Полный текст (2 260 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
بالأخرى لا ببطونها، ولكن بظهور أصابع اليمنى على الراحة من اليد اليسرى.
وفيه جواز صلاة رسول الله ﷺ خلف أمته.
وفيه تفضيل أبي بكر وتقديم رسول الله ﷺ إياه في الصلاة، والرضا بإمامته لو كان ثبت في مكانه وتم على صلاته، ولذلك أشار إليه بأن يقيم بمكانه.
وفيه جواز الدعاء والتحميد في الصلاة، ورفع اليد له عند حادث نعمة يجب شكرها، فلا يكون الاشتغال به ناقضا صلاته.
ومنها أن أبا بكر عقل عن إشارة رسول الله ﷺ أنه أمرُ تقديمٍ له وإكرام، لا أمر إيجاب وإلزام، ولولا ذلك لم يستجز مخالفته فيما أمره.
وقول أبي بكر ﵁: لا ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ يحتمل وجهين من التأويل:
أحدهما: أن يكون ذلك منه على مذهب التواضع والاستصغار لنفسه؛ لأن الإمامة موضع الفضيلة ومحل الرئاسة، ومن سنة الدين أن يتقدم فيها الأفضل فالأفضل
والوجه الآخر: أن أمر الصلاة كان في حياة رسول الله ﷺ يختلف ويستحيل من حال إلى حال، فلم يكن
стр. 562
يُؤمَن أن يحدث الله تعالى في ذلك الحال أمرا من أمره، إما زيادة أو نقصانا أو تبديل هيئة، وهو لا يعلم ذلك، فرأى أن المستحق للإمامة رسول الله ﷺ (دونه) لكي يُعلم إن حدث في أمر الصلاة شيء اقتدى القوم به في ذلك، ويشبه أن يكون مع ذلك قد استدل أبو بكر بشَقِّه الصفوف حتى خلص إلى الصف الأول وقام وراءه، أنه لو أراد أن لا يتقدم في تلك الصلاة لثبت من ورائها حيث انتهى به المقام، إذ كان من سنته أن يقف الداخل حيث انتهى به المقام ولا يزاحم الجموع ولا يشق الصفوف.
стр. 563
كتاب الجنائز
[٢] (باب الأمر باتباع الجنائز)
٢٦٧/ ١٢٣٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن الأشعث قال: سمعت معاوية بن سويد بن مقرِّن، عن البراء قال: أمرنا النبي ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والديباج، والقسي، والإستبرق.
قلت: هذه الخصال السبع المذكورة في هذا الحديث إنما هي أمور جاءت في حقوق المسلمين ومراتبها في الوجوب مختلفة وفي حكم العموم والخصوص غير متفقة، فأما اتباع الجنائز فإنه من
стр. 564
الحقوق الواجبة على الكفاية إذا قام بتجهيز الميت والصلاة عليه قوم، سقط فرضه عن الباقين، وكان ما تفعلونه [يفعلونه] من وراء ذلك فضيلة، وعيادة المريض من الفضائل المرغب فيها الموعودِ عليها الأجرُ والثوابُ، إلا أن يكون المريض منقطعا به ليس له متعهد، فعيادته حينئذ واجبة وتعهده لازم.
وأما إجابة الداعي فإنه حق خاص في دعوة الإملاك دون غيرها من الدعوات، ومن شرائطها أن لا يكون في المدعاة منكر، فإن كان فيها لهو أو منكر وسِعه أن لا يشهدها حتى يُنحَّى ويماط.
ومنها نصر المظلوم: وهو واجب بشرائطه، ويدخل فيه المسلم والذمي، وربما كان نصره قولا، وربما كان فعلا، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقيل: يا رسول الله، هذا أنصره مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال: تأخذ على يد الظالم فذلك نصرك إياه.
وأما إبرار القسم: فإنه خاص في أمر دون أمر، وذلك فيما يحل من الأمور ويجوز منها، وفيما يمكن ويتيسر، ولا يخرج القسم
стр. 565
عليه، ألا ترى أن النبي ﷺ لما استعبره أبو بكر الرؤيا فقال له: أصبت بعضا وأخطأت بعضا، فقال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بالذي أصبت مما أخطأت، فقال: لا تقسم، ولم يخبره.
