← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16946

أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري)

الخطابي

Полный текст (2 260 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

(٣) (باب الحَج على الرّحلُ) ٣٣٨/ ١٥١٨ - قال أبو عبدِ الله /: حدَّثنا عَمرو بنُ عضلي، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا أيمنُ بن نَابلِ، قال: حدَّثنا القاسِمُ بنُ محمّد، عن عائشة أنها قَالت: يا رسول الله! اعتَمرتُم ولم اعتَمِر. قال: " يا عبدالرحمن اذهبْ بِأختِك فأعمرها من التّنعيم ". فأحْقَبَها على ناقةٍ فاعتَمَرت. قولُه: أحقَبَها، معناه أردَفَها على حقيبةِ الرَّجلِ.

стр. 737

(٧) (باب مُهَل أهل مكة للحج والعُمرة) ٣٣٩/ ١٥٢٤ - قال أبو عبدالله: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا وهيبٌ، قال: حدَّثنا ابنُ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباس، أن النبي، ﷺ ، وقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحليفة، ولأهل الشامِ الجُحفة، ولأهل نَجدٍ قَرنَ المَنازِلِ، ولأهل اليمنِ يَلَملم، هُنَّ لَهنَّ، ولمن أتى عليهنَّ منْ غيرهنَّ ممن أراد الحَج والعُمرةَ، ومن كان دُون ذلك، فمنْ حيثُ أنشَأ، حتى أهل مكةَ من مكةَ. قلت: هذه المواقيت إنما وُقَّتت لتكون حدوداً لا يتجاوزها من أرادَ الإحرامْ في حَجٍ أو عمرةٍ، وهي لا تَمنعْ من تَقديمْ الإحرام قَبلَ بُلوغِها، والمَواقِيت للعِبادات على ضَربَينِ: أحدُهما ما ذكرناه، والآخرُ كَمواقيتِ الصلواتِ التي إنَّما ضُرِبت حدوداً لئلا تقدم الصلاةُ عليها. وقوله: " هُنَّ لَهُنَّ " يريدُ أنَّ هذه المواقيت لَهنَّ، أي

стр. 738

لهذه البلدان المُسماةِ، ولمن أتى عَليهٍنَّ من غير أهلِهنَّ، يريدُ: مِن غَيرِ أهلِ هذه البلدانِ المذكورةِ، كاليمانيِّ إذا جاءَ من طريق الشامِ وكان ميقاتُ إحرامِه الجحفةَ، والنجديِّ إذا جاء من اليمنِ كان ميقاتُه يلملَمَ. وفي قوله: " مِمَّن أراد الحَجَّ والعُمرة " بيانُ أنَّ الإحرام في هذه المواضعِ، إنَّما يجب على مَنْ كَانَ عِندَ مُرورِه بها قَاصِداً حجَّاً، أو عمرةً، دونَ من يَرَى الإحرامَ بعدَ مُجاوَزَتِهِ إياها، فإنَّ مَنْ حَضَرَتْهُ نِيَّةُ الحَج، أو العمرةِ بعدَما جاوَزَها، كانَ لَهُ إنشاءُ مَا نَواه مِن الحج والعُمرةِ من حيثُ حَضرتهُ النيَّة، ولا يَلزَمُهُ دَمٌ / كما يَلزَم من خَرَجَ من بَيتهِ يُريدُ الحَجَّ، أو العُمرةَ، فَطوى الميقَاتَ، وأحرمَ بعدما جَاوزَه. وقوله: " فمن كان دُون ذلك فمن حيثُ أنشأَ " يريدُ: من كَانتْ دَاره دونَ ذلكَ إلى ما يلي الحَرم أنشأَ الحَجَّ من دُويرَة أهلِهِ، ولا يلزَمهُ أن يصعَد إلى الميقاتَ فيحرمُ منهُ، حتى إنَّ أهل مكة (يُهِلون) من جَوفِ مكةَ. قلت: وهذا في الحَج، فأما العُمرة: فإنَّ أهل مكة يَخرجُونَ إلى أدنى الحِلّ، فَيُهلّونَ بما لا يجيزه غَيرُ ذلكَ، وإنَّما وجبَ عليهمُ الخُروج للعمْرة مِن أجل أنَّ الله قال: " وَلِلهِ عِلى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ " والحِجُّ معناه، القَصدُ، فَلَمَّا كانت أعمالُ العمرَةِ

стр. 739

كُلُّها واقعَةٌ في الحَرَمِ، أوجَبنا عليهِ الخروجَ إلى طَرَفِ الحلِّ للإحرامِ لَهَا، ليصير قاصِداً إلى البيتِ، ولمَّا لم يَكن للحَاجَّ بد مِنَ الخروجِ إلى عَرَفة، للوقوفِ بها، وعندَ منصَرفِه منها يصيرُ قاصِداً إلى البيتِ لم نوجِبُ عليه الخُروجَ إلى طرفِ الحِل. وفي الخَبرِ: دَليلٌ على أنَّ الكافِر إذا دَخلَ مكةَ فأسلَم بها، والغُلامَ إذ دخلها فاحتَلمَ هناك، والعبدُ يدخُلها فيُعتق بمكةَ، وأرادوا الحَج فأحرَموا من جَوفِ مكّةَ أنّه يجزيهمْ، ولا دَمَ عليهم، وهو قَولُ أصحابِ الرأيِ، وعند الشافعي يلزَمُهم دَمٌ، وقد علّق القَولُ فيه.

