في نزول الرحمة وحصول السّعادة بما يحصل فيها من ملازمة حلق الذكر، لا سيما في عهده- ﷺ فيكون مجازا [بغير أداة] ، أو المعنى أن العبادة فيها تؤدّي إلى الجنّة فيكون مجازا أو هو على ظاهره، وأن المراد أنّها روضة حقيقية بأن ينتقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنّة انتهى.
قال: وهذه الأقاويل على ترتيبها هذا في القوّة، وهو محتمل لتقوية الأوّل والأخير، والأخير أقواها عندي، وهذا الذي ذهب إليه ابن النّجّار ونقله البرهان بن فرحون في «مناسكه» عن ابن الجوزي وغيره عن مالك فقال:
وقوله: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة»
حمله مالك رحمه الله تعالى على ظاهره فنقل عنه ابن الجوزي وغيره أنها روضة من رياض الجنّة تنقل إلى الجنة وأنها ليست كسائر الأرض تذهب وتفنى، ووافقه على ذلك جماعة من العلماء انتهى.
ونقله الخطيب بن جملة عن الداودي وصحّحه ابن الحاج في «مدخله» لأن العلماء فهموا من ذلك مزية عظيمة لهذا المحلّ.
وقال الحافظ في موضع آخر بعد أن صدّر بالثالث أو أنه على المجاز تكون العبادة فيه نزول إلى دخول العائد روضة الجنة، وهذا فيه نظر، إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة والخير مسبوق لمزيد شرف تلك البقعة على غيرها، وجمع الشيخ ابن أبي جمرة بين الثاني والثالث، ولم يعوّل على ذكر الأوّل فقال: الأظهر والله أعلم الجمع بين الوجهين لكلّ منهما دليل يعضده، أما الدليل على أن العمل فيها يوجب الجنّة فلما جاء في فضل مسجدها في المضاعفة، ولهذه البقعة زيادة على باقي بقعه.
وأما الدليل على كونها بعينها في الجنّة فلإخباره- ﷺ بأنّ المنبر على الحوض لم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره، وأنه حقّ محسوس موجود على حوضه، وقد نقل الخلاف قبل، ثم قال: تقرّر من قواعد الشّرع أن البقع المباركة ما فائدة بركتها لنا، والأخبار بذلك إلا تعميرها بالطاعات.
قال: ويحتمل وجها ثالثا وهو أن تلك البقعة نفسها روضة من رياض الجنة الآن، وتعود روضة في الجنة كما كان ويكون للعامل، فالعمل فيه درجة في الجنة قال: وهو الأظهر لوجهين:
أحدهما: علوّ منزلته- ﷺ وليكون بينه وبين الأبوّة الإبراهيمية في هذا أشبه، وهو أنه لما خصّ الله الخليل بحوض من الجنة خصّ الحبيب بالروضة منها انتهى.
وهو من النّفاسة بمكان، وفيه حمل اللفظ على ظاهره إذ لا يقتضي بصرفه عنه، ولا
стр. 5637
يقدح في ذلك كوننا نشاهده على أراضي الدّنيا فإنه ما دام الإنسان في هذا العالم لا تنكشف له حقائق ذلك العالم لوجود الحجب الكثيفة.
الثّالث: تخصيص ما أحاطت به البيّنة المذكورة لذلك إما تعبدا، وإما لكثرة تردّده- ﷺ بين بيته ومنبره، وقرب ذلك من قبره الشريف الذي هو الروضة العظمى كما أشار إليه ابن أبي جمرة أيضا.
الرابع: اختلفوا في مكان الرّوضة.
الخامس: في بيان غريب ما سبق:
القبر: ...
المنبر: ...
الحوض: ...
الرّوضة: ...
التّرعة: بمثناة فوقية فراء ساكنة فعين مهملة الروضة على المكان المرتفع.
стр. 5638
الباب العاشر في فضل مسجده- ﷺ -
غير ما تقدم.
قال الله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة: ١٠٨] .
روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: امترى رجلان رجلا من بني خدرة ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسّس على التقوى: قال الخدريّ: هو مسجد رسول الله- ﷺ وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله- ﷺ فسألاه فقال: «هو هذا» يعني مسجد رسول الله- ﷺ وقال: في ذلك خير كثير يعني مسجد قباء.
روى الإمام أحمد عن سهل بن سعد نحوه.
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: أتيت رسول الله- ﷺ فسألته عن المسجد الذي أسّس على التقوى فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: هو مسجدكم هذا.
وروى الإمام أحمد عن أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «المسجد الّذي أسّس على التّقوى مسجدي هذا» .
وروى الزبير بن بكار في «أخبار المدينة» عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال:
قال رسول الله- ﷺ : «لو بني مسجدي هذا إلى صنعاء كان مسجدي» .
وروى أيضا عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال: لو مدّ مسجد رسول الله- ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه.
وروى الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله- ﷺ قال: «من صلّى في مسجدي هذا أربعين صلاة لا يفوته صلاة كتبت له براءة من النار ونجاة من العذاب وبرئ من النّفاق» .
وروى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل» .
وفي رواية: «خير» من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلّا المسجد الحرام» .
стр. 5639
وروى الشيخان عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «لا تشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» .
وروى البزار وابن حبان عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «خير ما ركبت إليه الرّواحل مسجدي هذا، والبيت العتيق مسجد إبراهيم- ﷺ » .
تنبيهات
الأول:
قوله- ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام» .
اختلف في تأويل هذا الحديث فقيل: إنّ الصّلاة في مسجده- ﷺ أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون ألف صلاة.
ونقل أبو عمر عن جماعة من أهل الأمر: أن معناه أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد المدينة ثم أيده بما أخرجه من
حديث ابن عمر مرفوعا «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام فإنّه أفضل فيه بمائة صلاة» .
الثاني:
قوله- ﷺ : «لا تشدّ الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد» .
قيل: هو نفي بمعنى النّهي.
وقيل: لمجرد الإخبار لا نهي ولا دلالة فيه على التّحريم، إذ النّفي لا يقتضي النهي مطلقا، وعلى تقدير أنه يقتضي النهي فإنما يقتضي النهي فيما وقع عليه النّفي، والنّفي هاهنا ليس لنفي الحقيقة، وإنما هو لنفي مقصود من مقاصدها، ولا يتعين أن يكون الجواز المطلق، جاز أن يكون لا تشدّ الرحال وجوبا أو ندبا أو طاعة مسنونة بخصوصيتها لا بنوعها ولا بحسنها وتعين أحد المحتملات يحتاج إلى دليل، وبتقدير أن يكون بمعنى النهي، فلا نسلم أن النهي في مثل ذلك يقتضي التحريم، والأمر يقتضي الوجوب، وإطلاق أئمة الأصول أن النهي يقتضي التحريم والأمر يقتضي الوجوب محمول على الأمر بصيغة «افعل» والنهي بصيغة «لا تفعل» إذ هو الذي يصح فيه دعوى الحقيقة.
وأما ما كان موضوعا حقيقة بغير الأمر والنهي، ويفيد معنى أحدهما كالخبر بمعنى الأمر، والنفي بمعنى النهي فلا يدعي فيه أنه حقيقة في وجوب ولا تحريم، لأنه مستعمل في غير موضوعه إذا أريد الأمر والنهي، ودعوى كونه حقيقة في إيجاب أو تحريم وهو موضوع لغيرهما مكابرة وهذا موضع يغلط فيه كثير من الفقهاء، ويعبرون بلفظ أئمة الأصول ويدخلون فيه كلما
стр. 5640
أفاد نهيا أو أمرا، والمحقق يعرف المراد ويضع كل شيء في موضعه.
ذكر ذلك كله شيخ الإسلام كمال الدين بن الزملكاني في كتاب «العمل المقبول في زيارة الرسول» قال النووي: معناه الأفضلية في شدّ الرحال إلى مسجد غير هذه الثلاثة ونقله عن الجمهور.
وقال العراقي: من أحسن محامل الحديث أن المراد منه حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من مساجد غير هذه الثلاثة.
وأما فضل غير المساجد من الرّحلة في طلب العلم وزيارة الصالحين والإخوان والتجارة والتنزه ونحو ذلك فليس داخلا فيه
وقد ورد ذلك مصرحا في رواية أحمد.
ولفظه: لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا.
وقال الشيخ تقي الدين السّبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل ثوابها حتى تشدّ إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة، ولا شك أن بقاع المساجد الثلاثة وموضع قبره- ﷺ هي أفضل بقاع الأرض، وموضع قبره- ﷺ ومسجد مكة والمدينة أفضل من المسجد الأقصى واختلف أيهما أفضل مسجد مكة أو مسجد المدينة.
الثالث: قال القاضي عياض بعد حكاية الخلاف: ولا خلاف أن موضع قبره- ﷺ أفضل بقاع الأرض انتهى.
ولا ريب أن نبينا- ﷺ أفضل المخلوقات، فليس في المخلوقات على الله تعالى أكرم منه، لا في العالم العلويّ ولا في العالم السفليّ كما تقدم في الباب الأول من الخصائص قال بعضهم: كيف يمكن انفكاك المؤمن المعظّم للنبي- ﷺ المعتقد شرف تلك البقعة أن يشدّ الرّحال إليها ويدخل المسجد ويصلي فيه ولا يصلي إلى الروضة الشريفة التي في الحجرة؟ وفي الحديث أنها روضة من رياض الجنة، وكيف يصلي إلى الروضة والقبر ويعلم أن رسول الله- ﷺ يسمع كلامه إذا سلم عليه، ويرد ﵇ ويسعه أن لا يقصد الحجرة الشريفة والقبر ويسلم على رسول الله- ﷺ إن وقع هذا لأحد لا يكون قلبه معمورا بحبّ النبي- ﷺ ومن تداركه الله تعالى برحمته وجد من نفسه ذلك، وكذلك لو قصد زيارة قبره- ﷺ لم ينفك قصده عن قصد المسجد وهذا شأن الزّوّار.
الرابع: قال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ: بعد أن ذكر حديث الصحيحين أنه- ﷺ كان يأتي مسجد قباء راكبا وماشيا وليس في إتيانه- ﷺ مسجد قباء ما يعارض
قوله- ﷺ : «لا تعمل المطيّ»
لأن قوله ذلك معناه عند العلماء فيمن نذر على نفسه صلاة
стр. 5641
في أحد المساجد الثلاثة أنه يلزمه إتيانها دون غيرها، وأما إتيان قباء وغيرها من مواضع الرباط فلا بأس بإتيانها بدليل حديث قباء هذا.
وقال العلامة ابن جملة: وهذا الذي ذكره هو الحق الذي لا محيد عنه، ولهذا تجد الأئمة من الفقهاء والمحدثين يذكرون الحديث في باب النّذر، والسفر للجهاد، وتعلم العلم الواجب، وبر الوالدين، وزيارة الإخوان والتفكير في آثار صنع الله كله مطلوب للشارع وجوبا واستحبابا والسفر للتجارة والأعراض الدنيوية جائز، وكله خارج من هذا الحديث، فلم يبق إلا شد الرحل للمعصية وحينئذ هو الممنوع، ولا يختص المنع بشد الرحل باستحسان الله، أيكون السفر لزيارة النبي- ﷺ من هذا القسم لقد اجترأ على الله وعلى رسوله من قال هذا، وهو كلام يدور حول الاستهانة وسوء الأدب في إطلاقه ما يقتضي كفر قائله نعوذ بالله من الخذلان، وكذلك ليس
قوله- ﷺ «لا تتخذوا قبري عيدا وتجعلوا بيوتكم صورا»
ما يعارض ما تقدّم، لأن سياقه يقتضي دفع توهم من توّهم أن الصلاة عليه- ﷺ لا تكون مؤثّرة إلا عند قبره فيفوت بسبب ذلك ثواب الصّلاة عليه من بعد، ولهذا قال- ﷺ : «صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم» .
ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في جواز السفر وشد الرحل، لغرض دنيوي كالتجارة، فإذا جاز ذلك فهذا أولى، لأنه من أعظم الأغراض الأخروية فإنه في أصله من الآخرة لا سيما في هذا الموضع، ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في جواز السفر وشدّه.
стр. 5642
الباب الحادي عشر في حياته في قبره وكذلك سائر الأنبياء- عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام -
قال الشيخ- رحمه الله تعالى- في كتابه «أنباء الأزكياء بحياة الأنبياء» : حياة النبي- ﷺ في قبره هو وسائر الأنبياء معلومة عندنا علما قطعيا لما قام عندنا من الأدلة في ذلك وتواترت به الأخبار.
وقال الشيخ جمال الدين الأردبيلي الشافعيّ في كتابه «الأنوار في أعمال الأبرار» : قال البيهقي في كتاب «الاعتقاد» : الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، وقد رأى النبيّ- ﷺ جماعة منهم وأمّهم في الصلاة وأخبر وخبره صدق، أن صلاتنا معروضة عليه، وأن سلامنا يبلغه، والله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
وقال القرطبي في «التذكرة» في حديث الصّعقة نقلا عن شيخه: الموت ليس بعدم محض، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك إن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا في الشهداء فالأنبياء أحق بذلك وأولى وقد صح أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأنه- ﷺ اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء ورأى موسى قائما يصلي في قبره
وأخبر- ﷺ بأنه يرد السلام على كل من يسلم عليه
إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيّبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة فإنّهم موجودون أحياء ولا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه الله بكرامة من أوليائه.
وقال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي شيخ الشافعية في «فتاويه» : قال المتكلمون المحققون من أصحابنا إن نبينا- ﷺ حيّ بعد وفاته وإنه يسرّ بطاعات أمته ويحزن بمعاصي العصاة منهم وأنه تبلغه الصلاة من يصلي عليه من أمته.
وقال: أن الأنبياء لا يبلون ولا تأكل الأرض منهم شيئا، وقد مات موسى في زمانه وأخبر نبينا- ﷺ أنه رآه في قبره مصليا وذكر في حديث المعراج أنه رآه في السماء وآدم وإبراهيم وقالوا له: مرحبا، وإذا صح لنا هذا الأصل قلنا نبينا- ﷺ قد صار حيا بعد وفاته وهو على نبوته انتهى.
وقال سيدي الشيخ عفيف الدين اليافعي- رحمه الله تعالى-: الأولياء ترد عليهم أحوال
стр. 5643
يشاهدون فيها ملكوت السموات والأرض وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات كما نظر النبي- ﷺ إلى موسى ﵇ في قبره.
قال: وقد تقرر أن ما جاز للأنبياء من معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التّحدّي قال: ولا ينكر ذلك إلا جاهل، ونصوص العلماء في حياة الأنبياء كثيرة فلنكتف بهذا القدر.
وروى أبو داود والنسائي وابن ماجة عن أوس الثقفي مرفوعا. [إنّ من أفضل أيّامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصّلاة فيه، فإنّ صلاتكم تعرض عليّ قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت- يعني بليت- فقال: إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء] .
وروى الإمام أحمد وأبو داود والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇» .
وروى أبو يعلى: حدثنا أبو الجهم الأزرق بن علي، حدثنا يحيى بن أبي بكر، حدثنا المسلم بن سعيد عن الحجّاج- زاد ابن عدي- ابن الأسود عن ثابت البنانيّ.
قال الحافظ في «التقريب» : أبو الجهم الأزرق صدوق يغرب ويحيى بن أبي بكير من رجال البخاري والمستلم بن سعيد قال الإمام أحمد: شيخ ثقة.
وقال النسائي: لا بأس به وذكره ابن حبّان في «الثقات» .
وقال الحافظ: صدوق عابد ربما وهم، وشيخه الحجّاج.
قال الحافظ عبد الغني بن سعيد في الإيضاح: الإشكال هو حجّاج بن حجاج، وهو حجاج الأسود الذي روى عنه جعفر بن سليمان، ومستلم بن سعيد وهو حجاج الباهليّ، وهو الحجاج بن الحجاج، وهو حجاج الأحول، وهو حجّاج زق العسل انتهى.
وحجاج هذا قال الإمام أحمد: ليس به بأس.
وقال ابن معين: ثقة.
وقال أبو حاتم: ثقة من الثقات صدوق.
وقال الحافظ: ثقة وثابت لا يسأل عنه.
وقال الحافظ عبد الغني بن سعيد: حدثنا إبراهيم بن علي الجبائي، حدثنا يحيى بن محمد بن ساعدة. حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى بن أبي بكير ثنا يحيى بن أبي بكير به.
وقال ابن عدي: حدثنا قسطنطين بن عبد الله الرومي، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني
стр. 5644
الحسن بن قتيبة المدائني ثنا المستلم بن سعيد عن الحجاج بن الأسود عن ثابت البناني عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن النبي- ﷺ قال: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون» .
وروى أبو يعلى عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده لينزلن عيسى ابن مريم ثم لئن سلم عليّ لأجبته» .
وروى محمد بن يحيى بن أبي عمر- برجال ثقات- عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إن عيسى ابن مريم يكون مارّا بالمدينة حاجا أو معتمرا ولئن سلّم عليّ لأردّنّ عليه» .
وروى ابن النّجّار عن إبراهيم بن يسار قال: حججت في بعض السنين فجئت المدينة فتقدمت إلى قبر رسول الله- ﷺ فسلّمت عليه فسمعت من داخل الحجرة: وعليك السلام.
قال البازري في «التوثيق» : أن سليمان بن شحم قال: رأيت النبي- ﷺ في النّوم فقلت: يا رسول الله، هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك، أتفقه سلامهم قال: نعم وأردّ عليهم.
وروى أبو نعيم في «الدلائل» عن سعيد بن المسيب قال: لقد رأيتني ليالي الحرّة، وما في المسجد غيري، وما يأتي وقت أذان إلا سمعت الأذان من القبر.
وروى الزبير بن بكّار عنه قال: لم أزل أسمع الأذان والإقامة في قبر رسول الله- ﷺ أيام الحرّة حتى عاد الناس.
وروى ابن سعد عنه أنه كان يلازم الناس أيام الحرّة والناس يقتتلون قال: فكنت إذا حانت الصّلاة أسمع أذانا يخرج من القبر الشريف.
وروى الدارميّ في مسنده: أنبأنا مروان بن محمد عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرّة لم يؤذّن في مسجد رسول الله- ﷺ ثلاثا ولم يقم ولم يبرح سعيد بن المسيب المسجد وكان لا يعرف وقت الصّلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي- ﷺ .
وروى ابن ماجة بإسناد جيد عن أبي الدرداء- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «أكثروا عليّ من الصّلاة يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإنّ أحدا لن يصلي عليّ إلا عرضت عليّ صلاته حين يفرغ منها» قال: قلت: وبعد الموت؟
قال: وبعد الموت إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-.
قال ابن ماجة: فنبي الله حيّ يرزق في قبره.
стр. 5645
ورواه الطبراني- بلفظ-: ليس من عبد يصلّي عليّ إلا بلغني صوته حيث كان،
ورجالهما ثقات، لكنه منقطع.
وروى البيهقي في «الشّعب» والأصبهاني في «الترغيب» عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلّى عليّ نائيا بلّغته.
وروى البخاري في «تاريخه» عن عمار- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «أن الله تعالى خلق ملكا أعطاه أسماع الخلائق قائما على قبري، فما من أحد يصلّي عليّ صلاة إلا بلغنيها» .
وروى البيهقي في «حياة الأنبياء» والأصبهانيّ في «الترغيب» عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من صلّى عليّ مائة مرّة في يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة قضى الله له مائة حاجة سبعين من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا، ثم وكّل الله بذلك ملكا يدخله عليّ في قبري كما يدخل عليكم الهدايا، إن علمي بعد موتي كعلمي في الحياة» .
ولفظ البيهقي: يخبرني بمن صلى علي بعد موتي باسمه ونسبه فأثبته عندي في صحيفة بيضاء.
وروى البيهقي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- عن النبي- ﷺ قال: «أن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكن يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور» .
قال البيهقي: المراد والله تعالى أعلم لا يصلون إلا هذا المقدار، ثم يكونون مصلين، فيما بين يدي الله .
وقال الثوري في «جامعه» : قال شيخ لنا عن سعيد بن المسيب قال: ما مكث نبي في قبره أكثر من أربعين صباحا حتى يرفع.
ورواه عبد الرزاق في «مصنّفه» عن الثّوريّ عن أبي المقدام عن سعيد به.
قال الزركشيّ وأبو المقدام هو ثابت بن هرمز شيخ صالح.
قلت: ويقال: اهريمز وثقه ابن المديني وأبو داود والنسائي ويعقوب وابن سفيان.
قال الحافظ في «القريب» : صدوق يهم.
وقال ابن القطّان: لا أعلم أحدا ضعّفه غير الدارقطنيّ ومثل هذا لا يقال من جهة الرأي.
стр. 5646
وروى أبو الشيخ عن شيخه عبد الرحمن بن أحمد الأعرج: حدثنا الحسن بن صباح: «من لم يوص لم يؤذن له في الكلام مع الموتى» ، قيل: يا رسول الله- ﷺ وهل تتكلم الموتى؟ قال: «نعم ويتزاورون» .
وروى ابن حبان: في «المجروحين» من طريق الحسن بن يحيى الخشني عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «ما من نبيّ يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا حتى ترد إليه روحه»
الحسن ضعفه الأكثر وقال دحيم: لا بأس به.
وقال أبو حاتم: صدوق سيّء الحفظ ووثّقه ابن معين في رواية ابن أبي مريم.
وقال أبو داود: لا بأس به.
وقال الشيخ في تهذيب موضوعات ابن الجوزي: لهذا الحديث شواهد يرتقى بها إلى درجة الحسن.
قال البيهقي: فعلى هذا يصيرون كسائر الأحياء يكونون حيث ينزلهم الله تعالى.
تنبيهات
الأوّل: قال السيد نور الدّين السمهوديّ في «تاريخ المدينة» : وإن صحّ ما قاله ابن المسيب فالقبر الشريف له به علاقة روحانية وله نسبة إليه مع أنّا قطعنا بوصفه- ﷺ به فنستصحبه حتى يقوم قاطع على خلافه وساق ما أخبر به سعيد بن المسيب من سماعه الأذان والإقامة من القبر أيام الحرّة مع أنه قد جاء عن غير ابن المسيب ما يقتضي الاستمرار، فقد قال عثمان بن عفان أيام حصاره: لن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله- ﷺ فيها.
وروى ابن عساكر بسند جيد عن بلال أنه لما نزل ب «داريا» من أرض الشام رأى النبي- ﷺ وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما إنّ لك أن تزورني فانتبه حزينا خائفا، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي- ﷺ فجعل يبكي ويمرغ وجهه عليه فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا: نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذّن به لرسول الله- ﷺ في المسجد فعلا سطح المسجد ووقف موقفه الذي كان يقف فيه فلمّا أن قال:
الله أكبر، ارتجّت المدينة فلما أن قال:
أشهد أن لا إله إلا الله ازدادت رجّتها، فلمّا أن قال: أشهد أن محمدا رسول الله، خرجت العواتق من خدورهنّ، وقالوا: بعث رسول الله- ﷺ فما رئي يوم أكثر باكيا ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله- ﷺ من ذلك اليوم.
