الله تعالى قد أبقى فيكم كتابه الّذي به هدى الله رسوله، فإن اعتصمتم هداكم الله كما كان هداه به وأن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله- ﷺ ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع النّاس أبا بكر بيعة العامّة بعد بيعة السّقيفة، ثمّ تكلّم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالّذي هو أهله.
وفي رواية البلاذري عن الزّهريّ أنه قال: الحمد لله أحمده وأستعينه على الأمر كله، علانيته وسرّه، ونعوذ بالله من شر ما يأتي باللّيل والنّهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمداً عبده ورسوله أرسله بالحقّ بشيرا ونذيرا، قدّام السّاعة، فمن أطاعه رشد ومن عصاه هلك، انتهى.
ثم قال: أما بعد أيّها النّاس، فإنّي قد ولّيت عليكم ولست بخيركم وقد كانت بيعتي فلتة، وذلك أنّي خشيت الفتنة، وأيم الله ما حرصت عليها يوما قطّ، ولا طلبتها ولا سألت الله تعالى إيّاها سرّا ولا وعلانية وما لي فيها من راحة، ولقد قلّدت أمرا عظيما ما لي به طاقة ولا يدان ولوددت أنّ أقوى النّاس عليها مكاني، فعليكم بتقوى الله، فإن أكيس الكيس التقى وإن أحمق الحمق الفجور، وإنّي متّبع ولست بمبتدع» زاد عاصم بن عدي كما رواه ابن جرير «إنّما أنا مثلكم وإنّي لا أدري لعلكم ستكلّفونني ما كان رسول الله- ﷺ يطيق، إن الله اصطفى محمّدا على العالمين، وعصمه من الآفات، فإن رسول الله- ﷺ قبض وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة، ضربة سوط فما دونها، ألا وإن شيطانا يعتريني فإذا أتاني فاجتنبوني، لا
стр. 5603
أؤثّر في أشعاركم وأبشاركم، تغدون وتروحون في أجل قد غيّب عنكم علمه، فإن استطعتم أن لا يمضي هذا الأجل إلّا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلّا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فإن قوما نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم لغيرهم، فإيّاكم أن تكونوا أمثالهم. الجد الجد، والوحا الوحا والنّجاء النّجاء، فإنّ وراءكم طالبا حثيثا، أجلا سريعا، احذروا الموت بالآباء والأبناء والإخوان، ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبطوا به الأموات انتهى.
«فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني، الصّدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علّته إن شاء الله تعالى، والقويّ فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحقّ منه- إن شاء الله تعالى- لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذّلّ، ولم تشع الفاحشة من قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أيّها النّاس اتّبعوا كتاب الله، واقبلوا نصيحته، فإن الله يقبل التّوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون واحذروا يوما ما للظالمين فيه من حميم ولا شفيع يطاع اليوم فليعمل عامل ما استطاع من عمل يقرّبه إلى الله قبل: أن لا يقدر على ذلك.
أيّها النّاس أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله، فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
وروى البلاذري والبيهقيّ- بإسناد صحيح- من طريقين، عن أبي سعيد أن أبا بكر لما صعد المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، فسأل عنه، فقام ناس من الأنصار فأتوا به فقال أبو بكر: قلت ابن عمة رسول الله- ﷺ وحواريّه أردت أن تشقّ عصا المسلمين، فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله- ﷺ فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليّا، فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به، فجاء فقال أبو بكر: قلت: ابن عم رسول الله- ﷺ وختنه على ابنته أردت أن تشقّ عصا المسلمين قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله- ﷺ فبايعه.
وروى البلاذري عن علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- قال: أن رسول الله- ﷺ لم يمت فجأة، كان بلال يأتيه في مرضه فيؤذنه بالصّلاة، فيأمر أبا بكر إن يصلّي بالناس، وهو يرى مكاني، فلما قبض رسول الله- ﷺ رأوا أن رسول الله- ﷺ قد ولّاه أمر دينهم فولّوه أمر دنياهم.
وروى البلاذري عنه قال: لما قبض رسول الله- ﷺ نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي- ﷺ قد قدّم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله- ﷺ لديننا، فقدّمنا أبا بكر، ومن ذا كان يؤخّره عن مقام إقامة رسول الله- ﷺ فيه.
стр. 5604
وروى البلاذري- بسند جيد- أن عمر بن عبد العزيز بعث ابن الزبير الحنظليّ إلى الحسن فقال له: هل كان رسول الله- ﷺ استخلف أبا بكر؟ فقال الحسن أوفي شكّ صاحبك، والله الذي لا إله إلا هو، استخلفه حين أمره بالصّلاة دون النّاس، ولهو كان أتقى لله من أن يتوثّب عليها.
وروى البلاذري عن إبراهيم التيمي، وابن سيرين قال: لما مات رسول الله- ﷺ أتوا أبا عبيدة بن الجراح، فقالوا: ابسط يدك نبايعك فإنّك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله- ﷺ فقال: أتأتوني وفيكم الصّدّيق، ثاني اثنين؟ وفي لفظ: ثالث ثلاثة، قيل:
لابن سيرين: وما ثالث ثلاثة؟ قال: ألم تقرأ هذه الآية ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: ٤٠] .
وروى ابن عقبة- بإسناد جيد- عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أن رجالا من المهاجرين غضبوا في بيعة أبي بكر، منهم عليّ والزّبير، فدخلا بيت فاطمة بنت رسول الله- ﷺ ومعهما السّلاح، فجاءهما عمر بن الخطاب في عصابة من المهاجرين والأنصار، فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن وقش الأشهليّان وثابت بن قيس بن شمّاس الخزرجيّ، فكلّموهما حتى أخذ أحدهم سيف الزّبير فضرب به الحجر حتى كسره، ثم قام أبو بكر فخطب النّاس، واعتذر إليهم، وقال: والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما قطّ، ولا ليلة، ولا سألتها الله تعالى قطّ سرّا ولا علانية. ولكنّي أشفقت من الفتنة وما لي في الإمارة من راحة، ولكنّي قلّدت أمرا عظيما ما لي به طاقة، ولا يدان إلا بتقوية الله تعالى، ولوددت أنّ أقوي الناس عليها مكاني اليوم، فقبل المهاجرون منه ما قاله، وما اعتذر به، وقال عليّ والزبير:
ما غضبنا إلّا أنّا أخّرنا عن المشورة، وإنا لنرى أن أبا بكر أحقّ النّاس بها بعد رسول الله- ﷺ وإنّه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنّا لنعرف له شرفه ولقد أمره رسول الله- ﷺ بالصّلاة بالنّاس وهو حيّ.
قال أبو الربيع: وذكر غير ابن عقبة أن أبا بكر- رضي الله تعالى عنه- قام في النّاس بعد مبايعتهم إيّاه يقيلهم في بيعتهم، وأستقيلهم فيما تحمّله من أمرهم، ويعيد ذلك عليهم، كلّ ذلك يقولون: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدّمك رسول الله- ﷺ فمن ذا يؤخّرك.
قلت:
وروى البلاذري عن أبي الجحاف قال: لما بويع أبو بكر، وبايعه النّاس، قام ينادي ثلاثا: أيّها النّاس قد أقلتكم بيعتكم فقال علي: والله لا نقيلك ولا نستقيلك قدّمك رسول الله- ﷺ في الصّلاة، فمن ذا يؤخّرك ولم يبدأ أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- بعد أن فرغ من أمر البيعة، واطمأنّ الناس بشيء من النّظر قبل إنفاذ أسامة، فقال له: امض لوجهك الذي
стр. 5605
بعثك له رسول الله- ﷺ فكلّمه رجال من المهاجرين والأنصار، فقالوا: أمسك أسامة وبعثه، فإنّا نخشى أن تميل علينا العرب، إذا سمعوا بوفاة رسول الله- ﷺ فقال أبو بكر وكان أفضلهم رأيا: «أحبس بعثا بعثه رسول الله- ﷺ : «فإنّه ذو رأي ونصيحة للإسلام وأهله
فقلت [ ... ] أسامة وأذن لعمر فقام بالمدينة مع أبي بكر- رضي الله تعالى عنهم أجمعين-.
تنبيه في بيان غريب ما سبق:
«سقيفة بني ساعدة» - بسين مهملة مفتوحة فقاف مكسورة، فمثنّاة، فتحتيّة ففاء- مكان لهم كانوا يستظلّون به وقيل: صفة، وبنو ساعدة بطن من الأنصار.
يتفاقم: ...
«الفلتة» : بفاء فلام فمثناة فوقية والفجأة ما وقع من غير إحكام، وذلك أنهم لم ينظروا في بيعة أبي بكر بإجماع الصّحابة، وإنما ابتدرها عمر مخافة الفرقة، وقيل: يجوز أن يريد بالفلتة الخلسة بمعنى أنّ الإمامة يوم السّقيفة مالت إلى توليتها الأنفس، ولذلك كثر فيها التّشاجر فما قلدها أبو بكر إلا انتزاعا من الأيدي واختلاسا، ومثل هذه البيعة جديرة أن تكون مثيرة للفتن فعصم الله من ذلك، ووقى شرّها.
بقطع الأعناق إليه: قيل: هو من قولهم منقطع القرين وقيل: معناه ليس فيكم سابق إلى الخيرات مثله مأخوذ من سبق الجواد، يقال: للفرس إذ سبق، تقطعت أعناق الخيل فلم تلحقه يومهم.
قالا: ...
مزمّل: مدّثر في الثّوب المغطّى به.
كتيبة ...
دفّت: الدّفّ بالفتح السير الذي ليس بشديد، والدّافّة الجماعة، سارت سيرا رقيقا فهي دافّة والمعنى جاءت جماعة من قومكم.