стр. 740

(١٦) (باب قول النبي، ﷺ " العَقيقُ وَادٍ مُباركٌ ") ٣٤٠/ ١٥٣٤ - قال أبو عبدِ الله: حدَّثَنا الحُميديُّ، قال: حَدَّثنا الوليدُ، وبشرُ بن بكر التَنيسي، قالا: حدَّثنا الأوزاعيُ، قال: حدّثنا يحيى، قال، حدَّثني عكرُمة، أنَّه سمعَ ابنَ عَباسٍ، يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ ، بِوادي العَقيقِ يقول: " أتاني، آتٍ منْ ربيِ، فقال: صَلِّ في هذا الوادِ المبارِكِ، وقُل: عُمرَةٌ في حَجَّة ". قلت: العَقيقُ: مِيقاتٌ لأهلِ العراقِ، وقد رُوِيَ عن ابنِ

стр. 741

عباسِ أنَّ النبي، ﷺ ، وَقَّتَ لأهلِ المَشرق العقيقَ، وكان الشَّافعي / يستَحبُّ أن يُحرمَ أهلُ العراقِ من العَقيقِ، فإنْ أحرَموا مِن ذاتِ عِرقٍ أَجزأَهم. وفي قوله: " وقُل عُمرةٌ في حَجَّةٍ " تفضِيلٌ للقرآنِ، وقد يحتملُ أن يكونَ " في " بمعنى " مع " كأنَّه قال " عُمرةٌ مَعها حَجَّةٌ. ويَحتملُ ان يَكونَ أرادَ عمرةً مُدرجةً في حِجَّة، على مذهب مَن رأى أنَّ العُمرة مُضمّنٌ في عمَل الحَجِّ، يجزيه لهما طَوافٌ واحدٌ، وسَعيٌ واحِدٌ، ولو قتلَ صيداً كان عليه جزاءٌ واحدٌ.

стр. 742

(١٧) (بابُ غَسلِ الخَلوقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثِّيابِ) ٣٤١/ ١٥٣٦ - قالَ أبو عبدِ الله: قال أبو عاصمٍ: أخبرنَا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبرَنَا عَطَاءً، أنَّ صَفوانَ بَن يَعلَى بنِ أمَيَّةَ، أخبَرَه أنَّ يَعلى، قال: بينما النبي، ﷺ ، بالجعرَانَةِ _ ومَعهُ نَفرٌ من أصحَابِه _ جاءهُ رَجلٌ، فقالَ: يا رسول اللهِ، كيف تَرى في رَجلٍ أحرَمَ بِعُمرةٍ، وهو مُتَضمّخ بِطيبٍ؟ فَسَكت النَّبي، ﷺ ، ساعة، فَجاءَهُ الوحي، ثمَّ سرى عنهُ فقال: " اغسِلِ الطّيبَ الذي بكَ ثَلاثَ مراتٍ، وانزَع الجُبَّةَ، واصنعْ في عُمرَتِكَ ما تصنَعُ في حَجِّكَ". قلت: قد جَاء في هذا الحديثِ من غَير هذه الروايةِ أنَّ الرَّجلَ

стр. 743

كان مُتَضَمِّخاً بَخَلوقٍ، والرَّجالُ ممنوعونَ مِن استِعمالِ الزَعفرانِ. حدَّثنا بنُ سمّاك قال: حدثنا موسى بنُ سَهلٍ الوَشَّاءِ، قال: حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، عن عبدالعزيزِ بنِ صهيبٍ، عن أنسٍ قال: " نَهى رسولُ الله ﷺ أنْ يتَزَعفرَ الرَّجلُ ".

стр. 744

وقد ثَبتَ عن عائشَة، ﵂، أنَّها قالت: طَيَّبتُ رسول اللهِ، ﷺ ، لحَرمِهِ حينَ أحرَمَ، ولحِلِّهِ حينّ حَلَّ، وقالت: كأني أنظرُ إلى وبيصِ الطيب في مَفرق رسولِ الله، ﷺ ، وهو مُحرِمٌ،، وقدْ ذَكَرهُ أبو عبدِ الله في هذا الكِتابِ، فدلَّ على أن بَقاء أثَرِ الطيبِ بعدَ إحْرامِهِ لا يوجِبُ عليهِ دَماً. وفي قولهِ، " وانزعِ الجُبَّةَ /، بيانُ أنَّه لا (يلبس) الثِّياب المخِيطة، وإذا نَزَعها من رأسِهِ لم يلزَمهُ دَمٌ لذلكَ، ولا جبران. وقَولهِ: " واصنعْ في عُمرَتِكَ ما تصنَعُ في حَجِّكَ " يريدُ: اجتِنابَ النَّساء، والصَّيد، والطِّيب، واللباسِ، كما يجتَنِبُها الحاج، فإنَّ عَمل العُمرَة هوَ عملُ الحَجِّ، خلا أنه لا يجبُ عليهِ الوقوفَ بعَرفةَ مع تَوابِعهِ. وفي الحديثِ أيضاً: دليلٌ على لأنَّ الناسي لإحرامِهِ إذا لَبسَ الثيابَ المخيطةِ لم يَكن عَليهِ شيءٌ، إذ هُو بعِلةِ الجَاهلِ، لأنَّ هذا الرجلَ كان حديثَ العهدِ بالإسلام، جاهلاً لأحكامهِ، فَعَذرَهُ النبيُّ ﷺ ، ولم يُلزِمه دماً.