стр. 5647
وقال الإمام العلامة جمال الدين محمود بن جملة: نبينا- ﷺ أحياه الله تعالى بعد موته حياة تامّة واستمرت تلك الحياة إلى الآن، وهي مستمرة إلى يوم القيامة، وليس هذا خاصّا به- ﷺ بل يشاركه الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- أجمعين.
والدليل على ذلك أمور كثيرة:
أحدها: قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩] فقيل: وجه الدلالة منها من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الحياة في البرزخ حاصلة لآحاد الأمّة من الشّهداء، وللشّهداء بذلك مزيّة على غيرهم ممّن ليس بشهيد، فما لهم أفضل ممن لم يكن له هذه المرتبة، ولا يكون رتبة أحد من الأمة أعلى درجة من رتبة النبي- ﷺ ولا ثوابه أكمل ولا حاله أحسن.
الثاني: أن الذين قتلوا في سبيل الله إنما استحقوا هذه الرّتبة بالشّهادة، والشّهادة حاصلة له- ﷺ على أتم الوجود وأكملها، لأنّ الشّهيد سمّي شهيدا إذ الشهادة الموت أو الشهادة لله أو الشّهادة على الناس يوم القيامة، أو لمشاهدة ثواب الله- ، أو لمشاهدة ملائكته، وهذه الرتبة للنبي- ﷺ أكمل من الأمة وأعلاها الشهادة لله تعالى والشهادة على النّاس وشهادة النبي- ﷺ أسمى وأعظم فإنه- ﷺ شهد على الشهداء قال الله تعالى:
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣] فإن توهم متوهم أن هذا من خصائص القتلى، فالنبي- ﷺ قد حصل له ذلك كما بيناه في باب أن الله تعالى اختار له مع النبوة الشهادة في أبواب الوفاة فراجعه.
وقال الحافظ عبد الغني المقدسيّ الحنبليّ: صاحب «العمدة» المشهورة في جواب سؤال ما نصّه: سألت: - أحسن الله لنا ولك التوفيق لم يحبّ ويرضى عن صلاة نبينا وسيّدنا المصطفى المرتضى سيّد الخلق في الآخرة والأولى بإخوانه النبيين والمرسلين، هل صلّى بأجسادهم أم بأرواحهم، فاعلم- رحمك الله- أنّ مذهب أهل الحقّ القائلين بسنة رسول الله- ﷺ [إنّ الإسراء كان برسول الله- ﷺ ] [ (١) ] بجسده وروح يقظة لا مناما، فقد ورد به القرآن العزيز وورد به الخبر الصحيح، قال الله : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الإسراء: ١] الآية، وتواترت الأخبار الصّحيحة بذلك.
قال: فإن ثبت هذا، فاعلم أن الأنبياء أحياء في قبورهم.
стр. 5648
روى حديث أوس بن أوس قال: وهو حديث حسن صحيح، أخرجه أبو داود والنّسائي وجماعة، وقد روى مسلم عن أنس أن النبي- ﷺ قال: «مررت ليلة أسري بي على موسى وهو قائم يصلي في قبره»
وهذا من صفة الأجساد لا من صفة الأرواح.
قال: وفي حديث حسن في الإسراء أن النبي- ﷺ قال: فدخلت المسجد فعرفت النبيين ما بين قائم وراكع وساجد، وقد صحّ في أحاديث كثيرة أن آدم وإبراهيم- ﷺ قالا له: مرحباً بالأخ الصالح، وصحّ أنه لما لقي موسى وجاوزه بكى موسى وقد وصف- ﷺ الأنبياء فقال: رأيت موسى قائما يصلّي، كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى قائما يصلي كأنه عروة بن مسعود الثقفيّ، وأما إبراهيم فأشبه الناس بصاحبكم- يعني نفسه- ﷺ وهذه صفة الأجساد لا صفة الأرواح، وقد أخبر- ﷺ أنه لما لقي موسى بعد أن فرض الله عليه خمسين صلاة فقال له: إنّي جربت النّاس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، ففعل ذلك مرارا إلى أن أمره الله بخمس صلوات،
ومحال أن يكون هذا الخطاب من روح موسى دون جسده، والقائل بذلك مخالف للنّقل والعقل ونمنع أن يراهم في أجسادهم ويصفها، ويخاطبهم ويخاطبونه ثم يصلّي بالأرواح دون الأجساد، والصلاة في اللغة:
الدّعاء.
وفي الشريعة: عبارة عن القراءة مع القيام والركوع والسّجود.
وقيام الأرواح وقعودها وقراءتها غير مدرك ولا معقول ولا منقول، فتبارك الذي خص محمداً عبده ورسوله وخيرته من خلقه. فإن قال قائل: كيف صلّى بهم في بيت المقدس ثم رآهم في السّماء؟.
فنقول، وبالله التوفيق: إن الذي أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إلى السّماء إلى سدرة المنتهى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم رجع إلى مكّة قبل الصّبح هو الذي أراه إياهم كيف يشاء وجمعهم له أين يشاء، فسبحان الذي لا يحاط بقدرته، ولا تنتهي عظمته، ولا تدرك حقيقته وهو على كل شيء قدير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، انتهى كلام الحافظ عبد الغني المقدسي ﵀.
وفي صحيح مسلم أن رسول الله- ﷺ قال: إن إبراهيم ابني مات، وإنه مات في الثّدي وإن له لظئرين تكمّلان رضاعه في الجنة.
ووجه الدّلالة من هذا الحديث ظاهرة وأن تكملة الرضاع إنما هو في الدّنيا، وإذا كان هذا في حقّ ولده- ﷺ كرامة له فلأن يثبت في حقّه الحياة- ﷺ بطريق أولى.
وروى أبو داود الطيالسي بسند صحيح أن رسول الله- ﷺ قال: لما مات إبراهيم:
إن له مرضعاً في الجنة.
стр. 5649
فقد تبين لك- رحمك الله من الأحاديث السابقة- حياة النبيّ وسائر الأنبياء- ﷺ وقد قال الله في الشهداء: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩] والأنبياء أولى بذلك فهم أجل وأعظم وقلّ نبيّ إلاّ وقد جمع مع النبوة وصف الشهادة، فيدخلون في عموم لفظ الآية، فثبت كونه- ﷺ حي في قبره بنص القرآن إمّا من عموم اللّفظ وإما من مفهوم الموافقة.
الثاني: إن قيل: إن
قوله- ﷺ : «إلا ردّ الله إليّ روحي»
يقتضي مفارقة الرّوح لبدنه الشريف في بعض الأوقات، وذلك لا يلتئم مع كونه حيّا على الدوام.
وقال الشيخ الإمام العلّامة علاء الدين القونويّ الشافعيّ في «آداب البحث» له: ظاهرة رد روحه- ﷺ عند سلام أول من سلّم عليه- ﷺ بعد وفاته، ثم إما أنه أن يقال: باستمرار حياته بعد ذلك، وبقاء روحه المباركة في جسده الشّريف، كما كان قبل، وهو المدّعى ويحسن على هذا أن يقدر في حديث لفظة «قد» بعد أداة الاستثناء حتى يكون المعنى: ما من أحد يسلّم عليّ إلا قد رد الله علي روحي. انتهى.
وهذا أحد الأجوبة قاله البيهقي.
وبهذا جزم الإمام العلامة جمال الدين محمود بن جملة خطيب الجامع الأمويّ في كتاب الصلاة على النبي- ﷺ : وهو كتاب جليل ولم يطلع عليه شيخنا رحمه الله تعالى، وقد أوضح الشّيخ بلك في «فتاويه» قبل الوقوف على كلام البيهقي فقال في فتاويه: إن قوله:
«ردّ الله تعالى» جملة حالية وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا وقعت فعلا ماضيا قدّرت فيها «قد» كقوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [النساء: ٩٠] أي قد حصرت، وكذا هنا تقدر الجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد «وحتّى» ليست للتعليل بل مجرد حرف عطف بعمى «الواو» فصار تقدير الحديث: ما من أحد يسلّم عليّ إلا قد رد الله علي روحي قبل ذلك وأردّ عليه، وإنما جاء الإشكال من ظنّ أن جملة «ردّ الله» بمعنى الحال أو الاستقبال وظن أن «حتّى» تعليلة وليس كذلك وبهذا الذي قررناه ارتفع الإشكال من أصله.
قال: ثم بعد ذلك رأيت الحديث مخرّجا في كتاب «حياة الأنبياء» للبيهقي بلفظ: «إلّا وقد رد الله علي روحي» فصرح فيه بلفظ «قد» ورواية إسقاطها محمولة على إضمارها وأن حذفها من تصرّف الرواة، ومراد الحديث الإخبار بأن الله تعالى يردّ إليه روحه بعد الموت فيصير حيّا على الدوام حتى لو سلّم عليه أحد ردّ عليه سلامه لوجود الحياة فيه فصار الحديث موافقا للأحاديث الواردة في حياته في قبره، ويؤيّده من حيث المعنى أنّ الرد لو أخذ بمعنى الحال أو الاستقبال لزم تكراره عند تكرّر المسلّمين، وتكرّر الرّدّ يستلزم تكرار المفارقة، وتكرار المفارقة يلزم عليه محذوران:
стр. 5650
أحدهما: تألّم الجسد الشريف بتكرّر خروج الرّوح منه أو نوع ما من مخافة التكرار أن لم يكن تأليما.
والآخر: مخالفة سائر الناس الشهداء وغيرهم، فإنه لم يثبت لأحد منهم أنه يتكرر له مفارقة الرّوح وعودها إلى البرزخ، والنبي- ﷺ أولى بالاستمرار الذي هو أعلى مرتبة.
ومحذور ثالث وهو مخالفة القرآن فإنه دلّ على أنه ليس إلا موتة وحياتان، وهذا التكرير يستلزم موتات كثيرة وهو باطل انتهى.
ثم قال القونوي: وإما أن يقال يردها عند سلام المسلّم الأوّل ثم قبضها بعد ذلك، ثم ردها عند مسلّم آخر وهكذا كلّما سلم عليه المسلمون، وهذا لم يقل به أحد، ولا يجوز اعتقاده أيضا، فإنه يفضى إلى توالى موتات لا تحصى ورد الروح مرّات لا تحصى، فإن كل مصلّ يسلّم عليه في صلاته مرة أو مرتين وغير المصلّي أيضا يسلّم عليه، ويختلف أوقات سلامهم فلا يخلو ساعة من الساعات من سلام عليه ولا يخفى ما في التزام تكرار الرّدّ بتكرار ذلك المحذور فتعين القول بردّها عليه- ﷺ بعد موته مرّة واحدة لرد السّلام على المسلّم الأول واستمرار الحياة بعد ذلك إلى يوم القيامة فيكون النبي- ﷺ حيّا في قبره ثم أيّد ذلك
بما رواه مسلم عن أنس مرفوعا، رأيت موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره.
الجواب الثّاني: قال السّبكيّ: يحتمل أن يكون ردّا معنويّا، وأن تكون روحه الشريفة مستقلة بشهود الحضرة الإلهية والملأ الأعلى عن هذا العالم فإذا سلّم عليه أقبلت روحه الشريفة على هذا العالم فيدرك سلام من سلم عليه، أو يرد عليه.
الثالث: قال الشيخ: إن لفظ «الرّدّ» قد لا يدل على انفكاك المفارقة: بل كنّى به عن مطلق الصّيرورة كما قيل في قوله تعالى حكاية عن شعيب- ﵊ قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ [الأعراف: ٨٩] إن لفظ العود أريد به مطلق الصّيرورة لا العود بعد الانتقال، لأن شعيبا- ﵊ لم يكن في ملتهم قطّ، وحسن استعمال هذا اللفظ في هذا الحديث مراعاة للمناسبة اللفظية بينه وبين قوله: «حتى أرد ﵇» في لفظ الرّدّ في صدر الحديث لمناسبة ذكره في آخر الحديث.
