Полный текст (2 260 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
(الباب نفسه)
٨٦٢/ ٤٢٣٥ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَني سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قال: حدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي زَيْدٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّه سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - يَقُولُ: أَمَا وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّاناً لَيْسَ لَهُمْ شَيءٌ، مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إِلَاّ قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ، وَلَكِنِّى أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْسِمُونَهَا.
قوله: ببانا قال أبو عبيد ورواه عن عبد الرحمن بن مهدي، عن هشام بن سعد، عن زيد حتى يكونوا ببانا واحدًا. قال ابن
стр. 1647
مهدي: يعني شيئا واحدا. قال أبو عبيد: وذاك الذي أراد فيما نُرى ولا أحسب هذه الكلمة عربية ولم أسمعها في غير هذا الحديث.
стр. 1648
(الباب نفسه)
٨٦٣/ ٤٢٣٩ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّى أَنَّ أَبَانَ ابْنَ سَعِيدٍ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَذَا قَاتِلُ ابْنِ قَوْقَلٍ. قَالَ أَبَانُ لأَبِي هُرَيْرَةَ: وَاعَجَباً لَكَ وَبْرٌ تَدَادَأَ مِنْ قَدُومِ ضَانٍ. تَنْعَى عَلَيَّ امْرَأً أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِيَدِي، وَمَنَعَني أَنْ يُهِينَنِي بِيَدِهِ.
الوبر: دُويبة في قدِّ السنور.
وقوله: تدأدأ، يريد تدهده. قلب الهاء همزة , وجاء في غير هذه الرواية تدلى. وفي رواية أخرى: تحدر وقد تكون
стр. 1649
الدأدأة: صوت وقع الحجارة في المسيل كأنه يقول: وبر هجم علينا وقدوم ضأن، أحسبه جبلا، وقد يروى قدوم ضال ولست أحق واحدا منهما.
وقوله: تنعى عليَّ، معناه تعيب عليَّ. يقول: نعيت على الرجل خلقه إذا عبته.
стр. 1650
(٤٥) (باب بَعْثُ النَّبِيِّ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ إِلَى الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ)
٨٦٤/ ٤٢٦٩ - قال أبوعبدالله: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قال: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ قال: أَخْبَرَنَا أَبُو ظَبْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ - رضى الله عنهما - يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُرَقَةِ، فَصَبَحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ / رَجُلاً مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ. فَكَفَّ الأَنْصَارِىُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغني النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ؟» قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذاً. فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
قلت: كان متعوذا، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
стр. 1651
قلت: فيه من الفقه أن المشرك إذا قال: لا إله إلا الله رفع عنه السيف وحرم دمه.
ويشبه أن يكون أسامة إنما تأول في الإقدام على قتله أن لا توبة للمُرهق واعتَبر في ذلك قوله تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ وقوله: ﴿الآن وقد عصيت قبل﴾ وقوله: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ وما أشبهها وهو معنى قوله: كان متعوذا ولذلك عذره النبي ﷺ فلم يلزمه دية ولا روى في هذا الحديث أنه أمره بكفارة.
стр. 1652
(٤٨) باب أَيْنَ رَكَزَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّايَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ ؟
٨٦٥/ ٤٢٨٠ - قال أبوعبدالله: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أنَّ أَبا سُفْيَانَ لما أَسْلَمَ قال رسول الله ﷺ يعني لِلْعَبَّاسِ: «احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ حَطْمِ الْجَبَلِ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ». فأَقْبَلَتْ كَتِيبَةُ الأَنْصَارِ وعَلَيْها سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ومَعَهُ الرَّايَةُ. فَقَالَ سَعْدُ يا أَبَا سُفْيَانَ: الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ.
حطم ما حطم منه أي: ثُلم من عُرضه، فبقي منقطعا.
والملحمة: المقتلة. يقال: لُحِم الرجل: إذا قُتل، وأراد بيوم الذمار يوم القتال، يتمنى أن يكون له يد، فيحمي قومه ويدفع عنهم.
стр. 1653
(٤٨) (الباب نفسه)
٨٦٦/ ٤٢٨٦ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ قال: حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَاسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَه رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ «اقْتُلْهُ».
قلت: لبسه المغفر، يدل على أنه لم يكن محرما. وفيه دليل على أن صاحب الحاجة إذا أراد دخول مكة لم يلزمه الإحرام من المواقيت.