стр. 745

(٢١) (بابُ ما لَا يلبَسُ المُحرِمُ من الثيَابِ) ٣٤٢/ ١٥٤٢ - قال أبو عبدِ الله: حدَّثنا عبدُ اللهِ بِنُ يوسُف، قالَ: أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بن عُمَرَ، أنَّ رَجلاً قالَ: يا رسول الله! ما يَلبسُ المُحرم من الثِّياب؟ قالَ رسولُ اللهِ، ﷺ ، " لا تَلبسوا القُمصَ، ولا العَمائِمَ، ولا السَّراويلاتِ، ولا البَرانِسَ، ولا الخِفافَ إلا أحَدٌ لا يجِدُ نعلينْ فليَلبس خُفَّينِ وليقطَعهُما أسفلَ من الكَعبين، ولا تَلبسُوا من الثيابِ شيئاً مسَّه زَعفرانٌ، أو ورسٌ. قلت: قد حُرِّمَ على المُحرم أن يلبسَ العَمامةَ والبرنُسَ، فدَخلَ في معناهما كُلُّ ما يغَطِّي الرأسَ من قلنسُوةٍ وَعِصابةٍ يعصبُ بِها رأسهُ وكَارةٍ يَحمِلها فوقَ رأسِهِ فَيَعُمه بها في نحو ذلك من الأشياء. وفيه: أنه إذا لم يجد نَعلين، وعليه خُفّضان، قطَعهما أسفل من الكَعبين، ولم يكن عليه لذلك شيءٌ، وقد زَعمَ بعضُهم أنَّ

стр. 746

قَطعهُما غيرُ جَائز، لأنَّ فيه تضييع المالِ، وهو محظورٌ، منهيُّ عنه، وليسَ الأمرُ في ذلك على ما ذهبَ إليه لأنَّه مأمورٌ بهِ. وما أمرت به الشَريعةُ فهو مُستثنى، خَارجٌ عن جملةِ ما نهتْ عنهُ. وفيه بيانُ أنَّ المُحرم مَنهيٌّ عنه التطيبُ في ثِيابهِ، كما هو منهي عنه في بدنهِ، وفي معناهما الطيبُ في طَعامِهِ، لأنَّ ذلكَ مما ينبغي كالطيبِ في اللباسِ، وكذلك الاكتِحالُ بالكُحلِ الذي فيه طيبٌ.

стр. 747

(٢٣) (باب ما يَلبَسُ المُحرمُ من الثيابِ والأردِيةِ والأزُرِ) ٣٤٣/ ١٥٤٥ - قال أبو عبدِ اللهِ: وذُكرَ عَن محمَّد بنِ أبي بكرٍ المُقَدَّميِّ، قال: حدّثنا فُضيلُ بنُ سُليمانَ، قال: حدَّثنا موسى بنُ عقبةَ، قال: أخبرني كُريبٌ، عن ابنِ عباسٍ قال: انطَلقَ النَّبي، ﷺ ، منَ المدينةِ بَعدَما تَرجَّلَ، وادَّهنَ ولبِسَ إزَارَه، ورِداءَهُ هو وأصحابُهُ، فلَم ينهَ عن شيءٍ من الأردَيةِ، والأُزُرِ، إلا المُزَعفرَةَ التي تَردعُ على الجلدِ. قولهُ: تَردعُ، أي: تَلْطَخُ الجِلدَ، ورَدعُ الزَّعفرانِ: أثَّر لونُه الذي يعلَقُ بالبدَنِ، والثَّوبِ، ونَحوهما.

стр. 748

(٢٦) (بابُ التَلبِيةِ) ٣٤٤/ ١٥٤٩ - قالَ أبو عبدِ الله: حدَّثنا علدُ الله بنُ يوسُفَ، قالَ: أخبَرنَا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ أنَّ تلبيةَ رسولِ الله، ﷺ : " لَبيكَ اللهم لَبّيك، لَبّيك لا شَريكَ لكْ لَبيك، إنَّ الحمدَ والنّعمةَ لك والمُلكَ لا شَريكَ لك ". الاختيار في " إنَّ " الكَسرُ، لأنه أَعمُّ وأوسَعُ. أخبرني أبو (عُمَر)، قال: قال أبو العَبَّاسِ: من قال " إنَّ " فَقَد عَمَّ، ومن قالَ: أنَّ بالفتح فقّد خّصَّ.

стр. 749

(٢٧) (بابُ التَّحميدِ والتَسبيحِ والتَّكبير قبلَ الإهلالِ عندَ الرُّكوب على الدَّابة) ٣٤٥/ ١٥٥١ - قال أبو عبدُ اللهِ: حدّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا وهيبٌ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قلابَة، عن أنسٍ، أنَّ رسول الله، ﷺ ، ذَبح بالمدينةِ كَبشينْ أملحَين. الأملحُ: هوَ الّذي فيه بَياضٌ، وَسَوادٌ، ويكونُ البَياضُ فيهِ أكثرَ.

стр. 750

(٣١) (بابُ كَيفَ تُهلُّ الحائضُ والنفساءُ) ٣٤٦/ ١٥٥٦ - قال أبو عبد اللهِ: حدَّثنا عبد اللهِ بنُ مَسلَمةَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ ابنِ الزبير، عن عائشة قالت: خَرَجنا مع النبي، ﷺ ، (في حَجَّةِ الوَداع)، فأهلَلنا بِعُمرةٍ، ثم قالَ النَّبي، ﷺ ،: " من كَان معضهُ هَديٌ فَليُهلَّ بالحَجِّ مَع العُمرةِ، ثم لا يَحِلَّ حتَّى منهُما جَميعاً "، فقدمتُ مكةَ، وأنا حائضٌ، ولم أَطفُ بالبيتِ، ولا بينَ الصفا والمَروةِ، فشكوتُ ذلك إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: " " انقُضِي رأسَكِ، وأمتَشطِي، وأهِلِّي بالحَجِّ وَدعي العُمَرةَ "، فلمَّا قَضينا الحَجَّ أرسَلني النّبيُّ، ﷺ ، مع عبدالرحمنِ بنِ أبي بكر إلى التَنعيم، فاعتَمرتُ، قال: " هذه مكان عُمرَتِكِ " قالت: فَطافَ الذين كانوا أهَلُّوا بالعُمرةِ بالبيتِ (و) بين الصفا والمروة، ثم حلُّوا، ثم طافوا طَوافاً واحِداً بعدَ أنْ رَجعوا من منى، وأما الذين جَمَعوا الحَجَّ والعُمرةَ فإنَّما طّافوا طّوافاً واحداً.

