وأسفل الحلق بين الترقوتين وفيها تنحر الإبل.
عاري الثديين إلى آخره: أي أن ثدييه وبطنه- ليس عليهما شعر سوى المسربة المتقدم ذكرها الذي جعله جاريا كالخط.
الأشعر: الذي عليه الشعر من البدن.
الكشح: الخصر. واللَّه اعلم.
стр. 632
الباب الرابع عشر فيما جاء في شق صدره وقلبه الشريفين ﷺ
قال اللَّه تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح ١] قال في الكشاف: استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار مبالغة في إثبات الشرح وإيجابه فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك.
ولذلك عطف عليه «ووضعنا» اعتبارا للمعنى.
قال الطيبي: أي أنكر عدم الشرح فإذا أنكر ذلك ثبت الشرح لأن الهمزة للإنكار، والإنكار نفي، والنفي إذا دخل على النفي عاد إثباتا، ولا يجوز جعل الهمز للتقرير.
قال الراغب رحمه اللَّه تعالى: أصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرحته ومنه شرح الصدر وهو بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة اللَّه وروح منه.
النقاش [ (١) ] : الشرح التوسعة وكل ما وسعته فقد شرحته.
الراغب: الصدر الجارحة وجمعه صدور. قال بعض الحكماء: حيثما ذكر اللَّه تعالى القلب فإشارة إلى العقل والعلم نحو: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ق ٣٧] وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك وإلى سائر القوى من الشهوة والهوى ونحوهما وقوله:
تعالى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه ٢٥] سؤال لإصلاح قواه وكذا: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة ١٤] فإشارة إلى ذلك.
مكي: المراد بالصدر القلب، لأنه وعاء الفهم والعلم وإنما ذكر الصدر لقربه من القلب وامتزاجه به.
الحكيم الترمذي: ذكر الصدر دون القلب لأن محل الوسوسة في الصدر، فأزال اللَّه تلك الوسوسة وأبدلها بدواعي الخير وهي الشرح. وقيل القلب محل العقل والمعرفة وهو الذي
стр. 633
يقصده الشيطان فإن الشيطان يجيء الصدر الذي هو حصن القلب فإذا وجد مسلكا أغار عليه فيضيق القلب ولا يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة فإذا طرد العدو في الابتداء حصل الأمن وزال الضيق وانشرح الصدر وتيسر له القيام بأداء العبودية.
الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه اللَّه تعالى: كان موسى ﷺ مريدا إذ قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وكان نبينا ﷺ مرادا إذ قيل له أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ الإمام الرازي رحمه اللَّه تعالى: وإنما لم يقل: ألم نشرح صدرك دون «لك» لوجهين:
أحدهما: أراد شرحته لأجلك كما تفعل أنت الطاعة لأجلي. الثاني: أن فيه تنبيها على أن منافع الرسالة عائدة إليه ﵊، كأنه قيل إنما شرحنا لك صدرك لأجلك لا لأجلي.
وإنما قال «نشرح» بنون العظمة لأن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة، وكان ﷺ يضيق صدره من منازعة الجن والإنس فآتاه اللَّه تعالى من آياته ما اتسع لكل ما حمله ﷺ .
واختلف المفسرون في معنى الآية على أقوال: فقال الإمام البيضاوي رحمه اللَّه تعالى:
ألف نفسحه حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق وكان غائبا حاضرا أو: ألم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم وأزلنا عنه ضيق الجهل. أو: بما يسرناه لك من تلقي الوحي بعد ما كان يشق عليك.
وقيل: إنه إشارة إلى ما روي أن جبريل أتى رسول اللَّه ﷺ في صباه أو يوم أخذ الميثاق فاستخرج قلبه فغسله فملأه إيمانا وعلما ولعله إشارة إلى نحو ما سبق انتهى.
قال الشيخ رحمه اللَّه تعالى في حواشيه: إن أراد بقوله «يوم الميثاق» يوم أخذه في عالم الذر فلا أصل له. وإن أراد به يوم بعث ونبئ. وبيض الشيخ هنا. قلت: وكأنه أراد: فله أصل.
كما سيأتي في المرة الثالثة.
ولا منافاة بين هذه الأقوال السابقة وبين شق صدره ﷺ فإن من جملة شرح صدره شقه وإخراج ما فيه من أذى كما أشار إلى ذلك الحافظان أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وابن كثير رحمهما اللَّه تعالى.
وقد تكرر شق صدره الشريف ﷺ أربع مرات:
الأولى: وهو ﷺ صغير في بني سعد.
روى البيهقي عن إبراهيم بن طهمان- بفتح الطاء المهملة رحمه اللَّه تعالى: قال:
سألت سعدا عن قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ فحدثني به عن قتادة عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه قال: شق بطنه ﷺ من عند صدره إلى أسفل بطنه فاستخرج قلبه الخ.
стр. 634
وروى الإمام أحمد ومسلم عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه واستخرج القلب ثم شق القلب فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه فأعاده مكانه. وجعل الغلمان يسعون إلى أمه- يعني ظئره- فقالوا: إن محمدا قد قتل فجاؤوه وهو منتقع اللون. قال أنس: فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره ﷺ .
وروى الإمام أحمد والدارمي والحاكم وصححه والطبراني والبيهقي وأبو نعيم، عن عتبة بن عبد- بغير إضافة- السلمي [ (١) ] رضي اللَّه تعالى عنه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ معنا زادا فقلت: يا أخي أذهب فائتنا بزاد من عند أمنا. فأنطلق أخي ومكث عند البهم فأقبل إلي طائران كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقّاه بطني ثم استخرجا قلبي شقّاه فأخرجا منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه: إيتني بماء ثلج فغسلا به جوفي- ثم قال: إيتني بماء برد فغسلا به قلبي. ثم قال: إيتني بالسكينة فذراها في قلبي. ثم قال أحدهما لصاحبه حصه. فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة. وذكر الحديث.
تفسير الغريب
الظئر ومنتقع اللون. تقدما في شرح غريب قصة الرضاع. المخيط بكسر الميم: ما يخاط به. البهم وزن فلس- جمع بهمة وهي الصغير من أولاد الغنم.
نسران: تثنية نسر- طائر معروف والجمع أنسر ونسور مثل فلس وأفلس وفلوس.
ذراها بذال معجمة: حشياها.
حصه بحاء مهملة مضمومة: أي خطه يقال حاص الثوب يحوصه حوصا إذا خالطه.
المرة الثانية: وهو ﷺ ابن عشر سنين.
روى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند بسند رجاله ثقات، وابن حبان والحاكم وأبو نعيم وابن عساكر والضياء، في «المختارة» عن أبي بن كعب رضي اللَّه تعالى عنه أن أبا هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: يا رسول اللَّه ما أول ما ابتدئت به من أمر النبوة؟
قال: إني لفي صحراء أمشي ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسي يقول أحدهما لصاحبه:
стр. 635
أهو هو؟ قال نعم. فأخذاني فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط وأرواح لم أرها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأخذهما مسا. فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه. فأضجعاني بلا قصر ولا هصر وفي لفظ:
فقلباني لحلاوة القفا ثم شقا بطني. وفي لفظ فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره. فخوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع فكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب والآخر يغسل جوفي فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره فإذا صدري فيما أرى مفلوقا لا أجد له وجعا. ثم قال: شق قلبه فشق قلبي فقال: أخرج الغل والحسد منه. فأخرج شبه العلقة فنبذ به. ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة في قلبه. فأدخل شيئاً كهيئة الفضة. ثم أخرج ذرورا كان معه فذره عليه ثم نقر إبهامي ثم قال: اغد واسلم. فرجعت بما لم أغد به من رحمتي للصغير ورأفتي للكبير [ (١) ] .
تفسير الغريب
الحجج: بكسر الحاء وفتح الجيم الأولى السنون.
الأرواح: جمع ريح بمعنى الرائحة وهي عرض يدرك بحاسة الشم وهي مؤنثة يقال ريح [ (٢) ] ذكيُة.
بلا قصر: قصرت الثوب أي أرخيته بلا استرخاء. ولا هصر: قال في النهاية: هصر ظهره أي ثناه إلى الأرض. وأصل الهصر أن تأخذ برأس العود فتثنيه إليك وتعطفه.
حلاوة القفا: يأتي بيانه في بيان غريب المرة الثالثة.
خوى أحدهما إلى صدري: أي مال إليه.
ذرورا: بفتح الذال المعجمة.
المرة الثالثة: عند المبعث.
روى أبو داود الطيالسي والحارث بن أبي أسامة في مسنديهما، والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل، عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها أن النبي ﷺ نذر أن يعتكف شهرا هو وخديجة. فوافق ذلك شهر رمضان فخرج ذات ليلة فسمع: السلام عليك. قال: فظننت أنها فجاءة الجن، فجئت مسرعا حتى دخلت على خديجة فقالت: ما شأنك؟ فأخبرتها فقالت:
أبشر فإن السلام خير. ثم خرجت مرة أخرى فإذا أنا بجبريل على الشمس له جناح بالمشرق
стр. 636
وجناح بالمغرب فهلت منه فجئت مسرعا فإذا هو بيني وبين الباب فكلمني حتى أنست منه ثم وعدني موعدا فجئت له فأبطأ علي فأردت أن أرجع فإذا أنا به وبميكائيل قد سد الأفق فهبط جبريل وبقي ميكائيل بين السماء والأرض، فأخذني جبريل فألقاني لحلاوة القفا ثم شق عن قلبي فاستخرجه ثم استخرج منه ما شاء اللَّه أن يستخرج ثم غسله في طست من ماء زمزم ثم أعاده مكانه ثم لأمه ثم أكفأني كما يكفأ الإناء ثم ختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم في قلبي. وذكر الحديث [ (١) ] .
