Полный текст (2 260 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
له أن يجعل أمره إلى المشيئة إن شاء رحمه وإن شاء عذبه، وقد تكون الفطرة بمعنى السنة، كما جاء: خمس من الفطرة، فذكر السواك والمضمضة وأخواتهما. قلت: وترك تمام الركوع وأفعال الصلاة على وجهين:
أحدهما: إيجازها وتقصير مدة اللبث فيها، وليس هو المراد من الحديث.
والوجه الآخر: الإخلال بأصولها واخترامها حتى لا تقع أشكالها على الصور التي تقتضيها أسماؤها في حق الشريعة، وهذا النوع هو الذي أراده حذيفة والله أعلم.
стр. 422
[١٢٨] (باب يهوي بالتكبير حين يسجد)
١٩١/ ٨٠٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ حين يرفع رأسه يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، يدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد
стр. 423
وطأتك على مضر واجعلها عليهم (سنين) كسني يوسف. وأهلُ المشرق يومئذ من مضر مخالفون له.
قوله: (سمع الله لمن حمده) معناه الدعاء بالاستجابة لمن دعاه وحمده وأثنى عليه، ولذلك أتبعه قول: (ربنا ولك الحمد).
وقد يقال: إنه دعاء من الإمام لمن وراءه من القوم فإنهم يقولون: ربنا ولك الحمد. ومن هذا قوله ﷺ : (اللهم إني أعوذ بك من دعاء لا يسمع)، أي لا يقبل ولا يستجاب، وفيه إثبات القنوت وأن موضعه عند الرفع من الركوع.
وفيه أن تسمية الرجال بأسمائهم وأسماء آبائهم فيما يدعا لهم وعليهم لا تفسد الصلاة.
وقوله: (اللهم اشدد وطأتك على مضر)، فإن الوطأة: البأس، والعقوبة، وهي ما أصابهم من الجوع والشدة، ولذلك
стр. 424
شبهها بسني يوسف القحطة، وأصله من الوطء الذي هو الإصابة بالرجل وشدة الاعتماد فيها، وقد يوصف السلطان بالعسف وسوء السيرة فيقال: هو شديد الوطأة، ومنه قول الشاعر:
ووطئتنا وطأ على حنق .... وطء المقيد نابتَ الهَرْمِ
стр. 425
[١٢٩] (باب فضل السجود)
١٩٢/ ٨٠٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا: يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبع، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت. وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم. فيقولون: هذا مكاننا حتى ياتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا، فيدعوهم فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم أحد يومئذ إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في
стр. 426
حميل السيل. ثم يفرُغ الله من القضاء بين العباد، قال: ويبقى رجل بين الجنة والنار -وهو آخر أهل الجنة دخولا الجنة- مقبلٌ بوجهه قبل النار. فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها .. وساق الحديث.
قوله: (هل تَمارَون)؟ من المرية وهي الشك في الشيء والاختلاف فيه، وأصله: تتمارون فأسقط إحدى التاءين.
وأما قوله: (فيأتيهم الله) إلى تمام الفصل، فإن هذا موضع يحتاج فيه الكلام إلى تأويل وتخريج، وليس ذلك من أجل أننا ننكر رؤية الله تعالى، بل نثبتها، ولا من أجل أنا ندفع بما جاء في الكتاب وفي أخبار الرسول ﷺ من ذكر المجيء والإتيان كقوله : ﴿وجاء ربك والملائكة صفا صفا﴾ وكقوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة) وما أشبههما من الآي، غير أنا لا نكيف ذلك، ولا نجعله حركة وانتقالا كمجيء الأشخاص وإتيانها، فإن ذلك من نعوت الحدث، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ويجب أن يعلم أن الرؤية التي هي ثواب الاولياء وكرامة لهم في الجنة غير هذه الرؤية المذكورة في مقامهم يوم القيامة؛ لأن في خبر
стр. 427
صهيب أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة نادى مناد: ألا إن لكم عند الله موعدا؟ فيقولون: ألم يبيض وجوهنا، ألم ينجنا من النار، ألم يدخلنا الجنة، فيتجلى لهم الرب ﵎ فيرونه، الحديث.
