الحمام، ويتذكر شدة الموت وسكراته، وما حصل للنبي- ﷺ من ذلك وهو أكرم الخلق على الله تعالى.
قال العلامة زين الدّين المراغيّ: وينبغي لكل مسلم اعتقاد كون زيارته- ﷺ قربة للأحاديث الواردة في ذلك ولقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [النساء: ٦٤] الآية، لأن تعظيمه- ﷺ لا ينقطع بموته ولا يقال إن استغفار الرّسول لهم إنما هو في حال حياته، وليست الزيارة كذلك لما قد أجاب به بعض أئمة المحققين من أن الآية دلّت على تعليق وجدان الله توّابا رحيما بثلاثة أمور: المجيء، واستغفار الرسول لهم، وقد حصل استغفار الرّسول لجميع المؤمنين، لأنه- ﷺ قد استغفر للجميع قال الله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد: ١٩] فإذا وجد مجيئهم أو استغفارهم تكاملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله تعالى ورحمته.
ومشروعية السّفر لزيارة قبر النبي- ﷺ قد ألف فيها الشيخ تقي الدين السّبكيّ، والشيخ جمال الدين بن الزملكاني والشّيخ داود أبو سليمان المالكيّ وابن جملة وغيرهم من الأئمة وردوا على عصريّهم الشيخ تقي الدين بن تيميّة- رحمه الله تعالى فإنّه قد أتى في ذلك بشيء منكر لا تغسله البحار [ (١) ] والله تعالى وليّ التوفيق ربّ السّموات والأرض وما بينهما العزيز الغفّار.
стр. 5672
الباب الرابع في آداب زيارته- ﷺ -
منها إخلاص النّية وخلوص الطّويّة، فإنما الأعمال بالنيات فينوي التقرّب إلى الله تعالى بزيارة رسول الله- ﷺ ويستحب أن ينوي مع ذلك التقرّب بالمسافرة إلى مسجده- ﷺ وشدّ الرّحل إليه والصلاة فيه كما قاله أصحابنا وغيرهم.
قال ابن الصلاح: ولا يلزم من هذا خلل في زيارته على ما لا يخفى، ونقل شيخ الحنفيّة الكمال بن الهمام عن مشايخهم: أنه ينوي مع زيارة القبر زيارة المسجد ثم قال: إن الأولى عندي تجريد النّيّة لزيارة قبره- ﷺ ثم إن حصل زيارة المسجد أو يستفتح فضل الله في مرّة أخرى ينويها فيها، لأن في ذلك زيادة تعظيمه وإجلاله- ﷺ وليوافق
قوله- ﷺ : «لا تعمله حاجة إلا لزيارتي» .
قال السيد: وفيه نظر، لأنه- ﷺ حثّ أيضا على قصد مسجده ففي امتثاله تعظيمه أيضا
وقوله: «لا تعمله حاجة»
أي لم يحثّ الشّرع عليها، وقد لا يسمح الزمان بزيارة المسجد، فليغتنم قصد ذلك مع الزيارة بل ينوي أيضا الاعتكاف فيه ولو ساعة، وإن تعلم فيه خيرا أو يتعلمه وأن يذكر الله تعالى فيه، ويذكر به وإكثار الصّلاة والتّسليم على النبي- ﷺ وختم القرآن إن تيسر والصّدقة على جيرانه- ﷺ وغير ذلك ما يستحب للزائر فعله فينوي التقرّب أولا ليثاب على القصد، فنية المؤمن خير من عمله، وينوي اجتناب المعاصي، والمكروهات حياءً من الله تعالى ورسوله- ﷺ .
[ومنها: أن يكون دائم الأشواق إلى زيارة الحبيب الشفيع كلفا بالوصول إلى ذلك الجناب الرفيع والشّوق إلى لقائه وطلب الوصول إلى مقامه من أظهر علامات الإيمان وأكبر بشائر الفوز يوم الفزع الأكبر بالأمن والإيمان وليزدد بالعزم شوقا وصبابة، وكلما ازداد دنوّا ازداد عزما وحنوّا] [ (١) ] .
ومنها: الإكثار في المسير من الصلاة والسلام على البشير النذير بل يستغرق أوقات فراغه في ذلك وغيره من القربات.
ومنها: إذا دنا من حرم المدينة وشاهد أعلامها وربابها وآكامها فليستحضر وظائف الخشوع والخضوع مستبشرا بالعناء وبلوغ المنال، وإن كان على دابّة حركها أو بعيرا وضعه تباشرا بالمدينة.
стр. 5673
ولله در القائل:
قرب الدّيار يزيد شوق الواله ... لا سيّما إن لاح نور جماله
أو بشّر الحادي بأن لاح النّقا ... وبدت على بعد رؤوس جباله
فهناك عيل الصّبر عن ذي صبوة ... وبدا الّذي يخفيه من أحواله
وليجتهد حينئذ في مزيد الصلاة والتسليم وترديد ذلك كلّما دنا من الربا والأعلام، ولا بأس بالتّرجّل والمشي عند رؤية ذلك المحلّ الشريف والقرب منه كما يفعله بعضهم، لأن وفد عبد القيس لما رأوا النبي- ﷺ نزلوا عن رواحلهم ولم ينكر عليهم والعظمة بعد الوفاة كهو في الحياة.
وقال أبو سليمان داود المالكي: في «الانتصار» إن ذلك يتأكد فعله لمن أمكنه من الرجال، وإنه يستحب تواضعا لله تعالى وإجلالا لنبيه- ﷺ .
وحكى القاضي أن أبا الفضل الجوهريّ لما ورد المدينة الشريفة زائرا وقرب من بيوتها ترجّل ومشي باكيا منشدا:
ولمّا رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرّسوم ولا لبّا
نزلنا على الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلمّ به ركبا
ولله در القائل:
رفع الحجاب لنا فلاح لناظري ... قمر تقطّع دونه الأوهام
وإذا المطيّ بنا بلغن محمّدا ... فظهورهنّ على الرّجال حرام
قرّبننا من خير من وطئ الثّرى ... ولها علينا حرمة وذمام
وقال غيره:
أتيتك راجلا ووددتّ أنّي ... ملكت سواد عيني أمتطيه
وما لي لا أسير على الأماقي ... إلى قبر رسول الله فيه
ومنها إذا بلغ حرم المدينة الشّريفة فليقل بعد الصلاة والتسليم: اللهم، هذا حرم نبيك ورسولك- ﷺ الذي حرمته على لسانه ودعاك أن تجعل فيه من الخير والبركة مثلي ما هو في حرم مكة البيت الحرام، فحرمني على النار وأمني من عذابك يوم تبعث عبادك وارزقني من بركاته ما رزقت به أوليائك وأهل طاعتك ووفقني فيه بحسن الأدب وفعل الخيرات وترك المنكرات، ثم يشتغل بالصلاة والتسليم، وإن كانت طريقه على ذي الحليفة، فلا يجاوز
стр. 5674
المعرس حتى ينيخ به ويصلي بمسجده ومسجد ذي الحليفة.
ومنها: أن يغتسل من بئر الحرّة [ (١) ] لدخول المدينة الشريفة ويلبس أنظف ثيابه ويتطيب وهو مستحبّ كما ذكره النووي وغير.
وقال الكرمانيّ الحنفيّ: فإن لم يغتسل خارج المدينة فليغتسل بعد دخولها في حديث المنذر بن ساوى التميمي أنه وفد من البحرين مع أناس فذهبوا بسلاحهم فسلموا على رسول الله- ﷺ ووضع المنذر سلاحه ولبس ثيابا كانت معه ومسح لحيته بدهن فأتى نبي الله- ﷺ الحديث [ (٢) ] ولتجتنب بعض ما يفعله المحرم من التحرر عن المخيط تشبها مجال الإحرام.
ومنها إذا شاهد القبّة المنيفة وشارف دخول المدينة الشريفة فليلزم الخشوع والخضوع مستحضرا عظمتها، وأنها البقعة التي اختارها الله تعالى لنبيّه وحبيبه ووصيفه- ﷺ وتمثل في نفسه مواضع أقدام رسول الله- ﷺ عند نزوله فيها، وأنه ما من موضع يطؤه إلا موضع قدمه العزيز، فلا يضع قدمه عليه إلا مع الهيبة والسّكينة متصورا خشوعه- ﷺ في المشي وتعظيم الله تعالى له، حتى قرن ذكره بذكره، وأحبط عمل من انتهك شيئا من حرمته ولو يرفع صوته فوق صوته، ويتأسف على فوت رؤيته في الدّنيا، وأنه من رؤيته في الآخرة على خطر لسوء صنعه وقبح فعله ثم يستغفر لذنبه، ويلتزم سلوك سبيله، ليفوز بالإقبال عند اللقاء، ويحظى بتحية القبول من ذي البقاء.
ومنها: أن لا يخلّ بشيء مما أمكنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والغضب عند انتهاك حرمة من حرمه أو تضييع شيء من حقوقه- ﷺ فإنّ من علامات المحب غيرة المحبّ لمحبوبه، وأقوى النّاس ديانة أعظمهم غيرة وإذا خلا القلب من الغيرة فهو من المحبّة خلا وإن زعم المحبّة فهو كاذب.
ومنها: أن يقول عند دخوله من باب البلد: بسم الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، حسبي الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم، إني أسالك بحق السائلين عليك، وبحقّ ممشاي هذا إليك، فإني لم أخرج بطرا ولا أشرا ولا رياء ولا سمعة وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وليحرص على ذلك كلما قصد المسجد ففي حديث أبي سعيد
стр. 5675
الخدري- رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً: من قال ذلك في مسيره إلى المسجد، وكّل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له، ويقبل الله عليه بوجهه، ثم ليقوي في قلبه شرف المدينة، وأنها حوت أفضل بقاع الأرض بالإجماع وإن بعض العلماء قال: إنّ المدينة أفضل أمكنة الدّنيا، وفيها أرض مشى جبريل في عرصاتها، الله شرفها به وحماها.
ومنها: أن يقدم صدقة بين يدي نجواه ويبدأ بالمسجد الشريف قبل التعريج على أمر من الأمور أي شيء هو إلى مباشرته في ذلك الوقت غير مضطرّ ولا مضرور، فإذا شاهد المسجد النّبويّ والمسجد المحمديّ فليستحضر أنه أتى مهبط أبي الفتوح جبريل، ومنزل أبي الغنائم ميكائيل، والموضع الذي خصه الله تعالى بالوحي والتنزيل فليزدد خشوعا وخضوعا بهذا المقام ويقتضيه هذا المسجد الذي ترتعد دونه الأقدام ويجتهد في أن يوفق للوفاء بحقّه من التعظيم والقيام.
ومنها ما قاله القاضي فضل الله بن نصر التوزي: من أن الدّخول من باب جبريل أفضل وجرت عادة القادمين من ناحية باب السّلام بالدخول منه، فإذا أراد الدّخول فليفرّغ قلبه وليستصف ضميره، ويقدم رجله اليمنى، ويقول: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبنوره القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، ربّ وفقني وسدّدني وأصلحني، وأعنّي على ما يرضيك عنّي ويقف عند النبيّ بحسن الأدب ثم يقول في هذه الحضرة الشريفة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ولا يترك ذلك كلّما دخل المسجد أو خرج منه إلا أنه يقول عند خروجه، افتح لي أبواب فضلك بدل قوله: وافتح لي أبواب رحمتك.
