← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16946

أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري)

الخطابي

Полный текст (2 260 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

[١] (باب وجوب الزكاة) ٢٩٩/ ١٣٩٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن (ابن) عثمان بن عبد الله بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب، أن رجلا قال للنبي ﷺ : أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: ما له ما له؟ وقال النبي ﷺ : أرب ما له؟ تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم. قوله: أرب ما له، كلمة تعجب، يقول: سقطت آرابه، وهي أعضاؤه، واحدها إرب، وقد يُدعى بهذا على الإنسان إذا فعل فعلا يتعجب منه، ولا يراد بذلك وقوع العقوبة به، وإنما هو كقولهم: قاتله الله، وكقولهم: ثكلته أمه ونحو ذلك. وفيه وجه آخر: قال النضر بن شميل: يقال: أرِبَ الرجل في الأمر إذا بلغ فيه جهده وفطن له.

стр. 632

وقال الأصمعي: أربت بالشيء إذا صرت فيه ماهرا بصيرا، فيكون المعنى في ذلك على هذا القول التعجب من حسن فطنته والتهدِّي إلى موضع حاجته.

стр. 633

[١] (باب وجوب الزكاة) ٣٠٠/ ١٣٩٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله)؟ ٣٠١/ ١٤٠٠ - فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر فعرفت أنه الحق. قلت: هذا حديث مشكل جدا، وإشكاله من جهة اختصاره، وترك أكثر رواته استقصاء واستيفاء القصة فيه، وكلام أبي هريرة من رواية عبيد الله فيما ذكره من الحادثة، وحكاه من محاجة

стр. 634

أبي بكر وعمر كلام مبهم قد تعلق به الروافض، وادعوا المناقضة وقالوا: قد أخبر في أول القصة عن كفر (من كفر من) العرب وارتدادهم، وإنما يطلق اسم الكفر على من أنكر الدين وخرج من الملة، ثم حكى عن أبي بكر أنه قال: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة)، وهذا يوجب أن يكونوا ثابتين على الدين مقيمين للصلاة وإن منعوا الزكاة وفرقوا بينهما في القيام بإحداهما وترك الأخرى منهما، وزعم هؤلاء أن عمر لم يطابقه على الحرب لقيام الدليل عنده على أنها حق، لكن مساعدة لأبي بكر وتقليدا له، وذلك حين يقول: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. قالوا: وهذا كلام من

стр. 635

يدعي لأبي بكر العصمة، ويسلم له أفعاله بغير حجة، وليس ذلك لأحد بعد رسول الله ﷺ . قالوا: وإذا كان هكذا حالُهم عند أبي بكر، فكيف استجاز قتلهم وسبيهم وسبي ذراريهم وهم مسلمون؟ وإن كانوا كفارا مرتدين فما معنى هذا القول في التفرقة بين الصلاة والزكاة والتعلق في استباحة قتالهم، وقد أجمعوا أن المرتد لا يسبى ولا يستعبد وعلى كل حال فلم يخل صنيعه ذلك من عسف وسوء سيرة، وزعموا أيضا أن القوم كانوا متأولين في منع الزكاة محتجين على أبي بكر بقول الله : ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ لما وجدوا الخطاب خاصا في مواجهة النبي ﷺ دون غيره بشرط أن يطهرهم ويزكيهم ويصلي عليهم، فإن صلاته

стр. 636

سكن، وهذه الشرائط معدومة في غيره. ولذلك قال شاعرهم: أطعنا رسول الله ما دام بيننا .... فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر ومنثل هذه الشبه توجب العذر لمثلهم والوقوف عن قتلهم. وقد كان رأي بعضهم أنه ليس بإمام، وإنما يأخذ الزكاة