تفسير الغريب فُجاءة الجن بالضم والمد، وفي لغة بوزن تمرة: بغتة.
هلت منه: خفت وزنا ومعنى.
الأفق. بضم الهمزة والفاء: الناحية والجمع آفاق.
حلاوة القفا: بتثليث الحاء المهملة وحلاواه. فإن ضممت قصرت وهي وسط القفا.
أكفأني: قلبني.
المرة الرابعة: ليلة الإسراء.
روى مسلم والبرقاني بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وبالقاف والنون، وغيرهما عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : أتيت وأنا في أهلي فانطلق بي إلى زمزم فشرح صدري، ثم أتيت بطست من ذهب ممتلئا حكمة وإيمانا فحشي بهما صدري. قال أنس والنبي ﷺ يرينا صدره. فعرج بي الملك إلى سماء الدنيا.
وذكر حديث المعراج [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد والشيخان عن مالك بن صعصعة [ (٣) ] رضي اللَّه تعالى عنه إن النبي ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به قال: بينما أنا في الحطيم وربما قال قتادة: في الحجر.
مضطجعا إذ أتاني آت فجعل يقول لصاحبه: الأوسط من الثلاثة. فأتاني فشق ما بين هذه إلى هذه. يعني من ثغرة نحره إلى شعرته. فاستخرج قلبي. فأتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا وحكمة فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد. ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار.
ورواه البخاري من طريق شريك عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه
[ (٤) ] واللَّه أعلم.
стр. 637
ذكر أحاديث فيها شق صدره ﷺ من غير تعيين زمان
عن أبي ذر رضي اللَّه تعالى عنه قال: قلت يا رسول اللَّه كيف علمت أنك نبي حتى علمت ذلك واستيقنت أنك نبي؟ قال: يا أبا ذر أتاني ملكان وأنا في بعض بطحاء مكة فوقع أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه، هو هو؟ فقال: هو هو. فقال: زنه برجل فوزنت برجل فرجحت. فقال: زنه بعشرة فوزنني بعشرة فوزنتهم. فقال:
زنه بمائة فوزنني بمائة فرجحتهم. ثم قال: زنه بألف. فوزنني بألف فرجحتهم فجعلوا ينتثرون علي من كفة الميزان. فقال أحدهما للآخر: لو وزنته بأمته رجحها. ثم قال أحدهما لصاحبه:
شق بطنه فشق بطني ثم قال أحدهما لصاحبه: اغسل قلبه فشق قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحهما ثم قال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء واغسل قلبه غسل الملاءة، ثم دعا بسكينة كأنها برهرة بيضاء فأدخلت قلبي، ثم قال احدهما لصاحبه: خط بطنه. فخاط بطني فجعلا الخاتم بين كتفي فما هو إلا أن وليا عني فكأنما أعاين الأمر معاينة.
رواه الدارمي والبزّار والرّوياني وابن عساكر والضياء في المختارة.
وروى البيهقي عن يحيى بن جعدة [ (١) ] رحمه اللَّه تعالى: مرسلا. قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن ملكين جاءاني في صورة كركيين معهما ثلج وبرد وماء بارد فشق أحدهما صدري ومج الآخر بمنقاره فيه فغسله.
وروى أبو نعيم عن يونس بن ميسرة بن حلبس [ (٢) ] بمهملتين في طرفيه وموحدة وزن جعفر رحمه اللَّه تعالى- مرسلا. قال: قال رسول اللَّه ﷺ : أتاني ملك بطست من ذهب فشق بطني فاستخرج حشوة جوفي فغسلها ثم ذرّ عليه ذرورا ثم قال: قلب وكيع يعي ما وضع [ (٣) ] فيه عينان [ (٤) ] بصيرتان وأذنان تسمعان وأنت محمد رسول اللَّه المقفي الحاشر، قلبك سليم ولسانك صادق ونفسك مطمئنة وخلقك قيم وأنت قثم.
وروى الدارمي وابن عساكر، عن ابن غنم [ (٥) ]- بغين معجمة مفتوحة فنون ساكنة- وهو
стр. 638
مختلف في صحبته رضي اللَّه تعالى عنه قال: نزل جبريل على رسول اللَّه ﷺ وسلم فشق قلبه ثم قال جبريل: قلبك وكيع فيه أذنان سميعتان وعينان بصيرتان محمد رسول اللَّه المقفي الحاشر خلقك قيم ولسانك صادق ونفسك مطمئنة.
ذكر غريب ما تقدم
ثغرة النحر: بالضم: وهي النقرة التي بين الترقوتين.
شعرته بكسر الشين المعجمة: العانة.
كفه الميزان: بتثليث الكاف والكسر أشهر.
مغمز الشيطان: بفتح الميم الأولى وإسكان الغين المعجمة وكسر الميم الثانية وآخره زاي، وهو الي يغمزه الشيطان من كل مولود، إلا عيسى ابن مريم وأمه لقول أمها حنة:
وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [آل عمران ٣٦] قال السهيلي: ولا يدل هذا على أفضلية عيسى على نبينا ﷺ فقد نزع ذلك منه وملئ حكمة وإيمانا بعد أن غسله روح القدس بالثلج والبرد.
الملاءة بالضم والمد: الإزار.
سكينة وبرهرة. سيأتي الكلام عليها.
حشوة بضم الحاء وكسرها: الأمعاء.
وكيع [ (١) ] قال في النهاية: قلب وكيع: واع: أي متين محكم ومنه قولهم: سقاء وكيع إذا كان محكم الخرز.
قيم بمثناة تحتية. وقثم: بمثلثة. وتقدم الكلام عليهما في الأسماء.
تنبيهات
الأول: قال الحافظ أبو الفضل العراقي رحمه اللَّه تعالى: في أول شرحه لتقريبه. قد أنكر صحة وقوع شق الصدر ليلة الإسراء ابن حزم وعياض وادعيا أنه تخليط من شريك. وليس كذلك فقد ثبت في الصحيحين من غير طريق شريك.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي في المفهم: لا يلتفت لإنكار شق الصدر ليلة الإسراء لأن رواته ثقات مشاهير.
وقال الحافظ: قد أنكر شق الصدر ليلة الإسراء بعضهم ولا إنكار في ذلك، فقد تواترت به الروايات.
الثاني: قال القرطبي في المفهم والتوربشتي- بضم المثناة الفوقية وفتح الراء وكسر
стр. 639
الموحدة وسكون الشين المعجمة بعدها مثناة فوقية- في شرح المصابيح والطيبي في شرح المشكاة والحافظ والشيخ وغيرهم رحمهم اللَّه تعالى أن جميع ما ورد في شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك مما يجب التسليم له دون تعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك. ويؤيده الحديث الصحيح أنهم كانوا يرون أثر المخيط في صدره ﷺ .
قال الشيخ رحمه اللَّه تعالى: وما وقع من بعض جهلة العصر من إنكار ذلك وحمله على الأمر المعنوي وإلزام قائله القول بقلب الحقائق، فهو جهل صريح وخطأ قبيح نشأ من خذلان اللَّه تعالى لهم وعكوفهم على العلوم الفلسفية وبعدهم عن دقائق السنة. عافانا اللَّه تعالى من ذلك.
الثالث: قال العلامة ابن المنير- بضم الميم وفتح النون وكسر التحتية المشددة رحمه اللَّه تعالى: وشق الصدر له ﷺ وصبره عليه من جنس ما ابتلى به اللَّه الذبيح وصبر عليه، بل هذا أشق وأجل لأن تلك معاريض وهذه حقيقة، وأيضاً فقد تكرر ووقع له ﷺ وهو صغير يتيم بعيد من أهله ﷺ وزاده شرفا وفضلا.
الرابع: سئل شيخ الإسلام أبو الحسن السبكي رحمه اللَّه تعالى عن العلقة السوداء التي أخرجت من قلبه ﷺ حين شق فؤاده وقول الملك: هذا حظ الشيطان منك.
فأجاب رحمه اللَّه تعالى: بأن تلك العلقة خلقها اللَّه تعالى في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها فأزيلت من قلبه ﷺ فلم يبق فيه مكان لأن يلقي الشيطان فيه شيئاً. هذا معنى الحديث ولم يكن للشيطان فيه حظ. وأما الذي نفاه الملك هو أمر في الجبلات البشرية فأزيل القابل الذي لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف في القلب.
قيل له: فلم خلق اللَّه تعالى هذا القابل في هذه الذات الشريفة، وكان يمكن أن لا يخلقه اللَّه تعالى فيها؟ فقال: إنه من جملة الأجزاء الإنسانية فخلقه تكملة للخلق الإنساني ولا بد منه ونزعه كرامة ربانية طرأت.
وقال غيره: لو خلق اللَّه تعالى نبيه ﷺ سليما فيها لم يكن للآدميين اطلاع على حقيقته، فأظهره اللَّه تعالى على يد جبريل ﵊ ليتحقق كمال باطنه كما برز لهم مكمل الظاهر.
الخامس: قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة [ (١) ]- وهو بجيم مفتوحة فراء مهملة
стр. 640
رحمه اللَّه تعالى: الحكمة في شق صدره الشريف ﷺ مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيمانا وحكمة من غير شق: الزيادة في قوة اليقين لأنه أعطي برؤية شق بطنه وعدم تأثره بذلك ما أمن معه من جميع المخاوف العادية، فلذلك كان ﷺ أشجع الناس حالا ومقالا ولذلك وصف بقوله تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [النجم ١٧] .