ومنها: إذا صار في المسجد فلينو الاعتكاف مدة لبثه وإن قلّ على مذهب الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- فيجوز لما فيه من الفضل ثم ليتوجه إلى الروضة المقدّسة، وإن دخل من باب جبريل فيقصدها من خلف الحجرة الشريفة مع ملازمة الهيبة والوقار وملابسة الخشية والانكسار والخضوع والافتقار، ثم ليقف في مصلّى رسول الله- ﷺ إن كان خاليا وإلا فيما يلي المنبر من الرّوضة، وإلا في غيرها فيصلّي تحية المسجد ركعتين خفيفتين.
ونقل العلّامة زين الدين المراغي عن بعض مشايخه: أن محلّ تقدم التحية على الزيارة إذا لم يكن مروره قبالة الوجه الشريف فإن كان استحبت الزيارة أولا مع أن بعض المالكية ترخّص في تقديم الزيارة على الصلاة.
стр. 5676
وقال: كل ذلك واسع.
ومنها: أن يتوجّه بعد ذلك إلى القبر الكريم مستعينا بالله تعالى في رعاية الأدب في هذا الموقف العظيم فيقف بخضوع وخشوع تجاه المسمار الفضّة الذي بجدار المقصورة التي حول الحجرة الشريفة الواقف للزيارة خارجها عن مشاهدة ذلك المسمار إلا بتأكد يشغل القلب ويذهب الخشوع فليقصد الصّدعة البائنة من باب المقصورة القبلي التي على يمين مستقبل القبر الشريف فإذا استقبلها كان محازيا لها، والزيارة من داخل المقصورة أولى، لأنه موقف السّلف، والمنقول أنّ الزائر يقف على من رأس القبر الشريف نحو أربعة أذرع وقال ابن عبد السلام: على نحو ثلاثة أذرع، وعلى كل حال فذلك من داخل المقصورة بلا شك.
وقال في الإحياء: فينبغي أن يقف بين يديه كما وصفنا فتزوره ميتا كما كنت تزوره حيّا، ولا تقرب من قبره إلا ما كنت تقرب شخصه الكريم لو كان حيّا انتهى.
ولينظر الزائر في حال وقوفه إلى أسفل ما يستقبل من جدران الحجرة الشريفة ملتزما للحياء والأدب التّام في ظاهره وباطنه.
وقال الكرماني الحنفي: يضع يمينه على شماله كما في الصلاة.
وقال في الإحياء: واعلم أنه- ﷺ عالم بحضورك وقيامك وزيارتك وأنه يبلغه صلاتك وسلامك عليه فمثل صورته الكريمة في خيالك موضوعا في اللّحد بإزائك وأحضر عظيم رتيته في قلبك
فقد روي عنه- ﷺ : «إنّ الله وكّل بقبره ملكا يبلّغه سلام من يسلّم عليه من أمّته» .
هذا في حق من لم يحضر قبره فكيف بمن فارق الوطن وقطع البوادي شوقا إليه واكتفى بمشاهدة مشهده الكريم إذ فاته مشاهدة نبوته الكريمة انتهى.
ثم يسلم الزائر ولا يرفع صوته ولا يخفيه بل يقصد، وأقلّه السلام عليك يا رسول الله- ﷺ .
وجاء عن ابن عمر وغيره من السّلف- رضي الله تعالى عنهم- أن الاقتصار جدّا وجرى عليه الإمام مالك، واختار بعضهم التطويل في السّلام، وعليه الأكثرون ثم إن كان وصّاه أحد بالسّلام على رسول الله- ﷺ فليقل: السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان أو فلان بن فلان يسلّم عليك يا رسول الله، أو نحوه من العبارات، ثم يتأخر إلى صوب يمينه قدر ذراع، فيصير تجاه أبي بكر الصديق فيقول: السلام عليك يا أبا بكر صفي رسول الله- ﷺ وثانيه في الغار، ورفيقه في الأسفار جزاك الله عن أمة رسول الله- ﷺ خيرا.
стр. 5677
ثم يتأخر صوب يمينه قدر ذراع، فيصير تجاه عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- فيقول: السلام عليك يا عمر الفاروق الذي أعز الله بك الإسلام جزاك الله عن أمة محمد- ﷺ خير الجزاء ثم يرجع الزائر إلى موقفه الأوّل قبالة وجه رسول الله- ﷺ فيتوسّل به في حقّ نفسه ويستشفع به إلى ربه ، ومن أحسن ما يقول ما حكاه المصنفون في المناسك من جميع المذاهب واستحسنوه ورأوه من أدب الزّائر عن أبي عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عقبة بن أبي سفيان- صخر بن حرب- العتبي أحد أصحاب سفيان بن عيينة قال: دخلت المدينة فأتيت قبر رسول الله- ﷺ فزرته وجلست بحزائه فجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا خير الرّسل، إنّ الله أنزل عليك كتابا صادقا قال فيه: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء: ٦٤] وإني جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهنّ القاع والأكم
نفسي لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم استغفر وانصرف فرقدتّ فرأيت رسول الله- ﷺ في نومي وهو يقول: الحق الأعرابيّ، وبشّره بأن الله تعالى غفر له بشفاعتي فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم أجده، رواها ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في كتابه: «مثير العزم الساكن» عن محمد بن حرب الهلاليّ أنه اتفق له مثل ما اتّفق للعتبي ووردت هذه القصة من غير طريق العتبي فرواها.
وروى ابن السّمعاني عن علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- قال: قدم علينا أعرابيّ بعد ما دفنا رسول الله- ﷺ بثلاثة أيام فرمى نفسه على قبر النبي- ﷺ وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله، قلت فسمعنا قولك ووعيت عن الله تعالى ووعينا عنك، وكان فيما أنزل عليك وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا [النساء: ٦٤] الآية فنودي من القبر قد غفر لك.
وليجدد التّوبة في ذلك الموقف ويسأل الله أن يجعلها توبة نصوحا وليستشفع به- ﷺ إلى ربّه في قبولها وليكثر الاستغفار والتّضرّع بعد تلاوة الآية التي في قصّة العتبيّ ويقول: نحن وفدك يا رسول الله وزوّارك جئناك لقضاء حقّك والتبرك بزيارتك والاستشفاع بك إلى ربك تعالى، فإن الخطايا قد أثقلت ظهورنا، وأنت الشافع المشفع، والموعود بالشفاعة العظمى، والمقام المحمود، وقد جئناك ظالمين لأنفسنا، مستغفرين لذنوبنا، سائلين منك أن تستغفر لنا إلى ربك، فأنت نبيّنا وشفيعنا، فاشفع لنا إلى ربك واسأله أن يميتنا على سنّتك ومحبتك، ويحشرنا في زمرتك، وأن يوردنا حوضك، غير خزايا ولا ندامى.
стр. 5678
وروى يحيى بن الحسن العلويّ، عن ابن أبي فديك- رضي الله تعالى عنه- قال:
سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي- ﷺ فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:
٥٦] صلى الله على سيدنا محمّد وسلم.
وفي رواية: صلى الله عليك يا رسول الله، يقولها سبعين مرّة، ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان، لم يسقط لك اليوم حاجة، وينبغي تقديم ذلك على التوسل والدعاء.
قال المجد اللغوي: وروينا عن الأصمعي قال: وقف أعرابي مقابل قبر رسول الله- ﷺ فقال: اللهم إن هذا حبيبك، وأنا عبدك، والشّيطان عدوّك، فإن غفرت لي سرّ حبيبك، وفاز عبدك، وغضب عدوّك، وإن لم تغفر لي غضب حبيبك، ورضي عدوّك، وهلك عبدك وأنت أكرم من أن تغضب حبيبك، وترضي عدوّك وتهلك عبدك، اللهمّ إنّ العرب الكرام إذا مات منهم سيّد أعتقوا على قبره، وإنّ هذا سيّد العالمين فأعتقني على قبره.
قال الأصمعي: فقلت: يا أخا العرب، أن الله تعالى قد غفر لك، وأعتقك بحسن هذا السّؤال.
قال المجد: ويجلس الزّائر إن طال القيام فيه، فيكثر من الصلاة والتسليم على سيدنا رسول الله- ﷺ ، ويأتي بأتم أنواع الصلوات وأكمل كيفياتها، والاختلاف في ذلك مشهور.
قال: والذي أختاره لنفسي، اللهم صل على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه، الصلاة الماثورة التي أجاب بها السائل عن كيفية الصلاة عليه، عدد ما خلقت، وعدد ما أنت خالق، وزنة ما خلقت، وزنة ما أنت خالق، وملأ ما خلقت، وملأ ما أنت خالق وملأ سماواتك، وملأ أرضك، ومثل ذلك، وأضعاف ذلك وعدد خلقك، وزنة عرشك، ومنتهى رحمتك، ومداد كلماتك ومبلغ رضاك حتّى ترضى، وعدد ما ذكرك به خلقك فيما مضى، وعدد ما هم ذاكروك فيما بقي، في كل سنة وشهر وجمعة ويوم وليلة وساعة من الساعات، ولحظة من اللحظات، ونفس ولمحة، وطرفة من الأبد إلى الأبد، أبد الدنيا وأبد الآخرة، وأكثر من ذلك، لا ينقطع أولاه، ولا ينفذ أخراه، ثم يقول ذلك مرة، أو ثلاث مرات.
ثم يقول: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمّد، كذلك قال النووي: ثم يتقدّم- يعني بعد فراغ الدعاء والتوسل قبالة الوجه الشريف- إلى رأس القبر، فيقف بين القبر والأسطوانة التي هناك، ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى ويمجده، ويدعوا لنفسه بما أهمّه وما أحبّه، ولوالديه ولمن شاء من أقاربه وأشياخه وإخوانه ولسائر المسلمين.
стр. 5679
وفي كتب الحنفية قال نحو هذا، قال العزّ بن جماعة: وما ذكروه من العود قباله الوجه الشريف، ومن التقدم إلى رأس القبر المقدس للدعاء لم يكن إلا عقب الزيارة، ولم ينقل عن فعل الصحابة والتابعين- رضي الله تعالى عنهم- أجمعين.
قال السيد: أما الدعاء والتوسل هناك فله أصل عنهم، والذي لم ينقل إنما هو هذا الترتيب المخصوص، والظاهر أن المراد بذلك تأخير الدعاء عن السلام على الشيخين، والجمع بين موقف السلف الأول الذي كان قبل إدخال الحجرة، والثاني الذي كان بعده حسن.
قال النووي: رحمه الله تعالى: ثم يأتي الرّوضة، فيكثر فيها من الدعاء والصلاة، ويقف عند المنبر ويدعو.
قال السيد: ويقف أيضا ويدعو عند أسطوان المهاجرين، ويتبرّك بالصلاة عندها، وكذا أسطوان أبي لبابة، وأسطوان الحرس وأسطوان الوفود، وأسطوان التهجد بعد أن يسلم علي السيدة فاطمة الزهراء- رضي الله تعالى عنها- عند المحراب الذي في بيتها داخل المقصورة، على القول بدفنها هناك.
ومنها تعظيمه وتوقيره، لأنهما واجبان حيا وميتا قال الله ﵎: يا أيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩] وقال تبارك اسمه فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧] فأخبر أن الفلاح إنما يكون لمن جمع إلى الإيمان تعزيره، ولا خلاف أن التعزير ها هنا هو التعظيم، فانظر ما في هذه الآية من تعظيم الله تعالى لنبينا- ﷺ ، حين قدم في الذكر تعزيره ونصرته على اتباع النور الذي أنزل معه، وفي ذلك من الإشعار بعلو المنزلة وارتفاع الرتبة والإجلال والتوقير والتعظيم ما لا يخفى على من يفهم مواقع كلام الله .
وقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:
١] .
وقال تبارك اسمه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات: ٢] الثلاث آيات.
وقال جلّ وعلا: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: ٦٣] فأوجب والله تعالى تعزيره وتوقيره، وألزم إكرامه وتعظيمه.
قال ابن عباس، يعزّروه أي: يجلوه.
стр. 5680
وقال المبرّد: يبالغوا في تعظيمه.
وقال الأخفش: ينصروه.
وقيل: التّعزير نصر مع تعظيم.
وقرئ «يعزّروه» بزائين من العز، ونهى عن التقدم بين يديه بسوء الأدب والقول، بسبقه الكلام على قول ابن عباس وغيره، وهو اختيار ثعلب.
وقال سهل بن عبد الله: لا تقولوا قبل أن يقول، وإذا قال فاستمعوا له وأنصتوا، ونهى عن التقدم والتعجيل بقضاء قبل قضائه فيه، وأن يفتاتوا عليه شيئاً من أمر دينهم إلا بأمره، ولا يسبقوه به، وإلى هذا يرجع قول الحسن ومجاهد والضحاك والسّدّيّ، وحذر مخالفة ذلك بقوله تعالى:
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات: ١] .
قال الماورديّ: «اتّقوا» في التقدم [المنهي عنه] .
قال السدي: اتّقوا الله في إهمال حقه، وتضييع حرمته، إنه «سميع» لقولكم «عليم» بفعلكم.
وقد تقدم الكلام على هذه الآيات في «الخصائص» ورأس الأدب معه- ﷺ كمال التسليم له، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يحمله معارضة خيال باطل نسميه معقولا أو نسميه شبهة أو شكا، أو تقدم إليه آراء الرجال وزيادة أذهانهم، فيوجد التحكيم والتسليم والانقياد والإذعان كما وجد المرشد بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما، توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرّسل، فلا يتحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره.
فصل فيما روي من تعظيم الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- للنبي- ﷺ -
روى مسلم عن عمرو بن العاص- رضي الله تعالى عنه- قال: وما كان من أحد أحب إلي من رسول الله- ﷺ ولا أجلّ في عيني منه وما كنت أطيقه أن أملأ عيني منه إجلالاً له.
وروى الترمذي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر، فلا يرفع أحد منهم إليه بصره إلا أبو بكر وعمر، فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما، ويتبسّمان إليه ويتبسّم إليهما.
وروى أبو داود عن أسامة بن شريك- رضي الله تعالى عنه- قال: أتيت
стр. 5681
رسول الله- ﷺ وحوله أصحابه، عليهم السّكينة والوقار، كأنما على رؤوسهم الطّير، فسلّمت ثم قعدت.
وقال عروة بن مسعود: كنا في الصحيح حين وجّهته قريش عام القضية إلى رسول الله- ﷺ ، ورأى من تعظيم أصحابه له ما رأى أنه لا يتوضأ وضوءا إلا ابتدروا وضوءه، وكادوا يقتتلون عليه، ولا يبصق بصاقا ولا يتنخم نخامة إلا تلقّوها بأكفّهم، ودلّكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له، فلما رجع إلى قريش قال: يا معشر قريش، إني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا قط في قومه يعظمه أصحابه ما يعظّم محمّدا أصحابه، وقد رأيت قوما لا يسلمونه أبدا.
وروي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: لقد رأيت رسول الله- ﷺ والحلّاق يحلقه، وقد أطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل.
وفي الصحيح، أنّ قريشا لما أذنت لعثمان في الطواف بالبيت حين وجّهه- ﷺ إليهم في القضية أبى أن يطوف، وقال: ما كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول الله- ﷺ .
وروى عن البراء- رضي الله تعالى عنه- قال: لقد كنت أريد أن أسأل رسول الله- ﷺ عن الأمر فأؤخّره سنين من هيبته- ﷺ .
وروى الترمذي وحسّنه عن طلحة- رضي الله تعالى عنه- أنّ أصحاب النبي- ﷺ قالوا لأعرابيّ جاهل سأله عمن قضى نحبه من هو وكانوا لا يجترؤن على مسألته يوقّرونه ويهابونه [فسأله، فأعرض عنه، إذ طلع طلحة، فقال رسول الله- ﷺ : هذا ممّن قضى نحبه] .
وروى عن المغيرة بن شعبة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان أصحاب رسول الله- ﷺ يقرعون بابه بالأظافير.
وقد تقدم في باب هيبته ما فيه كفاية.
فصل
واعلم أن حرمة النبي- ﷺ وتوقيره وتعظيمه بعد موته لازم كما كان في حياته، وذلك عند ذكره- ﷺ وذكر حديثه وسنته، وسماع اسمه وسيرته ومعاملة آله وعترته، وتعظيم أهل بيته وصحابته- رضوان الله تعالى عليهم أجمعين-.
стр. 5682
قال أبو إبراهيم التّجيبي واجب على كل مسلم متى ذكره، أو ذكر عنده أن يخضع ويخشع، ويتوقّر ويسكّن من حركته، ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه، ويتأدب بما أدبنا الله تعالى به.
وهذه كانت سيرة السّلف الصالح في الأئمة الماضين.
وروى القاضي- بسند جيد- عن ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله- ﷺ ، فقال مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدب قوما فقال: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات: ٢] الآية.
ومدح قوما فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ [الحجرات: ٣] الآية.
وذمّ قوما فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [الحجرات: ٤] وإن حرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبد الله، أأستقبل القبلة وأدعو؟ أم أستقبل رسول الله- ﷺ ؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم- ﵇ إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به، فيشفّعك الله، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً.
وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: كان أيّوب السّختيانيّ إذا ذكر النبي- ﷺ بكى حتى أرحمه.
وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر رسول الله- ﷺ يتغيّر لونه، وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوما في ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليّ ما ترون، ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيّد القرّاء لا نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا يبكي حتى نرحمه، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد- وكان كثير الدّعابة والتبسم- فإذا ذكر عنده النبي- ﷺ اصفرّ، وما رأيته يحدث عن رسول الله- ﷺ إلا على طهارة.
ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر رسول الله- ﷺ ، فننظر إلى لونه كأنه نزف منه الدّم، وقد جفّ لسانه في فمه، هيبة لرسول الله- ﷺ .
ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير، فإذا ذكر عنده رسول الله- ﷺ بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع.
стр. 5683
ولقد كنت آتي الزّهريّ، وكان من أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده رسول الله- ﷺ فكأنّه ما عرفك ولا عرفته.
ولقد كنت آتى صفوان بن سليم، وكان من المتعبّدين المتهجدين، فإذا ذكر رسول الله- ﷺ بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركونه.
وكان ابن سيرين ربّما يضحك، فإذا ذكر عنده [حديث] رسول الله- ﷺ خشع وتضرّع.
وقال عمر بن ميمون: إن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- حدّث يوما، فجرى على لسانه، قال رسول الله- ﷺ فعلاه كرب حتى رأيت العرق ينحدر عن وجهه، وغرغرت عيناه، وانفتخت أوداجه، ثم قال: هكذا إن شاء الله، أو فوق ذا، أو دون ذا، أو قريبا من ذا.
وقال مصعب: كان مالك بن أنس لا يحدث حديث رسول الله- ﷺ إلا على وضوء، إجلالا له.
والآثار في هذا كثيرة، وقد تقدم كثير من ذلك في باب ما يجب على الأنام من حقوقه- ﵊.
فصل
ومن برّ رسول الله- ﷺ وتوقيره برّ آله وذريته وأزواجه وأمّهات المؤمنين- رضي الله تعالى عنهم أجمعين-.
روى ابن جرير عن يزيد بن حبان، عن زيد بن أرقم- رضي الله تعالى عنه- قال: قام رسول الله- ﷺ خطيبا بما يدعى حمى بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر، ثم قال: أما بعد أيها الناس إنّي أنتظر أن يأتيني رسول ربّي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما: كتاب الله، فيه الهدى والصدق، فاستمسكوا بكتاب الله.
ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، ثلاث مرّات، فقيل لزيد: ومن أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال زيد: إنّ نساءه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة [بعده، فقيل: ومن هم؟ قال: هم آل العباس وآل جعفر وآل عقيل، قيل: أكلّ هؤلاء يحرّم الصدقة عليهم] [ (١) ] ؟ قال: نعم.
ورواه أيضا عنه بلفظ: «إنما أنا بشر، أوشك أن أدعى فأجيب، ألا وإني تارك فيكم
стр. 5684
الثّقلين، أحدهما: كتاب الله، حبل ممدود، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضّلالة، وأهل بيتي: أذكركم الله في أهل بيتي، ثلاث مرّات. [ (١) ]
ورواه أيضا عنه بلفظ: «أنشدكم الله في أهل بيتي مرّتين
[ (٢) ] .
وروي عن عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله- ﷺ [لما نزلت إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً- وذلك في بيت أمّ سلمة- دعا فاطمة وحسنا وحسينا، فجلّلهم بكساء، وعليّ خلف ظهره فجلّله بكسائه، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيرا]
وقد تقدم في أبواب ما يجب على الأنام كثير من ذلك.
قال بعض العلماء: معرفتهم وهي معرفة بمكانهم من النبي- ﷺ ، وإذا عرفهم بذلك، عرف وجوب حقّهم وحرمتهم بسببه.
وروى الترمذي وحسنه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنه- أن عمر- رضي الله تعالى عنه- فرض لأسامة في ثلاثة آلاف وخمسمائة، وفرض لعبد الله بن عمر في ثلاثة آلاف، فقال عبد الله لأبيه: لما فضّلت أسامة علي؟ فو الله ما سبقني إلى مشهد قال: لأنّ زيدا كان أحب إلى رسول الله- ﷺ من أبيك، وكان أسامة أحب إلى رسول الله- ﷺ منك، فآثرت حبّ رسول الله- ﷺ على حبّي.
وقال الأوزاعي: دخلت بنت أسامة على عمر بن عبد العزيز، ومعها مولى لها يقودها يمسك بيدها [ (٣) ] فقام إليها عمر ومشى إليها، وجعل يدها بين يديه، ويداه في ثيابه، وأجلسها في مجلسه، وجلس بين يديها، وما ترك لها حاجة إلا قضاها.
ومنها: أن يجتنب الزائر لمس جدار المسجد، وتقبيله، والطواف به، والصلاة عليه.
قال الإمام النووي: لا يجوز أن يطاف بقبره- ﷺ ويكره إلصاق البطن والظهر بجدار قبره، قاله الحلبي وغيره.
قال: ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد عنه، كما يبعد عنه لو حضر في حياته، هذا هو الصواب الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه، ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته، لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال العلماء، انتهى.
стр. 5685
وفي «الإحياء» مسّ المشاهد وتقبيلها عادة النصارى واليهود.
وقال الأقفهسي: قال الزعفراني- في كتابه: وضع اليد على القبر ومسه وتقبيله من البدع التي تنكر شرعا.
