Полный текст (2 260 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
[٩] (باب ما يقول عند الخلاء)
٣٩/ ١٤٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنسا يقول: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).
الخبث: جمع خبيث كقولك: جديد وجدد وعتيق وعتق، والخبائث جمع الخبيثة.
تعوذ بالله من ذكران الشياطين وإناثهم، وإنما خص بذلك الخلاء، لأن الشياطين يحضرون الأخلية -وهي مواضع يهجر فيها ذكر الله- فقدم لها الاستعاذة احترازا منهم. وقد قال ﷺ : (عن هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليتعوذ بالله).
стр. 142
[١١] (باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء: جدار أو نحوه)
٤٠/ ١٤٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا آدم، حدنا ابن أبي ذئب، حدثنا الزهري، عن عطائ بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال قال رسول الله ﷺ : (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره شرقوا أو غربوا).
نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها عند الخلاء معناه صيانة جهة القبلة وكراهة ابتذالها في غير ما جعلت له، وإنما يستقبل الرجل القبلة عند الصلاة والدعاء ونحوهما من أمور البر والخير، فكره ﷺ أن يتوجه إليها عند الحدث، وكره أيضا أن يوليها ظهره فتكون عورته بإزائها غير مستورة عنها. وقد قيل: إن المعنى في ذلك أن وجه الأرض متعبد للملائكة والإنس والجن، فالمتباعد فيه مستقبلا للقبلة ومستدبرا لها، مستهدف للأبصار.
стр. 143
ومن أجل ذلك صارت الكراهة له إذا كان في الصحارى خصوصا دون الأبنية الساترة للأبصار.
وقوله: شرقوا أو غربوا) إنما هو خطاب لأهل المدينة ولمن كانت قبلته على ذلك السمت، فأما من كانت قبلته إلى جهة المغرب أو المشرق فإنه لا يشرق ولا يغرب.
стр. 144
[١٢] (باب من تبرَّز على لبنتين)
٤١/ ١٤٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه كان يقول: إن ناسا يقولون: إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته.
المستقبل لبيت المقدس وهو بالمدينة مستدبر للكعبة.
стр. 145
[١٤] (باب التبرز في البيوت)
٤٢/ ١٤٨ - قال أبو عبد الله: حدثنا إبراهيم (بن) المنذر قال: حدثنا أنس بن عياض، عن عبيد الله، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر قال: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة، مستقبل الشام.
قد يتوهم السامع قول ابن عمر في الرواية الأولى من طريق مالك (أن ناسا يقولون) إلى آخر الفصل، أنه يريد إنكار ما روي من النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة أو يراه نسخا له بما حكاه من رؤيته النبي ﷺ يقضي حاجته مستدبرا للقبلة، وليس الأمر في ذلك على ما يتوهم لأن المشهور من مذهب ابن عمر ومن فتياه في هذا الباب أنه كان لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها في الصحارى ويجوز ذلك في الأبنية، وإنما أنكر ابن عمر قول من يزعم أن استقبال القبلة في الأبنية غير جائز، ولذلك تمثل بما شاهده
стр. 146
من قعوده في الأبنية مستدبر القبلة.
ويشبه أن يكون قد بلغه قول أبي أيوب الأنصاري فإنه كان يرى النهي في ذلك عاما في الصحارى والأبنية وإليه كان يذهب سفيان الثوري من الفقهاء. فأما ابن عمر فإنه كان يجمع بين الخبرين في ذلك، فيمنع الاستقبال والاستدبار في الصحارى ولا يمنع ذلك في الأبنية، وإليه ذهب الشعبي وهو قول مالك والشافعي.
стр. 147
[١٣] (باب خروج النساء إلى البراز)
٤٣/ ١٤٦ - وذكر أبو عبد الله حرفا في حديث عائشة ﵂ أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح.
المناصع: موضع معروف. والصعيد وجه الأرض. والأفيح: الواسع. ودار فيحاء واسعة.
стр. 148
[١٨] (باب النهي عن الاستنجاء باليمين)
٤٤/ ١٥٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا معاذ بن فضالة قال: حدثنا هشام -هو الدستوائي- عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بيمينه).
