Полный текст (2 260 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
(٧٤) (باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن)
٨٧٩/ ٤٣٨٨ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِىٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوباً، الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ».
قوله: أرق أفئدة: وصف الأفئدة بالرقة والقلوب باللين، وذلك أن الفؤاد غشاء القلب، وإذا رق نفذ القول وخلص على ما وراءه، وإذا غلظ تعذر وصوله إلى داخله، فإذا صادف القلب لينا علق به ونجع فيه.
وقوله: الإيمان يمان، فيه ثناء على أهل اليمن لمبادرتهم إلى الدعوة وإسراعهم إلى / قبول الإيمان.
وقوله: الحكمة يمانية، فيه ثناء على الأنصار، ومعنى الحكمة الفقه، وأكثر فقهاء الصحابة الأنصار.
стр. 1682
(٧٧) (باب حجة الوادع)
٨٨٠/ ٤٤٠٥ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قال: حَدَّثْنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَنْصَتَ النَّاسَ فَقَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّاراً، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». يتأوله الخوارج ومن يذهب مذهبهم على الكفر الذي هو الخروج من الملة ويكفرون بالكبيرة كالقتل والزنا ونحوهما من المعاصي، وتأويله عند العلماء على معنى الزجر عن هذا الفعل والتغليظ فيه يقول: لا تشبهوا بالكفار في قتل بعضهم بعضا ولا تكونوا مثلهم في هذا الصنيع، وقيل: معناه التكفر بالسلاح وهو التلبس به، وأصله من الكفر وهو ستر الشيء وتغطيته.
وأخبرني إبراهيم بن فراس قال: سمعت موسى بن هارون يقول: هؤلاء أهل الردة قتلهم أبو بكر الصديق، ﵁.
стр. 1683
(٧٧) (الباب نفسه)
٨٨١/ ٤٤٠٦ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قال: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ أظنه عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَةِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ: السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِى بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَىُّ شَهْرٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: «أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ؟». قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «أَىُّ بَلَدٍ هَذَا؟». قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ «أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ». قُلْنَا: بَلَى. وذكر الحديث.
قوله: الزمان قد استدار كهيئته، كان أهل الجاهلية يخالفون بين أشهر السنة بالنسئ الذي كانوا يعتادونه ويقطعون به نسقها فيقدمون ويؤخرون كتأخيرهم المحرم إلى صفر، وقد ذكر الله سبحانه ذلك في كتابه فقال: ﴿إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به
стр. 1684
الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما﴾. / إنما كانوا يفعلون ذلك لأسباب تعرض لهم وذحول ودماء تقع بينهم، فربما استعجلوا الحرب، فاستحلوا الشهر المحرم، ثم حرموا من أجله شهر صفر بدلا عنه، وإذا استحلوا رجبا حرموا من أجله شعبان، وعلى هذا القياس في سائر الشهور، فيتحول حسابهم في شهور السنة ويتبدل إذا أتى على ذلك عدة من السنين حتى يتصرم ذلك الحساب ويستدير ويعود الأمر إلى أصل الحساب، فيستقبل أول السنة من لدن المحرم، فاتفق عام حج النبي ﷺ استدارة الزمان وعوده إلى أصل ما أنشئ عليه حساب أشهر السنة أولا، فوقع الحج في شهر ذي الحجة.
وقد ذهب قوم من العلماء إلى أن النبي ﷺ إنما تأنى بالحج وأخره مع الامكان إلى السنة التي حج فيها للذي كان وقع من النسئ فيها حتى وافوا السنة التي حج فيها استدارة الزمان وعود الأمر في ذلك إلى أصل الحساب، فحج فيها حجة الوداع.
وأما قوله: ورجب مضر بين جمادى وشعبان، فإنما حده بها من أجل الشبهة التي كانت تعرض بالنسئ الواقع في الشهور فتتبدل
стр. 1685
معها أسماؤها، فحصره بهذا الوصف ليرتفع الإشكال وأضاف شهر رجب إلى مضر لمحافظتها، كانت على تحريم شهر رجب وتأكيدها الأمر فيه خصوصا من بين الأشهر الحرم.