يختزلونا: بالخاء والزاي المعجمتين أي: يقطعونا من أصلنا ويمنعونا أمرنا، يقال: اختزل الرجل إذا ضعف.
زوّرت: هيّأت ورتّبت في نفسي كلاما أقوله.
أداري منه بعض الحسد: يقال في الحسن الخلق والمعاشرة: دارأته وداريته إذا لاينته.
стр. 5606
وجد الرجل جدة وجدا: إذا ترق على غيره، ولبعضهم بكسر الجيم ضدّ الهزل، على رسلك- بفتح الراء وكسرها- وهو أفصح وأشهر أي: افعل ذلك على هيّنتك وتؤدّيك.
البديهة بباء موحّدة، فدال مهملة، فمثناة تحتية، فهاء ضد التروي والتفكير. وهو ما يقال في الحال من غير تروّ، وافتكار فيه.
وأنا جديلها: تصغير جدل- بالكسر- قال محمود بن خطيب الدّهشة: وزاد أهل الغريب الفتح، ولم أره في كتاب لغة، وهو هنا عود ينصب للإبل الجربي تحتكّ فيه فتطرح قرادها وما بها من أذى، فتستشفى بذلك، كالمتمرغ للدّابّة، والتصغير هنا للتعظيم، أي: أنا ممن يستشفى برأيه.
والمحكّك- بضم الميم، وفتح الكاف الأولى وشدها- الذي كثر به الحكّ حتى صار أملس وعذيقها: تصغير عذق- بفتح العين المهملة- للتعظيم، وهو هنا النخلة، وإما بالكسر فالعرجون، وزاد القاضي الفتح، قال في تقريب القريب: وليس بالوجه، والمرجّب بضم الميم، وفتح الراء، والجيم المشددة- إما من الرجية- بضم الراء وسكون الجيم الذي يحاط به النّخلة الكريمة مخافة أن تسقط، وإما من رجبت الشّيء أرجبه- بالضم- رجبا، عظمته، ورجّيته، شدد مبالغة فيه، ومعنى هنا الكلام أنه يقول: إنّه دواء يستشفى به في الحوادث، لا سيّما مثل هذه الحادثة العظيمة، وأن مثل ذلك كالعود الذي يشفي به الجرب إذا احتكّ به، وكالنّخلة الكثيرة الحمل من توفر مواد الآراء عندي، ثم إنّه ظهر ذلك، وأشار بالرّأي المصيب عنده فقال منّا أمير ومنكم أمير، وما عرف إن ذلك لا يصلح ولا يستقيم.
[اللّغط: اختلاف الأصوات.
خليق: ...
اللّجاج: ...
رمض: ...
العيوق: ...
أوفاز: ...
المغموز: ...
الأوابد: ...
الجلامد: ...
العوان: ...
جماع أبواب غسله وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، وموضع قبره، والاستسقاء به وفضل ما بينه وبين المنبر، وفضل مسجده وحياته في قبره، وعرض أعمال أمته عليه وحكم تركته زاده الله فضلا وشرفا لديه
الباب الأول في غسله- ﷺ ومن غسّله، وما وقع في ذلك من الآيات
قال ابن إسحاق: فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله- ﷺ يوم الثّلاثاء.
وروى ابن سعد عن علي، وأبو داود ومسدّد، وأبو نعيم وابن حبان والحاكم والبيهقي وصحّحه الذّهبيّ عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لمّا أرادوا غسل رسول الله- ﷺ اختلفوا فيه، فقالوا: والله ما ندري كيف نصنع أنجرّد رسول الله- ﷺ ثيابه كما نجرّد موتانا، أم نغسّله وعليه ثيابه، فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النّوم، حتّى ما منهم رجل إلّا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن غسلوا رسول الله- ﷺ وعليه ثيابه فقاموا إلى رسول الله- ﷺ وعليه قميصه فغسلوه يفاض عليه الماء والسدر فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم [فكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت، ما غسله إلّا نساؤه] [ (١) ] .
وروى ابن سعد عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: لما أخذنا في جهاز رسول الله- ﷺ أغلقنا الباب دون النّاس جميعا فنادت الأنصار: نحن أخواله ومكاننا من الإسلام مكاننا، ونادت قريش: نحن عصبته، فصاح أبو بكر: يا معشر المسلمين، كل قوم أحقّ بجنازتهم من غيرهم فننشدكم الله، فإنّكم إن دخلتم أخّرتموهم عنه، والله لا يدخل عليه إلّا من دعي
[ (٢) ] .
وروى الإمام الشافعي وابن الجارود وابن حبان وأبو داود والطيالسيّ وأبو يعلى عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: لما مات رسول الله- ﷺ : اختلف الذين يغسّلونه
стр. 5609
فسمعوا قائلا يقول لا يدرون من هو: اغسلوا نبيكم وعليه قميصه، فغسّل رسول الله- ﷺ في قميصه وقالت عائشة ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسّل رسول الله- ﷺ إلا نساؤه [ (١) ] .
وروى ابن ماجه عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- قال: لمّا أخذوا في غسل رسول الله- ﷺ ناداهم مناد من الداخل أن لا تنزعوا عن رسول الله- ﷺ قميصه [ (٢) ] .
وله طرق كثيرة مرسلة.
وروى ابن سعد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: غسلت رسول الله- ﷺ فذهبت أنظر ما يكون من الميّت فلم أر شيئا وكان طيبا حيّا وميتا [وولي دفنه وإخباءه دون الناس أربعة علي والعباس والفضل، وصالح مولى رسول الله- ﷺ ولحد رسول الله لحدا ونصب عليه اللبن نصبا
[ (٣) ] .
وروى ابن سعد والبزّار والبيهقي بسند فيه ضعف عنه قال: أوصى رسول الله- ﷺ أن لا يغسّله أحد غيري فإنه لا يرى أحدٌ عورته إلّا طمست عيناه.
قال عليّ: فكان الفضل وأسامة يناولان الماء من وراء الستر وهما معصوبا العين.
قال علي: فما تناولت عضوا إلا كأنما يقلّبه معي ثلاثون رجلا حتى فرغت من غسله
[ (٤) ] .
وروى البيهقي من طريق أبي معشر عن محمد بن قيس مرسلا وفيه ضعف قال: قال علي: وما كنّا نريد أن نرفع منه عضوا لنغسله إلا رفع لنا حتى انتهينا إلى عورته فسمعنا من جانب البيت صوتا لا تكشفوا عن عورة نبيّكم
[ (٥) ] .
وروى ابن سعد عن عبد الله بن الحارث: أن عليّا غسّل رسول الله- ﷺ فجعل يقول: طبت حيّا وميتا، وقال: وسطعت ريح طيّبة لم يجدوا مثلها قطّ
[ (٦) ] .
وروى الطبرانيّ مثله عن ابن عبّاس.
وروى ابن سعد عن عبد الواحد بن أبي عون قال: قال رسول الله- ﷺ لعلي:
стр. 5610
«اغسلني إذا متّ» فقال: يا رسول الله، ما غسّلت ميتا قطّ! قال: إنّك ستهيّأ أو تيسّر، قال علي:
فغسلته فما آخذ عضوا إلا تبعني، والفضل آخذ بحضنه يقول أعجل يا عليّ، انقطع ظهري
[ (١) ] .
وروى ابن سعد عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: غسّل رسول الله- ﷺ علي، والفضل، وأسامة بن زيد وشقران، وولى غسل سفلته [ (٢) ] عليّ، والفضل محتضنه، وكان العبّاس وأسامة بن زيد وشقران يصبّون الماء.
وروى ابن سعد بسند ضعيف عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن العباس لم يحضر غسل رسول الله- ﷺ قال: لأني كنت أراه يستحي أن أراه حاسرا [ (٣) ] .
وفي عدة أحاديث أنه حضر غسله.
وروى ابن سعد من طرق عن سعيد بن المسيب قال: التمس عليّ من النبي- ﷺ عند غسله ما يلتمس من الميّت فلم يجد شيئا، فقال: بأبي أنت وأمي طبت حيّا وميّتا
[ (٤) ] .
وروى البيهقي عن علباء بن أحمر قال: كان علي والفضل يغسّلان رسول الله- ﷺ فنودي عليّ ارفع طرفك إلى السماء.
وروى ابن ماجة عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا أنا متّ فاغسلوني بسبع قرب من بئر غرس»
[ (٥) ] .
وروى ابن سعد والبيهقي عن أبي جعفر محمد بن عليّ قال: غسل رسول الله- ﷺ ثلاثا بالسّدر، وغسّل وعليه قميص وغسّل من بئر يقال لها الغرس [لسعد بن حيثمة بقباء] وكان النبي- ﷺ يشرب منها وولى غسله علي، والفضل محتضنه، والعبّاس يصبّ الماء فجعل الفضل يقول أرحني قطعت وتيني إني لأجد شيئا يترطل عليّ مرتين
[ (٦) ] .
وروى ابن سعد عن الشعبي مرسلا قال: غسّل رسول الله- ﷺ عليّ وأسامة والفضل ابن العبّاس وكان عليّ يقول وهو يغسّله: بأبي أنت وأمي طبت حيّا وميتا
[ (٧) ] وفي رواية قال: غسّل
стр. 5611
على رسول الله- ﷺ والعبّاس قاعد والفضل محتضنه وعليّ يغسّله وعليه قميص، وأسامة يختلف [ (١) ] .
وروى أيضا عن إبراهيم قال: غسل رسول الله- ﷺ العباس، وعلي، والفضل- وفي لفظ- والعباس يسترهم [ (٢) ] .