الرابع: قال الشّيخ: ليس المراد برد الروح عودها بعد المفارقة للبدن، وإنما النبي- ﷺ في البرزخ مشغول بأحوال الملكوت مستغرق في مشاهدة ربّه كما كان في الدّنيا في حاله بالوحي، وفي أوقات أخر فعبر عن إفاقته من تلك المشاهدة، وذلك الاستغراق بردّ الرّوح، ونظير هذا قول العلماء في اللفظة التي وقعت في بعض أحاديث الإسراء لم يكن
стр. 5651
مناما، وإنما المراد الإفاقة ممّا خامر من عجائب الملكوت.
قلت: وفي حديث أبي أسيد حين جاء بانه إلى رسول الله- ﷺ ليحنّكه فوضعه على فخذ رسول الله- ﷺ واشتغل رسول الله- ﷺ بالحديث مع النّاس فرفع أبو أسيد ابنه ثم استيقظ رسول الله- ﷺ فلم يجد الصّبيّ فسأل عنه فقالوا: رفع فسماه الراوي استيقاظا.
وفي حديث عائشة في ذهاب رسول الله- ﷺ إلى الطائف فكذّبوه، قال: فرجعت مهموما، فلم أستفق إلّا ب «قرن الثّعالب» أي: أفاق مما كان فيه والله تعالى أعلم.
الخامس: قال الشيخ: إن الرّدّ للرّوح يستلزم الاستمرار، لأن الزمان لا يخلو ممن يصلي عليه في أقطار الأرض.
السّادس: قد يقال: أوحى الله إليه بهذا الأمر أولا قبل أن يوحى إليه فإنه لا يزال حيّا في قبره فأخبره به أوحى إليه بعد ذلك فلا منافاة بتأخير الخبر الثاني عن الأوّل.
قلت: وهذا يحتاج إلى نقل، والله تعالى أعلم.
السّابع: قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني في كتابه «الفجر المنير [فيما فضل به البشير النذير» ] : المراد بالروح هنا النّطق مجازا فكأنه- ﷺ قال: إلا ردّ الله إليّ نطقي وهو حيّ على الدوام، لكن لا يلزم من حياته نطقه، فالله يردّ عليه النطق عند سلام كل مسلّم، وعلاقة المجاز أن النّطق من لازمه وجود الروح، كما أن الروح من لازمه وجود النّطق بالفعل والقوة، فعبّر- ﵊ بأحد المتلازمين عن الآخر، وفي تحقيق ذلك أن عود الروح لا يكون إلا مرتين عملا بقوله تعالى: قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [غافر: ١١] قال الشيخ رحمه الله تعالى: في كلامه أمران:
أحدهما: أنّه عزى الحديث للتّرمذي وإنما رواه أبو داود.
الثاني: ظاهر كلامه أن النبي- ﷺ مع كونه حيّا في البرزخ يمنع عنه النّطق في بعض الأوقات، ويرد عليه عند سلام المسلّم عليه، وهذا بعيد جدّا بل ممنوع فإن العقل والنقل يشهدان بخلافه.
أما النّقل فإن الأخبار الواردة عن حاله وحال الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- في البرزخ مصرّحة بأنهم ينطقون كيف يشاءون لا يمنعون من شيء بل وسائر المؤمنين كذلك، والشهداء وغيرهم ينطقون في البرزخ بما شاءوا غيره من شيء ولم يرد أن أحدا يمنع من النطق في البرزخ إلا من مات عن غير وصيّة.
وروى أبو الشيخ ابن حبان في كتاب «الوصايا» : عن قيس بن قبيصة قال: قال
стр. 5652
رسول الله- ﷺ من لم يوص لم يؤذن له في الكلام مع الموتى قيل: يا رسول الله، وهل نكلم الموتى؟ قال: «نعم» .
قال السبكيّ: حياة الأنبياء والشهداء في القبر كحياتهم في الدّنيا ويشهد له صلاة موسى في قبره، فإن الصلاة تستدعي جسدا جيّدا، وكذلك الصفات المذكورة في الأنبياء ليلة الإسراء كلّهم صفات الأجسام ولا يلزم من كونها حياة حقيقية أن تكون الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشّراب، وأما الحركات كالعلم والسّماع فلا شكّ أن ذلك ثابت لهم ولسائر الموتى، وأما العقل، فلأن الحبس عن النطق في بعض الأوقات فيه نوع حصر وتعذيب، ولهذا عذب به تارك الوصيّة والنبي- ﷺ منزه عن ذلك، ولا يلحقه بعد وفاته حصر أصلا بوجه من الوجوه كما
قال لفاطمة- رضي الله تعالى عنها-: في مرض وفاته «لا كرب على أبيك بعد اليوم»
وإذا كان الشهداء وسائر المؤمنين من أمته إلا من استثنى من المعذّبين لا يحصرون بالمنع من النّطق فكيف به- ﷺ .
فائدة:
لفظ: الحديث الذي سقناه لفظ البيهقي.
ولفظ: أبي داود «إلا رد الله علي» .
قال الشيخ: ورواية البيهقي ألطف وأنسب، فإنّ بين التّعديتين فرقا لطيفا فإنّ رد يعدّى ب «على» في الإهانة وب «إلى» في الإكرام.
قال في «الصحاح» : ردّ عليه الشّيء إذا لم يقبله، وكذا إذا خطأه وتقول: ردّه إلى منزله وردّ إليه جوابا أي رجع.
وقال الراغب: من الأول قوله تعالى: يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [آل عمران: ١٤٩] وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا [الأنعام: ٧١] ومن الثاني: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ [القصص: ١٣] وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦] ، ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [التوبة: ٩٤] ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦٢] .
وذكر الشيخ- رحمه الله تعالى- أجوبة كثيرا فليراجعها من أرادها من فتاويه.
قلت: وأقوى الأجوبة الأول ونكتته الثالث والرابع.
الثالث: لا يقال: لو كان النبي- ﷺ حيّا في قبره دائما لزم كونه محصورا في القبر أو مسجونا فيه لأنّا نقول: قد ورد أن المؤمن يفسح له في قبره كمدّ البصر فكيف بالنبي- ﷺ .
الرابع: إن قيل: فإذا كانوا أحياء قد أحياهم الله تعالى بعد موتهم فيلزم من ذلك أنهم
стр. 5653
يموتون موتة ثانية عند النّفخ في الصّور فيذوقون الموت أكثر من غيرهم أجاب الإمام الحافظ صلاح الدين العلائيّ في ترجمة موسى- ﷺ بأنه إذا نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض، فلا شك أن صعق غير الأنبياء بالموت وأما صعق الأنبياء فالظاهر أنه غشية وزوال استشعار لا موت كغيرهم، لئلا يلزم أنهم يموتون مرّتين، وهذا ما اختاره الإمام البيهقي والقرطبيّ وغيرهما أن صعقهم يومئذ ليس موتا بل غشيّ أو نحوه.
ويدل لصحته
قوله- ﷺ : «أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور فلم يكن حيّا قبلي»
فإن هذا يقتضي أنه إذا نفخ النفخة الثالثة وهي نفخة البعث يفيق من كان مغشيّا عليه، ويجيء من كان ميتا والنبي- ﷺ وكذلك غيره من الأنبياء لم يحصل لهم إلا الغشي.
والحاصل إن نبينا- ﷺ تحقّق أنه أول من يفيق وأول من يخرج من قبره قبل النّاس كلّهم الأنبياء وغيرهم إلا موسى- ﵊ فإنه يحصل له تردّد هل بعث قبله أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصّعق.
قال العلائيّ: وهذا وجه أقوى ما يقرر عليه هذا الحديث وهو الذي لا يصح غيره.
[الحرة: ...
الهمهمة: ...
الصّور:] [ (١) ] ...
стр. 5654
الباب الثاني عشر في صلاته في قبره وكذلك سائر الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام -
قال الإمام جمال الدين الأردبيلي في «الأنوار» في الفقه والأنبياء.
روى أبو نعيم والبيهقي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون» .
وروى أبو نعيم في «الحلية» عن يوسف بن عطية قال: سمعت ثابتا يقول لحميد الطويل: هل بلغك أن أحدا يصلي في قبره إلا الأنبياء؟ قال: لا.
وروى مسلم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن النبي- ﷺ ليلة أسرى به مرّ على موسى- ﵊ وهو قائم يصلي في قبره.
وروى أبو نعيم في «الحلية» عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ مرّ بقبر موسى- ﵊ وهو قائم يصلي فيه.
تنبيهات
الأول: قال العلامة جمال الدين محمود بن جملة: وهذا الحديث صريح في إثبات الحياة لموسى- ﷺ فإنه وصفه بالصلاة وذكر أنه كان قائما ومثل هذا لا يوصف به الرّوح فقط، وإنّما يوصف به مع الجسد فإنه لا يقوم يصلي إلا بعودة الروح إليه، فتلك كرامة عظيمة فإنّه يفسح له في قبره فيكون عمله في العبادة متصل بعد وفاته وهذه الرواية رؤية عين، لأن مذهب أهل السنة أن الإسراء كان بالجسد، وإن سلم أنه بالروح فرؤية الأنبياء حقّ لا شكّ فيها.
الثاني: إن قيل: إنّ الصّلاة من أعمال الدّنيا فكيف يصلي من فارق الدّنيا أجيب بأن الصّلاة هنا قد تكون بمعنى الدّعاء والذكر وهو من أعمال الآخرة.
الثّالث: روى ابن أبي بشر عن شيبان بن جسر عن أبيه قال: كنت فيمن أدخل ثابت البناني في قبره فرفعت لبنة أصلحها فإذا بالقبر وفيه ثابت يصلّي، فطبقت اللبنة، ثم سألت أهله فقلت أخبروني ما كان ثابت يسأل ربه ؟ فقالت: كان يقول: اللهم، إن كنت أعطيت أحدا الصلاة في قبره فأعطيني ذلك وجاءت هذه الحكاية من غير وجه، والله تعالى أعلم.
стр. 5655
الباب الثالث عشر في عرض أعمال أمته عليه، زاده الله فضلا وشرفا لديه
روى الإمام أحمد والنسائي وابن حبان والطبراني في «الكبير» وأبو الشيخ في «العظمة» والبزّار- بسند صحيح- وأبو نعيم في «الحلية» والحاكم والبيهقي في «الشعب» عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «أن لله ملائكة سيّاحين يبلّغونني عن أمّتي السّلام» .
قال: [ ... ] .
وروى الديلمي عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا صلّيتم عليّ فأحسنوا الصّلاة، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليّ فقولوا: اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على سيّد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير وإمام الرحمة، اللهم ابعثه المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون.
قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى-: المعروف أنه موقوف على ابن مسعود.
وروى ابن ماجه والطبراني في «الكبير» عن أبي الدرداء- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «أكثروا من الصلاة على يوم الجمعة، فإنّه يوم مشهود تشهده الملائكة وإنّ أحدا لن يصلّي عليّ إلا عرضت عليّ صلاته حتّى يفرغ منها» قيل: وبعد الموت؟ قال: «وبعد الموت، إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» .
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلّوا عليّ، فإنّ صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم» .
وروى الإمام أحمد في مسنده وابن أبي عاصم في الصّلاة له والبيهقي في «حياة الأنبياء» و «شعب الإيمان» وغيرهما أبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم وابن حبّان وابن خزيمة في صحيحيهما والحاكم وقال: هذا صحيح على شرط البخاريّ ولم يخرّجاه عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله- ﷺ : «من أفضل أيّامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض وفيه النفخة، وفيه الصعقة فأكثروا عليّ من الصّلاة فيه، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرمت؟ يعني- بليت- قال: إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء
انتهى.