السادس: اختلف: هل كان شق الصدر وغسله مختصا به ﷺ أو وقع لغيره؟ صحح الشيخ رحمه اللَّه تعالى عدم المشاركة. وسيأتي في الخصائص أن الصحيح المشاركة.
السابع: في الحكمة في تكرره. قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى، بعد أن ذكر الأولى والثالثة والرابعة: ولكل من الثلاث حكمة، فالأولى كان في زمن الطفولية لينشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم عند المبعث زيادة في الكرامة ليتلقى ما يلقى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة.
قلت: وسكت عن حكمه المرة الثانية مع ذكره للمرة الثانية في كتاب التوحيد جازما بها ويحتمل أن يقال لما كان العشر قريبا من سن التكليف شق صدره ﷺ وقدس حتى لا يلتبس بشيء مما يعاب على الرجال. واللَّه تعالى أعلم.
قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما هي في شرعه ﷺ .
وقال ابن أبي جمرة رحمه اللَّه تعالى: وإنما غسل قلبه ﷺ وقد كان مقدسا وقابلا لما يلقى فيه من الخير. وقد غسل أولا وهو صغير السن وأخرجت منه العلقة إعظاما وتأهبا لما يلقى هناك. يعني في المعراج. وقد جرت الحكمة بذلك في غير ما موضع مثل الوضوء للصلاة لمن كان متوضئا لأن الوضوء في حقه إنما هو إعظام وتأهب للوقوف بين يدي اللَّه تعالى ومناجاته. وكذلك أيضاً الزيادة على الواحدة والثنتين إذا أسبغ بالأولى لأن الإجزاء قد حصل وبقي ما بعد الإسباغ إلى الثلاث عظاما لما يقدم عليه. وكذلك غسل الباطن هنا وقد قال تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج ٣٢] فكان الغسل له ﷺ من هذا القبيل وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم الشعائر كما نص عليه بالقول.
وقال البرهان النعماني رحمه اللَّه تعالى في سراجه: قد سن لداخل الحرم الشريف الغسل، فما ظنك بداخل الحضرة المقدسة؟! فلما كان الحرم الشريف من عالم الملك وهو ظاهر الكائنات أنيط الغسل له بظاهر البدن في عالم المعاملات، ولما كانت الحضرة القدسية من عالم الملكوت وهو باطن الكائنات أنيط الغسل بباطن البدن في التحقيقات، وقد عرج به ﷺ لتفرض عليه الصلاة وليصلي بملائكة السموات، ومن شأن الصلاة الطهور فقدس ظاهرا وباطنا.
стр. 641
فإن قلت: إن اللَّه تعالى خلقه نورا متنقلا من الأنبياء وفي صفاء النور ما يغني عن التطهير الحسي، ثم إن المرة الأولى لم تكن كافية في تطهير الباطن ويلزم عليه أنه بعد النبوة كان فيه شيء يحتاج إلى ذلك، وهو منزه عن أدران البشرية.
قلت: الغسلة الأولى لعين اليقين والثانية لعلم اليقين، والثالثة لحق اليقين.
الثامن: اختلف هل وقع له ﷺ مع ذلك مشقة أم لا؟.
قال الحافظ: من غير مشقة وبه جزم ابن الجوزي فقال: شقه وما شق عليه. وقال ابن دحية: بمشقة عظيمة ولهذا انتقع لونه ﷺ أي صار كلون النقع وهو الغبار، وهذه صفة ألوان الموتى.
قلت: رواية «انتقع لونه» حكاية، وقع في المرة الأولى وهو صغير في بني سعد. وأما ما وقع بعدها فلم ينقل أنه ﷺ تأثر لذلك. وقد تقدم في حديث أبي هريرة في المرة الثانية ما يؤيد ذلك فراجعه.
التاسع: وقع السؤال هل كان شق صدره الشريف ﷺ بآلة أم لا: ولم يجب عنه أحد ولم أر من تعرض له بعد التتبع. وظاهر قوله: «فشق» أنه كان بآلة، ويدل لذلك قول الملك في حديث أبي ذر. «خط بطنه فخاطه» وفي لفظ عن عتبة بن عبد: «حصه فحاصه» ، وفي حديث أنس «كانوا يرون أثر المخيط في صدره ﷺ » .
العاشر:
في حديث أبي ذر «وأتيت بالسكينة كأنها برهرهة فوضعت في صدري»
قال ابن الأنباري: «برهرهة» وهي السكينة المعوجّة الرأس التي تسميها العامة «المنجل» بالجيم.
وقال الخطابي: عثرت على رواية وفيها: أنه شق عن قلبه قال: فدعي بسكينة كأنها درهمة بيضاء، فوقع لي أنه أراد بالبرهرهة سكينة بيضاء صافية الحديد تشبيها بالبرهرهة من النساء في بياضها وصفائها.
ثم قال ابن دحية والصواب في هذه اللفظة السكينة- أي بالتخفيف لأنه قال بعد شق البطن، ثم أتيت بالسكينة كأنها برهرهة فوضعت في صدري، فإنما عني بها السكينة التي هي في الأصل اللغة فعيلة من السكون وهي أكثر ما تأتي في القرآن العظيم بمعنى السكون والطمأنينة.
الحادي عشر: خص الطست بما ذكر لكونه أشهر آلات الغسل عرفا.
قال السهيلي رحمه اللَّه تعالى: وفي ذكر الطست أيضاً وحروف اسمه حكم تنظر إلى قوله تعالى: طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ [النمل ١] .
стр. 642
الثاني عشر: قال السهيلي: خص الذهب لكونه مناسبا للمعنى الذي أريد به فإن نظرت إلى لفظ الذهب فمطابق للذهاب، فإن اللَّه تعالى أراد أن يذهب عنه الرجس ويطهره تطهيرا وإن نظرت إلى معنى الذهب وأوصافه وجدته أنقى شيء وأصفاه يقال في المثل: «أنقى من الذهب» وقالت بريرة في عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: ما أعلم عليها إلا ما يعلم الصائغ على الذهب الأحمر. وقال حذيفة رضي اللَّه تعالى عنه في صلة- بكسر الصاد المهملة- ابن أشيم- بالشين المعجمة- وزن أعلم: إنما قلبه ذهب. وقال جرير بن حازم رحمه اللَّه تعالى، وهو بالحاء المهملة والزاي، في الخليل بن أحمد: إنه لرجل من ذهب. يريد النقاء من العيوب.
فقد طابق طست الذهب ما أريد بالنبي ﷺ من نقاء قلبه.
ومن أوصاف الذهب أيضاً المطابقة لهذا المقام: ثقله ورسوبه فإنه يجعل في الزئبق الذي هو أثقل الأشياء فيرسب. واللَّه يقول: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل ٥] وقال عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه: إنما ثقلت موازين المحقين يوم القيامة لإتباعهم الحق وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا. وقال في أهل الباطل بعكس ذلك.
وقد روي أنه ﷺ أنزل عليه الوحي وهو على ناقته فثقل عليها حتى ساخت قوائمها في الأرض. فقد طابقت الصفة المعقولة الصفة المحسوسة.
ومن أوصاف الذهب أيضاً: أنه لا تأكله النار، وكذلك القرآن لا تأكل النار يوم القيامة قلبا وعاه ولا بدنا عمل به. قال ﵊: «لو كان القرآن في إهاب ثم طرح في النار ما احترق [ (١) ] » .
ومن أوصاف الذهب المناسبة لأوصاف القرآن والوحي: أن الأرض لا تبليه وأن الهواء لا يذريه وكذلك القرآن لا يخلق على كثرة الرد ولا يستطاع تغييره ولا تبديله.
ومن أوصافه أيضاً: نفاسته وعزته عند الناس. وكذلك القرآن والحق عزيزان، قال تعالى:
وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ [فصلت ٤١.]
فهذا إذا نظرت إلى أوصافه ولفظه فإن نظرت إلى ذاته وظاهره فإنه زخرف الدنيا وزينتها، وقد فتح بالقرآن والوحي على النبي ﷺ وأمته خزائن الملوك وتصيير ذلك إلى أيديهم
стр. 643
ذهبها وفضتها وجميع زخرفها وزينتها. ثم وعد بإتباع الوحي والقرآن قصور الذهب في الجنة قال ﷺ : «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما» وفي التنزيل: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ [الزخرف ٧١] فكأن ذلك الذهب يشعر بالذهب الذي يصير إليه من اتبع الحق والقرآن، وأوصافه تشعر بأوصاف الحق والقرآن، ولفظه يشعر بإذهاب الرجس. كما تقدم.
فهذه حكم بالغة لمن تأمل، واعتبار صحيح لمن تدبر.
وزاد غيره أن الذهب من جوالب السرور. وقال الشاعر:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء
[ (١) ] .
الثالث عشر: قال النووي رحمه اللَّه تعالى: ليس في هذا الخبر ما يوهم جواز استعمال إناء الذهب والفضة لأن هذا فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا ولأنه كان قبل تحريم النبي ﷺ أواني الذهب والفضة. انتهى.
أي لأن التحريم إنما وقع بالمدينة كما نبه عليه الحافظ.
الرابع عشر: يؤخذ من غسل قلبه ﷺ بماء زمزم أنه أفضل المياه وبه جزم الإمام البلقيني قال ابن أبي جمرة: إنما لم يغسل بماء الجنة لما اجتمع في زمزم من كون أصل مائها من الجنة ثم استقر في الأرض، فأريد بذلك بقاء بركته ﷺ في الأرض.