وأما رد السلام: فمن فروض الكفاية إذا كان جماعة، فرد بعضهم سقط الفرض عن الباقين، وإذا كان واحدٌ تعين عليه وجوب الرد.
وأما تشميت العاطس فإنما يجب إذا كان قد حمد الله، فإن لم يحمد لم يشمت، وقد روى لنا الأوزاعي أن رجلا عطس بحضرته فلم يحمد الله، فقال له: كيف تقول إذا عطست؟ فقال الرجل: الحمد الله، فقال له: فرحمكم الله، أي: إنما شمته حين استخرج منه الحمد.
وأما آنية الفضة: فالنهي عنها عام يستوي فيه الذكران والإناث، وذلك لأنها من باب السرف والمخيلة، وإفساد المال وإضاعته، وسائر المذكورات معه من خاتم الذهب وأنواع الحرير خاصة للرجال، دون النساء.
стр. 566
والقسِّي: ثياب تتخذ من الحرير، يقال: إنها منسوبة، ويقال: بل هو القزِّي، أي المتخذ من القز، أبدل الزاي فيه سينا، والإستبرق: الغليظ من الديباج.
стр. 567
[٤] (باب الرجل يَنَعى إلى أهل الميت بنفسه)
٢٦٨/ ١٢٤٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له.
قلت: هذا كان في غزوة مؤتة، أمَّر رسول الله صلى الله
стр. 568
عليه وسلم الجيش زيدا وقال: إن أصيب فالأمير جعفر، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة فأصيبوا كلهم، فنظر خالد وهو في ثغرم خوف، وبإزاء عدو عددهم جم وبأسهم شديد، فخاف ضياع الأمر، وهلاك من معه من المسلمين، فتصدى للإمارة عليهم، وأخذ الراية من غير تأمير، وقاتل إلى أن فتح الله على المسلمين، فرضي رسول الله ﷺ فعلَه، إذ وافق الحق وإن لم يكن من رسول الله تقدمُ إذن له في ذلك، ولا من القوم الذين معه بيعةٌ وتأميرٌ فصار هذا أصلا في الضرورات إذا وقعت في معاظم أمر الدين في أنها لا تُراعى فيها شرائطُ أحكامها عند عدم الضرورة، فكل أمر حدث مما سبيله أن يتولاه الأئمة، وولاة الأمور، فلم يشهدوه وخيف عليه الضياع والانتشار، فإن تداركه واجب والقيام به لازم على من شهده من جماعة المسلمين حسب ما يوجد إليه السبيل، وإن لم يكن تقدم لهم في ذلك إذن، وكذلك هذا في خواص الأمور الواجبة في حق الدين وفي حقوق الآحاد من أعيان الناس، وإن لم يتقدم من ولي الأمر في ذلك إذن أو توكيل، مثل أن يموت رجل بفلاة من الأرض، وقد خلف مالا وتركه، فإن على من شهده حفظَ ماله وإيصالَه إلى أهله وإن لم يوص المتوفى بذلك إليه، ولا يحل له أن يتركه بمضيعة، كما لا يحل له أن يُغفِل
стр. 569
تكفينه وتجهيزه من ماله، فإن أمور الدين موضوعة على التعاون والنصيحة واجبة للمسلمين من بعضهم لبعض.
وفي الحديث دليل على أن من تغلب من الخوارج وأهل البغي فنصب حاكما بين أهل بلد من البلدان، فإن أحكامه كلها نافذة إذا وافقت أحكام الدين، كما تنفذ أحكام أهل العدل، وأنه إذا عاد الأمر إلى أهل الحق فرفعت إلى حاكمهم، فإنه يمضيها ولا يتتبع حكمه فيها.
وكذلك لو كانوا أخذوا الصدقات من أرباب الأموال لم يعد عليهم، وكذلك لو كانوا عقدوا نكاحا على شرط أحكام الأنكحة لم يفسخ، ومضى الأمر في ذلك كله كما ينفذ حكم قاضي أهل العدل.
وفيه مستدل لمن ذهب إلى أن الإمام الذي ليس فوقه يد أن يحكم لنفسه بما يحكم به لغيره على قضية حكم الدين، وأن له أن يعقد النكاح لنفسه على وليته، وأن يقطع السارق فيما يسرق من ماله إذا بلغ المبلغ الذي يجب قطع اليد فيه، وقد قطع أبو بكر ﵁ يد السارق الذي سرق الحُلِيَّ من بيته، فكان ذلك حكما منه لنفسه.