стр. 637

رسول الله ﷺ في حياته أو إمام ينصبه للخلافة بعده، في أشياء من هذا الباب أكثرها تخليط وتغليط لعوام الناس والضعفة منهم. وأول ما يحتاج إليه من بيان هذه الأمور معرفة القصة فيها كيف كانت وصورة الأمر كيف جرت، فنحتاج من أجل ذلك إلى ذكر الروايات وتتبع طرق النقل فيها لتتكشف الحقيقة منها، ونحن فاعلون لذلك بمشيئة الله وعونه. فوجدنا أكثر الروايات في ذلك عن أبي هريرة على الاختصار نحو ما رواه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وهو الذي ذكره أبو عبد الله، كذلك رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن عنه، حدثناه عبد الله بن محمد المسكي، حدثنا محمد بن عبد الله بن الجنيد، حدثنا محمد بن قدامة المروزي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن

стр. 638

أبي هريرة نحو حديث عبيد الله، وكذلك رواه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة، حدثناه ابن مالك، حدثنا الحسن بن زياد السدي، حدثنا إسماعيل بن أويس، حدثنا مالك، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، وكذلك رواه ابن عجلان، عن أبيه،

стр. 639

عن أبي هريرة، حدثنيه أبو محمد الكراني، حدثنا الحسن بن عبد العزيز المحوِّز، حدثنا أبو عاصم، حدثنا ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، ح، وحدثناه النجاد، حدثنا الحارث بن أسامة، حدثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن أبيه مثله، وكذلك رواه المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، حدثناه محمد بن بكر، حدثنا أبو مسلم، حدثنا

стр. 640

أبو عاصم، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، وكذلك روي عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أخبرناه ابن الأعرابي، حدثناه محمد بن أحمد بن الجنيد الدقاق، حدثنا عبد الغفار بن عبيد الله الكريزي، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة نحوه. فهذه الروايات كلها مختصرة نحو حديث عبيد الله بن عبد الله

стр. 641

بن عقبة، وفي الألفاظ اختلاف يسير لا يتغير له المعنى، ثم إنا قد رويناه من طريق صحيح، عن أبي هريرة من غير اختصار، فذكر فيه الصلاة والزكاة، حدثنيه إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا محمد بن أبان، عن أبي نعيم، حدثنا أبو العنبس -سعيد بن كثير- حدثني أبي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ثم حرمت علي دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله). قلت: وهو كثير بن عبيد -مولى أبي (بكر) - وقد أدخله ابن خزيمة في مسنده الصحيح، وقد روى أنس بن مالك أيضا قصة محاجة أبي بكر وعمر فذكر منها الصلاة والزكاة من طريق يدخل في

стр. 642

الصحيح. أخبرناه ابن الأعرابي، حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي، حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي، حدثنا أبو العوام يعني عمران بن داور القطان، حدثنا معمر بن راشد، عن الزهري، عن أنس قال: لما توفي رسول الله ﷺ ارتد عامة العرب فقال عمر لأبي بكر: أتريد أن تقاتل العرب؟ قال أبو بكر: إنما قال رسول الله ﷺ : إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، عصموا مني دماءهم وأموالهم، والله لو منعوني عناقا مما كانوا يعطونه رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، وقد رواه أيضا محمد بن إسحاق بن خزيمة في مسنده الصحيح قال: حدثنا بندار حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي بإسناده سواء. وقد روينا أيضا حديث أنس في غير ذلك بقصة الردة من طريق

стр. 643

صحيح، أخبرناه محمد بن بكر، حدثنا أبو داود، حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني حدثنا عبد الله بن المبارك، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين). فقد نطقت هذه الأخبار المروية من الطرق الصحاح، حديث أبي هريرة من طريق كثير بن عبيد، وحديث أنس من طريق الزهري، وحديث ابن عمر، أن الزكاة كانت شرطا في الأصل لحقن الدم، فثبت بذلك أن أبا بكر إنما قاتلهم بالنص والتوقيف، لا بالنظر والاستدلال الذي جرى ذكره في خبر عبيد بن عبد الله بن عتبة، ويشبه أن يكون هذا إنما ذكر فيه على سبيل التوكيد والاستظهار عند مراجعة القول في مناظرة عمر لا على سبيل التفرد به وحده، وفي ذلك إسقاط جميع ما أورده الروافض من الشبه، وقد ذكرت