وأما قوله: أليست البلدة؟ فقد تقدم تفسيره قبل، وذكرنا أنها اسم خاص لمكة.
стр. 1686
(٧٩) (باب حديث كعب بن مالك)
٨٨٢/ ٤٤١٨ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ ابْنِ مَالِكٍ يعني أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْباً وذكر قصة تخلفه عن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غزوة تبوك فقال فيها: وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ، فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ، فَطُفْتُ فِيهِمْ، أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَاّ رَجُلاً مَغْمُوصاً عَلَيْهِ النِّفَاقُ.
قوله: تفارط الغزو، يريد تباعد وأيست من اللحاق برسول الله، وكل شيء سبق فقد فرط. ومنه الحديث: "أنا فرطكم على الحوض"، يعني سابقكم إلى الماء، والفرط والفارط: السابق.
وقوله: مغموصا عليه النفاق، أي: مظنونا به النفاق ومطعونا عليه في دينه.
стр. 1687
وفي هذه أن كعبا قال: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.
وفيه دليل على أن للإمام أن يؤدب بعض أصحابه بالهجران وبالإمساك عن الكلام، وأن له أن يفعل ذلك فيما جاز مدة الثلاث.
стр. 1688
(٨٢) (باب كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر)
٨٨٣/ ٤٤٢٥ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ قال: حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً».
فيه من العلم: أن النساء لا يلين الإمارة ولا القضاء بين الناس.
وفيه دليل: على أن المرأة لا تزوج نفسها ولا تلي العقد على غيرها من النساء.
стр. 1689
(٨٣) (باب مرض النبي ﷺ ووفاته)
٨٨٤/ ٤٤٢٨ - قال أبوعبدالله: وَقَالَ يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ - رضى الله عنها -: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ: «يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِى أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِى مِنْ ذَلِكَ السَّمِّ».
الأبهر عرق في الصلب. ويقال: إن القلب متصل به.
стр. 1690
(٨٣) (الباب نفسه)
٨٨٥/ ٤٤٣٧ - قال أبوعبدالله: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ عُرْوَةُ: أنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ صَحِيحٌ يَقُولُ: «إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُحَيَّي أَوْ يُخَيَّرَ». فَلَمَّا اشْتَكَى وَحَضَرَهُ الْقَبْضُ وَرَاسُهُ عَلَى فَخِذِ عَائِشَةَ، غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ: «فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى». فَقُلْتُ: إِذاً لَا يُجَاوِرُنَا. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حَدِيثُهُ الَّذِى كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهْوَ صَحِيحٌ.
الرفيق: الصاحب المرفق، وهو هاهنا بمعنى الرفقاء، يعني الملائكة. يقال: للواحد والجماعة / رفيق، كما قيل: للجماعة صديق وعدو. قال الله تعالى: ﴿وهم لكم عدو﴾
стр. 1691
(٨٣) (الباب نفسه)
٨٨٦/ ٤٤٣٨ - قال أبوعبدالله: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ عَنْ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِى، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَصَرَهُ، فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَصَمْتُهُ وَنَفَضْتُهُ وَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يسْتَنَّ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَفَعَ يَدَهُ أَوْ إِصْبَعَهُ ثُمَّ قَالَ «فِى الرَّفِيقِ الأَعْلَى». ثَلَاثاً ثُمَّ قَضَى، وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي.
قولها: أبَّده بصره، تريد أتبعه بصره لا يرتد طرفه عنه.
وقولها: فقصمته. أصل القصم: الكسر. والقصامة: من السواك ما تكسر من شعب رأسه وتفتت منه والاستنان: الاستياك.
والحاقنة: نقرة الترقوة، وهما حاقنتان، أي: نقرتا
стр. 1692
الترقوتين.