وفيه أن الحرم / لا يعصم من القتل الواجب ومن إقامة الحد فيه وابن خطل هذا، كان بعثه رسول الله ﷺ في وجهٍ مع رجل من الأنصار أمَّره عليه، فلما كان ببعض الطريق وثب على أميره الأنصاري فقتله.
стр. 1654
(٤٨) (الباب نفسه)
٨٦٧/ ٤٢٨٧ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحَوْلَ الْكَعبةِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، جَاءَ الْحَقُّ، وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ».
النُصُب: الصنم المنصوب للعبادة. ومنه قوله عزوجل: ﴿وما ذبح على النصب﴾ ويجمع على الأنصاب كقوله عزوجل: ﴿... والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾
والأنصاب أيضا: أعلام الطريق يهتدى بها، سميت أنصابا لأنها رُفعت فانتصبت للأبصار.
стр. 1655
(٥٤) باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)
٨٦٨/ ٤٣٢٢ - قال أبو عبدالله: قَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ عن أَبَي قَتَادَةَ في قصة القتيل الذي أعطاه النبي ﷺ سَلَبَهُ يوم حنين قال فَقَالَ رَجُلٌ: سِلَاحُ هَذَا الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنْهُ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَلَاّ لَا تُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَتَدَعَ أَسَداً مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَدَّاهُ إِلَيَّ، فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافاً فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ.
قوله: أُصيبغ من قريش، يصفه بالمهانة والضعف.
والأصبغ: نوع من الطير، وقد يجوز أن يكون شبهه بنبات ضعيف يقال له: الصبغاء، وذلك أول ما يطلع من الأرض، فيكون أول ما يلي الشمس منه أُصيغر.
стр. 1656
والخراف: اسم ما يُخترف من الثمر كالخُرفة، أقام الثمر مُقام الأصل وإنما جاء في سائر الروايات، فاشتريت به مخرفا: أي بستانا.
وقوله: تأثلته، يعني جعلته أصل مال. وأُثلة كل شيء: أصله.
стр. 1657
(٥٦) (باب غزوة الطائف)
٨٦٩/ ٤٣٢٤ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ قال: حدثنا سُفْيَانَ قال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بنتِ أم سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ - رضى الله عنها - دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِى مُخَنَّثٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَداً فَعَلَيْكَ بِابْنَةِ غَيْلَانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا يَدْخُل هَؤُلَاءِ عَلَيْكُم».
قوله: تُقبل بأربع وتدبر بثمان، يريد أربع عكن في البطن من قدامها، فإذا أقبلت رؤيت مواضعها شاخصة متكسرة
стр. 1658
الغضون وأراد بالثماني أطراف هذه العكن من ورائها عند منقطع الجنين ويشبه أن يكون هذا إنما كان يؤذن له على أزواج النبي ﷺ على معنى أنه من جملة غير أولىِ الإربة من الرجال، فلم يكن يُرى بأس بدخوله عليهن، فلما سمع ﷺ هذا الكلام ورأى أنه يفطن لمثل هذا من النعت أمر بأن يحجب فلا يدخل عليهن.
стр. 1659
(الباب نفسه)
٨٧٠/ ٤٣٣٠ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: لَمَّا قَسَمَ رسول الله ﷺ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ يَومَ حنينٍ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئاً، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَاّلاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ، وَمُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟». كُلَّمَا قَالَ شَيْئاً قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. ثم قَالَ: «لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِياً وَشِعْباً لَسَلَكْتُ وَادِىَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ».
قوله: عالة، يريد فقرًا. يقال: رجل عايل، وهو الفقير وقوم عالة، وعال الرجل: إذا افتقر. وعال يعول إذا جار، وأعال يعيل إذا كثر عياله.
стр. 1660
وأما قوله: لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، فإنه قد سأل عنه سائل فقال: ما معنى هذا الكلام ووجهه وكيف كان / يجوز أن ينتقل عمن هو منهم فيدعى إلى الأنصار ونسبه غير نسبهم ودار مولده ومنشئه غير دارهم والانتقال عن الأنساب محظور غير جائز بحال؟
ومعنى هذا عندي أنه إنما أراد به تألف الأنصار واستطابة نفوسهم والثناء عليهم في دينهم ومذهبهم حتى رضي أن يكون واحدا منهم لولا ما يمنعه من سمة الهجرة التي لا يجوز تبديلها في حق الدين، ولا يسعه العود فيها، إذ كان عليه التمسك بها واجبا والنسبة إليها واجبة لازمة.