стр. 570
فإن قيل: فقد روي أنه كان حليا لأسماء ابنته، قيل: إنه لا فرق على المعنى الذي أردناه بين ماله ومال ولده لانبساط يده في مالها كانباسطها في مال خاصته، ولا تجوز شهادته لولده، كما لا تجوز لنفسه، فكان قطعه إياه في سرقة مالها كقطعه في سرقة مال نفسه لا فرق بينهما في ذلك على هذا المعنى.
وفي الحديث من الفقه أيضا جواز دخول الحظر في الوكالات وتعليقها بالشرائط.
стр. 571
[٤] (باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه)
٢٦٩/ ١٢٤٥ - قال أبو عبد الله: حدثني إسماعيل قال: حدثني مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعا.
قلت: يَستدل بهذا من يرى الصلاة على الميت يموت في بلد آخر، كما يصلي على القبر بعد الدفن من لم يدرك الصلاة عليه قبل الدفن، ووجه ما فعله النبي ﷺ من ذلك أن النجاشي رجل مسلم كان بين ظهراني أهل الكفر، ولم يكن بحضرته من يقضي حقه في الصلاة عليه وإقامة السنة فيه، فتولى ﷺ ذلك منه بظهر الغيب لنأيه عن حضرته، فأما من مات بين ظهراني المسلمين فيصلي عليه جماعة منهم فقد وقعت الكفاية بذلك، فلم يكن لصلاة الغائب عليه وجهٌ، وإنما تُتبع السنن في مواضعها المسنونة، ولا تُزال عن جهتها.
وأخباره [وإخباره] ﷺ عن موت النجاشي في اليوم الذي مات فيه وبين أرض الحبشة والمدينة من المسافة ما بينهما، إحدى معجزاته ودلائل نبوته ﷺ ، وقد ورد الخبر بعد أيام مؤقتا باليوم الذي أخبرهم فيه بذلك.
стр. 572
[٦] (باب من مات له ولد فاحتسب، وقول الله : ﴿وبشر الصابرين﴾)
٢٧٠/ ١٢٥١ - قال أبو عبد الله: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال: سمعت الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم).
تحلة: مصدر حلَّلت اليمين تحليلا وتحلة، أي: أبرزتها [أبررتها]، وهو تأويل قوله : ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ والمعنى أنه لا يدخل النار ليعاقب بها ولكنه يجوز عليها، فلا يكون ذلك إلا بقدر ما يُبر الله قسمه، وقد قيل: إن القسم مضمر في الآية كأنه قال: والله وإن منكم إلا واردها كقوله: ﴿وإن منكم لمن ليبطئن﴾ قالوا: اللام فيه لام القسم، كأنه قال: وإن منكم والله ليبطئن، وقد قيل: إنه مردود إلى قوله: ﴿فوربك لنحشرنهم والشياطين﴾ الآية.
стр. 573
[٨] (باب غَسْل الميت ووضوئه بالماء والسدر)
٢٧١/ ١٢٥٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال: حدثني مالك، عن أيوب السَّخْتِياني، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال: (اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك من ماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافورا، فإذا فرغتن فآذنني) فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حَقْوَه، فقال: أشعرنها إياه.
يريد اجعلنه شعارها، والشعار: الثوب يلي بشرة الإنسان.
стр. 574
[١٩] (باب الكفن في ثوبين)
٢٧٢/ ١٢٦٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال: فأوقصته، قال النبي ﷺ : اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا.
قوله: وقصته، معناه أنها صرعته وكسرت عنقه.
والوقص: دق الرقبة.
وفيه من العلم أنه استبقى له شعار الإحرام من كشف الرأس واجتناب الطيب، ولم يزد في الكفن إلى ثوبيه ثالثا فيكون أسوة سائر الأموات، وإنما استبقى له سمة الإحرام تكرمة له، كما استبقى للشهداء شعار الطاعة التي تقربوا بها إلى الله في
стр. 575
جهاد أعدائه فلم يغسَّلوا ودفنوا بدمائهم.
