← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16946

أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري)

الخطابي

Полный текст (2 260 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

كتاب الخوف [٥] (باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء) ٢٢٥/ ٩٤٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء قال: حدثنا جويرية، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لنا لما رجع من الأحزاب: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، قال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها. وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فلم يعنف واحدا منهم. هذا مما يحتج به من يرى تساوي الأدلة، ويرى كل مجتهد مصيبا، يقول: ألا ترى أنه ﷺ قد عذرهم ولم يعنف واحدا منهم. لت: وليس الأمر في ذلك على ما ذهبوا إليه، وإنما هو ظاهر خطاب خص بنوع من الدليل ألا ترى قولهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. يريد أن طاعة رسول الله ﷺ فيما أمر من إقامة الصلاة في بني قريظة لا يوجب تأخيرها عن وقتها الذي أمرنا بإقامتها على عموم الأحوال فيه، وإنما هو كأنه قال: صلوا في بني

стр. 492

قريظة، إلا أن يدرككم وقتها قبل أن تصلوا إليهم، وكذلك الأمر فيما تأولت الطائفة الأخرى في تأخيرهم الصلاة عن أول وقتها، وكان ذلك عندهم كأنه قيل لهم: صلوا الصلاة في أول وقتها، إلا أن يكون لكم عذر فأخروها إلى آخر وقتها، وتخصيص العموم بناء على أصل متقرر، ومن خصه بدليل فإنه لم يخرجه عن جملة أصله الموجب له، وفي القول بتساوي الأدلة تجويز أقوال مختلفة الأصول متضادة الأحكام، وهي على اختلافها وتضادها صواب كلها عندهم.

стр. 493

كتاب العيدين [٢] (باب الحراب والدرق يوم العيد) ٢٢٦/ ٩٤٩ - قال أبو عبد الله: حدثني أحمد، حدثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو أن محمد بن عبد الرحمن حدثهم عن عروة، عن عائشة قالت: دخل علي النبي ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش فحول وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ ، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقل: دعهما، فلما غفل غمزتهما حتى خرجتا، وكان يوم عيد تلعب السودان بالدرق والحراب. فإما سألت رسول الله ﷺ ، وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم. فأقامني وراءه، خدي على خده وهو يقول: (دونكم يا بني أرفدة)، حتى إذا

стр. 494

مللت قال: حسبك؟ قلت: نعم، قال: فاذهبي. بعاث: يوم مشهور من أيام العرب كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج، وبقيت الحرب قائمة بينهما إلى أن قام الإسلام مائة وعشرين سنة. فيما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار وغيره، وكان الشعر الذي تغنيان به في وصف الحرب والشجاعة والبأس وما يجري في القتال بين أهله، وهو إذا صُرف إلى جهاد الكفار وإلى معنى التحريض على قتالهم كان معونة في أمر الدين، وقمعا لأهل الكفر، فلذلك رخص رسول الله ﷺ فيه، فأما الغناء بذكر الفواحش والابتهار بالحُرَم والمجاهرة بالمنكر من القول فهو المحظور من الغناء المسقط للمروءة، وحاشاه ﷺ أن يجري شيء من ذلك بحضرته فيرضاه أو يغفل النكير له، وكل من رفع صوته بشيء جاهرا بذكره ومصرحا باسمه لا يستره ولا يكني عنه فقد غنى به. وحدثني أحمد بن عفو الله قال: حدثنا عبد الله بن

стр. 495

سليمان، عن يحيى بن عبد الرحيم الأخفش، عن أبي عاصم قال: أخذ بيدي ابن جريج حتى وقف بي على أشعب الطَّمِع فقال له: غَنِّ ابنَ أخي ما بلغ من طمعك. فقال: بلغ من طمعي أنه لم تُزف بالمدينة جارية إلا كسحْت بابي طمعا أن تُهدى إلي. يريد أخبر جاهرا بما في نفسك ومصرحا به. وقوله: (دونكم يا بني أرفدة)، معناه إطلاق الإذن، إذ هي

стр. 496

كلمة الإغراء وحقها أبدا أن تقدم على الاسم، وقد جا تقديم الاسم عليه نادرا في قول الشاعر: يا أيها الماتح دلوي دونكا وبنو أرفدة لقب الحبشة. وفيه رخصة في المثاقفة بالسلاح وإعداد الآلة للقتال.