والأنساب على وجوه: نسب ولادىٌّ ونسب بلادىٌّ، ونسب من جهة الدين اعتقادىٌّ ونسب صناعىٌّ. فيقال في نسبه الولادىِّ سَلْمِىٌ وأسدىٌّ، وفي البلادىِّ: كوفيٌ ومصريٌ وإلى الأديان والمذاهب: سنىٌّ وقدرىٌّ. وفي ملل الكفر يهودي ونصراني وإلى الصناعات والمهن صيدانىٌ وصيرفىٌ، ومعقول أن النبي ﷺ لم يرد به الانتقال عن نسب آبائه إليهم، إذ كان ذلك أمرا لا يجوز في دينه وشريعته، ثم إنه ﷺ كان أفضل
стр. 1661
منهم نسباً وأكرمهم أصلاً ومحتدًا.
وأما الدين والمذهب فلأنه لا موضع فيه للانتقال، إذ كان دينه ودينهم واحدا، وهو ﷺ نبىُّ الأمة وولي الدعوة، والمهاجرون والأنصار تبع له في ذلك، فلم يبق إلا قسمان، وهما نسب البلاد والأوطان، ونسب الصناعة والامتهان، وقد يجوز في كل واحد من الأمرين أن ينتقل منه إلى غيره وكانت المدينة دارا للأنصار، وكانت الهجرة إليها أمرا واجبا وانتقاله إليها طاعة وعبادة، ولولا أنه كان مأمورا بها ومحمولا عليها لم يكن ليترك بلاده ويفارق أوطانه، فقد يحتمل أن يكون أراد بهذا القول: لولا أن هذه النسبة في الهجرة نسبة دينية لا يسعني تركها لانتقلت عن هذا الاسم إليكم، ولانتسبت إلى داركم.
وأن نزيل بلد من البلدان، / قد ينتسب إليه إذا طال مقامه فيه، ويتعرف إلى الناس به، وقد جرت به العادة في قديم الدهر وحديثه.
стр. 1662
أخبرنا ابن داسة قال: حدثنا ابن أبي قماش قال: سمعت ابن عائشة يقول: قال المعتمر بن سليمان قلت لأبي: تكتب التيمي ولست بتيمي. قال: تيمي الدار، وسمعت ابن عائشة يقول: كان جعفر بن سليمان الضبعي لم يكن من ضبيعة كان نزيلا فيهم.
فأما استحداث الأنساب والألقاب بالصناعات والمهن ' فالأمر في ذلك أوسع من ذاك.
أخبرنا ابن الأعرابي قال: حدثنا عباس بن محمد
стр. 1663
الدوري عن يحيى بن معين قال: عيسى بن أبي عيسى الذي يروى عن الشعبي يقال له الخياط والحناط والخباط، كان كوفيا، نزل المدينة وكان خياطا، ثم ترك ذلك وصار حناطا، ثم ترك ذلك، ثم صار يبيع الخبط.
وفيه وجه آخر: وهو أن العرب كانت تعظم شأن الخؤولة وتكاد تلحقها بالعمومة، وقد قال ﷺ : "ابن أخت القوم منهم" وأنشدني أبو عمر:
عليك إن الخال يَسْرِى: الى ابن الأخت بالشبه المبين.
وكانت أم عبدالمطلب امرأة من بني النجار، ولذلك قالت الأنصار حين أسروا العباس يوم بدر: لا نطالب ابن أختنا بالفداء، فقال
стр. 1664
صلى الله عليه وسلم: " لا تخففوا عنه درهما " فقد يحتمل أن يكون النبي ﷺ ذهب هذا المذهب إن كان أراد به نسب الولادة والله أعلم.
وقوله: لو سلك الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، فإن العادة قد جرت بأن يكون المرء مع قومه وقبيلته في رحلته ونزوله وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب، فإذا تفرقت بالسفر الطرق سلك كل فريق منهم واديا أو شعبا، فكان كل واحد منهم مع قومه إلى أن يفضي بهم إلى الجادة، فيجتمعوا فيها.