نهيه عن التنفس في الإناء نهي أدب وتعليم، وذلك أنه إذا فعل ذلك لم يأمن أن يبدر من فيه الريق فيخالط الماء فيعافه الشارب منه، وربما تروح بنكهة المتنفس إذا كانت فاسدة، والماء للطفه ورقة طبعه تسرع إليه الروائح، ثم إنه من فعل الدواب إذا كرعت في الأواني جرعت ثم تنفست فيه، ثم عادت فشربت، وإنما السنة
стр. 149
والأدب أن يشرب الماء في ثلاثة أنفاس، كلما شرب نفسا من الإناء نحاه عن فمه، ثم عاد مصا له، غير عب إلى أن يأخذ ريه منه.
ونهيه عن مس الذكر بيمينه، تنزيه لها عن مباشرة العضو الذي يكون منه الأذى والحدث، وكان ﷺ يجعل يمناه لطعامه وشرابه ولباسه، ويسراه لخدمة أسافل بدنه. وكذلك الأمر في نهيه عن الاستنجاء باليمين إنما هو تنزيه وصيانة لقدرها عن مباشرة ذلك الفعل.
وإذا كان مس الذكر باليمين منهيا عنه، والاستنجاء بها منهيا عنه كذلك فقد يحتاج البائل في بعض الأحوال أن يتأنى لمعالجة ذلك وأن يرفق فيه، وذلك إن لم يجد (إلا) حجرا ضخما لا يزول عن المكان إذا اعتمده أو لم يجد (إلا) جذم حائط أو نحوه فيحتاج إلى أن يلصق مقعدته بالأرض ويمسك (الممسوح) بين عقبيه، ويتناول عضوه بشماله فيمسحه به، وينزه عنه يمينه ليخرج به عن النهي في الوجهين معاً.
стр. 150
[٢٠] (باب الاستنجاء بالحجارة)
٤٥/ ١٥٥ - قال أبو عبد الله: حدثني أحمد بن محمد المكي قال: حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو المكي، عن جده عن أبي هريرة قال: اتبعت النبي ﷺ وخرج لحاجته وكان لا يلتفت فدنوت منه فقال: (ابغني أحجارا أستنفض بها أو نحوه ولا تأتني بعظم ولا روث).
قوله: ابغني معناه اطلب لي. فإذا قلت: أبغني -بقطع الألف- كان معناه أعني على الطلب.
وقوله: أستنفض معناه أستنج [؟] وهو من النفض، وذلك أن المستنجي ينفض عن نفسه أذى الحدث بالأحجار. ويقال: هذا موضع منتفض: أي متبرز.
стр. 151
وإنما سن ﷺ إعداد النُّبَل للاستنجاء قبل القعود للخلاء لئلا يحتاج إلى أن يطلب الحجارة بعد الفراغ من الحاجة، لأن المتغوط إذا قام قبل الاستنجاء لم يأمن أن يتلوث منه الشرج وما جاوره من الصفحتين، وفي إعداد ذلك قبل القعود له سلامة من هذا المعنى.
وقوله: (لا تأتني بعظم ولا روث) فإن النهي عن الاستنجاء بالعظم لمعنيين أحدهما: أنه جعل زادا للجن على ما جاء في الرواية (أنه زاد إخوانكم من الجن) فإفساده غير جائز، وقد يأكله الناس في الضرورات أيضا.
والمعنى الآخر: أن العظم زلج لا يكاد يتماسك فيزيل الأذى إزالة تامة.
فأما الروث فنجس والنجس يمد النجاسة ولا يزيلها.
стр. 152
[٢١] (باب لا يستنجى بروث)
٤٦/ ١٥٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن عن أبيه أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين فالتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس.
قوله: أمرني أن آتيه بثلاثة أحجار فيه إيجاب عدد الثلاث في الاستنجاء إذا كان معقولا أنه استدعاها ليستنجي بها كلها، وليس في قوله: (فأخذ الحجرين وألقى الروثة) دليل على أنه اقتصر
стр. 153
عليهما لجواز أن يكون بحضرته ثالث فيكون قد استوفاها عددا.
ويدل على ذلك خبر سلمان ﵁ قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة أو نستنجي بأيماننا أو نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم.
وهو خبر لم يختلف أهل الحديث في صحة سنده واتصاله من طريق الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان.
وخبر أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (إنما أنا لكم مثل الوالد فلا يستقبل أحدكم القبلة ولا يستدبرها -يعني في الغائط- ولا يستنج بدون ثلاثة أحجار ليس فيها روث ولا رمة)،
стр. 154
وهو أيضاً خبر صحيح من طريق ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح عن أبي هريرة.