стр. 497

[٣] (باب سنة العيدين لأهل الإسلام) ٢٢٧/ ٩٥٢ - قال أبو عبد الله: حدثني عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث قالت: وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر: مزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ : (يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا). قلت: قد بين في هذه الرواية أنهما لم تكونا مغنيتين، والمغنية التي اتخذت الغناء صناعة وعادة، وذلك ما لا يليق أن يكون بحضرة الرسول ﷺ ، فأما الترنم بالبيت والبيتين، وتطريب الصوت بذلك مما ليس فيه فحش أو ذكر محظور، فليس مما يسقط المروءة، أو يقدح

стр. 498

في الشهادة، وكان عمر بن الخطاب لا ينكر من الغناء النَّصْبَ والحداء ونحوهما من القول، وقد رخص في ذلك غيرُ واحد من السلف ﵏. وحكم اليسير من الغناء خلافُ حكم الكثير منه كقول الشعر يسيره مباح وكثيره حتى يسمى به شاعرا مكروه. وقوله: (وهذا عيدنا) يعتذر به عنها، يريد أن إظهار السرور في العيد من شعار الدين وإعلان أمره والإشادة بذكره، وليس كسائر الأيام سواء.

стр. 499

[٨] (باب الخطبة بعد العيد) ٢٢٨/ ٩٦٤ - قال أبو عبد الله: حدثني سليمان بن حرب حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ صلى يوم الفطر ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساء ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة، فجعلن يلقين، تلقي المرأة خُرصها وسِخابها. الخرص: حلقة القرط، والسخاب: القلادة. وفيه دليل على جواز تصرف المرأة في ملكها بغير إذن وليها أو زوجها.

стр. 500

[٨] (باب الخطبة بعد العيد) ٢٢٩/ ٩٦٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا زبيد قال: سمعت الشعبي، عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: (إن أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن نحر قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء). فقال رجل من الأنصار يقال له أبو بردة ابن نيار: يا رسول الله، ذبحت وعندي جذعة خير من مسنة. قال: (اجعله مكانه ولن توفي عن أحد أو تجزي عن أحد بعدك). يقال: وفى وأوفى بمعنى واحد. ويقال: جزى عن الشيء يجزي بمعنى قضى وأجزأني إجزاء، إذا كفاك. تقول: إن ذلك يقضي الحق عنك أو يكفيك ولا يقضيه عن غيرك، وفي سائر

стр. 501

الروايات أنه قال: عندي عناق جذعة، ولذلك لم يجز عنه، إذ كان لا يجزي من المعز أقل من الثني، فأما الضأن فالجذع منها يجزي. قلت: وهذا من النبي ﷺ تخصيص لعين من الأعيان بحكم مفرد وليس من باب النسخ، فإن النسوخ إنما تقع عامة الأمة غير خاصة لبعضهم. فإن شبه على أحد أمر النسخ في صلاة الليل، فليعلم أن فرضها قد نسخ عن الأمة وأبقي فرضها للنبي ﷺ خاصة، فالاعتراض بها على ما قلناه لا يصح.

стр. 502

[١٢] (باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة) ٢٣٠/ ٩٧٠ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك بن أنس، حدثني محمد بن أبي بكر الثقفي قال: سألت أنس بن مالك ونحن غاديان من منى إلى عرفات عن التلبية: كيف كنتم تصنعون مع النبي ﷺ ؟ قال: كان يلبي الملبي لا ينكر عليه، ويكبر المكبر لا ينكر عليه. قلت: السنة المشهورة في هذا أن لا تقطع التلبية حتى ترمي أول حصاة من جمرة العقبة يوم النحر، وعليه العمل، فأما قول أنس هذا فقد يحتمل أن يكون تكبيرُ المكبر منهم شيئا من الذكر يدخلونه في خلال التلبية الواجبة في السنة من غير ترك للتلبية، والله أعلم.