ورواه عن ابن شهاب وزاد وصالح مولى رسول الله- ﷺ [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: اجتمع القوم لغسل رسول الله- ﷺ وليس في البيت إلا أهله عمّه العباس بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب والفضل بن عباس وقثم بن عباس وأسامة بن زيد بن حارثة وصالح مولاه فلمّا اجتمعوا لغسله نادى مناد من وراء الناس وهو أوس بن خولي الأنصاري أحد بني عوف بن الخزرج وكان بدريّا علي علي بن أبي طالب فقال: يا عليّ ننشدك الله وحظّنا من رسول الله- ﷺ فقال له عليّ: ادخل، فدخل فحضر غسل رسول الله- ﷺ ولم يل من غسله شيئا فأسنده عليّ إلى صدره، وعليه قميصه، وكان العباس، والفضل وقثم يقلّبونه مع عليّ وكان أسامة بن زيد، وصالح مولاه يصبان الماء، وجعل عليّ يغسله ولم ير من رسول الله- ﷺ شيئا مما يرى من الميّت وهو يقول بأبي وأمّي ما أطيبك حيّا وميتا حتّى إذا فرغوا من رسول الله- ﷺ وكان يغسّل بالماء والسّدر جفّفوه ثم صنع به ما يصنع بالميّت.
وروى ابن سعد والحاكم في «الإكليل» عن هارون بن سعد قال: كان عند عليّ مسك فأوصى أن يحنّط به، وكان عليّ يقول: هو فضل حنوط رسول الله- ﷺ
[ (٤) ] .
وروى ابن إسحاق عن عكرمة- رحمه الله تعالى- قال: لما قبض الله تعالى نبيه- ﷺ غسّله علي بن أبي طالب، والفضل بن عباس وكان العبّاس يناولهم الماء من وراء الستر ما يمنعني أن أغسّله إلا أنّا كنّا صبيانا نحمل الحجارة في المسجد.
تنبيهان:
الأول: قال الإمام مالك- رحمه الله تعالى- في موطئه رواية سعيد بن عفير: حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ «غسّل في قميص» .
стр. 5612
قال الباجي: يحتمل أن يكون ذلك خاصّا به، لأنّ السنّة عند مالك وأبي حنيفة والجمهور أن يجرّد الميت ولا يغسّل في قميصه انتهى.
قلت: الأصل عدم الخصوصية حتى يقوم عليه الدليل ولم يوجد.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
عصبته: ...
الجنازة: ...
سطعت: ...
حاسرا: ...
يلتمس: ...
الطرف: ...
بئر غرس بفتح الغين المعجمة وإسكان الراء والسين المهملة بئر بقباء.
الوتين: ...
خولي: بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبعد اللام ياء ساكنة قال أبو أحمد العسكري: هي مشدّدة.
يترطل عليّ: يترخى، والرّطل بفتح الراء الرجل الرخو.
стр. 5613
الباب الثاني في صفة كفنه- ﷺ -
روى الشيخان والبيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- ﷺ كفّن في ثلاثة أثواب بيض سحوليّة يمانية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة [ (١) ] .
ورواه ابن ماجة: وزاد فقيل لعائشة إنّهم كانوا يزعمون أنه قد كان كفّن في حبرة فقالت: قد جاءوا ببرد حبرة، فلم يكفنوه فيها [ (٢) ] .
وفي رواية للشيخين وأبي داود وأدرج رسول الله- ﷺ في حلّة يمانية كانت لعبد الرحمن بن أبي بكر ثم نزعت عنه، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة.
وفي رواية أخرى لهما: أما الحلّة فاشتبه على النّاس فيها أنّها اشتريت ليكفّن فيها فتركت الحلّة وكفّن في ثلاث أثواب بيض سحوليّة فأخذها عبد الله بن أبي بكر، فقال احبسها حتّى أكفّنّ فيها، ثم قال: لو رضيها الله تعالى لنبيه- ﷺ لكفنه فيها فباعها وتصدّق بثمنها [ (٣) ] .
وروى أبو داود بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه- قال: كفّن رسول الله- ﷺ في ثوبين وبرد حبرة [ (٤) ] .
وروى ابن أبي شيبة بسند فيه عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن علي عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ كفّن في سبعة أثواب.
وروى أبو يعلى عن الفضل بن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كفّن رسول الله- ﷺ في ثوبين أبيضين سحوليّين [ (٥) ] .
وروى الإمام أحمد والبزّار بسند حسن عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: كفن النبي- ﷺ في سبعة أثواب
[ (٦) ] .
стр. 5614
وروى البزار برجال الصحيح عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كفّن رسول الله- ﷺ في ريطتين وبرد نجرانيّ [ (١) ] .
وروى الطبراني بسند حسن عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ كفّن في ثلاثة أثواب أحدها قميص.
وروى ابن سعد عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: كفّن رسول الله- ﷺ في ثلاثة أثواب بيض يمانية [ (٢) ] .
وروى ابن سعد والبيهقي عن الشعبي قال: كفن رسول الله- ﷺ في ثلاثة أثواب سحوليّة برود يمانية غلاظ، إزار ورداء ولفافة [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة بسند ضعيف عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ كفّن في ثلاثة أثواب قميصه الذي مات فيه وحلّة نجرانيّة [ (٤) ] .
وروى عنه قال: كفّن رسول الله- ﷺ في ثوبين أبيضين وفي برد أحمر.
وروى ابن سعد من طرق صحيحة عن سعيد بن المسيّب قال: كفّن رسول الله- ﷺ في ريطتين وبرد نجرانيّ.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة قال: لفّ رسول الله- ﷺ في برد حبرة جعل فيه ثم نزع عنه.
تنبيهات
الأول: قال الترمذي: وتكفينه- ﷺ في ثلاثة أثواب بيض أصحّ ما روي في كفنه [ (٥) ] .
الثاني: قول السيدة عائشة- رضي الله تعالى عنها- ليس فيها قميص ولا عمامة معناه:
لم يكفن في قميص ولا عمامة، وإنما كفّن في ثلاثة أثواب، ولم يكفن مع الثّلاثة بشيء آخر هكذا فسره الشافعيّ وجمهور العلماء، وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر حديثها، وتأوّله غيرهم على أن معناه ليس القميص والعمامة من جملة الأثواب الثلاثة وإنما هما زائدان عليه.
الثالث: في حديث ابن عباس المتقدّم أن النبي- ﷺ كفّن في ثلاثة أثواب الحلّة
стр. 5615
ثوبان وقميصه الذي مات فيه، فحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، ولو بقي عليه مع رطوبته لأفسد الأكفان.
وأما حديث تكفينه في قميصه الذي مات فيه وحلّة نجرانية، فحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، لأن يزيد بن أبي زياد أحد رواته مجمع على ضعفه، لا سيما قد خالفت روايته الثقات.
الرّابع: سبب الاشتباه الذي وقع الناس في كفن رسول الله- ﷺ كما سبق أنه اشترى البرد الحبرة ثم أخر عنه وترك.
الخامس: في بيان غريب ما سبق:
[البرد] [ (١) ] : ...
«الحبرة» : بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة والراء ضرب من البرد يؤتى بها من اليمن.
أدرج: ...
شبّه على الناس: بضم الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة المشددة معناه اشتبه عليهم.
الحلّة: بحاء مهملة مضمومة فلام مشددة.
قال أهل اللغة: لا يكون إلا ثوبان إزار ورداء.
سحوليّة: بفتح السين المهملة وضمها والفتح أشهر.
قال ابن الأعرابي: وغيره: هي ثياب بيض لا تكون إلا من القطن، وقال ابن قتيبة: ثياب بيض ولم يخصّها بالقطن وقال الأزهري: هي بالفتح منسوبة إلى سحول قرية باليمن تحمل منها هذه الثياب، وبالضم ثياب بيض.
وقيل: إن القرية أيضا بالضّمّ حكاه في «النهاية» .
الرّيطة: ...
نجرانية: ...
стр. 5616
الباب الثالث في الصلاة عليه زاده الله فضلا وشرفا لديه
قد تقدم في باب جمعه أصحابه أنه- ﷺ أوصى أنهم يخرجون عنه حتى يصلى عليه الملائكة ... الحديث فراجعه في الجمّاع قبله.
قال ابن إسحاق: فلما فرغ من جهاز رسول الله- ﷺ يوم الثّلاثاء وضع في سريره في بيته ثمّ دخل النّاس على رسول الله- ﷺ يصلّون عليه أرسالا حتّى إذا فرغوا دخل النّساء حتّى إذا فرغن دخل الصّبيان، ولم يؤمّ الناس على رسول الله- ﷺ أحد.
ورواه ابن ماجة والبيهقي بسند ضعيف.
زاد ابن إسحاق ثم دفن رسول الله- ﷺ من وسط اللّيل ليلة الأربعاء.
وروى الإمام أحمد عن أبي عسيب مولى رسول الله- ﷺ قالوا: كيف نصلي عليك؟ قال: ادخلوا عليّ أرسالا أرسالا قال: فكانوا يدخلون عليه فيصلون ثمّ يخرجون من الباب الآخر
[ (١) ] .
وروى أبو يعلى والإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أضجع رسول الله- ﷺ على السّرير ثم أذن للناس فدخلوا عليه فوجا فوجا يصلّون عليه بغير إمام حتى لم يبق أحد بالمدينة حرّ ولا عبد إلا صلّى عليه.
وروى ابن سعد عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ لما وضع على سريره، فقال عليّ: لا يقوم عليه أحد، هو إمامكم حيا وميتا! فكان يدخل الناس رسلا رسلا فيصلّون عليه صفّا صفّا ليس لهم إمام يقولون: سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته
[ (٢) ] .
وروى ابن سعد عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جدّه أنه لما وضع رسول الله- ﷺ على السّرير قال: لا يقوم عليه أحد هو إمامكم حيا وميّتا، فكان يدخل الناس رسلا رسلا، فيصلّون عليه صفّا صفّا ليس لهم إمام ويكبّرون، وعليّ قائم بحيال رسول الله- ﷺ يقول: سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته اللهمّ إنّا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل إليه، ونصح لامّته وجاهد في سبيل الله حتّى أعزّ الله دينه وتمّت
стр. 5617
كلمته، اللهمّ فاجعلنا ممّن يتبع ما أنزل الله إليه وثبّتنا بعده واجمع بيننا [ (١) ] وبينه.