وقوله: هذا ركس، يريد أنه رجيع قد رد عن حال الطهارة إلى النجاسة ويقال: ارتكس الرجل في البلاء: إذا رد فيه بعد الخلاص منه. ومنه قول الله تعالى: ﴿والله أركسهم بما كسبوا﴾ - أي ردهم إلى الكفر والهلاك.
стр. 155
[٢٥] (باب الاستنثار في الوضوء)
٤٧/ ١٦١ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبدان قال: حدثنا عبد الله، حدثنا يونس، عن الزهري قال: أخبرني أبو إدريس أنه سمع أبا هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: (من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر).
الاستنثار: نفض ما في الأنف بعد استنشاق الماء وقد أوجبه بعض الفقهاء ورأى الصلاة فاسدة إن لم يستنثر المتوضئ، والحديث حجة له لأن ظاهر الأمر الإيجاب. والاستجمار: الاستنجاء بالأحجار، ومنه رمي الجمار في الحج وهي الحصا التي يرمى بها في أيام منى هكذا فسره مالك بن أنس وكذلك أبو عبيد
стр. 156
وغيره. وأخبرني عبد الرحمن بن الأسد قال: حدثنا الدبري عن عبد الرزاق قال: سئل معمر عن الاستجمار قال: يريد المجمر. وهو غلط.
وفي قوله: (من استجمر فليوتر) دليل على وجوب استيفاء عدد الثلاث في الاستنجاء إذ كان معقولا أنه لم يرد به الوتر الذي هو واحد فرد، لأنه زيادة وصف على اسم، والاسم لا يحصل بأقل من واحد، فعلم أنه إنما قصد به ما زاد على الواحد وأدناه الثلاث.
стр. 157
[٢٦] (باب الاستجمار وترًا)
٤٨/ ١٦٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده).
أمره بغسل يده قبل أن يدخلها الماء الذي يريد أن يتوضأ به، أمر أدب واستحباب لا أمر إيجاب وإلزام، وذلك لأنه علقه بالشك والارتياب، والأمر المضمن بالشك والارتياب لا يكون واجبا، وأصل الماء الطهارة. وبدن الإنسان على حكم الطهارة كذلك أيضا، وإذا ثبتت الطهارة يقينا لم تزل بأمر مشكوك فيه، وإنما جاء هذا في المياه التي هي في حد القلة إذ كان قد جرت عاداتهم باستعمال الآنية الصغار في طهورهم كالمخاضب والركاء ونحوها
стр. 158
دون المياه التي في الحياض والبرك والمصانع الواسعة، فإنه إذا كان الماء في حد الكثرة لم يكن هذا المعنى موهوبا [موهوما]، وذهب بعض أهل الظاهر إلى إيجاب غسل اليد قبل إدخالها الإناء، فإن أدخلها فيه قبل غسلها فسد الماء. وفرق بعضهم بين نوم الليل ونوم النهار. قال: وذلك لأن الحديث إنما جاء في نوم الليل بدليل قوله: (أين باتت يده)، والمبيت إنما يكون ليلا، فإن الإنسان لا ينكشف لنوم النهار كما ينكشف لنوم الليل، فتطوف يده في أطراف بدنه كما تطوف يد النائم ليلا، وربما أصابت موضع العورة، وكانوا قل ما يستعملون الماء، إنما يستنجون بالحجارة ونحوها. وقد يكون هناك لوث من أثر الحدث لم ينقه الاستنجاء بالأحجار فيعلق بيده، فإذا غمسها في الإناء فسد الماء لمخالطة النجاسة إياه.
وهذا الذي قاله واحتج به قد يحتمل أن يكون، ويحتمل أن لا يكون، وأصل الماء الطهارة، وحكم البدن الطهارة، كذلك ما لم يتيقن نجاسة، والمتمكن المستقر لا يزول بالمكتفي المتردد بين أن يكون وبين أن لا يكون، فالاحتياط أن يغسلها والقياس أن لا وجوب. وهو قول أكثر العلماء، وفيه الدلالة على الفرق بين ورود النجاسة على الماء القليل، وبين ورود الماء عليها معقولا لأن الماء الذي أمره ﷺ بصبه من الإناء على يده لغسلها وإزالة نجاسة إن كانت عليها ماء قليل، ثم كان حكمه الطهر والتطهير، وحكم ما في الإناء من الماء وإن كان أكثر كمية منه حكم التنجيس لو كان تيقن نجاسة بيده فدل على الفرق بين الأمرين.
стр. 159
وفيه دلالة على أن غسل النجاسة سبعا مخصوص به بعض أنواع النجاسات وأن ما عداه بخلافه.