стр. 503

[٢٠] (باب إذا لم يكن لها جلباب في العيد) ٢٣١/ ٩٨٠ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن حفصة عن امرأة ذكرت أن نسوة كن مع النبي ﷺ في الغزو، قال بعضهن: كنا نقوم على المرضى ونداوي الكلمى. قالت حفصة وقالت أم عطية: إن النبي ﷺ قال في يوم العيد: لتخرج العواتق وذوات الخدور، فتعتزل الحيض المصلى، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين). الكلمى: جمع الكليم، وهو الجريح، كما قيل: مريض ومرضى وأسير وأسرى. والعواتق: الحديثات الإدراك، واحدتهن عاتق. وفي الحديث: دليل على أن الحائض لا تدخل المسجد، وأنها لا تحجب عن شهود الذكر والدعاء ونحو ذلك من أنواع البر والقُرَب.

стр. 504

[٢٥] (باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين) ٢٣٢/ ٩٨٨ - قال أبو عبد الله: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: رأيت النبي ﷺ يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم يعني أبا بكر. قال النبي ﷺ : (دعهم أمنًا بني أرفدة). قوله: أمنا، يعني آمنين، أقام المصدر مقام الصفة كقولهم: رجل صوم، أي صائم، وزَوْر بمعنى زائر، ونوم بمعنى نائم، وقد يكون بمعنى ائمنوا أمنا ولا تخافوا أحدا، ليس لأحد أن يمنعكم، أو نحو ذلك من الكلام.

стр. 505

كتاب الاستسقاء [٧] (باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة) ٢٣٣/ ١٠١٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن شريك -وهو ابن أبي نمر- عن أنس أن رجلا دخل المسجد ورسول الله ﷺ قائم يخطب فقال: هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: (اللهم أغثنا). قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب لا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار. قال: فطلعت من ورائه سحابة، ثم أمطرت، فما رأينا الشمس سبتا، ثم دخل رجل فقال يا رسول الله: هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية) قال: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس.

стр. 506

القزعة: القطعة من السحاب المتفرقة. والظراب: جمع الظرب وهو الهضبة دون الجبل. والآكام: جمع الأكمة، وهو التل المرتفع من الأرض. وسلع جبل قريب من المدينة.

стр. 507

[٩] (باب من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء) ٢٣٤/ ١٠١٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن شريك، عن أنس في هذه القصة قال: جاء رجل فقال: هلكت المواشي وذكر الحديث، وقال: فانجابت عن المدينة انجياب الثوب. قوله: انجاب: معناه انقطع عنا في استدارة حولنا فكنا وسطا منها. يقال: جُبت الأرض، إذا قطعتها سيرا، واجتاب الرجل الثوب، إذا اقتطعه لباسا، ومنه قول الشماخ:

стр. 508

لشدة الوجد مجتابا ديابود وفي رواية أخرى من هذا الحديث: قالوا يا رسول الله: (قحط المطر واحمرت الشجر) يريد تغير لونها عن الخضرة إلى الحمرة، من اليبس والقحل، ولحمراء من أسماء السنة، وكذلك الشهباء.

стр. 509

[٢١] (باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء) ٢٣٥/ ١٠٢٩ - قال أبو عبد الله: وقال أيوب بن سليمان: حدثني أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال قال: يحيى بن سعيد سمعت أنس بن مالك قال: أتى أعرابي فقال: يا رسول الله، هلكت الماشية، هلك العيال، فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، فما خرجنا من المسجد حتى مُطرنا، وما زلنا نُمطَر حتى كانت الجمعة الأخرى، فأتى الرجلُ فقال: يا رسول الله، بَشِق المسافر ومُنع الطريق. قال أبو عبد الله: بشق: اشتد. قلت: قوله بشق ليس بشيء، إنما هو لَثِق المسافر من اللَّثَق وهو الوحل، يقال: لثق الطريق ولثق الثوب إذا أصابه ندى المطر ولَطْخ الطين ونحو ذلك. ويقال: بكى الرجل حتى لثقت لحيته،

стр. 510

أي: اخضلت وابتلت من الدموع، وقد يحتمل أن يكون ذلك مشق بالميم، فحسبه السامع بشق لتقارب مخرجي الباء والميم، يريد أن الطريق صارت مزلة زلقا، ومنه مشق الخط، وقال المظفع: بلغني عن ابن دريد أنه قال: بشق وبشك مبدل منه إذا أسرع، وهذا يوافق قول أبي عبد الله. قال ابن دريد: ورواه لنا أبو حاتم إنه لبَشِق.