стр. 644

الجواب عن تلك الفصول في كتاب معالم السنن فلم يجب تكريره هاهنا. ومما يجب أن يعلم هاهنا أن الذين يلزمهم اسم الردة من العرب كانوا صنفين: صنف منهم ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعاودوا الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: (وكفر من كفر من العرب)، وهم أصحاب مسيلمة ومن سلك مذهبهم في إنكار نبوة محمد ﷺ ، والصنف الآخر: هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة وأنكروا الزكاة، وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم على الاختصاص به لدخولهم في غمار أهل الردة، فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة إذ كانت أعظم الأمرين خطبا، وصار مبدأ قتال أهل البغي مؤرخا بأيام علي بن أبي طالب، إذ كانوا منفردين في عصره لم يختلطوا بأهل شرك، وفي ذلك تصويب رأي علي في قتال أهل البغي ودليل على أنه إجماع من الصحابة كلهم.

стр. 645

فإن قيل: (لو كان منكرو الزكاة في زمان أبي بكر أهل بغي ولم يكونوا بذلك كفارا، لكان سبيل) منكري فرض الزكاة في زماننا هذا سبيلهم في لزوم الاسم إياهم وسقوط حكم الكفر عنهم. قيل: إن من أنكر ذلك في هذا الزمان كافر بإجماع الأمة، والفرق في ذلك بينه وبين أولئك القوم أنهم عُذروا فيما جرى منهم حتى صار قتال المسلمين إياهم على معنى استخراج الحق منهم دون القصد إلى دمائهم وأنفسهم لأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان، منها قرب العهد بزمان الشريعة التي كان يقع فيها تبديل الأحكام، ومنها وقوع الفترة بموت النبي ﷺ ، وكان القوم جهالا بأمور الدين وعهدُهم حديث بالإسلام، فداخلتهم الشبهة فعُذروا ضربا من العذر، فأما اليوم فقد شاع أمر الدين واستفاض العلم بوجوب الزكاة حتى عرفه الخاص والعام، واشترك في معرفته العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وصار سبيلها سبيل الصلوات الخمس في استفاضة العلم بها، فلا عذر لمن جهلها ولا بُقْيا على من أنكرها، إلا أن يتفق أن يكون رجل في

стр. 646

بعض البلاد المتاخمة لبلاد الكفر حديث عهد بالإسلام لا يعرف حدوده، فإذا أنكر شيئا من معاظم أمر الدين جهلا به لم يكفر ولم يرتفع اسم الدين عنه للعذر فيه. وأما ما جرى من السبي عليهم فهو أمر قد رأته الصحابة في ذلك الوقت من طريق الاجتهاد، وقد استولد علي بن أبي طالب جارية من سبي بني حنيفة فولدت محمد بن علي، ثم لم ينقرض العصر حتى رأوا خلافه، واتفقوا على أن المرتد لا يسبى، وإنما أوردوا الخلاف في أولاد المرتدين، وقد قيل: إنه لم يسب أحد من رجالهم، وقد جيء بالأشعث بن قيس وبعيينة بن حصن فأطلقهما ولم يسترقهما. وفي الحديث من الفقه: وجوب الصدقة في السخال

стр. 647

والفُصْلان والعجاجيل، وأن واحدة منها تجزئ عن الواجب في الأربعين منها إذا كانت كلها صغارا ولا يكلف صاحبها مسنة. وفيه دليل على أن حول النتاج حول الأربعين للأمات، ولو كان يُستأنف بالنتاج (الحول) لم يوجد السبيل إلى أخذ العناق وإلى إيجاب الزكاة فيها، وأن واحدة منها مجزئة (وإليه مال) الشافعي، وهو قول أبي يوسف. وقال مالك: فيها مسنة. وقال محمد بن الحسن: لا شيء فيها. وفيه دليل على أن الردة لا تُسقِط عن المرتد الزكاة إذا وجبت عليه في أمواله. وقوله: (وحسابه على الله) معناه بما يستيسر به من الباطن دون الظاهر البادي من أمره فإنه مأخوذ به، وفيه دلالة على أن توبة

стр. 648

الزنديق مقبولة، وسريرته فيما يبطنه إلى الله موكولة، وهو قول أكثر العلماء، وحكي عن مالك أنه قال: لا تقبل توبتة الكافر المستسر بكفره، وحكي ذلك أيضا عن أحمد بن حنبل.