стр. 160
[٢٧] (باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين)
٤٩/ ١٦٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا موسى قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف النبي ﷺ في سفرة فأدركنا وقد أرهقنا العصر فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلا [بأعلى] صوته: (ويل للأعقاب من النار) مرتين أو ثلاثا.
قوله: أرهقنا العصر: أي أخرناها. يقال: أرهقت الصلاة إذا أخرتها عن وقتها. وقد يقال: أرهقتنا الصلاة إذا دنا وقتها، وأرهق الليل إذا دنا كذلك.
стр. 161
وقوله: (ويل للأعقاب من النار) وعيد في ترك استيعاب الرجل غسلا وفيه بيان بطلان قول من تأول من الروافض الآية على المسح إذا قرئت بكسر اللام. من قوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾.
стр. 162
[٤٠] (باب استعمال فضل وضوء الناس)
٥٠/ ١٩٠ - قال أبو عبد الله: حدثني عبد الرحمن بن يونس قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن الجعد قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: ذهبت بي خالتي إلى النبي ﷺ فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحجلة.
زر الحجلة يريد الإزار [الأزرار] التي تشد على ما يكون في حجال العرائس من الكلال والستور ونحوها، وقد جاء في بعض الروايات: رأيت خاتم النبوة كبيضة الحمامة. وقد سمعت من
стр. 163
يقول: زر الحجلة: بيضة حجل الطير، يقال للأنثى منها الحجلة، وهذا شيء لا أحقه.
стр. 164
[٤٤] (باب صب النبي ﷺ وضوءه على مغمى عليه)
٥١/ ١٩٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: جاء رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ فصب علي من وضوئه فعقلت. فقلت يا رسول الله: لمن الميراث، إنما ترثني كلالة؟ فنزلت آية الفرائض.
قوله: فصب علي من وضوئه. فيه دليل على أن الماء المستعمل طاهر، وقد يستدل به أيضا من يرى الوضوء به جائزا.
قوله: إنما ترثني [كلالة] فإن الكلالة هاهنا الأخوات وكان لجابر إذ ذاك سبع أخوات والكلالة: اسم للوارث والموروث معا، وهو في هذا الحديث اسم للوارث.
стр. 165
فأما الكلالة المذكورة في قوله : ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ فهي اسم للموروث دون الوارث، وإنما سَمَّى [سُمِّي] الورثة كلالة لتكللهم النسب من جوانبه وهم مَن دون الولد والوالد من الورثة.
стр. 166
[٤٥] (باب الغسل والوضوء في المخةب والقدح والخشب والحجارة)
٥٢/ ١٩٨ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ واشتد به وجعه قال: (هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس) وأجلس في مخضب لحفصة، ثم طفقنا نصب عليه تلك حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس.
المخضب - شبه الإجانة يغسل فيه الثياب.
وقولها: طفقنا، أي جعلنا نفعل ذلك. يقال: طفق الرجل يفعل كذا إذا واصل الفعل. والأوكية جمع الوكاء، وهو الخيط
стр. 167
الذي يربط به رأس السقاء، وإنما طلب النبي ﷺ ذلك إليهن، لأن المريض إذا صب عليه الماء البارد ثابت إليه قوته في بعض الأمراض، ويشبه أن يكون ما اشترطه في القرب من أن لم تكن حلت أوكيته طهارة الماء، وذلك أن أول (الماء) أطهره وأصفاه لأن الأيدي لم تخالطه ولم تمرسه بعد.
وقد يحتمل أن يكون إنما خص بها عدد السبع من ناحية التبرك، وفي عدد السبع بركة، ولها شأن لوقوعها في كثير من أعداد معاظم الخليقة وبعض أمور الشريعة، والأواني والقرب إنما توكى وتحل على ذكر الله، فاشترط أن يكون صب الماء عليه من الأسقية التي لم تحلل ليكون قد جمع بركة الذكر في شدها وحلها معا، والله أعلم بحقيقة ما أراد من ذلك.
стр. 168
[٤٦] (باب الوضوء من التور)
٥٣/ ٢٠٠ - قال أبو عبد الله: حدثنا مسدد قال: حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس أن النبي ﷺ دعا بإناء من ماء، فأتي بقدح رحراح فيه شيء من ماء فوضع أصابعه. قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه. قال أنس: فحزرت من توضأ ما بين السبعين إلى الثمانين.
