Полный текст (2 260 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
[٦٧] (باب الميت يسمع خفق النعال)
٢٨٥/ ١٣٣٨ - قال أبو عبد الله: حدثني عياش، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد وقال لي خليفة، حدثنا ابن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: (العبد إذا وضع في قبره، وتُوُلي وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدا من الجنة). قال النبي ﷺ : (فيراهما جميعا).
وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد
стр. 597
ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين.
قوله: (لا تليت) هكذا يرويه المحدثون على وزن فعَلْت، وهو غلط، والصواب: ولا ائتليت، على وزن افتعلت، من قولك: ما ألوت هذا ولا استطعته، ويقال: لا آلو كذا، أي لا أستطيعه، كأنه قال: لا دريت ولا استطعت.
وفي قوله: إنه ليسمع قرع نعالهم، دليل على جواز دخول المقابر بالنعال وغيرها من أنواع الحذاء.
стр. 598
[٦٦] (باب الصلاة على القبر بعد ما يدفن)
٢٨٦/ ١٣٣٧ - قال أبو عبد الله: حدثني محمد بن الفضل قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن أسود -رجلا أو امرأة- كان يكون في المسجد، يَقُمُّ المسجد، فمات ولم يعلم النبي ﷺ بموته، فذكره ذات يوم فقال: ما فعل ذلك الإنسان؟ قالوا: مات يا رسول الله. قال: أفلا آذنتموني؟ فقالوا: إنه كان كذا وكذا، فحقروا شأنه. قال: فدلوني على قبره، فأتى قبره فصلى عليه.
قوله: يقم المسجد، معناه: يكنسه وينظفه، والقُمامة: الكُناسة.
وفيه دليل على جواز الصلاة على القبر؛ لأنه ﵇ صلى على القبر بعد أيام، وكان صلى الناس عليه قبل الدفن.
стр. 599
[٦٨] (باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها)
٢٨٧/ ١٣٣٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا محمود قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس (عن أبيه) عن أبي هريرة قال: (أرسل ملك الموت إلى موسى، فلما جاءه صكه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله إليه عينه وقال: ارجع فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطت يده، بكل شعرة سنة، فقال: أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله ﷺ : (فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر).
هذا حديث يطعن فيه الملحدون وأهل الزيغ والبدع ويغمزون به في رواته ونقلته ويقولون: كيف يجوز أن يفعل نبي الله
стр. 600
موسى هذا الصنيع بملك من ملائكة الله جاءه بأمر من أمره فيستعصي عليه ولا يأتمر له؟ وكيف تصل يده إلى الملك ويَخلُص إليه صكُّه ولطمُه؟ وكيف ينهنهه الملك المأمور بقبض روحه فلا يُمضي أمر الله فيه؟
هذه أمور خارجة عن المعقول، سالكة طريق الاستحالة من كل وجه.
والجواب: أن من اعتبر هذه الأمور بما جرى به عرفُ البشر واستمرت عليه عادات طباعهم، فإنه يسرع إلى استنكارها والارتياب بها لخروجها عن رسولم طباع البشر وعن سنن عاداتهم، إلا أنه (أمر) مصدره عن قدرة الله الذي لا يعجزه شيء ولا يتعذر عليه أمر، وإنما هو مجاوبة بين ملك كريم ونبي كليم، وكل واحد منهما مخصوص لصفة خرج بها عن حكم عوام البشر ومجاري عاداتهم في المعنى الذي خص من أثره الله واختصاصه إياه، فالمطالبة بالتسوية (بيننا) وبينهم فيما تنازعناه من هذا الشأن حتى يكون ذلك على أحكام طباع الآدميين، وقياس أحوالهم غير واجبة في حق النظر، ولله لطائف وخصائص يخص بها من يشاء من أنبيائه وأوليائه ويفردهم بحكمها دون سائر خلقه، وقد أعطى موسى النبوة واصطفاه بمناجاته وكلامه، وأمده حين أرسله إلى
стр. 601