وفيه أن حُرْم الرجل في الرأس دون الوجه، وفيه أنه يُجعل الكفن من رأس المال وإن استوفاه كله.
стр. 576
[٢٠] (باب الحنوط للميت)
٢٧٣/ ١٢٦٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا قتيبة قال: حدثنا حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وذكر هذا الحديث وقال فيه: فأقعصته، أو قال: فأقعصته [فأقصعته] بدل قوله: وقصته.
قلت: أقصعته ليس بشيء، والمحفوظ من هذا وقصته، فأما الإقعاص فهو إعجال الهلاك، أي لم يلبثه أن مات، ومنه قول النابغة:
стр. 577
لما رأى واشق إقعاص صاحبه .... ولا سبيل إلى عقل ولا قود
والقصع: خاص في كسر العطش، فقد يحتمل أن يكون استعير في كسر الرقبة، هذا إن صحت الرواية في قوله: أقصعته، وفيه بُعد، ومن هذا قصع البعير بجِرته، إنما هو هَشْمُه لها بأضراسه وطحنه إياها.
стр. 578
[٢٢] (باب الكفن في القميص الذي يُكَف أو لا يكف، ومن كفن بغير قميص)
٢٧٤/ ١٢٧٠ - قال أبو عبد الله: حدثنا مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو أنه سمع جابر بن عبد الله قال: أتى النبي ﷺ عبد الله بن أبي بعدما دفن، فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه.
قلت: قد يحتمل أن يكون المعنى في ذلك، والله أعلم، تألف ابنه وعشيرته، ولعل ذلك إنما كان قبل نزول الآية في النهي عن الصلاة على المنافقين والوقوف على قبورهم.
وكان أبو سعيد ابن الأعرابي يتأول ما كان من إلباس
стр. 579
النبي ﷺ إياه قميصه على معنى المجازاة له على قميص كان عبد الله بن أبي كساه العباس بن عبد المطلب، فأراد ﷺ أن يكافئه على ذلك لئلا يكون لمنافق عنده يد.
حدثنا بقصته قال: حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول: كان العباس بن عبد المطلب بالمدينة طلبت الأنصار له ثوبا يكسونه فلم يجدوا قميصا يصلح عليه إلا قميص عبد الله فكسوه إياه.
وفيه جواز تكفين الميت بالقميص، وفيه جواز إخراج الميت من قبره بعد الدفن لحاجة تعرض، ولأمر يحدث يوجب ذلك.
стр. 580
[٢٧] (باب إذا لم يجد كفنا إلا ما يواري رأسه أو قدميه غطى رأسه)
٢٧٥/ ١٢٧٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال: حدثنا أبي قال: حدثنا الأعمش قال: حدثنا شقيق قال: حدثنا خباب قال: هاجرنا مع النبي ﷺ نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، ومنا من أينعت له ثمرته (فهو) يهدبها، قتل يوم أحد، فلم نجد ما نكفنه به إلا بردا إذا غطينا به رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر.
قوله: أينعت معناه نضجت وأدركت، ومنه قوله تعالى:
стр. 581
﴿انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه﴾، ويقال أيضا: ينعت الثمرة ينعا وينوعا.
وقوله: فهو يهدبها، يقال: هدبت الثمرة أهدبها إذا اجتنيتها، وهدبت الناقة إذا حلبتها.
وفيه من الفقه أن الكفن من رأس المال، وأنه إذا استغرق جميع مال الميت كان مسلَّما له.
стр. 582
[٣٢] (باب قول النبي ﷺ "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه ")
٢٧٦/ ١٢٨٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبدان ومحمد قالا: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان قال: حدثنا أسامة بن زيد قال: أرسلت ابنة النبي ﷺ إن ابنا لي قبض فأتنا، قال: فقام ومعه رجال، فرفع إلى رسول الله ﷺ الصبي ونفسه تقعقع، قال: حسبت أنه قال: كأنه شن، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ قال: (هذه رحمة جعلها الله في قلوب العباد، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء).