وفيه وجه / آخر: وهو أن يكون أراد بالوادي الرأي والمذهب، كما يقال: فلان في واد وأنا في واد، وعلى هذا يتأول قول الله عزوجل: ﴿ألم تر أنهم في كل واد يهيمون﴾
стр. 1665
(٥٨) باب بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِى جَذِيمَةَ .
٨٧١/ ٤٣٣٩ - ... قال أبو عبدالله: حَدَّثَنا مَحْمُودٌ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيِّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِى جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا. فقالوا: صَبَانَا، صَبَانَا. فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ وَيَاسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيراً، وأَمَرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أن يَقْتُلَ أَسِيرَه فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِى، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِى أَسِيرَهُ، فَذَكَرْنَا، للنَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ». مَرَّتَيْنِ.
قلت: إنما نقم رسول الله ﷺ من خالد
стр. 1666
موضع العجلة، وترك التثبت في أمرهم إلى أن يتبين المراد من قولهم: صبأنا، لأن الصبأ معناه الخروج من دين، يُقال: صبأ الرجل فهو صابئٌ، إذا خرج من دين كان فيه إلى دين آخر، ولذلك كان المشركون يدعون رسول الله ﷺ الصابئ وذلك لمخالفته دين قومه
وقولهم: صبأنا، كلام يحتمل أن يكون معناه خرجنا من ديننا إلى دين آخر غير الإسلام من يهودية أو غيرهما من الأديان والنحل، فلما لم يكن هذا القول صريحا في الانتقال إلى دين الإسلام نفَّذ خالد الأمر الأول في قتالهم، إذ لم يوجد شريطة حقن الدم بصريح الاسم.
وقد يحتمل أن يكون خالدٌ إنما لم يكف عن قتالهم بهذا القول من قبل أنه ظن أنهم عدلوا عن اسم الإسلام إليه أنفة من الاستسلام والانقياد، فلم ير ذلك القول منهم إقرارا بالدين، وقد روي أن
стр. 1667
ثمامة بن أثال لما أسلم ودخل مكة معتمرا قال له كفار قريش: صبأت. فقال: لا، ولكن أسلمت.
قلت: وهذا نظير حديثه الآخر أنه ﷺ بعث خالداً إلى أناس من خثعم، فاستعصموا / بالسجود، فقتلهم، فوداهم النبي ﷺ بنصف الدية، وإنما عذر خالدا في هذا لأن السجود لا تمحض دلالته على قبول الدين، لأن كثيرا من الأمم يعظمون رؤساءهم بالسجود لهم ويظهرون لهم الخضوع والانقياد بأن يخروا على وجوههم.
وفيه دليل على أن الكافر إذا لاذ بالصلاة لم يكن ذلك منه إسلاما حتى يصف الدين قولاً بلسانه.
стр. 1668
(٦٠) (باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع)
٨٧٢/ ٤٣٤١ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا مُوسَى يعني ابن إسماعيل قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذَ ابْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ، وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَافٍ. قَالَ: فَجَاءَ معاذٌ يَسِيرُ عَلَى بَغْلَتِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ، وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ عِنْدَهُ قَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَيَّمَ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ. قَالَ لَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقاً وذكر الحديث.
стр. 1669
المِخلاف في لسان أهل اليمن كالرستاق من الرساتيق.
وقوله: أيم هذا؟ يريد أيما هذا أو من هذا؟ وأصله أي أُدخل عليه ما ثُم قيل أيم هو وأيم هذا بإسقاط الأف، كما قيل إيش هذا، بإسقاط الياء وإنما هو أي شيء هذا.
وقوله: أتفوقه تفوقا. يقول: لا أقرأ وردي منه مرةً فوق واحدة، ولكني أقرأ منه شيئا بعد شيء في آناء الليل والنهار، وهو مأخوذ من فواق الناقة، وذلك أن تحلب، ثم تترك ساعة حتى تدر، ثم تحلب. وفيه لغتان: فُواق وفَواق.
стр. 1670
(٦٠) (الباب نفسه)
٨٧٣/ ٤٣٤٤ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَدَّهُ أَبَا مُوسَى، وَمُعَاذاً إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا». فَقَالَ أَبُو مُوسَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَرْضَنَا بِهَا شَرَابٌ مِنَ الشَّعِيرِ الْمِزْرِ، وَشَرَابٌ مِنَ الْعَسَلِ الْبِتْع. فَقَالَ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».
قد جاء المرز والبتع مفسرين / في الحديث.