стр. 649

[٣] (باب إثم مانع الزكاة) ٣٠٢/ ١٤٠٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا الحكم بن نافع قال: أخبرنا شعيب قال: حدثنا أبو الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ : (تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا هو لم يعط منها حقها، تطؤه بأخفافها) قال: (وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت، إذا لم يعط فيها حقها، تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها)، قال: (ومن حقها أن تحلب على الماء)، قال: (ولا يأت أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يُعار، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت). قوله: (على خير ما كانت)، يريد حسن حالها في القوة والسمن، فتكون أثقل لوطئها وأشد لنكايتها. وقوله: (تُحلب على الماء) أي من حقها أن تُسقي ألبانها المارة ومن ينتاب المياه من أبناء السبيل. واليُعار: صوت الشاة.

стр. 650

[٣] (باب إثم مانع الزكاة) ٣٠٣/ ١٤٠٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مُثِّل مالُه يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوِّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ الآية. الشجاع: الحية، والأقرع: هو الذي لا شعر على رأسه،

стр. 651

ويقال: هو الذي انحسر الشعر عن رأسه لكثرة سُمِّه، والزبيبتان: يقال: هما زبدتان في شدقيه، ويقال: نقطتان سوداوان فوق عينيه. واللهزمة: اللَّحْي وما يتصل به من الحنك، وفُسر في الحديث الشدق، وهو قريب مما قال.

стр. 652

[٤] (باب ما أُدي زكاته فليس بكنز) ٣٠٤/ ١٤٠٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا إسحاق بن يزيد، حدثنا شعيب بن إسحاق قال الأوزاعي أخبرني يحيى بن أبي كثير أن عمرو بن يحيى بن عمارة أخبره عن أبيه يحيى بن عمارة بن أبي الحسن أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال النبي ﷺ : (لأيس فيما دون خمس أواق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة). قلت: هذا الحديث أصل في بيان مقادير أنصبة الأموال التي تجب فيها الصدقات، فجعل نصاب الفضة منها خمس أواق وهي مائتا درهم، والأوقية أربعون درهما، يقال: أوقية وأواقي، كما يقال: بُخْتِيَّة وبخاتي. ويقال أيضا في جمعها: أواقٍ بلا ياء.

стр. 653

كما يقال: أضحية وأضاحٍ، وفيه دليل على أن الذهب لا يضم إلى الفضة، وإنما يعتبر نصابها بنفسها، إلا أنهم لم يختلفوا في أن من كانت عنده مائة درهم وعنده عرض للتجارة يسوى مائة درهم وحال الحول عليهما أن أحدهما يضم إلى الآخر، وهذا إجماع خُص به ظاهر الحديث. وفيه دليل أنها إذا كانت ناقصة وزنا تجوز جواز الوازنة رسما، أو كانت دراهم جيادا يؤخذ الناقص منها لزيادة الصرف مكان الوافي لم تجب فيها الصدقة حتى يكون الوزن وافيا والجنس رابحا. وقوله: (ولا فيما دون خمس ذود صدقة)، فإن هذا في صدقة الإبل، والذود من الإبل: ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه، إنما يقال للواحد: البعير، كما يقال للواحدة من النساء: المرأة. والعرب تقول: الذود إلى الذود إبل، تريد أن القليل يضم إلى القليل فيصير كثيرا. وقوله: (وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)، فإنه يريد بها

стр. 654

الحبوب والثمار التي توسق، والوسق: ستون صاعا، وهو تمام وسق حمل الدواب النقالة. وفيه دليل على أن لا صدقة في الخضروات [الخضراوات]، لأنها لا توسق، وإنما شرط الصدقة فيما كان يقدر بالأوساق، وهي خارجة عن هذا المعنى، وفيه بيان أن النوع الذي تجب فيه الصدقة من الحبوب والثمار لا يجب فيه شيء حتى يبلغ خمسة أوسق.