وروى أن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- رأى رجلا وضع يده على قبر النبي- ﷺ فنهاه، وقال: وما كنا نعرف هذا» أي الدنو منه] وذكر غير واحد نحو ذلك، وفي كتاب العلل والسؤالات لعبد الله ابن الإمام أحمد، عن أبيه رواية أبي علي الصوان قال عبد الله: سألت أبي عن الرجل يمسّ منبر النبي- ﷺ ويتبرّك بمسّه، ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك، رجاء ثواب الله قال: لا بأس.
وروى الإمام أحمد- بسند حسن-، وأبو الحسن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله الخشني في «أخبار المدينة» عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر، فأخذ مروان برقبته ثم قال: هل تدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب فقال: نعم، إني لم آت الحجرات، إنما جئت النبي- ﷺ
سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله» .
قال المطلب: وذلك أبو أيوب الأنصاري، وتقدم في باب أدلة الزيارة، أن ابن عساكر روى بسند جيد أن بلالا- رضي الله تعالى عنه- لما قدم من الشام لزيارة النبي- ﷺ أتى القبر، فجعل يبكي ويمرغ وجهه عليه.
وذكر الخطيب ابن جملة، أن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- كان يضع يده اليمنى على القبر الشريف، وأن بلالا وضع خدّه عليه أيضاً- رضي الله تعالى عنه-.
قال: ولا شك أن الاستغراق في المحبّة بحمل على الإذن في ذلك، والمقصود من ذلك كله الاحترام والتعظيم، والناس يختلف مراتبهم في ذلك، كما كانت تختلف في حياته، فأناس حين يرونه لا يملكون أنفسهم، بل يبادرون إليه، وأناس فيهم إناة يتأخرون، والكلّ محل خير.
وقال الحافظ: استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الحجر الأسود جواز تقبيل كلّ من يستحق التعظيم من آدميّ وغيره.
فأما الآدمي فسبق في الأدب.
وأما غيره فنقل عن أحمد، أنه سئل عن تقبيل منبر النبي- ﷺ وقبره فلم ير به بأسا، واستبعد بعض أتباعه صحّته عنه، قلت: نقل ذلك عنه ابنه عبد الله كما تقدم.
стр. 5686
ونقل عن ابن أبي الصيف اليمنى أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف، وأجزاء الحديث، وقبور الصالحين انتهى كلام الحافظ.
ونقل الطيب الناشري عن المحب الطبري، أنه يجوز تقبيل الحجر ومسه قال: وعليه عمل العلماء الصالحين، وينشد:
أمرّ على الدّيار ديار ليلى ... أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الدّيار شغفن قلبي ... ولكن حبّ من سكن الدّيارا
ومنها اجتناب الانحناء للقبر عند التسليم، وهو من البدع، ويظن من لا علم له أنه من شعار التعظيم، وأقبح منه تقبيل الأرض، لم يفعله السلف الصالح، والخير كله في اتباعهم، ومن خطر بباله أن تقبيل الأرض أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته، لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال السلف وعملهم.
قال ابن جماعة: وليس عجبي ممن جهل ذلك فارتكبه، بل عجبي ممن أفتى بتحسين ذلك مع علمه بقبحه ومخالفته لعمل السلف.
ومنها: أن لا يمر بالقبر الشريف حتى يقف ويسلم على النبي- ﷺ ، سواء مرّ من داخل المسجد أو من خارجه، ويكثر من قصده وزيارته.
وروى ابن أبي الدنيا عن أبي حازم أن رجلا أتاه، فحدثه أنه رأى النبي- ﷺ يقول:
قل لأبي حازم: أنت المارّ بي معرضا، لا تقف تسلّم عليّ، فلم يدع ذلك أبو حازم منذ بلغته هذه الرّؤيا.
ومنها: إكثار الصلاة والتسليم على رسول الله- ﷺ وإيثار ذلك على سائر الأذكار ما دام هناك. ومنها: اغتنام ما أمكن من الصيام ولو يسيرا من الأيام.
ومنها الحرص على فعل الصلوات الخمس بالمسجد النبوي في الجماعة، والإكثار من النّافلة مع تحرّي المسجد الذي كان فيه زمنه- ﷺ إلا أن يكون الصف الأول خارجه فهو أولى، وإن أمكنه ملازمته، وأن لا يفارقه إلا لضرورة أو مصلحة راجحة، فليغتنم ذلك، وكلما دخله فليجدّد نيّة الاعتكاف، ولله در القائل: تمتّع إن ظفرت بنيل قرب وحصّل ما استطعت من ادّخاره.
قال أبو مخلد: كانوا يستحبون لمن أتى المساجد الثلاثة أن يختم فيها القرآن قبل أن يخرج، رواه سعيد بن منصور.
قال أبو اليمن بن عساكر: وليحرص على المبيت بالمسجد، ولو ليلة يحييها بالذّكر،
стр. 5687
والدّعاء، وتلاوة القرآن، والتضرّع إلى الله تعالى والشّكر على ما أعطاه.
ومنها أن لا يستدبر القبر المقدّس في صلاة ولا في غيرها من الأحوال، ويلتزم الأدب شريعة وحقيقة في الأقوال والأفعال.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: وإذا أردت الصلاة فلا تجعل حجرته- ﷺ وراء ظهرك، ولا بين يديك، وتأدّب معه بعد وفاته أدبك معه في حياته من احترامه والإطراق بين يديه، وترك الخصام وترك الخوض فيما لا ينبغي أن يخوض فيه في مجلسه، فإن أبيت فانصرافك خير من بقائك، ومنها: أن يجتنب ما يفعله جهلة العوام من التقرب بأكل التمر الصيحاني في المسجد، وإلقاء النوى به، وقطعهم شعورهم، ورميها في القنديل الكبير.
فقد قال الإمام النّوويّ: أن ذلك من جهالات العوام، وبدعهم المنكرة المستبشعة.
ومنها: إدامة النّظر إلى الحجرة الشّريفة، فإنّها عبادة، قياسا على الكعبة الشريفة العظيمة، فينبغي لمن كان بالمدينة إدامة ذلك إذا كان في المسجد، وإدامة النظر إلى القبة الشريفة، إذا كان خارجه مع الهيبة والحضور.
ومنها: أنه يستحبّ الخروج كلّ يوم إلى البقيع بعد السلام على رسول الله- ﷺ خصوصا يوم الجمعة، فيقول إذا انتهى إليه: السّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم.
وقال الإمام النووي- رحمه الله تعالى-: ويزور القبور الطاهرة بالبقيع، كقبر إبراهيم بن النبي- ﷺ وعثمان والعباس والحسن بن علي وعلي بن الحسين ومحمد بن علي بن جعفر، وجعفر بن محمد، وغيرهم، ويختم بصفيّة.
قال العلّامة فضل الله ابن القاضي نصر الدين الفوري الحنفي: وإذا خرج من باب البلد يأتي قبة العباس والحسن بن علي- رضي الله تعالى عنهم-، ويختم بزيارة صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله- ﷺ .
قال السيد: ولعله يكون مشهدهم أوّل المشاهد التي يلقاها الخارج من البلد، فإنه يكون على يمينه، فمجاوزتهم من غير سلام عليهم جفوة، فإذا سلك تلك الطريق سلّم على من يمر به بعدهم، فيكون مروره على صفية في رجوعه، فيختم بها.
وقال البرهان ابن فرحون: أول المشاهد وأولاها بالتقديم مشهد سيدنا أمير المؤمنين عثمان بن عفّان، لأنه أفضل الناس بعد أبي بكر وعمر- رضي الله تعالى عنهم أجمعين- واختار
стр. 5688
بعضهم البدأة بقبر سيدنا إبراهيم ابن سيدنا رسول الله- ﷺ .
قال السيد: فتلخص فيمن يبدأ به ثلاثة آراء.
ويختم الزائر إذا رجع بمشهد إسماعيل بن جعفر الصادق، لأنه صار داخل سور المدينة، ومشاهد البقيع كلّها خارج السور، ويذهب إلى زيارة مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، ومشهد النفس الزكية فإنهما ليسا بالبقيع، وهو السيد الشّريف محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن- مرّتين- بن علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنهم- قتل أيام أبي جعفر المنصور، وهذا المشهد في جبل «سلع» .
ومنها: أنه يستحب أن يأتي قبور الشهداء بأحد.
وقال العلامة ابن الهمام: ويزور جبل أحد نفسه.
ففي الصحيح «جبل أحد يحبّنا ونحبّه» .
ويبكر بعد صلاة الصبح بالمسجد النبوي حتى يعود، ويدرك الظهر به، ويبدأ بسيد الشّهداء، وهو سيّدنا حمزة- رضي الله تعالى عنه-.
قالوا: وأفضلها يوم الخميس، وكأنّه لضيق الجمعة عن ذلك.
وقد قال محمد بن واسع: بلغني أنّ الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة، ويوما قبله ويوما بعده.
ومنها: أنه يستحب استحبابا متأكدا أن يأتي مسجد قباء وهو يوم السبت أولى ناويا التقرب بزيارته والصلاة فيه، وإذا قصد إتيانه توضأ وذهب إليه، ولا يؤخر الوضوء حتى يصل إليه.
ومنها: أن يأتي بقية الآثار المنسوبة للنبي- ﷺ بالمدينة مما عملت يمينه أو جهته.
وكذا الآبار التي شرب منها الرسول- ﷺ وتوضّأ أو اغتسل، فيتبرّك بمائها، صرّح جماعة من الشافعية وغيرهم باستحباب ذلك كلّه.
وقد كان ابن عمر يتحرّى الصلاة والنزول والمرور حيث حلّ النبي- ﷺ ونزل وغير ذلك، وما نقل عن الإمام مالك مما يخالف هذا سدّ للذريعة تبعا لعمر- رضي الله تعالى عنه-.
فقد روى سعيد بن منصور عن المعرور بن سويد، أنه خرج مع عمر في حجّة حجها، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد فقال ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله- ﷺ فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتّخذوا آثار الأنبياء بيعا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصلّ، ومن لم يعرض له فليمض.
стр. 5689
قال القاضي: ومن إعظامه- ﷺ وإكباره إعظام جميع أسبابه، وإكرام جميع مشاهده وأمكنته ومعاهده، وما مسّه- ﷺ بيده أو عرف به انتهى.
وذلك بزيارة تلك المشاهد والتبرك بها، ولله در القائل:
خليليّ، هذا ربع عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثمّ انزلا حيث حلّت
ومسّا ترابا طال ما مسّ جلدها ... وظلّا وبيتا حيث باتت وظلّت
ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما ... ذنوبا إذا صلّيتما حيث صلّت
ومنها: أن يكون مع ذلك دائم الأشواق لذلك المزار ومشاهدة تلك الآثار، متعلّق القلب بالعود إلى تلك الديار، ينمي شوقه بتأمل ما نقل من الآثار والأخبار، وما نظم فيه من نفائس الأعشار، ومن أعظمها وأعذبها وأعجبها، قصيدة الإمام الولي العارف بالله تعالى، أبو محمد العسكري التي مطلعها:
دار الحبيب أحقّ أن تهواها ... وتهيم من طرب إلى ذكراها
وقد تقدمت بتمامها في أبواب فضل المدينة الشريفة «أوائل الكتاب» وكذلك ما قاله البدر بن فرحون أحد أصحاب ناظمها: إن بعض الصالحين رأى النبي- ﷺ في المنام قال البدر: وأشك هل كان هو الشيخ أو غيره، وأنشده هذه القصيدة، فلما بلغ آخرها وهو ظني أنه يرضاها، قال النبي- ﷺ : رضيناها، ورضيناها رضيناها» .