قال محمد بن عمر الأسلميّ: حدّثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيميّ قال: وجدتّ هذا في صحيفة بخطّ أبي فيها أنه لما كفّن رسول الله- ﷺ ووضع على سريره دخل أبو بكر وعمر فقالا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار قدر ما يسع البيت فسلّموا كما سلّم أبو بكر وعمر وصفّوا صفوفا لا يؤمّهم أحد فقال أبو بكر وعمر: وهما في الصّفّ الأوّل حيال رسول الله- ﷺ اللهمّ إنّا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل إليه ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله تعالى، حتى أعز الله تعالى دينه وتمت كلماته فآمن به وحده لا شريك له فاجعلنا يا إلهنا ممّن يتبع القول الّذي أنزل معه واجمع بيننا وبينه حتّى يعرفنا ونعرفه فإنّه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما لا نبتغي بالإيمان بدلا ولا نشتري به ثمنا أبدا، فيقول النّاس آمين آمين! ثم يخرجون ويدخل آخرون حتى صلّى عليه الرّجال ثمّ النّساء ثم الصّبيان [ (٢) ] .
قال بعض العلماء: صلّوا عليه بعد الزوال يوم الاثنين إلى مثله من الثلاثاء.
وقيل: إنّهم مكثوا ثلاثة أيّام يصلّون.
قال الشيخ مجد الدّين الفيروزآبادي [ (٣) ] في القاموس: صلوا عليه فنادى مناد صلّوا أفواجا بلا إمام.
وقيل: جماعات جماعات وحزروا ثلاثين ألفا من الملائكة فيكونون ستين ألفا، لأن مع كل واحد ملكين انتهى.
وروى أبو يعلى والإمام أحمد- بسند جيد عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: أضجع رسول الله- ﷺ على السرير ثم أذن للنّاس فدخلوا فوجا فوجا يصلّون عليه بغير إمام حتى لم يبق أحد بالمدينة [حرّ ولا عبد إلا صلّى عليه] .
وروى عن سالم بن عبد الله- رحمه الله تعالى- قال: قالوا لأبي بكر: هل يصلّى على الأنبياء؟ قال: يجيء قوم فيكبّرون ويدعون ويجيء آخرون حتّى يفرغ الناس.
تنبيهات
الأول: قال ابن كثير وغيره: وصلاتهم عليه فرادى لم يؤمّهم أحد عليه أمر مجمع عليه لا خلاف فيه.
стр. 5618
قال ابن كثير: فلو صح حديث ابن مسعود أي السابق في باب جمعه أصحابه لكان نصّا في ذلك، ويكون في باب التعبد الذي لا نعقل معناه.
قلت: الحديث سنده جيد، وليس لأحد أن يقول إنه لم يكن لهم إمام، لأنهم إنما شرعوا في تجهيزه- ﵊ بعد تمام بيعة أبي بكر.
وقد اختلف في تعليله فقال الإمام الشافعيّ: إنما صلّوا عليه فرادى لعظم أمر النبي- ﷺ بأبي هو وأمي وتنافسهم فيمن يتولى الصلاة عليه وصلوا مرة بعد أخرى انتهى.
قال بعض العلماء: إنما لم يؤمّهم أحد ليباشر كل واحد من الناس الصلاة عليه منه إليه، ولتكرّر صلاة المسلمين عليه مرة بعد أخرى، من كل فرد فرد من آحاد الصحابة، رجالهم ونسائهم، وصبيانهم، حتى العبيد والإماء.
قال السهيلي وغيره: أن المسلمين صلّوا عليه أفذاذا لا يؤمّهم أحد، كلما جاءت طائفة صلّت عليه، وهذا مخصوص به- ﷺ ولا يكون هذا الفعل إلا عن توقيف.
وكذلك روى أنه أوصى بذلك ذكره الطبري [مسندا] ووجه الفقه فيه أن الله تعالى افترض الصلاة علينا عليه بقوله صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: ٥٦] وحكم هذه الصلاة التي تضمنتها الآية أن لا تكون بإمام، والصلاة عليه عند موته داخلة في لفظ الآية وهي متناولة لها وللصلاة عليه على كل حال.
وأيضا: فإن الرب ﵎ [قد أخبر أنه يصلى عليه وملائكته فإذا كان الرب تعالى] هو المصلي والملائكة قيل: المؤمنين، وجب أن تكون صلاة المؤمنين تبعا لصلاة الملائكة وأن تكون الملائكة هم الإمام انتهى.
وقال أبو عمر- رحمه الله تعالى- وصلاة الناس عليه أفذاذا لم يؤمّهم أحد أمر مجمع عليه عند أهل السنة وجماعة أهل النّقل لا يختلفون فيه ووافق أبا عمر على ذلك خلائق من العلماء حكوا فيه الإجماع وتعقّب أبو عمر بعض المغاربة بأن ابن القصّار حكى الخلاف هل صلّوا عليه الصلاة والمعهودة أو دعوا فقط؟ وهل صلّوا أفرادا أو جماعة؟ واختلفوا فيمن أمّ بهم.
فقيل: أبو بكر، وروى ذلك بإسناد لا يصحّ فيه حرام بن عثمان وهو ضعيف جدّا.
قال ابن دحية: وهو ضعيف بيقين لضعف رواته وانقطاعه، وتعقّبه بعض العلماء بوجوه.
الأوّل: أن الموجود في كتب «المغازي» و «الحديث» هو ما ذكره ولم يوجد أنهم صلّوا عليه بإمام في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف.
الثاني: قال الإمام الشافعي، ويحيى بن معين، والجوزجاني: الرواية عن حرام.
стр. 5619
وقال الإمام مالك ويحيى: ليس بثقة واتهمه غير واحد من الحفاظ.
الثالث: حديث ابن مسعود السابق وقد ورد من طرق يقوي بعضها بعضا ويرتقي بها الحديث إلى قريب من درجة الحسن وهو نص فيما قاله أبو عمر.
قال أبو الخطاب بن دحية: والصحيح أن المسلمين صلّوا عليه فرادى لا يؤمّهم أحد، وبه جزم الإمام الشافعي- رضي الله تعالى عنه- قال: وذلك لعظم رسول الله- ﷺ بأبي هو وأمي وتنافسهم فيمن يتولى الصلاة عليه وصلوا عليه مرة بعد أخرى.
قال ابن كثير: وعلى تقدير صحته يكون ذلك من باب التعبد الذي لا يعقل معناه.
والصحيح الذي عليه الجمهور أن صلاة الصحابة عليه كانت حقيقة لا مجرد الدعاء فقط، قاله القاضي عياض وتبعه النوويّ رحمهما الله تعالى.
وذهب شرذمة إلى أنه- ﷺ لم يصل عليه الصلاة المعتادة، وإنما كان الناس يأتون فيدعون ويترحمون.
قال الباجي: ووجه: أنه- ﷺ أفضل من كل شهيد، والشهيد يغنيه فضله عن الصلاة عليه، فرسول الله- ﷺ أولى، قال: وفارق الشّهيد في الغسل، لأن الشهيد حذّر من غسله لإزالة الدّم عنه، وهو مطلوب بقاؤه لطيبه، ولأنه عنوان شهادته في الآخرة، وليس على النبي- ﷺ ما يكره إزالته فافترقا.
الرابع: قال في «المورد» نقلت من خط شيخنا الحافظ الزاهد أبي عبد الله محمد بن عثمان المعروف بالضياء الرازي قال: قال سحنون بن سعيد: سألت جميع من لقيت من فقهاء الأمصار من أهل المغرب والمشرق، عن الصلاة على النبي- ﷺ بعد وفاته: هل صلّوا عليه؟ وكم كبّر عليه؟ فكلّ لم يدر حتى قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن ماجشون فسألته فقال: صلّي عليه اثنان وتسعون صلاة، وكذلك صلّى على عمّه حمزة، قال: قلت: من أين لك هذا دون الناس؟ قال: وجدتها في الصّندوق التي تركها مالك، وفيه عميقات المسائل ومشكلات الأحاديث بخطّه عن نافع عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما-.
قال الحافظ أبو الفضل العراقي في سيرته المنظومة.
وليس هذا بمتصل الإسناد ... عن مالك في كتب النقاد
الخامس: في بيان غريب ما سبق:
السرير: ...
أرسالا: ...
стр. 5620
الباب الرابع في دفنه- ﷺ ومن دفنه
قال ابن كثير: الصّحيح المشهور عن الجمهور أنه- ﷺ توفّي يوم الاثنين ودفن يوم الأربعاء.
وروى يعقوب بن سفيان عن أبي جعفر أن رسول الله- ﷺ توفّي يوم الاثنين فلبث ذلك اليوم وتلك اللّيلة ويوم الثلاثاء إلى آخر النّهار.
قال ابن كثير: وهو قول غريب.
وروى يعقوب أيضا عن مكحول قال: مكث رسول الله- ﷺ ثلاث أيّام لا يدفن قال ابن كثير: غريب والصّحيح أنه مكث بقيّة يوم الاثنين، ويوم الثّلاثاء بكامله ودفن ليلة الأربعاء، وأغرب من ذلك ما رواه سيف من هشام أن رسول الله- ﷺ دفن يوم الثّلاثاء، والسّبب في تأخير دفنه مع أن السّنّة الإعجال به عدم اتفاقهم على موته.
وروى ابن سعد عن ابن شهاب قال: توفي رسول الله- ﷺ يوم الاثنين حين زاغت الشمس [ (١) ] .