فرعون بالمعجزات الباهرة كالعصا، واليد البيضاء، وسخر له البحر فصار طريقا يبسا، جاز عليه قومُه وأولياؤه وغرق فيه خصمه وأعداؤه، وهذه أمور أكرمه الله بها وأفرده بالاختصاص فيها أيام حياته ومدة بقائه في دار الدنيا، ثم إنه لما دنا حين وفاته -وهو بشر يكره الموت طبعا ويجد ألمه حسا- لطف له بأن (لم) يفاجئه به بغتة، ولم يأمر الملك الموكل به أن يأخذه قهرا وقسرا، لكن أرسله إليه منذرا بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشر، فلما رآه موسى استنكر شأنه واستوعر مكانه، فاحتجز منه دفعا عن نفسه بما كان من صكه إياه، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاء فيها دون الصورة الملكية التي هي مجبول الخلقة عليها، ومثل هذه الأمور مما يعلل به طباع البشر وتطيب به نفوسهم في المكروه الذي هو واقع بهم، فإنه لا شيء أشفى للنفس من الانتقام ممن يكيدها فيريدها بسوء، وقد كان من طبع موسى ﵇ فيما دل عليه آي من القرآن حما [؟] وحدة، وقد قص علينا الكتاب ما كان من وكزه القبطي الذي قضى عليه، وما كان عند غضبه من إلقائه الألواح، وأخذه برأس
стр. 602
أخيه يجره إليه، وروي أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا، وقد جرت سنة الدين بحفظ النفس، ودفع الضرر والضيم عنها، ومن شريعة نبينا ﷺ ما سنه فيمن اطلع على محرم قوم من عقوبته في عينه فقال: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه، ولما نظر نبي الله موسى ﵇ إلى صورة بشرية هجمت عليه من غير إذن، يريد نفسه ويقصد هلاكه وهو لا يثبته معرفة ولا يستيقن أنه ملك الموت ورسولُ رب العالمين فيما يراوده منه، عمَد إلى دفعه عن نفسه بيده وبطشه، فكان ذلك ذهاب عينه، وقد امتُحن غيرُ واحد من الأنبياء صلوات الله عليهم بدخول الملائكة عليهم في صورة البشر كدخول الملكين على داود في صورة الخصمين؛ لِمَا أراد الله من تعريفه إياه بذنبه وتنبيهه على من لم يرضه من فعله، وكدخولهم على إبراهيم ﵇ حين أرادوا إهلاك قوم لوط، فقال: ﴿قوم
стр. 603
منكرون﴾، وقال: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة﴾، وكان نبينا ﷺ أول ما بدئ بالوحي يأتيه الملك فيلتبس عليه أمره، ولما جاءه جبريل ﵇ في صورة رجل فسأله عن الإيمان لم يثبته، فلما انصرف عنه تبين أمرُه فقال: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم)، فكذلك كان أمر موسى ﵇ فيما جرى من مناوشته ملك الموت، وهو يراه بشرا، فلما عاد الملك إلى ربه مستثبتا أمره فيما جرى عليه رد الله عليه عينه، و (أعاده) رسولا إليه بالقول المذكور في الخبر الذي رويناه ليعلم نبي الله ﷺ إذا رأى صحة عينه المفقوءة وعودة بصره الذاهب أنه رسول الله بعثه لقبض روحه، فاستسلم حينئذ لأمره وطاب نفسا بقضائه، وكل ذلك رفق من الله به، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بد من لقائه والانقياد لمورد قضائه.
стр. 604
وأخبرنا ابن الأعرابي قال: حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن عثمان العجلي، حدثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما أفرضت [كذا] عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ولئن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه،
стр. 605
وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت.
قلت: وفي غير هذه الرواية ولا بد له من لقائي.
ومعاني هذه الأمور فيما لطف الله به لخاص أوليائه معلومة ومواضعها من الحكمة والاستصلاح غير مجهولة، فأما بيان القول والتأويل فيما يُستشنع من ألفاظ هذا الحديث فسيقع في موضعه من هذا الكتاب.
وما أشبه (معنى) قوله: (ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت) بترديده رسوله ملك الموت إلى نبيه
стр. 606
موسى ﵇ فيما كرهه من نزول الموت به لطفا منه بصفيِّه وعطفا عليه. والتردد على الله تعالى غيرُ جائز، وإنما هو مثل يُقرِّب به معنى ما أراده إلى فهم السامع، والمراد به ترديد الأسباب والوسائط من رسول أو شيء غيره كما شاء سبحانه، تنزه عن صفات المخلوقين وتعالى عن نعوت المربوبين الذين يعتريهم في أمورهم الندم والبداء، وتختلف بهم العزائم والآراء ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.