стр. 5656
الباب الرابع عشر في حكم تركته- ﷺ وما خلف
روى الإمام أحمد عن أبي بكر- رضي الله تعالى عنه-، أن النبي- ﷺ لا يورث، وإنّما ميراثه للفقراء والمساكين.
روى ابن عساكر عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «والله لا تقتسم ورثتي بعدي دينارا ما تركت من شيء بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة» .
وروى الترمذي وقال: حسن غريب من أبي هريرة أن رسول الله- ﷺ قال: «لا نورث» .
وروى الإمامان مالك وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف والإمامان مالك وأحمد والشيخان عن عائشة ومسلم والترمذي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» .
وروى الإمام أحمد والشيخان والعرني وأبو داود والنسائي: «لا نورث ما تركنا صدقة وإنّما يأكل آل محمّد في هذا المال» .
وروى أبو داود عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- ﷺ : «لا نورث ما تركنا صدقة وإنّما هذا المال لآل محمّد لنائبتهم، ولضيفهم، فإذا متّ فهو إلى وليّ الأمر من بعدي» .
وروى ابن سعد والإمام أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن الجارود وأبو عوانة وابن حبان والبيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن فاطمة- رضي الله تعالى عنها- بنت رسول الله- ﷺ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله- ﷺ ممّا أفاء الله على رسوله وفاطمة حينئذ تطلب صدقة النبي- ﷺ التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: أن رسول الله- ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة إنّما يأكل آل محمّد من هذا المال يعني مال الله ليس لهم أن يزيدوا على المأكل وإنّي والله، لا أغير شيئا من صدقة النبي- ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد النبي- ﷺ ولأعملنّ فيها بما عمل النبي- ﷺ فيها فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا، فوجدت فاطمة على أبي بكر- رضي الله تعالى عنها- في ذلك.
стр. 5657
فقال: والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله- ﷺ أحب إلي أن أصل قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال، فإنّي لم أك فيها عن الحقّ وإنّي لم أكن لأترك فيها أمرا رأيت رسول الله- ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته.
وروى ابن سعد- برجال ثقات- سوى الواقديّ- عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال: «لمّا كان اليوم الذي توفي فيه رسول الله- ﷺ بويع لأبي بكر في ذلك اليوم فلما كان من الغد جاءت فاطمة لأبي بكر معها عليّ فقالت: ميراثي من رسول الله- ﷺ ، فقال أبو بكر- رضي الله تعالى عنه-: أمن الرثة أو من العقد قالت: فدك وخيبر وصدقاته بالمدينة، أرثها كما يرثك بناتك إذا متّ، فقال أبو بكر: أبوك والله خير منّي وأنت والله خير من بناتي، وقد قال رسول الله- ﷺ : «لا نورث ما تركنا صدقة» ، يعني هذه الأموال القائمة، فتعلمين أن أباك أعطاكها فو الله، لئن قلت: نعم لأقبلنّ قولك، ولأصدقنّك قالت: جاءتني أمّ أيمن فأخبرتني أنه أعطاني فدك، قال عمر: فسمعته يقول: هي لك فإذا قلت قد سمعته فهي لك، فأنا أصدقك، وأقبل قولك، قالت قد أخبرتك ما عندي.
وروى ابن سعد عن جعفر قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر، تطلب ميراثها، وجاء العباس بن عبد المطلب يطلب ميراثه وجاء معهما علي
فقال أبو بكر: قال رسول الله- ﷺ : «لا نورث ما تركنا صدقة» وما كان النبي يعول فعليّ فقال علي: وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [النمل: ١٦] وقال زكريا: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [مريم: ٦] قال أبو بكر: هو هكذا، وأنت الله أعلم مثل ما أعلم فقال عليّ: هذا كتاب الله ينطق فسكتوا وانصرفوا.
وروى عبد الرزاق والإمام أحمد وعبد بن حميد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة وابن حبان وابن مردويه والبيهقيّ وأبو عبيد في «الأموال» عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: أرسل إلى عمر بن الخطاب حجبته فجاء يرفأ فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد قال: نعم، ثم جاء، فقال: هل لك في عبّاس وعليّ؟ قال: نعم، فدخلوا، قال عمر: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله- ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» ، فقالوا: نعم، فأقبل على عبّاس وعليّ فقال: أنشدكما بالله الذي تقوم السماء والأرض بإذنه، أتعلمان أن رسول الله- ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» قال: نعم، قال عمر: فإنّ الله كان خصّ رسول الله- ﷺ بخاصّة لم يخصص بها أحدا غيره قال: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى [الحشر: ٧] فقسم رسول الله- ﷺ بينكم أموال بني النضير، فو الله، ما أستأثر عليكم، ولا آخذها دونكم حتى بقي هذا المال، فكان رسول الله- ﷺ يأخذ منه نفقة سنة
стр. 5658
ثم يجعل ما بقي أسوة المال، ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم نشد عباسا وعليّا بمثل ما نشد به القوم: أتعلمان ذلك: قالا: نعم، فلما توفي رسول الله- ﷺ قال أبو بكر: أنا وليّ رسول الله- ﷺ فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها فقال أبو بكر: قال رسول الله- ﷺ : «لا نورث ما تركنا صدقة» فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفي أبو بكر فقلت: أنا ولي رسول الله- ﷺ وولي أبي بكر فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا والله يعلم أني لصادق بار راشد تابع للحق فوليتماني حتى جئتني أنت وهذا وأنتما جميع، وأمركما واحد، فقلتما ادفعها إلينا فقلت: إن شئتم دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه أن تعملا فيه بالذي كان رسول الله- ﷺ وأبو بكر يعملان فيها فأخذتماها بذلك فقال أكذلك؟ قالا: نعم ثم جئتماني لأقضي بينكما ولا والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنها فرداها إليّ.
وروى الإمام أحمد والشيخان والبيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن فاطمة بنت رسول الله- ﷺ سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله- ﷺ أن يقسم لها ميراثها ممّا ترك رسول الله- ﷺ ممّا أفاء الله عليه فقال لها أبو بكر: أن رسول الله- ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» فغضبت فاطمة فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرة حتى توفيت وعاشت بعد رسول الله- ﷺ ستة أشهر فكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها ممّا ترك رسول الله- ﷺ من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة فأبى أبو بكر ذلك، وقال: لست تاركا شيئا كان رسول الله- ﷺ يعمله إلا عملته، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ.
وروى الحميديّ عن زرّ بن حبيش قال: سألت عائشة عن ميراث رسول الله- ﷺ قالت: أعن ميراث رسول الله- ﷺ تسأل؟ ما ترك رسول الله- ﷺ صفراء ولا بيضاء ولا شاة ولا بعيرا ولا عبدا ولا أمة ولا ذهبا ولا فضّة.
وروى البخاري عن عمرو بن الحارث ختن رسول الله- ﷺ أخي جويرية بنت الحارث قال: ما ترك رسول الله- ﷺ عند موته دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة.
وروى الإمام أحمد وابن عساكر عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: مات رسول الله- ﷺ وما ترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة وترك درعه عند يهودي على ثلاثين صاعا من شعير.
وروى ابن عساكر عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: والله، لا تقتسم ورثتي
стр. 5659
بعدي، ما تركت من بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة.
وروى الإمام أحمد وابن عساكر من طرق ومسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما ترك رسول الله- ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء.
وروى البخاري عن ابن عبّاس ومحمد ابن الحنفيّة قال: ما ترك رسول الله- ﷺ إلّا ما بين الدّفّتين.
وروى البخاري عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح رسول الله- ﷺ عند أنس، وكان قد انصدع فسلسله بفضّة قال: وهو قدح عريض من نضار قال معمر: والنّضار شجر ب «نجد» وقال أنس: لقد سقيت رسول الله- ﷺ في هذا القدح وكان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من فضّة أو ذهب فقال أبو طلحة: لا تغيره كما كان عند رسول الله- ﷺ ، فتركه.
وروى عن عيسى بن طهمان قال: أخرج إلينا أنس نعلين جرداوين لهما قبالان، قال:
فحدّثني ثابت بعد عن أنس أنهما نعلا رسول الله- ﷺ .
وروى البيهقي عن فاطمة بنت الحسين أن النبي- ﷺ قبض وله بردان في الحقّ يعملان.
وروى أيضا عن سهل بن سعد قال: توفي رسول الله- ﷺ وله جبّة صوف في الحياكة.
تنبيهات
الأول:
قوله- ﷺ لا نورث ما تركنا صدقة.
قال الباجي: أجمع أهل السّنّة على أن هذا حكم جميع الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-.
وقال ابن عليّة: هذا لنبينا- ﷺ خاصة.
وقالت الإمامية: إن جميع الأنبياء يورثون وتعلّقوا في ذلك بأنواع من التّخليط لا شبهة فيها مع ورود هذا النّصّ.
قال: وقد أخبرني القاضي أبو جعفر السّمناني أن أبا علي بن شاذان وكان من أهل العلم بهذا الشأن إلا أنه لم يكن قرأ عربية فناظر يوما في هذه المسألة أبا عبد الله بن المعلم، وكان إمام الإمامية، وكان مع ذلك من أهل العلم بالعربية فاستدلّ ابن شاذان على أن الأنبياء لا يورثون بحديث: «إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» نصب على الحال.
стр. 5660
فقال له ابن المعلم: أما ما ذكرت من هذا الحديث فإنما هو صدقة نصب على الحال فيقتضي ذلك أن ما تركه النبي- ﷺ علي وجه الصّدقة لا يورث عنه، ونحن لا نمنع هذا وإنما نمنع ذلك فيما تركه على غير الوجه، واعتمد هذه النكتة الغريبة لمّا عرف أنّ ابن شاذان لا يعرف هذا الشّأن ولا يفرق بين الحال وغيرها، فلما عاد الكلام إلى ابن شاذان، قال له: ما ادعيت من
قوله- ﷺ «لا نورث ما تركنا صدقة»
إنّما هو صدقة منصوبة على الحال، وأنت لا تمنع هذا الحكم فيما تركه الأنبياء- صلوات الله عليهم- على هذا الوجه فأنا لا نعلم فرقا بين قوله «ما تركنا صدقة» بالنّصب وبين قوله «ما تركنا صدقة» بالرفع ولا أحتاج في هذه المسألة إلى معرفة ذلك فإنه لا شكّ عندي وعندك أن فاطمة- رضي الله تعالى عنها- من أفصح العرب ومن أعلمهم بالفرق بين قوله: «ما تركنا صدقة» بالنصب و «ما تركنا صدقة» بالرفع، وكذلك العباس بن عبد المطّلب وهو ممن كان يستحق الميراث لو كان موروثا وكان علي بن أبي طالب من أفصح قريش وأعلمهم بذلك وقد طلبت فاطمة ميراث أبيها، فأجابها أبو بكر الصديق بهذا اللّفظ على وجه ففهمت منه أنه لا شيء لها، فانصرفت عن الطّلب، وفهم ذلك العباس وكذلك عليّ وسائر الصحابة ولم يعترض أحد منهم لهذا الاعتراض، وكذلك أبو بكر الصديق المحتجّ به والمتعلّق به، لا خلاف أنه من فصحاء العرب العالمين بذلك لم يورد من هذا اللفظ إلا بما يقتضي المنع، ولو كان اللفظ لا يقتضي المنع لما أورده ولا يتعرق به فإما أن يكون بالنصب يقتضي ما يقوله فادّعاؤك فيما قلت باطل وإما أن يكون الرفع هو الذي يقتضيه فهو المروي وادعاء النّصب فيه باطل.
الثاني: ذكر ابن إسحاق في قصّة تبوك أن النبي- ﷺ أعطى أهل أيلة برده مع كتابه الذي كتب لهم أمانا لهم وهي التي كانت عند الخلفاء اشتراها أبو العباس عبد الله بن محمد بثلاثمائة دينار فهي عندهم.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
لا الا: ...