стр. 751

قلتُ: قوله، ﷺ : " انقُضي رأسَكِ، وامتَشِطي وأَهلِّي بالحَج، ودَعي العُمرةَ " معناهُ مُشكل جِدَّاً، وكان الشافعيُّ يتأوَّلُهُ على أنَّهُ إنَّما أَمرَها بأن تدَعَ عَمَلَ العُمرةِ، وتدخِلَ عليها الحَجَّ، فتكونَ قارنةً، لا أنْ تَدَع العُمرةِ نَفسها، إلا أنَّ قولهُ: " انقضي رأسَكِ وامتشَطي "، لا يُشاكلُ هذه القضية، وقد رَوى بعضُ أهل العلمِ بإسنادٍ له أنّه كانَ مَذهَبُها أنَّ المعتمر إذا دخل مكة كانَ له أنْ يستبيحَ ما يستَبيحُهُ المُحرمُ إذا رَمى جمرةَ العَقبةِ، وهذا شيءٌ لم يُحكَ عن أحَدٍ سواها، ولا يكادُ يُعلمُ وجهُهُ، وكان الشافعيُّ، رحمُ الله، يتأوَّلُ أيضاً أنَ عُمرتَها من التنعيم غيرُ واجبةٍ، لدخولهَا في عقدِ الإحرامِ بالحَجِّ، وإنما أراد النبيُّ، ﷺ ، تَطييبَ نفسهَا بذلك، حين قالت له: " ما بَال نِسائك ينصَرفنَ، بعُمرةٍ، وأنصَرفُ بلا عُمرةٍ "، وظَاهرُ قولِه، ﷺ : " دعي عُمرتَكِ، وانقضي رأسَكِ، وامتشطي: ثم قولِه لها: " هذه مكانَ عُمرتكِ " يوهِنُ ما تأَوَّلهُ الشافعيُّ، والأمر في ذلكَ مُشكلٌ جداً، إلا أن يتأوَّله مُتأوِّلٌ على الترخيصِ في فسخِ العُمرةِ، كما أذنَ لأصحَابهِ في فسخِ الحجِّ، والله أعلم.

стр. 752

(٣٢) (بابُ منْ أهلَّ في زمَنِ النَّبيِّ، ﷺ ، كإهلالِ النَّبيِّ، ﷺ ٣٤٧/ ١٥٥٧ - قال أبو عبدِ الله: حدَّثنا المكيُّ بنُ إبراهيم، عنِ ابنِ جُريجٍ، قال عطاءٌ، قالَ جابرٌ، أمرَ النبي، ﷺ ، عليَّا أن يُقيمَ على إحرَامه. ٣٤٨/ ١٥٥٨ - قالَ: وزادَ محمدُ بنُ بكرِ عنِ ابنِ جريجٍ، قالَ له النبيُّ، ﷺ . قالَ: " فأهدِ وامكُث حَراما كما أنتَ "

стр. 753

قلتُ: في هذا دليلٌ على أنَ النبي، ﷺ ، كَانَ قارناً لأن الهَديَ إنَّما يجبُ على القارِنِ، أو المُتَمتع دونَ المفْرِد، ولو كانَ علي مُتَمَتعاً لحلّ من إحْرامِهِ للعمرةِ، ثُّمَ استأنفَ للحجِّ إحراماً جديدَاً، فَلمّا أمرهُ بأنْ يمكُثَ على إحرامِهِ دلَّ على أنَّه قارنٌ. وقَولهُ: أهللتُ بما أهلَّ به رسول الله، ﷺ ، يدلُّ على جوازِ الإحرام على سبيل إرسالِ النيَّةِ فيه من غير تعيين النوعِ الذي تُريدُه من أنواع الحجِ، ثمَّ لهُ تعيينهِ بعد، قبل أن يشرَعَ في شيءٍ من أعمالهِ. وقد يحتَمل أيضاً أن يكونَ علي قد بَلغَه أنَّ النبيُّ، ﷺ ، كان قارناً فنوى القِرانَ وقتَ عَقدِ الإحرامِ، فلمَّا سألَه رسولُ الله، ﷺ ، قالَ لهُ: " أهللتُ بما أهللتَ بِهِ ".