стр. 655

[٤] (باب ما أدي زكاته فليس بكنز) ٣٠٥/ ١٤٠٧ - قال أبو عبد الله: حدثني إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبد الصمد، حدثني أبي، حدثنا الجريري، حدثني أبو العلاء بن الشخير، عن الأحنف بن قيس قال: جلست إلى ملأ من قريش، فجاء أبو ذر فسلم ثم قال: (بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم، ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نُغْض كتفه ..) وذكر الحديث. الرضف: جمع الرضفة، وهي حجر يحمى بالنار، ونغض

стр. 656

الكتف الشاخص، وأصل النغض: الحركة، وسمي ذلك الموضع من الكتب نغضا؛ لأنه يتحرك من الإنسان في مشيه وتصرفه. يقال: نغض ينغُض، وأنغض الرجل رأسه إذا حركه، ومنه قول الله : ﴿فسينغضون إليك رؤوسهم﴾.

стр. 657

[٨] (باب الصدقة من كسب طيب) ٣٠٦/ ١٤١٠ - قال أبو عبد الله: حدثني عبد الله بن منير أنه سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن -هو ابن عبد الله بن دينار- عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل). قوله: (بعدل تمرة) يريد قيمة تمرة. يقال: هذا عَدْل هذا -بفتح العين- أي مثله في القيمة، وعِدْله -بكسرها- أي مثله في النظر، ويقال أيضا: عَدل الشيء ما ليس بجنسه، وعِدله ما كان من جنسه. وقوله: (يتقبلها بيمينه) إنما جرى ذكر اليمين ليدل به على

стр. 658

حسن القبول؛ لأن في عرف الناس أن أيمانهم مرصدة لما عز من الأمور، وشمائلهم لما هان منها، وتربية الصدقة مضاعفة الأجر عليها، وإن كان أريد به الزيادة في كمية عينها ليكون أثقل في الميزان لم ينكر ذلك في معنى مقدر أو حكم معقول.

стр. 659

[١٠] (باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة) ٣٠٧/ ١٤١٦ - قال أبو عبد الله: حدثني سعيد بن يحيى، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن أبي مسعود الأنصاري قال: كان رسول الله ﷺ أمرنا بالصدقة، انطلق أحدنا إلى السوق فتحامل فيصيب المد، وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف. قوله: فتحامل، يريد تكلف الحمل بالأجرة ليكسب ما يتصدق به.

стр. 660

[١١] (باب فضل صدقة الشحيح الصحيح) ٣٠٨/ ١٤١٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عمارة بن القعقاع، حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو هريرة قال (جاء) رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان). فيه دليل على أن بعض المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه، وأن سخاوته بالمال لا تمحو عنه سمة البخل إذا كانت في حال مرضه، ولا تحوز له فضيلة الأجر، ولذلك شرط أن يكون المتصدق صحيح البدن، شحيحا بالمال، يجد له وقعا في قلبه وحزازة في نفسه، لما يأمله من طول العمر، ومخافة من حدوث الفقر. وقوله: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان، الإسمان

стр. 661

الأولان كناية عن الموصى له بالمال، والثالث كناية عن الوارث يريد أنه صار للوارث فإنه إن شاء أبطله ولم يجزه. وقوله: (إذا بلغت الحلقوم) يريد النفس، وإن لم يتقدم لها ذكر، ولكن معقولا أنها هي المراد، كقوله: ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم﴾ وقوله: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ يريد الأرض ولم يتقدم لها ذكر. وكقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، ولم يتقدم للقرآن ذكر.

стр. 662

(باب) ٣٠٩/ ١٤٢٠ - قال أبو عبد الله: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة أن بعض أزواج النبي ﷺ قلن للنبي ﷺ : أينا أسرع بك لحوقا؟ قال: (أطولكن يدا). قال: فأخذن قصبة يذرعنها، فكانت سودة أطولهن يدا، فعلمنا بعدُ أنما كان طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقا به، وكانت تحب الصدقة. قلت: معنى طول اليد هاهنا على ما تأولته عائشة مدها إلى

стр. 663

العطاء والصدقة، وقد يكون ذلك أيضا من الطول، ألا ترى أنهن قد رأين أنها أطولهن مساحة يد حين تذارعن القصبة؟ فلم يعتبر ذلك، وصرفت عائشة تأويل الحديث إلى معنى العطاء والصدقة، وفيها الطَّول لفاعلهما، وخروج الخبر على ما قال ﷺ في لحوقها (به) ﷺ أولا من أدلة نبوته، إذ لا يعلم الغيب إلا ربه الذي أطلعه عليه وأعلمه إياه ﷺ .