والذاقنة: ما يناله الذقن من الصدر، وهذا كحديثها الآخر: توفي رسول الله ﷺ بين سحرى ونحرى، وقد فسرناه فيما مضى من الكتاب.
стр. 1693
(٨٣) (الباب نفسه)
٨٨٧/ ٤٤٥٣ - قال أبو عبدالله: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة عن عائشة وذكر حديثا.
٨٨٨/ ٤٤٥٤ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ في قصة وفاة رسول الله ﷺ قال: وأخبرني سعيد بن المسيب قلت: أنا لا أدرى من يقول ذلك: أبو سلمة أو الزهري أن عُمَرَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَاّ أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَا قول الله عزوجل: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) فَعَقِرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَاىَ، وَحَتَّى أَهْوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ وعرفت حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ.
قوله: فعقرت يعني تحيرت، أخبرني أبو عمر عن أبي العباس عن ابن الأعرابي قال: يقال: عقر الرجل وبحر وبقر: إذا تحير، فلم يهتد لوجه الأمر.
стр. 1694
(الباب نفسه)
٨٨٩/ ٤٤٥٩ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قال: حدثَنَا أَزْهَرُ قال: أَخْبَرَنَا / ابْنُ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَتْ: مَنْ قَالَهُ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَإِنِّي لَمُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِى، فَدَعَا بِالطَّسْتِ فَانْخَنَثَ فَمَاتَ، وَمَا شَعَرْتُ، فَكَيْفَ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ؟
قولها: انخنث، تريد أنه مال إلى أحد شقيه.
ومنه الحديث: "أنه نهى عن اختناث الأسقية " وهو أن تثنى أفواهها ليشرب منها، وسمي المخنث لانخناثه وتثنيه في مشيه وحركاته.
стр. 1695
(٨٣) (الباب نفسه)
٨٩٠/ ٤٤٦٢ - قال أبوعبدالله: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قال: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا ثَقِلَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاكَرْبَ أَبَاهُ!! فَقَالَ: «لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ».
قوله: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، تكلم فيه غير واحد من أهل العلم ويدخل فيهم من لا يعد من أهل العلم وهو إسحاق بن إ براهيم الموصلي فيما يعيب به أصحاب الحديث في كتاب له، وزعم أنهم لا يعرفون معنى هذا الكلام، ثم قال: إنما كان كربه شفقة على أمته لما علم من الاختلاف والفتن التي تقع بعده.
قلت وهذا ليس بشيء ولو كان قاله لوجب انقطاع شفقته علي الأمة بعد موته لقوله: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم" وشفقته دائمة على الأمة أيام حياته وباقية بعد وفاته لأنه مبعوث إلى الغابرين منهم قرنا بعد قرن إلى قيام الساعة ﷺ ، وإنما هو
стр. 1696
ما كان يجده من كرب الموت وعلزه وكان بشرا يناله الوصب، فيجد له من الألم مثل ما يجده الناس أو أكثر وإن كان صبره عليه واحتماله له أحسن، وقد روي عن عبدالله بن مسعود قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو محموم فقلت يا رسول الله: إنك توعك وعكا شديدا. فقال: " أجل، إنا معشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء، كما يضاعف لنا الأجر ".
فمعنى قوله: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم" أي: لا يصيبه بعد اليوم نصب ولا وصب يجد له كربا / إذا أفضى إلى دار الآخرة والسلامة الدائمة والنعيم المقيم.
(ومن كتاب التفسير) قلت: إلى هاهنا انتهت رواية إبراهيم بن معقل.
وحدثنا بما بعده من الكتاب محمد بن خالد بن الحسن قال:
стр. 1697
(١) (باب ما جاء في فاتحة الكتاب)
٨٩١/ ٤٤٧٤ - حدثنا محمّدُ بنُ يُوسُف الفِرَبْرِىّ قال: حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سعيد عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّى فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. فَقَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ عزوجل: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) ثُمَّ قَالَ لِي: لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ». ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِى، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ من المَسجِد قُلْتُ: أَلَمْ تَقُلْ «لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ». قَالَ: «(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِى وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ».