стр. 754

(٣٢) (الباب نفسه) ٣٤٩/ ١٥٥٩ - قالَ أبو عبدِ اللهِ: حدَّثنا محمد بنُ يوسفّ، قال: حدَّثنا سُفيان، عنْ قيسِ بنِ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، عنْ ابي مُوسى، قالَ: بعَثني النَّبيُّ، ﷺ ، إلى قَومي باليَمن، فَجئتُ وهو بالبطحاءِ فقالَ: " بما أهلَلتَ؟ قلتُ: أهللتُ كإهلالِ النَّبي، ﷺ . قالَ:، " مَعكَ من هَديٍ؟ " قلتُ: لا. فأمرني، فَطُفتُ بالبيتِ وبالصَّفا والمَروةِ، ثُمَّ أمرني فأحللتُ، فأتيتُ امرأةً من قَومي، فمَشَطتني وغَسلتْ رأسي، فقدِمَ عُمرُ فقالَ: إنْ نأخُّذ بِكتابِ الله فإنَّهُ يأمُرنَا بالتَّمامِ. قال الله : " وأَتِمُّوا

стр. 755

الحَجَّ والعُمرةَ للهِ "، وإن نأخذ بسنةِ النَّبي، ﷺ ، فإنَّه لم يَحلَّ حتَّى نحر الهَديَ. قلتُ: وهذا على خِلافِ مذهَب الحَديثِ الأولِ، وقد ذَكّرّ أبو موسى أنَّه أهلَّ كإهلالِ النبي، ﷺ ، على إحرامهِ، فَهُما في الظَاهرِ مختلفانِ، ويُشبهُ أن يكونَ أرادَ بِقولهِ: أهللتُ كإهلالِ النبيِّ، ﷺ ، أي كَما يسُّنهُ لي من الإهلالِ، ويُعيّنهُ من أنواعِ ما يُحرمُ / لَهُ من الحَجِّ على اختلافِ وجُوههِ، ولم يكن مَعَه هديٌ، ولعلهُ لم يكنْ يتَّسعُ لثَمن الهَدي في وقتِه ذلك، فأمرَه ﷺ ، أنْ يَحِلَّ بِعَمل عُمرةٍ،، إذ كَان الإهلالُ بها مضافاً إليه فيما شَرعهُ، وسنّه لأمتِهِ، وكَانَ معَ علي هَديٌ، فأمَرهُ بالمُكثِ على إحرامهِ ليكونَ حلاق الشعرِ عندَ بلوغِ الهدي مَحِلَّهُ وهو إذا رَمى جَمرةَ العَقبةِ. وفي الحديثَينِ معاً! دليل على أنَّ إرسالَ النِّيَّة عندَ الإحرامِ جائزٌ من غيرِ تعيين لِما يحرمُ به، ثُمَّ يصرفُ إلى ما يَعزِمُ عليه بَعدُ من وجوهِ ما يُحرمُ بهِ من نسكٍ. وقد روى أنَّ النبي ﷺ ، خَرجَ من المدينةِ ينتظرُ القضاء، أي: غيرَ

стр. 756

بَاتٍ للنيّةِ في نوعِ ما احرمَ بهِ، وذلكَ يؤكِّدُ معنى ما قلناهُ جوارِ من إرسالِ النَّيةِ (وقتَ) عقدِ الإحرامِ من غيرِ تعيينٍ فيهِ. وفيهِ: وجهٌ آخرُ، وهو أشبهُ، ذلكَ أنَّه قَد فَسَخ عَليهِ الحجَّ، وكانَ قد أهلَّ بهِ، كما قد فسخِه على غيرهِ من أصحابهِ الذين لم يكن معَهُم هدىٌ.

стр. 757

(٣٥) (بابُ من لبَّى بالحَجِّ وسَمَّاهُ) ٣٥٠/ ١٥٧٠ - وقد روى أبو عبدِ اللهِ في مثلَ ذلكَ حديثَ جابرٍ، قالَ حدّثنا مُسَددٌ، قالَ: حدّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوب، قالَ: سمعتُ مُجاهداً، يقولُ: حدَّثنا جابرُ بنُ عبدالله ِ: قَدمنا مع رسولِ اللهِ، ﷺ ، ونحن نقولُ: لبّيك بالحَجِّ، فأمَرنا رسولُ اللهِ، ﷺ ، فجَعَلناها عُمرة.

стр. 758

(٣٤) (بابُ التَّمتُع والقِرانِ والإفرَادِ بالحَجِّ، وفسخِ الحَجِّ لِمن مَعَهُ هَديٌ) ٣٥١/ ١٥٦٨ - قالَ أبو عبدِ الله: وقالَ أبو نَعيم: حدَّثنا أبوشهابٍ، عن عطاءٍ، قالَ: حدَّثني جابرُ بنُ عبد الله أنّه حجَّ مع النبيَّ، ﷺ ، يومَ ساقَ البُدنَ مَعهُ، وقد أَهلُّوا بالحَجِّ مفرداً. فقالَ لَهُم: " أُحلُّوا من إحرامكمْ بِطَوافِ البيتِ وبينَ الصَّفا والمروةِ، وقَصِّروا، ثُمَّ أقيموا حلالاً حتى إذا كانَ يومُ التّرويةِ فأهلوا بالحَجِّ، واجلعوا (التي)، قَدِمتم بِها مُتعَةً ". فقالوا: كَيفَ نَجعلُها متعةٌ وقد سمَّينا الحجَّ؟ فقال: " افْعَلوا ما آمُركُم، فلولا أنّي سُقتُ الهدي لفَعلتُ مِثلَ الذي /أمرتُكم بهِ. ولكن لا يَحلُّ مني حَرامٌ حتى يبلغ الهَدي مَحِله ففَعلوا " قلتُ: ففي هذا بَيان أنَّه قد فَسَخ الحَجُّ عليهِمِ، إذ جَعلَهُ عمرةٌ، وكانوا قد سَمَّوهُ حجَّاً، وقد رُوي انّه إنَّما فعلَ ذلك لأنّهم

стр. 759

يتحَرَّجُونَ في الجَاهليةِ أن يعتَمروا في أشهُر الحّجَّ، فصَرَفَ رسولُ الله، ﷺ ، إحرامَهُم بالحَجِّ إلى العُمرةِ إبطالاً لمذهَبهمْ في ذلكَ، وقدْ رُوي هذا المعنى عن ابنِ عبَّاس.