стр. 511

[٢٣] (باب ما يقال إذا أمطرت) ٢٣٦/ ١٠٣٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا محمد بن مقاتل قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا عبيد الله، عن نافع، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: (صيبا نافعا). قوله: صيبا، هو من صاب المطر يصوب إذا سال، قلب الواو منه ياء، والصيب: المطر الشديد، يَصُوب منه الماء الكثير، أي: يسيل، ووزن الصيِّب فَيْعِل من الصَّوب.

стр. 512

كتاب الكسوف [١] (باب الصلاة في كسوف الشمس) ٢٣٧/ ١٠٤١ - قال أبو عبد الله: حدثني شهاب بن عباد، حدثنا إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل، عن قيس قال: سمعت أبا مسعود يقول: قال النبي ﷺ : (إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد من الناس، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فقوموا فصلوا).

стр. 513

[١] (الباب نفسه) ٢٣٨/ ١٠٤٢ - قال أبو عبد الله: وحدثني أصبغ قال: حدثني ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، عن عبد الرحمن بن القاسم، حدثه عن أبيه، عن ابن عمر أنه كان يخبر عن النبي ﷺ أنه قال: الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته (ولكنهما) آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموها فصلوا. معنى هذا الكلام وتأويله أنهم كانوا في الجاهلية يزعمون أن كسوف الشمس والقمر يوجب حدوث تغييرات في العالم من موت وضرر ونقص ونحو ذلك من الأمور على ما يذهب إليه أهل التنجيم من إعطائها الأحكام وزعمهم أن هذه الأجسام السفلية مربوطة بالنجوم، وأن لها فعلا وتأثيرا فيها، فأعلمهم النبي صلى الله عليه

стр. 514

وسلم أن الذي كانوا يتوهمونه من ذلك باطل، وأن خسوف الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يريهما خلقه ليعلموا أنهما خلقان مسخران لله ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما. وأنهما لا يستحقان أن يعبدا، فيتخذا إلهين، وهو معنى قوله : ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾، وأمر عند كسوفها أن يُفزع إلى الصلاة والسجود لله الذي يستحق العبادة والسجود دونهما، إبطالا لقول الجهال الذين يعبدونهما، وإفسادا لمذاهبهم في عبادتها، والله أعلن [أعلم]. وقد يحتمل أن يكون المعنى في الأمر الصلاة عند الكسوف الفزع إلى الله ، والتضرع له في دفع الضرر والآفات التي تتوهمها الأنفس، وتتحدث بها الخواطر تحقيقا لإضافة الحوادث كلها إلى الله تعالى، ونفيا لها عن الشمس والقمر، وإبطالا لأحكامها والله أعلم. وقد قيل فيه وجه ثالث: وهو أنهما آيتان من آيات الله الدالة على قرب زمان الساعة وأمارتان من أماراتها وأشراطها المتقدمة لها كما قد قال مخبرا عن خسوفهما في القيامة: ﴿فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر﴾ وقد يكون ذلك أيضا أنه يخوف بهما

стр. 515

الناس ليفزعوا إلى التوبة والاستغفار من الزلل والخطايا، ودليل ذلك قوله : ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾، ويؤكد ذلك حديث أبي بكرة.

стр. 516

[٦] (باب قول النبي ﷺ يخوِّف الله عباده بالكسوف) ٢٣٩/ ١٠٤٨ - قال أبو عبد الله: حدثنا قتيبة، حدثنا حماد بن زيد، عن يونس، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يُكسفان لموت أحد، ولكن يخوف الله بهما عباده). وفيه دليل على أن الصلاة مستحبة عند حدوث كل آية من الآيات كالزلزلة والريح العاصف، والظلمة ونحوها من الحوادث والآيات. وقد جاء في هذين الحديثين باللغتين من الخسوف والكسوف. يقال: خسفت الشمس وكسفت، ومن الناس من يغلب في القمر لفظ الخسوف وفي الشمس لفظ الكسوف.