وقال غيره: لما كان ماء زمزم أصل حياة أبيه إسماعيل ﷺ وقد ربي عليه ونما عليه قلبه وجسده وصار هو صاحبه وصاحب البلدة المباركة، ناسب أن يكون ولده الصادق المصدوق كذلك. ولما فيه من الإشارة إلى اختصاصه بذلك بعده فإنه قد صارت الولاية إليه في الفتح فجعل السقاية للعباس وولده وحجابة البيت لعثمان بن شيبة وعقبه إلى يوم القيامة.
الخامس عشر: الحكمة في غسل صدره ﷺ بماء الثلج والبرد هي مع ما فيهما من الصفاء وعدم التكدر بالأجزاء الترابية التي هي محل الأرجاس وعنصر الأكدار، الإيماء إلى أن الوقت يصفو له ﷺ ولأمته ويروق بشريعته الغراء وسنته، والإشارة إلى ثلوج صدره أي انشراحه بالنصر على أعدائه والظفر بهم والإيذان ببرودة قلبه، أي طمأنينته على أمته بالمغفرة لهم والتجاوز عن سيئاتهم.
وقال ابن دحية: إنما غسل قلبه ﷺ بالثلج لما يشعر به الثلج من ثلج اليقين إلى قلبه.
وقد كان ﷺ يقول بين التكبير والقراءة: «اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والبرد
[ (٢) ] » وأراد
стр. 644
تعالى أن يغسل قلبه فيما حمل من الجنة في طست ملئ حكمة وإيمانا ليعرف قلبه طيب الجنة ويجد حلاوتها فيكون في الدنيا أزهد وعلى دعوة الخلق إلى الجنة أحرص، ولأنه ﷺ كان له أعداء يتقولون عليه فأراد اللَّه تعالى أن ينفي عنه طبع البشرية من ضيق الصدر وسوء مقالات الأعداء، فغسل قلبه ليورث ذلك صدره سعة ويفارقه الضيق. كما قال تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ [الحجر ٩٧] . فغسل قلبه غير مرة فصار بحيث إذا ضرب أو شج رأسه أو كسرت رباعيته كما في يوم أحد
يقول: «اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» .
السادس عشر: جاء في رواية: أن المغسول البطن. فقيل: المراد بالبطن هنا ما بطن وهو القلب، واستظهره بعضهم لأنه جاء في رواية ذكر القلب ولم يذكر البطن. ويحتمل أن تحمل كل رواية على ظاهرها، ويقع الجمع بينهما بأن يقال: أخبر ﷺ مرة بغسل البطن ولم يتعرض لذكر القلب، وأخبر مرة بذكر القلب ولم يتعرض لذكر البطن، فيكون قد حصل فيهما معا مبالغة في تنظيف المحل.
قلت: تقدم التصريح بذلك في الأحاديث السابقة.
السابع عشر: قال السهيلي رحمه اللَّه تعالى: فإن قيل كيف يكون الإيمان والحكمة في طست من ذهب، والإيمان عرض من الأعراض لا يوصف بها إلا محلها والذي يقوم به، ولا يجوز فيها الانتقال لأن الانتقال من صفة الأجسام لا من صفة الأعراض؟ قلنا: إنما عبر عما في الطست- بالحكمة والإيمان كما عبر عن اللبن الذي شربه وأعطى فضله عمر بن الخطاب بالعلم، فكان تأويل ما أفرغ في قلبه ﷺ إيمانا وحكمة ولعل الذي كان في الطست كان ثلجا وبردا كما ذكر في الحديث الأول، فعبر في المرة الثانية بما يؤول إليه وعبر عنه في المرة الأولى بصورته التي رآها، لأنه في المرة الأولى كان طفلا فلما رأى الثلج في طست الذهب اعتقده ثلجا حتى عرف تأويله بعد. وفي المرة الأخرى كان نبيا فلما رأى طست الذهب مملوءا ثلجا علم التأويل لحينه واعتقده في ذلك المقام حكمة وإيمانا، فكان لفظه في الحديثين [ (١) ] على حسب اعتقاده في المقامين. انتهى.
وقال النووي والحافظ: المعنى جعل في الطست شيء يحصل به الزيادة في كمال الإيمان وكمال الحكمة، وهذا المملوء يحتمل أن يكون على الحقيقة، وتجسد المعاني جائز كما جاء أن سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنها الظلة والموت في صورة كبش وكذلك وزن الأعمال، وغير ذلك من أحوال الغيب.
стр. 645
وقال البيضاوي [ (١) ] ﵀ في شرح المصابيح لعل ذلك من باب التمثيل، إذ تمثيل المعاني وقع كثيرا كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط- بضم العين المهملة، وفائدته كشف المعنوي بالمحسوس.
وأشار النووي بقوله: جعل فيه شيء يحصل به زيادة في كمال الإيمان إلى آخره:
أنه ﷺ كان متصفا بأقوى الإيمان.
الثامن عشر: المملوء الصدر أو البطن ففي رواية ذكر البطن وفي غيرها القلب. والظاهر أنهما ملئا معا وأخبر ﷺ في رواية بالبطن وأخبر في أخرى بالقلب، ويحتمل أن يكون أراد القلب وذكر البطن توسعة لأن العرب تسمي الشيء بما قاربه وبما كان فيه. وقد قال تعالى:
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [الأنعام ١٢٥] والمراد بالصدر في الآية القلب فسماه باسم ما هو فيه وهو الصدر.
التاسع عشر: اختلف في تفسير الحكمة فقيل: إنها العلم المشتمل على معرفة اللَّه تعالى مع نفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكف عن ضده، والحكيم من حاز ذلك. قال الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى: هذا ما صفا لنا من أقوال كثيرة. انتهى.
وقد تطلق الحكمة على القرآن وهو مشتمل على ذكر ذكر ذلك كله، وعلى النبوة كذلك.
وقد تطلق على العلم فقط وعلى المعرفة فقط ونحو ذلك.
وقال الحافظ: أصح ما قيل فيها: أنها وضع الشيء في محله والفهم في كتاب اللَّه تعالى. وعلى التفسير الثاني قد توجد الحكمة دون الإيمان، وقد لا توجد. وعلى الأول فقد يتلازمان لأن الإيمان يدل على الحكمة.
العشرون: قال بعض العلماء: المراد بالوزن في قوله «زنه بعشرة من أمته» الوزن الاعتباري، فيكون المراد الرجحان في الفضل وهو كذلك. وهو فائدة فعل الملكين ذلك ليعلم رسول اللَّه ﷺ ذلك حتى يخبر به غيره ويعتقده، إذ هو من الأمور الاعتقادية.
وسألت شيخ الإسلام برهان الدين ابن أبي شريف رحمه اللَّه تعالى عن هذا الحديث
стр. 646
قبل وقوفي على الكلام السابق فكتب لي بخطه: هذا الحديث يقتضي أن المعاني جعلها اللَّه تعالى ذواتا فعند ذلك قال الملك لصاحبه: أجعله في كفة وأجعل ألفا من أمته في كفة. ففعل فرجح ماله ﷺ رجحانا طاش معه ما للألف بحيث يخيل إليه أنه يسقط بعضهم عليه، ولما عرف الملكان منه الرجحان وأنه معنى لو اجتمعت المعاني كلها للأمة ووضعت في كفة ووضع ماله ﷺ لرجح على الأمة، قالا: لو أن أمته وزنت به مال بهم، لأن مآثر خير الخلق ﷺ وما وهبه اللَّه تعالى له من الفضائل يستحيل أن يساويها غيرها. واللَّه أعلم.
стр. 647
الباب الخامس عشر في صفة يديه وإبطيه ﷺ
قال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ شثن الكفين سائل الأطراف سبط القصب [ (١) ] .
رواه الترمذي.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ ضخم الكفين [ (٢) ] .
رواه أبو يعلى وابن عساكر.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ بسط الكفين [ (٣) ] .
رواه البخاري.
وقال الحافظ أبو بكر بن أبي خيثمة رحمه اللَّه تعالى: كان رسول اللَّه ﷺ عبل العضدين والذراعين طويل الزندين، وكان معمر الأوصال سبط القصب كأن أصابعه قضبان الفضة [ (٤) ] .
رواه أبو الحسن بن الضحاك.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ عبل الذراعين [ (٥) ] .
رواه أبو الحسن بن الضحاك.
وقال هند بن أبي هالة كان رسول اللَّه ﷺ أشعر الذراعين طويل الزندين رحب الراحة [ (٦) ] .
رواه الترمذي.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ شبح الذراعين [ (٧) ] .
رواه ابن سعد وابن عساكر.
стр. 648
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: ما مسست حريرا ولا ديباجا قط ألين من كف رسول اللَّه ﷺ [ (١) ] .
رواه الإمام أحمد والشيخان.
وقال المستورد بن شداد [ (٢) ] عن أبيه رضي اللَّه تعالى عنه: أتيت رسول اللَّه ﷺ فأخذت بيده فإذا هي ألين من الحرير وأبرد من الثلج.
رواه الطبراني.
وقال وائل بن حجر رضي اللَّه تعالى عنه: لقد كنت أصافح النبي ﷺ أو يمس جلدي جلده فأتعرفه بعد في يدي فإنه لأطيب رائحة من المسك.
رواه الطبراني والبيهقي.
وقال يزيد بن الأسود [ (٣) ] رضي اللَّه تعالى عنه: ناولني رسول اللَّه ﷺ يده فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك.
رواه الشيخان.