وقوله: كل مسكر حرام، إشارة إلى النوع الذي يُسكر من الأشربة ما كانت على اختلاف أسمائها وجواهرها وأصولها دخل فيها ما يتخذ من ذلك من العنب والتمر والذرة والعسل وغيرها من الثمار والحبوب، ودل على أن ما وجد فيه صفة السكر فهو محرم العين ويأتي ذلك على قليله وكثيره.
стр. 1671
(٦١) (باب بعث علي بن أبي طالب ﵇ وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع)
٨٧٤/ ٤٣٤٩ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانُ قال: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ إِسْحَاقَ قال: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ - رضى الله عنه - يقول: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا بَعْدَ ذَلِكَ مَكَانَهُ فَقَالَ: مُرْ أَصْحَابَ خَالِدٍ، مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يُعَقِّبَ مَعَكَ فَلْيُعَقِّبْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقْبِلْ. فَكُنْتُ فِيمَنَ عَقَّبَ مَعَهُ، قَالَ فَغَنِمْتُ.
التعقيب: أن يعود الجيش بعد القفول ليصيبوا غرة من العدو.
стр. 1672
(٦١) (الباب نفسه)
٨٧٥/ ٤٣٥٠ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قال: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مَنْجُوفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا إِلَى خَالِدٍ لِيَقْبِضَ الْخُمُسَ وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا، وَقَدِ اغْتَسَلَ، فَقُلْتُ لِخَالِدٍ: أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا؟ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «يَا بُرَيْدَةُ أَتُبْغِضُ عَلِيًّا؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «لَا تُبْغِضْهُ، فَإِنَّ لَهُ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ».
قلت: معنى قوله: وقد اغتسل، يريد أنه وقع على جارية صارت له في القسمة، فاغتسل منها للجناية، فاعتذر له النبي ﷺ بأن له في الخمس أكثر من ذلك.
وقد روى هذا الحديث من غير هذا الطريق بأتم بيانا من هذا. قال بريدة: كنت في جيش فغنموا، فبعث أمير الجيش إلى
стр. 1673
رسول الله ﷺ أن ابعث من يخمسها، فبعث عليا وفي السبي وصيفة من أفضل السبي، فوقعت في الخمس، ثم خُمِّسَ، فصارت في أهل بيت النبي ﷺ ، ثم خمس، فصارت في أهل بيت النبي ﷺ ثم خمس فصارت في آل علي، فأتانا ورأسه يقطر. وذكر الحديث.
قلت: فقد تضمنت هذه القصة أمرين كلاهما مشكل: أحدهما: أنه قسم لنفسه. والآخر: أنه أصابها / قبل الاستبراء.
والجواب: أن ما يقسم بالولاية من الأشياء التي هي من هذا الجنس، يجوز أن يقع ذلك ممن هو شريك فيه، كما يقسم الإمام بالإمامة الغنائم بين أهلها وهو منهم، ومن ينصبه الإمام لذلك كان مقامه مقام الإمام.
وأما الاستبراء: فقد يحتمل أن تكون الوصيفة كانت غير بالغة، وقد ذهب غير واحد من العلماء إلى ترك الاستبراء في غير البوالغ، وروِى عن القاسم بن محمد وسالم بن عبدالله أن غير البوالغ لا تستبرأ، وبه قال الليث بن سعد وقد حكي عن
стр. 1674
أبي يوسف ذلك ولعله بلغهم رأىُ علي في هذا، فجعلوه قدوة، ومما يشبه هذا المعنى في رأىِ الصحابة أن ابن عمر كان لا يرى الاستبراء في العذراء وإن كانت بالغة. وقد يحتمل أن تكون الوصيفة عذراء، فرأى علىٌّ فيها هذا الرأىَ، والله أعلم.
وفيه من الفقه: أن شهادة العدو ومن في قبله شنآن وبغض من صاحبه غير مقبولة عليه.
стр. 1675
(٦١) (الباب نفسه)
٨٧٦/ ٤٣٥١ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ - رضى الله عنه - إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصن، وَالأَقْرَعَ بْنِ حَابِسٍ وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ، وَقَامَ رَجُلٌ غَايِرُ الْعَيْنَيْن، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، مَحْلُوقُ الرَّاسِ، مُشَمَّرُ الإِزَارِ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ. قَالَ: «وَيْلَكَ أَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِىَ اللَّهَ؟». قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: «لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي». فَقَالَ
стр. 1676
خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عن قُلُوبِ النَّاسِ، وَأَشُقَّ بُطُونَهُمْ» قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ / إِلَيْهِ وَهْوَ مُقَفٍّ فَقَالَ: «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْباً، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ». وَأَظُنُّهُ قَالَ: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ».