стр. 607
[٧٢] (باب الصلاة على الشهيد)
٢٨٨/ ١٣٤٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ خرج يوما فصلى على (أهل) أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: (إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن).
قوله: أنا فرط لكم. قال الأصمعي: الفرط والفارط المتقدم في طلب الماء، قال: أنا أتقدمكم إليه. يقال: فرَطتُ القوم، وأنا أفرُطُهم، وذلك إذا تقدمهم ليوردهم الماء.
وفيه من العلم أنه قد صلى على أهل أحد بعد مدة، فدل أن الشهيد يصلى عليه، كما يصلى على من مات حتف أنفه، وإليه ذهب أبو حنيفة، وتأولوا الخبر في تركه الصلاة عليهم يوم أحد على معنى اشتغاله عنهم وقلة فراغه لذلك من أمرهم، وكان يوما صعبا على المسلمين، فعذروا بترك الصلاة على قتلاهم.
стр. 608
[٦٢] (باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها)
٢٨٩/ ١٣٣١ - قال أبو عبد الله: حدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حسين، حدثنا ابن بريدة، عن سمرة قال: صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها.
قال بعض أهل العلم: نُرى، والله أعلم أنه إنما قام وسطا منها ليكون حائلا بين القوم وبين موضع العورة منها.
стр. 609
[٧٩] (باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه ؟)
٢٩٠/ ١٣٥٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله، عن يونس عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن ابن عمر أخبره أن عمر انطلق مع النبي ﷺ في رهط قبل ابن صياد (حتى) وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة -وقد قارب الحلم- فلم يشعر حتى ضرب النبي ﷺ بيده، ثم قال لابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ فنظر إليه ابن صياد وقال: أشهد أنك رسول الأميين. وقال ابن صياد للنبي ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ فرفصه وقال: آمنت بالله وبرسله، فقال: ماذا ترى؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقال النبي صلى الله
стр. 610
عليه وسلم: خلط عليك الأمر، ثم قال النبي ﷺ : إني قد خبأت لك خبيئا. فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال: اخسأ فلن تعدو قدرك. فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النبي ﷺ : إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله.
٢٩١/ ١٣٥٥ - وقال سالم: (سمعت ابن عمر يقول) انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه النبي ﷺ وهو مضطجع أراه في قطيفة له فيها زَمرة أو رمزة، فرأت أمه رسول الله ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل (فقالت) لابن صياد: يا صاف -وهو اسم ابن صياد-، هذا محمد، فثار ابن صياد، فقال النبي ﷺ : لو تركته لبين.
قال أبو عبد الله: وقال شعيب في حديثه: رمرمة أو زمزمة.
الأُطُم: بناء من الحجارة مرفوع كالقصر، وآطام المدينة: حصونها.
стр. 611
وقوله: فرفصه، إنما هو فرصَّه، هكذا حدثونا به من غير وجه، يريد أنه قد ضغطه حتى ضم بعضه إلى بعض، ومن [من] رص البناء، كقوله : ﴿كأنهم بنيان مرصوص﴾.
والدخ: الدخان، قال الراجز:
وسال غربُ عينه قلَخَّا .... عند رواق البيت يغشى الدخَّا
وقد زعم بعضهم أنه أراد أن يقول: الدخان، فزجره النبي ﷺ فلم يستطع أن يخرج الكلمة تامة.
وقوله: يختل، معناه يطلب أن يأتيه من حيث لا يعلم، فيسمع ما يقوله في خلوته، ومنه ختل الصيد، وهو أن يؤتى من حيث لا يشعر فيصاد، وقد استدل به بعض أهل العلم في أن شهادة المختبئ شهادة (جائزة) وأن السمع شهادة.
والرمرمة: تحريك الشتفين، والمرمة: الشفة.
стр. 612
وأما الزمزمة -بالزاي- فهو من داخل الفم إلى ناحية الحلق، والرمز أيضا رمز الشفتين.
فأما الزمر فمن داخل الفم أيضا كالصفير ونحوه.
وقوله: (لو تركته لبين) أي بين ما في نفسه.