وروى أيضا عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: اشتكى رسول الله- ﷺ يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر وتوفي يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول ودفن يوم الثلاثاء أيضا
[ (٢) ] .
وروى أيضا عن عكرمة قال: توفي رسول الله- ﷺ يوم الاثنين فجلس بقيّة يومه وليلته ومن الغد حتّى دفن من اللّيل [ (٣) ] ، وروى أيضا عن أبي بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده قال: توفي رسول الله- ﷺ يوم الاثنين، فمكث يوم الاثنين والثّلاثاء حتّى دفن يوم الأربعاء [ (٤) ] .
وروى ابن سعد وابن ماجه، وأبو يعلى عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: لما فرغ من جهاز رسول الله- ﷺ يوم الثّلاثاء وضع على سريره في بيته وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه، فقال قائل: ندفنه مع أصحابه بالبقيع، وقال قائل: ادفنوه في مسجده،
فقال أبو
стр. 5621
بكر: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «ما قبض نبيّ إلا دفن حيث يقبض» فرفع فراش رسول الله- ﷺ الّذي توفّي عليه فحفروا له تحته
[ (١) ] .
وروى الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن عبد العزيز بن جريج أن أصحاب رسول الله- ﷺ لم يدروا أين يقبروا رسول الله- ﷺ حتّى
قال أبو بكر: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: لم يقبر نبيّ قطّ إلا حيث يموت فأخذوا فراشه وحفروا تحته
[ (٢) ] .
وهو منقطع، لأن ابن جريج لم يدرك الصديق.
وروى الترمذي وأبو يعلى عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما قبض رسول الله- ﷺ اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه ادفنوه في موضع فراشه»
[ (٣) ] .
وروى أبو يعلى وابن ماجة عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله- ﷺ دعا العبّاس رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة بن الجرّاح وكان يضرح لأهل مكّة وقال لآخر: اذهب إلى أبي طلحة وكان هو الذي يحفر لأهل المدينة وكان يلحد فقالوا: اللهم، خر لرسولك فوجدوا أبا طلحة فجيء به ولم يوجد أبو عبيدة فلحّد لرسول الله- ﷺ ثم دفن رسول الله- ﷺ وسط اللّيل من ليلة الأربعاء ونزل في حفرته علي بن أبي طالب والفضل وقثم بن عبّاس وشقران مولى رسول الله- ﷺ
وقال أوس ابن خولي وهو أبو ليلى لعلي بن أبي طالب: أنشدك الله، وحظّنا من رسول الله- ﷺ فقال له عليّ: انزل، وكان شقران مولاه أخذ قطيفة حمراء كان رسول الله- ﷺ يلبسها فدفنها في القبر وقال: والله، لا يلبسها أحد بعدك أبدا فدفنت مع رسول الله- ﷺ
[ (٤) ] .
وروى ابن سعد عن أبي طلحة- رضي الله تعالى عنه- نحوه [ (٥) ] .
وروى الإمام الشافعي- رضي الله تعالى عنه- قال: سل رسول الله- ﷺ من قبل رأسه [ (٦) ] .
وروى الإمام أحمد ومسلم والترمذي وحسنه والنسائي وابن سعد عن ابن عباس- رضي
стр. 5622
الله تعالى عنه- قال: وضع تحت رسول الله- ﷺ في قبره قطيفة حمراء [ (١) ] .
وروى ابن سعد قال وكيع: هذا للنبي- ﷺ خاصة [ (٢) ] .
وروى ابن سعد- برجال ثقات- عن الحسن قال: قال رسول الله- ﷺ : «افرشوا لي قطيفتي في لحدي فإنّ الأرض لم تسلّط على أجساد الأنبياء»
[ (٣) ] .
وروى الترمذي وحسنه عن جعفر بن محمد عن أبيه- رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- قال: الذي ألحد لرسول الله- ﷺ أبو طلحة، والذي ألقى القطيفة تحته شقران.
قال جعفر بن محمد أخبرني ابن أبي رافع قال: سمعت شقران يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله- ﷺ في القبر [ (٤) ] .
وروى ابن سعد عن الحسن أن رسول الله- ﷺ بسط تحته سمل قطيفة حمراء كان يلبسها قال: وكانت أرضا نديّة [ (٥) ] .
وروى مسلم وابن سعد والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه- قال في مرضه الذي توفي فيه: «ألحدوا لي لحدا، وانصبوا عليّ اللّبن نصبا كما صنع برسول الله- ﷺ .
وروى البيهقي عن بعضهم والواقديّ عن علي بن الحسين أنه- ﷺ نصب عليه في اللّحد تسع لبنات
[ (٦) ] .
وروى ابن سعد والبيهقي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: رشّ على قبر رسول الله- ﷺ الماء رشّا قال: وكان الذي رشّ على قبره الماء بلال بن رباح بقربة، بدءا من قبل رأسه من شقّه الأيمن حتى انتهى إلى رجليه ثمّ ضرب الماء إلى الجدار، ولم يقدر على أن يدور من الجدار [ (٧) ] .
وروى البيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول الله- ﷺ موضوعا على سريره من حين زاغت الشمس من يوم الاثنين إلى أن زاغت الشّمس يوم الثّلاثاء،
стр. 5623
يصلي النّاس عليه وسريره على شفير قبره، فلمّا أرادوا أن يقبروه- ﵊ نحّوا السّرير قبل رجليه فأدخل من هناك [ (١) ] .
وروى الإمام مالك بلاغا وصله محمد بن عمر الأسلمي عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما صدّقت بموت رسول الله- ﷺ حتى سمعت وقع الكرازين [ (٢) ] .
وروى ابن سعد والبيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما علمنا بدفن رسول الله- ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي ليلة الثّلاثاء في السّحر [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: توفي رسول الله- ﷺ وكان بالمدينة رجل يلحد والآخر يضرح فقالوا: نستخير ربّنا ونبعث إليهما فأيّهما سبق تركناه فأرسلوا إليهما فسبق صاحب اللّحد فلحّدوا لرسول الله- ﷺ [ (٤) ] .
وروى محمد بن سعد أنبأنا حمّاد بن خالد الخيّاط عن عقبة بن أبي الصّهباء سمعت الحسن يقول: قال رسول الله- ﷺ : «افرشوا لي قطيفة في لحدي، فإنّ الأرض لم تسلّط على أجساد الأنبياء»
[ (٥) ] .
وروى مسدّد بسند صحيح عن علي- رضي الله تعالى عنه- وأجنانه دون الناس أربعة:
علي بن أبي طالب والعبّاس والفضل بن العبّاس وصالح مولى رسول الله- ﷺ [وألحد له لحدا ونصب عليه اللّبن نصبا]
[ (٦) ] .
وروى الحاكم والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن الذين نزلوا قبره- ﷺ علي والفضل وقثم بن عبّاس وشقران وأوس بن خولي وكانوا خمسة [ (٧) ] .
وروى ابن سعد عن الشعبي قال: دخل [قبر النبي- ﷺ علي والفضل وأسامة بن زيد.
قال الشّعبيّ وأخبرني مرحب أو ابن أبي مرحب أنهم أدخلوا معهم في القبر عبد الرحمن بن عوف [ (٨) ] .
стр. 5624
وروى ابن سعد عن ابن] [ (١) ] شهاب قال ولي وضع رسول الله- ﷺ في قبره هؤلاء الرهط الذين غسّلوه: العباس وعليّ والفضل وصالح مولاه وخلّى أصحاب رسول الله- ﷺ بين رسول الله- ﷺ وأهله فولّوا إجنانه [ (٢) ] .
وروى البخاري وابن سعد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: لما دفن رسول الله- ﷺ قالت فاطمة- ﵍: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله- ﷺ التّراب.
وروى طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر العلوي وابن الجوزي في «الوفاء» عن علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- قال: لما رمس رسول الله- ﷺ جاءت فاطمة- رضي الله تعالى عنها- فوقفت على قبره وأخذت قبضة من تراب القبر فوضعته على عينيها وبكت وأنشأت تقول:
ماذا على من شمّ تربة أحمد ... أن لا يشمّ مدى الزّمان غواليا
صبّت عليّ مصائب لو أنّها ... صبّت على الأيّام عدن لياليا
تنبيهات
الأول: قال أبو عمر: خرجت القطيفة قبل إهالة التّراب.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
زاغت الشّمس: ...
يضرح: ...
القطيفة بقاف مفتوحة فطاء مهملة مكسورة، فمثناة تحتية ففاء: كساء له خمل كان يجلس عليها رسول الله- ﷺ .
الكرازين بكاف فراء مفتوحتين فألف فزاي فمثناة تحتية فنون جمع كرزين وهو الفأس.
شفير قبره: ...
المساجى: ...
أجنانه: ...
حشو: ...
الغواليا: ...
стр. 5625
الباب الخامس في ذكر من كان آخر الناس عهداً به في قبره- ﷺ -
روى الإمام أحمد عن عبد الله بن الحارث بن نوفل أن نفرا من أهل العراق قالوا لعلي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه-: يا أبا الحسن، جئناك نسألك عن أمر نحبّ أن تخبرنا عنه قال: أظنّ المغيرة بن شعبة يحدّثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله- ﷺ قالوا: أجل عن ذلك جئنا لنسألك، قال: أحدث الناس عهدا برسول الله- ﷺ قثم بن العباس
[ (١) ] .
وروى أيضاً ابن سعد برجال ثقات عن أبي عسيب أن رسول الله- ﷺ لمّا وضع في لحده، قال المغيرة بن شعبة: إنّه قد بقي من قبل رجليه شيء لم تصلحوه قالوا: فادخل فأصلحه فدخل فمسح قدميه- ﷺ ثم قال: أهيلوا عليّ التراب! فأهالوا عليه التّراب حتى بلغ أنصاف ساقيه فخرج فجعل يقول: أنا أحدثكم عهدا برسول الله- ﷺ [ (٢) ] .