стр. 517

[١٢] (باب صلاة الكسوف في المسجد) ٢٤٠/ ١٠٥٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة -بنت عبد الرحمن- عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله ﷺ : (عائذا بالله من ذلك). قوله: (عائذا بالله)، أي: أعوذ عياذا بالله منه، وقد جاء من المصادر على وزن فاعل قولهم: عافاه الله عافية، وما أباليه بالية.

стр. 518

[٧] (باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف) ٢٤١/ ١٠٥٠ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة (قالت): خسفت الشمس ضحى فقام رسول الله ﷺ يصلي فقام الناس وراءه فقام قياما طويلا، ثم ركع ركوعا طويلا، فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، فسجد، ثم قام، فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع، فسجد وانصرف. قلت: فيه بيان أنه صلى لكسوف الشمس بالناس جماعة، وأنه صلى ركعتين فيهما أربع ركعات وأربع سجدات، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد، وعند أصحاب الرأي يصلون منفردين في كل ركعة ركوع واحد كسائر الصلوات، وفيه أنه ليس فيه ذكرُ تطويلِ السجود كتطويل الركوع.

стр. 519

[١٩] (باب الجهر بالقراءة في الكسوف) ٢٤٢/ ١٠٦٥ - قال أبو عبد الله: حدثني محمد بن مهران، حدثنا الوليد، حدثنا ابن نمر وهو عبد الرحمن قال: سمع ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته. قلت: فيه بيان أن القراءة في صلاة الخسوف جهر، وهو قول أحمد وإسحاق. وقال أصحاب الرأي ومالك والشافعي لا يجهر بها، واحتج الشافعي بحديث ابن عباس أنه قال: فحزرنا قراءته، فكانت قدر سورة البقرة. قال: فلو كان قد جهر بالقراءة لاستغنى عن الحَزْر والتقدير فيها.

стр. 520

قلت: والذي يلزم على مذهب الشافعي الجهرُ، لأن المثبت قوله أولى من النافي، وقد أثبتت عائشة الجهر، ومن الجائز أن يكون قد خفي الأمر في ذلك على ابن عباس بأن لم يسمع، إما لأنه كان في آخر الصفوف أو لعائق عاقه عن ذلك. فإن قيل: فليس في الخبر الذي رواه محمد بن إسماعيل ذكرُ الشمس. قيل: قد رواه إسحاق بن راهويه، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن نمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن النبي ﷺ صلى بهم في كسوف الشمس وجهر بالقراءة، حدثناه الحسن بن يحيى، عن (ابن) المنذر فذكره عن إسحاق.

стр. 521

ورواه أيضاً أبو إسحاق الفزاري، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة في مثله، وإن كان سفيان بن حسين لا يدخل في شرطه.

стр. 522

كتاب الاستسقاء [١٧] (باب كيف حوَّل النبي ﷺ ظهره إلى الناس) ٢٤٣/ ١٠٢٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا آدم قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن عباد بن تميم، عن عمه، قال: رأيت النبي ﷺ يوم خرج يستسقي قال: فحول (إلى) الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة. قوله: (خرج يستسقي) فيه بيان أن السنة في الاستسقاء الخروج إلى المصلى، وفيه أن الاستسقاء إنما يكون بصلاة، وفيه أنه يجهر بالقراءة فيهما، وإليه ذهب مالك وأحمد بن حنبل، وتحويل الرداء إنما هو على مذهب التفاؤل، أي: لينقلب ما بهم من

стр. 523

الجدب إلى الخصب. وقال الشافعي: ينكس الرداء أعلاه أسفله ويتآخى أن يجعل شقه الأيمن على شقه الأيسر. قلت: هذا (إذا) كان رداء مربعا، فإن كان طيلسانا مدورا قلب ولم ينكس.