وقال جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه: مسح رسول اللَّه ﷺ خدي فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرجت من جؤنة عطار [ (٤) ] .
رواه مسلم.
وقال المثنى بن صالح عن جدته رضي اللَّه تعالى عنها قالت: صافحت رسول اللَّه ﷺ فلم أر واللَّه كفا ألين من كفه ﷺ .
رواه أبو الحسن بن الضحاك.
وقال سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه: اشتكيت بمكة فدخل على رسول اللَّه ﷺ يعودني فوضع يده على جبهتي فمسح وجهي وصدري وبطني فما زلت يخيل إلي أني أجد برد يده على كبدي حتى الساعة [ (٥) ] .
رواه الإمام أحمد.
стр. 649
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: رأيت رسول اللَّه ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه.
رواه البخاري وغيره.
وقال جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما: كان رسول اللَّه ﷺ إذا سجد يرى بياض إبطيه [ (١) ] .
رواه ابن سعد.
وقال رجل من بني حريش رضي اللَّه تعالى عنه: ضمني رسول اللَّه ﷺ فسال علي من عرق إبطيه مثل ريح المسك.
رواه البزار.
قال الحافظ محب الدين الطبري رحمه اللَّه تعالى: من خصائص النبي ﷺ أن الإبط من جميع الناس متغير اللون غيره ﷺ .
وذكر القرطبي مثله وزاد: أنه لا شعر عليه. وجرى على ذلك الإمام الإسنوي رحمه اللَّه تعالى. وسيأتي الكلام على ذلك في الخصائص إن شاء اللَّه تعالى.
تنبيهات
الأول: وصف أنس وغيره كف رسول اللَّه ﷺ بالليونة، وهو مخالف لوصف هند له بالشثن وهو الغلظ مع الخشونة كما قال الأصمعي.
قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: والجمع بينهما: أن المراد باللين في الجلد والغلظ في العظام، فيجتمع له نعومة البدن وقوته.
قال ابن بطال [ (٢) ] رحمه اللَّه تعالى: كانت كفه ﷺ ممتلئة لحما غير أنها مع ضخامتها كانت لينة كما في حديث المستورد. وأما قول الأصمعي: الشثن غلظ الكف مع خشونة فلم يوافق على تفسيره بالخشونة، والذي فسر به الخليل أولى. وعلى تسليم ما فسر به الأصمعي يحتمل أن يكون وصف كف النبي ﷺ ، فكان إذا عمل في الجهاد أو مهنة أهله صار كفه خشنا للعارض المذكور، وإذا ترك ذلك رجع إلى أصل جبلته من النعومة.
وقال القاضي: فسر أبو عبيد الشثن بالغلظ مع القصر وتعقب بأنه ثبت في وصفه صلى ﷺ أنه كان سائل الأطراف. انتهى.
стр. 650
وقال الحافظ: ويؤيد كون كفه ﷺ ليّنا قوله في رواية النعمان: كان سبط الكفين بتقديم المهملة على الموحدة فإنه موافق لوصفها باللين.
والتحقيق في الشثن أنه غلظ من غير قصر ولا خشونة.
الثاني: زعم الحكيم الترمذي وتبعه أبو عبد الله القرطبي والدميري في شرح المنهاج أن سبابة النبي ﷺ كانت أطول من الوسطى. قال ابن دحية: وهذا باطل بيقين ولم ينقله أحد من ثقات المسلمين مع إشارته ﷺ بأصبعه في كل وقت وحين، ولم يحك ذلك عند أحد من الناظرين.
وفي مسلم عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين [ (١) ] » وفي رواية: فقرن شعبة بين إصبعيه المسبحة والوسطى كليهما.
وروى الترمذي وحسنه عن المسترود بن شداد يرفعه: «بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه هذه [ (٢) ] » . لإصبعه السبابة والوسطى.
وقال الحافظ في فتاويه: ما قاله الترمذي الحكيم خطأ نشا عن اعتماد رواية مطلقة، ولكن الحديث في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود عن ميمونة بنت كردم رضي اللَّه تعالى عنهما قالت: رأيت رسول اللَّه ﷺ بمكة وهو على ناقة له وأنا مع أبي. فذكرت الحديث إلى قولها: فدنا منه أبي فأخذ بقدمه فأقر له رسول اللَّه ﷺ قالت: فما نسيت فيما نسيت طول إصبع قدمه السَّبابة على سائر أصابعه. الحديث. انتهى.
وقد جزم الإمام العلامة فتح الدين ابن الشهيد رحمه اللَّه تعالى بأن ذلك كان في سبابة قدمه ﷺ فقال في سيرته المنظومة التي لا نظير لها في بابها:
ووصف زينب بنت كردم ... فيما رأته عينها في القدم
فإنها سميت في الرواية ميمونة. وكذا في الباب بعده:
سبابة النبي كانت أطول ... أصابع النبي فاحفظ واسأل
كردم بوزن جعفر.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
شثن الكفين: بشين معجمة فثاء مثلثة ساكنة فنون: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر، ويحمد ذلك في الرجال لأنه أشد لقبضتهم ويذم في النساء.
стр. 651
سائل الأطراف: بسين مهملة وآخره لام، من السيلان أي ممتدها، يعني أنها طوال ليست بمتعقدة ولا منقبضة. ورواه بعضهم بالنون بدل اللام فقال سائن. قال ابن الأنباري: وهما بمعنى تبدل اللام من النون، أي طويل الأصابع.
سبط: بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة وكسرها، وحكي الفتح أيضاً وبالطاء المهملة: الممتد الذي ليس فيه تعقد ولا نتوء.
والقصب بقاف فصاد مهملة فباء موحدة جمع قصبة وهي كل عظم أجوف فيه مخ وأما العريض فيسمى لوحا، يريد بهما ساعديه وساقيه. وفي لفظ: العصب بالعين المهملة بدل القاف.
الزندان: بفتح الزاي: عظما الذراعين.
رحب الراحة: أي واسع الكف. وقال في النهاية: يكون بذلك عن السخاء والكرم.
فسيح- بفاء فسين وحاء مهملتين بينهما مثناة تحتية: أي بعيد ما بينهما لسعة صدره.
شبح الذراعين: بشين معجمة فباء موحدة فحاء مهملة أي عريض الذراعين.
مسست: بسينين الأولى مكسورة وتفتح والثانية ساكنة.
ولا ديباجا: من عطف الخاص على العام لأن الديباج نوع من الحرير.
ألين: أنعم.
الجؤنة: يأتي الكلام عليها في طيب عرقه وريحه ﷺ . واللَّه أعلم.
стр. 652
الباب السادس عشر في صفة ساقيه وفخذيه وقدميه ﷺ
قال جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان في ساقي رسول اللَّه ﷺ حموشة [ (١) ] .
رواه مسلم.
وقال سراقة بن مالك بن جعشم [ (٢) ]- بضم الجيم والمعجمة بينهما عين مهملة- رضي اللَّه تعالى عنه: دنوت من رسول اللَّه ﷺ وهو على ناقته فرأيت ساقه كأنها جمارة نخل.
رواه يعقوب بن سفيان وإبراهيم الحربي.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: انحسر الإزار عن فخذ رسول اللَّه ﷺ وهو راكب في غزوة خيبر فإني لأرى بياض فخذ رسول اللَّه ﷺ .
رواه ابن أبي خيثمة.
وقال أيضاً: كان رسول اللَّه ﷺ ضخم القدمين.
رواه الشيخان والبيهقي [ (٣) ] .
وقال جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه كان رسول اللَّه ﷺ منهوس العقب.
رواه مسلم [ (٤) ] .
وقال أبو جحيفة رضي اللَّه تعالى عنه: خرج رسول اللَّه ﷺ فكأني أنظر إلى وبيص ساقيه [ (٥) ] .
رواه البخاري.
وقال هند بن أبي هالة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ شثن الكفين والقدمين سائل الأطراف سبط القصب خمصان الأخمصين فسيح القدمين ينبو عنهما الماء.
رواه الترمذي.
стр. 653
وتقدم تفسير غريبه إلا قوله «خمصان» فسيأتي.
وقال عبد اللَّه بن بريدة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن البشر قدما.
رواه ابن عساكر.
وقالت ميمونة بنت كردم بوزن جعفر- رضي اللَّه تعالى عنها: إنها رأت سبابة قدم رسول اللَّه ﷺ أطول من سائر أصابعه.
رواه الإمام أحمد وغيره [ (١) ] .
ويرحم اللَّه تعالى من قال:
يا رب بالقدم التي أوطأتها ... من قاب قوسين المحل الأعظما
وبحرمة القدم التي جعلت لها ... كتف البرية في الرسالة سلما
ثبت على متن الصراط تكرما ... قدمي وكن لي منقذا ومسلما
واجعلهما ذخري ومن كانا له ... أمن العذاب ولا يخاف جهنما
تنبيهات
الأول: ذكر كثير من المداح إن النبي ﷺ كان إذا مشى على الصخر غاصت قدماه فيه.
ولا وجود لذلك في كتب الحديث البتة. وقد أنكره الإمام برهان الدين الناجي بالنون- الدمشقي رحمه اللَّه تعالى وجزم بعدم وروده، والشيخ رحمه اللَّه تعالى في فتاويه وقال إنه لم يقف له على أصل ولا سند ولا رأى من خرجه في شيء من كتب الحديث وناهيك باطلاع الشيخ رحمه اللَّه تعالى. وقد راجعت الكتب اللّاتي ذكرها في آخر الكتاب فلم أر من ذكر ذلك، فشيء لا يوجد في كتب الحديث والتواريخ كيف تسوغ نسبته للنبي ﷺ ؟!.