стр. 1698
قوله: ألم يقل الله عزوجل: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾ يدل على أن حكم لفظ العموم أن يجرى على جميع مقتضاه.
وفيه دليل: على أن الخصوص والعموم إذا تقابلا كان العام منزلا على الخاص، وذلك أن النبي ﷺ حرم الكلام في الصلاة فكان ظاهر ذلك على العموم في الأعيان والأزمان، ثم الكلام الذي هو إجابة الدعاء من النبي ﷺ مستثنى منه.
وقوله: هي أعظم سور القرآن. يعني بذلك عظم المثوبة على قراءتها وذلك لما تجمع هذه السورة من الثناء على الله عزوجل والدعاء والمسألة.
وقد روِى عن محمد بن علي بن الحسين أنه قال: سورة الحمد أولها ثناء ووسطها إخلاص وآخرها مسألة الله عزوجل.
وقوله: هي السبع المثاني والقرآن العظيم، فإنها إنما سميت مثاني لأنها تثنى في كل ركعة من الصلاة.
стр. 1699
وفيه دلالة أن الصلاة لا تجزئ / إلا بها، وأن قراءتها في كل ركعة واجبة. وقيل: سميت المثاني لأنها استثنيت لهذه الأمة، لم تنزل على من قبلها.
وفيه بيان: أنها القرآن العظيم، وأن الواو في هذه الآية ليست بواو العطف الموجبة الفصل بين الشيئين وإنما هي الواو التي تجيء بمعنى التخصيص والتفضيل، كقوله عزوجل: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ وكقوله: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ ونحو ذلك، والله أعلم.
стр. 1700
(٤) باب قَوْلِ الله تَعَالَى: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .
٨٩٢/ ٤٤٧٨ - قال أبو عَبدِالله: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قال: حَدَّثَني سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ - رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ».
قوله: الكمأة من المن، لم يرد أنها من نوع المنِّ الذى أنزل على بني إسرائيل، فإن المروى في الأخبار أنه كان يسقط عليهم
стр. 1701
كالترنجبين وإنما معناه أن الكمأة شيء ينبت بنفسه من غير استنبات ومؤنة تتكلف له، فهو بمنزلة المن الذي كان يسقط عليهم، فيكون قوتا لهم، وإنما نالت الكمأة هذا الثناء لأنها من الحلا ل الذي ليس في اكتسابه شبهة.
وقوله: وماؤها شفاء للعين، فإنما هو بأن يربي به الكحل أو التوتياء ونحوهما مما يكتحل به، فينتفع بذلك، وليس بأن يؤخذ بحتا فيكتحل ويتداوى به لأن ذلك يؤذي العين ويقذيها.
стр. 1702
(١١) (باب: ﴿قولوا آمنَّا بالله وما أُنزِلَ إلينا﴾)
٨٩٣/ ٤٤٨٥ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قال: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قال: حدثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، قُولُوا: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلينا) الآيَةَ.
قلت: هذا الحديث أصل في وجوب التوقف عما يشكل من الأمور والعلوم، فلا يقضى عليه بجواز أو بطلان ولا بتحليل ولا تحريم / وقد أمرنا أن نؤمن بالكتب المنزلة على الأنبياء إلا أن
стр. 1703
قراء الكتب من اليهود والنصارى قد حرفوا وبدلوا ولا سبيل لنا إلى العلم بما هو صحيح منه، وأن ما يحكونه عن تلك الكتب هل هو مستقيم؟ فأمرنا بالتوقف فيه، فلا نصدقهم لئلا نكون شركاء معهم فيما حرفوه وبدلوه منه ولا نكذب به، فلعله يكون صحيحا فنكون منكرين لما أمرنا أن نؤمن، ونقول: آمنا بما أنزل الله من كتاب، وعلى هذا كان توقف السلف ﵏، عن بعض ما أشكل عليهم من الأحكام وتعليقهم القول فيه، كما سئل عنه عثمان بن عفان، ﵁، من الجمع بين الأختين من ملك اليمين فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية.