стр. 664

[١٧] (باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه) ٣١٠/ ١٤٢٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة، ﵂، قالت: قال النبي ﷺ : (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا). قلت: مخرج هذا الكلام إنما هو على العرف الجاري والعادة الحسنة في إطلاق رب البيت لزوجته إطعام الضيف، والطارق والمواساة منه (والتصدق) على السائل، فندب ربة البيت لذلك ورغبها في فعل الجميل وترك الضنة والاستئثار، وأمر أن يكون

стр. 665

ذلك منها على سبيل الإصلاح من غير إفساد ولا إسراف، ومن الخازن كذلك لأن الشيء غالبا إنما يكون تحت يده فحض كلا (منهما) على التعاون لئلا يقصر في استيفاء الحظ منه وحيازة الأجر فيه.

стр. 666

[١٨] (باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى) ٣١١/ ١٤٢٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبدانه قال: أخبرنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة عن النبي ﷺ قال: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول). قوله: (ما كان عن ظهر غنى) يريد ما كان عفوا قد فضل عن غنى، والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعا للكلام، كقولهم في الصنيعة إذا تبرع بها صاحبها: أعطى فلان فلانا ألف درهم عن ظهر يد، أي أعطاه تبرعا على غير عوض، وحقيقته أنه إنما أعطاه من أجل أن يتخذ به عنده يدا، والمعنى أن أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية لأهله وعياله، ولذلك يقول: (وابدأ بمن تعول).

стр. 667

وقد قيل فيه وجه آخر: وهو أن يكون أراد بذلك التصدق عليه، يريد إجزال العطاء والإكثار منه، فيكون قد أبقى له بذلك غنى. والأول هو وجه الحديث.

стр. 668

[٢١] (باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها) ٣١٢/ ١٤٣١ - قال أبو عبد الله: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا عدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: خرج النبي ﷺ يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبل ولا بعد، ثم مال على النساء، وبلال معه، فوعظهن وأمرهن أن يتصدقن، فجعلت المرأة تلقي القُلْب والخُرْص. القلب: الخلخال، والخرص: حلقة القرط. وفيه من الفقه خروج النساء إلى مصلى العيد وشهودهن الصلاة والدعاء هناك. وفيه أنهن مالكات لأموالهن يتصدقن فيها من غير إذن زوج أو ولي إذا كن رشيدات.

стр. 669

٣١٣/ ١٤٣٣ - قال أبو عبد الله: حدثني صدقة بن الفضل قال: أخبرنا عبدة، عن هشام، عن فاطمة، أن أسماء قال: قال لي النبي ﷺ : (لا توكي فيوكى عليك). الإيكاء: شد الوعاء بالوكاء، وهو الخيط الذي يشد به رأس الوعاء والقربة (ونحوهما). يقول: لا تبخلي فتدخري الموجود ضنا به، ولا تقتِّري في الواجب فيقتر عليك ويقطع المادة عنك، وهذا كقوله: (لا تحصي فيحصى عليك).

стр. 670

[٢٤] (باب من تصدق في الشرك ثم أسلم) ٣١٤/ ١٤٣٦ - قال أبو عبد الله: حدثني عبد الله بن محمد قال: حدثنا هشام، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن حكيم بن حزام قال: قلت يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أتحنت بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، فهل فيها من أجر؟ فقال النبي ﷺ : (أسلمت على ما سلف من خير). قوله: أتحنث، معناه أتقرب بها إلى الله وحقيقته أطرح الحنث بها عن نفسي. وقوله: (أسلمت على ما سلف من خير) أي: على حيازة
следующие страницы →