стр. 760

(٣٤) (الباب نفسه) ٣٥٢/ ١٥٦٤ - قَال أبو عبدِ الله ِ: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدَّثنا وهيبٌ، قالَ: حدَّثنا ابنُ طاوُسٍ، عن أبيهِ، عن ابنِ عَباسٍ قالَ: كانوا يَرَونَ أنَّ العُمرة في أشهرٍ الحج، أفجَر الفُجور في الأرضِ، ويجعلونَ المُحَرَّم صَفراً، ويقولونَ: إذا بَرأَ الدَّبَر، وعفا الأثرُ، وانسَلخ صَفَر، حَلَّت العُمرةُ لمن اعتمَر، فقدم النَّبي، ﷺ وأصحابه صَبيحة رابعةٍ مُهلَّين بالحَجِّ، فأمَرهم أن يجعَلوها عُمرة، فتعاظَمَ ذلك عندَهُم، فقالوا: يا رسولَ الله! أيُّ الحِلِّ؟ قالَ: " الحِلُّ كُلُّه ". قوله: " إذا برأ الدَّبر " يحتَمل أن يكونوا أرادُوا بروء الدَّبرِ من ظهور الإبل إذا انصَرفَت عن الحَجَّ دَبرت ظُهُورها. وقوله: " عفا الأثَرُ " أي: ذهَبَ أثَرُ الدّبر. يقال: عَفا الشيءُ، بِمَعنى دَرسَ وأمَّحى، إلا أنَّ المَعروفَ من هذا في عامَّةِ الرواياتِ: عَفا الوَبرُ، ومعناه: طَرَّ الوَبرُ وكَثر.

стр. 761

يقالُ: عفى الشيءُ، بِمعنى كَثُر. ومنهُ قَوله : " حتَّى عَفَوا " أي: كَثُروا، وقد رَوى ربيعةُ بنُ أبي عبدالرحمنِ، عن الحارِث بنِ بلال، عن أبيهِ، أنّه قالَ: يا رسولِ الله! فَسخُ الحَجِّ لنا خاصة، أو لمن بَعدَنا؟ فقالَ: لكم خَاصَّة. وعلى هذا قول أكثَرِ اهل العلمِ، وقالوا: إنّ المحرمَ بالحجِّ إذا أفسدَ إحرَامه مضى فيه معَ الفَساد، وكانت عليهِ الفِدية إلا أحمدَ ابنَ حنبل، فإنَّ أبا عبد اللهِ الأثرمَ حكى عنهُ أنّه

стр. 762

كانَ يُضَعفُ /حديثَ الحارثِ بنِ بلال بنِ الحَارث ويقولُ: ليسَ الحارثُ بنُ بلال بِمعروفٍ، ولم نَسمع أنّ أحداً روى عنهُ غيرَ ربيعَةَ، وليسَ يردُّ الأحاديثَ الصحاح بهذا، وقد روى فَسخ الحَجِّ جماعةٌ منهم: ابنُ عباس، وجابر، وأنسٌ، وعائشهُ، وحفصَة، وأسماءُ بنتُ أبي بَكرٍ، والبَراءُ بنُ عازبٍ، وكان أحمدُ يجيز ذلكَ لغيرِهم من النَّاس.

стр. 763

(٣٤) (البَاب نَفسه) ٣٥٣/ ١٥٦١ - قالَ أبو عبدِ اللهِ: حدَّثنا عَثمانُ، قالَ: حدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن الأسودِ، عن عائشة، وذكَرت قِصة خروجهَا في الحَج معَ رسول الله، ﷺ ، وأنّ صَفية حاضَت، فقالتْ " مَا أراني إلا حَابستهُم. قال النبي، ﷺ ، عَقرى حَلقَى أو ما طُفتِ يومَ النَّحر "؟ قالت: بلى. قال: " لا بَأسَ: انفري " قَولُه: عَقرَى حَلقَى: دعَا علَيها، بأن يَنالها في بدنها عَقرٌ، وأن يُصيبها في حَلقها داءٌ، هكذا يُروى: عَقرى، على وزنِ فَعلى، وقياسُه في الكلام: عَقراً حَلقاً، علي مذهب الدُّعاء كما يقالُ: تَعساً، ونُكساً، وأخَواتهما، وقد تُفَسَّر هاتانِ الكَلمتانِ تفسيراً آخر، يقالُ: إنَّه دعا عليها بأن تعقٍر، اي تَصيرُ عَاقراً لا تَلدُ. قالَ: ويقالُ امرأةٌ حالقٌ، إذا حَلَقت

стр. 764

قومَها بِشؤمِها. وهكذا قَالهُ بعضُ أهل اللغةِ، وأحسبُهُ النَّضر بن شُميلٍ. وقالَ الأصمَعي: تَقولُ العربُ في الدُّعاءِ عن الإنسان: أصبَحت أمه حَالقاً أو ثَاكلاً، وعلى الوَجهينِ جَميعاً، فإنَّهم قد يُرسلون هذا وأمثاله من الكَلام عندَ استِزادةٍ، واستبطاءٍ في كَلامِهم. وفيهِ: دَليلٌ على أنَّ الحائضَ إذا كانتْ قدْ طافَت طوافَ الإفاضَةِ في حالِ طُهرها لم يكن عليها أن تُعرَّج لطوافِ الوَداعِ.