القدح الرحراح: هو الواسع الصحن القريب القعر، ومثل ذلك من الأقداح لا يسع الماء الكثير. وفي هذا آية من آيات نبويته ﷺ ومعجزة من معجزاته. وقد قيل: إن هذا أبلغ في الإعجاز من تفجير الماء من الحجر لموسى صلوات الله عليه، لأن في طبع الحجارة أن يخرج منها الماء الغدق الكثير، وليس ذلك في طباع أعضاء بني آدم.
стр. 169
[٤٨] (باب المسح على الخفين)
٥٤/ ٢٠٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو، عن أبيه. رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته وخفيه.
قلت: ظاهر هذا يوجب جواز المسح على العمامة من غير أن يصله بشيء من الرأس، كما يمسح على الخف من غير أن يمسح معه شيء من الرجل، وقد قال به غير واحد من العلماء. منهم الأوزاعي وهو مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأهل
стр. 170
الظاهر. وقال أحمد: قد جاء ذلك عن النبي ﷺ من خمسة أوجه، وإليه ذهب محمد بن إسحاق بم [بن] خزيمة، وعامة أصحاب الحديث، واشترط كل من جوز المسح على العمامة أن يكون الماسح قد اعتم بعد كمال الطهارة كالماسح على الخفين، وزاد بعضهم في شرائطه أن يكون قد تلحَّى بالعمامة، فإن لم يجعلها تحت الذقن لم يجزه المسح عليها، وكأنه راعى هيئة القوم وعاداتهم في لبس العمائم، وكان عامتهم يجعلونها تحت الأذقان، فمن خالف ذلك لم تجعل له الرخصة في المسح، والعمامة إنما تتماسك وتثبت على رأس المعتم إذا جعل شيئا تحت ذقنه فيكون ذلك شبيها بالخف المخروز المتماسك في رجله، ولو تلفف بالجلد من غير خرز لم يجزه المسح، فكذلك إذا اقتعط العمامة من غير تحنيك لم يجزه المسح عليها، لأن ذلك إنما يكون حينئذ بمنزلة الكارَةِ الموضوعة فوق الرأس، فأما أكثر الفقهاء فإنهم لم يجيزوا المسح على العمامة، وتأولوا الخبر على أنه أراد به مسح مقدم الرأس من غير نقض للعمامة أو إبانة عن مكانها.
стр. 171
[٤٩] (باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان)
٥٥/ ٢٠٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا زكريا، عن عامر، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه قال: كنت مع النبي ﷺ (في سفر) فأهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما.
قد استدل بهذه اللفظة من لا يجيز المسح على الخفين لمن لبس أحدهما بعد غسل إحدى رجليه قبل غسل الرجل الأخرى. قال: وذلك لأنه قد اشترط في إدخال الرجلين طهارتهما معا، وهو وصف يجمعهما عند ابتداء لبس الخفين وإدخالهما القدمين، ومن غسل إحدى الرجلين وأدخلها أحد الخفين قبل أن يغسل الأخرى لم يستحق هذا الوصف، إذ هارة إحدى الرجلين متعلقة بطهارة الأخرى، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقد ذكر
стр. 172
محمد ابن إسحاق بن خزيمة في هذا حديثين صحيحي الإسناد بلفظتين هما أوضح دلالة وأكثر بيانا من حديث المغيرة.
أحدهما: حديث أبي بكرة، والآخر: حديث صفوان بن عسال، حدثني بهما عنه إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثنا بندار وبشر بن معاذ العقدي ومحمد بن أبان قالوا: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال: حدثنا المهاجر -وهو ابن مخلد- عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي ﷺ أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما.
стр. 173
قوله: إذا تطهر فلبس خفيه، شرطٌ في إكمال الطهارة قبل لبس الخف ألا تراه قد عقبه بحرف الفاء التي توجب التعقيب.
قال: وحدثنا محمد بن يحيى ومحد بن رافع قالا: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال قال: كنا في الجيش الذين بعثهم رسول الله ﷺ فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهور ثلاثا إذا سافرنا، وليلة إذا أقمنا.
стр. 174
وقوله: إذا نحن أدخلناهما على طهور، يؤكد هذا المعنى لأنه إذا لبس أحدهما قبل غسل رجله الأخرى لم يكن مدخلهما على طهور. والحكم المعلق بشرطين لا يجب وقوعه بوجود أحدهما دون الآخر.
قلت: زيادة الدلالة من هذين الحديثين على ما جاء به أبو عبد الله من حديث المغيرة هي أنه قد علق الطهارة فيه بالقدمين وعلقهما في هذين الحديثين بالمتوضيء فتأمل.