وكما سئل عبدالله بن عمر، عن رجل نذر أن يصوم كل يوم اثنين، فوافق ذلك يوم عيد فقال: أمر الله بالوفاء بالنذر ونهى النبي ﷺ عن صيام يوم العيد، فهذا مذهب من سلك طريق الورع منهم، وإن كان غيرهم قد اجتهدوا
стр. 1704
واعتبروا معاني الأصول، فرجحوا أحد المذهبين على الآخر، وكل على ما ينويه من الخير ويؤمه من الصلاح مشكور.
وقد سئل علي بن أبي طالب ﵁ عن الجمع بين الأختين بملك اليمين، فحرم الجمع بينهما، وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء وكان معنى من حرم ذلك أن المراد بإحدى الآيتين بيان ما حرم علينا، والمراد بالآية الأخرى مدح المؤمنين على حسن الائتمار لما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه من غير تفصيل ولا تعيين، ولأن إحدى الآيتين أخص في المعنى وهي قوله: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ والأخرى أعم وهي قوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ فقضوا بالأخص على الأعم.
стр. 1705
(٢٣) (باب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى -إِلَى قَوْلِهِ- عذاب أليم)
٨٩٤/ ٤٤٩٨ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قال: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِداً قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - يَقُولُ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمِ الدِّيَةُ. وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الأُمَّةِ: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ / بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ) فَالْعَفْوُ أَنْ تُقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ: (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) يَتَّبِعُ بِالْمَعْرُوفِ وَيُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ، (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ.
قلت: العفو في هذه الآية يحتاج إلى تفسير؛ وذلك أن ظاهر العفو يوجب أن لا تبعة لأحدهما على الآخر .. فما معنى الاتباع بالمعروف والأداء بالإحسان؟
стр. 1706
والمعنى في قوله: ﴿فمن عفي له من أخيه شيءٌ﴾ أي: من ترك له القتل، ورضي منه بالدية، فاتباع بالمعروف، أي: فعلى صاحب الدم اتباع بالمعروف، أي: مطالبة بالدية وعلى القاتل أداءٌ إليه بإحسان، وفي الآية دليل على أن ولي الدم مخير بين أن يقتل أو يأخذ الدية. وبيان ذلك في حديث أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ "من قتل له قتيل فهو بين خيرتين: إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية".
стр. 1707
(٢٨) (باب: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد -إلى قوله- يتقون﴾)
٨٩٥/ ٤٥٠٩ - قال أبو عبدِالله: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِىٍّ قَالَ: أَخَذَ عَدِىٌّ عِقَالاً أَبْيَضَ وَعِقَالاً أَسْوَدَ حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ فَلَمْ يَسْتَبِينَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادَى العِقالَ. قَالَ: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذاً لَعَرِيضٌ أَنْ كَانَ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادِك».
قلت: إنما فعل هذا في ليل الصوم متأولا قوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ فجرى في ذلك على ظاهر الاسم المطلق، ولم يعتبره بما
стр. 1708
هو مضمن به من قوله: ﴿من الفجر﴾.
وقوله: "إن وسادك لعريض"، يريد إن نومك إذًا لطويل، كنى بالوساد عن النوم، إذ كنى بالوساد عن النوم، إذ كان النائم قد يتوسده، والعرض في مثل هذا إذا لم يرد به خلاف الطول، كان معناه السعة والكثرة.
стр. 1709
(٢٨) (الباب نفسه)
٨٩٦/ ٤٥١٠ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قال: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ - رضى الله عنه - قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا الْخَيْطُ / الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ أَهُمَا الْخَيْطَانِ؟ قَالَ: «إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا إِنْ أَبْصَرْتَ الْخَيْطَيْنِ». ثُمَّ قَالَ: «لَا بَلْ هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ».