وقوله: (اخسأ فلن تعدو قدرك) يحتمل وجهين:
أحدهما: يريد أنه لا يبلغ قدره أن يطالع الغيب من قبل الوحي الذي يوحى به إلى الأنبياء، ولا من قبل الإلهام الذي يلقى في رُوع الأولياء، وإنما كان الذي جرى على لسانه من ذلك شيئا ألقاه الشيطان إليه حين سمع النبي ﷺ يراجع به أصحابه قبل دخوله النخل.
والوجه الآخر: أنه أراد بقوله: لن تعدو قدرك، أي لن تسبق قدر الله فيك وفي أمرك.
وقد استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على أن إسلام غير البالغ قد يصح، ولولا ذلك لم يكشفه رسول الله ﷺ عن الإيمان، وهو إذ ذاك غيرُ بالغ.
стр. 613
وقد يُسأل عن أمره فيقال: كيف يجوز أن يقاره رسول الله ﷺ وهو يدعي النبوة، ويتركه بالمدينة يساكنه فيها ويجاوره بها، ولم لم يترك عمر أن يفعل ما هم به من ضرب عنقه وهو منكر لنبوته ومدعيها لنفسه؟
والجواب: أنه قد يحتمل ذلك وجهين من التأويل:
أحدهما: أنه حين تكلم بهذا القول كان غير بالغ، ولا حكم لقول غير البالغ، ولو ارتد من أولاد المسلمين طفل لم يقتل حتى يبلغ فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل بعد بلوغه.
والوجه الآخر: أن هذه الصفة إنما جرت له معه أيام مهادنة رسول الله ﷺ اليهود وحلفاءهم، وذلك أنه كتب بعد مقدمه المدينة بينه وبين اليهود كتابا صالحهم فيه على أن لا يُهاجَوا وأن يتركوا على أمرهم، وكان ابن الصياد من جملتهم، فلم يعرض له رسول الله ﷺ بسوء فيما كان من قوله ذلك.
وقد اختلف الناس في أمره اختلافا شديدا، هل هو الدجال
стр. 614
أم لا؟ واضطربت فيه الروايات والآراء من العلماء، وقد جمعتُها في مسألة مفردة وذكرت فيها تلك الأخبار بأسانيدها، وقد رُوي عن أبي ذر أنه قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى أمه فسألتها فقالت: حملته اثني عشر شهرا، فلما وقع صاح صياح الصبي ابن شهرين، وكان يشب في اليوم الواحد شباب الصبي بشهر، وكان أبو ذر وابن عمر وجابر بن عبد الله يقولون: هو الدجال، وقال آخرون: ليس هو به، وروي أنه قد تاب عن ذلك القول وراجع الإسلام بعد بلوغه، وأنه مات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس فقيل لهم: اشهدوا.
وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: شتمت ابن صياد فقال لي: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل
стр. 615
الدجال مكة، وقد حججت معك. وقال: لا يولد له وقد ولد لي. واستدل بعضهم على أنه ليس بالدجال بأن تميما الداري حدث رسول الله ﷺ بقصة الدجال والجساسة بالمدينة، وابن الصياد إذ ذاك مقيم بين ظهرانيهم.
стр. 616
[٧٩] (باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام ؟)
٢٩٢/ ١٣٥٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري وقال [قال]: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعا؟ ثم يقول: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾).
أصل الفطرة في اللغة: ابتداء الخلقة، ومنه قول الله : ﴿الحمد لله فاطر السموات والأرض﴾ أي مبتدئهما.
ومن ذلك قولهم: فطر ناب البعير إذا طلع أول ما ينبت.
стр. 617
ويروى عن ابن عباس أنه قال: لم أعلم ما فاطر السموات حتى اختصم إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، (أي) استحدثت حفرها، هذا أصل الفطرة في اللغة، وقد ذهب قوم في معنى الفطرة المذكورة في الحديث إلى أن المراد به الدين، واستدلوا على ذلك ببيان ما استشهد له من الآية حين تلاها عقيب الحديث وهو قوله: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ مع ما تقدمه من قوله: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ قالوا: فقد اعتورها البيان من أول الآية وآخرها، فدل أن المراد بها الدين، واستشهدوا على ذلك أيضا بقوله: كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء.
والجمعاء هي السليمة التي لا عيب فيها ولا نقص، سميت بذلك لاجتماع السلامة لها في أعضائها، لا جدع بها ولا خرم، حتى يحدثهما فيها أربابها، ضرب البهيمة السليمة الخلقة أول ما تنتج مثلا للمولود في سلامة فطرته من الشرك والإلحاد أول ما يولد
стр. 618
حتى يكون ما يكون من ذلك بعد.