стр. 5690
جماع أبواب التوسل به- ﷺ -
الباب الأول في مشروعية التوسل به- ﷺ إلى الله ﵎
قال الإمام السبكي- رحمه الله تعالى-: أعلم أن الاستعانة والتشفع بالنبي- ﷺ وبجاهه وبركته إلى ربه ﵎ من فعل الأنبياء- ﷺ وسير السلف الصالحين واقع في كل حال، قبل خلقه وبعد خلقه، في مدة حياته الدنيوية، ومدة البرزخ [وبعد البعث] وعرصات القيامة، وذلك مما قام الإجماع عليه وتواترت به الأخبار، وإذا جاز السؤال بالأعمال كما في حديث الغار الصحيح، وهي مخلوقة، فالسؤال بالنبي- ﷺ أولى، وفي العادة أن من له عند شخص قدر يتوسّل به إليه في غيبته، فإنه يجيب إكراما للمتوسل به، وقد يكون ذكر المحبوب أو المعظّم سببا للإجابة ولا فرق في هذا بين التعبير بالتوسّل، أو الاستعانة، أو لتشفع أو السّجود، ومعناه: التوجه بذي الحاجة، وقد يتوجّه بمن له جاه إلى من هو أعلى منه، وكيف لا يتشفع ويتوسل بمن له المقام المحمود والجاه عند مولاه، بل يجوز التوسل بسائر الصالحين، كما قاله السبكي، وإن نقل بعضهم عن ابن عبد السلام ما يقتضي أن الله تعالى يختص بتعظيم من خلقه، فينبغي أن يكون مقصورا على نبينا- ﷺ .
الباب الثاني في ذكر من توسل به قبل خلقه من الأنبياء- ﷺ -
روى الحاكم والطبراني والبيهقي عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال:
قال رسول الله- ﷺ : «لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ أسالك بحقّ محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنّك لمّا خلقتني بيدك، ونفخت فيّ من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً، لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت إنك لم تضف إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك، فقال تعالى: [صدقت يا آدم إنّه لأحب الخلق إليّ إذا سألتني بحقّه غفرت لك] ولولا محمد ما خلقتك» وتقدم هذا الحديث في باب خلق آدم وجميع المخلوقات لأجله- ﷺ ، وتقدمت شواهده هناك، وقد بشّر به موسى وعيسى- صلى الله عليهما وسلم حين وجداه في التوراة والإنجيل، كما أخبر الله تعالى في كتابه المجيد، فكانا يتوسلان إلى الله تعالى به- ﷺ .
стр. 5691
الباب الثالث في ذكر من توسل به- ﷺ في حياته من الإنس
روى التّرمذيّ، والنسائي، والبيهقي من طرق، عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبي- ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني قال: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضّأ، فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيّك نبي الرحمة، يا محمد إنّي توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، اللهم فشفعه في» [ (١) ] .
زاد البيهقي من طرق «فقام وقد أبصر» .
وفي رواية: «ففعل الرّجل فبرأ ببركته- ﷺ » .
стр. 5692
الباب الرابع في ذكر من توسل به- ﷺ في حياته من الحيوانات
روى ابن شاهين في «دلائله» عن عبد الله بن جعفر- رضي الله تعالى عنه- قال:
«أردفني رسول الله- ﷺ ذات يوم خلفه، فأسرّ إليّ حديثا لا أحدّث به أحدا من الناس،
وقال: كان أحبّ ما استتر به رسول الله- ﷺ لحاجته هدف أو حائش نخل، فدخل حائط رجل من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى النبي- ﷺ حنّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي- ﷺ فمسح سراته وذفراه فسكت» .
وفي رواية: «فسكن، ثم قال: من ربّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل فجاء فتى من الأنصار فقال: هذا لي يا رسول الله، فقال: أفلا تتّقي الله في هذا الجمل، الذي ملّكك الله إيّاه، فإنّه يشتكي إليّ أنّك تجيعه وتدئبه» .
وروى مسلم: «إلى حائش نخل» عن محمد بن عبد الله بن أسماء، ورواه أبو داود بطوله عن موسى بن إسماعيل، عن مهدي بن ميمون.
وروى ابن ماجه «أوله» عن مهدي، وذكر ابن النعمان في كتابه «مصباح الظّلام» بسنده عن تميم الداري- رضي الله تعالى عنه- قال: كنا جلوسا مع النبي- ﷺ إذ أقبل بعير يغدو، حتى وقف على هامة رسول الله- ﷺ فزعا فقال له رسول الله- ﷺ : «أيّها البعير اسكن، فإن تك صادقا فلك صدقك، وإن تك كاذبا فعليك كذبك، مع إن الله قد أمّن عائذنا، وليس بخائب لائذنا» .
قلنا: يا رسول الله ما يقول البعير؟ قال: همّ أصحابه بنحره وأكله، فهرب منهم، فاستغاث بنبيكم، فبينما نحن كذلك، إذ أقبل أصحابه يتعادون، فلما رآهم البعير عاد إلى هامة رسول الله- ﷺ فلاذ بها، فقالوا: يا رسول الله، بعيرنا هرب منّا منذ ثلاثة أيّام، فلم نلقه إلّا بين يديك، فقال رسول الله- ﷺ : «أما إنه شكا، فيئست الشكاية» ، فقالوا: يا رسول الله ما يقول؟ قال: «يقول إنه ربي في بيتكم وكنتم تحملون عليه في الصّيف إلى موضع الكلأ، وفي الشتاء إذا رحلتم إلى موضع الدفء، فلما كبر استفحلتموه، فرزقكم الله به إبلا سائمة، فلما أدركته هذه السنة الخصبة هممتم بنحره وأكل لحمه، فقالوا: قدر الله كان ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله- ﷺ : «ما هذا جزاء المملوك الصّالح من مواليه، فقالوا: يا رسول الله إنا لا نبيعه ولا ننحره، فقال رسول الله- ﷺ : «كذبتم، قد استغاث بكم فلم تغيثوه، فأنا أولى بالرحمة منكم، فاشتراه وأعتقه» .
وروى البيهقي في «دلائله عن عطية بن أبي سعيد قال: «مر رسول الله- ﷺ بظبية
стр. 5693
مربوطة إلى خباء، فقالت: يا رسول الله حلّني حتى أذهب فأرضع خشفي، ثم أرجع فتربطني، فقال رسول الله- ﷺ : صيد قوم، وربيطة قوم، قال: فأخذ عليها فحلفت له، فحلها، فما مكثت إلا قليلا حتى جاءت، وقد نفضت ما في ضرعها، فربطها رسول الله- ﷺ ، ثم أتى خباء أصحابها، فاستوهبها منهم، فوهبوها له، فحلها ثم قال رسول الله- ﷺ : «لو علمت البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم سمينا أبدا»
[ (١) ] .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقد تقدم بعضها في أبواب معجزاته- ﷺ .
في بيان غريب ما سبق:
[الهدف: ...
الحائش: ...
حنّ: ...
ذرفت: ...
سراته: ...
زفراه: ...
استفحلتموه:.] [ (٢) ] ...
стр. 5694
الباب الخامس في ذكر من توسل به- ﷺ بعد موته
روى الطبراني والبيهقي- بإسناد متّصل ورجاله ثقات- عن عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفّان في حاجة، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة، فتوضأ ثمّ ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين، ثم قال: اللهم إني أسالك وأتوجّه إليك بنبينا محمد- ﷺ نبي الرحمة، يا محمّد إني أتوجّه بك إلى ربي فتقضي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان، فجاءه البواب حتى أخذ بيده، فأدخله على عثمان، فأجلسه معه على الطّنفسة، فقال: ما حاجتك؟ فذكرها له، وقال له: ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلى حتى كلمته
فقال له عثمان بن حنيف: والله ما كلّمته، ولكني شهدت رسول الله- ﷺ وأتاه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي- ﷺ : [أو تصبر؟
فقال: يا رسول الله ليس لي قائد، وقد شقّ عليّ] فقال: ائت الميضأة فتوضّأ ثمّ صلّ ركعتين، ثم ادع بهذه الدّعوات.
فقال ابن حنيف: فو الله ما تفرّقنا، وطال بنا الحديث، حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قطّ [ (١) ] .
وقال الإمام النووي في «تهذيبه» في ترجمة «عقبه بن عامر» - رضي الله تعالى عنه-:
شهد فتوح الشّام، وكان البريد إلى عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- بفتح دمشق، ووصل إلى المدينة في سبعة أيّام، ورجع منها إلى الشام في يومين ونصف، بدعائه عند قبر النبي- ﷺ ، وتشفّعه به في تقريب طريقه.
وقال الشيخ تقي الدين بن الصّلاح- في كلامه على بعض المسائل- لقد انتدب بعض العلماء لاستقصائها يعني: معجزاته- ﷺ فجمع ألف معجزة، وعددناه مقصّرا، إذ هي فوق ذلك بأضعاف لا تحصى، فإنّها ليست محصورة على ما وجد في عصره منها- ﷺ ، فلم تزل تتجدد بعده- ﷺ علي تعاقب العصور، وذلك أن كرامات الأولياء من أمّته وإجابات المتوسلين في حوائجهم ومعوناتهم، عقب توسلهم به في شدائدهم له براهين قواطع ومعجزات
стр. 5695
سواطع، لا يعدّها عادّ، ولا يحصرها حادّ.
قلت: وقد ألف الإمام العلامة سيدي أبو عبد الله بن النعمان في ذلك كتاباً سماه «مصباح الظّلام في المستغيثين بخير الأنام في اليقظة والمنام» أتى فيه بالعجيب العجاب، الذي لا يشك فيه من له أدنى تمييز فعليك به، فإنّه جامع في بابه.
الّلهم إنا نسألك، ونتوجه إليك بنبيك محمد- ﷺ أن تحسن عاقبتنا في الأمور كلّها، وأن تجيرنا من خزي الدّنيا وعذاب الآخرة، وقد تقدم منها في أبواب معجزاته- ﷺ جملة، فراجعها إن شئت، والله الموفق للصواب.
стр. 5696
جماع أبواب الصلاة والسلام عليه- ﷺ زاده الله فضلا وشرفا لديه
الباب الأول في فوائد تتعلق بالآية الكريمة
منها: أنه انعقد الإجماع على أن في هذه الآية من تعظيم الله تعالى للنبي- ﷺ والتنويه به ما ليس في غيرها» وهي مدنيّة، والمقصود منها إخباره تعالى عباده بمنزلة نبيه- ﷺ عنده في الملأ الأعلى، بأنه أثنى عليه عند الملائكة المقرّبين، وأن الملائكة يصلون عليه، ثم أمر أهل العالم السّفليّ بالصلاة عليه والتسليم، ليجتمع الثّناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا، وقال تعالى: «يصلّون» - بصيغة المضارع الدالة على الدّوام والاستمرار- ليدلّ على أنه- وجميع الملائكة يصلّون على نبينا- ﷺ دائما أبدا، وغاية مطلوب الأوّلين والآخرين صلاة واحدة من الله تعالى، وأنّى لهم ذلك؟ ومنها:
الكلام على اشتقاقها ومعناها لغة وشرعا، وللصّلاة في اللغة معنيان.