وروى البيهقي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: لمّا وضع رسول الله- ﷺ في لحده ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه في قبر النبي- ﷺ فقال علي: إنّما ألقيته لتنزل فنزل فأعطاه إياه أو أمر رجلا فأعطاه
[ (٣) ] .
وروى ابن سعد عن عروة بن الزّبير قال: لما وضع رسول الله- ﷺ في لحده ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه في القبر ثم قال: خاتمي فقالوا: ادخل فخذه قال: فدخل ثم قال:
أهيلوا عليّ التّراب، فأهالوا عليه التّراب حتّى بلغ أنصاف قدميه، فخرج فلما سوّي على رسول الله- ﷺ قال: اخرجوا حتّى أغلق الباب، فإني أحدثكم عهدا برسول الله- ﷺ فقال: لعمري، لئن كنت أردّتها لقد أصبتها [ (٤) ] .
وروى ابن أبي شيبة وأحمد بن منيع عن المغيرة بن شعبة قال لأنا آخر الناس عهداً برسول الله- ﷺ حضرنا ولحّدنا فلمّا حضروا ودفنوا ألقيت الفأس في القبر، فقلت: الفأس الفأس، فأخذته ومسحت بيدي على رسول الله- ﷺ رواه أبو يعلى بلفظ: ألقيت خاتمي، فقلت: يا أبا الحسن، خاتمي، قال: انزل فخذ خاتمك، ووضعت يدي على الكفن ثم خرجت فنزلت فأخذت خاتمي
[ (٥) ] سنده مجالد وهو ضعيف.
стр. 5626
وروى الطبراني برجال ثقات غير مجالد وهو مختلف فيه عن المغيرة بن شعبة قال:
كنت فيمن حفر قبر النبي- ﷺ قالوا: فلحّدنا لحدا فلمّا دخل رسول الله- ﷺ القبر طرحت الفأس ثمّ قلت: الفأس الفأس ثم نزلت فوضعت يدي على اللّحد [ (١) ] .
وروى أيضا بإسناد قويّ عن ابن أبي مرحب قال: نزل في قبر النبي- ﷺ أربعة:
أحدهم عبد الرحمن بن عوف، وكان المغيرة بن شعبة يدّعي أنه أحدث الناس عهدا برسول الله- ﷺ ويقول: أخذت خاتمي، فألقيته، وقلت: خاتمي سقط من يدي لأمسّ رسول الله- ﷺ فأكون آخر الناس عهداً به قال الحاكم أصحّ الأقاويل أنّ آخر الناس عهداً برسول الله- ﷺ قثم بن العباس قال ابن كثير: وقول من قال: إنّ المغيرة بن شعبة كان آخرهم عهدا ليس بصحيح، لأنه لم يحضر دفنه فضلا عن أن يكون آخرهم عهدا برسول الله- ﷺ قلت: في كونه لم يحضر دفنه نظر لما تقدم.
تنبيه في بيان غريب ما سبق:
[آخرهم عهدا: ...
التّراب: ...
الفأس: ... ] [ (٢) ] .
стр. 5627
الباب السادس فيما سمع من التعزية به- ﷺ -
روى محمد بن عمر برجال ثقات وابن أبي حاتم وأبو نعيم عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ لما قبض وكانت التّعزية به جاء آت، يسمعون حسّه ولا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم، أهل البيت ورحمة الله وبركاته كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [آل عمران: ١٨٥] إن في الله تعالى عزاء من كلّ مصيبة وخلف من كل هالك ودرك من كل ما فات فبالله فثقوا وإيّاه فارجعوا، فإن المحروم من حرم الثواب، وإن المصاب من حرم الثّواب والسّلام عليكم، فقال عليّ: هل تدرون من هذا؟ هذا الخضر- ﷺ
-[ (١) ] .
وروى ابن أبي الدنيا والحاكم والبيهقي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: لما قبض النبي- ﷺ أحدق به أصحابه، فبكوا حوله واجتمعوا فدخل رجل أشهب اللّحية جسيم صبيح فتخطّى [رقابهم، فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله- ﷺ فقال: إن في الله عزاء من كلّ مصيبة وعوضا من كل فائت، وخلفا من كلّ هالك، فإلى الله فأنيبوا وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلاء، فانظروا فإن المصاب من لم يجبره، فانصرف، وقال بعضهم لبعض تعرفون الرجل، قال أبو بكر وعليّ: نعم، هو أخو رسول الله- ﷺ الخضر- ﵇] [ (٢) ] وقد ذكر في كتب «الموضوعات» .
وروى ابن سعد وابن أبي شيبة بإسناد حسن عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «سيعزّي النّاس بعضهم بعضا من بعدي التعزية بي، فكان النّاس يقولون: ما هذا؟ فلمّا قبض رسول الله- ﷺ لقي النّاس بعضهم بعضا يعزّي بعضهم بعضا برسول الله- ﷺ
-[ (٣) ] .
وروى الطبراني عن ساباط قال: قال رسول الله- ﷺ إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنّها أعظم المصائب
[ (٤) ] .
وروى الإمام مالك عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد- رحمهم الله تعالى- أن رسول الله- ﷺ قال: ليعزّ المسلمين في مصائبهم المصيبة [ (٥) ] بي.
стр. 5628
وروى ابن ماجه عن عائشة أن رسول الله- ﷺ قال في مرضه: يا أيها الناس أيما أحد من الناس، أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزّ بمصيبته بي عند المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي.
[ (١) ]
[وروى عن المسور بن مخرمة- رضي الله تعالى عنهما- التعزية.
هالك: ...
الدّرك: ...
أحدق: ...
أشهب اللّحية: ... ] [ (٢) ] .
стр. 5629
الباب السابع في موضع قبره الشريف وصفته وصفة حجرته وبعض أخبارها
تقدّم في أحاديث أبي بكر أنه أخّر فراش رسول الله- ﷺ وحفر في موضعه.
وهو قوله:
فسمعت رسول الله- ﷺ يقول: «لا يدفن نبيّ إلا حيث قبض» .
وقد علم بالتواتر أنه- ﷺ دفن في حجرة عائشة- رضي الله تعالى عنها-[التي كانت تختص بها شرقيّ مسجده في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة ثم دفن بعده أبو بكر، ثم عمر.
وروى ابن سعد والحاكم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها-] [ (١) ] ومسدد- برجال ثقات- والحميديّ والحاكم وصححه عن سعيد بن المسيب أن عائشة قالت لأبي بكر رأيت كأنّ ثلاثة أقمار سقطن في حجرتي فقال: يدفن في بيتك ثلاثة هم خير أهل الأرض فلما قبض رسول الله- ﷺ ودفن، قال أبو بكر: هذا خير أقمارك [ (٢) ] .
وروي عن أنس أن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قصّت مناما رأته على رسول الله- ﷺ فقال لها: «إن صدقت رؤياك يدفن في بيتك ثلاث هم خير أهل الأرض» .
وروى البيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: جعل قبر رسول الله- ﷺ مسطوحا [ (٣) ] .
وروى يحيى بن الحسن بن جعفر العلوي عن هارون بن سليمان قال: حدثني غير واحد من مشايخ أهل المدينة أنّ صفات القبور الثّلاثة مسطوحة عليها بطحاء من بطحاء العرصة الحمراء.
ويؤيده ما رواه أبو داود بإسناد صحيح والحاكم وصحّح إسناده من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمّاه، اكشفي لي عن قبر رسول الله- ﷺ وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء.
زاد الحاكم: فرأيت رسول الله- ﷺ مقدما وأبو بكر رأسه بين كتفي رسول الله- ﷺ [وعمر رأسه عند رجل رسول الله- ﷺ [ (٤) ] .
стр. 5630
وروى ابن النجار في «تاريخ المدينة» أن امرأة سألت عائشة أن اكشفي لي عن قبر رسول الله- ﷺ ] [ (١) ] فكشفته فبكت حتى ماتت- رضي الله تعالى عنها- ورحمها.
وحكى عن أبي الفضل الحمويّ أحد خدّام الحجرة النّبويّة أنه شاهد شخصا من الزوار وأتى باب مقصورة الحجرة الشريفة فطأطأ رأسه نحو العتبة، فحركوه فإذا هو ميّت وكان من حضر جنازته- رحمهما الله تعالى-.
وأما ما رواه البخاري في الصحيح عن سفيان التّمّار أنه رأى قبر رسول الله- ﷺ مسنما [ (٢) ] زاد أبو نعيم في «المستخرج» ، وقبر أبي بكر وعمر كذلك فلا يعارض ذلك أن سفيان ولد في زمان معاوية فلم ير القبر إلا في آخر الأمر فيحتمل كما قال البيهقي أن القبر لم يكن في أول الأمر مسنّما ثم سنّم لما سقط الجدار في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد صيروها مرتفعة، فقد روى يحيى بن الحسن عن عبد الله بن الحسين قال:
رأيت قبر رسول الله- ﷺ مسنّما في زمن الوليد بن هشام.
وقد اختلف في صفة القبور الشريفة بالحجرة المنيفة على سبع كيفيات.
الأولى:
أن قبر النبي- ﷺ [أمامها] [ (٣) ] إلى القبلة مقدما بجدار القبلة، ثم قبر أبي بكر حذاء منكبي النبي- ﷺ وقبر عمر حذو منكبي أبي بكر هكذا.
سيدنا رسول الله- ﷺ أبو بكر- ﵁ عمر- ﵁ قال النووي: هذا هو المشهور وقال السيد السمهوديّ في «تاريخ المدينة» : إنه الذي عليه الأكثرون وإنها أشهر الروايات.
الثانية:
أن قبر الرسول- ﷺ مقدما وأبا بكر رأسه بين كتفي رسول الله- ﷺ وعمر رأسه عند رجلي رسول الله- ﷺ .