стр. 583
[٣٢] (الباب نفسه)
٢٧٧/ ١٢٨٥ - قال أبو عبد الله: وحدثني عبد الله بن محمد قال: أخبرنا أبو عامر، حدثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن أنس بن مالك قال: شهدنا بنتا لرسول الله ﷺ ، قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان، قال: فقال: هل منكم رجل لم يقارف الليلة؟ قال أبو طلحة: أنا، قال: فانزل، قال: فنزل في قبرها.
الشن: السقاء البالي.
وقعقعته: صوت يسمع له عند التحريك.
وقوله: لم يقارف الليلة، قال فليح بن سليمان: يعني لم يذنب.
стр. 584
وقال بعضهم: لم يقرب أهله من الليل.
وفيه من الفقه: أن للرجل أن يتولى دخول قبر الطفلة ويصلح من شأن دفنها، ويشبه أن يكون الميت ابنة لبعض بنات رسول الله ﷺ فنسبت إليه.
وبكاء النبي ﷺ واستعباره بالدموع يدل على أن النهي عن البكاء إنما وقع عن رفع الصوت به والصياح على الميت والتأبين بالقول المنكر.
стр. 585
[٣٣] (باب ما يكره من النياحة على الميت)
٢٧٨/ ١٢٩٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبدان قال: أخبرني أبي، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: (الميت يعذب في قبره بما نيح عليه).
تابعه عبد الأعلى قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد قال: حدثنا قتادة، وقال آدم عن شعبة: (الميت يعذب ببكاء الحي عليه).
стр. 586
[٣٣] (باب ما يكره من النياحة على الميت)
٢٧٩/ ١٢٩١ - قال أبو عبد الله: وحدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة، عن المغيرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)، سمعت النبي ﷺ يقول: (من يُنَحْ عليه يعذب بما نيح عليه).
قلت: كانت عائشة ﵂ تستنكر هذه الرواية وتقول: حسبكم القرآن؛ ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، وكانت تقول: إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكي عليها أهلُها فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتُعذب في قبرها.
стр. 587
وذكره أبو عبد الله عنها بإسناده.
قلت: والرواية (إذا ثبتت) لم يمكن إلى دفعها سبيل بالظن، وقد رواه ثلاثة أنفس عن النبي ﷺ عمر وابن عمر والمغيرة، وليس فيما حكت عائشة من مرور رسول الله ﷺ على يهودية يبكي عليها أهلها ما يدفع رواية عمر والمغيرة لجواز أن يكون الخبران صحيحين معا، وكل واحد منهما غير الآخر، فأما احتجاج عائشة بقول الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فقد حكوا عنهم أنهم كانوا يوصون أهليهم بالبكاء والنوح عليهم، وقد كان ذلك مشهورا من مذاهبهم، وهو موجود في أشعارهم، وقد ذكرنا طرفا من ذلك في كتاب المعالم، فالميت إنما تلزمه العقوبة بما تقدم من أمره في ذلك ووصيته إليهم به. وقد قال ﷺ : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرُها ووزر من عمل بها.
стр. 588
[٣٦] (باب رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة)
٢٨٠/ ١٢٩٠ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: الشطر؟ فقال: لا، قلت: الثلث؟ قال: الثلث، والثلث كبير -أو كثير- إنك أن تذر ذريتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك، قلت: يا رسول الله؛ أخلف بعد أصحابي؟ قال: فإنك لن تخلف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به درجة ورفعة، ثم لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة.
стр. 589
قوله: عالة، يريد فقراء جمع عائل، وهو الفقير.
وقوله: يتكففون، أي يتعرضون للمسألة بأكفهم.
وفي الحديث من الفقه: أنه لم يأمره بالوصية بماله للأقربين، وقد كان أخبره أنه لا يرثه غير ابنة واحدة، ورد ماله إلى العصبة، ولو كانت آية الوصية للأقربين ثابتة غير منسوخة لأمره بذلك، ولكانت تؤخذ من التركة إن لم يوص بها، ولجرت مجرى الاستحقاق من الديون نحوها، وكان ابن عباس يذهب إلى أن الوصية للأقربين المأمور بها في الآية ثابتة، والوصية للوالدين منسوخة بآية المواريث؛ لقوله: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾، وهو قول الحسن وطاوس وقتادة، وإليه ذهب إسحاق بن راهويه، قالوا: نُسخ الوالدان بالفرض لهما في سورة النساء، وبقي الأقربون ممن لا يرث، فأما عامة أهل العلم فإنهم يرون الآية منسوخة في جميع من اشتمل عليه الذكر.