الأديم المقروظ، هو المدبوغ بالقرظ، وهو ورق السلم.
وقوله: لم تحصل من ترابها، أي: لم تخلص، ولم يميز بينها وبينه.
وقوله: لعله أن يصلي: فيه دلالة من طريق المفهوم على أن تارك الصلاة مقتول والمقفى هو المولي عنك. يقال: قفَّى الرجل: إذا ولاك قفاه.
والضيضئ: الأصل: ويقال: هو الولد والنسل، والمروق: نفوذ السهم من الرمية حتى يخرج من الجانب الآخر.
وقوله: لا يجاوز حناجرهم، أي: لا يقبل ولا يُرفع في الأعمال الصالحة ومعنى الرطب من القراءة أن يواظب عليها فلا يزال لسانه رطبا بها.
ويكون أيضا من تحسين الصوت بالقراءة ويكون أيضا من الثقافة والحذق بالقراءة، فيجري لسانه بها ويمر عليها مراً لا يتعثر ولا
стр. 1677
يتكسر كل هذه الوجوه محتملة، وهذا شبيه بما روى من قوله ﷺ : "من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن أم عبد"
والدين هاهنا الطاعة دون الملة.
وأما قوله: "لأقتلنهم قتل ثمود" فيقال: إذا كان قتلهم واجبا فكيف منع خالدا من قتل هذا؟ قيل: لعلمه بأن الله سيمضي قضاءه فيه حتى يخرج من نسله من يستحق القتل لسوء أفعالهم ومروقهم من الدين ليكون قتلهم عقوبة لهم، فيكون أدل على الحكمة وأبلغ في المصلحة والله أعلم.
стр. 1678
(٦٥) (باب غزوة سيف البحر، وهم يتلقون عيرا لقريش وأميرهم أبو عبيدة)
٨٧٧/ ٤٣٦٢ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً - رضى الله عنه - يَقُولُ: غَزَوْنَا جَيْشَ الْخَبَطِ وَأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَجُعْنَا جُوعاً شَدِيداً فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتاً مَيِّتاً، لَمْ نَرَ مِثْلَهُ، يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْماً مِنْ عِظَامِهِ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ. وَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُوا. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لرسول الله ﷺ فَقَالَ: «كُلُوا رِزْقاً أَخْرَجَهُ اللَّهُ، أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ». فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ به فَأَكَلَهُ.
فيه بيان أن طعام البحر ومييته ذَكِىّ، طفا على الماء أو ألقاه البحر إلى الساحل، وفي أكل النبي ﷺ ذلك دليل على أن لم يتجه لهم من أجل الضرورة، بل كان مباحاً لهم مع
стр. 1679
ارتفاعها، وعلى هذا سائر حيوان البحر على اختلاف أصنافها إلا الضفدع لما جاء فيه من الخبر خصوصا.
وسمي جيش الخبط لأنهم اضطروا من الجوع إلى أن يأكلوا الخبط، وهو ما يُخبط من ورق الشجر، أي: يضرب بالعصى حتى يتحات ويسقط.
стр. 1680
(٧٠) (باب وفد بني حنيفة، وحديث ثمامة بن أثال)
٨٧٨/ ٤٣٧٦ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَهْدِىَّ بْنَ مَيْمُونٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِىَّ يَقُولُ: كُنَّا -يعني في الجاهلية- نَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا لم نجد حَجَراً هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَراً جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُفْنَا بِهِ، فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنَا مُنَصِّلُ الأَسِنَّةِ. فَلَا نَدَعُ رُمْحاً فِيهِ حَدِيدٌ وَلَا سَهْماً فِيهِ حَدِيدٌ إِلَاّ نَزَعْنَاهُ فَأَلْقَيْنَاهُ.
الجثوة: القطعة من التراب، تجمع فتكون كومة وجمعها الجثى.
وقوله: منصل الأسنة، يقال: نصلت الرمح: إذا جعلت له نصلا وأنصلته: إذا نزعت منه النصل، وكانوا لا يتقاتلون في الأشهر الحرم، يضعون السلاح وينزعون منه الحديد والنصال.