стр. 765

(٣٤) (الباب نفسه) ٣٥٤/ ١٥٦٦ - قالَ أبو عبدِ الله: حدَّثنا إسماعيلُ، قالَ حدَّثنا مالكٌ، وحدَّثنا عبداللهٍ بنُ يوسفَ، قالَ: أخبَرنا مالكٌ عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن حَفصةَ - زوجِ النبي، ﷺ أنّها قالت: يا رَسول الله، ما شأن النَّاسِ حَلُّوا ولم تَحِل أنتِ من عُمرَتك؟ قال: " إني لبَّدتُ رأسي، وقَلَّدتُ هدْيي، فلا أَحلُّ حتى أنحر " قلتُ: هذا يَدل على أنَّه قد كانت هناكَ عمرةٌ، وقد عُلمَ أنَها لم تَكن مُفردة، وإنَّما هي عُمرةٌ مَقرونةٌ بالحَجِّ، فَصحَّ من هذا الحَديثِ، وَ (بدلالةِ)، أحاديثَ أُخر أشهَرها حديثُ أنسٍ أنّه كانَ قارناً.

стр. 766

وقوله: " لبَّدتُ رأسي ". فإنَّ التَلبيد إنَّما (هو) علاجُ الشَّعر بالصمغِ ونحوِه حتى يجتَمعَ، ويتلبَّدَ، فلا يتخَلله الغُبار، ولا يقَعُ فيه الدَّبيب، وإنّما يفعَله من يَطولُ مُكثه، وتتطاولُ الأيامُ به في قَضاء أعمالِ الحَجِّ ومناسِكهِ دونَ المُعتمر، الذي إنَّما هو طَواقٌ وسعيٌ، فإذا هو قد حَلَّ.

стр. 767

(٤١) (باب من أين يَخرجُ من مكَّة) ٣٥٥/ ١٥٧٨ - قال أبو عبدِ اللهِ: حدَّثنا محمودُ بنُ غيلان، قال: حدّثنا أبو أسامة، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروة، عن أبيهِ، عن عائشةَ أنّض النبي، ﷺ ، دَخلَ عام الفتح من كداءِ من اعلا مكة، وخَرجَ من كُداً. المُحدِّثون قلَّ ما يُقيمونَ هذين الاسمين، وإنَّما هُما كُديٌّ، وكَداءُ، وهما ثنيتانِ. قالَ الشاعر: انتَ ابنُ مُعتَلج البطاحِ كُدَيِّها وكَدائِها.

стр. 768

(٤٢) (بابُ فَضلِ مكة وبُنيانِها) ٣٥٦/ ١٥٨٤ - قالَ أبو عبدِ الله: حدّثنا مُسدَّدٌ، قالَ: حدّثنا أبو الأحوص، قال: حدّثنا أشعبُ، عن الأسود بنِ يزيد، عن عائشةَ، ﵂، قالت: سألتُ النَّبي، ﷺ ، عن الجَدرِ أمِنَ البيتِ هو؟ قالَ: " نعم ". قلتُ: فما لَهم لم يُدخلوه في البَيتِ؟ قالَ: " إنّ قَومَكِ قَصرت بهم النّفقة ". قلتُ: فما شأنُ بابهِ مرتَفعاً؟ قالَ: " فعلَ ذاكَ قَومكِ ليُدخلوا من (شاءُوا) ويمنعوا من (شَاءُوا)، ولولا أنّض قومَكِ حديثٌ عهدهم بالجاهِليّةِ، وأخافُ أن تُنكر قُلوبهم لنَظرتُ أن أُدخلَ الجدرَ في البيتِ، وأن أُلصِقَ بابَهُ بالأرضِ ". الجِدرُ: الجِدارُ، وأرادَ بِهِ الحَجر. وفي الحَديثِ، دليلٌ على أنّض بعضَ الوَاجباتِ قد يَجوز تركُها مالم تكن فَريضةً لازِمةً إذا كان يُخاف عندَ فعلهِ أن يتولدَ منهُ فسادٌ، وَرُجِّي / في تَركهِ نفعٌ، أو صَلاحٌ.

стр. 769

وفي قَولِه " وأنْ أُلصِقَ بابَهُ بالأرضِ ". بيانُ أنّض الناسَ غيرُ مَحجوبين في حقِّ الدِّين مشن دخول البيتِ أي وقتٍ شاءُوا، ولكنّه ﷺ ، إذ لم يفعل ذلك، وَتَركَ أمرهُ على ما كانَ عليهِ في قَديمِ الدّهرِ، وسلّم مِفتاحه إلى بني عبدِ الدَّار، وقالَ: خُذوها خالدةً تالدةً " ثم قالَ في خُطبَتِهِ: " ألا إنَّ كل دمٍ ومأثرةِ تحتَ قَدَمي إلا سقايةَ الحَاجِّ، وسِدانةّ البيتِ فإنَّه لا يجوزُ لأحدٍ أن ينزِعهما من أيديهم، أو يحول بينهم وبينَ ذلك، ولك عَليهم أن يَحفَظوه حِفظَ صِيانةٍ وأن لا يحبسوا الناسَ عنهُ حَبسَ منعٍ وحِمايةٍ " وإذا كانَ الحجر هو جزءا من البيتِ لا يَحلُّ لأحدٍ أن يَحجبَ النَّاسَ عنهُ، كانَ داخِلَ البيتِ بِمثابتهِ، لا فرقَ بينهما، وقد قالَ تعالى: " سواءً العاكِفُ فيها والبادِ " فأمَّا ما يأخذه السدنة من النَّاسِ من جُعْل على فتحِ