وإنما تعريضهم لهذه الرؤية امتحان من الله لهم يقع به التمييز بين من عبد الله تعالى وبين من عبد الشمس والقمر والطواغيت، فيتبع كل من الفريقين معبوده، وليس يُنكر أن يكون الامتحان إذ ذاك يعد قائما، وحكمه على الخلق جاريا، حتى يفرغ من الحساب ويقع الجزاء بما يستحقونه من الثواب والعقاب، ثم ينقطع إذا حقت الحقائق واستقرت أمور العباد قرارتها. ألا ترى قوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ فامتحنوا هناك بالسجود، وجاء في الحديث: (إن
стр. 428
المؤمنين يسجدون وتبقى ظهور المنافقين طبقا واحدا).
وتخريج معنى إتيان الله في هذا إياهم أنه يشهدهم رؤيته ليثبتوه، فتكون معرفتهم له في الآخرة عيانا، كما كان اعترافهم بربوبيته في الدنيا علما واستدلالا، ويكون طروء الرؤية بعد أن لم تكن بمنزلة إتيان الآتي من حيث لم يكونوا شاهدوه فيه قبل.
ويشبه أن يكون -والله أعلم- إنما حجبهم عن تحقيق الرؤية في الكَرَّة الأولى حتى قالوا: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، من أجل من معهم من المنافقين الذين لا يستحقون الرؤيةن وهم عند ربهم محجوبون، فلما تميزوا عنهم ارتفع الحجب فقالوا عندما رأوه: أنت ربنا، وقد يحتمل أن يكون ذلك قول المنافقين دون المؤمنين، وهذا وإن لم يكن مذكورا في الحديث فالمعنى يرشد إليه والفحوى تدل عليه. وقد يستدل على المراد بسياق الكلام وبمقدماته وبفحواه، كما يستدل
стр. 429
بصريح الاسم وبيان اللفظ، وكل وقت وزمان أو حال أو مقام حكم الامتحان فيه قائم، فللاجتهاد والاستدلال فيه مدخل. وقد قال إبراهيم صلوات الله عليه حين رأى الكوكب ﴿هذا ربي﴾، ثم تبين فسادَ هذا القول لما رأى القمر أكبر جِرما وأبهر نورا، فلما رأى الشمس وهي أعلاها في منظر العين وأجلاها للبصر وأكثرها ضياء وشعاعا قال: ﴿هذا ربي هذا أكبر﴾، فلما رأى أفولها وزيالها وتبين أنها محل للحوادث والتغييرات تبرأ منها كلها، وانقطع عنها إلى رب هو خالقها ومنشئها لا تعترضه الآفات، ولا تحله الأعراض والتغييرات.
وقد روى أبو عبد الله هذا الحديث في بعض أبواب هذا الكتاب من طريق معمر عن الزهري بزيادة لفظة لم يذكرها في رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري.
стр. 430
كتاب الرقاق
[٥٢] (باب الصراط جسر جهنم)
١٩٣/ ٦٥٧٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا محمود قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة قال: قال ناس: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فهل تضارون في القمر ليلة البدر ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم في الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم.
стр. 431
فيقولون: نعم أنت ربنا ويتبعونه، وساق الحديث.
وهذا الحديث وما يتلوه من طريق حفص بن ميسرة من رواية الفربري ليس من رواية ابن معقل.
قلت: ورواه أيضا من غير هذا الطريق قال: حدثناه محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري وذكر القصة فقال: إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى من كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله بر أو فاجر وغُبَّرات أهل (الكتاب)، وذكر الحديث إلى أن قال: يأتيهم في أدنى صورة من التي رأوه فيها، وساق بقية الحديث.