стр. 524

كتاب سجود القرآن [١] (باب ما جاء في سجود القرآن وسنتها) ٢٤٤/ ١٠٦٧ - قال أبو عبد الله: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت الأسود عن عبد الله قال: قرأ النبي ﷺ النجم بمكة، فسجد فيها وسجد من معه، غير شيخ أخذ كفا من حصباء أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعدُ قتل كافرا.

стр. 525

[٦] (باب من قرأ السجدة ولم يسجد) ٢٤٥/ ١٠٧٣ - قال أبو عبد الله: وحدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي ﷺ والنجم فلم يسجد فيها. قلت: هذا الاختلاف في سجدة التلاوة من نوع المباح عند الشافعي، وقد روي من ذلك عن عمر بن الخطاب، وذهب قوم إلى أن المستمع بالخيار في ذلك، وليس كذلك القارئ، ألا ترى أن النبي ﷺ حين كان هو القارئ سجد؟ وذهب مالك بن أنس إلى أن المفصل لا سجود فيه.

стр. 526

قلت: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه سجد في ﴿إذا السماء انشقت﴾، وصح عنه السجود في (والنجم)، وهو ما رواه ابن مسعود، فليس وجه التوفيق بين الحديثين إلا أنه من المباح إن شاء سجد وإن شاء لم يسجد، وفعله مستحب، وليس بعزيمة، وإليه ذهب عمر بن الخطاب وجماعة من الصحابة.

стр. 527

كتاب تقصير الصلاة [١] (باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر) ٢٤٦/ ١٠٨٠ - قال أبو عبد الله: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن عاصم وحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: أقام النبي ﷺ تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعةت عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا. قلت: قد اختلف الناس في هذه المسألة اختلافا كثيرا، واضطربت أقاويلهم فيها اضطرابا شديدا، فكان الذي اعتمده أبو عبد الله من جملة الروايات فيها هذا الحديث، وهو يجمع حكاية الفعل عن رسول الله ﷺ وكون هذه المدة حدا لجواز القصر من رأي ابن عباس، وكأنه ذهب في ذلك إلى أن أصل الصلاة الإتمام، وإنما يجوز القصر بعلة السفر، ومدة التسع عشرة في مقام المسافر مستثناة من جملة حكم صلاة المقيم،

стр. 528

وما وراءها مردود إلى الأصل ومقر عليه، وقد قال به الشافعي إلا أنه شَرَط في ذلك وجود الخوف وجعل مدة الرخصة لمن لا يخاف عدوا أربعة أيام، ولو كانت العلة في ذلك الخوف لم يكن للتحديد معنى إذا كان الخوف موجودا، ألا ترى أن الخائف يصلي صلاة الخوف ما امتد الزمان بلا تحديد إذا كان الخوف موجودا، فالقول في هذا الباب ما ذهب إليه ابن عباس وهو أصح ما روي في هذا الباب، وقد روي عن ابن عباس في هذا روايتان أخريان: إحداهما أن النبي ﷺ أقام بمكة عام الفتح سبع عشرة يقصر في الصلاة، والرواية الأخرى خمس عشرة وإليه ذهب أصحاب الرأي إلا أن أصحها وأثبتها في الرواية ما ذكره أبو عبد الله ولم يعرض لغيره بذكر، فالقول في ذلك على ما وصفناه والله أعلم.

стр. 529

[٢] (باب الصلاة بمنى) ٢٤٧/ ١٠٨٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا عبد الواحد، عن الأعمش قال: حدثنا إبراهيم قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى عثمان بن عفان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لابن مسعود فاسترجع ثم قال: صليت مع النبي ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر ركعتين، وصليت مع عمر بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات (ركعتان) متقبلتان. قلت: استرجاع ابن مسعود إنما كان من أجل الأسوة، ولولا أن المسافر يجوز له الإتمام كما يجوز له القصر لم يتابعوا عثمان ومعه ملأ من الصحابة وأهل الموسم من الآفاق، وقد ثبت أن ابن

стр. 530

مسعود صلى معه أربعا، ثم قال: الخلاف شر، فلو كان بدعة لم يكن مخالفته شرا لكن صلاحا وخيرا. وقد روي عن الزهري أنه قال: إنما فعل ذلك عثمان لأنه اتخذ الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها.
следующие страницы →