قلت: وهذا هو حق الظاهر من لفظ الحديث ومعناه، لولا أن أحاديث أخر عارضته، منها حديث أبي بن كعب، وهو حديث صحيح الإسناد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قوله: ﴿وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين﴾ وكان طُبع يوم طبع كافرا.
وحديث عائشة حين أتى رسول الله ﷺ بصبي من صبيان الأنصار يصلي عليه فقالت: طوبى لهذا، لم يعمل سوءا ولم يدر به، فقال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم.
وحديثها الآخر: قالت يا رسول الله، ذراري المؤمنين. فقال: من آبائهم. قلت: يا رسول الله، بلا عمل، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين. قلت: يا رسول الله، فذراري المشركين.
стр. 619
قال: من آبائهم. قلت: بلا عمل، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين.
فاحتيج من أجل ذلك في حديث أبي هريرة إلى التأويل والتخريج لتتفق الأحاديث كلها ولا تتضاد وتختلف، فكان المعنى الذي تضمنه الخبر: أن كل مولود من البشر إنما يولد في أول مبدأ الخلق وأصل الجبلة على الفطرة السليمة والطبع المتهيئ لقَبول الدين، فلو ترك عليها وخلي وسَوْمَها لاستمر على لزومها ولم ينتقل عنها إلى غيرها، وذلك أن هذا الدين باد حسنه في العقول، ويسره في النفوس، وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره ويؤثره عليه لآفة من آفات النشؤ [النشوء] والتقليد، ولو سلم المولود من تلك الآفات لم يعتقد غيره ولم يختر عليه ما سواه، ثم تمثل بأولاد اليهود والنصارى في اتباعهم لآبائهم والميل إلى أديانهم، فيزولون بذلك عن الفطرة السليمة وعن المحجة المستقيمة.
وحاصل المعنى من هذا الحديث: إنما هو الثناء على هذا الدين، والإخبار عن محله من العقول وحسن موقعه من النفوس،
стр. 620
وليس من إيجاب حكم الإيمان للمولود بسبيل، والله أعلم.
وفيه على هذا التأويل وقوع الجمع بين الأخبار وزوال الاختلاف عنها وهو واضح بين والحمد لله.
وقد ذكرت في تأويل هذا الحديث خمسة أوجه أخر في مسألة أفردتها، أشبعت الكلام فيها وذكرت أطرافا منها في كتاب معالم السنن، والقدر الذي أتينا به في هذا الكتاب وجيز كاف إن شاء الله.
стр. 621
[٩٢] (باب ما قيل في أولاد المشركين)
٢٩٣/ ١٣٨٣ - قال أبو عبد الله: حدثني حبان قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين فقال: (الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين).
قلت: في هذا إثبات علم الله بما كان وبما يكون، وبما لم يكن، وبأن لو كان كيف ما كان يكون، والمعنى أنهم لو بقوا أحياء حتى يكبروا لكانوا يعملون عمل أهل الكفر، فألحقوا في الكفر بآبائهم حكما بسابق علمه في الغيب، يدل على صحة هذا التأويل حديث عائشة قلت يا رسول الله، ذراري المشركين. قال: من آبائهم، قلت: بلا عمل. قال: الله أعلم بما كانوا عاملين.
стр. 622
[٨٢] (باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله)
٢٩٤/ ١٣٦٢ - قال أبو عبد الله: حدثني عثمان قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن (سعد) بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكَّس فجعل ينكث بمخصرته ثم قال: (ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا وكتب مكانها من الجنة والنار، وإلا كتبت سعيدة أو شقية)، فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل الشقاوة ﴿فأما من أعطى واتقى﴾ الآية.