стр. 432
قلت: أما قوله: نعوذ بالله منك، فإنه يؤكد ما تأولناه في الحديث الأول من أنه قول المنافقين دون قول المؤمنين، ولفظه وإن كان عاما فالمراد به خاص، وهو بمنزلة قوله : ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ فالاسم عام في الشقين، والمراد خاص فيهما، وأما ذكر الصورة في هذه القصة من طريق معمر عن الزهري، فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن نعلم أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، فإن الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله وعن صفاته منفية، وقد يتأول معناها على وجهين:
أحدهما: أن تكون الصورة بمعنى الصفة، كقول القائل: صورة هذا الأمر كذا وكذا، يريد صفته، فتوضع الصورة موضع الصفة.
والوجه الآخر: أن المذكور من المعبودات في أول الحديث إنما هي صورة وأجسام كالشمس والقمر والطواغيت ونحوها، ثم لما عطف عليه ذكر الله تعالى خرج الكلام فيه على نوع من المطابقة فقيل: يأتيهم الله في صورة كذا إذ كانت المذكورات قبله صورا وأجساما، وقد يحمل آخر الكلام على أوله في اللفظ، ويعطف أحد الاسمين على الآخر والمعنيان متباينان وهو كثير في كلامهم كالعمرين والأسودين والعصرين، ومثله في الكلام كثير.
стр. 433
ومما يؤكد التاويل الأول وهو أن معنى الصورة الصفة قوله ﷺ في رواية عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري (فيأتيهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها)، وهم لم يكونوا رأوه قط قبل ذلك، فعلمت أن المعنى في ذلك الصفة التي عرفوه بها، وقد تكون الرؤية بمعنى العلم كقوله : ﴿وأرنا مناسكنا﴾ أي علمنا.
وكقول حطائط:
أريني جوادا مات هزلا لعلني .... أرى ما ترين أو بخيلاً مخلدًا
стр. 434
أي أعلم ما تعلمين. ومن الواجب في هذا الباب أن نعلم أن مثل هذه الألفاظ التي تستبشعها النفوس إنما خرجت على سعة مجال كلام العرب ومصارف لغاتها، وأن مذهب كثير من الصحابة وأكثر الرواة من أهل النقل الاجتهاد في أداء المعنى دون مراعاة أعيان الألفاظ وكل منهم يرويه على حسب معرفته ومقدار فهمه، وعادة البيان من لغته، وعلى أهل العلم أن يلزموا حسن الظن بهم، وأن يحسنوا التأتي لمعرفة معاني ما رووه، وأن ينزلوا كل شيء منه منزلة مثله فيما تقتضيه أحكام أصول الدين ومعانيها، على أنك لا تجد بحمد الله ومنه شيئا صحت به الرواية عن رسول الله ﷺ إلا وله تأويل يحتمله وجه الكلام، ومعنى لا يستحيل في عقل أو معرفة.
أخبرنا ابن الأعرابي قال: حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مسعر، عن
стр. 435
عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: إذا حدثتم عن رسول الله ﷺ فظنوا به الذي هو أتقى، والذي هو أهيأ، والذي هو أهدى.
وأما قوله: (هل تضارون في الشمس) فمعناه تزاحمون عند رؤيته حتى يلحقكم بتدانيكم الضرر، ووزنه تتفاعلون، حذفت إحدى التاءين منه.
والسعدان: نبات له شوك، إلا أنه إلى العِرَض والإبل ترعاه (وتسمن) عليه، ولذلك قيل: مرعى ولا كالسعدان.
стр. 436
وقوله: (فمنهم من يوبق بعمله)، يقال: وبق الرجل إذا هلك، يبق، وأوبقه الله، إذا أهلكه.
وقوله: يخردل، أي يُقطع، يقال: خردلت اللحم إذا قطعته، وقطعه الأسد خراديل، إذا تركه قطعا.
وقوله: امتحشوا، معناه احترقوا، يقال: محشته النار فامتحش.
والحبة -مكسورة الحاء- بزور النبات. والحبة -مفتوحتها- واحدة الحب المأكول، وحميل السيل: ما يحمله فوقه من الغثاء ونحوه.