قال أبو اليمن بن عساكر: وهذه صفته:
النبي- ﷺ عمر- رضي الله تعالى عنه-
стр. 5631
أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه-
الثالثة:
روى أبو نعيم من طريق محمد بن الحسن بن زبالة عن إسماعيل بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمرة عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: رأس أبي بكر عند رجلي النبي- ﷺ وعمر خلف ظهر النبي- ﷺ .
قال أبو اليمن بن عساكر وهذه صفته:
النبي- ﷺ أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- عمر- رضي الله تعالى عنه- قال السيد نور الدين السمهودي: ويردها ما في الصحيح من أن الذي بدت قدمه عند هدم الجدار إنما هو عمر، لأن الجدار المنهدم، إنما هو الشرقي، ولو صحت هذه الرواية لكان البادي قدم أبي بكر.
الرابعة:
روى أبو نعيم من طريق محمد بن الحسن بن زبالة: ثنا محمد بن إسماعيل عن عمرو بن عثمان عن القاسم بن محمد فذكر مثل الحديث المذكور في الثالثة إلا أنه قال:
فإذا قبر النبي- ﷺ أمامها ورجلا أبي بكر عند رأس النبي- ﷺ ورأس عمر عند رجلي أبي بكر.
قال أبو اليمن: وهذه صفته:
النبي- ﷺ أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- عمر- رضي الله تعالى عنه-
الخامسة:
روى أبو نعيم عن عثمان بن نسطاس قال: رأيت قبر رسول الله- ﷺ لما هدم عمر بن عبد العزيز عنه البيت مرتفعا نحوا من أربع أصابع عليه حصباء إلى الحمرة مائلة، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبر النبي- ﷺ ورأيت قبر عمر أسفل منه وصوره لنا هكذا:
النبي- ﷺ أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- عمر- رضي الله تعالى عنه-
السادسة:
روي عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: خرجت في ليلة مطيرة إلى المسجد حتى إذا كنت عند دار المغيرة بن شعبة لقيتني رائحة لا والله ما وجدت مثلها قط فجئت إلى المسجد فبدأت بقبر النبي- ﷺ فإذا جداره قد انهدم فدخلت فسلمت على النبي- ﷺ ومكثت فيه مليّا، فإذا قبر النبي- ﷺ وقبر أبي بكر عند رجليه وعليهما
стр. 5632
حصباء من حصباء العرصة وقبر عمر عند رجلي أبي بكر.
قال أبو اليمن وهذه صفته:
النبي- ﷺ أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- عمر- رضي الله تعالى عنه-
السابعة:
روى ابن زبالة عن المنكدر بن محمد عن أبيه قال: قبر النبي- ﷺ هكذا، وقبر أبي بكر خلفه، وقبر عمر عند رجلي النبي- ﷺ .
النبي- ﷺ أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- عمر- رضي الله تعالى عنه- وهذه الروايات ما عدا الأولى والثانية أسانيدها ضعيفة وأشهرها الأولى كما تقدم.
قال حسان بن ثابت- رضي الله تعالى عنه-:
ثلاثة برزوا بسبقهم ... نصرهم ربّهم إذا نشروا
عاشوا بلا فرقة حياتهم ... واجتمعوا في الممات إذ قبروا
فليس من مسلم له بصر ... ينكر فضلهم إذا ذكروا
وقال غيره:
ثلاثة أقبر جلّت وعزّت ... حوت خير الورى مع صاحبيه
محمّد المصطفى من قريش ... وصدّيق له أثنى عليه
وثالثهم هو الفاروق حقّا ... فكلّ مدائحي تهدى إليه
وروى ابن زبالة عن المطلب- رضي الله تعالى عنه- قال: كانوا يأخذون من تراب القبر وأمرت عائشة بجداره فضرب عليهم وكان في الجدار كوّة فكانوا يأخذون منها فأمرت بالكوّة فسدّت.
وروى ابن سعد عن مالك بن أنس قال: قسم مبيت عائشة باثنين: قسم كان فيه القبر وقسم كان فيه عائشة.
وروى عمر بن شبة عن أبي غسّان قال: لم يزل بيت رسول الله- ﷺ الذي دفن فيه ظاهرا حتى بنى عمر بن عبد العزيز عليه الخطار المزور حين بنى المسجد في خلافة الوليد وإنّما جعله مزورا كراهية أن يشبه تربيعه تربيع القبلة، وأن يتخذ قبلة يصلّى إليه.
وروى ابن زبالة عن غير واحد من أهل العلم أن البيت مربع مبني بحجارة سود وقصة
стр. 5633
والذي يلي القبلة من أطوله، والشرقيّ والغربيّ سواء، والشاميّ أنقصها، وباب البيت مما يلي الشّام مسدود بالحجارة السود والقصة ثم بنى عمر بن عبد العزيز هذا البناء الطّاهر وزوّره لئلّا يتّخذه النّاس قبلة تخصّ بها الصّلاة من بين المسجد قالوا: والبناء الذي حوّل بينه وبين البناء الظاهر اليوم مما يلي المشرق ذراعان ومما يلي المغرب ذراع، ومما يلي القبلة شير ومما يلي الشّام فضاؤه كلّه وفي الفضاء الذي يلي الشّام بركن مكسور ومكتل خشب يقال إن البناء بين نسوة هناك.
وروى يحيى بن الحسن الحسيني عن أبي غسان محمد بن يحيى قال: سمعت من يقول إن في الحظار الذي على قبر النبي- ﷺ مركن وخشبة وجريدة مسندة.
قال ابن أبي الزّناد: هو مركّن تركه العمّال هناك قال أبو غسّان: فأمّا أنا فإني اطلعت في الحظار فلم أر شيئا فزعم لي زاعم أنه قد رأى ثمّ مركّنا أو شيئا موضوعا مع الرّكن وأما أنا فلم أره ولا أعلم أحدا يدري من أخذه ولم أر البيت الذي في الحظار.
تنبيه في بيان غريب ما سبق:
[أقمار: ...
الخمرة: ...
مسطوحة: ...
بطحاء: ...
العرصة: ...
لاطئة: ...
الكوّة: الخرق من الحائط والثقب في البيت ونحوه.
مزورا: ...
القصّة: ...
الحظار: ...
المركن: ...
المكثل:] [ (١) ] ...
стр. 5634
الباب الثامن في الاستسقاء بقبره الشريف- ﷺ -
روى الدارمي عن [أبي الجوزاء] [ (١) ] أوس بن عبد الله قال: قحط أهل المدينة قحطا شديدا فشكوا إلى عائشة- رضي الله تعالى عنها- فقالت: انظروا إلى قبر النبي- ﷺ فاجعلوا منه كوّة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السّماء سقف قال: ففعلوا فمطرنا مطرا حتّى نبت العشب وسمنت الإبل حتّى تفتقت من الشحم، فسمّي: عام الفتق.
стр. 5635
الباب التاسع في فضل ما بين قبره ومنبره- ﷺ -
روى الإمام أحمد والشيخان عن ابن عمر والإمام أحمد والبزار عن جابر بن عبد الله، والإمام أحمد- برجال الصحيح- والبخاري عن أبي هريرة والطبراني عن أبي سعيد الخدري، والبزار- برجال الصحيح- عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله ابن الإمام أحمد عن عبد الله بن زيد المازنيّ أن رسول الله- ﷺ قال: «ما بين بيتي ومنبري» .
ولفظ ابن عمر «قبري ومنبري» روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي وإنّ منبري على ترعة من ترع الجنة.
وفي لفظ تجيء ترعة من ترع الجنة.
وروى الإمام أحمد- برجال الصحيح- عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- قال: منبري هذا على ترعة من ترع الجنة.
تنبيهات
الأول: اختلف في معنى كون منبره على حوضه على ثلاثة أوجه.
الأول: قال الخطّابيّ: معنى
قوله «ومنبري على حوضي»
أي أن قصد منبره وحضوره عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد [لصاحبه إلى] الحوض ويوجب الشّرب منه.
الثاني: قال ابن النّجّار: المراد أن منبره الذي كان يقوم عليه- ﷺ يعيده الله كما يعيد سائر الخلائق ويكون على حوضه في ذلك اليوم.
قال أبو اليمن بن عساكر: وهو الأظهر، وعليه أكثر النّاس.
الثالث: قيل: إن المراد منبر يخلقه الله تعالى في ذلك اليوم ويجعله على حوضه.
قال السيد: ويظهر لي معنى رابع، وهو أن البقعة التي عليها المنبر تعاد بعينها في الجنّة، ويعاد منبره ذلك على هيئته، ليناسب ما في الجنّة، فيجعل المنبر عليها عند عقر الحوض وهو مؤخّره وعن ذلك غيّر ب «ترعة من ترع الجنة» وذكر ذلك- ﷺ لأمته للتّرغيب للعمل بهذا المحلّ الشّريف ليقضي بصاحبه إلى ذلك، وهذا في الحقيقة جمع بين القولين الأوّلين.
الثاني: اختلفوا أيضا في معنى ما جاء في الروضة الشريفة.
قال الحافظ: ومحصّل ما أول العلماء به ذلك أن تلك البقعة كروضة من رياض الجنة
стр. 5636
في نزول الرحمة وحصول السّعادة بما يحصل فيها من ملازمة حلق الذكر، لا سيما في عهده- ﷺ فيكون مجازا [بغير أداة] ، أو المعنى أن العبادة فيها تؤدّي إلى الجنّة فيكون مجازا أو هو على ظاهره، وأن المراد أنّها روضة حقيقية بأن ينتقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنّة انتهى.