أحدهما:
الدّعاء والتّبرّك، ومنه قوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة ١٠٣] وقوله : وَصَلَواتِ الرَّسُولِ [التوبة ٩٩] وقوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [التوبة ٨٤] .
ومنه الصلاة على الجنازة، أي: الدعاء له، وسمّي الدّعاء صلاة، لأن قصد الداعي جميع المقاصد الجميلة، بحسب اختلاف السائلين.
والمعنى الثاني: العبادة، ومنه
قوله ﵊: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان صائما فليصلّ» ،
أي: فليدع بالبركة لهم.
وقيل: معناهما الدعاء، وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هي منقولة عن موضوعها في اللغة؟ فتكون حقيقة شرعيّة، لا مجازا شرعيّا، فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها لغة، وهو الدعاء، والدعاء دعاء عبادة ودعاء مسألة، والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة، فهو في صلاة حقيقيّة لا مجازا ولا منقولا، لكن خصّ اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة بسائر الألفاظ التي تخصّها أهل اللّغة والصّرف ببعض مسمياتها كالدابّة والرّأس، فهذا غايته تخصيص اللفظ وقصره على بعض
стр. 5697
موضوعه، وهذا لا يوجب نقلا ولا خروجا عن موضوعه الأصلي، وهو نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة فالعابد داع كالسائل، وبهما فسّر قوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر ٦٠] فقيل: أطيعوني أثبكم.
وقيل: سلوني أعطكم.
قال ابن القيم: والصواب أنّ الدعاء يعم النوعين أو غير ذلك.
واعلم أن الصلاة يختلف حالها بحسب حال المصلي والمصلى له والمصلى عليه.
فأما بالنسبة إلى حال المصلي، فقيل: إنّ معنى صلاة الله على نبيه صلاته عليه عند ملائكته، وصلاة الملائكة عليه الدعاء له، رواه البخاري في أبي العالية.
وقيل: صلاة الرّبّ الرّحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، نقله الترمذي عن سفيان وغير واحد من أهل العلم، ورجّح القرافيّ أنّ الصّلاة من الله المغفرة.
وقيل: صلاته تعالى: «سبّوح قدّوس رب الملائكة والروح» . رواه ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الآية.
وقال الماورديّ: هي من الله في أظهر الوجوه الرّحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن المؤمنين الدّعاء.
نقل عياض عن أبو بكر القشيري قال: الصلاة على النبي- ﷺ تشريف وزيادة تكرمة، وعلى من دون النّبيّ رحمة.
وأما صلاتنا فالمراد بها التعظيم بأسباب ما ينبغي له فضل الله تعالى.
فمعنى قولنا: «اللهم صل على محمّد اللهمّ أعطه في الدّنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة تشفيعه في أمّته وإجزال أجره ومثوبته، وإبداء فضله للأوّلين والآخرين بالمقام المحمود، وتقديمه على كافّة المقرّبين الشّهود، وهذا وإن كان واجبا علينا فهو ذو درجات ومراتب، فإذا صلّى عليه أحد من أمّته واستجيب دعاؤه، جاز أن يزاد النبي- ﷺ بذلك الدعاء في كل شيء مما سميناه، ولمّا لم نملك إيصال ما يعظم به أمره، ويعلو به قدره، لأن ذلك إنما هو بيد الله تعالى، أمرنا أن نصلي عليه بأن ندعوا الله تعالى له بذلك، ونبتغي من الله تعالى إيصال ذلك إليه، قضاء لحقه، وتقرّبا إلى الله تعالى، فقد أمرنا بالمكافأة لمن أحسن إلينا، فإن عجزنا عنه، كافأناه بالدعاء، فأرشدنا تعالى لما علم عجزنا عن ذلك إلى الصلاة عليه، ليكون مكافأة لإحسانه إلينا، قاله ابن عبد السلام.
стр. 5698
وقال ابن العربي: فائدة: الصلاة عليه ترجع إلى المصلي، لدلالة ذلك على نصوح العقيدة وخلوص النّيّة وإظهار المحبة، والمداومة على الطاعة والاحترام للواسطة الكريمة.
قال السهيلي- رحمه الله تعالى- ما حاصله: أن الله تعالى أخبر أنّه هو وملائكته يصلّون عليه، وكلّ واحد من المؤمنين وجب أن يصلّي عليه، فوجب على كل واحد أن يباشر الصلاة عليه- ﷺ ، والصلاة عليه- ﷺ بعد موته من هذا القبيل.
وقال أيضا: صلاة الملائكة في ذلك الزمان وما تأخّر جميعه محتمل لأمرين:
إما أن يكون على سبيل الأوجب، بالنسبة إليه- ﷺ .
وأما أن يكون على سبيل الأفضل، بالنسبة إليه، وهو الأقرب.
وعلى الاحتمالين فالخصوصيّة ثابتة.
إما على الأول فواضح.
وإما على الثاني، فلأن الأفضل في حق غيره فعلها جملة، وليست شرطا بلا خلاف.
وقال ابن النعمان، عن شيخه ابن عبد السلام ليست الصلاة على رسول الله- ﷺ بشفاعة منا، فإنّ مثلنا لا يشفع لمثله، لكن الله أمرنا بمكافأة من أنعم علينا وأحسن إلينا، فإن عجزنا عن مكافأته دعونا له أن يكافئه عنّا، ولما عجزنا عن مكافأة سيد الأولين والآخرين، أمرنا رب العالمين أن نرغب إليه، بأن نصلّي، لتكون صلاتنا عليه مكافأة لإحسانه إلينا، وإفضاله علينا، إذ لا إحسان أفضل من إحسانه- ﷺ وعلى آله وإخوانه.
قال السهيلي: وفي حكمها مذاهب. الاستحباب مطلقا، قاله ابن جرير الطّبريّ، وادّعى الإجماع عليه، وأوّله بعض العلماء بما زاد على المرة الواحدة، وهو متعيّن، فقد نقل ابن القصّار وغيره الإجماع على أنها تجب في الجملة من غير حصر، لكن أقلّ ما يحصل به الإجزاء مرّة.
وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن الصلاة عليه فرض على كل مؤمن بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ [الأحزاب ٥٦] .
وقيل: واجبة مرّة في العمر في صلاة أو غيرها، ككلمة التّوحيد، وحمد الله وشكره.
قال ابن حزم، وأبو بكر الرازي من الحنفية، وغيرهما، وقال القرطبيّ المفسّر: لا خلاف في أنّ الصّلاة عليه فرض في العمر مرة، وأنها واجبة في كل حين [من الواجبات] وجوب السّنن المؤكّدة، وسبقه إلى ذلك ابن عطيّة فقال: الصلاة على النبي- ﷺ في كل حال
стр. 5699
واجبة وجوب السّنن المؤكّدة، التي لا يسع تركها، ولا يغفلها إلّا من لا خير فيه وقال ابن القصّار: المشهور عن أصحابنا أنّها واجبة في الجملة على الإنسان، وفرض عليه أن يأتي بها مرّة في دهره، مع القدرة على ذلك.
قال الفاكهاني: في معنى المشهور، أنّه اشتهر من قول أصحابنا، لا أعلم مخالفا.
وقيل: تجب في القعود آخر الصلاة، وهو مذهب الإمام الشافعي ومن تبعه.
وقيل: تجب في التشهد، وهو قول الشّعبيّ وابن راهويه.
وقيل: تجب في الصلاة من غير تعيين محل، نقل ذلك عن أبي بكير من المالكية.
وقيل: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله أبو بكر بن بكير من المالكية.
وقال بعض المالكية: فرض إسلاميّ جمليّ غير متعلّق بعدد ولا وقت معيّن.
وقيل: يجب كلّما ذكر، قاله الطّحاويّ وجماعة من الحنفية، والحليميّ، وجماعة من الشّافعيّة.
وقال ابن العربي من المالكية: إنّه الأحوط.
قيل: في كل مجلس مرّة، ولو تكرر ذكره مرارا، حكاه الزّمخشريّ.
وقيل: في كل دعاء [حكاه أيضا] .
[ومنها ما روي عن سهل بن محمّد [ ... ] آدم [ ... ] بأمر الملائكة له بالسجود، لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في هذا التّعريف، فتشريف يصدر عنه أبلغ من تشريف يختصّ به الملائكة.
ومنها: ما ذكره عن ابن أبي الدّنيا، عن ابن أبي فديك سمعت بعض من أدركت يقول:
بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي- ﷺ فقال هذه الآية ثم قال: صلى الله عليك يا محمّد سبعين مرّة ناداه ملك- صلى الله عليك يا فلان لم يسقط لك حاجة] [ (١) ] .
ومنها أنه عبّر فيها بالنبي- ﷺ ، ولم يقل: على محمّد، كما وقع لغيره من الأنبياء- ﷺ لقوله: يا آدم، يا يحيى، يا عيسى، يا إبراهيم لما في ذلك من الفخامة والكرامة التي اختص بها عن سائر الأنبياء، إشعارا بعلوّ المقدار، وإعلاما بالتفضيل على سائر الرّسل
стр. 5700
الكرام، ولما ذكر نبيّنا مع الخليل- ﷺ ذكر الخليل باسمه، وذكر الحبيب بلقبه فقال:
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ [آل عمران ٦٨] فكل موضع سمّاه باسمه إنما هو لمصلحة تقتضي ذلك فافهمه.
ومنها أن الأولى قد يكون الألف واللام فيه للغلبة، كالمدينة، فكأنه المعروف الحقيقي به، المقدم على سائر الأنبياء- ﷺ .
ومنها أن صلاة جميع الملائكة عليه مما خصه الله تعالى به دون سائر الأنبياء والمرسلين.
تنبيه:
قد كثر السؤال عن الحكمة في تأكيد التسليم بالمصدر دون الصلاة، وأجاب الفاكهاني بما حاصله: أن الصلاة مؤكدة معنى صلاة الله وملائكته ولا كذلك السلام، فحسن تأكيده لفظا إذ ليس ثمّ ما يقوم مقامه.
وأجاب الحافظ بجواب آخر محصله: أنه لما وقع تقديم الصلاة على السلام في اللفظ، وكان للتقديم مزية في الاهتمام، وحسن أن يكون السلام لتأخر مرتبته في الذّكر، لئلا يتوهم قلّة الاهتمام، لتأخره، والعلم عند الله.
ومنها: الكلام على إعرابها فقد اختلف في نصب «الملائكة» وبه قرأ العشرة وبرفعه قرأ ابن عباس وهي رواية شاذّة عن أبي عمرو فنصبه بالعطف على اسم «إنّ» وهو الاسم الكريم والرفع على محل اسم «إنّ» على مذهب الكوفيين وعلى أنه مبتدأ محذوف الخبر عند البصريين أي وملائكته يصلون بدل عليه يصلون المذكور، ولا يضر كون المبتدأ مفردا والخبر جميعا، لأن الخبر قد يقع جمعا للتعظيم كما ذكره بعضهم، ولا خفاء في أن حرف النداء قد أناب مناب أدعو، وأيّ منادى مفرد مبني على الضم خلافا للكسائي في أن ضمته ضمة إعراب أتي به وصلة لنداء ما، فيه «ألى» محله نصب، وهو اسم مبهم مفتقر إلى ما يزيل إبهامه فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه كاسم الإشارة يتصف به حتى يصحّ المقصود بالنداء فالذي يعمل فيه والذي صفة له لا ينفك عنها لعدم استقلاله بنفسه.