وقوله: قشبني ريحها. يقال: قشبه الدخان، إذا امتلأت خياشيمه من الدخان، ويقال: أصل القشب (السم) كأنه يقول: صار ريحها كالسم في أنفي، ويقال: نَسْر قشيب لأنه يصاد بأن يجعل في لحمه الخرنق، فإذا أكله سقط فيصاد.
وقوله: وغُبَّرات أهل الكتاب، يريد بقايا منهم، يقال لبقية الشيء غُبْر، وجمعه أغبار وغُبَّر، ويجمع على الغُبَّرات.
стр. 437
وفي هذا الحديث من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة وذكر الرجل الذي (سيبقى) آخر الناس، وأنه إذا قام إلى باب الجنة انفهقت له الجنة.
قال أبو عبد الله: حدثنيه عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثنا إبراهيم بن سعد.
قلت: وهذا الحرف غير مسموع، وهو من جملة ما فاتني سماعه من آخر هذا الكتاب.
وقوله: انفهقت، يريد انفتحت واتسعت، وأصله التوسع في الشيء والاستكثار، قال الشاعر:
стр. 438
كجابية السيح العراقي تفهق
أي تفيض، ومنه الحديث: (إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون)، يريد المكثرين ما لا يعنيهم من الكلام.
стр. 439
كتاب الأذان
[١٣٤] (باب السجود على الأنف)
١٩٤/ ٨١٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا معلى بن أسد، حدثنا وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده على أنفه- واليدين والركبتين وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب والشعر).
فيه بيان وجوب السجود على الجبهة، والأنف تبع له؛ لأن بيان وجوب الجبهة إنما وقع بصريح اللفظ، والإشارة باليد إلى الأنف تدل على الاستحباب له، فلو اقتصر الساجد بالسجود على أنفه دون الجبهة لم يجزئه، وكذلك لو سجد على كُور عمامته فلم تمس جبهته موضع السجود لم يجزئه.
وقوله: ولا نكفت الثياب، معناه لا نضم الثياب ولا
стр. 440
نرفعها، لكن ترسل حتى تصيب الأرض، ومنه الحديث: (إذا أقبلت فحمة الليل فاكفتوا صبيانكم) أي ضموهم إليكم وامنعوهم من التفرق والانتشار في ذلك الوقت.
стр. 441
[١٣٤] (باب السجود على الأنف والسجود على الطين)
١٩٥/ ٨١٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا موسى، حدثنا همام عن يحيى عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: (أريت ليلة القدر وإني نسيتها، وإنها في العشر الأواخر في وتر، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء، وكان سقف المسجد جريد النخل وما نرى في السماء شيئا، فجاءت قزعة فأُمطرنا، فصلى بنا النبي ﷺ حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهته وأرنبته تصديق رؤياه، يعني صبيحة إحدى وعشرين.
القَزَعة: القطعة من السحاب المتفرقة، وجمعها القَزَع. وفي الخبر دليل على وجوب السجود على الجبهة، ولولا وجوب ذلك لصانها عن لَثَق الطين، وفيه استحباب استصحاب ما يصيب جبهة الساجد ووجهه من أثر الأرض وغبارها، وأن لا يسرع إلى نفضها أو مسحها بيد أو ثوب، وفيه ما يعلمك أن تأويل بعض الرؤيا في المنام خروجه في اليقظة على الصورة التي رآها في الحلم.
стр. 442
[١٣٩] (باب التسبيح والدعاء في السجود)
١٩٦/ ٨١٧ - قال أبو عبد الله: حدثنا مسددن حدثنا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني منصور، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن.
قولها: (يتأول القرآن)، تريد قول الله : ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾، والواو في قوله: وبحمدك، واو الحال، كأنه قال: سبَّحتك اللهم وبحمدك سبحانك.
قال الزجاج: ومعنى سبحانك سبحتك.