قال: وهذه الأقاويل على ترتيبها هذا في القوّة، وهو محتمل لتقوية الأوّل والأخير، والأخير أقواها عندي، وهذا الذي ذهب إليه ابن النّجّار ونقله البرهان بن فرحون في «مناسكه» عن ابن الجوزي وغيره عن مالك فقال:
وقوله: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة»
حمله مالك رحمه الله تعالى على ظاهره فنقل عنه ابن الجوزي وغيره أنها روضة من رياض الجنّة تنقل إلى الجنة وأنها ليست كسائر الأرض تذهب وتفنى، ووافقه على ذلك جماعة من العلماء انتهى.
ونقله الخطيب بن جملة عن الداودي وصحّحه ابن الحاج في «مدخله» لأن العلماء فهموا من ذلك مزية عظيمة لهذا المحلّ.
وقال الحافظ في موضع آخر بعد أن صدّر بالثالث أو أنه على المجاز تكون العبادة فيه نزول إلى دخول العائد روضة الجنة، وهذا فيه نظر، إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة والخير مسبوق لمزيد شرف تلك البقعة على غيرها، وجمع الشيخ ابن أبي جمرة بين الثاني والثالث، ولم يعوّل على ذكر الأوّل فقال: الأظهر والله أعلم الجمع بين الوجهين لكلّ منهما دليل يعضده، أما الدليل على أن العمل فيها يوجب الجنّة فلما جاء في فضل مسجدها في المضاعفة، ولهذه البقعة زيادة على باقي بقعه.
وأما الدليل على كونها بعينها في الجنّة فلإخباره- ﷺ بأنّ المنبر على الحوض لم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره، وأنه حقّ محسوس موجود على حوضه، وقد نقل الخلاف قبل، ثم قال: تقرّر من قواعد الشّرع أن البقع المباركة ما فائدة بركتها لنا، والأخبار بذلك إلا تعميرها بالطاعات.
قال: ويحتمل وجها ثالثا وهو أن تلك البقعة نفسها روضة من رياض الجنة الآن، وتعود روضة في الجنة كما كان ويكون للعامل، فالعمل فيه درجة في الجنة قال: وهو الأظهر لوجهين:
أحدهما: علوّ منزلته- ﷺ وليكون بينه وبين الأبوّة الإبراهيمية في هذا أشبه، وهو أنه لما خصّ الله الخليل بحوض من الجنة خصّ الحبيب بالروضة منها انتهى.
وهو من النّفاسة بمكان، وفيه حمل اللفظ على ظاهره إذ لا يقتضي بصرفه عنه، ولا
стр. 5637
يقدح في ذلك كوننا نشاهده على أراضي الدّنيا فإنه ما دام الإنسان في هذا العالم لا تنكشف له حقائق ذلك العالم لوجود الحجب الكثيفة.
الثّالث: تخصيص ما أحاطت به البيّنة المذكورة لذلك إما تعبدا، وإما لكثرة تردّده- ﷺ بين بيته ومنبره، وقرب ذلك من قبره الشريف الذي هو الروضة العظمى كما أشار إليه ابن أبي جمرة أيضا.
الرابع: اختلفوا في مكان الرّوضة.
الخامس: في بيان غريب ما سبق:
القبر: ...
المنبر: ...
الحوض: ...
الرّوضة: ...
التّرعة: بمثناة فوقية فراء ساكنة فعين مهملة الروضة على المكان المرتفع.
стр. 5638
الباب العاشر في فضل مسجده- ﷺ -
غير ما تقدم.
قال الله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة: ١٠٨] .
روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: امترى رجلان رجلا من بني خدرة ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسّس على التقوى: قال الخدريّ: هو مسجد رسول الله- ﷺ وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله- ﷺ فسألاه فقال: «هو هذا» يعني مسجد رسول الله- ﷺ وقال: في ذلك خير كثير يعني مسجد قباء.
روى الإمام أحمد عن سهل بن سعد نحوه.
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: أتيت رسول الله- ﷺ فسألته عن المسجد الذي أسّس على التقوى فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: هو مسجدكم هذا.
وروى الإمام أحمد عن أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «المسجد الّذي أسّس على التّقوى مسجدي هذا» .
وروى الزبير بن بكار في «أخبار المدينة» عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال:
قال رسول الله- ﷺ : «لو بني مسجدي هذا إلى صنعاء كان مسجدي» .
وروى أيضا عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال: لو مدّ مسجد رسول الله- ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه.
وروى الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله- ﷺ قال: «من صلّى في مسجدي هذا أربعين صلاة لا يفوته صلاة كتبت له براءة من النار ونجاة من العذاب وبرئ من النّفاق» .
وروى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل» .
وفي رواية: «خير» من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلّا المسجد الحرام» .
стр. 5639
وروى الشيخان عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «لا تشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» .
وروى البزار وابن حبان عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «خير ما ركبت إليه الرّواحل مسجدي هذا، والبيت العتيق مسجد إبراهيم- ﷺ » .
تنبيهات
الأول:
قوله- ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام» .
اختلف في تأويل هذا الحديث فقيل: إنّ الصّلاة في مسجده- ﷺ أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون ألف صلاة.
ونقل أبو عمر عن جماعة من أهل الأمر: أن معناه أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد المدينة ثم أيده بما أخرجه من
حديث ابن عمر مرفوعا «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام فإنّه أفضل فيه بمائة صلاة» .
الثاني:
قوله- ﷺ : «لا تشدّ الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد» .
قيل: هو نفي بمعنى النّهي.
وقيل: لمجرد الإخبار لا نهي ولا دلالة فيه على التّحريم، إذ النّفي لا يقتضي النهي مطلقا، وعلى تقدير أنه يقتضي النهي فإنما يقتضي النهي فيما وقع عليه النّفي، والنّفي هاهنا ليس لنفي الحقيقة، وإنما هو لنفي مقصود من مقاصدها، ولا يتعين أن يكون الجواز المطلق، جاز أن يكون لا تشدّ الرحال وجوبا أو ندبا أو طاعة مسنونة بخصوصيتها لا بنوعها ولا بحسنها وتعين أحد المحتملات يحتاج إلى دليل، وبتقدير أن يكون بمعنى النهي، فلا نسلم أن النهي في مثل ذلك يقتضي التحريم، والأمر يقتضي الوجوب، وإطلاق أئمة الأصول أن النهي يقتضي التحريم والأمر يقتضي الوجوب محمول على الأمر بصيغة «افعل» والنهي بصيغة «لا تفعل» إذ هو الذي يصح فيه دعوى الحقيقة.
وأما ما كان موضوعا حقيقة بغير الأمر والنهي، ويفيد معنى أحدهما كالخبر بمعنى الأمر، والنفي بمعنى النهي فلا يدعي فيه أنه حقيقة في وجوب ولا تحريم، لأنه مستعمل في غير موضوعه إذا أريد الأمر والنهي، ودعوى كونه حقيقة في إيجاب أو تحريم وهو موضوع لغيرهما مكابرة وهذا موضع يغلط فيه كثير من الفقهاء، ويعبرون بلفظ أئمة الأصول ويدخلون فيه كلما
стр. 5640
أفاد نهيا أو أمرا، والمحقق يعرف المراد ويضع كل شيء في موضعه.
ذكر ذلك كله شيخ الإسلام كمال الدين بن الزملكاني في كتاب «العمل المقبول في زيارة الرسول» قال النووي: معناه الأفضلية في شدّ الرحال إلى مسجد غير هذه الثلاثة ونقله عن الجمهور.
وقال العراقي: من أحسن محامل الحديث أن المراد منه حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من مساجد غير هذه الثلاثة.
وأما فضل غير المساجد من الرّحلة في طلب العلم وزيارة الصالحين والإخوان والتجارة والتنزه ونحو ذلك فليس داخلا فيه
وقد ورد ذلك مصرحا في رواية أحمد.
ولفظه: لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا.
وقال الشيخ تقي الدين السّبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل ثوابها حتى تشدّ إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة، ولا شك أن بقاع المساجد الثلاثة وموضع قبره- ﷺ هي أفضل بقاع الأرض، وموضع قبره- ﷺ ومسجد مكة والمدينة أفضل من المسجد الأقصى واختلف أيهما أفضل مسجد مكة أو مسجد المدينة.
الثالث: قال القاضي عياض بعد حكاية الخلاف: ولا خلاف أن موضع قبره- ﷺ أفضل بقاع الأرض انتهى.
ولا ريب أن نبينا- ﷺ أفضل المخلوقات، فليس في المخلوقات على الله تعالى أكرم منه، لا في العالم العلويّ ولا في العالم السفليّ كما تقدم في الباب الأول من الخصائص قال بعضهم: كيف يمكن انفكاك المؤمن المعظّم للنبي- ﷺ المعتقد شرف تلك البقعة أن يشدّ الرّحال إليها ويدخل المسجد ويصلي فيه ولا يصلي إلى الروضة الشريفة التي في الحجرة؟ وفي الحديث أنها روضة من رياض الجنة، وكيف يصلي إلى الروضة والقبر ويعلم أن رسول الله- ﷺ يسمع كلامه إذا سلم عليه، ويرد ﵇ ويسعه أن لا يقصد الحجرة الشريفة والقبر ويسلم على رسول الله- ﷺ إن وقع هذا لأحد لا يكون قلبه معمورا بحبّ النبي- ﷺ ومن تداركه الله تعالى برحمته وجد من نفسه ذلك، وكذلك لو قصد زيارة قبره- ﷺ لم ينفك قصده عن قصد المسجد وهذا شأن الزّوّار.
الرابع: قال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ: بعد أن ذكر حديث الصحيحين أنه- ﷺ كان يأتي مسجد قباء راكبا وماشيا وليس في إتيانه- ﷺ مسجد قباء ما يعارض
قوله- ﷺ : «لا تعمل المطيّ»
لأن قوله ذلك معناه عند العلماء فيمن نذر على نفسه صلاة