стр. 590
وقوله: يرثى لسعد بن خولة، أن مات بمكة، فإنما كره له ذلك لأن مكة دار هجروها لله ، فأحبوا أن تكون حياتهم ووفاتهم بغيرها من بقاع الأرض لئلا يكون ذلك منهم عودا فيما تركوه لله ، وقد ينظر كثير من الناس في مثل هذا الموضع تُربتَه، كما ينظر في حياته لموضع إقامته، وقد جرت سنة الدين بحفظ شعار القرب على الأموات، كما جاء في الشهداء أنهم لا يُغسَّلون، ويدفنون بثيابهم ودمائهم، وكالمحرم إذا مات لا يخمر رأسه ولا يقرب طيبا، وقد روي عن النبي ﷺ أنه دعا فقال: (اللهم لا تجعل منايانا بمكة)، فلأجل ذلك رثى لسعد بن خولة أن مات بمكة. وفيه دليل على كراهة نقل الموتى من بلد إلى بلد، ولو كان ذلك جائزا لأمر بنقله إلى دار مهاجره، إذ قد رثى له حين أدركته المنية بمكة، فدل تركه ذلك على كراهته له.
стр. 591
[٣٧] (باب ما ينهى عن الحلق عند المصيبة)
٢٨١/ ١٢٩٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا يحيى بن حمزة، عن عبد الرحمن بن جابر أن القاسم بن مخيمرة حدثه قال: حدثني أبو بردة بن أبي موسى قال: وجع أبو موسى وجعا فغُشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئا، فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﵇ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة.
الصالقة: الصارخة التي ترفع صوتها بالبكاء والنوح، وقد صلقت المرأة وسلقت إذا فعلت ذلك، والحالقة: التي تحلق رأسها في المصيبة، والشاقة: التي تشق ثوبها.
стр. 592
[٤٠] (باب من جلس عند المصيبة يُعرَف فيه الحزنُ)
٢٨٢/ ١٢٩٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى قال: أخبرتني عمرة قالت: سمعت عائشة قالت: لما جاء رسولَ الله ﷺ قتلُ ابن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس يعرف فيه الحزن، وأنا أنظر من صائر شق الباب، فأتاه رجل فقال: نساء جعفر -وذكر بكاءهن- فأمره أن ينهاهن فلم يطعنه، إلى أن كان ذلك ثلاثا، فزعمت أنه قال: فاحث في أفواههن التراب.
صائر الباب: شق الباب، كما جاء في الحديث سواء، ومثله صِير الباب.
стр. 593
[٤٢] (باب الصبر عند الصدمة الأولى)
٢٨٣/ ١٣٠٢ - قال أبو عبد الله: حدثني محمد بن بشار قال: حدثنا غندر قال: حدثنا شعبة، عن ثابت قال: سمعت أنسا، عن النبي ﷺ قال: (الصبر عند الصدمة الأولى).
يريد أن الصبر المحمود المأجور عليه صاحبُه هو ما كان عند مفاجأة المصيبة وهي الصدمة الأولى دون ما بعدها، فإنه إذا طالت الأيام عليها وقع السلو، وصار الصبر حينئذ طبعا فلم يكن للأجر موضع.
وقد قال بعض الحكماء: إن الإنسان لا يؤجر على شيء من المصائب (التي) تناله في نفسه من مرض وموت حميم ورُزء مال، لأجل ذوات هذه الأمور، فإن جميع ذلك طبع وجبلة ولا صنع للإنسان فيه، وقد يصيب الكافر مثلُ ما يصيب المسلم، إنما يؤجر الإنسان على نيته واحتسابه الأجر فيها، وتلقي الأمر في ذلك بالرضا وجميل الصبر.
стр. 594
[٤٤] (باء البكاء عند المريض)
٢٨٤/ ١٣٠٤ - قال أبو عبد الله: حدثني أصبغ، عن ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، عن سعد بن الحارث الأنصاري، عن عبد الله بن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه ووجده في غاشية فقال: قد قضى؟ فقالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاءه بكوا وذكر الحديث.
قوله: في غاشية، يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد بها القوم الذين كانوا حضروا عنده
стр. 595
الذين هم غاشيته.