стр. 1681
(٧٤) (باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن)
٨٧٩/ ٤٣٨٨ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِىٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوباً، الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ».
قوله: أرق أفئدة: وصف الأفئدة بالرقة والقلوب باللين، وذلك أن الفؤاد غشاء القلب، وإذا رق نفذ القول وخلص على ما وراءه، وإذا غلظ تعذر وصوله إلى داخله، فإذا صادف القلب لينا علق به ونجع فيه.
وقوله: الإيمان يمان، فيه ثناء على أهل اليمن لمبادرتهم إلى الدعوة وإسراعهم إلى / قبول الإيمان.
وقوله: الحكمة يمانية، فيه ثناء على الأنصار، ومعنى الحكمة الفقه، وأكثر فقهاء الصحابة الأنصار.
стр. 1682
(٧٧) (باب حجة الوادع)
٨٨٠/ ٤٤٠٥ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قال: حَدَّثْنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَنْصَتَ النَّاسَ فَقَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّاراً، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». يتأوله الخوارج ومن يذهب مذهبهم على الكفر الذي هو الخروج من الملة ويكفرون بالكبيرة كالقتل والزنا ونحوهما من المعاصي، وتأويله عند العلماء على معنى الزجر عن هذا الفعل والتغليظ فيه يقول: لا تشبهوا بالكفار في قتل بعضهم بعضا ولا تكونوا مثلهم في هذا الصنيع، وقيل: معناه التكفر بالسلاح وهو التلبس به، وأصله من الكفر وهو ستر الشيء وتغطيته.
وأخبرني إبراهيم بن فراس قال: سمعت موسى بن هارون يقول: هؤلاء أهل الردة قتلهم أبو بكر الصديق، ﵁.
стр. 1683
(٧٧) (الباب نفسه)
٨٨١/ ٤٤٠٦ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قال: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ أظنه عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَةِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ: السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِى بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَىُّ شَهْرٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: «أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ؟». قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «أَىُّ بَلَدٍ هَذَا؟». قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ «أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ». قُلْنَا: بَلَى. وذكر الحديث.
قوله: الزمان قد استدار كهيئته، كان أهل الجاهلية يخالفون بين أشهر السنة بالنسئ الذي كانوا يعتادونه ويقطعون به نسقها فيقدمون ويؤخرون كتأخيرهم المحرم إلى صفر، وقد ذكر الله سبحانه ذلك في كتابه فقال: ﴿إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به
стр. 1684
الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما﴾. / إنما كانوا يفعلون ذلك لأسباب تعرض لهم وذحول ودماء تقع بينهم، فربما استعجلوا الحرب، فاستحلوا الشهر المحرم، ثم حرموا من أجله شهر صفر بدلا عنه، وإذا استحلوا رجبا حرموا من أجله شعبان، وعلى هذا القياس في سائر الشهور، فيتحول حسابهم في شهور السنة ويتبدل إذا أتى على ذلك عدة من السنين حتى يتصرم ذلك الحساب ويستدير ويعود الأمر إلى أصل الحساب، فيستقبل أول السنة من لدن المحرم، فاتفق عام حج النبي ﷺ استدارة الزمان وعوده إلى أصل ما أنشئ عليه حساب أشهر السنة أولا، فوقع الحج في شهر ذي الحجة.
وقد ذهب قوم من العلماء إلى أن النبي ﷺ إنما تأنى بالحج وأخره مع الامكان إلى السنة التي حج فيها للذي كان وقع من النسئ فيها حتى وافوا السنة التي حج فيها استدارة الزمان وعود الأمر في ذلك إلى أصل الحساب، فحج فيها حجة الوداع.
وأما قوله: ورجب مضر بين جمادى وشعبان، فإنما حده بها من أجل الشبهة التي كانت تعرض بالنسئ الواقع في الشهور فتتبدل
стр. 1685
معها أسماؤها، فحصره بهذا الوصف ليرتفع الإشكال وأضاف شهر رجب إلى مضر لمحافظتها، كانت على تحريم شهر رجب وتأكيدها الأمر فيه خصوصا من بين الأشهر الحرم.
وأما قوله: أليست البلدة؟ فقد تقدم تفسيره قبل، وذكرنا أنها اسم خاص لمكة.
следующие страницы →