стр. 175
[٥١] (باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ)
٥٦/ ٢٠٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار -مولى بني حارثة- أن سويد بن النعمان أخبره أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء -وهي أدنى خيبر- فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثُرِّي، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ.
قوله: فثري. أي بُلَّ، ومنه الثرى، وهو التراب الندي، وأرض ثرياء، أي نديَّة [نَدِيَة]، وفي صلاته بعد أكل السويق من غير إحداث وضوء دليل على أن أمره بالوضوء مما مست النار ومما
стр. 176
غيرت النار منسوخ وإنما كانت خيبر سنة سبع من مقدم رسول الله ﷺ المدينة وكان الأمر بالوضوء فيهما متقدما، وهما حديثان في أحدهما الوضوء مما مست النار، وفي الآخر الوضوء مما غيرت النار، والسويق مما قد مسته النار، وإن لم يكن لها فيه بيان تغيير. وأما اللحم وإنضاجه بالطبخ فهو الذي قد غيرته النار، والأمران معا لا تجب فيهما الطهارة عند عامة العلماء.
стр. 177
[٥٥] (باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله)
٥٧/ ٢١٦ - قال أبو عبد الله: حدثني عثمان قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان مكة أو المدينة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال النبي ﷺ : (يعذبان وما يعذبان في كبير). ثم قال: (بل كان أحدهما لا يستنزه من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة)، ثم دعا بجريدة وكسرها كسرتين، فوضع على كل قبر منهما كسرة. فقيل له يا رسول الله: لم فعلت هذا؟ قال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا أو إلا أن ييبسا).
стр. 178
قوله: (يعذبان في كبير) معناه أن التنزه من البول وترك النميمة غير كبيرين ولا شاقين على فاعلهما، ولم يرد أن المعصية فيما أتياه هينة صغيرة. ألا تراه كيف استدرك المعنى في ذلك بقوله: بل، لئلا يتوهم أن المراد به تهوين الأمر وتصغيره، وكلمة (بل) يستدرك بها المتقدم من الكلام، وفيه إثبات عذاب القبر.
وأما وضعه شَقَّ [شِق] الجريدة على القبر، وقوله حين سئل عن العلة في ذلك: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)، فقد يحتمل أن يكون ذلك لدعاء كان منه ومسألة في التخفيف عنهما مدة بقاء النداوة في الجريدة، وليس ذلك من أجل أن في الجريدة عينها معنى يوجبه، وقد قيل: إن المعنى في ذلك أن الرطب منه يسبح، وليس ذلك لليابس، وقد قُدم إلى الحسن مائدة فقيل له: يا أبا سعيد: هل يسبح هذا الخشب؟ قال: كان يسبح فأما الآن فلا.
يكون على هذا المعنى فيه دليل على استحباب تلاوة القرآن على القبور، لأنه إذا كان يرجى أن يخفف عن الميت بتسبيح الشجر، فتلاوة القرآن أعظم رجاء وأكثر بركة والله أعلم.
стр. 179
[٥٨] (باب صب الماء على البول في المسجد)
٥٨/ ٢٢٠ - قال أبو عبد الله: قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي ﷺ : دعوه (وأهريقوا) على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين.
السجل: الدلو الكبيرة. والذنوب: ملو [ملء] دلو ماء. وفيه من الفقه أن الماء إذا أتى على النجاسة على سبيل الغلبة والاستهلاك لها طهرها، وأن غسول النجاسة مع استهلاك عين النجاسة بأوصافها طاهر، ولو لم يكن كذلك لكان الغاسل لموضع النجاسة من المسجد أكثر تنجيسا له من البائل.
فأما ما روي من حفر المكان ونقل ترابه فإسناده غير متصل،
стр. 180
إنما روي ذلك عن عبد الله بن معقل بن مقرن وهو مرسل، وعبد الله بن معقل لم يدرك النبي ﷺ ، ولو وجب ذلك لزال معنى التيسير ولصاروا إلى أن يكونوا معسرين أقرب.
وبلغنا عن سفيان الثوري أنه قال: لم تجد [نجد] في أمر الماء إلا السعة.
وقال الربيع بن سليمان: سئل الشافعي عن الذبابة تقع على النتن، ثم تطير فتقع على ثوب الرجل، فقال الشافعي: يجوز أن يكون في طيرانها ما يُيْبِس [ييبِّس] ما برجلها، فإن كان كذلك، وإلا فالشيء إذا ضاق اتسع.
следующие страницы →