стр. 443
[١٤٥] (باب سنة الجلوس في التشهد)
١٩٧/ ٨٢٨ - قال أبو عبد الله: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن خالد، عن سعيد، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد الساعدي، ووصف صلاة رسول الله ﷺ فقال: رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهرهن فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فَقار مكانه، فإذا سجد ووضع يديه غير مفترشٍ ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة
стр. 444
الأخرى قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته).
يجمع هذا الحديث سننا، منها: رفع اليدين عند التكبير حذاء المنكبين لا يجاوزهما، ومنها التورك في القعود للتشهد الآخر، وفي الأول القعود على رجله اليسرى ووضع اليدين عند الركوع على الركبتين لا يطبق، ومنها توجيه أصابع الرجلين نحو القبلة للسجود والقعود في التشهد.
وقوله: هصر ظهره، يريد أنه ثناه ثنيا شديدا في استواء من رقبته ومتن ظهره لا يقوِّسه، ولا يتحادب في ركوعه، وأصل الهَصْر: مبالغة الثني للشيء الذي فيه لين حتى ينثني كالغصن الرطب ونحوه من غير أن يبلغ الكسر والإبانة. وأما وضعه يديه في السجود غير مفترش، فهو أن يضع كفيه على الأرض ويقل ساعديه حتى يفترشهما بوضعهما على الأرض.
وقوله: ولا قابضهما: يريد أنه يبسط كفيه مدا ولا يقبضهما بأن يضم أصابعهما، وقد يحتمل أن يكون أراد بذلك ضم الساعدين والعضدين، فيلصقهما ببطنه لكي يجافي مرفقيه عن جنبيه.
стр. 445
[١٤٦] (باب من لم ير التشهد الأول واجبا لأن النبي ﷺ قام من الركعتين ولم يرجع)
١٩٨/ ٨٢٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: حدثني عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن بحينة، وكان من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم.
فيه من الفقه أن الإمام إذا سها فاستمر به السهو حتى يستوي قائما في موضع قعوده للتشهد الأول تبعه القوم وقاموا معه، وفيه أن موضع سجدتي السهو قبل السلام، ومن فرق في ذلك بين السهو إذا كان عن نقصان من طلب الصلاة فرأى تقديمها قبل السلام،
стр. 446
وإذا كان عن زيادة أوجبهما بعد السلام لم يرجع فيما ذهب إليه إلى صحة بيان فرق، وحديث ذي اليدين محمول على (أن) تأخيره السجدتين بعد السلام كان عن سهو، وذلك أن تلك الصلاة قد توالى فيها السهو والنسيان مرات في أمور شتى، فلم يُنكَر أن يكون هذا منها، والأصل في ذلك حديث أبي سعيد الخدري، وقد رويناه في غير هذا الموضع.
стр. 447
كتاب الاستئذان
[٢٨] (باب الأخذ باليد)
١٩٩/ ٦٢٦٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سيف، قال: قال: سمعت مجاهدا يقول: حدثني عبد الله بن سخبرة -أبو معمر- قال: سمعت ابن مسعود يقول: علمني النبي ﷺ -وكفي بين كفيه- التشهد، كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام على النبي.
وقد يستدل بقوله: علمني التشهد كما يعلمني السورة من القرآن على تأكد أمر التشهد، والذي يصح به الاستدلال على وجوبه
стр. 448
هو قوله: إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات.
قال أبو عبد الله: حدثنا أبو نعيم، حدثنا الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ .
وأما تفسير التحيات، فإنها كلمات مخصوصة كانت العرب تحيي بها الملوك والرؤساء منهم نحو قولهم للملك من ملوكهم: أبيتَ اللعن.
وقوله: أنعم صباحا، وكقول العجم لملوكهم: ده هزار سال، أي عش ألف سنة، في نحو ذلك من عاداتهم في تحية الملوك بديهة اللقاء، وهذه الألفاظ ونحوها مما يتحيا (به) النسا فيما بينهم لا يصلح شيء منها للثناء على الله ، فتركت أعيان تلك الألفاظ، واستعمل منها معنى التعظيم فقيل: قولوا: التحيات لله، أي الثناء على الله، والتمجيد وأنواع التعظيم له كما يستحقه ويجب له.