ومنها: السّبب في نزولها.
روى عن كعب بن عجرة قال: قيل: يا رسول الله، قد عرفنا السلام عليك، فكيف نصلي؟ فنزلت.
ومنها: وجه مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لمّا ذكر حقوقه- ﷺ مما خصّه به دون أمته من حل نكاح من تهب نفسها وتعظيمه وتوقيره وتحريم نكاح أزواجه على الأمة بعده، ورفع
стр. 5701
الجناح عن أزواجه في تكليمهن آبائهن وأبنائهن، ودخولهن عليهن ودخولهم عليهن، وأنه محترم في الملأ الأعلى بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب ٥٦] انعقد الإجماع على أن في هذه الآية من تعظيم النبي- ﷺ والتنويه به ما ليس في غيرها، فنشر ذكره في السموات السبع، وعند المستوي وصريف الأقلام والعرش والكرسي وجميع الملائكة المقربين وفي سائر آفاق الدنيا.
ومنها: زمن نزولها: فروى أنها نزلت في الأحزاب بعد نكاحه- ﷺ زينب بنت جحش وبعد تخييره أزواجه.
وقال الحافظ أبو ذر الهروي في السنة الثانية من الهجرة.
وقيل: ليلة الإسراء.
وقيل: في ليلة النصف من شعبان.
ومنها: الكلام على الملائكة والملائكة جمع ملك، واختلف فيما اشتق منه على ستة أقوال، وفي ماهيتهم وحقيقتهم وفي عصمتهم وفضلهم على الأنبياء.
والجمهور على أنهم أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل فتظهر في صور مختلفة وتقوى على أفعال ما مر.
وأكثر أهل السنة على أن الأنبياء أفضل منهم، والهاء في ملكة لتأنيث الجمع نحو صلادمة.
وقيل: للمبالغة كعلامة، وليس بشيء، وحذفها شذوذ كما قيل أبا خالد صلّت عليك الملائكة، وكثرتهم لا يعلمها إلا الله تعالى وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر ٣١] .
وأما الكلام على النبي- ﷺ فقد تقدم في أوائل هذا الكتاب مبسوطا.
ومنها الحكمة في إتيانه بالجلالة دون غيره من الأسماء الحسنى أنه الاسم الأعظم على ما رجحه كثيرون، ولم يقسم به غيره كما فسّر به قوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم ٦٥] وأنه يضاف إليه فيقال: الرحمن الرحيم اسم الله ولا عكس وجميع الأسماء ولأنه لا ينقص بنقص شيء من حروفه فإذا أسقطت الهمزة قلت لله الأمر وإن أسقطت اللام الأولى قلت: «له ملك السّموات والأرض» وإن أسقطت الثانية قلت: «هو الأوّل والآخر» وقال: «آمنوا» دون «يا أيها الناس» وإن كان الصّحيح أنه خاطب الكفار بفروع الشريعة، لأن الصلاة من أجل القرب فاختص بها المؤمنون وعدّي ب «على» المراد بها الدّعاء، لأن المراد من قوله تعالى:
стр. 5702
صَلُّوا عَلَيْهِ أي قولوا: اللهم صل على محمد، كما أجاب به- ﵊ فيمن قال: قد أمرنا بالصّلاة عليك، فكيف نصلي؟ فقال: قولوا: ...
ومنها أنه تعالى قدّم صلاته عليه ترغيبا للمؤمنين في ذلك وترهيبا لهم من تركها.
[ومنها: أن تشريفه بصلاة الله عليه أسمى من شرف آدم بأمر الله تعالى الملائكة له بالسجود.
قال الفاكهانيّ: لما كانت الصّلاة عليه مؤكدة، يعني بصلاة الله وملائكته ولا كذلك السّلام أكّده بالمصدر.
وقال الحافظ: لمّا وقع تقديم الصلاة والسلام في اللفظ، وكان للتقديم مزيّة في الاهتمام حسن أن يؤكد السّلام لتأخره والعلم لله تعالى انتهى]
[ (١) ] .
стр. 5703
الباب الثاني في الأمر بالصلاة والسلام عليه، زاده الله فضلا وشرفا لديه
وفيه أنواع:
الأول:
في الأمر بالصلاة والسلام عليه، قال الله- : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب ٥٦]
وقال رسول الله- ﷺ : «حيثما كنتم فصلّوا عليّ، فإنّ صلاتكم تبلغني» رواه الطبراني وأبو داود والنّسائيّ.
وقال- ﷺ «من ذكرت عنده فليصلّ عليّ» رواه الإمام أحمد والنسائي وابن حبان.
وقال ﵊: «إذا سمعتم المؤذّن، فقولوا مثل ما يقول ثمّ صلّوا عليّ» رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
وقال- ﷺ : «أكثروا من الصلاة على فإنّ الله وكّل بي ملكا عند قبري فإذا صلّى على رجل من أمّتي، قال، قال: ذلك الملك يا محمد إن فلان بن فلان صلّى عليك السّاعة» ورواه الديلمي في «مسند الفردوس» وأبو يعلى.
وقال ﵊: «أكثروا الصّلاة عليّ، فإن صلاتكم عليّ مغفرة لذنوبكم، واطلبوا لي الدّرجة والوسيلة، فإنّ وسيلتي عند ربي شفاعة لكم» رواه ابن عساكر عن السيد الحسن- رضي الله تعالى عنه-.
وروى ابن عدي في «الكامل» عن ابن عمر وأبي هريرة- رضي الله تعالى عنهما- قالا:
قال رسول الله- ﷺ : «صلوا عليّ، صلّى الله عليكم» .
وروى ابن أبي حاتم- بسند جيد مرسلا- عن قتادة عن النبي- ﷺ قال: «إذا صلّيتم على المرسلين فصلّوا عليّ معهم [فإنّي رسول من ربّ العالمين] » .
وروى الترمذي والحاكم عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «صلّ عليّ وعلى سائر النبيين» .
وروى ابن النجار عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «أكثروا الصّلاة عليّ فإنّه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا» .
وروى الديلمي بلا إسناد عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله تعالى عنه- قال:
قال رسول الله- ﷺ : «صلّوا عليّ، فإنها لكم أضعاف مضاعفة» .
وروى ابن بشكوال عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: «أوصاني
стр. 5704
رسول الله- ﷺ أن أصليها في الحضر والسّفر- يعني صلاة الضّحى- وأن لا أنام إلا على وتر، وبالصلاة على النبي- ﷺ .
وعنه- ﷺ أنه قال: «أكثروا من الصلاة على، لأن أول ما تسئلون في القبر عني» .
قال الحافظ السّخاوي في «القول البديع» : ولم أقف على سنده.
وروى الدّيلمي في مسند الفردوس عن أنس بن مالك.
وفي لفظ: عن أنس عن أبي طلحة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا صلّيتم على المرسلين فصلّوا عليّ معهم، فإنّي رسول من المرسلين» .
ورواه ابن أبي عاصم في كتابه كما هنا بلفظ آخر «إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين»
ذكر المجد اللغوي أن إسناده صحيح يحتج برجاله في الصحيحين.
قال الحافظ السّخاوي في القول البديع فالله أعلم بذلك.
وروى الإمام أحمد وأبو نعيم والبخاري في الأدب عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال:
قال رسول الله- ﷺ : «من ذكرت عنده فليصلّ عليّ ومن صلّى عليّ مرة صلى الله عليه عشرا» ورواه الطبراني في الأوسط بدون «ومن صلى عليّ مرة» إلى آخره ورجاله رجال الصحيح.
وروى الإمام أحمد وأبو الشيخ في الصلاة على النبي- ﷺ له وكذا ابن أبي عاصم وفي سنده ضعف عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «صلّوا عليّ فإنّ صلاتكم عليّ زكاة لكم» وهو عند الحارث وأبي بكر بن أبي شيبة في مسنديهما وزاد فيه: واسألوا الله الوسيلة لي فإمّا سألوه وإمّا أخبرهم فقال: أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد، أرجو أن أكون أنا.
وروى أبو القاسم التميمي في الترغيب: «وأكثروا من الصلاة على، فإنها لكم زكاة وإذا سألتم الله فاسألوه الوسيلة فإنها أرفع درجة في الجنة وهي لرجل، وأنا أرجو أن أكون هو» .
قوله «يصلّون» بصيغة المضارعة الدال على الدوام والاستمرار لا سيما ذلك على أنه سبحانه وجميع ملائكته يصلون عليه فكيف يحسن للمؤمن أن لا يكثر الصلاة عليه- ﷺ ويغفل عن ذلك قاله الفاكهانيّ.
стр. 5705
الباب الثالث في التحذير من ترك الصلاة عليه زاده الله فضلا- ﷺ وشرفا لديه
روى الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإسناد والطّبرانيّ والبخاري في «الأدب المفرد» وإسماعيل القاضي والبيهقي في «شعب الإيمان» والضّياء المقدسيّ، ورجاله ثقات عن كعب بن عجرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «أحضروا المنبر فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: آمين، ثم ارتقى الثانية، فقال: آمين، ثم ارتقى الثالثة فقال:
آمين، فلما نزل قلنا: يا رسول الله، لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه، فقال: إن جبريل عرض لي فقال: بعدا لمن أدرك رمضان فلم يغفر له قلت: آمين: فلما رقيت الثانية قال: بعدا لمن ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت: آمين: فلما رقيت الثالثة، قال بعدا لمن أدرك أبواه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنّة، فقلت: أمين.
ورواه الحاكم في المستدرك والطبراني برجال ثقات غير عمران بن أبان وثقه ابن حبان وضعّفه غير واحد بلفظ: صعد رسول الله- ﷺ المنبر، فلمّا رقى عتبة قال: «آمين وبعد» ، فلم يغفر له فأبعده الله وفي لفظ: إنّ جبريل قال لما رقيت الدّرجة الثّانية: بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقل: آمين.
ورواه البخاري في «الأدب المفرد» والطبراني في «الأوسط» والطبري في تهذيبه والدّارقطنيّ في «الإفراد» وهو حسن، والنسائي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- بلفظ: رقى رسول الله- ﷺ المنبر، فلما رقى الدرجة الأولى، وبلفظ: لما رقيت الدرجة الأولى، جاءني جبريل فقال: شقي عبد أدرك رمضان فانسلخ منه، ولم يغفر له.
قال الحافظ السّخاوي في «القول البديع» : وساقه الضياء في «المختارة» من طريق الطيالسي وقال: هذا عندي على شرط مسلم انتهى.
قال: وفيه نظر،
ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والبخاري في الأدب المفرد وأبو يعلى في مسنده عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- بلفظ: أن رسول الله- ﷺ صعد المنبر فقال: آمين آمين آمين، فقيل: يا رسول الله، إنّك صعدتّ المنبر، فقلت: آمين آمين آمين فقال: «إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان، فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل:
آمين فقلت: آمين.
ورواه البيهقي في الدعوات باختصار.
стр. 5706
ورواه الإمام أحمد والحاكم وصحّحه والترمذي وقال: حسن غريب بلفظ رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ.
وروى الطبراني والطبري عن حسين بن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : من ذكرت عنده فخطئ الصّلاة عليّ خطئ طريق الجنة ورواه ابن أبي عاصم وإسماعيل القاضي عن محمد ابن الحنفية مرسلا.
قال المنذري: وهو أشبه بلفظ «من ذكرت عنده فنسي الصّلاة عليّ» .
وفي لفظ «فلم يصلّ عليّ خطئ طريق الجنة» .
وروى البيهقي في «الشّعب» و «السنن الكبرى» والتيمي في الترغيب والرشيد والعطّار وقال: إن إسناده حسن عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «من نسي الصلاة عليّ فقد نسي طريق الجنّة» .
وفي رواية خطئ طريق الجنة.
قال الحافظ أبو موسى المديني في الترغيب له: هذا الحديث يروى عن جماعة منهم علي بن أبي طالب وابن عباس وأبو أمامة وأمّ سلمة- رضي الله تعالى عنهم-.
ورواه ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله.
وروى البيهقي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أنه- ﵊ قال: قال لي جبريل: رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين.
وروى البيهقي في «الشعب عن جابر قال: قال رسول الله- ﷺ أن جبريل قال: من ذكرت عنده، فلم يصل عليك، فمات ولم يغفر له فدخل النّار، فأبعده الله، قل آمين، فقلت:
آمين.
وروى ابن حبان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : إن جبريل قال: من ذكرت عنده، فلم يصل عليك، فمات فدخل النار، فأبعده الله قل: آمين، فقلت آمين.
وروى ابن أبي عاصم في «الصلاة» عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: خرجت ذات يوم فأتيت رسول الله- ﷺ فقال: ألا أخبركم بأبخل النّاس؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من ذكرت عنده فلم يصل عليّ، فذلك أبخل النّاس.
ورواه إسماعيل القاضي عن عوف بن مالك عن أبي ذر بلفظ: إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل عليّ.
стр. 5707
وروى الإمام أحمد والطيالسيّ والطبراني في «الدعاء» وأبو داود والترمذي وقال: حسن عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: إذا جلس قوم مجلسا، لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلوا على نبيه- ﷺ إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذّبهم، وإن شاء غفر لهم.
وروى الطبراني في «الكبير» و «الدعاء» بسند رجاله ثقات عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «ما من قوم جلسوا مجلسا، ثم قاموا منه لم يذكروا الله، ولم يصلّوا عليّ إلّا كان ذلك المجلس عليهم ترة» .
وروى الدينوري في المجالسة والتيمي في الترغيب والبيهقي في الشعب والضياء في المختارة من طريق أبي بكر الشّافعيّ مرفوعا عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- عن النبي- ﷺ قال: «لا يجلس قوم مجلسا لا يصلون فيه على رسول الله- ﷺ إلا كان عليهم حسرة، وإن دخلوا الجنّة لما يرون من الثواب.
ورواه الضياء في المختارة من طريق أبي بكر بن عاصم والنّسائيّ في عمل اليوم واللّيلة والبغويّ في الجعديّات موقوفا وهو حديث صحيح.
وروى الطيالسي والبيهقي في الشعب والضياء في المختارة والنّسائيّ في اليوم والليلة وتمام في «فوائده» برجال الصحيح على شرط مسلم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال:
قال رسول الله- ﷺ : «ما اجتمع قوم ثم تفرّقوا من غير ذكر الله- وصلاة على النبي- ﷺ إلّا قاموا عن أنتن من جيفة» .
ورواه الطبراني في الدعاء بلفظ: «ما من قوم اجتمعوا في مجلس ثم تفرّقوا ولم يذكروا الله ولم يصلّوا على نبيهم- ﷺ إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة» .
وروى الإمام أحمد في مسنده والنّسائيّ في سننه الكبرى والبيهقي في الدعوات والشّعب عن الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «البخيل» زاد بعضهم «كلّ البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ» .
ورواه الترمذي عن عليّ وقال: حسن صحيح، وفي نسخة: حسن غريب، والنسائي وابن بشكوال من طريق البخاري في تاريخه وسعيد بن منصور في سننه والبيهقيّ في شعبه وإسماعيل القاضي.
قال الحافظ السّخاوي في «القول البديع» : واختلف في إسناده، فأرسله بعضهم، فحذف التابعيّ والصحابيّ معا، وبالجملة فلا يقتصر على درجة الحسن.
وروى الترمذي وصحّحه البيهقي في شعبه عن علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى
стр. 5708
عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إن البخيل كلّ البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي» .
وروى البيهقي في الشعب عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «البخيل كلّ البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ» .
وروى ابن حبان والبيهقي في الشعب عن الحسين- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «إنّ البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ» .
تنبيهات
الأول: استشكل حمل حديث «من نسي الصلاة» على ظاهره
بما ورد «رفع عن أمتي الخطأ والنّسيان»
وبأن الناس لا لوم عليه، لأنه غير مكلّف.
وأجيب يحمل الناس على التّارك كقوله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة ٦٧] .
الثاني: يعني قوله «وإن دخلوا الجنة» أن ذلك في عرصات القيامة لما فاتهم من الثّواب ولو كان مصيرهم إلى الجنّة، لأن الحسرة تلزمهم قبل دخول الجنة.
الثالث: قال الطيبيّ: «الفاء» في قوله: «فلم يصلّ عليّ» استبعادية والمعنى: بعد من الغافل، بل من المؤمن أن يتمكن من أجر كلمات معدودات على لسانه، فيفوز بعشر صلوات من الله تعالى، ويرفع له عشر درجات، ويحط عنه عشر سيئات، ثم لم يغتنمه حتّى يفوت عنه فحقيق أن يحقره الله تعالى ويضرب عليه الذّلّة والمسكنة.
وتعقبه بعضهم أنّ «الفاء» بمعنى «ثمّ» إذ لا داعي إلى ذلك بل كونها للتعقيب أقعد بالمعنى في هذا المقام حتى يحصل منه التراخي عن تعقيب الصلاة عليه بذكره، بل ينبغي أن تكون الصلاة عليه معقبة بذكره عنده حتّى لو تراخى عن ذلك ذمّ عليه.
الرابع: قوله: «فلم يدخلاه الجنّة» أي فلم يبرّهما فيكون سببا لدخول الجنّة فهو إسناد مجازيّ، لأن دخول الجنة برحمة الله تعالى.
الخامس: عرّف البخيل بالألف واللام ليدلّ على أنه الكامل في البخل على ما يقتضيه تعريف المبتدأ.
قال الفاكهانيّ: وهذا أقبح بخل وأسوأ شحّ، لم يبق بعده إلا بخل بكلمة الشّهادة، وهو يقوي القول بوجوب الصّلاة عليه كما ذكر، والله أعلم انتهى.
ولا شك أن إخباره- ﷺ برغم أنف من ذكر عنده فلم يصل عليه والإبخال عليه بالبخل والإبعاد والدعاء عليه والشقاء يقتضي الوعيد، والوعيد على الترك من علامات الوجوب،
стр. 5709
وهو قول الطّحاويّ وجماعة من الحنفية والحليميّ والشّيخ أبي كامل الإسفرايينيّ وجماعة من الشافعية وابن بطّة من الحنابلة.
وقال ابن العربي من المالكية: إنّه الأحوط وهذا خارج الصّلاة، وهل هي فرض عين وعليه الأكثر، أو كفاية وعليه أبو الليث السمرقندي من الحنفية في مقدّمته.
وقيل بوجوبها في كل مجلس مرة وإن تكرّر، حكاه الزمخشري وقيل: بوجوبها مرّة في العمر وهو محكيّ عن الحنفية، ونقل عن مالك والثوري والأوزاعيّ.
وقال القاضي عياض وابن عبد البر: إنه قول جمهور الأمة.
وقال أبو عبد الله القرطبيّ: لا خلاف في وجوبها في العمر مرة وأنّها واجبة في كل حين وجوب السّنن المؤكّدة.
وقال ابن عطية: الصلاة على النبي- ﷺ في كل حال واجبة وجوب السّنن المؤكدة التي لا يسع تركها ولا يغفل عنها إلا من لا خير فيه.
وقيل: واجبة في الجملة من غير حصر.
وأقلّ ما يحصل به الإجزاء مرّة، وادّعى بعض المالكية الإجماع عليه، قال ابن القصار منهم: المشهور عن أصحابنا أن ذلك واجب في الجملة على الإنسان وفرض عليه أن يأتي بها مرة في دهره مع القدرة على ذلك.
وقيل: واجبة في التشهد الأخير.
قال الإمام الشافعي: شرط في صحّة الصلاة.
وقيل: واجبة فيها من غير تعيين محلّ، نقل ذلك عن أبي جعفر الباقر.
وقيل: يجب الإكثار منها من غير تقييد، قاله القاضي أبو بكر بن بكير من المالكية.
وقيل: فرض إسلامي جمليّ غير متقيد بعدد، ولا وقت معيّن قاله بعض المالكية، ويجب الصّلاة عليه بقدرها، لأنها من أفضل العبادات وأجلّ الطاعات،
وقد قال- ﷺ «من نذر أن يطيع الله فليطعه» .
واختلف هل يجب عليه- ﷺ أن يصلّي على نفسه وهو مذهب الشّافعيّ أو لا يجب؟ وهو في بعض شروح الهداية للحنفية، قال شارح المشكاة «أل» في البخيل للجنس فهو محمول على الكمال وأقصى غايته وقد جاء «البخيل ليس من بخل بماله، ولكن البخيل من
стр. 5710
بخل بمال غيره» وأبلغ منه أبغض الجواد حتّى لا يحبّ أن يجازى عليه فمن لم يصل على النبي- ﷺ إذا ذكر عنده منع نفسه أن يكتال بالمكيال الأوفى، فهل تجد أحدا أبخل من هذا انتهى.
وعبر بالجملة الاسمية على أنها تكون على طريق التأكيد بأنّ، ثم أردفه بتأكيد معنوي وهو قوله: «كلّ البخيل» ولا بخل فوق ذلك.
السادس: في بيان غريب ما سبق:
«بعد» بموحدة مفتوحة فعين مهملة مضمومة فدال مهملة يعني عن الخير.
وفي رواية أبعده الله ويروى بكسر العين أي هلك ولا مانع من حمله على المعنيين.
«صعد» بصاد مفتوحة فعين مكسورة في الماضي مفتوحة في المستقبل فدال مهملات.
رقى العتبة: ...
«خطئ» بخاء معجمة مفتوحة وكسر الطاء المهملة في آخره همزة يقال خطئ في دينه خطأ إذا أثم فيه والخطأ الذّنب والإثم، وأخطأ يخطئ إذا سلك سبيل الخطأ عمدا أو سهوا ويقال: لمن أراد شيئا ففعل غيره، أو فعل غير الصّواب، أخطأ، وإذا أخطأ طريق الجنة لم يبق له إلا الطريق إلى النّار أعاذنا الله من ذلك، ويقال: خطأ بمعنى أخطأ أيضا وقيل: خطأ إذا تعمّد وأخطأ إذا لم يتعمّد.
«رغم» براء مفتوحة فعين معجمة مكسورة فميم، لصق بالرغام وهو التراب، ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره.
«التّرة» بمثناة فوقية مكسورة فراء مفتوحة مخففة، الحسرة وقيل: البغض، وقيل: التّبعة، وقيل: النّار، وقيل: الذّنب.
وقوله: «إلا قاموا على أنتن من جيفة» هو على طريق استقذار مجلسهم العاري عن الصلاة عليه- ﷺ استقذارا يبلغ إلى هذه الحالة، وما بلغ هذا المبلغ في كراهة الرّائحة وجب التّفرّق عنه والهرب منه.