والوجه الآخر: أن يكون معنى ذلك ما يتغشاه من كرب الوجع الذي به، فخاف أن يكون قد هلك، ولذلك سأل فقال: قد قضى قد قضى؟ يقال: قضى الرجل: إذا مات.
стр. 596
[٦٧] (باب الميت يسمع خفق النعال)
٢٨٥/ ١٣٣٨ - قال أبو عبد الله: حدثني عياش، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد وقال لي خليفة، حدثنا ابن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: (العبد إذا وضع في قبره، وتُوُلي وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدا من الجنة). قال النبي ﷺ : (فيراهما جميعا).
وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد
стр. 597
ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين.
قوله: (لا تليت) هكذا يرويه المحدثون على وزن فعَلْت، وهو غلط، والصواب: ولا ائتليت، على وزن افتعلت، من قولك: ما ألوت هذا ولا استطعته، ويقال: لا آلو كذا، أي لا أستطيعه، كأنه قال: لا دريت ولا استطعت.
وفي قوله: إنه ليسمع قرع نعالهم، دليل على جواز دخول المقابر بالنعال وغيرها من أنواع الحذاء.
стр. 598
[٦٦] (باب الصلاة على القبر بعد ما يدفن)
٢٨٦/ ١٣٣٧ - قال أبو عبد الله: حدثني محمد بن الفضل قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن أسود -رجلا أو امرأة- كان يكون في المسجد، يَقُمُّ المسجد، فمات ولم يعلم النبي ﷺ بموته، فذكره ذات يوم فقال: ما فعل ذلك الإنسان؟ قالوا: مات يا رسول الله. قال: أفلا آذنتموني؟ فقالوا: إنه كان كذا وكذا، فحقروا شأنه. قال: فدلوني على قبره، فأتى قبره فصلى عليه.
قوله: يقم المسجد، معناه: يكنسه وينظفه، والقُمامة: الكُناسة.
وفيه دليل على جواز الصلاة على القبر؛ لأنه ﵇ صلى على القبر بعد أيام، وكان صلى الناس عليه قبل الدفن.
стр. 599
[٦٨] (باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها)
٢٨٧/ ١٣٣٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا محمود قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس (عن أبيه) عن أبي هريرة قال: (أرسل ملك الموت إلى موسى، فلما جاءه صكه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله إليه عينه وقال: ارجع فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطت يده، بكل شعرة سنة، فقال: أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله ﷺ : (فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر).
هذا حديث يطعن فيه الملحدون وأهل الزيغ والبدع ويغمزون به في رواته ونقلته ويقولون: كيف يجوز أن يفعل نبي الله
стр. 600
موسى هذا الصنيع بملك من ملائكة الله جاءه بأمر من أمره فيستعصي عليه ولا يأتمر له؟ وكيف تصل يده إلى الملك ويَخلُص إليه صكُّه ولطمُه؟ وكيف ينهنهه الملك المأمور بقبض روحه فلا يُمضي أمر الله فيه؟
هذه أمور خارجة عن المعقول، سالكة طريق الاستحالة من كل وجه.
والجواب: أن من اعتبر هذه الأمور بما جرى به عرفُ البشر واستمرت عليه عادات طباعهم، فإنه يسرع إلى استنكارها والارتياب بها لخروجها عن رسولم طباع البشر وعن سنن عاداتهم، إلا أنه (أمر) مصدره عن قدرة الله الذي لا يعجزه شيء ولا يتعذر عليه أمر، وإنما هو مجاوبة بين ملك كريم ونبي كليم، وكل واحد منهما مخصوص لصفة خرج بها عن حكم عوام البشر ومجاري عاداتهم في المعنى الذي خص من أثره الله واختصاصه إياه، فالمطالبة بالتسوية (بيننا) وبينهم فيما تنازعناه من هذا الشأن حتى يكون ذلك على أحكام طباع الآدميين، وقياس أحوالهم غير واجبة في حق النظر، ولله لطائف وخصائص يخص بها من يشاء من أنبيائه وأوليائه ويفردهم بحكمها دون سائر خلقه، وقد أعطى موسى النبوة واصطفاه بمناجاته وكلامه، وأمده حين أرسله إلى
следующие страницы →