стр. 770

بابهِ، والإذنَ في دخولِهِ، فإنَّه لا يطيبُ لهم، وإنَّما يجبُ أجرهم فيما يتَولونه من عِمارَتهِ، وتحصينِ بنائه، وكنسِهِ وتنظيفهِ، وكِسوتهِ، وطيبه، وسائِر مصالحهِ في بيتِ المالِ من الخُمسِ. وقد رُوي عن أبي العالية الرَّياحي في قول الله : " واعلمُوا أنَّما غَنِمتُم مِن شَيءٍ فأنَّ لله خُمُسَه " الآية. قال: السّهم المضافُ إلى الله إنَّما هو للكَعبةِ، بيتِ الله. وقال أكثر أهلِ العلمِ: إنَّما هو افتتاح كَلامٍ، بُدئ فيه بِذكرِ اللهِ على سَبيلِ التَبركِ، وأضيفَ هذا المالُ إليهِ لتَشَرّفِهِ وَطيبهِ، وإنّما يُضاف إلى الله تَعالى معالي الأمور، وَمحاسنها، وسهمُ الله وَرسولِه واحدٌ. قلتُ: وقولُ أبي العاليةِ قولٌ حسنٌ، وعلى هذا القياسِ

стр. 771

أمن المساجد، والمشاهد، والمرابط، والمنازل، التي ينتابُها النّاس لإقَامةِ العبَادةِ، أو لنفعٍ (بارتِفاقٍ)، وكذلك الآبار العاديّة والحياض والبرك في المفاوز والبَوادي المسَبّلةُ، فإنَّ كل من حال بينها وبين الناس إلا بِجُعْلٍ، أو نَولٍ يأخُّذه منهم، كانت يَدُهُ / مقصُورةُ إلا أن يكونَ للقيَّم الذي يتَولاها صُنعٌ، أو عَملٌ، كَسَقي الماء للوارِدةِ، وتنظيفِ المَكانِ للنَّازلةِ، ونَحوها من الأمورِ، فإنَّ أجر العاملِ في ذلكَ يلزمُ من استَعملهُ في ذلك، واستَأجرهُ عليهِ.

стр. 772

(٤٢) (الباب نفسه) ٣٥٧/ ١٥٨٥ - قالَ أبو عبدِ الله: حدَّثني عُبيد بن إسماعيل، قالَ: حدّثني أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: قال لي رسولُ الله، ﷺ ، " لَولا حَدَاثة قَومكِ بالكُفر لنقَضتُ البيتَ، ثمَ أبنيهِ على أساسِ إبراهيمَ، فإنّ قريشاً استقصرتْ بناءَهُ، وجعلت له خَلفاً. قوله: " جعَلت لهُ خَلفاً ". يريد باباً من خَلفهِ، يدخُلُ الناس إليه من وجهه، ويخرُجون من خَلفِهِ.

стр. 773

(٤٤) (بابُ تَوريثِ دُورِ مكةَ وبَيعها وشِرائها) ٣٥٨/ ١٥٨٨ - قالَ ألو عبدِ الله: حدَّثني أصبغُ، قالَ: أخبرني ابنُ وهب، عن يونس، عن ابنِ شِهابٍ، عن علي بنِ حُسينٍ، عن عمرو بنِ عثمان، عن أُسامةَ بن زيدٍ أنّه قالَ: يا رَسولَ الله، أينَ تنزِلُ في دَاركَ بمكَّة؟ فقالَ: " وهل تَرك عَقيلً، من رِباعٍ أو دُورٍ " استَدل به الشافعي ﵀ في جَوازِ بيعِ دُورِ مكَّة وإجارتها، وموضعِ الاستدلالِ منه (أنّهُ) أجازَ بيعَ عقيلٍ

стр. 774

الدُّور التي كان وَرثها، وكانَ عقيلٌ وَطالبٌ ورثا أبا طالبٍ، ولم يرثه علي، ولا جَعفر، لأنّهما كانا مُسلمين، وكَان عَقيل، طالبٌ إذ ذاك كافرين فَورثاه، ثمّ أسلم عَقيل، وباع الدُّور والعقار، فاستدل الشَافعي، بذلك على صحةِ ملكه فيها، وعلمي أن أنَّ تلكَ الدُّور لو كانت قائمة على ملك عقيلٍ، لم يَنزلها رسول الله، ﷺ ، لأنَّها دَورٌ هجروها في الله، وتَركوها له، فلم يكونوا ليعودوا فيها بسكناها، ولم (يبلُغنا) عن أحدٍ منَ المُهاجرين أنّضه سكنَ داره بمكة بَعدَما وَصلت أيديهم إليها، زمان الفتحِ وكانَ أولاهُم بذلكَ رسول الله، ﷺ .

стр. 775

(٤٥) (بابُ نزول النبي ﷺ مكة) ٣٥٩/ ١٥٨٩ - قالَ أبو عبدِ الله: حدّثنا أبو اليمان، قالَ أخبرنا شُعيب، عن الزُّهري، قالَ: حدّثني أبو سلمَة، أنّض أبا هريرة قال: قال رسولُ الله، ﷺ ، حينَ أرادَ قُدوم /مكة: " منزِلنا غداً إن شاء الله بخيفِ بني كشنانة حيثُ تَقاسموا على الكُفر ". الخيفُ: هو ما انحدر عن الجبلِ، وارتفعَ عن المسيلِ. ويقالُ: إنَّه وادٍ بِعينه. وجاء في رِواية أخرى أنّ موضع هذا الخيف المحصَّب، وأمّا تَقاسُمهم على الكُفر فإنّ قريشاً تحالفت على أن لا يُكلموا بني هاشم، ولا يُجالسوهم، ولا يناكحوهم، ولا يبايعوهم. حتى يُسلِّموا رسول الله، ﷺ ، فيشبه أن يكون صلى الله عليه وسلم
следующие страницы →