قوله: عريض القفا، إنما يقال ذلك لمن ينسب إلى البله والغفلة.
يقال: فلان عريض القفا، إذا كان قليل الفطنة، غليظ الفهم، وقد يتأول على غير هذا الوجه، وهو أنه إذا كان يأكل حتى يسفر فيتبين له الخيط الأسود من الخيط الأبيض، كان كمن تغذى، ثم صام بقية نهاره، فتدوم له كُِدنة بدنه وعرض قفاه، فلا ينهكه الصوم ولا ينقص شيئاً من لحمه.
стр. 1710
(٣٥) (باب ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)
٨٩٧/ ٤٥٢٠ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قالت: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّهُ تعالى نَبِيَّهُ أَنْ يَاتِيَ عَرَفَاتٍ، ثُمَّ يَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ).
قلت: القبائل التي كانت تدين بذلك مع فريش يقال: إنهم بنو عامر ابن صعصة وثقيف وخزاعة وكانوا إذا أحرموا لا يأقطون الأقط ولا يسلؤون السمن وإذا أحرم أحدهم لم يدخل من باب بيته، وإنما سموا حمسا لأنهم تحمسوا في دينهم، أي: تشددوا، والحماسة: الشدة.
стр. 1711
وفي قوله: ﴿ثم أفيضوا من حيث افاض الناس﴾.بيان أنهم مأمورون بالوقوف بعرفة، لأن الإفاضة، ومعناها التفرق والانتشار لا تكون إلا عن اجتماع في مكان، وكان الناس وهم أكثر قبائل العرب يقفون بعرفات ويفيضون منها، فأمروا أن يفيضوا منها.
стр. 1712
(٣٨) باب: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ - إِلَى قَوله - قَرِيبٌ) .
٨٩٨/ ٤٥٢٤ - قال أبو عبدالله: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قال: حدثَنَا هِشَامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما -: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) خَفِيفَةً، قال: ذَهَبَ بِهَا هُنَالكَ، وَتَلَا: (حَتَّى / يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِين آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ).
٨٩٩/ ٤٥٢٥ - فَلَقِيتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ له.
قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَعَاذَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا وَعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ شَىْءٍ قَطُّ إِلَاّ أَعلمَ أَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَلَكِنْ لَم يَزَلِ الْبَلَاءُ بِالرُّسُلِ
стр. 1713
حَتَّى خَافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ، فَكَانَتْ تَقْرَأُ (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا) مُثَقَّلَةً.
قلت: أما وجه القراءة بتخفيف الذال في قوله: ﴿كُذِبوا﴾ فمعناه: "حتى إذا استيأس الرسل" من إيمان قومهم وتصديقهم إياهم وظن قومهم أنهم قد كُذبوا فيما وعدوا والرسل لا تظن ذلك، وهو قراءة عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الذال.
وأما قراءة عائشة بتشديد الذال، فمعناه: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وخافوا أن يكون من معهم قد ارتابوا، فلا يصدقونهم، ومعنى الظن في هذا ضد اليقين على مذهبها.
وذهب أصحاب المعاني من المتأخرين إلى أن الظن هاهنا اليقين، والمعنى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وعلموا أن القوم قد كذَّبوهم، فلا يصدقونهم ولا يؤمنون بهم جاءهم النصر.