الثاني: في حديث جابر بن سمرة قال: كانت خنصر رسول اللَّه ﷺ من رجله متظاهرة. رواه البيهقي. وفي سنده سلمة بن حفص السعدي. قال ابن حبان كان يضع الحديث لا يحل الاحتجاج به ولا الرّواية عنه، وحديثه هذا باطل لا أصل له، ورسول اللَّه ﷺ كان معتدل الخلق.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
الحموشة: بضم الحاء المهملة وشين معجمة: الدقّة.
стр. 654
الجمار- كرمان: قلب النخل حين يقطع يكون رطبة بيضاء.
منهوس: بإعجام السين وإهمالها أي قليل لحم العقب.
الوبيص: البريق واللمعان.
خصمان [ (١) ] . بضم الخاء المعجمة كما وجدته مضبوطا بالقلم في نسخة صحيحة من الصحاح والنهاية، لكن في بعض نسخ الشفاء المعتمدة بالفتح. قال في النهاية: الأخمص من القدم الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطء والخمصان المبالغ فيه. أي ذلك الموضع من أسفل قدميه كان شديد التجافي عن الأرض جدا.
وسئل ابن الأعرابي رحمه اللَّه تعالى عنه فقال: إذا كان خمص الإخمص بقدر لم يرتفع عن الأرض جدا ولم يستو أسفل القدم جدا، فهو أحسن الخمص بخلاف الأول.
مسيح القدمين: بميم مفتوحة فسين مهملة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فحاء مهملة أي ملساوان لينتان ليس فيهما تكسر ولا شقاق فإذا أصابهما الماء نبا عنهما سريعا لملاستهما فينبو عنهما ولا يقف، يقال نبا الشيء ينبو إذا تباعد. وأما رواية عبد الرزاق والبزار عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ يطأ بقدمه جميعا. وفي لفظ كليهما ليس له أخمص فيحتمل. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 655
الباب السابع عشر في ضخامة كراديسه ﷺ
روى الترمذي عن هند بن أبي هالة، والبيهقي وابن عساكر وابن الجوزي عن علي، وأبو الحسن بن الضحاك عن جبير بن مطعم رضي اللَّه تعالى عنهم قالوا: كان رسول اللَّه ﷺ ضخم الكراديس.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ جليل المشاش.
رواه الترمذي والبيهقي.
الكراديس: رؤوس العظام واحدها كردوس قيل هو ملتقى كل عظمين كالركبتين والمرفقين والمنكبين، أراد أنه ﷺ ضخم الأعضاء.
المشاش: بضم الميم وبشينين معجمتين: رؤوس العظام كالمرفقين والكفين والركبتين وقال الجوهري: رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها.
جليلهما: عظيمهما.
стр. 656
الباب الثامن عشر في طوله واعتدال خلقه ورقة بشرته ﷺ
قال البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنهما: لم يكن رسول اللَّه ﷺ بالطويل البائن ولا بالقصير [ (١) ] .
رواه الشيخان.
وقال أيضاً: كان رسول اللَّه ﷺ مربوعا [ (٢) ] .
رواه الخمسة.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ ربعة وهو إلى الطول أقرب.
رواه محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات وأبو الحسن بن الضحاك بسند حسن.
وقال هند بن أبي هالة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ معتدل الخلق بادن متماسك أطول من المربوع وأقصر من المشذب.
رواه الترمذي.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس قواما وأحسن الناس وجها وأحسن الناس لونا وأطيب الناس ريحا وألين الناس كفا.
رواه أبو الحسن بن الضحاك وابن عساكر [ (٣) ] .
وقال أيضاً: كان رسول اللَّه ﷺ ربعة من القوم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير [ (٤) ] .
متفق عليه.
وقالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها: كان رسول اللَّه ﷺ ربعة لا بائن من طوله ولا تقتحمه عين من قصر غصنا بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا.
رواه البيهقي.
وقال معاذ بن جبل رضي اللَّه تعالى عنه: أردفني رسول اللَّه ﷺ خلفه في سفر فما مسست شيئاً قط ألين من جلد رسول اللَّه ﷺ .
رواه البزّار والطبراني.
стр. 657
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: لم يكن رسول اللَّه ﷺ بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد كان ربعة من القوم.
رواه ابن عساكر.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: ما مشى رسول اللَّه ﷺ مع أحد إلا طاله.
رواه ابن عساكر.
وقال أبو الطفيل عامر بن وائلة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ مقصدا [ (١) ] .
رواه مسلم.
وقال البراء رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا، ليس بالطويل ولا بالقصير [ (٢) ] .
رواه الشيخان.
وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: لم يكن رسول اللَّه ﷺ بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد، وكان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده، ولم يكن يماشيه أحد من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله رسول اللَّه ﷺ ، ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما رسول اللَّه ﷺ فإذا فارقاه نسب رسول اللَّه ﷺ إلى الربعة.
رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه والبيهقي وابن عساكر.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ ليس بالذاهب طولا وفوق الربعة إذا جامع القوم غمرهم [ (٣) ] .
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند والبيهقي ولفظه: إذا جامع القوم.
وقال أيضاً: كان رسول اللَّه ﷺ رقيق البشرة.
رواه ابن الجوزي.
وقال ابن سبع رحمه اللَّه تعالى: إنه ﷺ كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين ﷺ .
تنبيه في بيان غريب ما سبق:
اعتدال الخلق: يناسب الأعضاء والأطراف، أي لا تكون متباينة في الدقة والغلظ والصغر والكبر والطول والقصر.
стр. 658
البادن: بكسر الدال المهملة: الضخم الكثير اللحم. ولما قال ذلك أردفه بقوله متماسك وهو الذي يمسك بعضه بعضا فليس هو بمسترخ ولا متهدل، كأن لحمه لاكتنازه واصطحابه يمسك بعضه بعضا لأن الغالب على السمن الاسترخاء.
المربوع: الذي بين الطويل والقصير.
المشذب: بميم مضمومة فشين فذال مشددة معجمتين مفتوحتين فباء موحدة: البائن طولا مع نقص في لحمه، أي ليس بنحيف طويل، لا بل طوله ﷺ وعرضه متناسبان على أتم صفة.
ربعة: براء مفتوحة فموحدة ساكنة أي مربوع الخلق لا طويل ولا قصير، والتأنيث باعتبار النفس، يقال رجل ربعة وامرأة ربعة وقد فسره في الحديث بقوله: ليس بالطويل البائن المفرط في الطول مع اضطراب القامة.
البائن: الطويل في نحافة اسم فاعل من بان أي ظهر على غيره. قاله الحافظ وفي النهاية:
أي المفرط طولا الذي بعد عن قدر الرجال الطوال [ (١) ] .
الغصن والأغصان: أطراف الشجر ما دامت فيها نابتة.
النضارة: حسن الوجه والبريق.
الثلاثة: النبي ﷺ وأبو بكر وعامر بن فهيرة.
المُمَّغط [ (٢) ] : بميمين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة مشددة فغين معجمة مكسورة المتناهي في الطول، وامتغط النهار امتدّ ومغطت الحبل إذا مددته وأصله منمغط والنون للمطاوعة فقلبت ميما وأدغمت في الميم ويقال بالعين المهملة بمعناه.
القصير المردد: وهو الذي تردد من بعض خلقه على بعض فهو المجتمع الخلق الذي يضرب إلى القصر جدا.
مقصدا: بميم مضمومة فقاف فصاد مشددة مفتوحتين أي ليس بطويل ولا قصير لا جسيم، كأن خلقه ﷺ يجيء به القصد من الأمور.
اكتنفه الرجلان: أحاطا به من جانبيه.
غمرهم: أي كان فوق كل من معه.
سهمهم: طالهم.
واللَّه أعلم.
стр. 659
الباب التاسع عشر في عرقه ﷺ وطيبه
قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ كثير العرق [ (١) ] .
رواه أبو الحسن بن الضحاك.
وقال أيضاً: ما شممت ريحا قط أو عرقا قط أطيب من ريح أو عرق رسول اللَّه ﷺ .
رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي. وزاد: ولا شممت مسكا- ولا عطرا أطيب من ريح رسول اللَّه ﷺ [ (٢) ] .
وقال عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه: كأن ريح عرق رسول اللَّه ﷺ ريح المسك بأبي وأمي! لم أر قبله ولا بعده مثله.
رواه ابن عساكر.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ يأتي أم سليم فيقيل عندها فتبسط له نطعا فيقيل عليه وكان كثير العرق وكانت تجمع عرقه ﷺ فتجعله في الطيب والقوارير، فيستيقظ النبي ﷺ فيقول: ما هذا الذي تضعين يا أم سليم؟ فتقول: هذا عرقك نجعله لطيبنا وهو أطيب الطيب. وفي رواية قالت: هذا عرقك أدوف به طيبي.
رواه مسلم وغيره [ (٣) ] .
وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: كان عرق رسول اللَّه ﷺ في وجهه مثل اللؤلؤ أطيب ريحا من المسك الأذفر وكأن كفه كف عطار مسها طيب أو لم يمسها به، يصافحه المصافح فيظل يومها يجد ريحهها، ويضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان من ريحها على رأسه.
رواه أبو بكر بن أبي خيثمة وأبو نعيم مختصرا.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ.
رواه أبو بكر بن أبي خيثمة.