стр. 449
وقال النضر بن شميل: معنى التحيات: البقاء، وقول الرجل لصاحبه: حياك الله، إنما هو أبقاك الله. وكان أبو عبيدة يقول: معناها الملك. قال أبو سعيد الضرير: ليست التحية الملك بعينه، ولكن هي التحية التي يحيا بها الملك.
وروي عن أنس بن مالك في تفسير التحيات لله والصلوات والطيبات قال: هي أسماء الله: السلام، المؤمن، المهيمن، الحي، القيوم، العزيز، الأحد، الصمد، قال: التحيات لله بهذه الأسماء وهي الطيبات لا يحيا بها غيره.
ومعنى الصلوات: الأدعية وهي جماعة الصلاة، وأصل
стр. 450
الصلاة في كلام العرب الدعاء. كقول الأعشى:
وصلى على دنها وارتسم
يصف الخمر، يريد أنه دعا له بأن لا تحمض ولا تفسد، والطيبات: فهي ما طاب من الكلام وحسُن منه وصلَح أن يثنى على الله أو يُدعى به دون الكلمات التي لا تليق بصفاته مما كانوا يتحيون بها فيما بينهم، وبيان ذلك في الحديث الذي يليه.
стр. 451
[١٥٠] (باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب)
٢٠٠/ ٨٣٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن الأعمش، حدثني شقيق، عن عبد الله، قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ : لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن (قولوا) التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم (ذلك) أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض.
قلت: قوله (إن الله هو السلام)، يريد إن الله هو ذو السلام، فلا تقولوا: السلام على الله، فإن السلام منه بدأ وإليه يعود، ثم علمهم في الدعاء أن يقولوا: اللهم أنت السلام، ومنك
стр. 452
السلام، وإليك السلام، والسلام مصدر من سلم يسلم سلامة وسلاما، كما قيل: رضع يرضع رضاعة ورضاعا، ومرجع الأمر في إضافة السلام إلى صفات الله تعالى أنه ذو السلامة من كل نقص وآفة وعيب. وقد يحتمل ذلك وجها آخر وهو أن يكون مرجعها إلى حظ العبد وحاجته فيما يطلبه ويبتغيه من السلامة من الآفات والمهالك، ولذلك جعل هذا الاسم تحية بين المسلمين وشعارا عند التلاقي ليتحروا بها السلامة بعضهم من بعض، فيعمهم الأمن والسلامة، ولما وجدهم النبي ﷺ يستعملونه في الثناء على الله أمرهم أن يصرفوه إلى خطاب الخلق لحاجتهم إلى السلامة والعدول به عن معنى الثناء بذلك على الله تعالى لغناه وافتقارهم إليه، وأمر أن يقال في الثناء على الله : التحيات لله والصلوات والطيبات، فإنها لا تليق بغيره ولا تبتذل في تحية من سواه.
стр. 453
[١٥٥] (باب الذكر بعد الصلاة)
٢٠١/ ٨٤٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا معتمر، عن عبيد الله، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدُّور من الأموال بالدرجات، وذكر الحديث.
قلت: هكذا وقع في روايته: أهل الدور، وهو غلط، والصواب أهل الدثور، هكذا رواه الناس كلهم، يريد أهل الأموال، واحدها دَثْر، وهو المال الكثير، والدبر بالباء مثله أيضا، وأنشد الأصمعي:
ما ليس يحصى من سوام دَثْرُ .... مثل الهضاب بمكانٍ دَبْرُ
стр. 454
٢٠٢/ ٨٤٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن وراد -كاتب المغيرة بن شعبة- قال: أملى علينا المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبي ﷺ يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: (اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد).