стр. 1714
فإن قيل: فما وجه ما ذهب إليه ابن عباس من تأويل الآية وقوله: ذهب بها هنالك؟
قيل: أما الذي لا يُشك فيه من مذهبه أنه لم يجوز على الرسل صلوات الله عليهم أن يكذبوا بالوحي الذي يأتيهم من قبل الله عزوجل، وأن يشكوا في صدق الخبر عنه أو يرتابوا، لكنه قد يحتمل أن يقال: إنهم عند تطاول مدة البلاء عليهم وإبطاء نجز العدة عنهم وشدة مطالبة القوم إياهم بما كانوا يعدونهم من النصرة، دخلتهم الريبة، حتى توهموا أن الذي جاءهم من الوحي لعله كان حسبانا منهم ووهما، فارتابوا بأنفسهم وظنوا عليها الغلط في تلقي ما ورد عليهم من القول، فيكون معنى الكذب في هذا متأولا على الغلط كقول القائل لصاحبه: / كذبتك نفسك، وكقولك: كذب سمعي، وكذب بصري وقد قال ﷺ للرجل الذي وصف له العسل: "صدق الله وكذب بطن أخيك"، وقد كان نبينا ﷺ أول ما بُدئ بالوحي يرتاب بنفسه ويشفق أن يكون الذي يتراءاه أمرا غير موثوق به إلى أن
стр. 1715
ثبت الله قلبه وسكن بذلك جأشه وشرح به صدره، فانزاح عنه الريب وخلفه اليقين، ومرجع الأمر في هذا الباب أن الذي عرض من الريبة إنما ينصرف إلى الوسائط التي هي مقدمات الوحي لا إلى نفس الوحي وأصله بعد حصول العلم به والله أعلم.
стр. 1716
(٤١) (باب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً - إِلَى قوله - بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾)
٩٠٠/ ٤٥٣١ - قال أبوعبدالله: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قال: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قال: حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قَالَ جَعَلَ اللَّهُ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً، إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ قبله، وَهْوَ قَوْلُ اللَّهِ عزوجل: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فَالْعِدَّةُ كَمَا هِي وَاجِبة عَلَيْهَا.
стр. 1717
معنى قوله: ﴿وصية لأزواجهم﴾ أي: فليوصوا وصية لأزواجهم. ومعنى قوله: ﴿متاعا إلى الحول غير إخراج﴾ أي: متعوهن متاعا، فلا تخرجوهن، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ وكانت المرأة ينفق عليها ما لم تخرج من بيت زوجها، فإذا خرجت قطعت النفقة عنها.
стр. 1718
(الباب نفسه)
٩٠١/ ٤٥٣٢ - قال أبوعبدالله: حَدَّثَنَا حِبَّانُ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قال: حدثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ ذكرت حديث سُبَيْعَةَ لعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى فقال: أي: كأنه أنكره فَلَقِيتُ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ أَوْ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهْىَ حَامِلٌ؟ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ / وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى.
قوله: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة، أراد بالتغليظ طول العدة بالحمل إذا زادت مدته على مدة الشهور لغير الحامل، وقد يمتد ذلك حتى يجاوز تسعة أشهر إلى أربع سنين.
يقول: فإذا جعلتم عليها التغليظ، فاجعلوا لها الرخصة إذا وضعت لأقل من الأربعة الأشهر والعشر التي هي عدة المتوفى عنها غير الحامل.
стр. 1719
وقوله: نزلت سورة القصرى بعد الطولى، يعني قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ والتي في الطولى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾.
فكان ابن مسعود يحمل ذلك على النسخ، وكان ابن عباس يجمع عليها العدتين، فتعتد أقصاهما، وذلك لأن إحداهما لا تدفع الأخرى، فلما أمكن الجمع بينهما جمع ولم يحمل الأمر فيهما على النسخ.
وأما عامة الفقهاء: فإن الأمر عندهم فيهما محمول على التخصيص لقيام الدليل عليه من خبر سبيعة، وقد وضعت بعد موت زوجها سعد بن خولة بأيام، ثم حلت، قال لها رسول الله ﷺ : انكحي فقد حللت.
стр. 1720
(٦٥) (باب: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾)
٩٠٢/ ٤٩٠٩ - قال أبو عَبدِ الله: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ قال: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ عِنْدَهُ فَقَالَ: أَفْتِنِي فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَيْنِ. قُلْتُ أَنَا: (وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي، فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرت حَدِيث سُبَيْعَةَ.
قلت: في قول أبي هريرة: أنا مع ابن أخي، دليل على أن للتابعي أن يدخل مع الصحابي في الاختلاف.
следующие страницы →