стр. 623
قلت: معنى قولهم: (أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل) مطالبة منهم بموجب أمر تحته تعطيل العبودية، وذلك أن إخباره ﷺ إياهم عن سبق الكتاب بسعادة السعيد وشقاوة الشقي إخبار عن غيب علم الله فيهم وهو حجته عليهم، فرام القوم أن يتخذوه حجة لأنفسهم في ترك العمل ويتكلوا على الكتاب السابق، فأعلمهم النبي ﷺ أن هاهنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر: باطن، هو العلة الموجبة في حكم الربوبية، وظاهر، هو السمة اللازمة في حق العبودية، وإنما هو أمارة مخيلة في مطالعة علم العواقب غير مفيدة حقيقة العلم به، ويشبه أن يكونوا -والله أعلم- إنما عوملوا بهذه المعاملة، وتعبدوا بهذا النوع من التعبد، ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم، ورجاؤهم بالظاهر البادي لهم، والخوف والرجاء مدرجتا العبودية، فيستكملوا بذلك صفة الإيمان، وبين لهم أن كلا ميسر لما خلق له، وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل، ولذلك يمثل بقوله : ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى﴾.
وهذه الأمور إنما هي في حكم الظاهر من أحوال العباد، ومن وراء ذلك علم الله فيهم وهو الحكيم الخبير ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾.
стр. 624
فإذا طلبت لهذا الشأن نظيرا من العلم يجمع لك هذين المعنيين، فاطلبه في باب أمر الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، وأمر الأجل المضروب في العمر مع التعالج بالطب، فإنك تجد المغيب منهما علة موجبة، والظاهر البادي سببا مخيلا، وقد اصطلح الناس خواصهم وعوامهم على أن الظاهر منهما لا يترك للباطن، والكلام في هذا يطول، والذي ذكرناه منه يكفي الفهم الموفق.
стр. 625
[٨٥] (باب ثناء الناس على الميت)
٢٩٥/ ١٣٦٧ - قال أبو عبد الله: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي ﷺ : وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب: ما وجبت؟ قال: (هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض).
قلت: وهذا أيضا قد يتصل بما تقدم ذكره في الحديث الأول، وهو من ناحية ظاهر العلم الذي هو أمارة مخيلة، جعل الله تعالى اجتماع قول الناس في ذلك شهادة من الظاهر على الباطن، وأجرى بين الخلق التعارف به والمعاملة عليه.
стр. 626
[٩١] (باب ما قيل في أولاد المسلمين)
٢٩٦/ ١٣٨٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت أنه سمع البراء قال: لما توفي إبراهيم قال رسول الله ﷺ : (إن له مرضعا في الجنة).
هذا يُروى على وجهين:
أحدهما: مرضعا -بفتح الميم- أي رضاعا.
والوجه الآخر: مرضعا -مضمومة الميم- أي من يتم رضاعه في الجنة.
يقال: امرأة مرضع بلا هاء، وأرضعت المرأة فهي مرضعة، إذا بنيت الاسم من الفعل.
стр. 627
[٩٦] (باب ما جاء في قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄
٢٩٧/ ١٣٨٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا سليمان، عن هشام، وحدثني محمد بن حرب قال: حدثنا أبو مروان -يحيى بن زكريا- عن هشام عن عروة، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ ليتعذر في مرضه: أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ استبطاء ليوم عائشة، فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري، ودفن في بيتي.
قولها: (يتعذر) التعذر يجري مجرى التمنع والتعسر.
ومنه قول امرئ القيس:
стр. 628
ويوماً على ظهر الكثيب تعذرت .... علي وآلت حلفة لم تحلل
والسحر: الرئة.
стр. 629
ومن كتاب الزكاة
[١] (باب وجوب الزكاة)
٢٩٨/ ١٣٩٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن زكريا بن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس أن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن فقال: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم).
في هذا الحديث من العلم أنه رتب واجبات الشريعة، فقدم كلمة التوحيد، ثم أتبعها فرائض الصلاة لأوقاتها، وأخر ذكر الصدقة لأنها إنما تجب على قوم من الناس دون آخرين، وإنما تلزم بمضي الحول على المال واستكمال النصاب.
وفيه من الفقه أن وجوب الصدقة يتعلق بالمال، فلو تلف المال قبل أن تخرج منه الصدقة لم يلزم صاحب المال إخراجُها من
стр. 630
سائر ماله ما لم يفرط في أدائها وقت الإمكان.