الرثة: ...
العقد: ...
وليدة: ...
الدّفتين: ...
انصدع: ...
стр. 5661
النّضار: ...
الجرداوين: ...
الحقّ: هو الخشبة التي يلفّ عليها.
الحائك: الثّوب ويسمونه النول، ويقال الحق الذي ينسج به انتهى.
стр. 5662
جماع أبواب زيارته- ﷺ بعد موته وفضلها
الباب الأول في فضل زيارته- ﷺ -
قال القاضي عياض في «الشفاء» وزيارة قبره- ﷺ : سنة من سنن المرسلين [مجمع عليها] [ (١) ] وفضيلة مرغب فيها.
وإذا قرب من المدينة فلينزل عن راحلته ويكفي زائره شرفا
قوله- ﷺ : «من زارني بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي، ومن زارني وجبت له شفاعتي» .
قال ابن الرشيد والإمام العلامة: لما قدمنا المدينة الشريفة في سنة أربع وثمانين وستمائة كان معي رفيقي الوزير أبو عبد الله بن أبي القاسم بن الحكيم وكان أرمد فلما وصلنا دار الخليفة ونحوها نزلنا عن الأكوار وقوى الشوق لقرب المزار فنزل وبادر إلى المشي على قدميه احتسابا بتلك الآثار وإعظاما لمن حل بتلك الديار فأحس بالشفاء في نفسه فأنشد فيّ نفسه لوصف الحال:
ولمّا رأينا من ربوع حبيبنا ... بيثرب أعلاما أثرن لنا الحبا
وبالقرب منها إذ كحلنا عيوننا ... شفينا فلا بأسا نخاف ولا كربا
وحين تبدّى للعيون جمالها ... ومن بعدها عنّا أزيلت لنا قربا
نزلنا على الأكوار نمشي كرامة ... لمن حلّ فيها أن يلمّ بها ركبا
فسحّ سجال الدّمع في عرصاته ... وتلثّم من حبّ لواطئه التّربا
وإنّ بقائي دونه لخسارة ... ولو أنّ كفى تملك الشّرق والغربا
فيا عجبا ممّن يحبّ بزعمه ... يقيم مع الدّعوى ويستعمل الكذبا
وزلّات مثلي لا تعدّد كثرة ... وبعدي عن المختار أعظمها ذنبا
وحكى عن بعضهم أنه لما أشرف على المدينة الشريفة أنشد متمثلا:
رفع الحجاب لنا فلاح لناظري ... قمر تقطّع دونه الأوهام
стр. 5663
وإذا المطيّ بنا بلغن محمّدا ... فظهورهنّ على الرّجال حرام
قرّبننا من خير من وطئ الثّرى ... ولها علينا حرمة وذمام
وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن يعلى بن مرة- رضي الله تعالى عنه- قال: نزلنا منزلا فنام رسول الله- ﷺ فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها فلما استيقظ رسول الله- ﷺ ذكرت له فقال: هي شجرة استأذنت ربها إن تسلم عليّ فأذن لها، فإذا كان هذا حال شجرة فكيف بالمؤمن المأمور بتعظيم هذا النبي الكريم الممتلئ القلب بالشوق إليه.
وروى ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة» .
وروى الدارقطني عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من زار قبري وجبت له شفاعتي» .
ورواه في أماليه من طريق موسى بن هلال عن عبيد الله بن عمر- مصغرا- لكن رواه الدولابي في الكنى من طريق موسى بن هلال فقال عن عبد الله بن عمر العمري أبو عبد الرحمن أخو عبيد الله عن نافع به، ورواه البزار عن طريق عبد الله بن إبراهيم الغفاري وهو متروك.
وروى أبو داود الطيالسي عن سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي قال: حدثني رجل من آل عمر عن عمر قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «من زار قبري أو قال: من زارني كنت له شفيعا وشهيدا» .
وروى الدارقطني من طريق هارون بن أبي قزعة عن رجل من آل حاطب عن حاطب قال: قال رسول الله- ﷺ : «من زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي» .
وروى الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله- ﷺ : «من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي» .
ورواه الدارقطني من طريق آخر بلفظ: «من حجّ فزار قبري فذكره» ورواه أيضا الطبراني بهذا اللفظ.
وروى العقيلي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي، ومن زارني حتّى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيدا أو شفيعا» .
وروى أبو الفتوح سعيد بن محمد في «حزبه» عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه-
стр. 5664
قال: قال رسول الله- ﷺ : «من زارني بعد موتي كمن زارني وأنا حيّ ومن زارني كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» .
وروى يحيى بن الحسن الحسيني وابن عساكر عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال:
قال رسول الله- ﷺ : «من زار قبري بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي ومن لم يزرني فقد جافاني» .
وروى يحيى بن الحسن بن جعفر العلوي عن رجل عن بكر بن عبد الله عن النبي- ﷺ قال: «من أتى المدينة زائرا إليّ وجبت له شفاعتي يوم القيامة»
رجاله لا بأس بهم وبكر بن عبد الله إن كان المدني فهو تابعي جليل فيكون الحديث مرسلا وإن كان هو بكير بن عبد الله بن الربيع الأنصاري فهو صحابي.
تنبيهات
الأول: ضعّف الحافظ يحيى بن علي القرشيّ كون الراوي عبد الله مكبّرا، وصوّب كونه مصغّرا وكذلك صوّبه الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه كما في النسخة التي بخطّ الحافظ البرزالي.
قال ابن عديّ: عبد الله- أي مكبّرا- أصحّ.
قال السبكي: وفيه نظر والذي يترجّح عبيد الله أي مصغّرا لتضافر روايات عبيد بن محمّد كلّها وبعض روايات ابن سمرة ولما سيأتي في الحديث الثّالث من متابعة مسلمة الجهميّ لموسى بن هلال، ويحتمل أن موسى سمع من عبد الله وعبيد الله جميعا، وحدّث به عن هذا تارة وعن هذا أخرى، وممن رواه عن موسى عن عبد الله مكبّرا الفضل بن سهل، فإن صحّ أنه عنهما فلا منافاة على أن المكبر روى له مسلم مقرونا بغيره.
وقال أحمد: صالح، وقال أبو حاتم: رأيت أحمد بن حنبل يحسن الثناء عليه.
وقال يحيى بن معين: ليس به بأس يكتب حديثه.
وقال: إنّه في نافع: إنه صالح.
وقال ابن عديّ: لا بأس به، صدوق.
وقال ابن حبان: ما حاصله: أن الكلام فيه بكثرة غلطه لغلبة الصلاح عليه حتّى غلب عن ضبط الأخبار.
قال السبكي: وهذا الحديث ليس في مظنة الالتباس عليه لا سندا ولا متنا، لأنّه في نافع كما هو خصيص به ومتنه في غاية القصر والوضوح فاحتمال خطئه فيه بعيد، والرواة إلى موسى ثقات لا ريبة فيهم.
стр. 5665
قال ابن عديّ أرجو أنه لا بأس به، وقد روى عنه ستّة منهم الإمام أحمد ومحمد بن جابر المحاربيّ روى عنه شعبة ولم يكن يروي إلا عن ثقة عنده، فلم يبق من الإسناد من ينظر فيه إلا الرّجل المبهم.
قال السّبكي: والأمر فيه قريب لا سيّما في هذه الطبقة التي هي طبقة التابعين وأما قول البيهقي: هذا إسناد مجهول، فإن كان سببه جهالة الرّجل الذي من آل عمر فصحيح، وقد بيّنا قرب الأمر فيه، وإن كان سببه عدم علمه لحال سوار بن ميمون، فقد ذكرنا رواية شعبة عنه، وهي كافية فلا يضرّه قول أبي حاتم الرازي أنه مجهول الحال، وقول العقيلي: لا يتابع عليه، وقول البيهقي: سواء قال عبيد الله أم عبد الله فهو منكر عن نافع عن ابن عمر لم يأت به غيره، فهذا وما في معناه يدلّك على أنه لا علّة لهذا الحديث عندهم إلا تفرّد موسى به وأنهم لم يحتملوه له لخفاء حاله وإلّا فكم من ثقة يتفرد بأشياء ويقبل منه، وأما بعد قول ابن عدي في موسى ما قال، ووجود متابع فإنه يتعين قبوله وعدم رده، ولذلك ذكره الحافظ عبد الحقّ في الأحكام [الصّغرى، والوسطى] [ (١) ] وسكت عنه مع قوله في الصّغرى إنه تغيّرها صحيحة الإسناد معروفة عند النقاد قد نقلها الأنبات وتداولها الثقات.
وقال في الوسطى: وهي المشهورة اليوم بالكبرى: إن سكوته عن الحديث دليل على صحته فيما نعلم انتهى.
وسبقه ابن السكن إلى تصحيح الحديث الثالث، كما سنذكره وهو متضمن لمعنى هذا الحديث وأقلّ درجات الحديث الحسن أن نوزع في صحّته لما سيأتي من شواهده.
هذا وتظافر الأحاديث يزيدها قوّة حتّى إنّ الحسن قد يرتقي بذلك إلى درجة الحديث الصحيح.
ومعنى قوله: «وجبت» أنها ثابتة لا بدّ منها بالوعد الصّادق.
وقوله له إما أن يكون المراد له بخصوصه فيخص الزائر بشفاعة لا تحصل لغيره، وإما أن يراد أنه تفرد بشفاعة لا تحصل لغيره، والإفراد للتشريف والتقوية بسبب الزيارة.
وإما أن يراد به بركة الزيارة والشفاعة، فهو يبشر بموته مسلما فيجري على عمومه، ولا يضمر فيه شرط الوفاة على الإسلام بخلافه على الأولين.
وقوله: «شفاعتي» في هذه الإضافة تشريف، فإن الملائكة والنبيين والمؤمنين يشفعون والزائر له نسبة خاصّة منه فيشفع فيه هو بنفسه.
стр. 5666
والشّفاعة تعظم بعظم الشافع.
وعن ابن عمر أيضا أن النبي- ﷺ قال: «من زار قبري حلّت له شفاعتي» رواه البزار بسند ضعيف
قال السّبكيّ: وهذا الحديث هو الأول بعينه إلا أنّ في الأولى «وجبت» وفي هذا «حلّت» .
وعن ابن عمر أيضاً قال: قال رسول الله- ﷺ : «من جاءني زائرا يعمله حاجة إلا زيارتي كان حقّا عليّ أن أكون له شفيعا يوم القيامة» . رواه الطبراني في «الأوسط» والدّارقطنيّ في أماليه وصحّحه وأبو بكر بن المقري في «معجمه» من رواية مسلمة بن سالم الجهنيّ قال:
حدّثني عبيد الله بن العمري مصغرا عن نافع به وفي معجم ابن المقري عن نافع وسالم، فقد تابع مسلمة الجهني موسى بن هلال في شيخه عبيد الله العمري والطبراني كلها في روايته متّفقة على عبيد الله المصغر الثقة إلا أن مسلم بن حاتم الأنصاري رواه عن مسلمة مكبّرا، وهذا طريق أورده الحافظ أبو علي بن السّكن في باب من زار قبر النبي- ﷺ من كتابه المسمى ب «الصّحاح المأثور» عن النبي- ﷺ
- ومقتضى ما شرطه في خطبته أن يكون هذا الحديث ممّا أجمع عليه في صحته فإما أن يكون ثبت عنده من غير طريق مسلمة، أو أنه ارتقى إلى ذلك بكثرة الطرق، وتبويبه دالّ على أنه فهم من الحديث الزيارة بعد الموت أو أن ما بعد الموت داخل في العموم وقال العلامة جمال الدين محمود بن جملة بعد هذا الحديث:
ويرتقي إلى درجة الحسن الذي يحتج به في الأحكام فكيف في باب الفضائل والقرب فما يعارضه شيء قال السبكي: وهو صحيح.
قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: طرق هذا الحديث كلّها ضعيفة، لكن صحّحه من حديث ابن عمر أبو علي بن السّكن في إيراده إيّاه في أثناء السّنن الصّحاح له وعبد الحق في سكوته عنه، والشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين باعتبار مجموع طرقه.
الثاني: أورده البيهقي في باب زيارة النبي- ﷺ في قبره حديث أبي هريرة السابق في باب حياته في قبره، وصدّر به واعتمد جماعة من الأئمة في الزيارة على هذا الحديث.
قال السّبكي: وهو اعتماد صحيح لتضمّنه قرينة قبر النبي- ﷺ ورده وهي مرتبة شريفة ومنقبة عظيمة ينبغي التعرّض لها والحرص عليها لينال بركة سلامه- ﷺ
- لفظ الإمام أحمد «ما من أحد يسلّم عليّ في قبري»
فإن ثبت فهذا صريح في تخصيص هذه الفضيلة بالمسلّم عند القبر وإلا فالمسلّم عند القبر امتاز بالواجهة بالخطّاب ابتداء وجوابا ففيه فضيلة زائدة على الرّدّ على الغائب.
стр. 5667
الباب الثاني في الدليل على مشروعية السفر وشد الرحل لزيارة سيدنا رسول الله- ﷺ -
استدل العلماء- رضي الله تعالى عنهم- على مشروعية زيارته وشد الرحل لذلك بالكتاب، والسّنّة، والإجماع، والقياس.
أما الكتاب فقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء: ٦٤] وجه الدلالة من هذه الآية مبني على شيئين:
أحدهما:
إن نبينا- ﷺ حيّ كما يثبت ذلك في بابه.
الثاني:
أن أعمال أمته معروضة عليه كما يثبت ذلك في بابه.
فإذا عرف ذلك فوجه الاحتجاج بها حينئذ أن الله تعالى أخبر أنّ من ظلم نفسه ثم جاء رسول الله- ﷺ فاستغفر الله تعالى واستغفر له الرسول فإنه يجد الله توابا رحيما، وهذا عامّ في الأحوال والأزمان للتعليق على الشّرط، وبعد تقرير إن نبينا- ﷺ بعد موته عارف بمن يجيء إليه سامع الصّلاة ممن يصلي عليه، وسلام من يسلم عليه، ويرد ﵇ فهذه حالة الحياة، فإذا سأله العبد استغفر له، لأن هذه الحالة ثابتة له في الدنيا والآخرة، فإنه شفيع المذنبين وموجبها في الدّارين الحياة والإدراك مع النبوة، وهذه الأمور ثابتة له في البرزخ أيضا فتصحّ الدلالة حينئذ وفاء بمقتضى الشّرط.
وقد استدل الإمام مالك على ذلك بهذه الآية كما ذكرته في باب مشروعية التوسل به- ﷺ .
وحكى المصنّفون في المناسك من أرباب المذاهب عن أبي عبد الرحمن محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب العتبي أحد أصحاب سفيان بن عيينة قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي- ﷺ فزرته وجلست بحذائه فجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا خير الرّسل، أن الله تعالى أنزل عليك كتابا صادقا قال فيه:
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء: ٦٤] وإني جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم بكى وأنشد:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهنّ القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
стр. 5668
ثمّ استغفر وانصرف.
قال العتبيّ: فرقدتّ فرأيت النبي- ﷺ في النّوم، وهو: - يقول: الحق الأعرابيّ وبشّره بأن الله: غفر له بشفاعتي فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم أجده [ (١) ] .
ورويت هذه القصّة من غير طريق العتبي رواه ابن عساكر في «تاريخه» وابن الجوزي في «الوفاء» عن محمد بن حرب الهلالي وقد خمس هذه الأبيات جماعة منهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد الأقفسهي.
وروى الحافظ ابن النّعمان في «مصباح الظّلام في المستغيثين بخير الأنام» من طريق الحافظ ابن السمعانيّ بسنده عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قدم علينا أعرابيّ بعد ما دفنّا رسول الله- ﷺ بثلاثة أيام فرمى نفسه على القبر الشريف، وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله، قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله تعالى، ووعينا عنك وكان فيما أنزل عليك:
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء: ٦٤] وقد ظلمت نفسي، وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر: إنّه قد غفر لك.
والآية دالّة على الحثّ على المجيء إلى الرسول- ﷺ والاستغفار عنده واستغفاره لهم، وهذه رتبة لا تنقطع بموته- ﷺ والعلماء- رضي الله تعالى عنهم- فهموا من الآية العموم، بحالتي الموت والحياة واستحبوا لمن أتى القبر الشريف أن يتلوها ويستغفر الله تعالى.
وأما السّنّة فما ذكر في الكتب وما ثبت من خروج النبي- ﷺ من المدينة لزيارة قبر الشهداء، وإذا ثبت أن الزيارة قربة فالسفر كذلك، وإذا جاز الخروج للقريب جاز للبعيد، وحينئذ فقبره- ﷺ أولى، وقد وقع الإجماع على ذلك لإطباق السلف والخلف.
قال القاضي عياض- رحمه الله تعالى-: زيارة قبر النبي- ﷺ سنة بين المسلمين ومجمع عليها وفضيلة مرغب فيها وأجمع العلماء على زيارة القبور للرّجال والنّساء كما حكاه النووي- رحمه الله تعالى- بل قال بعض الظاهرية بوجوبه، واختلفوا في النساء وقد امتاز القبر الشريف بالأدلة الخاصّة به كما سبق.
قال السّبكيّ: ولهذا أقول: لا فرق بين الرّجال والنّساء.
وأما القياس فعلى ما ثبت من زيارته- ﷺ لأهل البقيع وشهداء أحد، وإذا استحب زيارة قبر غيره فقبره أولى، لما له من الحقّ ووجوب التعظيم، وليست زيارته إلا لتعظيمه والتبرك
стр. 5669
به، ولتنالنا الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه عند قبره بحضرة الملائكة الحافين به، وذلك من الدّعاء المشروع له والزيارة قد تكون لمجرّد تذكّر الآخرة، وهو مستحبّ لحديث «زوروا القبور، فإنّها تذكّركم الآخرة» وقد تكون للدّعاء لأهل القبور كما ثبت في زيارة أهل البقيع وقد تكون للتبرك بأهلها إذا كانوا من أهل الصّلاح.
وقال أبو محمد الشامساحي المالكي: إنّ قصد الانتفاع بالميت بدعة إلا في زيارة قبر المصطفى- ﷺ وقبور الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-.
قال السبكي: وهذا الاستثناء صحيح وحكمه في غيرهم بالبدعة فيه نظر، وقد تكون الزيارة لأداء حقّ أهل القبور،
وقد روي عن النبي- ﷺ أنه قال: «آنس ما يكون الميت في قبره إذا زاره من كان يحبّه في دار الدنيا» .
قال السّبكيّ: وزيارة قبر النبي- ﷺ في هذه المباني الأربعة فلا يقوم غيرها مقامها.
تنبيه:
كره الإمام أحمد ومالك- رحمه الله تعالى- أن يقال: زرنا قبر النبي- ﷺ .
واختلف الأئمة في مراده بذلك فقال أبو عمران المالكي: إنما كره ذلك، لأن الزيارة، من شاء فعلها ومن شاء تركها، وزيارة قبر النبي- ﷺ واجبة.
قال عبد الحق الصّقليّ: يعني من السنن الواجبة.
وقال ابن رشد: ما كره مالك هذا إلا من وجه أن كلمة أعلى من كلمة فلما كانت الزيارة تستعمل في الموتى وقد وقع فيها من الكراهة ما وقع، كره أن يذكر مثل ذلك في النبي- ﷺ .
واختار القاضي أن كراهة مالك لذلك لإضافة الزيارة إلى القبر- وأنه لو قال: زرنا النبي- ﷺ لم يكره
لحديث «اللهمّ، لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»
فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر قطعا للذريعة.
قال السّبكيّ: ويشكل عليه حديث «من زار قبري [فقد أضاف الزيارة إلى القبر] إلا أن يكون هذا الحديث لم يبلغ مالكا أو لعلّه يقول: المحذور في قول غيره مع أن أبا عمر شذ فنقل عن مالك أنه قال: وأكره ما يقول الناس: زرت النبي- ﷺ وأعظم ذلك أن يكون النبي- ﷺ يزار.
стр. 5670
الباب الثالث في الرد على من زعم أنّ شدّ الرحل لزيارته- ﷺ معصية
قد تقدم أنه انعقد الإجماع على تأكّد زيارته، وحديث لا تشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد حجّة في ذلك.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ بعد أن ذكر حديث الصحيحين: أنه- ﷺ كان يأتي قباء راكبا وماشيا ليس في إتيانه- ﷺ مسجد قباء ما يعارض الحديث الأوّل، لأن ذلك معناه عند العلماء فيمن نذر على نفسه صلاة في أحد المساجد الثلاثة أنّه يلزمه إتيانها دون غيرها.
وأما إتيان مسجد قباء وغيره من مواضع الرباط فلا بأس بإتيانها بدليل حديث قباء هذا.
قال الإمام العلامة محمود بن جملة: وهو الذي ذكره هو الحق الذي لا محيد عنه، ولهذا تجد الأئمة من الفقهاء والمحدّثين يذكرون الحديث في باب النذور والسّفر للجهاد، ولتعلّم العلم الواجب، وبر الوالدين، وزيارة الإخوان، والتفكير في أثار صنع الله تعالى، وكلّه مطلوب للشّارع إما وجوبا، أو استحبابا، والسّفر للتجارة والأغراض الدّنيوية جائز وكله خارج عن هذا الحديث، فلم يبق إلا شدّ الرّحل للمعصية، وحينئذ هو النوع، ولا يختص بشد الرحل، يا سبحان الله أن يكون السّفر لزيارة النبي- ﷺ من هذا القسم لقد اجترأ على رسول الله- ﷺ من قال هذا، وهو كلام يدور مع الاستهانة وسوء الأدب، وفي إطلاقه ما يقتضي كفر قائله نعوذ بالله من الخذلان، وكذا في
قوله- ﷺ : «لا تتّخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا»
يعارض ما سبق لأن سباقه يقتضي دفع توهّم من توهّم أن الصلاة عليه لا تكون مؤثرة إلا عند قبره فيفوت بسبب ذلك ثواب المصلي عليه من مصلّ، ولهذا
قال- ﷺ : «فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم»
ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في جواز السّفر وشدّ الرّحل لغرض دنيوي كالتّجارة فإذا جاز ذلك فهذا أولى، لأنه أعظم الأغراض الأخروية فإنّه في أصله من أمر الآخرة لا سيما في هذا الوضع ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في جواز السّفر وشدّ الرّحل لغرض أخرويّ كالاعتبار بمخلوقات الله- وآثار صنعه وعجائب ملكوته ومبتدعاته، وقد دل على هذا آيات كثيرة في الكتاب العزيز كقوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [العنكبوت: ٢٠] والاعتبار لمن بصره الله تعالى بمثل هذا السّفر، فإن المسلم العاقل يحصل له أعظم العبر فيتقرر عنده أن الدّنيا ليست بدار مقام، وأن آخر أمرها شرب كأس
стр. 5671
الحمام، ويتذكر شدة الموت وسكراته، وما حصل للنبي- ﷺ من ذلك وهو أكرم الخلق على الله تعالى.