(والجد) في هذا تفسيره الغنى، ويقال: بل هو الحظ والبخت، والجد: العظمة أيضا. ومنه قوله : ﴿وأنه تعالى جد ربنا﴾ يقول: إن الخلق كلهم مفتقرون إليك، لا يجبر مفاقرهم غيرك، ولا يستغني أحد منهم عن
стр. 455
فضلك، و (من) هاهنا بمعنى البدل، كقول الشاعر:
هل لك والعارض منك عائضُ .... في هجمة يُسئِر منها القابضُ
وكقول الآخر:
فليت لنا من ماء زمزم شربة .... مبردة باتت على الطهيان
يريد بدل ماء زمزم، ويقال: إن الطهيان اسم البرادة.
стр. 456
[١٥٦] (باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم)
٢٠٣/ ٨٤٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب.
قوله: (على أثر سماء) يريد على أثر مطر، وسمي المطر سماء لنزوله من السماء على مذهبهم في استعارة اسم الشيء لغيره إذا كان مجاورا له أو بسبب منه.
والنوء: الكوكب، ولذلك سموا منازل القمر الأنواء، وإنما سمي النجم نوءا لأنه ينوء طالعا عند مغيب رقيبه من ناحية المغرب، وكان من عادتهم في الجاهلية أن يقولوا: مطرنا (بنوء)
стр. 457
كذا، فيضيفون النعمة في ذلك إلى غير الله ، وينسون الشكر له على ذلك، وهو المنعم عليهم بالغيث والسقيا، فزجرهم عن هذا القول فسماه كفرا، إذ كان ذلك يفضي بصاحبه إلى الكفر إذا اعتقد أن الفعل للكوكب وهو فعل الله لا شريك له.
стр. 458
كتاب الزكاة
[٢٠] (باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها)
٢٠٤/ ١٤٣٠ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو عاصم، عن (عمر) ابن سعيد عن (ابن) أبي مليكة أن عقبة بن الحارث حدثه قال: صلى النبي ﷺ العصر، فأسرع ثم دخل البيت، فلم يلبث أن خرج فقلت أو قيل له: صليت العصر، فلم تلبث أن خرجت. فقال: (كنت خلفت في البيت تبرا من الصدقة فكرهت أن أبيته فقسمته).
التبر: قطع الذهب قبل أن تضرب دنانير، والقطعة منها تبرة. ويقال: تبرت الشيء إذا قطعته، ومنه قوله تعالى: ﴿إن هؤلاء متبر ما هم فيه﴾ أي متقطع هالك، والله أعلم.
وتبييت الشيء حبسه عندك ليلاً.
стр. 459
[١٦٠] (باب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث)
٢٠٥/ ٨٥٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن عبيد الله قال: حدثني نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يقربن مسجدنا).
قد توهم بعض الناس أن أكل الثوم عذر في التخلف عن الجماعة، فوضع هذا الحديث في جملة الأعذار المبيحة ترك حضور الجماعات، وإنما هذا توبيخ له وعقوبة على فعله ليحرم بذلك فضيلة الجماعة. وقد قيل إن المكروه منه النيء دون المطبوخ. فيه أنه جعل الثوم من جملة الشجر، والعامة إنما يسمون الشجر ما كان له ساق يحمل أغصانه دون ما يسقط على الأرض وينبطح على وجهه، وعند العرب: أن كل شيء بقيت له أرومة في الأرض، تخلف ما قطع من ظارها، وتتروح في الصيف ما يبس منه في الشتاء، فهو شجر، وما ليس له أرومة يبقى فهو نَجْم. ومنه قول الله تعالى: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ فالقطن شجر، وقد
стр. 460
يبقى في كثير من البلدان سنين ذوات عدد والباذنجان كذلك يبقى سنوات، وأما اليقطين والريحان ونحوهما مما يخالف هذه الصفة فليس بشجر، فإذا حلف رجل على شيء من الشجر فالاعتبار من جهة الاسم، والحقيقة على ما ذكرته لك.
وفي العرف ما يتعارفه الناس في بلدانهم ومجاري عاداتهم. والله أعلم.
следующие страницы →