وفيه أن صدقة بلد لا تنقل إلى بلد آخر، وإنما تصرف إلى فقراء أهل البلد الذي به المال، وفيه دليل على أن الطفل إذا كان غنيا وجبت في ماله الزكاة، كما إذا كان فقيرا جاز له أخذها، وفيه أنه لا يعطى غيرُ المسلم شيئا من الصدقة، وفيه أنه إذا تبين أن المدفوع إليه الصدقة كان غنيا يوم أخذها، كان عليه إعادتها، وقد يستدل به من لا يرى على المديون زكاة ما في يده إذا لم يفضل عن مبلغ الدين (الذي) عليه قدر نصاب، لأنه ليس بغني إذا كان مستحقا عليه إخراج ما في يده إلى غريمه.
قالوا: وقد قسم الناس في هذا الحديث قسمين: غني وفقير، وآخذ ومأخوذ منه، فلا يجتمع الوصفان معا في شق واحد منهما لتضادهما واختلاف (أحكامهما)، وفي ذلك دليل على أن رجلا لو تصدق بعشرة من الإبل على الفقراء، فحال الحول عليهما لم تجب الصدقة فيها، لأنها لو أخذت منهم لوجب ردها عليهم، فلا يجتمع أن يكون آخذا ومأخوذا منه في شيء واحد.
стр. 631
[١] (باب وجوب الزكاة)
٢٩٩/ ١٣٩٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن (ابن) عثمان بن عبد الله بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب، أن رجلا قال للنبي ﷺ : أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: ما له ما له؟ وقال النبي ﷺ : أرب ما له؟ تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم.
قوله: أرب ما له، كلمة تعجب، يقول: سقطت آرابه، وهي أعضاؤه، واحدها إرب، وقد يُدعى بهذا على الإنسان إذا فعل فعلا يتعجب منه، ولا يراد بذلك وقوع العقوبة به، وإنما هو كقولهم: قاتله الله، وكقولهم: ثكلته أمه ونحو ذلك.
وفيه وجه آخر: قال النضر بن شميل: يقال: أرِبَ الرجل في الأمر إذا بلغ فيه جهده وفطن له.
стр. 632
وقال الأصمعي: أربت بالشيء إذا صرت فيه ماهرا بصيرا، فيكون المعنى في ذلك على هذا القول التعجب من حسن فطنته والتهدِّي إلى موضع حاجته.
стр. 633
[١] (باب وجوب الزكاة)
٣٠٠/ ١٣٩٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله)؟
٣٠١/ ١٤٠٠ - فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر فعرفت أنه الحق.
قلت: هذا حديث مشكل جدا، وإشكاله من جهة اختصاره، وترك أكثر رواته استقصاء واستيفاء القصة فيه، وكلام أبي هريرة من رواية عبيد الله فيما ذكره من الحادثة، وحكاه من محاجة
стр. 634
أبي بكر وعمر كلام مبهم قد تعلق به الروافض، وادعوا المناقضة وقالوا: قد أخبر في أول القصة عن كفر (من كفر من) العرب وارتدادهم، وإنما يطلق اسم الكفر على من أنكر الدين وخرج من الملة، ثم حكى عن أبي بكر أنه قال: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة)، وهذا يوجب أن يكونوا ثابتين على الدين مقيمين للصلاة وإن منعوا الزكاة وفرقوا بينهما في القيام بإحداهما وترك الأخرى منهما، وزعم هؤلاء أن عمر لم يطابقه على الحرب لقيام الدليل عنده على أنها حق، لكن مساعدة لأبي بكر وتقليدا له، وذلك حين يقول: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. قالوا: وهذا كلام من
стр. 635
يدعي لأبي بكر العصمة، ويسلم له أفعاله بغير حجة، وليس ذلك لأحد بعد رسول الله ﷺ .
قالوا: وإذا كان هكذا حالُهم عند أبي بكر، فكيف استجاز قتلهم وسبيهم وسبي ذراريهم وهم مسلمون؟
وإن كانوا كفارا مرتدين فما معنى هذا القول في التفرقة بين الصلاة والزكاة والتعلق في استباحة قتالهم، وقد أجمعوا أن المرتد لا يسبى ولا يستعبد وعلى كل حال فلم يخل صنيعه ذلك من عسف وسوء سيرة، وزعموا أيضا أن القوم كانوا متأولين في منع الزكاة محتجين على أبي بكر بقول الله : ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ لما وجدوا الخطاب خاصا في مواجهة النبي ﷺ دون غيره بشرط أن يطهرهم ويزكيهم ويصلي عليهم، فإن صلاته
следующие страницы →