قال العلامة زين الدّين المراغيّ: وينبغي لكل مسلم اعتقاد كون زيارته- ﷺ قربة للأحاديث الواردة في ذلك ولقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [النساء: ٦٤] الآية، لأن تعظيمه- ﷺ لا ينقطع بموته ولا يقال إن استغفار الرّسول لهم إنما هو في حال حياته، وليست الزيارة كذلك لما قد أجاب به بعض أئمة المحققين من أن الآية دلّت على تعليق وجدان الله توّابا رحيما بثلاثة أمور: المجيء، واستغفار الرسول لهم، وقد حصل استغفار الرّسول لجميع المؤمنين، لأنه- ﷺ قد استغفر للجميع قال الله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد: ١٩] فإذا وجد مجيئهم أو استغفارهم تكاملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله تعالى ورحمته.
ومشروعية السّفر لزيارة قبر النبي- ﷺ قد ألف فيها الشيخ تقي الدين السّبكيّ، والشيخ جمال الدين بن الزملكاني والشّيخ داود أبو سليمان المالكيّ وابن جملة وغيرهم من الأئمة وردوا على عصريّهم الشيخ تقي الدين بن تيميّة- رحمه الله تعالى فإنّه قد أتى في ذلك بشيء منكر لا تغسله البحار [ (١) ] والله تعالى وليّ التوفيق ربّ السّموات والأرض وما بينهما العزيز الغفّار.
стр. 5672
الباب الرابع في آداب زيارته- ﷺ -
منها إخلاص النّية وخلوص الطّويّة، فإنما الأعمال بالنيات فينوي التقرّب إلى الله تعالى بزيارة رسول الله- ﷺ ويستحب أن ينوي مع ذلك التقرّب بالمسافرة إلى مسجده- ﷺ وشدّ الرّحل إليه والصلاة فيه كما قاله أصحابنا وغيرهم.
قال ابن الصلاح: ولا يلزم من هذا خلل في زيارته على ما لا يخفى، ونقل شيخ الحنفيّة الكمال بن الهمام عن مشايخهم: أنه ينوي مع زيارة القبر زيارة المسجد ثم قال: إن الأولى عندي تجريد النّيّة لزيارة قبره- ﷺ ثم إن حصل زيارة المسجد أو يستفتح فضل الله في مرّة أخرى ينويها فيها، لأن في ذلك زيادة تعظيمه وإجلاله- ﷺ وليوافق
قوله- ﷺ : «لا تعمله حاجة إلا لزيارتي» .
قال السيد: وفيه نظر، لأنه- ﷺ حثّ أيضا على قصد مسجده ففي امتثاله تعظيمه أيضا
وقوله: «لا تعمله حاجة»
أي لم يحثّ الشّرع عليها، وقد لا يسمح الزمان بزيارة المسجد، فليغتنم قصد ذلك مع الزيارة بل ينوي أيضا الاعتكاف فيه ولو ساعة، وإن تعلم فيه خيرا أو يتعلمه وأن يذكر الله تعالى فيه، ويذكر به وإكثار الصّلاة والتّسليم على النبي- ﷺ وختم القرآن إن تيسر والصّدقة على جيرانه- ﷺ وغير ذلك ما يستحب للزائر فعله فينوي التقرّب أولا ليثاب على القصد، فنية المؤمن خير من عمله، وينوي اجتناب المعاصي، والمكروهات حياءً من الله تعالى ورسوله- ﷺ .
[ومنها: أن يكون دائم الأشواق إلى زيارة الحبيب الشفيع كلفا بالوصول إلى ذلك الجناب الرفيع والشّوق إلى لقائه وطلب الوصول إلى مقامه من أظهر علامات الإيمان وأكبر بشائر الفوز يوم الفزع الأكبر بالأمن والإيمان وليزدد بالعزم شوقا وصبابة، وكلما ازداد دنوّا ازداد عزما وحنوّا] [ (١) ] .
ومنها: الإكثار في المسير من الصلاة والسلام على البشير النذير بل يستغرق أوقات فراغه في ذلك وغيره من القربات.
ومنها: إذا دنا من حرم المدينة وشاهد أعلامها وربابها وآكامها فليستحضر وظائف الخشوع والخضوع مستبشرا بالعناء وبلوغ المنال، وإن كان على دابّة حركها أو بعيرا وضعه تباشرا بالمدينة.
стр. 5673
ولله در القائل:
قرب الدّيار يزيد شوق الواله ... لا سيّما إن لاح نور جماله
أو بشّر الحادي بأن لاح النّقا ... وبدت على بعد رؤوس جباله
فهناك عيل الصّبر عن ذي صبوة ... وبدا الّذي يخفيه من أحواله
وليجتهد حينئذ في مزيد الصلاة والتسليم وترديد ذلك كلّما دنا من الربا والأعلام، ولا بأس بالتّرجّل والمشي عند رؤية ذلك المحلّ الشريف والقرب منه كما يفعله بعضهم، لأن وفد عبد القيس لما رأوا النبي- ﷺ نزلوا عن رواحلهم ولم ينكر عليهم والعظمة بعد الوفاة كهو في الحياة.
وقال أبو سليمان داود المالكي: في «الانتصار» إن ذلك يتأكد فعله لمن أمكنه من الرجال، وإنه يستحب تواضعا لله تعالى وإجلالا لنبيه- ﷺ .
وحكى القاضي أن أبا الفضل الجوهريّ لما ورد المدينة الشريفة زائرا وقرب من بيوتها ترجّل ومشي باكيا منشدا:
ولمّا رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرّسوم ولا لبّا
نزلنا على الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلمّ به ركبا
ولله در القائل:
رفع الحجاب لنا فلاح لناظري ... قمر تقطّع دونه الأوهام
وإذا المطيّ بنا بلغن محمّدا ... فظهورهنّ على الرّجال حرام
قرّبننا من خير من وطئ الثّرى ... ولها علينا حرمة وذمام
وقال غيره:
أتيتك راجلا ووددتّ أنّي ... ملكت سواد عيني أمتطيه
وما لي لا أسير على الأماقي ... إلى قبر رسول الله فيه
ومنها إذا بلغ حرم المدينة الشّريفة فليقل بعد الصلاة والتسليم: اللهم، هذا حرم نبيك ورسولك- ﷺ الذي حرمته على لسانه ودعاك أن تجعل فيه من الخير والبركة مثلي ما هو في حرم مكة البيت الحرام، فحرمني على النار وأمني من عذابك يوم تبعث عبادك وارزقني من بركاته ما رزقت به أوليائك وأهل طاعتك ووفقني فيه بحسن الأدب وفعل الخيرات وترك المنكرات، ثم يشتغل بالصلاة والتسليم، وإن كانت طريقه على ذي الحليفة، فلا يجاوز
стр. 5674
المعرس حتى ينيخ به ويصلي بمسجده ومسجد ذي الحليفة.
ومنها: أن يغتسل من بئر الحرّة [ (١) ] لدخول المدينة الشريفة ويلبس أنظف ثيابه ويتطيب وهو مستحبّ كما ذكره النووي وغير.
وقال الكرمانيّ الحنفيّ: فإن لم يغتسل خارج المدينة فليغتسل بعد دخولها في حديث المنذر بن ساوى التميمي أنه وفد من البحرين مع أناس فذهبوا بسلاحهم فسلموا على رسول الله- ﷺ ووضع المنذر سلاحه ولبس ثيابا كانت معه ومسح لحيته بدهن فأتى نبي الله- ﷺ الحديث [ (٢) ] ولتجتنب بعض ما يفعله المحرم من التحرر عن المخيط تشبها مجال الإحرام.
ومنها إذا شاهد القبّة المنيفة وشارف دخول المدينة الشريفة فليلزم الخشوع والخضوع مستحضرا عظمتها، وأنها البقعة التي اختارها الله تعالى لنبيّه وحبيبه ووصيفه- ﷺ وتمثل في نفسه مواضع أقدام رسول الله- ﷺ عند نزوله فيها، وأنه ما من موضع يطؤه إلا موضع قدمه العزيز، فلا يضع قدمه عليه إلا مع الهيبة والسّكينة متصورا خشوعه- ﷺ في المشي وتعظيم الله تعالى له، حتى قرن ذكره بذكره، وأحبط عمل من انتهك شيئا من حرمته ولو يرفع صوته فوق صوته، ويتأسف على فوت رؤيته في الدّنيا، وأنه من رؤيته في الآخرة على خطر لسوء صنعه وقبح فعله ثم يستغفر لذنبه، ويلتزم سلوك سبيله، ليفوز بالإقبال عند اللقاء، ويحظى بتحية القبول من ذي البقاء.
ومنها: أن لا يخلّ بشيء مما أمكنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والغضب عند انتهاك حرمة من حرمه أو تضييع شيء من حقوقه- ﷺ فإنّ من علامات المحب غيرة المحبّ لمحبوبه، وأقوى النّاس ديانة أعظمهم غيرة وإذا خلا القلب من الغيرة فهو من المحبّة خلا وإن زعم المحبّة فهو كاذب.
ومنها: أن يقول عند دخوله من باب البلد: بسم الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، حسبي الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم، إني أسالك بحق السائلين عليك، وبحقّ ممشاي هذا إليك، فإني لم أخرج بطرا ولا أشرا ولا رياء ولا سمعة وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وليحرص على ذلك كلما قصد المسجد ففي حديث أبي سعيد
стр. 5675
الخدري- رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً: من قال ذلك في مسيره إلى المسجد، وكّل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له، ويقبل الله عليه بوجهه، ثم ليقوي في قلبه شرف المدينة، وأنها حوت أفضل بقاع الأرض بالإجماع وإن بعض العلماء قال: إنّ المدينة أفضل أمكنة الدّنيا، وفيها أرض مشى جبريل في عرصاتها، الله شرفها به وحماها.
ومنها: أن يقدم صدقة بين يدي نجواه ويبدأ بالمسجد الشريف قبل التعريج على أمر من الأمور أي شيء هو إلى مباشرته في ذلك الوقت غير مضطرّ ولا مضرور، فإذا شاهد المسجد النّبويّ والمسجد المحمديّ فليستحضر أنه أتى مهبط أبي الفتوح جبريل، ومنزل أبي الغنائم ميكائيل، والموضع الذي خصه الله تعالى بالوحي والتنزيل فليزدد خشوعا وخضوعا بهذا المقام ويقتضيه هذا المسجد الذي ترتعد دونه الأقدام ويجتهد في أن يوفق للوفاء بحقّه من التعظيم والقيام.
ومنها ما قاله القاضي فضل الله بن نصر التوزي: من أن الدّخول من باب جبريل أفضل وجرت عادة القادمين من ناحية باب السّلام بالدخول منه، فإذا أراد الدّخول فليفرّغ قلبه وليستصف ضميره، ويقدم رجله اليمنى، ويقول: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبنوره القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، ربّ وفقني وسدّدني وأصلحني، وأعنّي على ما يرضيك عنّي ويقف عند النبيّ بحسن الأدب ثم يقول في هذه الحضرة الشريفة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ولا يترك ذلك كلّما دخل المسجد أو خرج منه إلا أنه يقول عند خروجه، افتح لي أبواب فضلك بدل قوله: وافتح لي أبواب رحمتك.
ومنها: إذا صار في المسجد فلينو الاعتكاف مدة لبثه وإن قلّ على مذهب الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- فيجوز لما فيه من الفضل ثم ليتوجه إلى الروضة المقدّسة، وإن دخل من باب جبريل فيقصدها من خلف الحجرة الشريفة مع ملازمة الهيبة والوقار وملابسة الخشية والانكسار والخضوع والافتقار، ثم ليقف في مصلّى رسول الله- ﷺ إن كان خاليا وإلا فيما يلي المنبر من الرّوضة، وإلا في غيرها فيصلّي تحية المسجد ركعتين خفيفتين.
ونقل العلّامة زين الدين المراغي عن بعض مشايخه: أن محلّ تقدم التحية على الزيارة إذا لم يكن مروره قبالة الوجه الشريف فإن كان استحبت الزيارة أولا مع أن بعض المالكية ترخّص في تقديم الزيارة على الصلاة.