وقالت أم عاصم امرأة عتبة بن فرقد السلمي له: إنا لنجهد في الطيب ولأنت أطيب
стр. 660
ريحا منا فمم ذلك؟ فقال: أخذني السرى على عهد رسول اللَّه ﷺ فأتيته فشكوت ذلك إليه فأمرني أن أتجرد فتجردت وقعدت بين يديه ﷺ وألقيت ثوبي على فرجي فنفث في يده ومسح ظهري وبطني بيده فعبق بي هذا الطيب من يومئذ.
رواه الطبراني.
وروي عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه ﷺ إني زوجت ابنتي وأحب أن تعينني بشيء فقال: ما عندي شيء ولكن ايتني بقارورة واسعة الرأس وعود شجرة. فأتاه بهما فجعل النبي ﷺ يسلت له فيها من عرقه حتى امتلأت القارورة، فقال خذها وأمر ابنتك أن تغمس هذا العود في القارورة وتطيب به. فكانت إذا تطيبت به يشم أهل المدينة رائحة ذلك الطيب [ (١) ] .
رواه الطبراني وأبو يعلى وابن عدي.
وقال وائل بن حجر [ (٢) ] رضي اللَّه تعالى عنه: كنت أصافح رسول اللَّه ﷺ أو يمس جلدي جلده فأتعرّفه بعده في يدي وإنه لأطيب من ريح المسك.
رواه الطبراني.
وقال يزيد بن الأسود رضي اللَّه تعالى عنه: ناولني رسول اللَّه ﷺ يده فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك.
رواه البيهقي.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كل ريح طيب قد شممت، فما شممت قط أطيب من ريح رسول اللَّه ﷺ ، وكل شيء لين قد مسست فما مسست شيئاً قط ألين من كف رسول اللَّه ﷺ .
رواه ابن عساكر.
وقال جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه مسح رسول اللَّه ﷺ خدي فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرج يده من جؤنة عطار.
رواه مسلم.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان عرق رسول اللَّه ﷺ في وجه اللؤلؤ، ولريح عرق رسول اللَّه ﷺ أطيب من ريح المسك الأذفر.
стр. 661
رواه ابن سعد وابن عساكر.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ [ (١) ] .
رواه مسلم.
وقال رجل من قريش كنت مع أبي حين رجم رسول اللَّه ﷺ ما عز بن مالك، فلما أخذته الحجارة أرعبت، فضمني رسول اللَّه ﷺ فسال من عرق إبطه مثل ريح المسك.
رواه الدارمي.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كنا نعرف رسول اللَّه ﷺ إذا أقبل بطيب ريحه.
رواه ابن سعد وأبو نعيم.
وقال معاذ بن جبل رضي اللَّه تعالى عنه: كنت أسير مع رسول اللَّه ﷺ قال أدن مني فدنوت منه فما شممت مسكا ولا عنبرا أطيب من ريح رسول اللَّه ﷺ .
رواه البزار.
وقال جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنهما: كان في رسول اللَّه ﷺ خصال: لم يكن يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرقه أو عرفه.
رواه البخاري في تاريخه والدارمي.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ إذا مر في طريق من طرق المدينة.
وجدوا منه رائحة الطيب فيقال مر رسول اللَّه ﷺ في هذا الطريق [ (٢) ] .
رواه أبو يعلى والبزار.
ويرحم اللَّه تعالى القائل حيث قال:
ولو أن ركبا يمموك لقادهم ... نسيمك حتى يستدل به الركب
والقائل:
يروح على تلك الطريق التي غدا ... عليها فلا ينهى علاه نهاته
تنفّسه في الوقت أنفاس عطره ... فمن طيبه طابت له طرقاته
تروح له الأرواح حيث تنسمت ... لها سحرا من حبه نسماته
стр. 662
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ كثير العرق [ (١) ] .
رواه مسلم.
وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها فيما رواه ابن عساكر وأبو نعيم: كنت قاعدة أغزل والنبي ﷺ يخصف نعله فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتولد نورا فبهت فقال: مالك بهت؟
قلت: جعل جبينك يعرق وجعل عرقك يتولد نورا ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره حيث يقول في شعره:
ومبرأ عن كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء معضل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت بروق العارض المتهلل
[ (٢) ]
تنبيهات
الأول: قال إسحاق بن راهويه رحمه اللَّه تعالى: أن هذه الرائحة الطيبة كانت رائحة رسول اللَّه ﷺ من غير طيب.
وقال النووي رحمه اللَّه تعالى: وهذا مما أكرمه اللَّه تعالى به.
قالوا: وكانت الريح الطيبة صفته ﷺ وإن لم يمس طيبا، ومع هذا كان يستعمل الطيب في أكثر أوقاته مبالغة في طيب ريحه لملاقاة الملائكة وأخذ الوحي ومجالسة المسلمين.
الثاني: مبدأ هذه الرائحة الطيبة بجسده ﷺ من ليلة الإسراء. روى ابن مردويه عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ منذ أسري به ريحه ريح عروس وأطيب من ريح عروس.
الثالث: ما اشتهر على ألسنة بعض العوام أن الورد خلق من عرق رسول اللَّه ﷺ ، فقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر وأبو زكريا يحيى النووي والحافظ والشيخ وغيرهم: إنه باطل لا أصل له. والحديث رواه الديلمي في مسند الفردوس من طريق مكي بن بندار وقد اتهمه الدارقطني بوضع الحديث. وله طرق بينت بطلانها في كتابي «إتحاف اللبيب في بيان ما وضع في معراج الحبيب» .
стр. 663
الرابع: في بيان غريب ما تقدم:
شممت [ (١) ] : بكسر الميم في الماضي وفتحها في المضارع ويجوز فتحها في الماضي وضمها في المضارع.
أو عرفا: شك من الراوي لأن العرف- بفتح العين المهملة وسكون الراء بعدها فاء- هو الريح الطيب.
ومن ريح: بكسر الحاء بلا تنوين لأنه في حكم المضاف تقديره من ريح النبي ﷺ أو عرقه. ووقع في بعض الروايات بفتح الراء وبالقاف فأو على هذا للتنويع.
قال الحافظ: والأول هو المعروف. وفي رواية ما شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة رسول اللَّه ﷺ . قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: ضبط هذا اللفظ بوجهين: أحدهما بسكون النون بعدها موحدة. والآخر بكسر الموحدة بعدها مثناة تحتية والأول هو المعروف، والثاني طيب معمول من أخلاط يجمعها الزعفران. وقيل هو الزعفران. ووقع عند البيهقي ولا شممت مسكا ولا عبيرا ذكرهما جميعا.
يقيل: ينام في القائلة وهي شدة الحر.
القوارير: آنية من زجاج. أدوف بالدال المهملة أي أخلط. يقال: داف الشيء يدوفه.
دوفا وأدافه: خلطه. الأذفر [ (٢) ] بذال معجمة أي طيب الرائحة والذفر بالتحريك يقع على الطيب والكريه ويفرق بينهما بما يضاف إليه ويوصف به.
السرى: بفتحتين- خراج صغار لها لذع شديد.
عبق به الطيب عبقا من باب تعب- ظهرت ريحه بثوبه أبو بدنه فهو عبق. قلت: ولا يكون العبق إلا للرائحة الطيبة الزكية.
جؤنة [ (٣) ]- بضم الجيم وهمزة ساكنة، ويجوز تسهيلها، سفط مغشى بجلد يجعل فيه العطار طيبه.
стр. 664
الباب العشرون في مشيه ﷺ وأنه لم يكن يرى له ظل
قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كنت مع رسول اللَّه ﷺ في جنازة فكنت إذا مشيت سبقني، فالتفت إلي رجل إلى جنبي فقلت: تطوى له الأرض وخليل إبراهيم [ (١) ] .
رواه الإمام أحمد وابن سعد.
وقال يزيد بن مرثد- بميم مفتوحة فراء ساكنة فثاء مثلثة مفتوحة فدال مهملة- وهو من التابعين رحمه اللَّه تعالى: كان رسول اللَّه ﷺ إذا مشى أسرع حتى يهرول الرجل وراءه فلا يدركه [ (٢) ] .
رواه ابن سعد.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: ما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول اللَّه ﷺ كان الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وإنه غير مكترث [ (٣) ] .
رواه الإمام أحمد والترمذي في الشمائل والبيهقي وابن عساكر من طرق.
وقال ذكوان [ (٤) ] رحمه اللَّه تعالى: لم ير لرسول اللَّه ﷺ ظل في شمس ولا قمر.
رواه الحكيم الترمذي. وقال: معناه لئلا يطأ عليه كافر فيكون مذلة له.
وقال ابن سبع رحمه اللَّه تعالى: في خصائصه: إن ظله ﷺ كان لا يقع على الأرض وإنه كان نوراً وكان إذا مشى في الشمس أو القمر لا يظهر له ظل.
قال بعض العلماء: ويشهد له قوله ﷺ في دعائه: «واجعلني نورا» [ (٥) ] وستأتي صفة مشيه ﷺ في باب آدابه.
نجهد- بفتح النون وضمها، يقال: جهد دابته وأجهدها إذا حمل عليها فوق طاقتها.
مكترث: أي غير مبال، ولا يستعمل إلا في النفي وأما استعماله في الإثبات فشاذ.
واللَّه تعالى أعلم.
стр. 665
الباب الحادي والعشرون في الآية في صوته ﷺ وبلوغه حيث لا يبلغه صوت غيره
روى ابن سعد عن قتادة وابن عساكر عنه، عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه قال: ما بعث اللَّه نبيا إلا بعثه حسن الوجه حسن الصوت حتى بعث اللَّه نبيكم ﷺ فبعثه حسن الوجه حسن الصوت.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: ما بعث اللَّه تعالى نبيا قط إلا بعثه صبيح الوجه كريم الحسب حسن الصوت، إن نبيكم كان صبيح الوجه كريم الحسب حسن الصوت.
رواه ابن عساكر.
وقال جبير بن مطعم رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ حسن النغمة.
رواه أبو الحسن بن الضحاك.
وقال البراء رضي اللَّه تعالى عنه: خطبنا رسول اللَّه ﷺ حتى أسمع العواتق في خدورهن.
رواه أبو نعيم والبيهقي.
وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: جلس رسول اللَّه ﷺ على المنبر فقال للناس:
اجلسوا، فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في بني غنم فجلس مكانه.
رواه أبو نعيم والبيهقي.
وقال عبد الرحمن بن معاذ التميمي رضي اللَّه تعالى عنه: خطبنا رسول اللَّه ﷺ بمنى ففتحت أسماعنا. وفي لفظ: ففتح اللَّه أسماعنا حتى أنا كنا لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا.
رواه ابن سعد وأبو نعيم.
وقالت أم هانئ رضي اللَّه تعالى عنها: كنا نسمع قراءة رسول اللَّه ﷺ في جوف الليل وأنا على عريشي [ (١) ] .
رواه ابن ماجه.
وقال البراء رضي اللَّه تعالى عنه: قرأ رسول اللَّه ﷺ في العشاء وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين: ١] فلم أسمع صوتا أحسن منه [ (٢) ] .
متفق عليه.
стр. 666
وقالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها: كان في صورته ﷺ صحل.
رواه ابن عساكر وغيره.
تفسير الغريب
العواتق: جمع عاتق يقال: عتقت الجارية عن خدمة أبويها وعن أن يملكها زوج فهي عاتق.
وفي البارع [ (١) ] : العاتق التي لم تبن عن أهلها والتي لم تتزوج.
وقال أبو زيد رحمه اللَّه تعالى: هي التي أدركت ما لم تعنس. وقال الأصمعي: هي فوق المعصر.
صحل [ (٢) ]- بفتح الصاد والحاء المهملتين وباللام- شبه البحة وهي غلظ الصوت. وفي رواية: صهل بالهاء بدل الحاء وهو قريب منه لأن الصهل صوت الفرس، وهو يصهل بشدة وقوة.
وستأتي صفة كلامه ﷺ في أبواب آدابه.
стр. 667
الباب الثاني والعشرون في فصاحته ﷺ
الفصاحة لغة: البيان.
واصطلاحا: خلوص الكلام من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد.
هذا باعتبار المعنى. وأما باعتبار اللفظ فهي كونه على ألسنة الفصحاء الموثوق بعربيتهم أدور واستعمالهم له أكثر.
والفرق بينهما وبين البلاغة: أن الفصاحة يوصف بها المفرد والكلام والمتكلم، والبلاغة يوصف بها الأخيران فقط.
ففصاحة المفرد: خلوصه من تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس.
وفصاحة الكلام: خلوصه من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد.
وبلاغته: مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته.
وفصاحة المتكلم: ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود. وبلاغته: ملكة يقتدر بها على وجوه تأليف الكلام البليغ. فالبلاغة أخص مطلقا، فكلّ بليغ فصيح ولا عكس، والبليغ الذي يبلغ بعبارته كنه ضميره.
وقال الإمام العلامة أبو سليمان أحمد الخطابي رحمه اللَّه تعالى: اعلم أن اللَّه تعالى لما وضع رسول اللَّه ﷺ موضع البلاغ من وحيه ونصبه منصب البيان لدينه اختار له من اللغات أعذبها ومن الألسن أفصحها وأبينها، ثم أمده بجوامع الكلم التي جعلها ردءا لنبوته وعلما لرسالته، لينتظم في القليل منها عليم كثير يسهل على السامعين حفظه ولا يؤودهم حمله، ومن تتبع الجوامع من كلامه ﷺ لم يعدم بيانها.
وقال الإمام أبو السعادات المبارك ابن محمد بن الأثير رحمهم اللَّه تعالى في أول النهاية: قد عرفت أيدك اللَّه تعالى وإيانا بلطفه وتوفيقه، أن رسول اللَّه ﷺ كان أفصح العرب لسانا وأوضحهم بيانا وأعذبهم نطقا وأسدهم لفظا وأبينهم لهجة وأقومهم حجة، وأعرفهم بمواقع الخطاب وأهداهم إلى طريق الصواب، تأييدا إلهيا ولفظا سمائيا وعناية ربانية ورعاية روحانية، حتى لقد
قال له علي رضي اللَّه تعالى عنه وسمعه يخاطب وفد بني نهد: يا رسول اللَّه نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره فقال: «أدبني ربي فأحسن تأديبي وربيت في بني سعد»
[ (١) ] .
стр. 668
فكان رسول اللَّه ﷺ يخاطب العرب [ (١) ] على اختلاف شعوبهم وقبائلهم وتباين بطونهم وأفخاذهم وفصائلهم يخاطب كلا منهم بما يفهمون ويحادثهم بما يعلمونه، ولذلك قال صدق اللَّه تعالى
قوله: «أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم»
[ (٢) ] . فكأن اللَّه تعالى قد أعلمه ما لم يكن يعلمه غيره من بين أبيه وجمع فيه ما تفرق ولم يوجد في قاصي العرب ودانيه، وكان أصحابه رضي اللَّه تعالى عنهم ومن يفد إليه من العرب يعرفون أكثر ما يقوله وما جهلوه يسألونه عنه فيوضحه لهم.
قلت: قوله: «ولذلك
قال: أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم» .
رواه الحسن بن سفيان في مسنده بسند ضعيف وله طرق تقويه.
وقال القاضي أبو الفضل عياض رحمه اللَّه تعالى: وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان ﷺ من ذلك بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع وبراعة منزع وإيجاز مقطع ونصاعة لفظ وجزالة قول وصحة معان وقلة تكلف، أوتي ﷺ جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة بلسانها ويحاورها بلغتها ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه ﷺ يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله، من تأمل حديثه وسيره على ذلك وتحققه.
ففصاحة لسانه ﷺ غاية لا يدرك مداها ومنزلة لا يداني منتهاها وكيف لا يكون ذلك وقد جعل اللَّه تعالى لسانه سيفا من سيوفه يبين عنه مراده ويدعو إليه عباده، فهو ينطق بحكمة عن أمره، ويبين عن مراده بحقيقة ذكره، أفصح خلق اللَّه إذا لفظ وأنصحهم إذا وعظ، لا يقول هجرا ولا ينطق هذرا، كلامه كله يثمر علما ويمتثل شرعا وحكما لا يتفوه بشر بكلام أحكم منه في مقالته ولا أجزل منه في عذوبته، وخليق بمن عبر عن مراد اللَّه بلسانه وأقام الحجة على عباده ببيانه، وبين مواضع فروضه وأوامره ونواهيه وزواجره، أن يكون أحكم الخلق تبيانا وأفصحهم لسانا وأوضحهم بيانا، وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد ولا ينكرها موافق ولا معاند.
قال القاضي رحمه اللَّه تعالى: أما كلامه المعتاد وفصاحته المعلومة وجوامع حكمه
стр. 669
المأثورة فقد ألف الناس فيها الدواوين وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب. ومنها ما لا يوازى فصاحة ولا يبارى بلاغة.
كقوله ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم» [ (١) ] .
رواه أبو داود والنسائي عن علي رضي اللَّه تعالى عنه.
«المسلمون كأسنان المشط» [ (٢) ] .
ابن الآل في مكارم الأخلاق عن سهل بن سعد رضي اللَّه تعالى عنه.
«المرء مع من أحب» .
الشيخان عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه.
«لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له» [ (٣) ] .
ابن عدي عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه.
«الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» [ (٤) ] .
الشيخان عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه.
«ما هلك امرؤ عرف قدر نفسه» [ (٥) ] .
ابن السمعاني في تاريخه عن علي رضي اللَّه تعالى عنه.
«المستشار موتمن، وهو بالخيار إن شاء تكلم وإن شاء سكت.»
أحمد عن أبي مسعود عقبة بن عمرو وصدره عند الأربعة عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه.
«رحم اللَّه عبدا قال خيرا فغنم أو سكت عن شر فسلم» [ (٦) ] .
أبو الشيخ في الثواب عن أبي أمامة والديلمي عن أنس رضي اللَّه تعالى عنهما.
стр. 670
«أسلم تسلم يؤتك اللَّه أجرك مرتين» .
الشيخان في قصة هرقل.
«إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساُ يوم القيامة أحسنكم أخلاقاُ الموطأون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون» [ (١) ] .
الترمذي عن ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه.
«لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يُغنيه» [ (٢) ] .
البيهقي في الشعب عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه والترمذي نحوه.
«ذو الوجهين لا يكون عند اللَّه وجيها» [ (٣) ] .
أبو داود بلفظ: ذو الوجهين في الدنيا ذو لسانين في النار.
«نهيه عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ومنع وهات، وعقوق الأمهات ووأد البنات» .
رواه الشيخان.
«اتق اللَّه حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» [ (٤) ] .
رواه الإمام أحمد وغيره عن أبي ذر رضي اللَّه تعالى عنه.
«خير الأمور أوساطها» [ (٥) ] .
ابن السمعاني في الذيل عن علي.
«أحبب حبيبك هوناً ما فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما» [ (٦) ] .
البخاري في الأدب المفرد والترمذي عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه.